النص المفهرس
صفحات 401-420
٤٠١ يرجع المشترى على البائع بالدرك 2 إعلاء السنن نهيك، عند مسلم ولفظه: ((إذا أفلس الرجل فوجد رجل متاعه بعينه فهو أحق به))، وكذا رواه همام، وحماد بن سلمة، وأبان بن یزید عن قتادة عند أحمد فى "مسنده" (٣٤٧:٣ و ٣٥٨ و٤١٣) لم يذكروا البيع، وكذا رواه عراك بن مالك عن أبى هريرة عند مسلم، ولفظه كلفظ بشير ابن نهيك، ولفظ الحسن عن أبى هريرة عند أحمد: ((أيما رجل أفلس فوجد رجل عنده ماله ولم یکن اقتضی من ماله شیئا فهو له)) (٥٢٥:٢)، ولفظ هشام بن یحیی عنه: «من وجد ماله عند رجل مفلس فهو أحق به)) (مسند أحمد ٢٤٩:٢). واختلف فيه على أبى بكر بن عبد الرحمن، فروى عنه عمر بن عبد العزيز والزهرى، أما عمر بن عبد العزیز فلم یذ کر البیع فی حدیثه، إلا ابن أبى الحسین، عن أبى بكر بن حزم، عنه، عند مسلم، ولفظه فى الرجل الذى يعدم: ((إذا وجد عنده المتاع، ولم يفرقه أنه لصاحبه الذى باعه))، ورواه يحيى بن سعيد الأنصارى، عن أبى بكر بن حزم، عنه، فلم يذكر البيع فيه فى رواية جماعةً من الحفاظ، زهير، وهشيم، وليث بن سعد، وحماد بن زيد، وسفيان بن عيينة، وعبد الوهاب، والقطان، وحفص بن غياث، وأنس بن عياض، وأبى خالد الأحمر، ويزيد بن هارون، ومالك، كلهم قالوا: من أدرك ماله بعينه عند رجل قد أفلس فهو أحق به من غيره، إلا الثورى وحده، فرواه عنه فى "جامعه" بلفظ: ((إذا ابتاع الرجل سلعته، ثم أفلس، وهى عنده بعينها فهو أحق بها من الغرماء»، ورواه ابن حبان من طريق يحيى بن هشام المخزومى عن أبى هريرة بلفظ: ((إذا أفلس الرجل فوجد البائع سلعته)) والباقى مثله (فتح البارى ٤٧:٥)، وبالجملة: فلفظ البيع فى هذا الحدیث تفرد به هشام المخزومى عن أبى هريرة، وابن أبى الحسين عن أبى بكر بن حزم، والثورى عن يحيى بن سعيد الأنصارى، والجماعة من أصحاب أبى هريرة وأصحاب أبى بكر بن حزم، ويحيى الأنصارى لا یذ کرونه أصلا. وأما الزهرى فالمحفوظ روايته عن أبى بكر بن عبد الرحمن مرسلا، كذا رواه مالك فى "موطئه" عنه، عن أبى بكر بن عبد الرحمن، عن النبى مرٍّ، قال أبو داود: هو أصح ممن رواه عن مالك مسندا، وقال الدارقطنى: ولا يثبت هذا عن الزهرى مسندا، وإنما هو مرسل، وقال أبو بكر: كذا هو مرسل فى جميع الموطآت التى رأينا، وكذلك رواه جماعة الرواة عن مالك فيما علمنا مرسلا، إلا عبد الرزاق، فإنه رواه عن مالك، عن الزهرى، عن أبى بكر، عن أبى هريرة، فأسنده، وقد اختلف فى ذلك عن عبد الرزاق، كذا فى "العمدة" للعينى (٥٨:٦). ج - ١٤ يرجع المشترى على البائع بالدرك ٤٠٢ قلت: وكذلك رواه يونس عن الزهرى مرسلا عند الطحاوى فى "معانى الآثار"، وعند أبى داود فى "سننه"، ورواه الزبيدى عنه، عن أبى بكر بن عبد الرحمن، عن أبى هريرة موصولا، واختلف علیه فی سنده، فرواه إسماعيل بن عياش عنه هكذا، ورواه الیمان بن عدی عنه، عن الزهرى، عن أبى سلمة، عن أبى هريرة عند ابن ماجة (١٧٢)، واليمان بن عدى ليس بدون ابن عياش، فكلاهما مختلف فيهما. وإذا تقرر ذلك فحديث الزهرى عن أبى بكر بن عبد الرحمن ليس من مسانيد أبى هريرة، بل هو مرسل، ولولا ترجيح الإرسال لزم القول بكونه مضطربا سندا ومتنا، كما لا يخفى على من مارس الحديث وجمع طرقه، فلا يضرنا ما فيه من ذكر البيع، كما لم يضر الشافعى ما فيه من قوله: «وإن كان قبض من ثمنها شيئا فهو أسوة الغرماء، وأيما امرئ هلك وعنده مال امرئ بعينه اقتضى منه شيئا أو لم يقتضٍ فهو أسوة الغرماء))، وكذا الراجح من لفظ أبى هريرة عندنا ما اتفق عليه الجماعة، وليس فيه ذكر البيع، دون ما تفرد به واحد من أصحابه أو أصحاب أصحابه. ويؤيده أن الحديث قد روى من غير طريق أبى هريرة بدون لفظ البيع، فرواه ابن عمر وسمرة عن النبى معَّ أيضاً، أما لفظ سمرة فقد مر من رواية قتادة عن الحسن عنه، قال: ((من وجد متاعه عند مفلس بعينه فهو أحق به))، أخرجه أحمد، وأما ابن عمر فلفظه عند البزار: أن النبى معَّ له قال: ((إذا أفلس الرجل فوجد الرجل ماله يعنى عند مفلس بعينه فهو أحق به))، قال الهيثمى فى "مجمع الزوائد" (١٤٤:٤): رجاله رجال الصحيح اهـ، وقال الحافظ فى "الفتح": رواه أيضًا ابن عمر عند ابن حبان بسند صحيح إلا أنه لم یذ کر سنده ولا متنه. وكل ذلك محمول عندنا معشر الحنفية على الغصوب والعوارى والودائع ونحوها، بدليل ما رواه الحجاج عن سعيد بن زيد عن أبيه عن سمرة، وقد أودعناه فى المتن، وهو نص فى أنه مرّ ليّ. إنما جعل الذى يجد متاعه عند مفلس أحق من غيره من الغرماء إذا كان المتاع قد سرق منه، أو ضاع، لا إذا کان قد باعه منه. يؤيد ذلك ما رواه أبو عصمة نوح ابن أبى مريم، عن الزهرى، عن أبى بكر بن عبد الرحمن، عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله عَّ له: ((إذا أفلس الرجل ووجد رجل متاعه فهو بين غرماءه)، وما رواه صدقة بن خالد عن عمر بن قيس سندل عن ابن أبى مليكة عن أبى هريرة عن النبى معَ له: ((من باع بيعا فوجده بعينه، وقد أفلس الرجل فهو ماله بين غرماءه)) (المحلى ١٧٨:٨)، وأبو عصمة ٤٠٣ يرجع المشترى على البائع بالدرك إعلاء السنن من رجال الترمذى، قال ابن عدی: مع ضعفه یکتب حديثه (تهذيب ٤٨٨:١٠)، و جرحه آخرون، وعمر بن قيس قال أبو زرعة: لین الحدیث، وضعفه آخرون (تهذيب ٤٩١:٧) فالحدیثان، إن کانا ضعيفين، ولكنهما يصلحان مؤيدين بحديث الحجاج، وشاهدين للتأويل الذى ذكرناه، فإن تأويل الحديث على معنًى يجوز بالقياس إجماعًا، فبالحديث الضعيف المؤيد بضعيف مثله بالأولى. فإن قيل: إن قوله: ((أفلس) يمنع من هذا الحمل، لأن حكم الوديعة والغصوب سواء فى الإفلاس وغيره. قلنا: هذا إذا كان قوله: ((قد أفلس)) للاحتراز، وأما إذا كان لتصوير النزاع فلا، لأن النزاع بين المالك والغرماء، لا يكون إلا إذا أفلس من عنده المتاع أو مات، وليس معنى قوله: ((أحق به من الغرماء)» أن للغرماء فيه حقا، ولكن إذا وقع النزاع بين المالك والغرماء، وادعى كل واحد منهم أن له حقا فيه صح للحاكم أن يقول: إن المالك أحق به، ولو تعلق الخصم بقوله: ((قد أفلس وهو أحق به)) تعلقنا بقوله: ((سلعته، ومتاعه، وماله))، فإن الإضافة ظاهرة فى الملك، وبقوله: (بعينه)) فإن المبيع لا يكون عند المشترى كما كان عند البائع بعينه، بل يصير غيره شرعًا، بدليل قوله لبريرة: «هو لها صدقة، ولنا هدية))، كما مر. قال ابن حزم: روينا من طريق وكيع عن هشام الدستوائى عن قتادة عن خلاس بن عمرو عن على قال: ((هو فيها أسوة الغرماء إذا وجدها بعينها، وإذا مات الرجل وعليه دين وعنده سلعة قائمة لرجل بعينها فهو فيها أسوة الغرماء "المحلی" (١٧٦:٨)، وهذا سند صحیح، وقد صحح ابن حزم حديث خلاس عن على فى كتاب الجهاد كما مر، قال: وهو قول إبراهيم النخعى، والحسن "إن من أفلس، أو مات، فوجد إنسان سلعته التى باع بعينها، فهو فيها أسوة الغرماء"، وقال الشعبى فيمن أعطى إنسانا مالا مضاربة فمات فوجد كيسه بعينه فهو والغرماء فيه سواء اهـ (١٧٧:٨). الجواب عن إيراد ابن حزم علينا فى الباب: فقول ابن حزم: أما من ذهب إلى قول أبى حنيفة، فإنهم جاهروا بالباطل إلخ رد عليه، وكيف جاهروا بالباطل؟ وقد قلدوا فيه على بن أبى طالب رضى الله عنه، وتأيد ما أولوا عليه حديث أبى هريرة بحديث سمرة صريحا، وازداد قوة على قوة بما ذكرناه من طرق الحديث، وأن عامتها خالية عن ذكر البيع، وهو الراجح المحفوظ، ولو سلمنا ذكر البيع فيه محفوظا، فالمراد به المقبوض على سوم الشراء، ولا يخفى إطلاق البيع على سوم تارةً، كما مر فى قوله مُ لِّ: ((لا يبيع أحدكم على بيع أخيه))، إن الجمهور حملوه على السوم، فافهم. ج - ١٤ يرجع المشترى على البائع بالدرك ٤٠٤ ولعلك قد عرفت بذلك أن أبا حنيفة لم يخالف الحديث، ولم يترك العمل به، وإنما رجح من لفظه ما اتفق عليه الجماعة دون ما شذ به واحد من بينهم، وحمل المحفوظ من لفظه على الغصوب والودائع والعوارى ونحوها، لا بمجرد الرأى، بل بدلالة حديث سمرة عليه، وهو حسن الإسناد، وقد أيده ما ورد فى بعض الطرق الضعيفة عن أبى هريرة نفسه، وأول ما ورد فى بعض الطرق عنه من ذكر البيع على معنى السوم، وليس ذلك من ترك الحديث، ومخالفته فى شىء، ولولا ترجيح بعض الروايات على بعض وصرف المرجوح إلى الراجح بتأويل لزم كون الأئمة كلهم مخالفين للحدیث تار کی العلم به. قال ابن حزم فى "المحلى": وأما من فرق بين الموت والحياة، وبين أن يدفع من الثمن شيئا، أو لا يدفع منه شيئا، فإنهم احتجوا بآثار مرسلة من طريق مالك ويونس بن عبيد عن الزهرى، عن أبى بكر بن عبد الرحمن، أن النبى ◌ّه، وإسرائيل، عن عبد العزيز بن رفيع، عن ابن أبى مليكة، أن النبی مێ، ومسند من طريق إسماعيل بن عياش، وبقية، كلاهما عن الزبيدى، عن أبى بكر بن عبد الرحمن، عن أبى هريرة، أن النبى مّ ◌ُلِّ، وآخر من طريق إسحاق بن إبراهيم بن جوتى، عن عبد الرزاق، عن مالك، عن ابن شهاب، عن أبى بكر بن عبد الرحمن، عن أبى هريرة، أن رسول الله عَّةٍ قال: ((أيما رجل باع رجلا متاعًا، فأفلس المبتاع، ولم يقبض الذى باع من الثمن شيئا، فإن وجدا البائع سلعته بعينها فهو أحق بها، وإن مات المشترى فهو أسوة الغرماء)»، قال ابن حزم: وبقية وإسماعیل ضعیفان. (قلت: ولكن إسماعيل ثقة فى حديث أهل الشام وهذا منه)، وإسحاق بن إبراهيم بن جوتی مجهول (١٧٩:٨). قلت: ولكن عبد الرزاق وصله عن مالك فى "مصنفه" كما فى "فتح البارى" (٤٧:٥)، فبرئ إسحاق من العهدة، وأيضًا: فالمرسل حجة عند الشافعى إذا تعددت طرقه، أو ورد من طريق موصولا ولو ضعيفة، ومع ذلك فهذه الآثار كلها مخالفة لقول مالك والشافعى، لأن فى جميعها الفرق بين الموت والحياة، والشافعى لا يفرق بينهما، وفى جميعها الفرق بين أن يكون قبض من الثمن شيئا، وبين أن لا يكون قبض، ومالك لا يفرق بينهما، وفى كلها أن يجد السلعة بعينها، وأما إذا لم يجد إلا بعضها فلم يجدها بعينها، ومالك والشافعى لا يفرقان بينهما، فحصل قولهما مخالفا لكل الآثار، فافهم، ولا تعجل بالإنكار على أبى حنيفة رحمه الله وغيره من الأئمة، فتندم. ٤٠٥ يرجع المشترى على البائع بالدرك إعلاء السنن الجواب عن حجة الشافعى فى الباب: واحتج الشافعى رحمه الله بما أخرجه أبو داود فى سننه: حدثنا محمد بن بشار، نا أبو داود هو الطيالسى، نا ابن أبى ذئب عن أبى المعتمر عن عمر بن خلدة قال: "أتينا أبا هريرة فى صاحب لنا أفلس فقال: لأقضين بقضاء رسول الله، من أفلس أو مات فوجد رجل متاعه بعينه فهو أحق به"، قال المنذرى: وأخرجه ابن ماجة، وحكى عن أبى داود أنه قال: من يأخذ بهذا؟ وأبو المعتمر من هؤلاء لا يعرف اهـ من "عون المعبود" (٣٠٩:٣)، قال الشافعى: أخذت به يعنى حديث ابن خلدة من قبل أنه موصول يجمع فيه النبى معَّ له بين الموت والإفلاس، حكاه البيهقى فى "سننه" عنه. ورده فى "الجوهر النقى": بأن فى سنده أبا المعتمر ليس بمعروف، وذكر عبد الحق فى "أحكامه" قول أبى داود المذكور، ثم قال: وقال الطحاوى: لا يعرف من هو؟ ولا سمعنا له ذكرا إلا فى هذا الحديث، ويحتمل أن تكون "أو " فيه للشك، فلا يدرى المذكور فيه، هل هو الإفلاس أو الموت، وفى "الإشراف" لابن المنذر: حديث مجهول الإسناد (٤٧:٦). وأيضًا: فليس فيه ذكر للبيع، فيحمل على الغصوب ونحوها، فقول ابن حزم ردا لما رواه أبو عصمة وعمر بن قيس سندل بما نصه: ثم لو صحا لكان الثابت عن أبى هريرة زائدا، وكان هذان موافقين لمعهود الأصل، والأخذ بالزائد هو الواجب، والعجب من أصلهم أن الصاحب إذا روى رواية، ثم خالفها دل ذلك على بطلانها، وقد صح عن أبي هريرة خلاف هذين الأثرين، إلى آخر ما قال وأطال وأقذع فى المقال (١٧٨:٨) رد عليه، أما أولا: فلأنه لم يصح عن أبى هريرة خلاف هذين الأثرین، فقد عرفت أن ما رواه عمر بن خلدة عنه من مذهبه لا ذکر فیه للبيع، والذى رواه عمر بن قيس وارد فى البيع، وهو محمل ما رواه أبو عصمة، وأما ثانيًا: فلأن أثر عمر بن خلدة أيضًا لم يصح، لأنه إسناد مجهول كما قاله ابن المنذر، وأما ثالثًا: فلأن رأى الراوى بخلاف مرويه إنما يكون قدحا فيه، إذا عرف تأخره عن الرواية وإلا فلا، كما مر فى المقدمة، فلتراجع، وأما رابعًا: فلأنا لم نقصد الاحتجاج بهذين الأثرين، وإنما ذكرناهما تأييدًا، لما دل عليه حديث سمرة من أن حديث أبى هريرة محمول على الغصوب ونحوها. واحتجوا أيضًا بما رواه أبو عبيد: نا إسماعيل بن جعفر، عن محمد بن أبى حرملة، عن سعيد بن المسيب، قال: أفلس مولى لأم حبيبة، فاختصم فيه إلى عثمان، فقضى أن من كان اقتضى من حقه قبل أن يتبين إفلاسه فهو له، ومن عرف متاعا بعينه، فهو له اهـ، من "المحلى" (١٧٦:٨)، ج - ١٤ يرجع المشترى على البائع بالدرك ٤٠٦ وعلقه البخارى، وقال الحافظ: وصله أبو عبيد والبيهقى بإسناد صحيح إلى سعيد اهـ (٤٧:٥)، ولا حجة لهم فيه لكونه خاليا عن ذكر البيع، فيحمل على ما حمل عليه حديث أبى هريرة من الغصوب والودائع ونحوها، فاندحض قول ابن المنذر، ولا نعلم لعثمان فى هذا مخالفا من الصحابة، كما فى "فتح البارى"، فإن هذا إنما كان يجديهم لو كان فيه ما ذهبوا إليه من كون البائع أحق بما باعه من المفلس وإذ لا فلا، وأيضًا: فقد صح عن على رضى الله عنه أنه قال: "هو فيها أسوة الغرماء إذا وجدها بعينها"، وهذا يرد على ابن المنذر قوله صريحا، وأما قول الحافظ فى "الفتح": وأجيب بأنه اختلف على على فى ذلك بخلاف عثمان اهـ (٤٨:٥)، ففيه أن الحافظ لم يذكر هذا الاختلاف ولم يسنده، ولو كان مسندا عنده لصاح به، فلا حجة فيه والحال هذه. قال محمد بن الحسن الإمام فى "الحجج" له: وقد جاء الحديث عن على بن أبى طالب أنه قال: إنه أسوة الغرماء، والأثر عن أبى هريرة لا يعدل عندنا ما قال على بن أبى طالب، لأن قول على ابن أبى طالب عندنا أثبت من رواية أبى هريرة اهـ (٢٤٩) أى لما فى رواية أبى هريرة من الاختلاف، فقال فى رواية: ((من وجد متاعه بعينه فهو أحق به)) بغير ذكر البيع، وفى رواية مع ذكر البيع مقيدا بأنه لم يكن قبض من ثمنه شيئا ولم يفرقه، وإن كان قبض من ثمنه شيئًا فهو أسوة الغرماء، وفى رواية: ((أيما رجل مات أو أفلس فصاحب المتاع أحق بمتاعه)) وهو رواية ابن خلدة عنه. وزاد فيه يونس بن حبيب، عن أبى داود الطيالسى عند البيهقى: ((إلا أن يدع الرجل وفاء»، قال: وكذلك رواه شبابة بن سوار وعاصم بن على وغيرهما عن ابن أبى ذئب، وقالا: ((إلا أن يترك صاحبه وفاء)) (٤٦:٥)، والجمهور من الشافعية والمالكية والظاهرية المدعين العمل بحديث أبى هريرة لم يقيدوا الحكم بذلك، وفى رواية: ((أيما امرئ مات وعنده مال امرئ بعينه اقتضى منه شيئا أو لم يقتضِ فهو أسوة الغرماء))، رواه ابن ماجة من طريق اليمان بن عدى: ثنى الزبيدى، عن الزهرى، عن أبى سلمة، عن أبى هريرة مرفوعا (١٧٢)، واليمان قال فيه أبو حاتم: شيخ صدوق، وضعفه آخرون، كما فى "التهذيب" (٤٠٦:١١). فهذا هو وجه ترجيح قول على على رواية أبى هريرة، لا ما زعمه بعضهم أن الحنفية قالوا: الحديث إذا خالف القياس يشترط فقه الراوى، وأبو هريرة ليس كذلك، فهذا تشنيع منهم عليهم، لأن الكرخى قال: ليس فقه الراوى شرطًا لتقديم خبره على القياس، بل يقبل خبر كل عدل فقيها كان أو غيره إذا لم يكن معارضا بدليل أقوى منه، وتبعه على ذلك جماعة من المشايخ، قال صدر ٤٠٧ يرجع المشترى على البائع بالدرك إعلاء السنن الإسلام: وإليه مال أكثر العلماء، والذى ذكروه هو مذهب عيسى بن أبان، وبعض المتأخرين، مع أن أحدا منهم لم یذ کر أبا هريرة بما نسب إليه من قلة الفقه، و کیف لم یکن فقیها، و کان یفتی فی زمن الصحابة ولم يكن الفتوى فى زمانهم إلا للفقهاء؟ كذا فى "العمدة" للعينى (٥٨:٦)، وبالجملة: فقول على رضى الله عنه أثبت وأقوى لم يختلف عليه فیه عندنا، ومن ادعى غير ذلك فعليه البيان. قال العلامة العينى: وقد تكلم جماعة ممن يلوح منهم لوائح التعصب بما فيه ترك مراعاة حسن الأدب، وهؤلاء كلهم صدروا عن مكرع واحد، أما القرطبى والنووى، فإنهما ادعيا بأن تأول الحنفية ضعيف مردود، ولم يبينا وجه ذلك، وأما ابن بطال فإنه قال: الحنفية دفعوا حديث التفليس بالقياس، ولا مدخل للقياس إلا إذا عدمت السنة، وليس كما قال، لأنهم ما دفعوا الحديث بالقياس، بل عملوا بهما، أما عملهم بالحديث فظاهر قطعا، لأنه قال: ((من أدرك ماله بعينه))، وإدراك المال بعينه لا يتصور إلا فيما قالوا نحو الغصوب والعوارى والودائع ونحو ذلك، لأن ماله فى هذه الأشياء محقق، ولم يخرج من ملكه بوجه من الوجوه فلا يشاركه فيه أحد، وأما عملهم بالقياس فظاهر قطعًا، (وتذكر ما أسلفنا لك من أنهم لم يحملوا الأثر على ذلك بمجرد الرأى، بل بدلالة الآثار، من حديث سمرة المودع فى المتن). وأما صاحب "التوضيح" فقال: حمل أبو حنيفة الحديث على الغصب والوديعة، لأنه لم يذكر البيع فيه (أى وهو المحفوظ من رواية الجماعة كما مر الكلام فيه مستوفی)، وأول الحديث بتأويلات ضعيفة مردودة. (قلت: إنما يكون التأويل مردودا إذا لم يتأيد بالأثر، وأما إذا تأيد به فلا يكون مردودًا أبدا، بل يكون قول من رده مردودا عليه)، وتعلق بشىء يروى عن على وابن مسعود، وليس بثابت عنهما اهـ، وليس كذلك، لأنه قد ذكرنا فيما مضى أن قتادة روى عن خلاس بن عمرو عن على: ((أنه أسوة الغرماء إذا وجدها بعينه))، وصححه ابن حزم، وقال بعض الشافعية: قالت الحنفية: هذا الحديث مخالف للأصول الثابتة (أى إذا حمل على ما حمله عليه الجمهور، وأما إذا حمل على ما دل عليه حديث سمرة من الغصوب ونحوها فلا)، فإن المبتاع قد ملك السلعة، وصارت فى ضمانه، فلا يجوز أن ينقض عليه ملكه. وأجيب بأن كل حديث أصل برأسه، وقد ينقض ملك المالك فى غير موضع، كالشفعة، ج - ١٤ يرجع المشترى على البائع بالدرك ٤٠٨ والطلاق قبل الدخول بعد أن ملكت الصداق، وتقديم صاحب الرهن على الغرماء، واختلاف المتبايعين، وتعجيز المكاتب، وغير ذلك، وقد أخذت الحنفية بحديث القهقهة فى الصلاة مع كونه مخالفا للأصول وضعفه أيضًا. والجواب أن قولهم: كل حديث أصل برأسه مسلم إذا كان كل واحد متعلقا بأصل غير الأصل الذی یتعلق به الآخر، وأما إذا كان حديثان أو أُکثر ومخرجهما واحد فلا یفترق حينئذ بينهما (بل يجعلان حديثا واحدا بالجمع بينهما لو أمكن، أو بترجيح أحدهما على الآخر، كما فعلنا فى حديث أبى هريرة هذا، حيث جمعنا بينه وبين حديث سمرة أو لا بحمله على الغصوب ونحوها، ورجحنا من ألفاظه ثانيا ما خلا عن ذكر البيع لكونه محفوظًا عن الجماعة، ورأينا ما ورد فيه ذكر البيع شاذا، وحملناه على معنى السوم بعد التسليم كما مر بما لا مزيد عليه). وأما قولهم: وقد ينقض ملك المالك كالشفعة إلى آخره غير صحيح، لأن مشترى الدار " لا يثبت له الملك مع وجود الشفيع، ولو قبضها فملكه على شرف السقوط، ولا يتم له الملك إلا بترك الشفيع شفعته، والمرأة لا تملك الصداق قبل الدخول ملكا تاما، وهو أيضًا على شرف السقوط، ولهذا لو قبضت صداقها، وطلقها زوجها يرجع عليها بنصف الصداق، والملك فى الصورتين غير تام، فكيف يقال: وقد ينقض ملك المالك؟ وأما الرهن فيد المرتهن يد استيفاء لا يد ملك، ولهذا ليس له أن يتصرف فيه تصرف الملاك، وأما عند اختلاف المتبايعين، فلا يثبت الملك لأحدهما إلا بعد الاتفاق على الإتمام أو على الفسخ، وأما المكاتب فإنه عبد ما بقی علیه درهم، فمتى يملك نفسه حتى يقال ينقض ملكه عند العجز؟ وأما حديث القهقهة فإنما أخذوا به لكون راويه معروفا بالعدالة، والمعروف بالعدالة يقبل قوله، وإن لم يكن معروفا بالفقه، سواء وافق خبره القياس أو خالفه، وأما تضعيفهم خبر القهقهة فغير صحيح، لأنه رواه جماعة من الصحابة الفقهاء، كأبى موسى الأشعرى، وجابر، وعمران، وسلمة بن زيد -رضى الله عنهم- وقد أتقنا الكلام فيه فى شرحنا "للهداية" اهـ، ملخصًا (٥٧:٦ و٥٩)، وبهذا يظهر الجواب عما أورده ابن حزم على الحنفية فى هذا الباب، والله تعالى أعلم بالصواب. الجواب عن إيراد ابن حزم ثانيا: وأما قوله: ومن جعل للواهب أن يرجع فيما وهب فيقال له: هل ملك الموهوب ما وهب له ٠ ٤٠٩ يرجع المشترى على البائع بالدرك إعلاء السنن أم لم يملك؟ فإن كان لم يملكه فلم يحلون به الانتفاع والوطأ والبيع؟ وإن كان ملكه فبأى شىء يرجع فيه من قد بطل ملكه عنه؟ (١٧٨:٨) من "المحلى"، قلنا: هذا ليس بأعجب من قولكم: من اشترى جارية أو دابة أو ثوبا أو دارا أو غير ذلك، فوطأ الجارية أو افتضّها إن كانت بكرا، أو زوجها فحملت أو لم تحمل، أو لبس الثوب، وأنضى الدابة وسكن الدار، واستعمل ما اشترى واستغله، وطال استعماله المذكور أو قل، ثم وجد عيبا، فله الرد كما ذكرنا أو الإمساك، ولا يرد مع ذلك شيئا من أجل استعماله لذلك، لأنه تصرف فى مال نفسه، وفى متاعه بما أباح الله تعالی له، ثم هو كسائر واجدى الغبن فى أن له الرضا، أو الرد اهـ، ملخصًا من "المحلى" (٧٢:٩)، فيا هؤلاء جعلتم للمشترى أن يرد الجارية على البائع إذا طلع على عيب فيها بعد ما وطئها ثيبا أو افتضّها بكرا رضى البائع بردها أو لم يرض، ولا تجعلون الواهب أحق باسترداد جاريته الموهوبة بعد ما وطئها الموهوب له؟ وهل هذا إلا تحكم بالباطل، فإن الواهب متبرع بالهبة بخلاف المشترى، فإنه لم يكن متبرعا بالشراء، فلو جاز للمشترى ردها بعد الوطئ، فالواهب أولى باستردادها بعده، ومن ادعى الفرق فعليه البيان، فالدليل الدليل، والجواب الجواب. وأما قوله فى "المحلى": روينا من طريق أبى عبيد أنه ناظر فى هذه المسألة محمد بن الحسن، فلم يجد عنده أكثر من أن قال: هذا من حديث أبى هريرة (١٧٨:٨)، ففيه أنه يرده كلام محمد فى "الحجج" له، فهو صريح فى أنه إنما ذهب فى ذلك إلى حديث على بن أبى طالب لكونه أرجح وأثبت عنده من حديث أبى هريرة بوجوه، قد ذكرناها بما لا مزيد عليه، ولم يترك حديث أبى هريرة لأجل كونه متفردا به، فكم من مسائل قد تفرد بها أبو هريرة عن النبى مطل وأخذ بها محمد، وأصحابه، ومشايخه، ويرده أيضًا كلام الطحاوى، وحمله حديث أبى هريرة على الغصوب ونحوها بدليل حديث سمرة المودع فى المتن، وفيه دليل صريح على أن الحنفية لم يخالفوا حديث أبى هريرة، ولم يتركوا العمل به، وإنما أولوه على ما ظهر لهم من معناه بدلالة ما رواه غيره عن النبى معَِّ، فإن الآثار يفسر بعضها بعضا، ولكن ابن حزم قد جبل على إقذاع الكلام فى شأن الأئمة الأعلام أركان الدين وأعمدة الإسلام، كما لا يخفى على من طالع ديوانه، ومع ذلك فلا نشنع عليه، ونعظمه وشأنه، ونكل الأمر إلى الله سبحانه، فافهم، وكن من الشاكرين، والحمد لله رب العالمين.١٢ ظ ٤١٠ ج - ١٤ باب بيع الفضولی ٤٧٦٦- عن عروة بن أبى الجعد البارقى: ((أن رسول الله عَّ له أعطاه دينارا ليشترى له شاة، فاشترى له شاتین، فباع إحداهما بدینار وأتاه بشاة ودینار، فدعا له رسول الله عَّ له فى بيعه بالبركة، فكان لو اشترى ترابا لربح فيه))، رواه البخارى (مشكاة ٢١٤). باب بيع الفضولی قوله: "فاشترى له شاتين إلخ": أقول: دل الحديث على أن عروة تصرف ههنا تصرف فضولى فى مقامين: الأول: فى الشراء الشاة الأخرى مع الشاة المأمور بشرائها. والثانى: فى بيع إحدهما، وأجاز رسول الله عَِّ هذين التصرفين، فدل هذا على جواز بيع الفضولى، وهو مذهبنا، وقال الشافعى رحمه الله: لا يجوز، واستدل بحديث حكيم بن حزام أنه قال له رسول الله عد له: (لا تبع ما طیس عندك))، والفضولی یبیع ما ليس عنده، فلا يجوز. وأجاب عنه فى "فتح القدير": بأن المراد البيع الذى تجرى فيه المطالبة من الطرفين، وهو النافذ، أو المراد أن يبيعه ثم يشتريه فيسلمه بحكم ذلك العقد، وذلك غير ممكن، لأن الحادث يثبت مقصورا على الحال، وحكم ذلك السبب ليس هذا، بل أن يثبت بالإجازة من حين ذلك العقد، ولهذا يستحق المبيع بزوائدة المتصلة والمنفصلة، وسبب ذلك النهى يفيد هذا، وهو قول حكيم: يا رسول الله! إن الرجل يأتينى فيطلب منى حاجة، ليست عندى، فأبيعها منه ثم أدخل السوق فأشتريها فأسلمها، فقال رسول الله مّ له: ((لا تبع ما ليس عندك)) اهـ (فتح القدير ١٨٨:٦)، أقول: قال فى "المنتقى": رواه الخمسة، وقال فى "النيل" (١٥:٥): أخرجه أيضًا ابن حبان فى "صحيحه"، وقال الترمذى: حسن صحيح، وقد روی من غير وجه عن حکیم اهـ. والأولى عندى فى الجواب أن يقال: إن المنهى عنه هو البیع أصالة، وما نحن فیہ لیس كذلك، لأن الفضولی يبيع ملك غيره نيابة منه لا أصالة، ولا فرق بينه وبين الوكيل إلا بأن الوكيل مأمور، والفضولی لیس بمأمور، وبيع الوكيل ليس بداخل فى بيع ما ليس عنده بالاتفاق، فكذلك بيع الفضولى ليس بداخل فيه، ووجه الأولوية أنه تقرر فى الأصول أن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص المورد، وقد روى عن عبد الله بن عمرو أنه قال رسول الله: ((لا يحل سلف وبيع ولا شرطان فى بيع ولا ربح ما لم يضمن ولا بيع ما ليس عندك»، أخرجه أبو داود والترمذى وصححه والنسائی وابن ماجه (نیل ١٥:٥)، وليس فيه ذكر السبب فلا يختص به، والتخصيص ٤١١ بيع الفضولی إعلاء السنن بالبيع النافذ تخصيص من غير مخصص، وليس هذا فيما قلنا، لأن بيع الوكيل خارج منه بالإجماع، ولا يقال له: إنه بائع بما ليس عنده، لأنه ليس ببائع أصالة، بل هو بائع نيابة، والفضولى أيضًا كذلك، غاية ما فى الباب أنه فضولى فى هذه النيابة، فلا يقال له: إنه بائع لما ليس عنده، كما لا يقال ذلك للو کیل، فتأمل. بقى ههنا شىء، وهو أنه قال البخارى: قال سفيان: كان الحسن بن عمارة جاء بهذا الحديث (أى حديث شيب بن غرقدة عن عروة البارقى)، قال: سمعه شعيب بن عروة، فأتيته فقال شعيب: إنى لم أسمعه من عروة، سمعت الحى يخبرونه عنه، ولكنى سمعته يقول: سمعت النبى معَّ يقول: ((الخير معقود بنواصى الخيل)) اهـ، ذكره فى كتاب بدء الخلق فى الباب الذى قبل باب فضائل الصحابة (قاله الزيلعى فى "نصب الراية" ٢١٤:٢). وهذا يدل على أن البخارى لم يذكره فى كتابه على وجه الاحتجاج به، والتصحيح له، وإنما ذكره للقدح فيه بأنه منقطع بين شعيب وعروة، فعزو صاحب "المشكاة" إياه للبخارى غفلة منه رحمه الله، لكن الحديث حجة عندنا، لأن الانقطاع غير مضر عندنا، ومع ذلك فلم يتفرد به شعيب، بل رواه أبو لبيد أيضًا عند أحمد عن عروة وهو متصل، وقد حسنه المنذرى كما فى "نصب الراية" ٢١٤:٢)، وقال المنذرى والنووى: إسناده صحيح لمجيئه من وجهين (نيل الأوطار ١٤٣:٥). وقال الشوكانى: وأجابوا عن حديثى الباب (أى حديث عروة وحكيم بن حزام) بما فيها من المقال، وعلى تقدير الصحة فيمكن أنه كان وكيلا بالبيع بقرينة فهمها منه عدّ له اهـ (نيل الأوطار ١٤٤:٥). والجواب عنه أنه قد مر الجواب عن المقال، وأما قوله: يمكن أنه كان وكيلا بالبيع إلخ، فاحتمال ناشئ عن غير دليل، ويمكن أن يقال عن كل فضولى مثل ذلك أنه وكيل، لأنه فهم ذلك منه بقرینة، لأن الذی یتصرف لغيره من غیر إذنه فهو إنما یتصرف له لأنه مفید له عنده، ولا يرد عاقل تصرفا مفيدا له، فإن كان هذا القدر كافيا للوكالة فكل فضولى وكيل، وإذ ليس كذلك، فلا يقال: إن عروة وحكيما كانا وكيلين، لأن بناء تصرفهما كان ذلك فحسب أنهما حسباه مفيدا صرفا، ولم يكن عند النبى معَّه شىء من ذلك حين أمرهما بشراء الأضحية، كما لا يخفى على من تأمل فى سياق الحديث. قال العبد الضعيف: وقد أشبعنا الكلام فى المسألة فى باب بيع ما ليس عنده، فليراجع. ١٢ظ ٤١٢ ج - ١٤ أبواب السلم باب شرائط السلم ٤٧٦٧- عن ابن عباس رضى الله عنهما، قال: ((قدم النبى عَّ المدينة وهم يسلفون بالثمر السنتين والثلاث، فقال: من أسلف فى شىء ففى كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم)) (بخارى ٩٩:١). ٤٧٦٨- وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال: لا تسلف إلى العطاء ولا إلى الحصاد واضرب أجلا))، أخرجه ابن أبى شيبة (فتح البارى ٢٥٩:٤). باب شرائط السلم قوله: "إلى أجل معلوم"، أقول: احتج به الحنفية على وجوب التأجيل فى السلم وعدم صحته حالا، وخالفهم الشافعية، فقالوا: بصحته حالا، واحتجوا بإطلاق الرخصة فى السلم، والجواب عنه بمنع الإطلاق، واحتجوا أيضًا بأنه لما جاز السلم إلى أجل فجوازه لا إلى أجل أولى، لأنه أبعد عن الغرر، وتعقب بالكتابة، وأجيب بالفرق، لأن الأجل فى الكتابة شرع لعدم قدرة العبد غالبًا، ورد هذا الفرق بأنه كذلك السلم شرع لعدم قدرة المسلم إليه على المسلم فيه فى الحال غالبًا، وإلا لما احتاج إلى السلم. قوله: "لا يسلف إلى العطاء"، أقول: احتج به الحنفية على اشتراط تعيين الوقت بشىء لا يختلف، فإن . من الحصاد يختلف ولو بيوم، وكذلك خروج العطاء، ومثله قدوم الحاج، وأجاز ذلك مالك، ووافقه أبو ثور، والأثر المذكور حجة عليهما، واختار ابن خزيمة من الشافعية توقيته إلى الميسرة، واحتج بحديث عائشة: ((أن النبى معَّ بعث إلى يهودى: ابعث لى ثوبين إلى المسيرة))، وأخرجه النسائى، وطعن ابن المنذر فى صحته بما وهم فيه، والحق: أنه لا دلالة فيه على المطلوب، لأنه ليس فى الحديث إلا مجرد الاستدعاء، فلا يمتنع أنه إذا وقع العقد قيد بشروطه، ولذلك لم يصف الثوبين، كذا قال ابن حجر فى "الفتح" (٣٥٩:٤). ولكن لا يستريح القلب إلى هذا الجواب، فالصحيح أن يقال: إنه ليس فى الحديث ما يدل على كونه سلما، بل كان شراء الثوبين بثمن مؤجل، لكن على وجه لا يكون التأجيل شرطا فى العقد، بل يكون على وجه التبرع من البائع فقط، لأن لفظ الحديث فى النسائى: ((لو أرسلت إليه فاشتريت منه ثوبين إلى الميسرة))، وهو ظاهر فيما قلنا، وإن كان الاستدلال بالقياس على المنصوص، فالجواب عنه أن قوله: ((إلى الميسرة)) فى الحديث ليس على وجه الاشتراط، بل على وجه الوعد، ٤١٣ شرائط السلم إعلاء السنن ٤٧٦٩- عن أبى حسان، قال: قال ابن عباس رضى الله عنهما: أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى قد أحله الله فى الكتاب وأذن فيه، قال الله عز وجل: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾ الآية، أخرجه الحاكم فى ومعنى الحديث أنه أرسل إليه بشراء الثوبين بلا شرط، ولكن وعده إيفاء الثمن إلى الميسرة، وفرق ما بين الشراء بشرط الأجل المجهول، وبينه بلا شرط الأجل، بل بوعد إيفاء الثمن إلى أجل مجهول، لأن فى الأولى الأجل حق للمشترى بخلاف الثانية، فإن الأجل فيه ليس بحق له، وإنما يشترطه ليدفع عنه تهمة المماطلة فقط، فتأمل. ثم أقول: حديث ابن عباس احتج به الشافعية على عدم وجوب وجود المسلم فيه إلى الأجل المعين، ووجه الاحتجاج به أنه لم يذكر فيه وجوب الوجود المذكور، وهو ضعيف، لأن ما يعلم منه أن ما ذكر فيه هو شرط لا أن ما لم يذكر فيه ليس بشرط، لأنه لم يذكر فيه الوصف أيضًا، فينبغى أن لا يكون شرطا، وكذا لم يذكر فيه الجنس، فينبغى أن لا يكون شرطًا، وهو باطل بالاتفاق، فلا يتم هذا الدليل، وأيضًا احتجوا بما روى البخارى عن ابن أوفى أنه قال: "كناً نصيب الغنائم فى عهد رسول الله عَّه، فنسلفها فى البر والشعير والزيت والتمر، ولا نسألهم هل لهم زرع أم لا" اهـ، وهو أضعف من الأول، لأن هذا السؤال ليس بضرورى عندنا أيضًا، لأن كون المسلم إليه صاحب زرع بخصوصه، لیس بشرط عندنا، فتنبه له. واحتجوا أيضًا بأن استحقاق القبض يثبت وقت حلول الأجل، فأما وجوده قبله لغو، والجواب عنه أن الوجود بعد العدم محل خطر، فيدخل السلم فى بيوع الغرر، فلا بد للمسلم فيه أن يكون موجودا من وقت العقد إلى حلول الأجل، ليسلم السلم من كونه بيع المعدوم، وبيع الغرر فاحفظه، ثم الحديث يدل على جواز السلم فى المكيلات والموزونات نصا، وعلى جوازه فى المزروعات والعدديات المتقاربة قياسًاً، لأن خصوصية الكيل والوزن لا دخل لهما فى جواز السلم، وإنما المجوز هو كون المسلم فيه معلومًا، وهو متحقق فى المزروعات والعدديات المتقاربة أيضاً، فيجوز فيها السلم أيضًا، ويعلم منه أنه لا يجوز السلم فى العدديات المتفاوتة تفاوتا فاحشا غير مضبوط بالوصف، كالحيوانات والرؤوس والأكارع، ويعلم منه أيضًا اشتراط معلومية القدر، وأما معلومية الجنس والنوع والوصف وغيرها، فمعلوم بالضرورة. قوله: "عن أبى حسان إلخ"، قال العبد الضعيف: قال البخارى فى باب السلم إلى أجل معلوم، وبه قال ابن عباس، أى باختصاص السلم بالأجل، قال الحافظ فى "الفتح": فأما قول ابن ٤١٤ شرائط السلم ج - ١٤ "المستدرك" (٢٨٦:٢)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، وأقره عليه الذهبى إلا أنه قال: إبراهيم (الرمادى) ذو زوائد عن ابن عيينة اهـ. وسنجيب عنه فى الحاشية، وأنه ليس من الجرح فى شىء، ورواه ابن حزم فى "المحلى" (١٠٩:٩) من عباس فوصله الشافعى من طريق أبى حسان الأعرج عن ابن عباس رضى الله عنهما: أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى قد أحله الله فى كتابه فذكره، وأخرجه الحاكم من هذا الوجه وصححه (٣٥٩:٤). إبراهيم بن بشار الرمادی: قلت: رواه الشافعى رحمه الله، عن سفيان -هو ابن عيينة- عن أيوب، عن قتادة، عن أبى حسان، عنه، كما فى "سنن البيهقى"، ورواه ابن مرزوق، عن سعيد بن عامر، عن شعبة به، فبرئ إبراهيم بن بشار الرمادى من العهدة، فإن له متابعًا مثل الشافعى، قد رواه عنه إبراهيم، على أن الرمادى ثقة وثقه غير واحد، قال ابن عدي: لا أعلم أنكر عليه إلا هذا الحديث الذى ذكره البخارى أنه حدثه عن ابن عيينة، عن بريد، عن أبى موسى: ((كلكم راعٍ))، كان ابن عيينة يرويه مرسلا، وباقى حديثه مستقيم، وهو عندنا من أهل الصدق، وقال ابن حبان فى الثقات: كان ضابطا متقنا، صحب ابن عيينة سنين كثيرة، وسمع أحاديثه مرارا، وقال أبو عوانة: كان إبراهيم بن بشار ثقة من كبار أصحاب ابن عيينة، وممن سمع منه قديما، وقال الحاكم: ثقة مأمون من الطبقة الأولى من أصحاب ابن عيينة، وقال يحيى بن الفضل: كان والله ثقة، كذا فى "التهذيب" ملخصًاً (١١٠:١)، فقول الذهبى: "إبراهيم ذو زوائد عن ابن عيينة" لا يقدح فى صحة الحديث، ودلالته على كون الأجل شرطا فى السلم ظاهرة. وأيضًا: فلو جاز السلم فى الحال، وفى الأجل فما لحديث رسول الله مێ معنی حین نهى أن يبيع الرجل ما ليس عنده، وهو حديث معروف قد رواه أهل العراق وأهل الحجاز، قاله محمد ابن الحسن الإمام فى "الحجج" له (٢٢٣)، وبيانه ما فى "المبسوط": أن الشارع استثنى السلم من بیع ما لیس عند الإنسان، وبالإجماع: المراد بیع ما لیس فی ملکه، فإن ما فی ملکه، وإن لم یکن حاضرا يجوز بيعه إذا كان المشترى رآه قبل ذلك، وما ليس فى ملكه، وإن كان حاضرا لا يجوز بيعه، فعرفنا أن المراد قبول السلم فيما لا يقدر على تسليمه وبالعقد لا يصير قادرا على التسليم، لأن العقد سبب للوجوب عليه لا له، فلا يثبت به قدرته على التسليم، وإنما تكون قدرته بالاكتساب، ٤١٥ شرائط السلم إعلاء السنن طريق الثورى، عن أبى حيان التيمى، عن رجل، عن ابن عباس: " نزلت هذه الآية فى السلف فى كيل معلوم إلى أجل معلوم" اهـ. ويحتاج ذلك إلى مدة، فإذا كان مؤجلا لا يظهر المانع، وهو عجزه عن التسليم، وإذا كان حالا يظهر المانع، والدليل عليه أن بالاتفاق يجب تسليم رأس المال أولا، فلو جاز أن يكون المسلم فيه حالا لم يجب تسليم رأس المال أولا، لأن قضية المعارضة التسوية بين المتعاقدين فى التمليك والتسليم، وبه يبطل قولهم: إن السلم الحال أبعد عن الغرر من مؤجل، لأن السلم فى العين أبعد عن الغرر من السلم فى الدين، ومع ذلك اختص السلم بالدين (لأن معناه شرعا بيع آجل بعاجل أو بيع موصوف فى الذمة، كما فى "فتح البارى" وغيره) بخلاف الكتابة، فإن البدل فى الكتاب معقود به لا معقود عليه، والقدرة على تسليم المعقود به، ليس بشرط لجواز العقد كالثمن فى المبيع، فأما المسلم فيه معقود عليه، والقدرة على تسليم المعقود عليه شرط لجواز العقد، ولأن الكتابة عقد إرفاق، فالظاهر أن المولى لا يضيق عليه، وأما السلم عقد تجارة مبنى على الضيق، فالظاهر أنه يطالبه بالتسليم عقيب العقد، وهو عاجز عن ذلك، فلهذا لم نجوزه إلا مؤجلا اهـ (١٢٦:١٢). وأيضًا: فإن الحلول يخرجه عن اسمه ومعناه، أما الاسم فلأنه يسمى سلما وسلفا لتعجل أحد العوضين، وتأخر الآخر، ومعناه ما ذكره الموفق فى "المغنى" من أن الشارع أرخص فيه للحاجة الداعية، ومع حضور ما يبيعه حالا لا حاجة إلى السلم، فلا يثبت اهـ (٣٢٨:٤). وقال محمد فى "الحجج" له: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن نافع بن جبير بن مطعم، قال: "بعت طعاما من عمر بن عثمان، منه ما لیس عندی، ومنه ما عندی، رسول فأتانى من عند ابن عباس، ومن عند ابن عمر فقال: أما ما يكون عندك فأجزه، وما لم يكن عندك فاردده"، وهذا سند صحيح، فلو كان السلم حالا يجوز لم يكن لقولهما: "وما لم يكن عندك فاردده" معنى، قال محمد: أخبرنا سفيان الثورى ثنا محمد بن قيس قال: سئل ابن عمر وأنا أسمع عن السلف؟ فقال: کیل معلوم إلى أجل معلوم اهـ (٢٢٤)، وهذا أيضًا سند صحيح، ومحمد بن قيس هو الهمدانى المرهبى، وثقه ابن معين، وأبو حاتم، وابن حبان، وقال أحمد: صالح أرجو أن يكون ثقة، كما فى "التهذيب" (٤١٣:٩)، وفيه دلالة واضحة على كون الأجل شرطًا فى السلم. واحتج البيهقى لجواز السلم الحال بما رواه من طريق يحيى بن عمير، عن هشام، عن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: ((اشترى رسول الله عَّه جزورا من أعرابى بوسق تمر عجوة، فطلب رسول الله عَّ عند أهله تمرا فلم يجده، فأرسل إلى خولة بنت حكيم، فاستسلف منها وسق تمرة ٤١٦ شرائط السلم ج - ١٤ ٤٧٧٠- عن أبى المنهال، قال: سمعت ابن عباس يقول: ((قدم رسول الله عَّ له المدينة وهم يسلفون فى الثمار السنة والسنتين والثلاث، فقال رسول الله عّ له: من أسلف فى تمر فليسلف فى كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم)). رواه الأئمة الستة فى كتبهم، ورواه أحمد فى "مسنده" بلفظ: ((فلا يسلف إلا فى كيل معلوم)) (زيلعى ١٩٢:٢). عجوة)) الحديث، قال ابن التركمانى: رواه عبد الرزاق عن معمر، عن هشام، عن أبيه، مرسلا (ولا حجة للشافعى ومن وافقه فى المرسل) كذا ذكره عبد الحق فى "أحكامه"، ومعمر أجل من يحيى بن عمير بلا شك، وذكر صاحب "المحلى"، أنه لا حجة فيه على مذهبهم، لأن البيع لم يتم بينهما، لأنهما لم يفترقا، فاستقرض عليه السلام الوسق، وتم البيع بحضور الثمن، وفى "التجريد". للقدورى: التمر ههنا ثمن بدليل أن الباء تصحبه اهـ (٢٠:٦) أى فلم يكن من باب السلم، بل من الشراء بثمن مؤجل، ولا نزاع فيه. واحتج أيضًا بما رواه من طريق جامع بن شداد، عن طارق بن عبد الله المحاربى، وذكر حديثا طويلا، فيه: "فبينا نحن قعود إذ أتانا رجل عليه ثوبان فسلم علينا، فقال: من أين القوم؟ فقلنا: من الربذة، ومعنا جمل أحمر، فقال: تبيعونى الجمل؟ قلنا: نعم، فقال: بكم؟ فقلنا: بكذا وكذا صاعا من تمر، قال: قد أخذته، وما استقصى فأخذ بخطام الجمل فذهب به"، الحديث، ولا حجة له فیه، لأن التمر کان ههنا ثمنا أيضًا بدلیل أن الباء تصحبه، وتأجیل الثمن ليس من باب السلم فى شىء، وإنما هو من باب البيع والشراء بثمن مؤجل، فافهم. قوله: "عن أبی المنهال إلخ"، فى قوله: ((من أسلف فى تمر)) رد على ابن حزم، حيث قال بمنع السلم وتحريمه، إلا فى مكيل وموزون، واستدل بكون المذكور فى الحديث من الكيل والوزن تعيينا لهما، وأمرا بخصوصهما على تقدير السلم كما فى "المحلى" (١٠٦:٩)، وليس الأمر، كما زعم، بل حاصله أمر بتعيين الأجل والكيل على تقدير السلم فى المكيل بيانا لشرط الصحة، وهو عدم الجهالة، يدل عليه سياق الحديث أنه مَّهه قدم المدينة، وهم يسلفون فى الثمار السنة والسنتين والثلاث، فقال: ((من أسلم يعنى فى هذه الثمار فليكن إلى أجل معلوم وفى كيل معلوم))، ثم زاد عَّ الوزن ليفيد عدم الاقتصار على الكيل، فإن سبب شرعية بيع ما ليس عنده الحاجة إلى الاسترباح، والتوسعة على المقل الراجى، فأنيط بمظنة ذلك من الإقدام على أخذ العاجل بالآجل وإعطاءه، وشرط الضبط لدفع المنازعة والقدرة على التسليم، ولذا أجمعوا على عدم الاقتصار على 27 إعلاء السنن شرائط السلم ٤١٧ ٤٧٧١- عن أبى سعيد الخدرى، قال: "السلم بما يقوم به السعر ربا، ولكن أسلف فى كيل معلوم إلى أجل معلوم". علقه البخاى، ووصله عبد الرزاق من طريق نبیح العنزى عنه "فتح البارى)، وتبيح من رجال الأربعة مقبول، فالحديث حسن. ٤٧٧٢- وقال ابن عمر: "لا بأس فى الطعام الموصوف بسعر معلوم إلى أجل معلوم، ما لم يكن فى زرع لم يبد صلاحه" علقه البخارى، ووصله مالك فى "الموطأ" عن نافع عنه، (فتح الباری ٣٥٩:٤)، وهو إسناد جليل. ٤٧٧٣- عن ابن عباس، قال: "إذا سميت فى السلم قفيزا وأجلا فلا بأس"، رواه ابن أبى شيبة من طريق سالم بن أبى الجعد عنه (فتح البارى ٣٥٩:٥). المكيل والموزون، للقطع بأن سبب شرعيته لا تختلف، وهو الحاجة الماسة إلى أخذ العاجل بالآجل، وهى ثابتة من البزازين فى المذروع، كما فى أصحاب المكيلات والموزونات، يفهم ذلك كل من سمع سبب المشروعية المنقول فى أثناء الأحاديث، سواء كان له رتبة الاجتهاد أو لم يكن، فلذا كان ثبوت السلم فى المزروعات بالدلالة، أعنى دلالات النصوص المتضمنة للسبب لمن سمعها، قاله المحقق فى "الفتح" (٢٠٧:٦). قال الموفق فى "المغنى": قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن السلم جائز فى الثياب بذرع معلوم اهـ (٤: ٣٢٦)، فإن قيل: كما قال الكرمانى: ليس ذكر الأجل فى الحديث لاشتراط الأجل، بل معناه إن كان أجل فليكن معلوما، كما أن الكيل ليس بشرط، ولا الوزن، بل يجوز فى الثياب بالذرع، وإنما ذكر الكيل، أو الوزن بمعنى أنه إن أسلم فى مكيل، أو موزون فليكونا معلومين (عمدة ٦١٤:٥)، قلنا: قد قامت الدلالة على أن ذكر الكيل أو الوزن إنما كان بهذا المعنى، وهو قوله عَّ ◌ُلّ: ((من أسلم فى تمر)) الدال على تخصيص الكيل والوزن بالذكر، لكون الكلام فى إسلام الثمار، ولم يقم مثلها فى الأجل، فإنه لا خصوصية له بدینار، فلا بد من القول بكونه قيدا، والقيد شرط، فافهم، وتذكر ما أسلفناه فى اشتراط الأجل للسلم من الدلائل، وفيها رد على قول الكرمانى هذا بما فيه كفاية. قوله: "عن أبى سعيد الخدرى إلى قوله: عن ابن عباس إلخ": دلالة الآثار على اشتراط الأجل للسلم ظاهرة، وقول ابن عمر: "ما لم يكن فى زرع لم يبد صلاحه" استدل بمفهومه بعضهم على جواز السلم فى الزرع المعين والنخل والمعين بعد بدو صلاحه، وهو استدلال ضعيف، ٤١٨ ج - ١٤ شرائط السلم ٤٧٧٤- عن أبى سعيد الخدرى، قال: "لا يصلح السلف فى الفصيح والشعير والسلت حتى يفرك، ولا فى العنب والزيتون وأشباهه حتى يمجج، ولا ذهب عينا بورق دینا، ولا ورق دینا بذهب عينا" ، رواه أحمد موقوفا، وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن، وفيه كلام (مجمع الزوائد (١٠٤:٤). قال ابن المنذر: اتفاق الأكثر على منع السلم فى بستان معين لأنه غرر. قلت: وهو مذهب الحنفية، والدليل عليه ما رواه ابن حبان، والحاكم، والبيهقى، من حديث عبد الله بن سلام فى قصة إسلام زيد بن سعنة، أنه قال لرسول الله مرّ له: ((هل لك أن تبيعنى تمرا معلوما إلى أجل معلوم من حائط بنى فلان؟ قال: لا أبيعك من حائط مسمى، بل أبيعك أوسقا مسماة إلى أجل مسمى)) (عمدة القارى ٦١٩:٥). قوله: "عن أبى سعيد الخدرى برواية أحمد إلخ"، قلت فى قوله: "لا يصلح السلف فى الفصيح والشعير والسلت حتى يفرك، ولا فى العنب والزيتون وأشباهه حتى يمجج" -أى يحلو ويطيب- دليل على قول الحنفية باشتراط وجود المسلم فيه بأيدى الناس عند العقد، ولو كان الشرط وجوده عند المحل لجاز السلم فى الشعير ونحوه قبل الفرك، وفى العنب والزيتون وأشباهه قبل أن يحلو ويطيب، وهو ظاهر، وحمله على شعير زرع معين أو على عنب بستان معين ضعيف، لما ذكرنا من الدليل على منع السلم فى زرع أو بستان معين، فافهم. وقوله: "ولا ذهب عينا بورق دينا"، يدل على عدم جواز إسلام الدنانير فى الدراهم وبالعكس، وهو إجماع المسلمين، قال المحقق فى "الفتح": أما الدراهم والدنانير فإن أسكلم فيها دراهم أو دنانير، فالاتفاق أنه باطل، وإن أسلم غيرها من العروض ككر حنطة أو ثوب عشرة دراهم، أو دنانير فلا يصح سلما بالاتفاق، لأن المسلم فيه لا بد أن يكون مثمنا، والنقود أثمان فلا تكون مسلما فيها، وإذا لم يصح (السلم)، فهل ينعقد بيعا فى الكر والثوب بثمن مؤجل، أو يبطل رأسا، حكى المصنف فيه خلافا اهـ (٢٠٦:٦). وقال شارح "المهذب": إن كل عوضين مجتمعين فى علة تحريم التفاضل فلا يجوز إسلام أحدهما فى الآخر، كالحنطة مع الشعير، والدراهم مع الدنانير، هذا هو المشهور المنصوص، و کذلك لا يجوز إسلام أحدهما فيما هو من جنسه بطریق أولی، قال الشافعی رحمه الله فى "الأم": ولا يجوز أن يسلم ذهب فى ذهب، ولا فضة فى فضة، ولا ذهب فى فضة، ولا فضة فى ذهب اهـ (١١ : ٩٠). ٤١٩ إعلاء السنن ٤٧٧٥- أخرج البيهقى من طريق سعيد بن منصور: ثنا هشيم، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن ابن عباس فى السلف فى الكرابيس، قال: ((إذا كان ذرع معلوم إلى أجل معلوم فلا بأس))، وهذا سند صحيح (٢٦:٦). باب النهى عن السلف فى الحيوان ٤٧٧٦- عن ابن عباس رضى الله عنهما: ((أن رسول الله عَّ ◌ُله نهى عن السلف فى الحيوان))، أخرجه الحاكم فى "المستدرك" (٥٧:٢). وقال: صحيح الإسناد، قوله: "أخرج البيهقى إلخ"، قلت: هو نص فى جواز السلم فى الثياب بذرع معلوم إلى أجل معلوم، وفيه رد على ابن حزم حيث قال: وعن ابن عمر إباحة السلم فى الكرابيس، وهى ثياب وفى الحرير، وعن ابن عباس فى السبائب وهو الكتان، وكل ذلك يمكن وزنه، وما نعلم عن أحد من الصحابة إجازة سلم حال، ولا فى غير مكيل ولا موزون، إلا ما اختلفوا فيه من السلم فى الحيوان اهـ (١٠٩:٩)، قلت: قد ثبت عن ابن عمر وابن عباس رضى الله عنهم إجازة السلم فى الكرابيس، وهى لا توزن، وإنما تباع ذرعا، وقد صرح ابن عباس بالذرع المعلوم إلى أجل معلوم، فلو كان الوزن شرطًا أيضًا لما أهمله، فدل على جواز السلم فيه بالذرع بغير وزن، وهو أظهر من أن يخنى على عاقل فضلا عن فقيه محدث، وابن عباس أعرف بمعانى كلام رسول الله عٍَّ، فثبت أن ذكر الوزن والكيل فى قوله مطله: ((من أسلم فليسلم فى كيل معلوم أو وزن معلوم إلى أجل معلوم)) ليس لحصر السلم فى المكيل والموزون، ونفيه عن المعدود والمذروع، وإنما خص الكيل والوزن بالذكر لكون الكلام فى إسلام الثمار، كما تقدم. ١٢ ظ باب النهى عن السلف فى الحيوان قوله: "عن ابن عباس إلخ"، قال العبد الضعيف: دلالته على معنى الباب ظاهرة، وأعله بعض الأحباب بتفرد إسحاق بن إبراهيم بن جوتى به، وهو ضعيف عن عبد الملك الذماری، عن سفيان، عن معمر، عن یحیی بن أبی کثیر، والمعروف من روایة یحیی بن أبی کثیر، (أنه نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة)) اهـ. والجواب: أما عن الأول، فإنه قد اغتر فيه كلام صاحب "التنقيح" الذى ذكره الزيلعى، والذى قال فيه ابن حبان: منكر الحديث جدا يأتى عن الثقات بالموضوعات، وقال الحاكم: روی أحاديث موضوعة، ليس هو إسحاق بن إبراهيم بن جوتى، وإنما هو إسحاق بن إبراهيم الطبرى، ٤٢٠ ج - ١٤ النهى عن السلف فى الحيوان ولم يخرجاه، وأقره على ذلك الذهبى فى "تلخيص المستدرك". كما فى "الميزان" و "اللسان" (٨٣:١ و٣٤٤:١)، وصاحب "التنقيح" لم يفرق بينهما. واستظهره الحافظ فى "اللسان"، وهو خطأ صريح، أما أولا: فلأن الذهبى قد ضعف الطبرى، واتهمه بالوضع فى "الميزان" ؛ وكذا اتهمه به الحاكم فى "المدخل"، فلم يكن ممن يخفى. عليهما حاله، فكيف ساغ لهما أن يصححا حديثه، وهو متهم بالوضع عندهما؟ وأما ثانيا: فلأن الذهبى لم يذكر ابن جوتى فى "الميزان" بالمرة، وإنما ذكر الطبرى وحده، وضعفه وجرحه بجرح فظيع، وهذا يدل على التفرقة بينهما، وأما ثالثا: فلأن الطبرى يروى عن ابن عيينة، والفضيل بن عياض، وعن مروان بن معاوية، وعبيد الله بن نافع، وطبقتهم، فهو من أهل الطبقة التاسعة، وهى طبقة الشافعى وعبد الرزاق وأمثالهما، وابن جوتى لا يكاد أن يكون إلا عن الحادية عشر ومن بعدهم، فکیف یمکن أن یکون الطبری هو ابن جوتی؟ فالحق أنه من الثقات، وليس بالطبرى المتهم، وقد صرح الهيثمى فى مقدمة "مجمع الزوائد" بأن شيوخ الطبرانى الذين لم يضعفوا فى "الميزان" ثقات، وعلى هذا فابن جوتى ثقة، وذكره السمعانى فى "الأنساب"، فقال: الجوتى بضم الجيم، وفى آخرها التاء المنقوطة باثنتين من فوق، هذه النسبة ذكرها بعضهم بغير الألف واللام، وقال: هو اسم يشبه النسبة، وبعضهم ذكرها بالألف واللام، وهو إسحاق بن إبراهيم بن الجوتى من أهل صنعاء، يروى عن عبد الملك بن عبد الرحمن الذمارى، حدث عنه أبو زيد محمد بن أحمد بن إبراهيم بن الجبار، وابنه محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن جوتى، يروى عن أبيه أيضًا، روى عنه محمد بن إسماعيل الفارسى شيخ الدار قطنى، وأبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب الطبرانى اهـ (١٤٠)، لم يذكره السمعانى بجرح وعادته ذكر الجرح والمجروحين، فهو ثقة على أصله، لا سيما قد صحح الحاكم، والذهبى حديثه، فلا شك فى كونه ثقة والحال هذه، وروى عنه عبد الله بن إسماعيل بن أحمد الصنعانى عند الدار قطنی (٣١٩:٢)، والحاکم، فقد وجدنا ثلاثة یروون عنه، فليس بمجهول، كما زعم ابن حزم (لسان ٣٤٤:١). وأما عن الثانى، فلا منافاة بين قوله: ((النهى عن السلف فى الحيوان))، وقوله: (نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة))، بل كل واحد من اللفظين يؤيد الآخر كما لا يخفى، ومن عد المنافاة بين العام والخاص، فقد خلع ربقة العلم عن عنقه، فرواية ابن جوتی عن عبد الملك، عن سفيان، عن معمر، عن يحيى بن أبى كثير، لا ينافى ما رواه الجماعة عن يحيى بن أبى كثير، فلا يرد بل يحمل