النص المفهرس
صفحات 461-480
ج - ١٤ الصرف والمراطلة ٤٦١ لم يجروه على عمومه، بل خصوه بصرف المختلف من الأجناس، أو بما لا يكال، ولا يوزن من المتخذة الأجناس)، إلا طائفة من المالكيين أخذوا ذلك عنه، وعن أصحابه، (قلت: بل عن سعيد بن جبير وحده، كما تقدم)، وهم محجوجون بالسنة الثابتة التى هى الحجة على من خالفها، وليس أحد بحجة عليها، ونقل النووى فى "شرح مسلم" إجماع المسلمين على ترك العمل بظاهر حديث أسامة اهـ ملخصا من "شرح المهذب" (٤١:١٠). وبالجملة: فتحريم ربا الفضل مما قد أجمع عليه، ولا ينكره منكر، ولا يجحده جاحد، وأما ربا النسيئة مع التفاضل، فهو حرام بنص القرآن: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾، وقوله: ﴿وذروا ما بقى من الربا﴾، فإنه وارد فى ربا الجاهلية، ولم يكن إلا نسيئة، قال شارح "المهذب": وقد أطبقت الأمة على تحريم التفاضل إذا اجتمع مع النسا، وأما إذا انفرد نقدا، فإنه كان فيه خلاف قديم، وانتدب جماعة من العلماء لتبيين رجوع من قال بذلك من الصدر الأول، والتشرف إلی دعوى الإجماع على التحريم اهـ ملخصًا (٢٦:١٠). وأما النسيئة بدون التفاضل فهو حرام فى الجنس والجنسين، إذا كان العوضان جميعًا من أموال الربا، كالذهب بالذهب والذهب بالفضة، والحنطة بالحنطة، والحنطة بالتمر، وذلك مجمع عليه بين المسلمين، وممن نقل الإجماع عليه صريحًا الشيخ أبو حامد، ونقل جماعة عدم الخلاف فيه، منهم ابن حزم فى كتاب مراتب الإجماع من الأدلة على التحريم فى ذلك الأحاديث المتقدمة، كحديث أسامة، وحديث البراء، وزيد بن أرقم، وحديث أبى سعيد الخدرى. أما حديث أسامة فقوله: ((إنما الربا فى النسيئة)) إن جعلناه منسوخًا، فالمنسوخ منه الحصر خاصة، كما قيل مثله فى ((إنما الماء من الماء))، فإن الحكم بالإثبات مستمر لم ينسخ، وإن حملناه على أنه جواب عند اختلاف الجنسين، فيكون دالا على تحريم النسأ فى الجنسين، وفى الجنس الواحد بطريق أولى، لأن تحريم(١) النسأ آكد بدليل تحريمه فى الجنسين، فإذا حرم التفاضل فالنسأ أولى، وحديث البراء، وزيد صريح (١) وبهذا اندحض قول بعض الأحباب: إن ربا الفضل أظهر نوعى الربا، ولا يظن أن يشتبه على من يعرف الربا، وأما ربا النسيئة ففيه خفاء، وهو مما يمكن أن يشتبه على الناس إلى آخر ما قال، وأطال ولم يدر أن ربا الفضل كان فى تحريمه خلاف قديم إذا كان يدا بيد، وربا النسيئة مجمع على تحريمه بين المسلمين لم يختلف فيه اثنان، ويدل على أشديته ما ذكره شارح "المهذب" أن ربا الفضل، إنما يحرم فى الجنس الواحد دون الجنسين، والنسيئة حرام فى الجنسين أيضًا، فافهم، فإن الفقه عزيز، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.١٢ ظ ٠ ٤٦٢ الصرف والمراطلة إعلاء السنن فى النهى عن بيع الذهب بالورق دينا، ففى الجنس الواحد أولى، كما تقدم. وفى حديث أبى سعيد: ((ولا تبيعوا منها غائبا بناجز))، وهذا صريح فى منع الآجل فى الجنس الواحد، بل عمومه شامل لكل المذكور سواء كان جنسا، أو جنسين، وقد أخذ هذا الحكم أيضًا من قوله مرّةٍ: ((ها وها)) (شرح المهذب ٦٨:١٠). الرد على أبى إسحاق الهندى فى قوله بإباحة ربا التجارة: هذا وقد ظهر فى الهند جاهل أو متجاهل ألف وريقات سماها بـ "كشف الغطاء عن وجه الربا" ، ادعى فيها أن الربا المعروف الآن بربا التجارة، ولم يكن فى خير القرون ويعبر عنه بالهندية (بتجارتى بياج)، وبالبريطانية (إنترست)، فهو ربا صورةً ولفظًا، لا حقيقةً ومعنى، وهو مثل ربا الجاهلية فى الصورة، وغيره فى الحقيقة، فهذا الربا نوع من التجارة المباحة فى الحقيقة، فلذلك سمى بربا التجارة، فهذا هو القسم الثالث من الربا، وهو الحادث بعد خير القرون المشابهة فى الجملة بالمضاربة وغيرها من العقود، والدليل على ذلك أن الربا المحرم فى الشريعة يهلك به المعطى، ويتمول به الآخذ، ويعطيه الفقراء، ويأخذ الأغنياء، وهذا الربا يعطيه الأغنياء كثيرا، والفقراء قليلا، ويأخذ الفقراء كثيرا، والأغنياء قليلا، وينتفع به الفريقان انتفاعا كثيرًا، والمعطى أكثر انتفاعًا من الآخذ، فبين الربا المحرم وربا التجارة بون بعيد، ولا تصح مقابلته بالصدقة، وقد شاع فى الدنيا، واشتغل به الأعلى والأدنى، كما لا يخفى على الماهرين، ينبغى الإعراض عن الجاهلين، ومن لم يعرف حال زمانه فهو جاهل، ولا ريب فى حله، ولم يدل على حرمته، وقد أخطأ من حرم هذا الربا، وأوقع المسلمين بالردىء، فإلى الله المشتكى، انتهى كلامه ملخصًا (١٧:١٦-١٨). فهل سمعتم أو رأيتم أجهل من هذا الذى يعترف بكون ربا التجارة نوعا من الربا، ثم يجسر على الإفتاء بحله اتباعًا للهوى، ناسيا قوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾، ومعرضا عن حديث عمر رضى الله عنه: ((فاتقوا الربا والريبة))، وسلمنا أن هذا الربا بهذه الصورة لم يكن فى خير القرون، فهل الحرام بتغير صورته ينقلب من الحرمة إلى الحل؟ لا أظن جاهلا يدعى مثل ذلك فضلا من عاقل، وإلا فليقل هذا المدعى بجواز الزنا بالإيلاج فى الفم، بدليل أن هذا نوع ثالث من الزنا، لم يكن فى خير القرون، وإنما كان الزنا إذ ذاك بالإيلاج فى القبل أو الدبر، ولم يكن بالإيلاج فى الفم أصلا، هذا نوع آخر قد اخترعه ملاحدة أوروبا وفساقها، ولم يدل على حرمته، لكونه لا يفضى إلى اختلاط الأنساب، وبقاء أولاد الزنا بلا ولى مرشد، كما يفضى إليه الإيلاج فى قبل ج - ١٤ الصرف والمراطلة ٤٦٣ المزنية، ولا إلى الإضرار بالمرأة أو الصبى كما يؤدى إليه الإتيان فى الدبر، وليقل أيضًا: إن الرقص المحرم هو الذى يفعله الرجال وحدهم أو النساء وحدهن، وأما الرقص الذى قد شاع فى هذا الزمان، وهو رقص الرجل آخذا بيد المرأة عارمين كلاهما، فهو نوع ثالث من الرقص، لم يكن فى خير القرون، ولم يدل دليل على حرمته، لأن هذا يفعله أهل الدول، وأرباب الحكومة، والرقص المحرم، إنما كان يرتكبه السفلة من الرجال أو المومسات من النساء، وليقل أيضًا: بجواز شرب الخمر المستقطرة من بخبرة عصير العنب ونحوه، فإن الخمر المستقطرة لم تكن فى خير القرون قط، بل هى من اختراعات هذا الزمان الذى هو مبدع كل شر، وعدو كل خير وأمان، وإنما كانت تتخذ فى سالف الزمان من عصير العنب بنقعه وعصره. وبعد ذلك فنقول: إن ملاك الأمر فى العقود، إنما هى حدودها وأركانها التى ذكرها الفقهاء رحمهم الله تعالى بعد إمعان النظر فى الكتاب والسنة، فمتى صدق على عقد حده الذى ذكره الفقهاء کان له حکمه، سواء كان فى خير القرون أو لم يكن، ولولا ذلك لم یکن کتاب الله تبيانا لكل شىء، ولا الشرع كافلا لأحكام الحوادث الكائنة إلى يوم القيامة، ولزم الخلف فى قوله تعالى: ﴿الیوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى﴾، ولا يلتزمه إلا كافر أو منافق أو ملحد زنديق، وإذا عرفت ذلك فسل هذا المدعى المفترى على الله ورسوله عن ربا التجارة التى شاعت فى هذا الزمان وادعى حله أنه ماذا حقيقته؟ فإن قال: ولن يقول غير ذلك أبدا: إن حقيقته أن تقرض البنك أو البوسطة دراهم معدودة مائة أو مائتين، أو ألفا ونحوها، وتأخذ منه كل شهر ربحا معلوما مع كون دراهمك بتمامها دينا على البنك أو البوسطة من غير أن ينقص منها شىء، فسله هل هذا إلا إقراض واستقراض واسترباح بالقرض؟ فإن أجاب نعم، ولا بد قلنا: هذا هو عين الربا الذى حرمه القرآن، وأذن بحرب من الله ورسوله من ارتكبه من الإنس والجان. قال ابن حزم فى "المحلى": الربا لا يكون إلا فى بيع أو قرض أو سلم، وهذا ما لا خلاف فيه من أحد، وهو فى القرض فى كل شىء، فلا يحل إقراض شىء ليرد إليك أقل أو أكثر ولا من نوع آخر أصلا، لكن مثل ما أقرضت فى نوعه ومقداره، وهذا إجماع مقطوع به (٤٦٧:٨)، والاسترباح بالقرض هو ربا الجاهلية الذى نزل تحريمه فى الكتاب، وتوعد عليه بشديد العقاب. قال الجصاص فى "أحكام القرآن" له: والربا الذى كانت العرب تعرفه وتفعله، إنما كان قرض الدراهم والدنانير إلى أجل بزيادة على مقدار ما استقرض على ما يتراضون به (٤٦٥:١)، ٤٦٤ الصرف والمراطلة إعلاء السنن وفيه أيضًا: أنه معلوم أن ربا الجاهلية، إنما كان قرضا مؤجلا بزيادة مشروطة، فكانت الزيادة بدلا من الأجل، فأبطله الله تعالى وحرمه، وقال: ﴿وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم﴾، وقال: ﴿وذروا ما بقى ما الربا﴾ حظر أن يؤخذ للأجل عوض (٤٦٧:١). وهذا هو الذى ذكره هذا المدعى المبطل عن لباب النقول من طريق عطاء، قال: كانت ثقيف تداين بنى المغيرة فى الجاهلية، فإذا جاء الأجل، قالوا: نربيكم وتؤخرون عنا، فنزلت: ﴿لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفةٌ﴾، وقال: إسناده مقبول إلى مجاهد وعطاء على قاعدة لباب النقول، وهما إمامان جليلان من تلامذة حبر الأمة سيدنا عبد الله بن عباس، وهذه مراسيل يشد بعضها بعضا، فلا ريب فى (صحة) الاحتجاج بما ورد فيها (ص٤)، بل نقول: إن ربا التجارة المتعارف فى هذا الزمان أشد، وأقبح من ربا الجاهلية، فإنهم لم يكونوا يربون من أول يوم يقرضون فيه، بل إذا لم يقض المديون دينه عند حلول الأجل، بخلاف ربا التجارة، فإنه يلزم المستقرض من أول يوم، ولا يزال يربو يوما فيوما، وأيضًا: فإن هذا المدعى قد نقل عن ابن القيم أن ربا النسيئة لم يبح منه شىء، ولا يشك عاقل فى كون ربا التجارة من ربا النسيئة، فمن أين له أن يدعى حله ما لم يقم الحجة على كونه خارجاً منه؟ ودونه خرط القتاد. وأما قوله: إن الربا المحرم فى الشريعة يبهلك بها المعطى، ويتمول به الآخذ إلخ، فنقول: ليس ذلك من ركن الربا، ولا من حقيقته فى شىء، وإنما ذلك بعض آثاره وعوارضه التى لا يصح بناء الحكم عليها أصلا، وحقيقته ما ذكره هو نفسه عن شرح كنز العمال أنه فضل مال بلا عوض فى معاوضة مال بمال (بيعا كان أو دينا)، وما ذكرناه عن الجصاص أنه أن يؤخذ للأجل عوض اهـ ولا شك فى تحقق هذا المعنى فى ربا التجارة كتحققه فى ربا الجاهلية، بل بزيادة عليه، كما عرفناك آنفا. ومن كان مبلغ علمه بناء الأحكام على الآثار، دون الحقائق يوشك أن يدعى إباحة الزنا؛ لكونه لا يوجب الذلة ولا المسكنة فى هذا الزمان الذى هو مبدأ كل شر وآفة، كما كان يورثها فى الزمن الماضى، وسقوط فرضية الزكاة لكونها لا تورث البركة فى المال والمحبة فى قلوب الرجال، كما كانت تورثها من قبل، ومن سلك هذا الطريق لا يبعد منه تحليل كل حرام، وتحريم كل حلال. والعجب ممن يرد قول ابن نجيم فى "الأشباه": يجوز للمحتاج الاستقراض بالربح، وذلك نحو أن يقترض عشرة دنانير مثلا، ويجعل لربها شيئا معلوما فى كل يوم ربحا اهـ، ويقول: معناه عندى أن من اضطر ولا يجد ما يحبى به نفسه من حلال، أو حرام كالميتة، أو ما يتحصل من المال 30 ج - ١٤ الصرف والمراطلة ٤٦٥ بالسؤال، يجوز له الاستقراض بالربح لیستبقی به نفسه، وإلا فلا، ولا بد من التأويل، ولو لم يؤول قول "الأشباه"، لكان رأيا باطلا مخالفا للنص اهـ، كيف ساغ له القول بجواز ربا التجارة، وحقيقته الاستقراض بالربح ليس إلا؟ وهل هذا إلا خبط عشواء أو تحير عمياء. وبعد ذلك فلا نسلم أن ربا التجارة لا يهلك به المعطى، إذا كسدت تجارته، وانخمدت إجارته، ومن اطلع على ربا أمريكة الذى زلزل أركان الدول العظمى، وأقام على أرباب الخزائن الطامة الكبرى، لم يشك قط فی کون الربا بأنواعه ظلما وعدوانا، قبيحا عقلا وشرعا، وسفكا لدم الإنصاف، ولكن أبا إسحاق الهندى لا يعرف إلا ربح نفسه، ويغمض عينيه عن مضرة غيره، والله سبحانه رحيم بعباده اجمعین. وأما قوله: إن ربا التجارة مشابه فى الجملة للمضاربة اهـ، فلیس إلا کقول من قال: إن ربا الجاهلية، إنما هو من باب الهبة والإحسان، لكون الدائن قد أحسن إلى المديون بتأخير الأجل، فكافأه بزيادة فى قدر الدين، عملا بقوله: ﴿هل جزاء الإحسان إلا الإحسان﴾، أو كقول من قال: ﴿إنما البيع مثل الربا﴾، لكونهما مشتملين جميعا على الاسترباح بالمال، فلو صح ذلك صح كون ربا التجارة من باب المضاربة ونحوها، وإلا فلا يخفى على جاهل فضلا عن عاقل، أن للمضاربة أركانا وشروطا لا تصح بدونها، ولا ينعقد بلفظ الإقراض أصلا، فالمضاربة فى الشرع عبارة عن عقد على الشركة بمال من أحد الجانبين، وعمل من الآخر، وركنها الإيجاب والقبول بألفاظ تدل عليها، مثل أن يقول رب المال: دفعتُ هذا المال إليك مضاربة أو مقارضة أو معاملة ونحوها، ويقول المضارب: قبلت أو ما يؤدى معناه، وحكمها الإيداع عند الدفع، والوكالة عند العمل، والشركة بعد الربح (فتح القدير ٤١٤:٧)، وربا التجارة بمعزل عن ذلك كله، ولا ينعقد إلا بلفظ الإقراض والاستقراض، والمستقرض ضامن للمال بكل حال، وإن كان الهلاك من غير تعد منه، وعليه أن يدفع المقرض دراهم معلومة فی کل شهر ربح، أو لم يربح، ولا حق للمقرض فيما يشتريه المستقرض بماله، بل هو ملك خالص للبنك والبوسطة، وإذا كان كذلك فلا يشبهه بالمضاربة، إلا من أعمى الله قلبه وأضله على هواه. هذا وقد حاول الرد على هذا المدعى الجاهل بعض الأحباب فىرسالة بالهندية سماها "صيانة الورى عن خيانة الربا" فكفى واشتفى، إلا أنه قد جاوز الحد فى إبطال قول الإمام بجواز الربا فى دار الحرب وتوهينه، وإدحاض دلائله وبراهينه، وأخطأً فى قوله: إن ربا الفضل أشد من ربا ٤٦٦ إعلاء السنن تتمة كتاب البيوع وفيها أبواب متفرقة ومسائل منثورة من غير نظم ولا ترتيب باب يدخل المبيع فى ضمان المشترى بالقبض ولا يدخل فى ضمانه قبل القبض ٤٨٠٧- أخرج ابن حزم فى "المحلى" (٣٧٣:٨) من طريق وكيع: نازكريا -هو ابن أبى زائدة- عن الشعبى، قال: اشترى عمر فرسا واشترط حبسه إن رضيه وإلا فلا بيع بينهما بعد، فحمل عمر عليه رجلا فعطب الفرس، فجعلا بينهما شريحا، فقال شريح لعمر: سلم ما ابتعت (به)، أو زد ما أخذت، فقال عمر: قضيت بمر الحق"، وهو مرسل صحيح. ٤٨٠٨- أخرج البيهقى (٢٦٧:٥) من طريق عبد الرزاق: أنا معمر، عن الزهرى، عن ابن المسيب، قال: قال أصحاب رسول الله عَّ له: " وددنا أن عثمان وعبد الرحمن بن النسيئة، وقد نبهت على خطائه فى ذلك، وأجبت عما أورده على دلائل الإمام فى ما مضى، فليراجع هنالك، ولعل فيما ذكرته غنية وكفاية، والعاقل تكفيه إشارة وكناية، وكتابنا المسمى بـ"كشف الدجا عن وجه الربا"، حافل لمسائل هذا الباب، كافل للرد على سائر المنتحلين المبطلين المنحرفين عن الحق والصواب، قد ارتضاه الفحول، ونظر إليه بعين القبول جماعة من أولى الألباب، فانتظره صابرا، فستراه ملحقا بآخر هذا الكتاب، والحمد لله الذى بعزته، وجلاله، ونعمته تتم الصالحات، وصلى الله تعالى وسلم على أشرف المخلوقات، وأفضل الكائنات، سيدنا محمد، وعلى آله، وأصحابه، وأزواجه، وذريته الطيبات الطاهرات. ١٢ ظ باب يدخل المبيع فى ضمان المشترى بالقبض ولا يدخل فى ضمانه قبل القبض قوله: "أخرج ابن حزم إلخ"، قال العبد الضعيف: دلالته على الجزء الأول من الباب ظاهرة، فإن عمر کان قد اشتری الفرس بالخيار، وقضی شریح بدخوله فى ضمانه بالقبض، فلأن يدخل فى ضمانه به، إذا كان البيع باتا أولى، ولا نعلم فيه خلافًا. قوله: "أخرج البيهقى إلخ"، قد تقدم أن البيع يفسد بشرط لا يقتضيه العقد، وفيه منفعة ج - ١٤ يدخل المبيع فى ضمان المشترى بالقبض ٤٦٧ عوف قد تبايعا حتى ننظر أيهما أعظم جدا فى التجارة، فاشترى عبد الرحمن من عثمان رضى الله عنهما فرسا بأرض أخرى بأربعين ألف درهم أو نحو ذلك إن أدركتها الصفقة وهى سِالمة، ثم أجاز قليلا فرجع، فقال: أزيدك ستة آلاف درهم إن وجدها رسولى(١) سالمة، فقال: نعم، فوجدهاوسول عبد الرحمن قد هلكت، فخرج منهما بشرطه الآخر". وهو مرسل صحيح، وقال البيهقى: ورواه غيره وزاد فيه: "ولا أخال عبد الرحمن إلا وقد عرفها". ٤٨٠٩- أخبرنا أبو حرة، عن الحسن، أنه سئل عن رجل ابتاع من رجل طعاما والطعام فى بيت، فأمر به أن يغلق ويدفع المفتاح إليه حتى يستوفيه، فأحرق البيت بما فيه لأحد المتعاقدين، فلو كان المبيع يدخل فى ضمان المشترى قبل قبضه لم يجز شرط عدم دخوله فى ضمانه قبل القبض، فثبت أن هذا شرط يقتضيه(٢) العقد ولا ينافيه، ولذا صح البيع معه ولم يفسد، وفيه دلالة على اتفاق الصحابة على أن المبيع لا يدخل فى ضمان المشترى قبل قبضه، سواء كان مكيلا، أو موزونا، أو غيرهما، وفيه أيضًا جواز الزيادة فى الثمن، وأنها تلتحق بالعقد. قوله: "أخبرنا أبو حرة إلخ": اسم أبى حرة واصل بن عبد الرحمن، وهو ثقة من السابعة، روی له مسلم وغيره، وکان یدلس عن الحسن، وهو ليس بعلة عندنا، ودلالته على الجزء الثانى من الباب ظاهرة، قال الحافظ فى "الفتح": قال ابن حبيب: اختلف العلماء فيمن باع عبدا، واحتبسه بالثمن فهلك فى يديه قبل أن يأتى المشترى بالثمن، فقال سعيد بن المسيب وربيعة: هو على البائع، وقال سليمان بن يسار: هو على المشترى، ورجع إلیه مالك بعد أن كان أخذ بالأول، وتابعه أحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وقال بالأول الحنفية والشافعية. والأصل فى ذلك اشتراط القبض فى صحة البيع، فمن اشترطه فى كل شىء جعله من ضمان البائع، ومن لم يشترطه جعله من ضمان المشترى، والله تعالى أعلم، وروى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن طاوس فى ذلك تفصيلا، قال: "إن قال البائع لا أعطيكه، حتى تنقدنى الثمن، (١) المراد بالرسول الوكيل بالقبض، وقد يطلق الرسول على الوكيل وبالعكس، فافهم. (٢) لا يقال: إن المبيع، إنما لم يدخل فى ضمان عبد الرحمن لشرطه، ولولاه لدخل فى ضمانه، يدل عليه قول الراوى: "فخرجٍ منها بشرطه الآخر"، لأنا نقول: قد أجمعنا على أنه لا يدخل فى ضمان المشترى إذا كان هالكا عند العقد، فلم يكن شرطة الأول للاحتراز، فكذا شرطه الثانى، وقول الراوى: "فخرج منها بشرطه الآخر مبنى على الظاهر، ولا حجة فيه، فافهم. ١٢ظ ٤٦٨ يدخل المبيع فى ضمان المشترى بالقبض إعلاء السنن من مال، قال: هو من صاحب الطعام، من أجل أنه لم يستوفه"، أخرجه محمد فى "الحجج" له (٢٢٧). فهلك فهو من ضمان البائع، وإلا فهو من ضمان المشترى" (٢٩٤:٤). قلت: واحتج محمد فى "الآثار" بما رواه عن أبى حنيفة: حدثنا يحيى، عن عامر(١) عن رجل، عن عتاب بن أسيد، عن النبى مَّهِ، أنه قال له: ((انطلق إلى أهل الله يعنى أهل مكة، فإنهم عن أربع خصال، عن بيع ما لم يقبضوا، وعن ربح ما يضمنوا، وعن شرطين فى بيع، وعن سلف وبیع) (١٠٦)، وهذا سند صالح مع انقطاعه فیه، ورواه البيهقى من حديث ابن إسحاق، عن صفوان بن يعلى بن أمية، عن أبيه، قال: ((استعمل رسول الله عزّ ل عتاب بن أسيد)، فذكر نحوه، قال الذهبى فى "اختصار السنن": سنده جيد، وأخرجه أيضاً من حديث إسماعيل بن أمية، عن عطاء عن ابن عباس، قال رسول الله عَّه لعتاب: ((إنى قد بعثتك إلى أهل الله وأهل مكة، فإنهم عن بيع ما لم يقبضوا، وربح ما لم يضمنوا، وعن قرض وبيع، وعن شرط فى بيع، وعن وسلف))، وأخرجه الطبرانى فى "الأوسط" عن أبى عائشة أن النبى معٍَّ قال لعتاب، فذكره بلفظه المتقدم. قال محمد بن الحسن: وأما قوله: "وربح ما لم يضمنوا"، فالرجل يشترى الشىء فيبيعه قبل أن يقبضه بربح، فإن ذلك لا يجوز اهـ من "عقود الجواهر" (٢٦:٢)، قلت: وفيه النهى عن بيع ما لم يقبض أعم من أن يكون طعاما أو غيره، أو مكيلا أو موزونا أو غيره، وفرق أحمد بينهما، فقال ابن قدامة فى "الشرح الكبير": من اشترى مكيلا أو موزونا لم يجز بيعه حتى يقبضه، وإن تلف قبل قبضه، فهو من مال البائع، ثم قال: وما يحتاج إلى القبض إذا تلف قبل قبضه، فهو من ضمان البائع، فإن تلف بآفة سماوية بطل العقد، ورجع المشترى بالثمن، وإن كان بفعل المشترى استقر عليه الثمن وكان كالقبض، لأنه تصرف فيه، وإن أتلفه أجنبى لم يبطل العقد علی قیاس قوله فى الجائحة، ويثبت للمشترى الخيار بين الفسخ والرجوع (على البائع) بالثمن، لأن التلف حصل فى يد البائع، وبين البقاء على العقد، ومطالبة المتلف بالمثل إن كان مثليا، وبالقيمة إن لم يكن مثليا، وبهذا قال الشافعى (أى وأبو حنيفة أيضًاً)، ولا نعلم فيه مخالفا، وإن أتلفه البائع فقال أصحابنا: الحكم فيه، كما لو أتلفه أجنبى وقال الشافعى: ينفسخ العقد، ويرجع المشترى بالثمن لا غير اهـ ملخصًا (١١٦:٤). (١) هذا هو الصحيح كما نبه عليه الحافظ فى "التعجيل"، وفى الأصل يحيى بن عامر، ويحيى هذا هو يحيى بن عبيد الله بن عبد الله بن موهب مختلف فيه، وثقه ابن معين فى رواية، وقال الجوزجاني: أحاديثه متقاربة من حديث أهل الصدق، كما فى "التهذيب"، وضعفه آخرون (١١ :٢٥٣).١٢ ظ ج - ١٤ يدخل المبيع فى ضمان المشترى بالقبض ٤٦٩ قلت: وقول الشافعى فى إتلاف البائع: هو قولنا معشر الحنفية، وقد ذكر أصحابنا فى كتبهم قول الشافعى، كقول أصحاب أحمد، والله تعالى أعلم. قال ابن قدامة: وما عد المكيل والموزون يجوز التصرف فيه قبل قبضه، وإن تلف فهو من مال المشترى، وعن أحمد رواية أخرى: لا يجوز بيع شىء قبل القبض، اختارها ابن عقيل، وروى ذلك عن ابن عباس، وهو قول أبى حنيفة والشافعى، إلا أن أبا حنيفة استثنى العقار، وقال أبو حنيفة: كل مبيع قبل قبضه من ضمان البائع غير العقار، وقال الشافعى: هو من ضمان البائع فى الجميع، وحكى أبو الخطاب عن أحمد مثل ذلك، واحتجوا بما روى عن ابن عباس أنه قال: "أرى كل شىء بمنزلة الطعام" (رواه الجماعة)، وروى أن النبى مرّ لما بعث عتاب بن أسيد إلى مكة قال: ((إنهم عن ربح ما لم يقبضوا وعن ربح ما لم يضمنوا))، قال: ولنا على جواز بيعه قبل قبضه ما روی ابن عمر قال: " كنا نبيع الإبل بالدراهم، فنأخذ بدل الدراهم الدنانير"، الحديث. (قلنا: ليس هذا من باب بيع بالبقيع المبيع قبل القبض، بل من باب الاستبدال بالثمن قبل قبضة، وهو جائز عندنا، وقياس المبيع على الثمن فاسد، لكون الأول محلا للبيع لا يوجد إلا بوجوده، وينعدم بانعدامه، ولا كذلك الثمن). قال: ولنا على أنه إذا أتلف فهو من ضمان المشترى قول النبى عدّ له: ((الخراج بالضمان))، وهذا المبيع نماؤه للمشترى فضمانه عليه، (قلنا: زوائد المبيع مبيعة عندنا تبعا، وليست من الخراج، وإنما الخراج ما وهب له أو تصدق عليه أو حصل من كسبه، وكل ذلك لا يملكه المشترى قبل القبض، بل يملكه البائع)، وقول ابن عمر: "مضت السنة أن ما أدركته الصفقة حيا مجموعًا فهو من مال المبتاع" اهـ (١١٨:٤). قلت: لا نزاع فيه، بل هو حجة لنا فى كون زوائد المبيع مبيعة، لكونها مما قد أدركته الصفقة حيا مجموعًا مع المبيع، وإنما النزاع فيما هلك فى يد البائع بعد البيع، ولا دلالة فى الأثر على كونه من مال المشترى إلا بطريق المفهوم، وهو ليس بحجة عندنا، كما تقرر فى الأصول. واحتج البخارى رحمه الله بقوله مَّظٍّ لأبى بكر فى قصة الهجرة: ((قد أخذتها بالثمن)، وقد علم أنه لم يقبضها، بل أبقاها عند أبى بكر، فدل على تحقق انتقال الضمان فى الدابة ونحوها إلى المشترى بنفس العقد اهـ، ولا يخفى ما فيه من التعسف، فإن قوله مثل: ((قد اخذتها بالثمن)، إنما وقع فى جواب قول أبى بكر: "فخذ إحداهما"، ولم يرد الأخذ بالید، بل قبول هديته، فكان ٤٧٠ إعلاء السنن باب لا توضع الجوائح عن المشترى بعد ما قبض المبيع ٤٨١٠- عن أبى سعيد الخدرى، قال: "أصيب رجل فى عهد رسول الله عَّ ◌ُله فى ثمار ابتاعها فكثر دينه، فقال رسول الله مرّ له: تصدقوا عليه، فتصدق الناس عليه، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال رسول الله عَّ له الغرماءه: خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك"، رواه مسلم (المحلى (٣٨٥:٨). ٤٨١١- ومن طریق مسلم: نا محمد بن المثنى، نا محمد بن جعفر، نا شعبة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله عَّ له: ((لا تبيعوا الثمر حتى يبدو صلاحه))، فقيل لابن عمر: ما صلاحه؟ قال: "تذهب عاهته" (المحلى ٣٨٧:٨). معنى قوله: ((قد أخذتها بالثمن))، قبلتها به، ولا دلالة فيه على إخراجها من ضمان أبى بكر إلى ضمانه، لأن البائع إذا قال: بعته بكذا، وقال المشترى: أخذته به، لم يستلزم ذلك دخوله فى ضمان المشترى ما لم يقبضه عندنا، فكيف إذ ورد فى جواب من لم يرد البيع، بل أراد الهدية؟ فافهم. ظ باب لا توضع الجوائح عن المشترى بعد ما قبض المبيع قوله: "عن أبى سعيد إلخ"، قال العبد الضعيف: قال الطحاوى: فلما لم يبطل دين الغرماء بذهاب الثمار، وفيهم باعتها، ولم يؤخذ الثمن منهم دل على أن الأمر بوضع الجوائح، ليس على عمومه، قال: وما فى هذه الآثار المروية عن رسول الله مرّ ل التى ذكرتموها فى وضع الجوائح، فمقبول صحيح على ما جاء، ولسنا ندفع من ذلك شيئا لصحة مخرجه، ولكنا نخالف التأويل الذى تأولتموها علیه، ونقول: إن معنى الجوائح المذكورة فيها، هی الجوائح التى يصاب الناس بها، ويحتاجهم فى الأرضين الخراجية التى خراجها للمسلمين، فوضع ذلك الخراج عنهم واجب لازم، لأن فى ذلك صلاحا للمسلمين، وتقوية لهم فى عمارة أرضيهم، فأما فى المبيعات فلا، فأما حديث جابر الثانى (ولفظه: أن رسول الله مُّ لّه قال: ((إن بعت من أخيك ثمرا، فأصابته جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا، بم تأخذ مال أخيك بغير حق))، فمعناه غير هذا المعنى، لأنه ذكر فيه البيع، ولم يذكر فيه القبض، فذلك عندنا على البياعات التى تصاب فى أيدى بائعيها قبل قبض المشترى لها، فلا يحل للباعة أخذ أثمانها؛ لأنهم يأخذونها بغير حق، فأما ما قبضه المشترون، فذلك كسائر البياعات التى يقبضها المشترون لها، فيحدث بها الآفات فى أيديهم، فكما كان غير الثمار يذهب من أموال المشترى، لا من أموال البائع فكذلك الثمار اهـ ملخصًا (٢١٥:٢)، فإن القائلين بوضع ج - ١٤ لا توضع الجوائح عن المشترى بعد ما قبض المبيع ٤٧١ ٤٨١٢- ومن طريق أبى عبيدة: نا عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد، أخبرنى أبو بكر بن سهل بن حنيف: "أن أهل بيته كانوا يلزمون المشترى الجائحة"، قال الليث: وبلغنى عن عثمان بن عفان: "أنه قضى بالجائحة على المشترى" (المحلى ٣٨٤:٨). ٤٨١٣- أخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمى، أخبرنى موسى بن إبراهيم التيمى، عن أبيه، عن سليمان بن يسار، عن(١) سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه: "أنه باع عنبا له بالعقيق من عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه، فجاء بالبينة أنه كان باعه سالما من الجراد، فاختصما إلى عثمان بن عفان رضى الله عنه، فقضى بالثمن وافيا، وقال: هو من مال الله من هذا وابتلاك به"، رواه محمد فى "الحجج" له (٢٠٨)، وسنده حسن، وفى الواقدى كلام إلا أنه مختلف فيه. الجوائح لم يقولوا به إلا فى الثمار خاصةً، فافهم. وقال الحافظ فى "الفتح": وقال الشافعى، والليث، والكوفيون: لا يرجع المشترى على البائع بشىء، وقالوا: إنما ورد وضع الجائحة فيما إذا بيعت الثمرة قبل بدو صلاحها، بغير شرط القطع، فيحمل مطلق الحديث فى رواية جابر على ما قيد به فى حديث أنس، والله أعلم (٣٣٣:٤)، وحديث أنس الذى أشار إليه، رواه البخارى وغيره بلفظ: (أن رسول الله مّ له نهى عن بيع الثمار حتى تزهى، فقيل له وما تزهى؟ قال: حتى تحمر، فقال رسول الله معرّله: أرأيت إذا منع الله الثمرة بم يأخذ أحدكم مال أخيه)) اهـ، فقوله: ((أرأيت إذا منع الله الثمرة)) صريح فى أنه أراد ما بيعت من الثمار قبل بدو صلاحها، فإذا أصابتها عاهة قبل أن يبدو صلاحها، فقد هلكت قبل قبض المشترى، وقد تقدم أن المبيع لا يدخل فى ضمان المشترى قبل قبضه، بل يهلك على ضمان البائع، فافهم. وقال ابن حزم فى "المحلى" بعد ما ذكر حديث أبى سعيد: هذا الذى نحن بصدده، فأخرجه رسول الله عَّه ما ماله كله لغرمائه، ولم يسقط عنه لأجل الجائحة شيئا، فنظرنا فى هذا الخبر مع خبرى جابر المتقدمين (أحدهما: ما رواه مسلم عنه مرفوعًا بلفظ: ((أمر بوضع الجوائح))، وثانيهما: ما ذكرناه آنفا عن الطحاوى، ورواه مسلم أيضاً)، فوجدنا خبرين عن جابر وأنس، قد وردا ببيان تتألف به هذه الأخبار كلها بحمد الله تعالى، فروی أولا حديث أنس الذی ذ کرناه، ثم روی من (١) وأخرجه ابن حزم فى "المحلى" من طريق الواقدى أيضا بسنده هذا، بلفظ: "باع عبد الرحمن بن عوف من سعد بن أبى وقاص عنبا له، فأصابه الجراد فأذهبه أو أكثره، فاختصما إلى عثمان، فقضى على عبد الرحمن برد الثمن إلى سعد اهـ (٣٨٦:٨). ظ. ٤٧٢ إعلاء السنن باب النہی عن بیع الطعام حتی یجری فیه الصاعان ٤٨١٤- نا شريك، عن ابن أبى ليلى، عن محمد بن بيان، عن ابن عمر: "أنه سئل عمن اشترى الطعام قد شهد كيله؟ قال: لا حتى يجرى فيه الصاعان". أخرجه ابن أبى حزم فى "المحلى" (٥٢٣:٨) من طريق ابن أبى شيبة، وسنده حسن، ولكنى لم أقف على محمد بن بيان هذا، وليس هو بالمضعف فى "الميزان"، فإنه أصغر منه بكثير، واحتج ابن حزم بهذا الأثر فهو حجة عنده. ٤٨١٥- نا محمد بن فضيل، عن مطرف -هو ابن طريف - قلت للشعبى: أكون شاهد الطعام وهو يكال فأشتريه آخذه بكليه؟ فقال: مع كل صفقة كيلة"، أخرجه ابن حزم أيضا من طريق ابن أبى شيبة، وسنده على شرط الصحيح. ٤٨١٦- ومن طريق ابن أبى شيبة: نا مروان بن معاوية، عن زياد مولى آل سعيد، قلت لسعيد بن المسيب: رجل ابتاع طعاما فاكتاله أ يصلح لى أن أشتريه بكيل الرجل؟ قال: "لا حتى يكال بين يديك"، وصح عنه أنه قال فيه: "هذا ربا" (المحلى)، زياد مولى آل سعيد لم أعرفه. طريق النسائى حديث جابر: (أن النبى معَّ ◌ُلّ نهى عن بيع الثمر السنين))، فصح بهذين الخبرين أن الجوائح التى لم يسقطها، وألزم المشترى مصيبتها، وأخرجه عن جميع ماله بها هى التى تصيب الثمر المبيع بعد ظهور الطيب فيه، وجواز بيعه، والله تعالى أعلم (٣٨٥:٨). ١٢ ظ قلت: روى البخارى فى "الصحيح" عن الزهرى قال: "لو أن رجلا ابتاع ثمرا قبل أن يبدو صلاحه، ثم أصابته عاهة، كان ما أصابه على ربه " اهـ من "فتح البارى" (٣٣٣:٤). تتمة باب النهى عن بيع الطعام حتى يجرى فيه الصاعان قوله: "نا شريك إلى آخر الباب"، قال العبد الضعيف: دلالة الآثار على معنى الباب ظاهرة، وقول الشعبي: "لكل صفقة كيلة" صريح فى أن وجوب الصاعين، إنما هو فى صفقتين، كما قاله صاحب "الهداية"، فتذكر، قال ابن حزم فى "المحلى": وهو قول عطاء ابن أبى رباح، وأبى حنيفة، والشافعى، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبى سليمان، وقال مالك: إذا بيع بالنقد، فلا بأس بأن يصدق البائع فی کیله ولا يكتاله، ویکره ذلك فی الدین، وهذا قول لا نعلمه عن أحد قبله، وخالف فيه صاحبا لا يعرف له مخالف منهم (أراد به ابن عمر رضى الله عنهما)، وخالف فيه ج - ١٤ ٤٧٣ ٤٨١٧- ومن طريق ابن أبى شيبة: نا زيد بن الحباب، عن سوادة بن حيان، سمعت محمد بن سيرين سئل عن رجلين اشترى أحدهما طعاما والآخر معه فقال: قد شهدت البيع والقبض، فقال: خذ منى ربحا وأعطنيه؟ فقال: "لا حتى يجرى فيه الصاعان، فتكون لك زيادته وعليك نقصانه" (وفى نسخة: له زيادته وعليه نقصانه) (المحلى)، سوادة بن حيان لم أعرف من ترجمه. ٤٨١٨- ومن طريقه نا وكيع عن عمر أبى حفص، قال: سمعت الحسن البصرى وسئل عمن اشترى طعاما وهو ينظر إلى كيله؟ قال: "لا حتى يكيله" (المحلى ٥٢٣:٨) سند حسن. ٤٨١٩- ومن طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهرى، عن سعيد بن المسيب، قال: " فى السنة التى مضت أن من ابتاع طعاما أو ودكا أن يكتاله قبل أن يبيعه، فإذا باعه اكتيل منه أيضا إذا باعه كيلا" (المحلى ٥٢٣:٨) وهذا سند صحيح، وقول ابن المسيب: "فى السنة التى مضت" حكم الرفع. باب جواز بيع العبد الآبق والجمل الشارد إذا كان المشترى يعلم مكانه ٤٨٢٠- روى ابن أبى شيبة: نا عبدة بن سليمان، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه اشترى بعيرا وهو شارد" (المحلى ٣٩١:٨)، وسنده صحيح. جمهور العلماء، وما نعلم لقوله حجة أصلا اهـ (٥٢٣:٤).١٢ ظ باب جواز بيع العبد الآبق والجمل الشارد إذا كان المشتری یعلم مكانه قوله: "روى ابن أبى شيبة إلخ"، قال العبد الضعيف: جعل ابن حزم أثر ابن عمر هذا معارضا لحديث أبى سعيد الخدرى: ((نهى رسول الله مَّه عن شراء ما فى بطون الأنعام حتى تضع، وعن ما فى ضروعها إلا بكيل، وعن شراء العبد الآبق، وعن شراء المغانم حتى تقسم، وعن شراء الصدقات حتى تقبض))، ولا منافاة بينهما، فإن أثر ابن عمر محمول على ما إذا علم المشترى، أو البائع، أو كلاهما مكانته، وكان مقدورا عليه، وحديث أبى سعيد على ما إذا لم يعلم مكانه، بدليل ما فى أثر شريح من تقييد الجواز بالعلم. ٤٧٤ جواز بيع العبد الآبق والجمل الشارد إذا كان المشترى يعلم مكانه إعلاء السنن ٤٨٢١- ومن طريق حماد بن سلمة، عن أيوب السختياني، عن محمد ابن سيرين: "أن رجلا أبق غلامه، فقال له رجل: بعنى غلامك، فباعه منه ثم اختصما إلى شريح، فقال شريح: إن كان أعلمه مثل ما علم فهو جائز". (المحلى)، وسنده صحيح. وأما تعليله حديث أبى سعيد بكون جهضم، ومحمد بن إبراهيم، ومحمد بن زيد مجهولین، وشهر بن حوشب مترو کا، فرد علیه، فإن جهضما هذا هو جهضم بن عبد الله ابن أبی الطفيل القيسى مولاهم اليمامى، روى عنه إبراهيم بن طهمان، وحاتم بن إسماعيل، والثورى، ومعاذ بن هانئ، وابن مهدی، ومحمد بن سنان العوفى وغيرهم. قال الدورى عن ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: هو أحب إلى من ملازم وهو ثقة، وذكره ابن حبان فى "الثقات"، وقال أبو داود عن أحمد: كان رجلا صالحا لم يكن به بأس (تهذيب ١٢٠:٢)، ومن يروى عنه أمثال هؤلاء الأئمة الثقات لا يكون مجهولا قط. وأما محمد بن زيد ·العبدى، فالظاهر أنه ابن زيد بن على بن القموص الكندى، ویقال العبدی قاضی مرو، روى عنه الأعمش، ومقاتل بن حيان، ومعمر، وداود بن الفرات، وعلى بن الحكم البنانى وغيرهم، قال أبو حاتم: صالح الحديث لا بأس به، وذكره ابن حبان فى "الثقات" (تهذيب ١٧٣:٩). وأما شهر بن حوشب، فقال أبو حاتم: ليس بدون أبى الزبير، وقال أبو زرعة: لا بأس به، وقال يعقوب بن شيبة: شهر ثقة طعن فيه بعضهم، ووثقه ابن معين، وأحمد بن حنبل، والعجلى، والفسوی، وروی له مسلم مقرونا، واحتج به غير واحد، قاله المنذرى فى خاتمة الترغيب (٥٢٩)، ومثله لا يكون مترو كا، بل هو حسن الحديث، كما مر غير مرة. وأما محمد بن إبراهيم الباهلى فلا نعلم روى عنه غير جهضم اليمامى، ولم نر فيه جرحا ولا تعديلا، إلا أن الترمذى قد حسن حديثه كما مر، ولا يبعد ممن جهل الترمذى أن يجهل من رواته من هو حسن الحديث عنده، والله تعالى أعلم. وقال المحقق فى "الفتح": وعلى كل حال فالإجماع على ثبوت حكمه دليل على أن المضعف بحسب الظاهر صحيح فى نفس الأمر اهـ (١٠:٦)، قلت: وابن حزم ومن وافقه محجوجون بإجماع من قبلهم. فإن وجدها المبتاع ذهب من مال البائع بثلاثين دينارا، وإن لم يجدها ذهب البائع منه بعشرين دينارا، وهما لا يدريان كيف يكون حالهما فى ذلك؟ ولا يدريان أيضًا، إذا وجدت تلك الضالة كيف تؤخذ؟ وما حدث فيها من أمر الله مما يكون فيه نقصها وزيادتها؟ فهذا أعظم المخاطرة، (روى) ابن وهب وأنس بن عياض وابن نافع عن عبد العزيز بن أبى سلمة مثله، وقال عبد العزيز: ج - ١٤ جواز بيع العبد الآبق والجمل الشارد إذا كان المشترى يعلم مكانه ٤٧٥ ٤٨٢٢- ومن طريق عبد الرزاق: نا معمر، عن أيوب السختياني، قال: "أبق غلام لرجل، فعلم مکانه رجل آخر فاشتراه منه، فخاصمه إلی شریح بعد ذلك، قال ابن سيرين: فسمعت شريحا يقول له: أ كنت أعلمته مكانه ثم اشتريته؟ فرد البيع، لأنه لم يكن أعلمه" (المحلى ٣٩١:٨)، وسنده صحيح. ومما يشبه المخاطرة اشتراء الضالة والآبق، كذا فى "المدونة" (٢٥٤:٣). قلت: وهو محل ما روى عن بعض السلف من النهى عن بيع الغائب، أراد به غائبا مفقودا لا يعلم مكانه، ولا حياته من موته، ولم يكن مقدورا عليه، وأما الغائب الذى قد علم مكانه، وهو مقدور علیه، فبيعه جائز. أغرب ابن حزم فى قوله: "إنه لا غرر فى بيع الآبق مطلقًا": وأغرب ابن حزم حيث ادعى أنه لا غرر فى بيع الآبق، والجمل الشارد، عرف مكانه، أو لم يعرف، لأنه بيع شىء قد صح ملك بائعه عليه، وهو معلوم الصفة والقدر، فعلى ذلك يباع ويملكه المشترى، فإن وجده فذلك، وإن لم يجده فقد استعاض الأجر الذى هو خير من الدنيا وما فیها، وربحت صفقته اهـ (٣٨٩:٨). قلت: يا سبحان الله! لو كان مثل هذا يستعيض الأجر لبطل حرمة القمار، وكان كل مقامر مستحقا للأجر، وليت شعرى ما هو الخطر الذى حرم القمار لأجله، وما الفرق بينه وبين الغرر الذى فى بيع الآبق والشارد؟ وأما قوله: ولو كان هذا غررا لكان بيع الحيوان كله حاضره وغائبه غررا، لأنه لا يدرى مشتريه أ يعيش ساعة بعد ابتياعه أن يموت؟ ولا يدرى أ يسلم أم يسقم؟ اهـ، ففيه أن احتمال الموت فيما هو حى سالم نادر، ولا عبرة بالنادر، وإلا لانسد باب البيع، والنكاح وغيرهما من العقود، لاحتمال موت المشترى بعد القبول قبل أداء الثمن، وكذا موت البائع بعد البيع قبل تسليم المبيع، وكذا موت الناكح والمنكوحة بعد الإيجاب والقبول، واحتمال عدم القدرة على الآبق والشارد إذا لم يعرف مكانهما غير نادر، بل هو الظاهر عادة، فليس كل ما يتوقع فى المستقبل غررا إلا إذا كان ظاهرا غير نادر، ولا يفرق بينهما إلا من آتاه الله الحكمة وفقها فى الدين. وأما قوله: ثم لو صححوه أى حديث أبى سعيد، فهو دمار عليهم؛ لأنهم مخالفون لما فيه، وكلهم يجيزون بيع الأجنة فى بطون الأمهات مع الأمهات اهـ، فكلام لا يصدر إلا عمن حرم الفقه والدراية رأسا، فإن قوله: ((نهى عن شراء ما فى بطون الأنعام حتى تضع))، إنما هو فى معنى ٤٧٦ إعلاء السنن باب العقد الفاسد یفید الملك عند اتصال القبض به ٤٨٢٣- عن رجل من الأنصار، قال: ((خرجنا مع رسول الله عَ لّه فى جنازة، فرأيت رسول الله عَّ له وهو على القبر يوصى الحافر: أوسع من قبل رجليه، أوسع من قبل رأسه، فلما رجع استقبله داعى امرأة فجاء وجىء بالطعام، فوضع يده ثم وضع القوم قوله: ((نهى عن بيع المضامين والملاقیح))، ولم يكن مع الأمهات، بل بدونها، كما لا يخفى على من مارس الحديث، وأما بيع الحوامل، فالمقصود منه بيع الأمهات، ويدخل فيه ما فى بطونها تبعا كما يدخل فيه كرشها وكبدها، وطحالها، وجلدها تبعا، وفرق بين شراء الحيوان مع جلده وما فى بطنه وبين شراء ما فى بطنه وحده فافهم فإنه لا يرتاب فى الفرق بينهما جاهل فضلا عن عالم عاقل. وأغرب من ذلك قوله: والحنفيون يجيزون أخذ القيمة عن الصدقة الواجبة، وهذا هو بيع الصدقة قبل أن تقبض اهـ (٣٩٠:٨)، قلنا: ليس هذا من باب البيع، وإنما هو من باب أداء الصدقة من غير جنسها، وحينئذ يكون غير الجنس صدقة بعينها؛ لكونه مثلها شرعا، وهذا مما يعرفه أطفال الحنفية من طلبة العلم فضلا عن کبارهم ومشايخهم، ولکن ابن حزم لا یدری ما یخرج من رأسه، فيورد على الخصم من غير معرفة بمذهبه ما لا يرد عليه أصلا. قال فى "الهداية": ولا يجوز بيع الآبق إلا أن يبيعه من رجل زعم أنه عنده، لأن المنهى عنه بيع آبق مطلق، وهو أن يكون آبقا فى حق المتعاقدين، وهذا غير آبق فى حق المشترى، ولأنه إذا كان عند المشترى انتفى العجز عن التسليم وهو المانع اهـ (٥٩:٥). قلت: وقوله: "إلا أن یبیع من رجل زعم أنه عنده"، دليل على اشتراط علم البائع بكون الآبق عند المشترى، أو بكونه عارفا بمكانه، فلو لم يُعلم بذلك لم يجز بيعه ولو كان فى نفس الأمر بيد المشترى أو فى علمه، كما دل على ذلك أثر شريح المذكور فى المتن، ووجه ذلك وقوع البيع علی آبق مطلق فی حق المتعاقدین ظاهرا، فینقص البائع من ثمنه ما لا ينقصه، إذا علم بكونه فی ید المشترى أو بكونه عارفا بمكانه، فينعقد البيع على الخطر، فافهم، والله تعالى أعلم. باب العقد الفاسد يفيد الملك عند اتصال القبض به قوله: "عن رجل من الأنصار إلخ"، قال العبد الضعيف: قوله: ((فأرسلت إلى بها)) أى بالشاة يفيد أن شراءها وقع فاسدا، لأن إذن زوجته ورضاها غير صحيح، هو كبيع الفضولی المتوقف على إجازة صاحبه، وقوله عرَّاللّه: (أطعميه الأسارى)) أفاد الأمر بالتصدق زوال ملك المالك، ج - ١٤ العقد الفاسد يفيد الملك عند اتصال القبض به ٤٧٧ فأكلوا، فنظر آباؤنا رسول الله عّ لّ يلوك لقمة فى فمه، ثم قال: أجد شاة أخذت بغير إذن أهلها، فأرسلت المرأة قالت: يا رسول الله! إنى أرسلت إلى البقيع يشترى لى شاة فلم أجد، فأرسلت إلى جار لى قد اشترى شاة أن أرسل إلى بها بثمنها فلم يوجد، فأرسلت إلى امرأته فأرسلت إلى بها، فقال رسول الله مَّ له: أطعميه الأسارى))، رواه أبو داود وسكت عنه هو والمنذرى (عون المعبود ٢٤٩:٣)، وأخرجه البيهقى، ولم يعله بشىء هو، ولا ابن التر كمانی. وتملك المشترى شراءً فاسدا بقبضه إياه، وتصرفه فيه مع الكراهة ما لم يرتفع سبب الفساد، وأما قول البيهقى رحمه الله: "وهذا لأنه کان یخشی علیہا الفساد وصاحبها كان غائبا، فرأى من المصلحة أن يطعمها الأسارى، ثم يضمن لصاحبها"، ففيه أن الإمام إذا خاف التلف على ملك غائب يبيعه، ويحبس ثمنه عليه، ولا يجوز له أن يتصدق به، كذا فى "الجوهر النقى" (٣٣:٢). وقال المحقق فى "الفتح": وإذا قبض المشترى المبيع فى البيع الفاسد بأمر البائع صريحا، أو دلالة، وفى العقد عوضان كل منهما مال، ملك المبيع ولزمته قيمته، ومعلوم أنه إذا لم يكن فيه خيار شرط، ولا يخفى أن لزوم القيمة، إنما هو بعد هلاك المبيع فى يده (حقيقيةً أو معنى)، أما مع قيامه فى يده، فالواجب رده بعينه، وقال الشافعى: لا يملكه وإن قبض، لأنه أى البيع الفاسد محظور، فلا ينال به نعمة الملك، ولنا أن ركن العقد صدر من أهله فى محله، ولا خفاء فى الأهلية، ولا فى المحلية، وركنه مبادلة المال بالمال. وفيه الكلام، وقوله: "نعمة الملك لا تنال بالمحظور" ممنوع، بل ما وضعه الشارع سببا لحكم إذا نهى عنه على وضع خاص ففعل مع ذلك الوضع رأينا من الشرع أنه أثبت حكمه وأتمه، أصله الطلاق وضعه لإزالة العصمة، ونهى عنه بوضع خاص، وهو ما إذا كانت المرأة حائضا، ثم رأيناه أثبت حكم طلاق الحائض، فأزال به العصمة، حتى أمر ابن عمر بالمراجعة رفعا للمعصية بالقدر. الممكن، وأثم المطلق، فصار هذا أصلا فى كل سبب شرعى نهى عن مباشرته على وضع خاص إذاه بوشر معه يثبت حکمه ویعصی به، وهذا بخلاف ما إذا لم يكن الثابت رکن العقد، بأن لم يكن مالا، بأن عقد على الخمر أو الميتة لعدم الركن، فلم يوجد السبب أصلا، فلا يفيد الملك، فوضعنا الاصطلاح على الفاسد والباطل باعتبار اختلاف حکمهما تمییزا، فسمینا ما لا یفید حكمه باطلا، وما يفيده فاسدا اهـ، ملخصا (٩٣:٦). ولا خفاء فى حسن هذا التقرير وكفايته ومتانته ورزانته، إن شاء الله تعالى فاندحض ما أورده ابن حزم فى المحلى على أبى حنيفة رحمه الله فى الباب (٤٢١:٨). ٤٧٨ إعلاء السنن باب اعتبار العرف فى البيوع والإجارات والکیل والوزن ونحوها ٤٨٢٤- قال شريح للغزالین: "سنتكم بینکم"، علقه البخارى، ووصله سعید بن منصور من طريق ابن سيرين: "إن ناسا من الغزالين اختصموا إلى شريح فى شىء كان بينهم، فقالوا: إن سنتنا بيننا كذا وكذا، فقال: سنتكم بينكم" (فتح البارى ٢٣٨:٤). ٤٨٢٥- وقال عبد الوهاب، عن أيوب، عن محمد : - هو ابن سيرين- لا بأس العشرة بأحد عشر، ويأخذ للنفقة ربحا"، علقه البخارى، ووصله ابن أبى شيبة عن عبد الوهاب هذا (فتح البارى). ٤٨٢٦- واكترى الحسن من عبد الله بن مرداس حمارا فقال: بكم قال: بدانقين، فركبه، ثم جاء مرة أخرى، فقال: الحمار الحمار فركبه ولم يشارطه فبعث إليه بنصف درهم علقه البخاری، ووصله سعید بن منصور عن هشیم عن يونس مثله (فتح البارى). ٤٨٢٧- وقال النبى معَّ ◌ُلّه الهند: ((خذى ما يكفيك وولدك بالمعروف))، ((وحجم رسول الله عَّ له أبو طيبة فأمر(١) له بصاع من تمر)) رواه البخارى وغيره (فتح البارى ٣٣٨:٤). باب اعتبار العرف فى البيوع والإجارات والکیل والوزن ونحوها قوله: "قال شريح إلخ"، قال العبد الضعيف: عنوان هذا الباب عند البخارى فى "صحيحه"، من أجرى أمر الأمصار على ما يتعارفون بينهم فى البيوع والإجارة والكيل والوزن، وسنتهم على نياتهم ومذاهبهم المشهورة، ولله دره من محدث فقيه قد تنبه لما لم يتنبه له أهل الظاهر كابن حزم وأمثاله، قال ابن المنير وغيره: مقصوده بهذه الترجمة إثبات الاعتماد على العرف، وأنه يقضى به على ظواهر الألفاظ، ولو أن رجلا وكل رجلا فى بيع سلعة، فباعها بغير النقد الذى عرف الناس لم يجز، وكذا لو باع بغير الكيل أو الوزن المعتاد، وذكر القاضى الحسين من الشافعية أن الرجوع إلى العرف أحد القواعد الخمس التى يبنى عليها الفقه، ثم فصلها تفصيلا حسنا، من أراد الاطلاع عليه، فليراجع "فتح البارى" (٣٣٨:٤). (١) وجه دخوله فى الترجمة كونه مَّ ه لم يشارطه على أجرته اعتمادا على العرف فى مثله، قاله الحافظ فى "الفتح"، قلت: وفى آثار الباب دليل لما قاله فقهاؤنا إن المعروف كالمشروط. ١٢ظ ج - ١٤ ٤٧٩ باب كراهية بيع العصير ممن يتخذه خمرا ٤٨٢٨- عن بريدة، قال: قال رسول الله عَّ له: ((من حبس العنب أيام القطاف وقال العينى فى "العمدة" فى شرح قوله: "والكيل والوزن" ما نصه: كل شىء لم ينص عليه الشارع أنه كيلى، أو وزنى يعمل فى ذلك على ما يتعارفه أهل تلك البلدة، مثلا لأزر فإنه لم يأت فيه نص من الشارع أنه كيلى أو وزنى، فتعتبر فى عادة أهل كل بلدة على ما بينهم من العرف فيه، فإنه فى البلاد المصرية يكال، وفى البلاد الشامية يوزن، ونحو ذلك من الأشياء، لأن الرجوع إلى العرف جملة من القواعد الفقهية (٥٦٣:٥). وإذا تقرر ذلك فعلى الفقيه أن يميز من أحكام الشارع مَّ ◌ّ ما هو شرع عام للأبد، وما هو مبنى على عرف زمانه، ومن لم يميز هذا من ذاك، فلا يتبع إلا ظواهر الألفاظ وصحة الإسناد، ویرمی من الأئمة بمخالفة من الحدیث الصحیح، والنص الصريح، ولا یؤتی إلا من قبله، فلا يلومن إلا نفسه، فإن حفظ المتون والأسانيد شىء، والفقه والدراية والفهم يؤتاه الرجل فى الكتاب والسنة شىء، ولكل فن رجال، والعلم لله الملك المتعال. قال العبد الضعيف: وفى "ثقات ابن حبان": عبد الكريم البخلّى عن عبد الله بن عمر، وعنه جبارة بن المفلس مستقيم الحديث، فالظاهر أنه هو، لعل ما أنكره أبو حاتم من جهة صاحبه جبارة، كذا فى "اللسان" (٥٠:٤). قلت: والظاهر سلامة السند من جبارة، وإلا صاح به الهيثمى أولا، فالحديث صالح للاحتجاج به، ولكن لا دلالة فيه على حرمة بيع العنب والعصير ممن يتخذه خمرا على الإطلاق، وغاية ما فيه حرمة حبس العنب، حتى لا يصلح إلا للعصر واتخاذ الخمر، ولا خلاف فى حرمة هذا الفعل لكونه حبسا على قصد الخمرية، وعين هذا الفعل معصية بهذا القصد؛ لأنه إنما يحبسه ليبيعه ممن يعصر ويتخذه خمرا لكونه يشتريه بثمن غالٍ، ولا يبيعه ممن يأكله عنبا، أو يشربه عصيرا، أو يتخذه خلا، لكونه يشتريه بثمن رخيص، فكان حبسه على قصد الخمرية، وهو حرام اتفاقًا. وأما من لم يحبس العنب والعصير لمن يتخذه خمرا، وباعه ممن جاءه يشتريه، وفيهم من يشتريه للخمر، ومنهم من يشتريه لغيرها، فقال أبو حنيفة بجوازه، لأنه لم يقصد الخمرية، وإنما أراد بيع العنب أو العصير فقط، والمعصية لا تقوم بعينه، بل بعد تغيره، بخلاف من حبسه لمن يتخذه خمرا لا يبيعه إلا منه، فإنه يبيعه على قصد الخمرية، وشتان بينهما، ودليل ذلك إجماعهم على جواز بيع العنب ممن يعلم أنه يعصره، ويتخذ خمرا، وإنما اختلفوا فى بيع العصير منه، والحديث ٤٨٠ كراهية بيع العصير ممن يتخذه خمرا إعلاء السنن حتى يبيعه من يهودى أو نصرانى أو من يتخذه خمرا فقد تقحم النار على بصره)) رواه يفيد حرمة بيع العنب منه أيضًا، فإن أولوه على معنى الحبس الذى ذكرنا، فليكن بيع العصير منه حراما على ذلك المعنى أيضًا. قال الموفق فى "المغنى": إن بيع العصير لمن يعتقد أنه يعْصرها خمرا محرم، وكرهه الشافعى، وحكى ابن المنذر عن الحسن، وعطاء، والثورى: أنه لا بأس ببيع التمر لمن يتخذه مسكرا، قال الثورى: بع الحلال ممن شئت، واحتج لهم بقول الله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾، ولأن البيع تم بأركانه وشروطه، قال: ولنا قول الله تعالى: ﴿ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾. (قلنا: لا إثم فى بيع العصير، ولا شرائه، وإنما الإثم فى الخمر، والعصير غيرها، ولم يقصد البائع إعانته على اتخاذ الخمر، وإنما قصد بيع ماله الحلال، ولا تعاون إلا بالقصد، أو بأن يكون المبيع مما تقوم المعصية بعينه، وإلا حرم بيع الكروم، وشجر النخيل من الفساق أيضًا، وكذا بيع اللحم، والشواء، والفواكه، لأنهم يتقوون بها على المعصية، فافهم). قال: وروى عن النبى ◌ّظهر أنه لعن فى الخمر عشرة، وذكر فيهم عاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه، وأشار إلى كل معاون عليها، ومساعد فيها. (قلنا: أراد عاصرها، ومعتصرها على قصد الخمرية، وإلا فلا خلاف فى جواز الاستئجار لقطف العنب، وعصرها إن لم يكن بهذا القصد). قال: روى ابن بطة فى تحريم النبيذ بإسناده عن محمد بن سيرين، أن قيما كان لسعد بن أبى وقاص فى أرض له). فأخبره عن عنب أنه لا يصلح زبيبا، ولا يصلح أن يباع إلا لمن يعصره، فأمر بقلعه، وقال: بئس الشيخ أنا إن بعت الخمر. (قلنا: إنما قلعه مخافة أن يحبسه القيم لمن يتخذه خمرا لا يبيعه إلا منه، ولا خلاف فى حرمته، كما تقدم). قال: وإذا ثبت التحريم بأن علم البائع قصد المشترى ذلك، إما بقوله، أو بقرائن مختصة به تدل على ذلك، فالبيع باطل، لأنه عقد على عين لمعصية الله بها، فلم يصح. (قلنا: فليكن بيع اللحم، والشواء، والفواكه ممن يعلم أنه يأكله على مائدة الخمر باطلا أيضاً، لكونه عقدا على عين لمعصية الله بها، فإن قيل: إن المعصية لا تقوم بعين اللحم والشواء، قلنا: فكذلك العصير). قال: كإجارة الأمة للزنا والغناء اهـ (٢٨٤:٤)، قلنا: قياس مع الفارق، فإن هذه إجارة على المعصية قصدا لكون المؤجر قد آجرها للزنا والغناء عمدا، ولا كذلك بيع العصير ممن يتخذه خمرا، إذا كان البائع لم يرد إلا بيع العصير لمن جاءه يشتريه، ولم يحبسه لمن يتخذه خمرا