النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
إعلاء السنن
باب النہی عن بیع الكلب
٤٧٩٣- عن أبى مسعود الأنصارى: ((أن رسول الله عّ لّه نهى عن ثمن الكلب،
ومهز البغى، وحلوان الكاهن))، أخرجه البخارى ومسلم.
فلا يخرج من هذه الكلية إلا ما خصه الدليل اهـ (نيل ٣:٥)، لأنه يقال له ما ذا أردت من الدليل؟
فإن أردت النص الخاص فيقال لك: أين النص على جواز بيع الفهد والهر وغيرهما بخصوصها؟
وإن أردت الدليل العام، فهو تتحقق فى الدهن النجس أيضًا، لأنه مال منتفع به فيجوز بيعه، فكيف
يقال بحرمة بيعه مع دلیل الجواز؟
وبالجملة: حديث ابن عباس المذكور إما مؤول، أو مخصوص فلا يضرنا، وقال الشافعى:
لا يجوز بيع الكلب، وبيعه باطل لصحة الأحاديث فيه، وهو مذهب الجمهور، وسيأتى الجواب
عنه، واختلف فيه الروايات عن مالك، والمشهور من مذهبه صحة البيع مع الكراهة، لأنه حيوان
طاهر مباح الانتفاع، فحكم بيعه ما هو حكم سائر المبيعات، لكن الشرع نهى عن بيعه تنزيها،
لأنه ليس من مكارم الأخلاق، كذا فى "الفتح" (٣٥٣:٤)، وهو لا يخالف مذهب أبى حنيفة،
لأنه لم يحكم بكونه من مكارم الأخلاق، وإنما قال لصحة البيع فقط، والله أعلم.
باب النہی عن بيع الكلب
أقول: تعلق بهذه الأحاديث الدليل، وأمثالها من قال بعدم جواز بيع الكلب، ونحن نقول:
إنا لا ننكر النهى، ولكن الكلام فى محمل النهى، هل هو لبطلان بيعه، أو بغير ذلك؟ فنقول:
لم يكن هذا النهى لبطلان بيعه، بل لكونه أمرا خسیسا دنيئا، كما يدل عليه النهى عن كسب
الحجام، والزجر عن بيع السنور، وقوله فى حديث جابر: ((طعمة جاهلية))، وكون الكلب مالا
منتفعا به، وصحة استثناء کلب الصید کما هو مذ کور فی باب آخر من هذا الكتاب، ومن روی:
(أن النبى معَّل حرم ثمن الكلب)) أو أنه قال: ((لا يحل ثمن الكلب))، أو أنه قال: ((ثمن الكلب
سحت)) إلى غير ذلك من العبارات، فمنشاه حمل النهى على التحريم، وهو تأويل، وتأويل أحد
المجتهدين لا يلزم الآخر.
وما روى عن ابن عباس أنه قال: ((نهى رسول الله عن ثمن الكلب، وقال: إن جاء يطلب
ثمن الكلب فاملاً كفه ترابا))، تفرد به قيس بن جتر، وهو ليس من المعروفين بالرواية، والصدق
والعدالة، بل قال ابن حزم: مجهول، وقال أحمد: لا أدرى كيف هو؟ وتوثيق أبى زرعة والنسائى،

٤٤٢
ج - ١٤
النہی عن بيع الكلب
٤٧٩٤- وعن رافع بن خديج: ((أن رسول الله علآل قال ثمن الكلب خبیٹ ومھر
البغى خبيث وكسب الحجام خبيث))، أخرجه مسلم.
وذكره ابن حبان فى "الثقات"، ليس بحجة على الإطلاق، وإنما هو حجة على أنفسهم، ومن
قلدهم فى ذلك، فلا يكون حجة على أبى حنيفة ومن تبعه وعلى تقدير الصحة يحمل على التغليظ
والتشديد فى النهى عن هذا الفعل الخسيس والدنىء، ولا يكون نصا فى بطلان البيع، ولو سلم أن
النهى كان للتحريم، وإبطال البيع يكون محمولا على أنه كان ذلك حين تحريم اقتناء الكلاب،
والانتفاع بها جمعا بين الأدلة، وبالجملة مذهب أبى حنيفة ليس مخالفا لهذه الأحاديث لأن غايته
اختلاف التأويل، وهو لا يعد مخالفة، وإلا ساغ لأبى حنيفة أن يقول لمن خالفه، إنكم خالفتم
الأحاديث أيضًا، لأنكم خالفتم تأويلى بحمل النهى على التحريم، وإبطال البيع، وحمله على التأبيد
وترك العمل بالاستثناء، ومخالفة القاعدة الشرعية أن ما يجوز الانتفاع به يجوز بيعه، فافهم.
قال العبد الضعيف: رد البيهقى احتجاجنا بما روى أن عثمان أغرم رجلا قيمة كلب، بما
حكى عن الشافعى أنه قال: الثابت عن عثمان خلافه، أخبرنى الثقة، عن يونس، عن الحسن،
سمعت(١) عثمان يخطب، وهو يأمر بقتل الكلاب، قلت: لا يكفى بقوله: أخبرنى الثقة، فقد يكون
مجروحا عند غيره، لا سيما والشافعى كثيرا ما يعنى بذلك ابن أبى يحيى أو الزنجى وهما ضعيفان
(عند المحدثين)، وكيف يأمر عثمان بقتل الكلاب، وآخر الأمر من رسول الله عَّه النهى عن قتلها
إلا الأسود (البهيم) منها؟ فإن صح أمره بقتلها، فإنما كان ذلك فى وقت من الأوقات لمفسدة طرأت
فى زمانه، قال صاحب "التمهيد": ظهر بالمدينة اللعب بالحمام، والمهارشة بين الكلاب، فأمر عمر
وعثمان بقتل الكلاب، وذبح الحمام، قال الحسن: سمعت عثمان غير مرة يقول فى خطبته: "اقتلوا
الكلاب واذبحوا الحمام"، فظهر من هذا أنه لا يلزم من الأمر بقتلها فى وقت لمصلحة أن لا يضمن
قاتلها فى وقت آخر، كما أمر بذبح الحمام (الجوهر النقى)، أى وقاتل الحمام ضامن(٢) إجماعًا،
وليس ثمنه بحرام.
(١) فيه سماع الحسن من عثمان، فكيف ينكر سماعه من على، وكانا بالمدينة فى خلافة عثمان، وبعد شهادته برهة؟ ثم جاء الحسن
البصرة وعلى الكوفة، وليس بينهما إلا مسافة قليلة.١٢ ظـ
(٢) وأيضًا: فمجرد الأمر بقتل الكلاب لا يدل على تحريم بيع المعلم منها، ما لم يثبت أمره بقتلها كلها، لما سيأتى أن رسول الله مد ليه
حين أمر بقتل الكلاب كلها نزل قوله تعالى: ﴿وما علمتم من الجوارح مكلبين﴾، فرخص فى اقتناء كلب الصيد، فكيف يظن
بعثمان أن لا یرخص فیما رخص فيه الحق سبحانه ورسوله ماێ.١٢ظ

٤٤٣
النهى عن بيع الكلب
إعلاء السنن
٤٧٩٥- وأخرج أيضا عن جابر: ((أن النبى معَّ زجر عن ثمن الكلب والسنور)).
وأجاب البيهقى عن استثناء كلب الصيد فى أحاديث النهى عن بيع الكلب، بأن الاستثناء
إنما هو فى الأحاديث الصحاح فى النهى عن الاقتناء، ولعله شبه على من ذكره فى حديث النهى
عن ثمنه من هؤلاء الرواة الذين هم دون الصحابة والتابعين اهـ، قلت: وهل هذا إلا كما قاله بعض
الأحباب: إن من روى: ((أن النبى معَّ حرم ثمن الكلب)) أو قال: ((لا يحل ثمن الكلب)) أو قال:
(ثمن الكلب سحت)) إلى غير ذلك من العبارات، فمنشاه حمل النهى على التحريم تأويلا، وتأويل
الرواة ليس بحجة اهـ، وكلا القولين خطأ عندنا، وإلا لزم ارتفاع الأمن من الأحاديث النبوية
ورواتها، والحق ما قاله الطحاوى وغيره: إن النهى عن ثمن الكلب محمول على أنه كان ذلك حين
ورود الأمر بقتل الكلاب جملة، والله تعالى أعلم.
ألا ترى إلى عطاء يقول: "لا بأس بثمن الكلب السلوقى؟" أخرجه الطحاوى من طريق
إسرائيل، عن جابر، عنه، وقد روى عن أبى هريرة مرفوعًا: ((أن ثمن الكلب من السحت))، وإلى
الزهرى يقول: "إذا قتل الكلب المعلم، فإنه يقوم قيمة، فيغرمه الذى قتله؟"، أخرجه الطحاوى أيضًاً
من طريق الليث، عن عقيل، عنه، وقد روى عن أبى بكر بن عبد الرحمن، عن النبى عّ لّهِ: ((أن ثمن
الكلب سحت))، وأخرج أيضًا من طريق سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن
يحيى بن حبان الأنصارى، قال: "كان يقال يجعل فى الكلب الضارى إذا قتل أربعون درهما"،
وأخرج أيضًا من طريق شريك ومحمد بن فضيل، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: "لا بأس بثمن
كلب الصيد"، كذا فى "عقود الجواهر" (٣٣:٢).
وروى أبو حنيفة عن الهيثم، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: ((رخص رسول الله عّ لّه فى
ثمن الكلب للصيد)) كذا رواه طلحة من طريق محمد بن المنذر، وابن خسرو، وابن المظفر من
طريق الحسين بن الحسين الأنطاكى، كلاهما عن أحمد بن عبد الله الكندى (المعروف باللجلاج)،
وهو ضعيف لکن له طریق، ليس فيها الکندی المذكور، روى ابن خسرو عن ابن خيرون، عن أبى
على بن شاذان، عن أبى نصر بن أشكاب، عن عبد الله بن طاهر، عن إسماعيل بن توبة القزوینی،
عن محمد بن الحسن (عن أبى حنيفة به)، وهذا سند، لا بأس به، كذا فى "عقود
الجواهر" (٣١:٢)، وقال الزيلعى: سند جيد (١٩٥:٢)، وبالجملة: فمذهب أبى حنيفة فى الباب
أقوى ما يكون رواية ودراية، والله تعالى أعلم بالصواب.
وقال محمد فى الحجج له: قال أبو حنيفة: لا بأس بثمن كلب الصيد ولا بأس ببيعه (٢٥٥)

٤٤٤
ج - ١٤
النهى عن بيع الكلب
٤٧٩٦- وعن أبى جحيفة: أنه اشترى حجاما فأمر فكسرت مجاحمه، وقال: إن
رسول الله عّ لّ حرم ثمن الدم وثمن الكلب وكسب البغى)). أخرجه البخارى ومسلم.
وقال الطحاوى فى "مشكله": وقد اختلف أهل العلم فيه، فطائفة ذهبت إلى تحريم أثمان الكلاب
كلها، وممن ذهب إلى ذلك مالك، والشافعى، وطائفة ذهبت إلى تحريم أثمان ما لا يحل الانتفاع به
منها، وإباحة أثمان غيرها، وهو مذهب أبى حنيفة وأصحابه، وهو أولى القولين بالقياس، لأن
الكلب المأذون فى الانتفاع به كالحمار الأهلى فى جواز الانتفاع به، وتحريم أكل لحمه، فوجب أن
يكون مثله فى جواز بيعه اهـ (٢٣٠ من "المعتصر").
وفيه رد على ابن حزم حيث قال فى "المحلى": ثم لو صح (الاستثناء) لكانوا مخالفين له،
لأنه ليس فيه إباحة ثمن شىء من الكلاب غير كلب الصيد، والنهى عن ثمن سائرها، وهم يبيحون
أثمان سائر الكلاب المتخذة لغير الصيد اهـ (٩: ١١)، فقد عرفت أن أبا حنيفة لم يقل إلا بإباحة
ثمن كلب الصيد، وألحق به المشايخ كلب الماشية والزرع الذى أذن فى الانتفاع به، ولم يقل أحد
منهم بإباحة أثمان سائر الكلاب، فافهم. قال الطحاوى: ولما نهى (رسول الله لمّ له) عن ثمن
الكلب والسنور، ولا خلاف أن ثمن السنور، ليس بحرام، ولكنه دنىء كان ثمن الكلب المقرون
معه فى الحديث مثله اهـ (٢٢٩ من المعتصر).
قلت: وبجواز ثمن الهر قال الجمهور: وهو قول الحسن البصرى، ومحمد ابن سیرین،
والحكم، وحماد، ومالك، وسفيان الثورى، وأبى حنيفة، وأصحابه، والشافعى، وأحمد، وإسحاق،
وقال ابن المنذر: وروینا عن ابن عباس أنه رخص فی بیعه، قال: و کرهت طائفة بيعه، روینا ذلك
عن أبى هريرة، وطاوس، ومجاهد، وبه قال جابر بن زيد. وأجاب القائلون بجواز بيعه عن الحديث
(الذى رواه الترمذى والنسائى ومسلم عن جابر: ((زجر النبى معَّ له عن ذلك)) أى عن ثمن الكلب
والسنور) بأجوبة: أحدها: أن الحديث ضعيف، (قال الترمذى: فى إسناده من طريق أبى سفيان عن
جابر اضطراب، وهو من طريق أبى الزبير عنه غريب)، وهو مردود (فقد عرفت أن مسلما صححه
حيث أودعه فى "الصحيح"). ومنها أن النهى محمول على التنزيه لا على التحريم، ولفظ مسلم
))زجر)) يشعر بتخفيف النهى، فليس على التحريم بل على التنزيه، وعكس ابن حزم هذا فقال:
الزجر أُشد النهى، وفى كل منهما نظر لا يخفى.
وقال النووى: والجواب المعتمد أنه محمول على ما لا نفع فيه، أو على أنه نهی تنزيه حتى
يعتاد الناس هبته وإعارته اهـ ملخصا من "عمدة القارى" (٦١١:٥)، قلت: فليكن النهى عن ثمن

٤٤٥
النهى عن بيع الكلب
إعلاء السنن
٤٧٩٧- وعن ابن عباس قال: ((نهى رسول الله عَّ له عن ثمن الكلب، وقال: إن
جاء يطلب ثمن الكلب فاملاً كفه ترابا))، رواه أحمد وأبو داود، كذا فى "المنتقى"
و"النيل" (٣:٥-٤).
الکلب کذلك محمولا علی ما لا نفع فيه.
قال القرطبى: وأما تسويته أى تسوية ثمن الكلب فى النهى بينه وبين مهر البغى وحلوان
الكاهن محمول على الكلب الذى لم يؤذن فى اتخاذه، وعلى تقدير العموم فى كل كلب، فالنهى
فى هذه الثلاثة فى القدر المشترك من الكراهة أعم من التنزيه والتحريم، إذ كل واحد منهما منهى
عنه، ثم تؤخذ خصوصية كل واحد منهما من دليل آخر، فإنا عرفنا تحريم مهر البغى وحلوان
الكاهن من الإجماع، لا من مجرد النهى، ولا يلزم من الاشتراك فى العطف الاشتراك فى جميع
الوجوه إذ قد يعطف الأمر على النهى والإيجاب على النفى اهـ ملخصا من فتح البارى (٣٥٣:٤).
وبهذا اندحض قول ابن حزم: ويلزمهم أيضًا أن ينسخ تحريم مهر الزانية، لأنه ذكر معها اهـ
(١٢:٩)، لأن مجرد الاقتران فى الذكر لا يوجب الاشتراك فى جميع الوجوه، فافهم، وخالف ابن
حزم فقهاء الأمصار، فقال بتحريم بيع الهر، وثمنه لمجرد كونه مذ کورًا فى الحديث مع ثمن الكلب،
وهذا كما ترى استدلال ضعيف، والله تعالى أعلم.
وأخرج البيهقى فى "سننه" من طريق سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، وقال: "لا بأس
بثمن السنور"، قال البيهقى: إذا ثبت الحديث، ولم يثبت نسخه لم يدخل عليه قول عطاء اهـ
(١١:٦)، قلت: نعم، ولكن الثابت إنما هو ما رواه مسلم عن أبى الزبير: سألت جابرا عن ثمن
الكلب والسنور؟ فقال: ((زجر النبى مَّ له عن ذلك))، والزجر أعم من التحريم والنهى تنزيها، فقول
عطاء يصلح مفسرا له ومرجحا لأحد المعنيين، فافهم.
قال الموفق فى "المغنى": وبيع الفهد والصقر المعلم جائز، وكذلك بيع الهر وكل ما فيه
المنفعة، وجملة ذلك أن كل مملوك أبيح الانتفاع به يجوز بيعه إلا ما استثناه الشرع من الكلب، وأم
الولد، والوقف ونحوها، لأن الملك سبب لإطلاق التصرف، والمنفعة المباحة يباح له استيفاؤها،
فجاز له أخذ عوضها، وأبيح لغيره بذل ماله فيها توصلا إليها، ودفعا لحاجته بها كسائر ما أبيح
بيعه، وسواء فى هذا ما كان طاهرا كالثياب، والعقار، وبهيمة الأنعام، والخيل، والصيود،
أو مختلفا فى نجاسته كالبغل، والحمار، وسباع البهائم، وجوارح الطير التى تصلح للصيد كالفهد،
والصقر، والبازى، والشاهين، والعقاب، والطير المقصود صوته كالهزار، والبلبل، والببغاء، وأشباه

٤٤٦
ج - ١٤
النهى عن بيع الكلب
٤٧٩٨- وعن جابر، عن النبى معَّ ◌ُله: ((أنه نهى عن ثمن الكلب، وقال: طعمة
جاهلية)). رواه أحمد عن حسين بن محمد، عن أبى أويس، عن شرحبيل، عن جابر
(مسند ٣٥٣:٣). قلت: سنده حسن، ونحوه للطبرانى من حديث ميمونة بنت سعد،
كذا فى "الفتح" (٤: ٣٥٣).
ذلك فكله يجوز بيعه، وبهذا قال الشافعى (وأبو حنيفة، وأصحابه).
وأما الكلب فإن الشرع توعد على اقتناءه، وحرمه إلا فى حال الحاجة، فصارت إباحته ثابته
بطريق الضرورة بخلاف غيره، ولأن الأصل الإباحة بدليل قول الله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾،
فبقى على أصل الإباحاحة، وأما الهر فقال الخرقى: يجوز بيعها، وبه قال ابن عباس، والحسن، وابن
سيرين (وعطاء) والحكم، وحماد، والثورى، ومالك، والشافعى، وإسحاق، وأصحاب الرأى، وعن
أحمد أنه كره ثمنها، وروى ذلك عن أبى هريرة، وطاوس، ومجاهد، وجابر بن زيد، واختاره أبو
بكر، لما روى مسلم عن جابر: أنه سئل عن ثمن (الكلب والسنور)، فقال: ((زجر النبى عدّ له عن
ذلك))، وفى لفظ رواه أبو داود عن جابر: ((أن النبى معَّهِ نهى عن ثمن السنور))، قال الترمذى:
حديث حسن، وفى إسناده اضطراب، ولنا ما ذكر فيما يصاد به من السباع، ويحمل الحديث على
غير مملوك منها، أو ما لا نفع فيه منها، بدليل ما ذكرنا، ولأن البيع شرع طريقا للتوصل إلى قضاء
الحاجة، واستيفاء المنفعة المباحة، فما يباح الانتفاع به، فينبغى أن يجوز بيعه اهـ (٣٠٣:٤).
قلت: وهذا هو دليلنا بعينه فى جواز بيع كلب الصيد ونحوه مما أبيح الانتفاع به، وكل ما
ورد فيه النهى عن بيعه، أو تحريم ثمنه مطلقًا حملناه على ما لا نفع فيه بهذا الدليل، لا سيما .
وقد روى الطحاوى من طريق موسى بن عبيدة (وهو مختلف فيه كما تقدم): ثنى أبا بن صالح،
عن القعقاع بن حكيم، عن سلمى أم رافع، عن أبى رافع، قال: لما أمر رسول الله عَّ ◌ُلّه بقتل الكلاب
أتاه ناس، فقالوا: يا رسول الله! ما يحل لنا من هذه الأمة التى أمرت بقتلها؟ فنزلت: ﴿يسألونك ما
ذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين﴾ (٢٢٨:٦)، وأخرجه ابن جرير
(٥٧:٢)، من طريق الحجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة مرسلا، والمرسل إذا تأيد بموصول ولو
ضعيفًا صح الاحتجاج به عند الشافعى، ومن وافقه أيضًا، ففيه نزول هذه الآية بعد تحريم الكلاب
أى تحريم اقتنائها، وأن هذه الآية أعادت الجوارح المكلبين إلى أن صيرتها أى اقتنائها حلالا، وإذا
صارت كذلك، كانت فى سائر الأشياء التى هى حلال كذلك فى حل إمساكها، وإباحة أثمانها،
وضمان متلفيها ما أتلفوا منها كغيرها قاله الطحاوى. ١٢ ظ

٤٤٧
ج - ١٤
باب بیع من یزید
٤٧٩٩- عن الأخضر بن عجلان، عن أبى بكر الحنفى، عن أنس بن مالك، "أن
رجلا من الأنصار أتی النبی مګاه يسأله فقال: أما فی بیتك شیء؟ قال: بلى! حلس نلبس
بعضه ونبسط بعضه، وقعب نشرب فيه من الماء قال: اثتنى بهما، قال: فأتاه بهما،
فأخذهما رسول الله عّ لّه بيده وقال: من يشترى هذين؟ قال رجل: أنا آخذهما بدرهم،
قال: من يزيد على درهم مرتين أو ثلاثا، قال رجل: أنا آخذهما بدرهمين، فأعطاهما
إياه"، الحديث، أخرجه أبو داود وسكت عنه هو والمنذری، وقال: وأخرجه الترمذى،
والنسائى، وابن ماجة، قال الترمذى: هذا حديث حسن لا نعرفه إلا من حديث الأخضر
ابن عجلان، هذا آخر كلامه، والأخضر بن عجلان قال يحيى بن معين: صالح، وقال
أبو حاتم الرازى: يكتب حديثه (عون المعبود ٤١:٢)، وأخرجه ابن حزم فى "المحلى"
(٤٤٨:٨)، ولم يعله بشىء.
باب بیع من یزید
قوله: "عن الأخضر بن عجلان إلخ"، قال العبد الضعيف: قال العينى فى "العمدة": ضعفه
الأزدى بالأخضر بن عجلان فى سنده اهـ (٤٩٨:٥)، قلت: قال الأزدى: ضعيف لا يصح يعنى
حديثه، (ولم يعن ضعيف الأخضر فى نفسه كيف؟) وقد قال النسائى: ثقة، وفى "العلل الكبير"
للترمذى: أن البخارى قال: أخضر ثقة، وذكره ابن حبان وابن شاهين فى "الثقات" (١٩٣:١
تهذيب)، وقال ابن القطان فى "كتابه": والحديث معلول بأبى بكر الحنفى فإنى لا أعرف أحدا نقل
عدالته فهو مجهول الحال، وإنما حسن الترمذى حديثه على عادته فى قبول المشاهير (زيلعى
٢٠: ١٨١)، فإن الحديث مشهور عن الأخضر بن عجلان، رواه عنه غير واحد، كما يظهر من طرقه
التى سردها الزيلعى.
وقال الموفق فى "المغنى": وهذا أيضًا إجماع المسلمين يبيعون فى أسواقهم بالمزايدة
(٢٧٩:٤)، وقال عطاء: "أدركت الناس لا يرون بأسًا يبيع المغانم فيمن يزيد" علقه البخارى،
ووصله ابن أبى شيبة عن وكيع، عن سفيان، عمن سمع مجاهدا وعطاء، قالا: "لا بأس يبيع من
يزيد"، وهذا أعم من تقييدى البخارى ببيع المغانم، كذا فى "العمدة" للعينى (٤٩٩:٥).
قال الحافظ فى "الفتح": وروى هو وسعيد بن منصور، عن ابن عيينة، عن ابن أبى نجيح،
عن مجاهد، قال: "لا بأس يبيع من يزيد"، وكذلك كانت تباع الأخماس، وقال الترمذى عقب

٤٤٨
بیع من یزید
إعلاء السنن
٤٨٠٠- ومن طريق وكيع، عن حزام بن هشام الخزاعى، عن أبيه: " شهدت عمر
ابن الخطاب باع إبلا من إبل الصدقة فيمن يزيد" (المحلى ٤٤٨:٨).
٤٨٠١- ومن طريق حماد بن سلمة، عن أبى جعفر الخطمى، عن المغيرة بن
شعبة: "أنه باع المغانم فيمن يزيد" "المحلى" ولم يعلهما ابن حزم بشىء. واحتج بهما،
ولم أقف على حزام بن هشام بجرح ولا تعدیل، والسند الثانی صحیح مرسل، فإن أبا
جعفر الخطمى من السادسة لم يدرك المغيرة.
حديث أنس المذكور: والعمل على هذا عند بعض أهل العلم لم يروا بأسا يبيع من يزيد فى الغنائم
والمواريث، قال ابن العربى: لا معنى لاختصاص الجواز بالغنيمة والميراث، فإن الباب واحد والمعنى
مشترك اهـ، وكان الترمذى يقيد بما ورد فى حديث ابن عمر الذى أخرجه ابن خزيمة، وابن
الجارود، والدارقطنى، من طريق زيد بن أسلم عن ابن عمر: ((نهى رسول الله عَّ له أن يبيع أحدكم
على بيع أحد حتى يذر إلا الغنائم والمواريث)) اهـ، وكأنه خرج على الغالب فيما يعتاد فيه البيع
مزايدة، وهى الغنائم والمواريث، ويلتحق بهما غيرهما للاشتراك فى الحكم، وقد أخذ بظاهره
الأوزاعى وإسحاق، فخصا الجواز ببيع المغانم والمواريث، وعن إبراهيم النخعى أنه كره بيع من
يزيد اهـ (٢٩٦:٤).
وكأنه ذهب إلى ما أخرجه البزار من حديث سفيان بن وهب: ((سمعت النبى عَ ◌ّيم ينهى
عن بيع المزايدة))، وفى إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف، قاله الحافظ فى "الفتح": أيضًا، ورواه
الدار قطنى من رواية ابن لهيعة: حدثنا عبيد الله بن جعفر، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر، بلفظ:
(نهى رسول الله عَّه عن بيع المزايدة، ولا يبع أحدكم على بيع أخيه إلا الغنائم والمواريث))، كذا
فى "العمدة" للعينى (٤٩٨:٥)، وهو مفسر لما فى حديث سفيان بن وهب من الإجمال، وأن المراد
بالمزايدة بيع الرجل على بيع أخيه، وهذا إنما يكون إذا ركن البائع إلى المشترى ولم يطلب الزيادة،
فلا يجوز للآخر أن يزيد على ثمنه، وأما إذا لم يركن البائع إلى المشترى، وطلب الزيادة، وقال: من
يزيد؟ فليس ذلك من البيع على بيع أخيه، وقد استوفينا الكلام فى ذلك فى باب النهى عن السوم
على سوم أخيه، فليراجع، قال العينى: فأما البيع والشراء فيمن يزيد فلا بأس به، وهو قول مالك،
والشافعى، وجمهور أهل العلم، كالخطبة على خطبة أخيه إذا رد الخاطب الأول، لأنه لا فرق بين
الموضعين اهـ (٤٩٨:٥)، والله تعالى أعلم.
قوله: "ومن طريق وكيع ومن طريق حماد إلخ"، دلالتهما على معنى الباب ظاهرة.

29
ج - ١٤
٤٤٩
باب الصرف والمراطلة
٤٨٠٢- عن مالك بن أوس: "أنه التمس صرفا بمائة دينار، فدعانى طلحة بن
عبيد الله فتراوضنا حتى اصطرف منى، فأخذ الذهب يقلبها فى يده، ثم قال حتى
يأتى خازنى من الخابة وعمر يسمع ذلك فقال: والله لا تفارقه حتى تأخذ منه، قال
رسول الله عَّ ◌ُله: الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء". رواه البخارى، وقال العينى:
ويروى "الذهب بالورق"، وهو رواية أكثر أصحاب ابن عيينة عن الزهرى، وهى رواية
أكثر أصحاب الزهرى (عمدة القارئ ٤٨٩:٥).
٤٨٠٣- وعن عمرو بن دينار، أن أبا صالح الزيات أخبره، أنه سمع أبا سعيد
الخدرى يقول: "الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم، (أى لا يحل التفاضل).
فقلت له: إن ابن عباس لا يقوله، فقال أبو سعيد: سألته فقلت: سمعته من"
م
باب الصرف والمراطلة
قوله: "عن مالك بن أوس إلخ"، أقول: دلت الأحاديث على أنه لا يجوز بيع الذهب
بالذهب، والفضة بالفضة إلا مثلا بمثل ويدا بيد، وأما إذا اختلفت الجنس، فالتفاضل جائز
لا النسيئة، ولا يجوز بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة مجازفة، ولکنه یستثنى منه ما إذا كان
فى أحد الجانبين مع الذهب أو الفضة جنس آخر، ويباع المجموع بالذهب أو الفضة، ويكون هذا
الذهب أو الفضة أزيد بيقين مما فى الجانب الآخر، ليكون بيع الذهب بالذهب، أو الفضة بالفضة
مثلا بمثل، ويكون باقى الذهب والفضة فى مقابلة الجنس الآخر.
قال العبد الضعيف: وحينئذ فقوله مد ظله: ((لا تباع حتى تفصل)) مقيد بمعنى النهى، وهو
شبهة التفاضل، وقد استوفينا الكلام فيه فيما مضى، فتذكر.١٢ظ
وليس هذا نسخ النص بالقياس، بل هو تأويل للكلام وصرف له عن الظاهر، وتعيين بمحمله
بالاجتهاد، فتدبر فيه، فإنه قد اشتبه الأمر على كثير من الناس، وجعلوا كل تقييد للمطلق نسخا
للإطلاق، ولم يفرقوا بين النسخ، وتأويل الكلام، وتعيين المحمل مع أن بينهما فرقا ظاهرا، فإن النسخ
هو رفع الحكم الثابت، والتأويل هو تعبين المحمل للحكم الوارد على الإطلاق، فافهم.
قال العبد الضعيف: ولا يخفى على من راجع ما ذكرناه فى باب الربا أن أبا حنيفة لم يؤول
الحديث بمجرد الرأى، بل له سلف فيه من الصحابة والتابعين. ١٢ظ

٤٥٠
الصرف والمراطلة
إعلاء السنن
عرّ أو وجدته فى كتاب الله؟ فقال: كل ذلك لا أقول، وأنتم أعلم برسول الله
النبى علوسٍ
متى، ولكنى أخبرنى أسامة أن النبى عّ لّه قال: لا ربا إلا فى النسيئة" رواه البخارى.
قوله: "لا ربا إلا فى النسيئة"، أقول: قال العينى: اختلفوا فى الجمع بينه وبين حديث أبى
سعيد، فقيل منسوخ، وقيل: معنى ((لا ربا)) لا ربا أغلظ شديد التحريم المتوعد عليه بالعقاب
الشديد، كما تقول العرب: لا عالم فى البلد إلا زيد مع أن فيها علماء غيره، وإنما القصد نفى
الأكمل لا نفى الأصل، وأيضًا: نفى تحريم ربا الفضل من حديث أسامة، إنما هو بالمفهوم فيقدم
حديث أبى سعيد، لأن دلالته بالمنطوق، ويحمل حديث أسامة على الربا الأكبر، وقال الطبرى:
معنی حدیث أسامة ((لا ربا إلا فى النسیئة))، إذا اختلفت أنواع البيع، وفضل فيه يدا بيد لیس بربا،
جمعا بينه وبين حديث أبى سعيد، وقال الكرمانى: فإن قلت: ما التلفيق بين حديث أسامة وحديث
أبی سعید، قلت: الحصر إنما يختلف بحسب اختلاف اعتقاد السامع، فلعله كان يعتقد الربا فى غير
الجنس حالا، فقيل ردا لاعتقاده: ((لا ربا إلا فى النسيئة)) أى فيه مطلقا، وقد أوله العلماء بأنه
محمول على غير الربويات، وهو كبيع الدين بالدين مؤجلا، بأن يكون له ثوب موصوف فيبيعه
بعبد موصوف مؤجلا، وإن باع به حالا يجوز، أو محمول على الأجناس المختلفة، فإنه لا ربا فيها
من حيث التفاضل، بل يجوز متفاضلا يدا بيد، وهو مجمل وحديث أبى سعيد مبين، فوجب
العمل بالمبين وتنزيل المجمل عليه، أو هو منسوخ، وقد أجمع المسملون على ترك العمل بظاهره،
انتهى (عمدة القارى ٥٣٧:٥).
قال العبد الضعيف: إن هذه التأويلات كلها متفقة فى الجمع بين الحديثين، ولا يخفى أنه
أولى من الترجيح فيما أمكن ولكن كلام ابن الصباع يقتضى أن ههنا مانعا من الجمع بين الحديثین،
فإنه قال "فى كتاب عدة العالم" فى أصول الفقه أنه إن أمكن الجمع بين الحديثين جمع إلا أن يقع
الإجماع على تعارضهما مثل حديث ابن عباس: ((لا ربا إلا فى النسيئة))، وحديث أبى سعيد، قال:
فإنه يمكن أن يحمل حديث ابن عباس الجنسين المختلفين إلا أن الجماعة اتفقوا على تعارض الخبرين،
فالأكثر تركوا حديث ابن عباس، والقليل أجروا حديث ابن عباس على العموم، فعلى طريقة ابن
الصباع هذه يعين المصير إلى الترجيح أو النسخ، والله تعالى أعلم (شرح المهذب ٥٢:١٠).
تفسير قوله مّ خلّى: ((لا ربا إلا فى النسيئة»:
ثم اعلم أن ابن عباس وموافقوه تعلقوا فى ذلك بحديثين: أحدهما: حديث أسامة، وقد ورد

٤٥١
ج - ١٤
الصرف والمراطلة
٤٨٠٤- وعن أبى سعيد الخدرى، أن رسول الله عَ لّه قال: ((لا تبيعوا الذهب
بالذهب إلا مثلا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل
ولا تشفوا بعضها على بعض ولا تبيعوا منها غائبا بناجز»، رواه البخارى.
بألفاظ مختلفة، معناه سواء أو متقارب، منها: ((لا ربا إلا فى النسيئة))، ومنها: ((إنما الربا فى
النسيئة))، ومنها: ((لا ربا فيما كان يدا بيد))، وهذه الألفاظ كلها صحيحة، ومنها: ((ليس الربا إلا
فى النسيئة والنظرة)»، ومنها: ((لا ربا إلا فى الدين))، رواهما الطيرانى، ومنها: ((الربا فى النسيئة))،
واتفق الأئمة على حديث أسامة، وإن اختلفوا فى تأويله.
والحديث الثانى حديث البراء بن عازب وزيد بن أرقم، وقد رويناه بطرق مختلفة وألفاظ
متباينة، فألفاظه التى فى "الصحيح" لا متعلق لهم بها، ومنها لفظ فى طريق خارج الصحيحين لهم
فيه متعلق، وهو ما رواه عبد الله بن الزبير الحميدى صاحب الشافعى، وشيخ البخارى، عن سفيان
ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، أنه سمع أبا المنهال يقول: ((باع شريك لی بالكوفة دراهم بدراهم
بينهما فضل، فقلت: ما أرى هذا يصلح، فقال: لقد بعتها فى السوق فما عاب ذلك على أحد،
فأتيت البراء بن عازب فسألته؟ فقال: قدم النبى معَّه المدينة وتجارتنا هكذا، فقال: ما كان يدا بيد
فلا بأس، وما كان نسيئا فلا خير فيه، وانت زيد بن أرقم، فإنه كان أعظم تجارة منى، فأتيته
فذكرت ذلك، فقال: صدق البراء"، قال الحميدى: هذا منسوخ لا يؤخذ بهذا.
وهذا الإسناد من أصح الأسانيد فإن رواته كلهم أئمة ثقات، ولكن سنذكر ما علل به،
فشرط الحكم بصحة الحديث سلامته من التعليل، وقد ادعى بعضهم فى حديث البراء وزيد بن
أرقم هذا أنه معلول، فيمتنع الحكم بصحته، وهذه الطريقة سلكها الحافظ أبو بكر البيهقى، وذلك
أن لفظه الذى فى "الصحيح" عن أبى المنهال، قال: ((سألت البراء بن عازب وزيد بن أرقم عن
الصرف؟ فقالا: كنا تجرين على عهد رسول الله عَ لّه، فسألنا رسول الله عَ خليه عن الصرف؟ فقال:
إن كان يدا بيد فلا بأس، وإن كان نسأ فلا يصلح))، رواه البخارى بهذا اللفظ من حديث ابن
جريج، عن عمرو بن دينار، وعامر بن مصعب.
ورواه مسلم بلفظ آخر عن أبى المنهال، قال: "باع شريك لى ورقا نسيئة إلى الموسم أو إلى
الحج، فجاء إلى فأخبرنى، فقلت: هذا الأمر لا يصلح، قال: فقد بعته فى السوق فلم ينكر ذلك على
أحد، فأتيت البراء بن عازب فسألته؟ فقال: قدم النبى معَ ◌ِّ المدينة، ونحن نبيع هذا البيع، فقال: ما
كان يدا بيدا فلا بأس به، وما كان نسيئة فهو ربا، وأت زيد بن أرقم فإنه أعظم تجارة منى، فأتيته

٤٥٢
الصرف والمراطلة
إعلاء السنن
٤٨٠٥- وعن أبى بكرة، قال: ((نهى النبى عَّ عن الفضة بالفضة والذهب
بالذهب إلا سواء بسواء، وأمرنا أن نبتاع الذهب بالفضة كيف شئنا، والفضة فى الذهب
کیف شئنا»، رواه البخارى.
فسألته؟ فقال مثل ذلك"، وكذلك رواه البخارى عن على بن المدينى، ومسلم عن محمد بن حاتم،
والنسائی عن محمد بن منصور، ثلاثتهم عن سفيان.
وهذان اللفظان فى "الصحيح" لا منافاة بينهما ولا إشكال، ولا حجة لمتعلق فيهما، لأنه
يمكن حمل ذلك على أحد أمرين، إما أن يكون المراد بيع دراهم بشىء ليس ربويا، ويكون الفساد
لأجل التأخير بالموسم أو الحج، فإنه غير محرر، ولا سيما على ما كانت العرب تفعل، والثانى: أن
يحمل ذلك على اختلاف الجنس، ويدل له رواية أخرى عن أبى المنهال، قال: سألت البراء بن
عازب وزيد بن أرقم عن الصرف؟ فكلاهما يقول: ((نهى رسول الله مَّ ◌ُله عن بيع الذهب بالورق
دينا))، ورواه البخارى ومسلم، وهذا لفظ البخارى ومسلم بمعناه، وفى لفظ مسلم: ((عن بيع الورق
بالذهب دينا))، فهو يبين أن المراد صرف الجنس بجنس آخر، وكلها أسانيد فى غاية الجودة، ولكن
حصل الاختلاف فى سفيان، فخالف الحميدى على بن المدينى، ومحمد بن حاتم، ومحمد بن
منصور، وكل من الحميدى وعلى بن المدينى فى غاية الثبت، ويترجح أن ابن المدينى هنا بمتابعة
محمد بن حاتم، ومحمد بن منصور له، وبشهادة ابن جريج لروايته، وشهادة رواية حبيب بن أبى
ثابت لرواية شيخه، ولأجل ذلك قال البيهقى رحمه الله: إن رواية من قال: ((إنه باع دراهم
بدراهم)) خطأ عنده اهـ ملخصًا من "شرح المهذب" (٥٦:١٠-٥٧).
قال الحاوى: ثم فى حديث عبادة ما يدل على أن التحريم أى تحريم الصرف كان يوم خيبر،
وذكر حديثا من رواية محمد بن إسحاق عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، أنه حدث عن عبادة بن
الصامت، قال: ((نهانا رسول الله مَّه(١) يوم خيبر أن نبيع أو نبتاع تبر الذهب بالذهب، وتبر الفضة
بالفضة العين)) الحديث، قال الحاوى: هذا الحديث بهذا الإسناد، وإن كان فيه مقال من جهة ابن
إسحاق غير أن له أصلا من حديث عبادة، ثم يشيده حديث فضالة بن عبيد (وهو مخرج فى
"صحيح مسلم"، وهو ظاهر فى أن التحريم كان يوم خيبر، فإنه قال: ((كنا مع رسول الله مُ ◌ّلـ يوم
خيبر نبايع اليهود أوقية الذهب بالدينارين والثلاثة، فقال رسول الله مّ له: لا تبايعوا الذهب إلا وزنا
(١) سقطت لفظة يوم خيبر من نسخة شرح المهذب ولا بد منها، وهى ثابتة فى سيرة ابن هشام عن ابن إسحاق بسنده
(١٨٠/٣). ظ

ج - ١٤
الصرف والمراطلة
٤٥٣
٤٨٠٦- وعن فضالة بن عبيد، قال: "اشتريت يوم خيبر قلادة باثنى عشر
دينارا، فيها ذهب وخرز، ففصلتها فوجدت منها أكثر من اثنى عشر دينارا، فذكرت
للنبى عَ ◌ٍّ، فقال: لا تباع حتى تفصل"، قال الترمذى: حسن صحيح.
بوزن))، فإن كان أسامة سمعه من النبى عَّه، وقبل خيبر فقد ثبت النسخ، وإلا فالحكم ما صار إليه
الشافعى جمعا بين الأخبار.
وحاصله ما نقله شارح المهذب من كتاب اختلاف الحديث له بلفظ قيل: الله أعلم قد
يحتمل أن يكون سمع رسول الله معرّ ◌ُّه يسأل عن الربا فى صنفين مختلفين، ذهب بفضة، وتمر
بحنطة، قال: إنما الربا فى النسيئة، فحفظه فأدى قول النبى معَّه ولم يؤد مسألة السائل، (لكونه لم
يسمعها أو سمعها وظن أن العبرة بعموم اللفظ لالخصوص المورد ١٢ ظ) فكان ما أدى عنه من سمع أن لا
ربا إلا فى النسيئة، هذا جواب الشافعى رضى الله عنه، وهو مشتمل على الترجيح والتأويل، فهما
جوابان يعنى أنه إن كان حديث أسامة جوابا لمن سأل عن صنفين، فهو موافق لبقية الأحاديث لا
يخالفها، وإن لم يكن كذلك وكان مخالفا لها فالعمل بالراجح متعين، ورواية الجماعة أرجح من
رواية واحد، وهذا التأويل الذى ذكره الشافعى هو الذى ذكره ابن عبد البر، وقال إنه معنى
الحديث عند العلماء، قال: والدليل على صحة هذا التأويل إجماع الناس، ما عدا ابن عباس عليه
وما صح عن النبى معَّهِ، وذكر الأحاديث الدالة على تحريم ربا الفضل اهـ ملخصا (٥٢:١٠).
(١) وبهذا اندحض ما أورده بعض الأحباب على هذا التأويل بقوله: وأما ما قال الطبرى: "إن معناه لا ربا إلا فى النسيئة، إذا اختلف
الأنواع"، ففيه أنه حينئذ يكون قوله: "إذا اختلف الأنواع"، مقصودا فى الكلام ومحطا للفائدة، فيكون حذفه إما تقصيرا فى
الرواية، أو عدم فهم للمقصود اهـ.
وتقرير الجواب ظاهر أن الطبرى لم يرد أن لفظة "إذا اختلف الأنواع" كان جزء للحديث، بل أراد أن قوله منظئه: ((إنما الربا فى
النسيئة)) كان واردا فى جواب من سأل عن الربا فى صنفين، فأدى أسامة قول النبى من فيه كما سمعه، ولم يؤد مسألة السائل
لكونه لم يسمعها، أو سمعها وظن أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص المورد، ولذلك نظائر لا تخفى على من مارس
الحديث، كحديث: ((أفطر الحاجم والمحجوم)، ((والميت يعذب ببكاء أهله عليه))، و ((وولد الزنا شر الثلاثة)).
وغير ذلك من الأحاديث التى وقعت فى موارد مخصوصة، فذكر الراوى قول النبى معَّ له، ولم يذكر المورد، وأما ما قاله بعض
الأحبابُ هذا: إن النبى مَّ لّه كان قد قال: إنما فى النسيئة الربا، أى إنما فى النسيئة ثبوت الربا لا عدمه، وهو قصر القلب، فلم
يفهم أسامة مراد رسول الله مَّه، ورواه على ما فهم من المعنى، وقال: إنما الربا فى النسيئة، أو لا ربا إلا فى النسيئة، فتغير
المعنى بتغير العنوان إلى آخر ما قال وأطال، وهذر وافترى، فسخافته مما لا يخفى على جاهل، فضلا عن عالم عاقل، فكيف
لا يفهم أسامة مراد الرسول، ويفهمه هندى ظلوم جهول؟ نعوذ بالله من الخذلان، وسوء الأدب. ١٢ظـ

٤٥٤
الصرف والمراطلة
إعلاء السنن
قال شارح "المهذب": روى ذلك أى تحريم ربا الفضل من حديث أبى بكر الصديق رضى
الله عنه، وعمر بن الخطاب رضى الله عنه، وعثمان بن عفان، وعلى بن أبى طالب، وسعد بن أبى
وقاص، وعبادة بن الصامت، وأبى سعيد الخدرى، وأبى هريرة، وعبد الله بن عمر بن الخطاب،
وفضالة بن عبيد، وأبى بكرة، ومعمر بن عبد الله، ورافع بن خديج، وأبى الدرداء، وأبى أسيد
الساعدى، وبلال، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، ورويفع بن ثابت، وبريدة رضى الله عنهم
أجمعين، ثم سرد أحاديثهم حديثا حديثا، وقال: فهذه اثنان وعشرون حديثا، منها فى الصحيحين
حديث أبى سعيد، وأبى بكرة، وفى مسلم وحده حديث عبادة وأبى هريرة، وعثمان بن عفان،
وفضالة، وعلى الخمسة الأول اقتصر الشافعى رضى الله عنه، ومنها خارج الصحيحين وهو حديث
أبى أسيد، وأبى الدرداء وسعد بن أبى وقاص والله أعلم، وفى بقية ذلك ما ينطر فيه اهـ (٦٨:١٠).
قلت: وهی ما بین حسان وضعاف تحتمل، إلا مرسل مالك بن أوس بن الحدثان، فإسناده فى
غاية الضعف، فيه رجل وضاع، وآخر مجهول، ومن أراد التفصيل، فليراجع "شرح المهذب"، فقد
شفى مؤلفه الغليل، وميز الصحيح عن العليل، جزاه الله عنا وعن سائر المسلمين خير الجزاء (آمين).
ومما يؤيد تأويل الشافعى رحمه الله حديث عمار بن ياسر الذى ذكرناه فى أبواب الربا،
ونصه: ((العبد خير من العبدين والأمة خير من الأمتين والبعير خير من البعيرين والثوب خير من
الثوبين فما كان يدا بيد فلا بأس به إنما الربا فى النسأ إلا ما كيل أو وزن))، أخرجه ابن حزم
ولم يعله بشىء، ورجاله ثقات، وهو مفسر جيد لحديث أسامة رضى الله عنه ورافع، لما فيه
من الإجمال، وفيه أن قوله عّ لّه: ((إنما الربا فى النسيئة))، ليس على إطلاقه، بل هو مقيد بما لا يكال،
ولا یوزن، فلا ربا فیه إلا بالنسیئة عند اتحاد الجنس، وأما ما یکال أو یوزن فیجری فیه الربا بالنسيئة
مرة، وبالتفاضل أخرى، وقد علم كل من له أدنى إلمام بالحديث أن بعض الرواة يسوق الحديث أتم
من غيره، ولذا يحتاج إلى جمع طرقه، وألفاظه المختلفة فى شرحه، وبيان معناه، كما فعله الحافظ
فى "الفتح".
ولا يخفى أن تفسير الحديث بالحديث أولى من تفسيره بالرأى، وقد تخبط بعض الأحباب
فى هذا الباب، فأتى من رأيه الباطل بالعجب العجاب، بل بطامة تقشعر منها جلود أولى الألباب،
والله ولى التوفيق، ومنه الهداية للصواب.
وفى حديث مالك بن أوس دلالة على وجوب تقابض البدلين فى مجلس الصرف، وعليه

ج - ١٤
الصرف والمراطلة
٤٥٥
الإجماع، قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن المتصارفين إذا افترقا قبل
أن يتقابضا أن الصرف فاسد، والأصل فيه قول النبى معَّه: ((الذهب بالورق ربا إلا هاء هاء))،
وقوله عليه السلام: ((بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يدا بيد))، ((ونهى النبى عَّه عن بيع الذهب
بالورق دينا))، ((ونهى أن يباع غائب منها بناجز))، وكلها أحاديث صحاح، ويجزى القبض فى
المجلس وإن أطال، ولو تماشيا مصطحبين إلى منزل أحدهما أوالى الصراف فتقابضا عنده جاز،
وبهذا قال الشافعى (وأبو حنيفة أيضًا كما مر فى أبواب الربا)، وقال مالك: لا خير فى ذلك،
لأنهما فارقا مجلسهما، ولنا أنهما لم يفترقا قبل التقابض، فأشبه ما لو كانا فى سفينة تسير بهما،
أو راكبين على دابة واحدة تمشى بهما، قاله الموفق فى "المغنى" (١٧٧:٤).
وإذ وجب التقابض فى المجلس لم يجز الاستبدال ببدل الصرف، لأن قبض البدل شرط بقاء
العقد على الصحة، وبالاستبدال يفوت قبضه حقيقةً، لأنه يقبض بدله، وبدله غيره، وقال زفر: إن
الاستبدال جائز، لأن الشراء لا يقع بعين ما فى الذمة، لأن ما فى الذمة من الدراهم لا يحتمل التعيين
بلا خلاف، فكان مشتريا بمثل ما فى الذمة، فيجب لمن عليه الدين فى ذمة المشترى دراهم مثل ما
فى ذمته فى النوع والصفة، فلا يفوت قبض البدل بالاستبدال، بل يصير قابضا بطريق المعاوضة،
فيصح الاستبدال.
والجواب أن الدراهم والدنانير وإن كانت لا تتعين بالعقد، ولكنها تتعين بالقبض، وقبضها
واجب، وبالمقاصة يفوت القبض حقيقة، فلم تصح المقاصة، فبقى الشراء بها إسقاطًا للقبض
المستحق حقا للشرع، فلا يصح الشراء، وبقى الصرف صحيحا موقوفا بقائه على الصحة على
القبض قبل الافتراق، كذا فى "البدائع" (٢١٨:٥)، ولو راجع بعض الأحباب كلامه لم يقل ما
قال، وظهر له الجواب عن دليل زفر رحمه الله العزيز المتعال.
قد ثبت رجوع ابن عباس إلى قول الجمهور:
فائدة: قد ثبت رجوع ابن عباس إلى قول الجمهور، فقال بحرمة التفاضل فى الصرف بعد
ما كان يقول بجوازه يدا بيد، وقد أشرنا إلى ذلك فى أبواب الربا إجمالا، وها أنا أسرد الروايات
ههنا تفصيلا، روى الطبرانى فى "الكبير" بإسناد حسن عن أبى الزبير المكى، قال: سمعت أبا أسيد

٤٥٦
الصرف والمراطلة
إعلاء السنن
الساعدى وابن عباس يفتى بالدينار بالدينارين، فقال أبو أسيد وأغلظ له (١) القول، فقال ابن عباس:
ما كنت أظن أن أحدا يعرف قرابتى من رسول الله عّ لّه يقول لى مثل ما هذا يا أبا أسيد! فقال أبو
أسيد: أشهد سمعت رسول الله عَّ ◌ُلّه يقول: ((الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم، وصاع حنطة
بصاع حنطة، وصاع شعير بصاع شعير، وصاع ملح بصاع ملح، لا فضل بين شىء من ذلك))،
فقال ابن عباس: هذا شىء كنت أقوله برأيى ولم أسمع فيه شيئا (مجمع الزوائد ١١٤:٤)، ورواه
الحاكم فى "المستدرك"، وصححه على شرط مسلم.
وعن أبى صالح الزيات أنه سمع أبا سعيد الخدرى رضى الله عنه يقول: "الدينار بالدينار،
والدرهم بالدرهم، فقلت له: فإن ابن عباس لا يقوله، فقال ابو سعيد: سألته فقلت: سمعته من
النبى معَّ أو وجدته فى كتاب الله تعالى؟ فقال: كل ذلك لا أقول، وأنتم أعلم برسول الله مرّ له
منى، ولكنى أخبرنى أسامة بن زيد أن النبى معَّم قال: ((لا ربا إلا فى النسيئة))"، رواه البخارى
ومسلم "شرح المهذب" (٢٧:١٠).
قلت: ولا منافاة بينه وبين قوله فيما مضى: "هذا شىء كنت أقوله برأيى ولم أسمع فيه
شيئاً"، فإن معناه لم أسمع فيه من النبى معَِّ شيئا، وإنما سمعت أسامة يحدث عنه: ((لا ربا إلا فى
النسيئة))، فحملته على الإطلاق برأيى، أى وقد بان لى بما رويتموه أنه ليس على إطلاقه، بل مقيد
بقيد لم يذكره أسامة رضى الله عنه، وعلى هذا فيصح الجمع بين الحديثين بمثل ما ذكره الشافعى رحمه
الله من التأويل، خلافا لما قاله ابن الصباغ أن الجماعة اتفقوا على تعارض الخبرين، فافهم.
وعن أبى صالح ذكوان: "أنه سأل ابن عباس عن بيع الذهب والفضة؟ قال: هو حلال
بزيادة، أو نقصان إذا كان يدا بيد، قال أبو صالح: فسألت أبا سعيد بما قال ابن عباس، وأخبرت ابن
عباس بما قال أبو سعيد، والتقيا وأما معهما، فابتدأه أبو سعيد الخدرى فقال: يا ابن عباس! ما هذه
الفتيا التى تفتى بها الناس فى بيع الذهب والفضة، نأمرهم أن يشتروه بنقصان أو زيادة يدا بيد؟
(١) فيه أن الصحابة كانوا يغلظون القول لمن قال برأيه ما يخالف السنة صريحا كائنا من كان، مع أن المجتهد إذا أخطأ استحق
الأجر، فلا يصح رد حديث العالية لما فيه من قول عائشة: "أبلغى زيدا أن قد أبطلت جهادك مع رسول الله عٍَّ إلا أن
تتوب"، ولا يصح قول قائل لو أن رجلا باع شيئا، أو ابتاعه، نراه نحن محرما، وهو يراه حلالا لم نزعم أن الله عز وجل
يحبط به من عمله شيئا، بيهقى (٣٣١:٥)، فإن الصحابى الذى قد شهد الوحى، وصحب النبى مَّّة إذا زعم ذلك، وأغلظ
القول لمن خالفه كان ذلك دليلا على وجود نص عنده من رسول الله منز له.١٢ ظ

ج - ١٤
الصرف والمراطلة
٤٥٧
فقال ابن عباس رضى الله عنهما: "ما أنا بأقدمكم صحبة لرسول الله عزّبه، وهذا زيد بن أرقم
والبراء بن عازب يقولان: سمعنا رسول الله عّ لآه"، رواه الطبرانى بسند حسن.
وروينا فى "صحيح مسلم" عن أبى نضرة قال: سألت ابن عمر وابن عباس عن الصرف؟
فلم يريا به بأسا، (أى بصرف النقد بجنسه متفاضلا يدا بيد)، فإنى لقاعد عند أبى سعيد الخدرى،
فسألته عن الصرف؟ فقال: ما زاد فهو ربا، فأنكرت ذلك لقولهما، فقال: لا أحدثك إلا ما سمعت
من رسول الله عّ له، جاءه صاحب نخله بصاع من تمر طيب، وكان تمر النبى عَ لّ هذا اللون، فقال
له النبى معَّهِ: أنى لك هذا؟ قال: انطلقت بصاعين فاشتريت به هذا الصاع، فقال رسول الله مَ له:
ويلك! أربيت، إذا أردت ذلك فبع تمرك بسلعة ثم اشتر بسلعتك أى تمر شئت، قال أبو سعيد:
فالتمر بالتمر أحق أن يكون ربا أم الفضة بالفضة؟ قال: فأتیت ابن عمر بعد، فنهانی، ولم آت ابن
عباس، قال: فحدثنى أبو الصهباء: إنى سألت ابن عباس رضى الله عنهما بمكة فكرهه".
قال شارح "المهذب": وفى هذا الحديث ما يدل على أن أبا سعيد استعمل القياس فى
إشارته إلى أن الفضة بالفضة أحق بالربا من التمر بالتمر، وأن تحريم الربا فى الأشياء الستة معلل
(٢٩:١٠)، ولا يلزم منه أن أبا سعيد لم يسمع من النبى عّ لّ تحريم الفضة بالفضة، والذهب
بالذهب متفاضلا يدا بيد، كيف؟ وقد صحح عنه عن الشيخين وغيرهما أن رسول الله عَّ له قال:
((لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا
مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائبا بناجز))، كما هو فى المتن، ولکنه ربما
أيد تحريم التفاضل فى الذهب بالذهب، والفضة بالفضة بالقياس أيضًا، كى لا يقصره السامع على
الأشياء المذكورة فى النص، كما فعله الظاهرية، فافهم.
وقد تقدم حديث أبى مجلز: " كان ابن عباس لا يرى بالصرف بأسا زمانا من عمره ما كان
منه عینا یعنی يدا بيد، وكان يقول: إنما الربا فى النسيئة، فلقيه أبو سعيد فقال له: يا ابن عباس! إلى
متى توكل الناس الربا؟ أما بلغك أن رسول الله عّ لّم قال ذات يوم، الحديث. وفيه فقال ابن عباس:
جزاك الله يا أبا سعيد الجنة! فإنك أذكرتنى أمرا كنت نسيته، أستغفر الله وأتوب إليه، فکان ینهی
عنه بعد ذلك أشد النهى"، أخرجه الحاكم وقال: هذا حديث صحيح الإسناد.
وعن أبى الجوزاء قال: "سمعت يأمر بالصرف يعنى ابن عباس، وتحدث ذلك عنه ثم بلغنى
أنه رجع عن ذلك، فلقيته بمكة، فقلت: إنه بلغنى أنك رجعت، قال: نعم، إنما كان ذلك رأيا منى،

٤٥٨
الصرف والمراطلة
إعلاء السنن
وهذا أبو سعيد حدث عن رسول الله عَّ أنه نهى عن الصرف"، رواه ابن ماجة وأحمد بإسناد
رجاله علی شرط الصحیحین إلی سلیمان بن على، وسلیمان بن علی روی له مسلم، وقال ابن حزم
مجهول، وهو غير مقبول منه لما تبين.
وروينا عن عبد الرحمن بن أبى نعيم: "أن أبا سعيد لقى ابن عباس، فشهد على رسول
الله عَِّ أنه قال: الذهب بالذهب، والفضة بالفضة مثلا بمثل، فمن زاد فقد أربا، فقال ابن عباس:
أتوب إلى الله مما كنت أفتى به، ثم رجع"، رواه الطبرانى بإسناد صحيح، وعبد الرحمن بن أبى
نعيم تابعى ثقة، متفق عليه معروف بالرواية عن أبى سعيد وابن عمر وغيرهما من الصحابة.
وعن أبى الجوزاء قال: "سألت ابن عباس عن الصرف عن الدرهم بالدرهمين يدا بيد؟ فقال:
لا أدرى ما كان يدا بيد بأسا، ثم قدمت مكة من العام المقبل، وقد نهى عنه"، رواه الطبرانى بإسناد
حسن. وعن أبى الشعثاء قال: ((سمعت ابن عباس يقول: اللهم أتوب إليك من الصرف، إنما هذا من
رأيى، وهذا أبو سعيد الخدرى يرويه عن النبى عَّةٍ))، رواه الطبرانى، ورجاله ثقات مشهورون
مصرحون فيه بالتحديث من أولهم إلى آخرهم.
وروى أبو جعفر الطحاوى بإسناد حسن إلى أبى سعيد قال: ((قلت لابن عباس: أرأيت الذى
تقول: الدینار بالدینارین وذ کر الحدیث، ثم قال: قال أبو سعيد: ونزع عنها ابن عباس. وروى
الطحاوى أيضاً عن نصر بن مرزوق بإسناده لا بأس به عن أبى الصهباء: "أن ابن عباس نزل عن
الصرف"، وهذه أصرح من رواية مسلم ومبينة لها.
وروى الطحاوى عن أبى أمية بإسناد حسن إلى عبد الله بن حسين، "إن رجلا من أهل
العراق قال لعبد الله بن عمر: إن ابن عباس قال : - وهو أمير علينا- من أعطى بالدرهم مائة درهم
فليأخذها، وذكر الحديث إلى أن قال: فقيل لابن عباس ما قال ابن عمر، قال: فأستغفر ربه، وقال:
إنما هو رأى منى". وعن أبى هاشم الواسطى -واسمه يحيى بن دينار- عن زياد، قال: "كنت مع
ابن عباس بالطائف فرجع(١) عن الصرف قبل أن يموت بسبعين يوما"، ذكره ابن عبد البر فى
"الاستذكار".
وذكر أيضًا عن أبى حرة قال: "سأل رجل ابن سيرين عن شىء؟ فقال: لا علم لى به، فقال
(١) أى علم زياد برجوعه قبل أن يموت بسبعين يوما، فلا ينافى ما ذكره أبو الصهباء، وأبو الشعثاء وغيرهما أنه رجع عنه بمكة.ظ

ج - ١٤
الصرف والمراطلة
٤٥٩
الرجل: أن يكون فيه برأيك، فقال: إنى أكره أن أقول فيه برأى ثم يبدو إلى غيره، فأطلبك
فلا أجدك، أن ابن عباس رأى فى الصرف رأيا ثم رجع".
وذكر أيضاً عن ابن سيرين عن الهذيل، قال: "سألت ابن عباس عن الصرف فرجع عنه،
فقلت: إن الناس يقولون، فقال: الناس يقولون ما شاءوا".
وإذ تأملت الروايات المذكورة وجدت أصحها إسنادا قول أبى الصهباء عند مسلم: أنه سأل
ابن عباس عنه فكرهه، لكنه ليس بصريح إلا أنى قدمت من رواية الطحاوى عن أبى الصهباء ما
ينفى الاحتمال، ويبين أنه نزل عن الصرف صريحا، وإسناده جيد، والحديث الذى أخرجه الحاكم
صريح، ولا يقصر عن درجة الحسن، وحديث ابن ماجة الذى قدمته وبينت أنه على شرط مسلم
صريح فى الرجوع أيضًا، وكذلك رواية ابن أبى نعيم المتقدمة عن الطبرانى بسند صحيح، فهذه
عدة روايات صحيحة وحسنة من جهة خلق من أصحاب ابن عباس رضى الله عنهما تدل على
رجوعه، وقد روى فى رجوعه أيضًا غير ذلك، وفيما ذكرته غنية، إن شاء الله تعالى.
وأما ما روى فى خلافه فهو ما رواه ابن حزم من طريق أحمد بن حنبل: حدثنا هاشم،
أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أنه قال: "ما كان الربا قط فى ها وهات،
وحلف سعيد بن جبير بالله ما رجع عنه حتى مات"، وهذا إسناد متفق على صحته، لكنها شهادة
على النفى (فتحمل على عدم علمه بالرجوع، ولا يبعد خفاء شىء على أخص أصحاب الرجل
وظهوره لغيره، ألا ترى أنه قد خفى على أبى بكر وعمر رضى الله عنهما، وهما من أخص الناس
برسول الله مرّةٍ وأقربهم إليه كثير مما ظهر لأصغر الصحابة وأحدثهم سنا، كما لا يخفى من
مارس الحديث، فترجيح ابن حزم قول سعيد بن جبير على رواية الجماعة لكونه من أخص أصحابه
به باطل بالمرة ١٢ ظ).
وأصرح منه ما ذكره ابن عبد البر عن ابن عيينة عن فرات القزار، قال: "دخلنا على سعيد
ابن جبير نعوده، فقال له عبد الملك بن ميسرة الزراد: كان ابن عباس نزل عن الصرف؟ فقال
سعيد: عهدى به قبل أن يموت بستة وثلاثين يوما، وهو يقوله وما رجع عنه"، ذكره هكذا بغير
إسناد إلى ابن عيينة (شرح المهذب ٣٩:١٠).
والجواب عنه مثل الجواب عن رواية أبى بشر عن سعيد بن جبير أنه شهادة على النفى،
والمثبت مقدم على النافى لا سيما وفيهم كثرة، فلا يترك قولهم بقول واحد، والله تعالى أعلم.

٤٦٠
الصرف والمراطلة
إعلاء السنن
قال ابن المنذر: أجمع عوام (علماء) الأمصار مالك بن أنس، ومن تبعه من أهل المدينة،
وسفيان الثورى، ومن وافقه من أهل العراق، والأوزاعى، ومن قال بقوله من أهل الشام، والليث،
ومن وافقه من أهل مصر، والشافعى وأصحابه، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، والنعمان (أبو حنيفة)
ويعقوب، ومحمد بن على (الصحيح محمد بن الحسن) على أنه لا يجوز بيع ذهب بذهب،
ولا فضة بفضة، ولا بر ببر، ولا شعير بشعير، ولا تمر بتمر، ولا ملح بملح، متفاضلا يدا بيد
ولا نسيئة، وأن من فعل ذلك فقد أربى، والبيع مفسوخ، قال: وقد روينا هذا القول عن جماعة من
أصحاب رسول الله عَ ليه، وجماعة يكثر عددهم من التابعين.
قلت: وممن قال بذلك من الصحابة أربعة عشر، منهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلى،
وسعد، وطلحة، والزبير، روى مجاهد عنهم الأربعة عشر أنهم قالوا: "الذهب بالذهب، والفضة
بالفضة، وأربوا الفضل"، روى ذلك ابن أبى شيبة فى "مصنفه" عن ابن فضيل، عن ليث -هو ابن
أبى سليم- عن مجاهد، وهؤلاء السبعة من العشرة المشهود لهم بالجنة، وممن صحح ذلك عنه أيضًا
غير هؤلاء السبعة عبد الله بن عمر، وأبو الدرداء، وفضالة بن عبيد، وقد تقدم كلام أبى سعيد،
وأبى أسيد، وعبادة، وقد رويت أحاديث تحريم ربا الفضل من جهة غيرهم من الصحابة، والظاهر
أنهم قائلون بها لعدم قبولها للتأويل، والله أعلم.
وقال الترمذى بعد ذكره حديث أبى سعيد: والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب
النبى مَّ ◌ُّ وغيرهم، إلا ما روى عن ابن عباس، وكذلك روى عن بعض أصحابه شىء من هذا،.
وقد روى عن ابن عباس أنه رجع عن قوله، والقول الأول أصح، والعمل على هذا عند أهل العلم،
وروى عن ابن المبارك أنه قال: ليس فى الصرف اختلاف.
وقال ابن عبد البر: لا أعلم خلافا بين أئمة الأمصار بالحجاز والعراق، وسائر الآفاق فى أن
الدنيار لا يجوز بيعه بالدينارين ولا بأكثر منه وزنا، ولا الدرهم بالدرهمين، ولا بشىء من الزيادة
عليه، إلا ما كان عليه أهل مكة قديما وحديثا من إجازتهم التفاضل على ذلك إذا كان يدا بيد،
أخذوا ذلك عن ابن عباس رضى الله عنهما.
(قلت: بل عن سعيد بن جبير، فإن ابن عباس رجع عن ذلك، ولولا قول سعيد إنه لم يرجع
لم يأخذ أحد بقول ابن عباس أبدًا)، قال ابن عبد البر: ولم يتابع ابن عباس على قوله فى تأويله
حديث أسامة أحد من الصحابة، ولا من التابعين، ولا من بعدهم من فقهاء المسلمين، (فكلهم