النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
إعلاء السنن
باب النهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة
٤٧٥٤- عن ابن عباس: ((أن النبى ◌ّ ◌ُّ نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة))،
أخرجه ابن حبان فى "صحيحه"، والبزار فى "مسنده"، وقال: ليس فى الباب أجل(١)
إسنادا عن هذا (زيلعى ١٩٣:٢).
٤٧٥٥- وعن الحسن، عن سمرة: ((أن النبى مُلّ نهى عن بيع الحيوان بالحيوان
نسئة))، أخرجه أصحاب السنن الأربعة (زيلعى ١٩٣:٢).
باب النهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة
قوله: "عن ابن عباس إلخ": قال العبد الضعيف: رواه البيهقى فى "سننه" من طريق إبراهيم
ابن طهمان، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس موصولا، ثم قال:
وكذا رواه داود العطار عن معمر موصولا، وكذا روى عن الزبيرى، وعبد الملك الذماری، عن
الثورى، عن معمر، وكل ذلك وهم، والصحيح عن عكرمة عن النبى عّ لِّ مرسلا، ثم أخرجه
كذلك من حديث الفریابی، عن الثورى، عن معمر، ثم قال: وكذا رواه عبد الرزاق، وعبد الأعلى
عن معمر، وكذا رواه على بن المبارك، عن يحيى بن أبى كثير، عن عكرمة، وروينا عن البخارى أنه
وهن رواية من وصله، ثم أخرج عن ابن خزيمة قال: الصحيح عند أهل المعرفة هذا الخبر مرسل ليس
بمتصل، ثم ذكر عن الشافعى أن حديث النهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة غير ثابت.
قلت: حاصله: أنه اختلف على الثوری فیه، فرواه عنه الفریابی مرسلا، ورواه عنه الزبیری
والذمارى متصلا، واثنان أولى من واحد، كيف؟ وقد تابعهما أبو داود الحفرى، فرواه عن سفيان
موصولا، كذا أخرجه عنه أبو حاتم بن حبان فى صحيحه فظهر بهذا أن رواية من رواه عن الثورى
موصولا أولى من من رواية من رواه عنه مرسلا واختلف أيضاً على معمر فيه فرواه عنه عبد الرزاق
وعبد الأعلى مرسلا، على أن عبد الرزاق رواه عنه متصلا، كذا رأيت فى نسخة جيدة من نسخ
المصنف له، ورواه عن معمر بن طهمان والعطار موصولا، وتأيدت روايتهما بالرواية المذكورة عن
عبد الرزاق، وبما رجح من رواية الثورى، فظهر أن رواية من رواه عن معمر موصولا أولى، معمر
أحفظ من على بن المبارك، فروايته عن يحيى موصولا أولى من رواية ابن المبارك عنه مرسلا.
وبالجملة: فمن وصل حفظ وزاد، فلا يكون من قصر حجة عليه، وقد أخرج البزار هذا
(١) رواه الطیزانى فى "الكبير" و"الأوسط"، ورجاله رجال الصحيح، كذا فى "مجمع الزوائد" (١٠٥:٤).١٢ظ

٣٨٢
ج - ١٤
النهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة
٤٧٥٦- وعن محمد بن دینار الطاحی، قال: حدثنا يونس بن عبيد، عن زياد بن
جبير، عن ابن عمر: ((أن النبى عَُّّ نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة))، أخرجه
الطحاوى فى "معانى الآثار" (٢٢٩:٢).
٤٧٥٧- حدثنا حسين بن محمد، ثنا خلف بن خليفة، عن أبى حباب، عن أبيه،
عن ابن عمر، قال: قال رسول الله عَّ طله: ((لا تبيعوا الدينار بالدينارين، ولا الدرهم
بالدرهمين، فقال رجل: يا رسول الله! أرأيت الرجل يبيع الفرس بالأفراس، والنجيبة
بالإبل؟ قال: لا بأس إذا كان يدا بيد))، أخرجه أحمد فى "مسنده" (١٠٩:٢).
الحديث، وقال: ليس فى هذا الباب حديث أجل إسنادا منه، كذا فى "الجوهر النقى" (٢٨٩:٥).
فاندحض قول البيهقى: إن وصله وهم، والصحيح الإرسال ولم يبق له حجة فيما روى عن
البخارى أنه وهن رواية من وصله، وعن ابن خزيمة أنه صحح إرساله، لأن الذين وصلوه حفاظ
متقنون، فلا وجه لتصحيح الإرسال وتوهين الوصل، وبالجملة: فحديث ابن عباس ثابت عنه
صحیح لا مغمز فیه.
قال ابن التر كمانى: وقد ورد فى هذا الباب حديثان آخران جيدان، وحديث ثالث مرسل،
ثم ذكر حديث ابن عمر من طريق الطحاوى، وحديث أبى الزبير عن جابر أخرجه ابن ماجه،
والترمذى وقال: حسن، وحديث زياد ابن أبى مريم مولى عثمان مرسلا (وقد رويناه من طريق
أحمد موصولا، كما هو مذكور فى المتن)، قال ابن الأثير فى شرحه: يدل على صحة قول من منع
النسيئة فى الحيوان بالحيوان لأنه لما قال له: يدا بيد أقره على فعله، فظهر بهذه الأحاديث المختلفة
الطرق التى أيد بعضها بعضا أن هذا الحديث ثابت، خلافا للشافعى رحمه الله، وروى عبد الرزاق:
أنا الثورى وإسرائيل، عن عبد العزيز بن رفيع: "سمعت محمد ابن الحنفية يكره الحيوان بالحيوان
نسيئة"، ورواه عبد الرزاق عن عكرمة، وعن أيوب، وابن سيرين نحوه، وروى ابن أبى شيبة
بسنده عن عمار بن ياسر نحوه، كذا فى "الجوهر النقى" (٢٩٠:٥) أيضًا.
وأما حديث الحسن عن سمرة، فقال البيهقى: إنه منقطع، لأنه لم يثبت سماع الحسن عن
سمرة فى غير حديث العقيقة عند أكثر الحفاظ. والجواب عنه أن الترمذى حسن هذا الحديث
وصححه، وقال: العمل عليه عند أكثر أهل العلم من الصحابة وغيرهم، وهو قول الثورى، وأهل
· الكوفة، وأحمد وسماع الحسن من سمرة صحيح، هكذا قال على بن المدينى، وفى "الاستذكار":
قال الترمذى: قلت للبخارى فى قولهم: لم يسمع الحسن من سمرة إلا حديث العقيقة، قال: سمع

٣٨٣
النهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة
إعلاء السنن
٤٧٥٨- وعن الحجاج بن أرطاة، عن أبى الزبير، عن جابر، قال: قال رسول
الله عَّهِ: ((الحيوان اثنين بواحد لا يصلح نسيئا، ولا بأس به يدا بيد)). أخرجه الترمذى
وقال: حديث حسن (زیلعی ١٩٣:٢).
٤٧٥٩- وأخرجه الطحاوى فى "معانى الآثار" (٢٢٩:٢) بسند آخر. قال:
حدثنا محمد ابن إبراهيم الصيرفى، قال: حدثنا عبد الواحد بن عمرو بن صالح
الزهرى، قال: حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن أشعث، عن أبى الزبير، عن جابر: ((أن
رسول الله عَّ لم يكن يرى بأسا ببيع الحيوان بالحيوان اثنين بواحد، ويكرهه نسيئة)).
منه أحاديث كثيرة، وجعل روايته عنه سماعًا وصححها، وقال البيهقى فيما بعد فى باب قتل الحر
بالعبد: كان شعبة يثبت سماعه منه، وكلامه هذا مخالف لكلامه فى هذا الباب، كذا فى "الجوهر
النقى" (٢٨٨:٥).
وفى "التهذيب": وأما سماع الحسن من سمرة، فقد روى عنه نسخة كبيرة غالبها فى
السنن الأربع، وعند على بن المدينى أن كلها سماع، وكذا حكى الترمذى عن البخارى، وقال
يحيى القطان وآخرون: هى كتاب، وذلك لا يقتضى الانقطاع اهـ، ملخصا (٢٦٩:٢)، فحديث
الحسن عن سمرة لا انقطاع فيه، سواء ثبت سماعه منه لغير حديث العقيقة أو لم يثبت، لا سيما
والمذهب المنصور أن عنعنة المعاصر محمولة على السماع، خصوصًا إذا وقع التصريح بالسماع منه
فی حدیث ما، فالحدیث ثابت لا مطعن فيه.
وأما حديث محمد بن دينار الطاحى، فأخرجه البيهقى أيضاً فى "كتاب المعرفة"، وقال:
تفرد به محمد بن دينار، وسئل ابن معين عنه؟ فقال: ضعيف، انتهى. وقد ذكر الذهبی فی
"الكاشف" ابن دينار هذا، فقال: حسنوا حديثه، وفى "الميزان": قال أبو زرعة: صدوق، وقال
النسائى: ليس به بأس، وكذا قال ابن معين فى رواية ابن أبى خيثمة عنه، وقال ابن عدى: حسن
الحديث "الجوهر النقى" (٢٨٩:٥)، وقال ابن أبى حاتم عن أبيه: لا بأس به، وذكره ابن حبان فى
الثقات، وقال العجلى: لا بأس به، كذا فى "التهذيب"، ومع ذلك فلم يتفرد به، بل رواه أيضًا أبو
خباب الكلبى عن أبيه، عن ابن عمر، عند أحمد، وهو مدلس ثقة، كما فى "مجمع الزوائد"
(١٠٥:٤)، فالحدیث جید کما قاله ابن التر كمانى.
وأما رواية الحجاج، فقال ابن حجر: فيه لين، ومجرد اللين ليس بطعن، فالرجل حسن
الحدیث کمنا مر غیر مرة، وقد حسن الترمذی حدیثه هذا، ومع ذلك فلم ينفرد به، بل تابعه

٣٨٤
ج - ١٤
النهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة
٤٧٦٠- وقال الطبرانى فى معجمه: حدثنا أحمد بن زهير التسترى. ثنا إبراهيم
ابن راشد الأدمى، ثنا داود بن مهران، ثنا محمد بن الفضل بن عطية، عن سماك، عن
جابر بن سمرة: ((أن النبى معَّ نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة)) (زيلعى (١٩٣:٢).
٤٧٦١- وقال عبد الله بن أحمد فى زيادات "المسند": حدثنى أبو إبراهيم
الترجمانى -هو إسماعيل بن إبراهيم- ثنا أبو عمر المقرئ، عن سماك، عن جابر بن
سمرة: ((أن النبى عّ نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة)) (مسند(١) أحمد ٩٩:٥).
الأشعث، عن أبى الزبير، عن جابر، عند الطحاوى، كما ذكرناه فى المتن.
وأما رواية جابر بن سمرة، فأخرجه الهيثمى فى "مجمع الزوائد" (١٠٥:٤) من طريق عبد
الله بن أحمد، وقال: فيه أبو عمرو المقرئ، فإن كان هو الدورى، فقد وثق والحديث صحيح، وإن
كان غيره فلم أعرفه (ولا أدرى من أين عرف بعض الأحباب أنه حفص بن سليمان المقرئ؟) قال:
وإسناد الطبرانى ضعيف اهـ، لأن فيه محمد بن الفضل بن عطية وهو ضعيف، وقد اتهم بالكذب
والوضع، ولكن متابعة أبى عمرو المقرئ له أخرجت حديثه عن درجة السقوط، فلا أقل من أن
یکون شاهدا حدیث ابن عباس، وسمرة، وجابر بن عبد الله، وابن عمر رضى الله عنهم.
وبالجملة: فالحديث ثابت حجة على من أنكره، ودلالته على عدم جواز بيع الحيوان .
بالحيوان نسيئة ظاهرة، وقال الإمام محمد بن الحسن فى "الحجج" له: قد جاءت فى عدم جواز بيع
الحيوان (بالحيوان) نسيئة آثار كثيرة لا يحتاج معها إلى نظر، ولا قياس، ثم ذكر بعض ما ذكرناه
فى المتن (١٩٦ و ١٩٧).
وقال الموفق فى "المغنى": يحرم النسا فى كل مال بيع بجنسه، كالحيوان بالحيوان، والثياب
بالثياب، ولا يحرم فى غير ذلك، وهذا مذهب أبى حنيفة، وممن كره بيع الحيوان بالحيوان نسا ابن
الحنفية، وعبد الله بن عمیر، وعطاء، وعكرمة بن خالد، وابن سیرین، والثوری، وروی ذلك عن
عمار، وابن عمر، لما روى سمرة: ((أن النبى معَّ له نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة))، وقال
الترمذى: حديث حسن صحيح، ولأن الجنس أحمد وصفى علة ربا الفضل، فحرم النسا كالكيل
والوزن اهـ (١٣١:٤).
وفى "الدر": وإن وجد أحدهما أى القدر وحده أو الجنس حل الفضل، وحرم النسأ ولو مع
(١) الحديث صححه الهيثمى فى "المجمع" (٤: ١٠٥). ١٢ ظ

٣٨٥
النهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة
إعلاء السنن
٤٧٦٢- عن سعید بن سالم، عن ابن جريج، عن عبد الکریم الجزری، أن زیاد ابن
أبى مريم مولى عثمان أخبره: ((أن النبى معَّه مصدقا له، فجاء بظهر مسنات، فلما نظره
النبى عَّ، قال: هلكت وأهلكت، فقال: يا رسول الله! إنى كنت أبيع البكرين والثلاثة
التساوى، حتى لو باع عبدا بعيد إلى أجل لم يجز لوجود الجنسية اهـ، قال الشامى فيه: إن علة
الحكم هنا عدم قبول العبد التأجيل لا وجود الجنسية، فلو مثل ببيع هروى بمثله لكان أولى ح
(٢٧٧:٤)، وقال محمد فى "الحجج" له عن أبى حنيفة: قال: لا يجوز بيع شىء من الحيوان من
الرقيق ولا غيره بشىء من الحيوانات الرقيق ولا غيره نسيئة، لأن الحيوان لا يجوز فيه السلم (أى
التأجيل)، وقال عن عبد الله بن مسعود أنه نهى السلم فى الحيوان اهـ (١٩٥).
فاندحض قول بعض الأحباب: إنه یحتمل أن یکون النهی لاتحاد الجنس لا لكونه بيع
الحيوان نسيئة، كما هو مصرح فى أثر عمار بن ياسر، حيث قال: "العبد خير من العبدين لا بأس به
يدا بيد، إنما الربا فی النسیء"، فإنه صرح بکونه ربا، وبيع الحیوان نسيئة ليس بمنهى عنه لكونه ربا،
بل لعدم صلوحه للثبوت فى الذمة لكونه غير مضبوط بالوصف، فيكون بيعا بالجهالة المفضية إلى
النزاع اهـ، وليس الأمر كما زعم، فقد ذكر عمرو بن أبى عمرو عن محمد رحمهما الله، قال:
قلت له: إنما لا يجوز السلم فى الحيوان لأنه غير مضبوط بالوصف، قال: لا، فإنا نجوز السلم فى
الذبائح ولا نجوز فى العصافير، ولعل ضبط العصافير بالوصف أهون من ضبط الذبائح، ولكنه
للسنة، كذا فى "المبسوط" (١٣٣:١٢).
وفى "أحكام القرآن" للرازى: وأن النسأ قد يكون ربا فى البيع بقوله معرّ له: ((إذا اختلف
النوعان فبيعوا كيف شئتم يدا بيد))، وأن السلم فى الحيوان قد يكون ربا بقوله: ((إنما الربا فى
النسيئة))، وتسمية عمر إياه بالربا اهـ (٤٦٧:١)، فقوله: ((إن بيع الحيوان نسيئةً ليس بمنهى عنه
لكونه ربا)» إلخ، رد عليه، فقد روينا عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه قال: "إن من الربا أبوابا
لا يكدن يخفين على أحد، منها السلم فى السن، كذا فى "المبسوط" (١٣٢:٢).
وإن أصحابنا قد عدوا السلم فى الحيوان، وبيع الحيوان بالحيوان نسيئة من الربا للسنة،
لا لكونه غير مضبوط بالوصف، والذين ذكروا عدم ضبطه بالوصف، إنما ذكروه تعليلا للنص
لا تعليلا للحكم، وشتان بينهما، وأما إنه يحتمل أن يكون النهى لاتحاد الجنس لا لكونه بيع الحيوان
نسيئةً فاحتمال بعيد، لأن حديث الحسن عن سمرة، وحديث عكرمة عن ابن عباس مرفوعا،

ج - ١٤
النهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة
٣٨٦
بالبعير المسن يدا بيد، وعلمت من حاجة رسول الله عّ لّه إلى الظاهر، فقال عليه
السلام: فذلك إذا)). أخرجه الشافعى الإمام فى "مسنده" (الجوهر النقى ٢٩٠:٥)،
وهذا مرسل حسن.
كلاهما إلى النبى معَّ أنه نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئةً يعم الجنس(١) والجنسين، وأما إن
تخصيص النهى عنه بأن يكون بالحيوان يدل على اعتبار الجنس، وإلا لم يكن لهذا التخصيص
معنّى، بل كان له أن يقول: نهى عن بيع الحيوان نسيئة، ففيه أن وجه التخصيص به الدلالة على
جواز بيع الحيوان بالدرام والدراهم نسيئة، وأما بيعه بالدراهم نقدا وهو نسيئة، فقد دل على عدم
جوازه نهيه مطلق عن السلم فى الحيوان، كما سيأتى.
الجواب عن حجة الجمهور فى جواز الحيوان بالحيوان نسيئة:
واحتج المخالفون بما روى عن أبى رافع وأبى هريرة عند مسلم: ((أن رسول الله عَّ له
استقرض من رجل سنا، وأعطاه سنا فوقه))، وهذا يدل على جواز استقراض الحيوان، فدل على
جواز السلم فيه، وبيع الحيوان بالحيوان نسيئة، لكونه صالحا للثبوت فى الذمة كالمكيل والموزون،
وبحديث عبد الله بن عمرو بن العاص: "أنه ابتاع بعيرا بيعيرين وبأبعرة إلى إبل الصدقة بأمر رسول
الله مَّ له))، أخرجه الدار قطنى بسند يحتج به (٣١٨)، والبيهقى، ولفظه فى طريق: "إلى خروج
المصدق" (٢٨٨:٥).
والجواب عن الأول أن المراد استقراض لبيت المال، وكما يجوز أن يثبت لبيت المال حق
مجهول يجوز أن يثبت ذلك على بيت المال أيضاً، كذا فى "المبسوط" (١٣٢:١٢) يدل على ذلك
لفظ الطحاوى وأبى داود (٢٤٣:٤ مع "البذل") عن أبى رافع: ((استسلف النبى معَ له من رجل
بكرا، فقدمت عليه إبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضى الرجل بكره)) الحديث، فلا يقضى من إبل
الصدقة إلا ما استقرضه لبيتالمال لا ما استقرضه لنفسه، فافهم. وعن الثانى أن هذا ابتياع إلى أجل
مجهول يتقدم ويتأخر، وهو مفسد للبيع، فيحمل على أنه أمره أن يستسلف الزكاة من أربابها،
(١) روى أحمد فى "مسنده": ثنا يحيى بن سعيد، عن ابن أبى عروبة، ح وابن جعفر ثنا سعيد بن أبى عروبة، عن قتادة، عن
الحسن، عن سمرة بن جندب، عن النبى معَّ ه: ((أنه نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة))، قال يحيى: ثم نسى الحسن فقال: إذا
اختلف الصنفان فلا بأس (١٩:٥)، فلولا أن الحديث يعم الجنس والجنسين لم يكن لقوله: "ثم نسى الحسن" معنى، فمن ادعى
تخصيصه بالجنس الواحد فعلیه البيان. ١٢ظ

٣٨٧
النهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة
إعلاء السنن
٤٧٦٣- حدثنا عتاب زياد، ثنا عبد الله بن مبارك، أنا خالد بن سعيد، عن قيس
ابن أبى حازم، عن الصنابحى، قال: ((رأى رسول الله عَّ له فى إبل الصدقة ناقة مسنة،
فغضب وقال: ما هذه؟ فقال: يا رسول الله! إنى ارتجعتها ببعيرين من حاشية الصدقة،
فيأخذ بعيرا يصلح للحمل والقتال ببعيرين من أسنان الصدقات، أو يأخذ ذلك من أهل الحرب
(المجاورين للمدينة) على قول من يجوز الربا معهم، أو كان ذلك قبل النهى عن بيع الحيوان بالحيوان
نسيئة (الجوهر النقي ٢٨٧:٥).
وكل ذلك بعد تسليم صحة الحديث، فإن ابن القطان أعله، وقال: هذا حديث ضعيف
مضطرب الإسناد، فرواه حماد بن سلمة هكذا عن محمد بن إسحاق، عن یزید بن أبی حبیب، عن
مسلم بن جبير، عن أبى سفيان، عن عمرو بن حريش، عن عبد الله بن عمرو بن العاص: ((أن
رسول الله مَّ أمره أن يجهز جيشا، فنفدت الإبل، فأمره أن يأخذ على قلائص الصدقة، وكان
يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة)) (أخرجه أبو داود ٢٤٧:٤)، وليس فيه أنه أمره بابتياع بعير
بعيرين إلى أجل، وغايته أنه أمره باستقراض الأبعرة على بيت المال، ونحن نقول بجواز مثل ذلك
إذا كان لبيت المال كما تقدم، فقوله: ((إنه ابتاع بعيرا ببعيرين وأبعرة إلى إبل الصدقة)) من تصرف
الرواة بالمعنى، فافهم).
ورواه جرير بن حازم عن ابن إسحاق، فأسقط يزيد بن أبى حبيب، وقدم أبا سفيان على
مسلم بن جبير، ذكر هذه الرواية الدارقطنى، ورواه عفان عن حماد بن سلمة، فقال فيه: عن ابن
إسحاق، عن يزيد بن أبى حبيب، عن أبى حبيب، عن مسلم، عن أبى سفيان، عن عمرو بن
حريش، ورواه عبد الأعلى عن ابن إسحاق، عن أبى سفيان، عن مسلم بن كثير، عن عمر بن
حريش، ورواه عن عبد الأعلى أبو بكر بن أبى شيبة، فأسقط يزيد بن أبى حبيب وقدم أبا سفيان
كما فعل جرير بن حازم، إلا أنه قال فى مسلم بن جبير مسلم بن كثير، ومع هذا الاضطراب
فعمرو بن حريش مجهول الحال، ومسلم بن جبير لم أجد له ذكرا ولا أعلمه فى غير هذا الإسناد،
وأبو سفيان فیه نظر، انتهى كلامه.
فلا حجة فيه مع أنه معارض بما هو أقوى منه، وهو حديث ابن عباس: ((أن رسول الله عَ ليه
نهى عن بيع الجيوان بالحيوان نسيئة))، فقد قال البزار: ليس فى هذا الباب أجل إسنادا من هذا،
وحديث سمرة: ((أن النبى معَّ نهى عن بيع الحيوان لحيوان نسيئة)) أخرجه الأربعة، وقال الترمذى:
حسن صحیح، وحمل هذه الأحاديث علی کون النهی فیما إذا كان النسا من الجانبین حتى يكون

ج - ١٤
النهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة
٣٨٨
فسكت))، رواه أحمد (٣٤٩:٤)، ورجاله ثقات، غير ما فى نسخة الهيثمى من مجالد
ابن سعيد مكان خالد، وابن المبارك قد روى عن كليهما، فأما خالد فمن رجال
بيع الكالئ بالكالئ تقييد للأعم، فإنه أعم من ذلك، فلا يجوز المصير إليه بلا موجب اهـ، ملخصًا
من "فتح القدير" (٢١٠:٥ و ٢١١).
وفى "نيل الأوطار": ولكنه أى حمل الأحاديث على النسيئة من الطرفين متوقف على
صحة إطلاق النسيئة على بيع المعدوم بالمعدوم، فإن ثبت ذلك فى لغة العرب أو فى اصطلاح
الشرع فذاك، وإلا فلا شك أن أحاديث النهى ثبتت من طريق ثلاثة من الصحابة: سمرة، وجابر بن
سمرة، وابن عباس، وبعضها يقوى بعضا، فهى أرجح من حديث واحد غير خالٍ عن المقال، وهو
حديث عبد الله بن عمرو، ولا سيما وقد صحح الترمذى وابن الجارود حديث سمرة، فإن ذلك
مرجح آخر.
تقرر فى الأصول أن دلیل التحريم أرجح من دليل الإباحة:
وأيضًا: قد تقرر فى الأصول أن دليل التحريم أرجح من دليل الإباحة، وهذا أيضًا مرجح
ثالث اهـ، ملخصًا (٦٧:٥)، قلت: وأيضًا تقرر فى الأصول إذا تعارض الحاظر والمبيح وجهل :-
التاريخ يجعل الحاظر متأخرا كى لا يلزم النسخ مرتين، فافهم.
واحتج البخارى على جواز بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، بأنه اشترى ابن عمر راحلة بأربعة
أبعرة مضمونة عليه يوفيها صاحبها بالربذة، وقال ابن عباس: قد يكون البعير خيرا من بعيرين،
واشترى رافع بن خديج بعيرا ببعيرين، فأعطاه أحدهما، وقال: آتيك بالآخر غدا وهوا، إن شاء الله
تعالى، وقال ابن المسيب: لا ربا فى الحيوان البعير بالبعيرين، والشاة بالشاتين إلى أجل، وقال ابن
سيرين: لا بأس ببعير ببعيرين، ودرهم دراهم نسيئة، وبقصة صفية أنها كانت فى السبى فصارت
إلی دحية الكلبى، ثم صارت إلى النبى مبآ اهـ.
والجواب عنه أن شيئا منها لا يدل على مقصوده، أما أثر ابن عمر فلأن ابن أبى شيبة رواه
من طريق أبى بشر عن نافع بلفظ: "إن ابن عمر اشترى ناقة بأربعة أبعرة بالربذة، فقال لصاحب
الناقة: اذهب فانظر، فإن رضيت فقد وجب البيع"، كما فى "فتح البارى" (٣٤٨:٤)، فقوله:
"اشترى ناقة" محمول على المساومة بدليل قوله: "فإن رضيت فقد وجب البيع"سلمنا، ولكن غاية
ما فيه أن الأبعرة كانت بالربذة، فهذا بيع غائب بناجز، وليس بنسيئة، وقد جاء عن ابن عمر

٣٨٩
النهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة
إعلاء السنن
البخارى وأبى داود ثقة مأمون، وأما مجالد فمن رجال مسلم والأربعة حسن الحديث،
خلاف هذا، قال عبد الرزاق أنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، أخبرنى أنه سأل ابن عمر عن بعير
بعيرين نظرةً؟ فقال: لا وكرهه، وقال ابن أبى شيبة: ثنا ابن أبى زائدة، عن ابن عون، عن ابن
سيرين "قلت لابن عمر: البعير بالبعيرين إلى أجل؟ فكرهه"، كذا فى "الجوهر النقى" (٦:٥
و ٢١)، وهذان سندان صحیحان.
فالجواب عن أثر رافع بن خديج بنحو ما مر آنفا أنه اشترى بعيرا ببعيرين عينين: أحدهما:
ناجز، والآخر: غائب، ولم يكن نسيئة، فافهم.
وأما أثر ابن عباس فليس فيه ما يدل على جواز النسيئة فى الحيوان، بل غاية ما فيه إباحة
التفاضل فیه، وهو متفق علیه بيننا، وبین الخصم، وأما قول ابن المسيب فلا حجة فيه، لأنه روی عن
على رضى الله عنه أنه كره بعيرا ببعيرين نسيئة أخرجه عبد الرزاق فى "مصنفه" أخبرنى عبد الله
ابن أبى بكير، عن ابن قسيط، عن ابن المسيب فذكره (الجوهر النقى ٢٨٨:٥)، فيحتمل أن يكون
قال بجوازه قبل أن يبلغه عن على ما رواه عنه، وإلا فهو محجوج بما روى عن النبى عّ لّه وأصحابه
فى ذلك، وقد ذ کرناه بما لا مزید علیه.
وأما قول ابن سيرين: فلا حجة فيه أيضًا، وإلا فليكن قوله: ((ودرهم بدرهم نسيئة)) حجة،
وهو ربا بالإجماع، والظاهر أن ما علقه البخارى عنه خطأ من بعض الرواة، والصحيح ما روى غير
سعيد بن منصور من طريق يونس عنه: "أنه كان لا يرى بأسا بالحيوان بالحيوان يدا بيد، والدراهم
نسيئة، ويكره أن يكون الدراهم نقدا، والحيوان نسيئة، ذكره الحافظ فى "الفتح" (٣٤٨:٤)، وهذا
مفسر قاضٍ على المجمل الذی فیه جواز الدرهم بدرهمين أو بدرهم نسيئة، وهو باطل حاشا ابن
سیرین أن يقول به.
وأما قصة صفية، فالجواب عنه أنه ليس فيها ما يدل على جواز بيع الحيوان بالحيوان نسيئة،
ففى رواية عبد العزيز عن أنس: (عند البخارى ومسلم) ((فجاء دحية فقال: أعطنى يا رسول الله !.
جارية من السبى، قال: اذهب فخذ جارية، فأخذ صفية، فجاء رجل فقال: يا نبى الله! أعطيت
دحية صفية سيدة قريظة والنضير لا تصلح إلا لك، قال: ادعوه بها، فجاء بها فلما نظر إليها
النبى معَّه قال: خذ جارية من السبى غيرها))، وعن ابن إسحاق: ((أن صفية سبيت ومعها بنت
عمها، وعند غيره بنت عم زوجها، فلما استرجع النبى ◌ّ صفية من دحية أعطاه بنت عمها))،
قال السهيلى: لا معارضة بين هذه الأخبار، فإنه أخذها من دحية قبل القسم، والذى عوضه عنها

ج - ١٤
النهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة
٣٩٠
وثقه النسائی وغيره، وضعفه آخرون، فالحديث حسن، وهو شاهد لما قبله، ورواه أبو
ليس على سبيل البيع، بل على سبيل النفل.
قال الحافظ: وقع فى رواية حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، عند مسلم: ((أن صفية
وقعت فى سهم دحية))، وعنده أيضًا فيه: ((فاشتراها من دحية بسبعة أرؤس))، فالأولى فى طريق
الجمع أن المراد بسهمه ههنا نصيبه الذى اختاره لنفسه بإذن النبى عرّ له، فلما قيل: إنها بنت ملك
من ملوكهم ظهر له أنها ليست ممن توهب لدحية (وأنه اختار لنفسه ما لا يصلح له، ولم يكن ذلك
مرادا بالإذن) فكان من المصلحة العامة ارتجاعها منه، واختصاص النبى مآ بها، فإن فى ذلك رضا
الجميع، وليس ذلك من الرجوع فى الهبة من شىء (لأنه عّ لّ لم يهبه صفية، وإنما أذن له فى أخذ
جارية تصلح له، فلما أخذ فوق ما يستحقه عاقبة بالحرمان وعوضه عنها تطييبا لقلبه)، وأما إطلاق
الشراء على العوض فعلى سبيل المجاز، ولعله عوضه عنها بنت عمها أو بنت عم زوجها، فلم تطب
نفسه، فأعطاه من جملة السبى زيادة على ذلك اه، ملخصًا من "فتح البارى" (٧: ٣٦٠).
وقال النووى: إن معناه أى معنى قوله: ((وقعت فى سهم دحية فاشتراها منه رسول الله عَّ له
بسبعة أرؤوس))، أنها حصلت له بإذن رسول الله مَّ له، فاستردها منه، وأعطاه مكانها سبعة أرؤس
تطييبا لقلبه، لا أنه جرى بينهما عقد بيع، وعلى هذا تتفق الروايات اهـ (٤٥٩:١)، وقوله: "وعلى
هذا تتفق الروايات"، إشارة إلى ما رواه أبو داود وغيره عن عائشة: "أن صفية كانت من الصفى"،
والله تعالى أعلم، وإن سلمنا أنه كان هناك عقد بيع، فلم يكن نسيئة، بل نقدا، ومن أدعى غير ذلك
فعلیه البيان.
وقد وقع بعض الأحباب ههنا فى الخبط، حيث قال: ولو كان هذا بيعا وشراء لزم أن تكون
صفية مولاة لرسول الله عَّه، ويكون ولاءها له ولعصابة أو للمسلمين، ولم يقل به أحد، فالحق أن
سبعة أرؤس كان فداء لها لا قيمة اهـ، قلت: كونها مولاة لرسول الله مآ آ مما لا شك فيه فقد ثبت
فى الصحيح أنها سبيت، وأنه مرّ أعتقها وجعل عقتها صداقها، وفى لفظ لمسلم: ((وأعتقها
وتزوجها فقال له أى لأنس ثابت: يا أبا حمزة! ما أصدقها؟ قال: نفسها أعتقها وتزوجها)»، وأما
ولاؤها فلم يكن لأحد بعد رسول الله مَّ لكونها قد صارت من أزواج النبى مّه، وأزواجه
أمهات المؤمنين، فافهم، فإن قصتها شبيهة بقصة جويرية رضى الله عنها، وقد اشتراها النبى عدّ له
بلا شك وأعتقها وتزوجها، فكانت مولاة لرسول الله مر ◌ّ ةٍ وزوجة له، ولم يكن ولاؤها لأحد بعده
لما قلنا، والله تعالى أعلم، وأيضًا: فإن المولى إذ أعتق أمته وتزوجها، فهل يكون له ولاءها،

٣٩١
النهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة
إعلاء السنن
يعلى إلا أنه قال عن الصنابحى الأحمسى وقال: فنعم إذا (مجمع الزوائد ١٠٥:٤)،
ويكون عصبة لها، أو يرثها كما يرث الزوج من زوجته؟ لم أر من صرح به.
واحتج البيهقى بما رواه من طريق الشافعی، عن مالك، عن صالح بن کیسان، عن الحسن بن
محمد بن على، عن على بن أبى طالب: "أنه باع جملا له يدعى عصيفيرا بعشرين جملا إلى
أجل"، قال ابن التركمانى: ذكر ابن الأثير فى "شرح مسند الشافعى" أن هذا الحديث مرسل، لأن
الحسن لم يلق جده عليا، ويعارضه ما رواه عبد الرزاق فى "مصنفه": أخبرنى عبد الله بن أبى بكر،
عن ابن قسیط، عن ابن المسيب، فذ کر ما ذکرناه سابقا، وقال ابن أبى شيبة: ثنا و کیع، ثنا ابن أبى
ذئب، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبى الحسن البراد، عن على قال: "لا يصلح الحيوان
بالحيوان، ولا الشاة بالشاتين إلا يدا بيد" اهـ (٦:٢ و ٢١).
وهذا قول، وما رواه الحسن بن محمد حكاية فعل تحمل الوجوه، فيقدم القول عليه ويحمل
فعله على أنه فعله فى زمن النبى معَّه قبل التحريم، أو المراد بالأجل تأخير القبض، لا الوجوب فى
الذمة، وإلا فمذهب على تحريم بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، وهو مذهب محمد ابن الحنفية، فقد
روى عبد الرزاق: أنا الثورى وإسرائيل، عن عبد العزيز بن رفيع: "سمعت محمد ابن الحنفية يكره
الحیوان بالحيوان نسیئة کما مر سابقًا" ، وقال ابن أبى شيبة: ثنا على بن مسهر وابن أبى زائدة، عن
عبد الله بن المثنى، عن جده رياح بن الحارث، عن عمار بن ياسر، قال: "العبد خير من العبدين
لا بأس به يدا بيد، إنما الربا فى النسىء" (أخرجه ابن حزم فى "المحلى" من طريق يحيى بن سعيد
القطان، عن صدقة بن المثنى، عن جده رياح بن الحارث، عن عمار أطول منه، ولم يعله بشىء،
وصدقة ثقة من السادسة، وجده رياح بالمهملة ثم التحتانية ابن الحارث النخعى أبو المثنى الكوفى
ثقة من الثانية، كما فى "التقريب"، فالحديث صحيح).
وقال أيضاً: ثنا ملازم بن عمرو، عن زفر بن يزيد، عن أبيه، قال: "سألت أبا هريرة عن الشاة
بالشاتين إلى أجل، فنهانى، وقال: لا إلا يدا بيد"، "الجوهر النقى" (٢١:٢)، ملازم صدوق من
رجال الأربعة، وزفر بن يزيد هو ابن أبى كثير السحيمى، أبو كثير هذا ثقة من الثالثة، كما فى
"التقريب" (٢٦٤)، وزفر ابنه ذكره، ولم أجد من ترجمه بجرح ولا تعديل، وهو ثقة على قاعدة
ابن حبان المذكورة فى المقدمة، وبالجملة: فمذهب أبى حنيفة وأصحابه ومن وافقهم أقوى ما يكون
فى هذا الباب روايةً ودرايةً، وقد تخبط ههنا بعض الأحباب، فأطال الكلام بالقيل والقال، وأبدى
فى الدلائل الصحاح بعيد الاحتمال، وخرج عن مسلك الاعتدال، ووقع فى حضيضٍ الباطل المحال

٣٩٢
النهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة
ج - ١٤
والمرسل إذا تأيد بموصول، فهو حجة عند الكل، كما مر غير مرة.
والعلم عند الملك المتعال، وسيأتى لهذا الباب بقية فى باب السلم فى الحيوان، إن شاء الله تعالى.
· واحتج الشافعى رحمه الله على جواز النسيئة فى الحيوان، وصلوحه للثبوت فى الذمة بأنه
بيع معلوم مقدور التسليم، فيجوز النسيئة فيه كالثياب والمكيلات والموزونات، والدليل على أنه
معلوم، أنه إذا سمى الإبل صار الجنس معلوما، وإذا قال حيوانا صار النوع معلوما، وإذا قال: جذع
أو ثنى يصير السن معلوما، وإذا قال سمين تصير الصفة معلومة، وإعلام الشىء من الأعيان بهذه
الأشياء، وشرط جواز العقد إعلام العين، ولا يعتبر بعد ذلك جواز تفاوت فى المالية كما فى الذبائح
والثياب الفاخرة، والدليل عليه أن بنى إسرائيل استوصفوا البقرة، فوصفها الله تعالى لهم وأدركوها
بتلك الصفة، حيث قالوا: ﴿الآن جئت بالحق﴾، وقال سرّ له: ((لا يصف الرجل الرجل بين يدى
امرأته حتى كأنها تنظر إليه))، فقد جعل الموصوف من الحيوان كالمرئى (الحديث أخرجه الشيخان
عن عبد الله مرفوعًا بلفظ: ((لا تباشر المرأة المرأة ثم تنعتها لزوجها كأنه ينظر إليه)))، والدليل عليه أنه
يثبت فى الذمة مهرا، وأن الدعوى والشهادة فى الحيوان تسمع بذكر الصفة، فدل أنها تصير
معلومة بذكر الوصف (واحتج أيضًا بوجوبه فى الذمة فى الديات)، كذا فى المبسوط (١٣٢:١٢).
والجواب أن بعد ذكر الأوصاف التى ذكرها الشافعى رح يبقى تفاوت عظيم فى المالية،
فإنك تجد فرسين مستويين فى السن وقيمة أحدهما أضعاف قيمة الآخر لتفاوت بينهما فى المعانى
الباطنة، و کذلك فی البعیرین، وهذا فی بنی آدم لا يخفى.
والعرف تراهم لا يساوون واحدا
رب واحد يعدل ألفا زائدا
وكما أن العين مقصوده فالمالية أيضًا لأن المقصود هو الاسترباح، بخلاف الثياب؛ فإنها
مصنوع بنى آدم إذا نسجت على منوال واحد على هيئة واحدة لا تتفاوت فى المالية إلا يسيرا،
ولا معتبر بذلك القدر كالتفاوت بين الجيد والردىء، فأما الحيوان مصنوع الله تعالى، وذلك يكون
على ما يريده فقد يكون على وجه لا نظير له، ولو بالغ فاستقصى فى بيان وصفه يصير عديم
النظير، ومثله لا يجوز السلم والنسيئة فيه بالاتفاق، واذكر قول محمد، حين قيل له: إنما لا يجوز
السلم فى الحيوان، لأنه غير مضبوط بالوصف، قال: لا، ولكنه للسنة، وإنما ذكر الله تعالى لبنى
إسرائيل الأوصاف الظاهرة، وذلك يمكن إعلامه عندنا، ثم كان المقصود التشديد عليهم لما
استقصوا فى الاستيصاف (حتى صار عديم النظير لم يتيسر لهم إلا بملأ مسكه ذهبا) وذلك يقع
بالأوصاف الظاهرة، وكذلك سماع الدعوى والشهادة، لأن الأوصاف الظاهرة منها تصير معلومة،

٣٩٣
النهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة
إعلاء السنن
وثبوته فى الذمة مهرا لكون النكاح مبنيا على التوسع، فإن المقصود منه شىء آخر سوى المالية،
ولهذا يجوز من غير بيان الوصف هناك بخلاف البيع، كذا فى "المبسوط" ملخصًا (١٣٣:١٢).
وهذا هو الجواب عن القياس بالديات، لأنها ليست من المعاوضات المالية، وليس مبناها على
المماكسة والمشاحة، إنما تجرى فى المعاوضات المالية كما لا يخفى، فيجوز ثبوت الحيوان فى الذمة
فى الديات والمهور وغيرها التى ليس فيها معاوضة مال بمال، ولا يثبت فى غيرها من البيوع،
والقرض للجهالة الفاحشة المفضية إلى النزاع، فتدبر.
سلمنا ولكنا منعنا استعراض الحيوان والسلم فيه، وبيعه نسيئة بالنص لأنه غير مضبوط
بالوصف، وبينا أن ما ظنه الشافعى وأصحابه معارضا له لا يصلح للمعارضة أصلا، بل تحريم بيع
الحيوان بالحيوان نسيئة أرجح من وجوه شتی.
عدم جواز استقراض الحيوان:
وقال الطحاوى بعد ما ذكر الآثار الناهية عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة: فدخل فى هذا
استقراض الحيوان أيضًا، فإن قيل: هذا لا يلزمنا لأنا قد رأينا الحنطة لا يباع بعضها ببعض نسيئة
وقرضها جائز، فكذلك الحیوان لا يجوز بيع بعضه ببعض نسیئة وقرضه جائز، فكان من حجتنا
عليهم أن نهى النبى معَّ ◌ُلِّ عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، يحتمل أن يكون ذلك لعدم الوقوف منه
على المثل، ويحتمل أن يكون من قبل أنهما نوع واحد، فاعتبرنا ذلك، فرأينا المكيلات لا يجوز بيع
بعضها ببعض نسيئة، ولا بأس بقرضها، والموزونات كالمكيلات سواء خلا الذهب والورق، ورأينا
غير المكيلات والموزونات مثل الثياب، وأما أشبهها فلا بأس ببيع بعضها ببعض، وإن كانت
متفاضلة، وبيع بعضها ببعض نسيئة فيه اختلاف بين الناس، فمنهم من منع النسيئة فى نوع واحد
دون نوعين مختلفين، ومنهم من أباحها مطلقًا، فهذه أحكام الأشياء المكيلات والموزونات
والمعدودات غير الحيوان، وكان الحيوان لا يجوز بيع بعضه ببعض نسيئة، وإن اختلفت أجناسه،
ولو كان النهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، لاتفاق النوعين لجاز بيع العبد بالبقرة نسيئة؛ لأنها
من غير نوعه، فلما بطل ذلك فى نوعه، وفى غير نوعه ثبت أن النهى، إنما كان لعدم وجود مثله،
لأنه غير موقوف عليه، وإذا كان كذلك بطل قرضه أيضًا، لأنه غير موقوف علیه، ومما يدل على
ذلك أيضًا، ما قد أجمعوا عليه فى استقراض الإماء، أنه لا يجوز وهن حيوان، فاستقراض سائر
الحيوان فى النظر كذلك.

ج - ١٤
النهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة
٣٩٤
فإن قالوا: كيف يطأها ثم يردها فيكون فرجا معارا، فلذا فرقنا بين الجوارى، وسائر الحيوان
فى الاستقراض، قيل لهم كما قال صاحب "المحلى": إنهم يوجبون هذا فى التى يجدبها عيبا، فهلا
قاسوا تلك على هذه؟ وليس ذلك فرجا معارا لأن العارية لا تزيل ملك المعير، فحرام وطؤها، وأما
المستقرضة فملكها المستقرض وحلت له، فيردها أو يرد غيرها، كذا فى "الجوهر النقى"
(٣٥٣:٥)، ولا يخفى أن ذلك لا يرد على الحنفية، فإنهم يمنعون رد الجارية إذا اطلع المشترى على
عيب فيها بعد ما وطأها، وإنما يقولون بالرجوع بالنقصان، فافهم).
فإن قال قائل: رأينا رسول الله مرّة- حكم فى الجنين بغرة عبد أو أمة، وحكم فى الدية بمائة
من الإبل، وفى أروش الأعضاء بما قد حكم به، وكان كل ذلك حيوانا يجب فى الذمة، قيل له: قد
حكم النبى معَّ ◌ُّ بذلك، ومنع من بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، فثبت النهى عن وجوب الحيوان فى
الذمة بأموال أبيح وجوبه فى الذمة بغير أموال، فنجعل ما كان بدلا من مال حكمه حكم القرض
الذى وصفنا، وما كان بدلا من غير مال، فحكمه حكم الديات والغرة التى ذكرنا، ومن ذلك
التزويج أو الخلع على أمة وسط أو عبد وسط.
والدليل على صحة ما قلنا: إن النبى معٍَّ قد جعل فى جنين الحرة عبدا أو أمة، وأجمع
المسلمون أن ذلك لا يجب فى جنين الأمة، وأن الواجب فيه دراهم أو دنانير على ما اختلفوا،
وأجمعوا فى جنين البهائم أن فيه ما نقص أم الجنين، وكذلك الديات من الإبل يجب فى أنفس
الأفراد، دون أنفس العبيد، فكان ما حكم فيه بالحيوان فى الذمم، هو ما ليس ببدل من مال، ومنع
من ذلك فى الأبدان من الأموال، فثبت بذلك أن القرض الذى هو ببدل من مال لا يجب فيه
حيوان فى الذمم، وهذا قول أبى حنيفة، وأبى يوسف، ومحمد رحمة الله عليهم أجمعين، وقد
روى ذلك عن نفر من المتقدمين اهـ، ملخصًا (٢٣٠:٢ و ١٣١).
وفى "الجوهر النقى" عن "الاستذكار" (لابن عبد البر): وممن منع استقراض الحيوان
والسلم فيه عبد الله بن مسعود، وحذيفة، وعبد الرحمن بن سمرة، وأبو حنيفة، وأصحابه،
والثورى، والحسن بن صالح، وسائر الكوفيين.
وحجتهم أن الحيوان لا يوقف على حقيقة صفته (قلت: بل حجتهم أنه من ذوات القيم
دون ذوات الأمثال)، وادعوا نسخ حديث أبى هريرة، وأبى رافع بحديث ابن عمر: ((أنه عليه

٣٩٥
باب الحقوق
إعلاء السنن
السلام قضى فيمن أعتق نصف عبد مشترك بقيمته نصف شريكه، ولم يوجب عليه نصف عبد»،
وعن يحيى بن سعيد قلت لربيعة: حدثنى أهل أنطابلس أن خير بن نعيم(١) كان يقضى عندهم بأن
لا يجوز السلف فى الحيوان، وقد كان يجالسك ولا أحسبه قضى به إلا عن رأيك، فقال ربيعة: قد
کان ابن مسعود يقول ذلك اهـ (٣٥٣:٥).
قلت: ومعنى حديث ابن عمر أخرجه الشيخان، وأبو داود، والترمذى، من حديث أبى
هريرة رفعه بلفظ: ((من أعتق شقصا من مملوك فعليه خلاصه فى ماله، فإن لم يكن له مال قوم
المملوك قيمة عدل، ثم يستسعى فى نصيب الذى لم يعتق غير مشقوق عليه)) (جمع الفوائد
٢٦٥:١)، ورواه الجماعة عن ابن عمر رفعه بلفظ: ((من أعتق شر کا له فی عبد و کان له مال يبلغ
ثمن العبد قوم العبد عليه قيمة عدل، فأعطى شركائه حصصهم، وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق
عليه ما عتق)، والدارقطنى وزاد: ((ورق ما بقى))، كذا فى "النيل" (٣٥٤:٥). ١٢ ظ
باب الحقوق
من اشتری أرضا، فھی له بكل ما فيها من بناء قائم او شجر نابت، كذلك من اشتری دارا
فبناءها كله له، وكل ما كان مركبا فيها من باب أو درج أو غير ذلك، وهذا إجماع متيقن ما زال
الناس يتبايعون الدور، والأرضين من عهد رسول الله عَّةٍ هكذا، لا يخلو يوم من أن يقع فيه بيع
دار، أو أرض هكذا، ولا يكون له ما كان موضوعًا فيها غير مبنى، ولا يكون له الزرع الذى يقلع
ولا ينبت، بل هو لبائعه، وبالله التوفيق، كذا فى "المحلى" لابن حزم (٨٢:٩).
وقلت: وهذا بخلاف من اشتری منزلا أو بیتًا فوقه منزل أو بیت، فلا یکون له الأعلى إلا
أن يشترطه أو يشتريه بكل حق هو له، فالدار اسم لما أدير عليه الحدود، فينتظم العلو والكنيف
ونحوهما، والبيت اسم لما يبات فيه، فلا يشمل العلو إلا بالتنصيص لكونه مثله، والمنزل بين الدار
والبيت، ومبنى كل ذلك على العرف، فلو صار العرف فى البيت والمنزل، كمثله فى الدار، كان
الحكم فى الكل سواء، كما فى "الهداية" وغيرها، والله تعالى أعلم. ١٢ظ
(١) هو الخضرمى المصرى قاضى برقه، صدوق فقيه من السادسة، روى له مسلم والنسائى، كذا فى "التقريب".١٢ ظ

٣٩٦
ج - ١٤
أحكام الاستحقاق
باب يرجع المشترى على البائع بالدرك
٤٧٦٤- عن موسى بن السائب، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب،
قال: قال رسول الله عَّ له: ((من وجد عين ماله عند رجل فهو أحق (به) ويتبع البيع من
....
باعه)). رواه أبو داود وسكت عنه، قال المنذرى: وأخرجه النسائى، وقد تقدم الكلام
على الاختلاف فى سماع الحسن من سمرة اهـ (عون المعبود ٣١٣:٣). قلت: وقد
أثبتنا سماعه منه عن الترمذى والبخارى وغيرهما.
باب يرجع المشترى على البائع بالدرك
قوله: "عن موسى بن السائب إلخ"، قال العبد الضعيف: دلالته على الباب ظاهرة، وهو
الأصل لما ذكره الفقهاء فى باب الاستحقاق، فمن اشترى جارية فولدت عنده فاستحقها رجل
ببينة، فإنه يأخذها وولدها، ويرجع المشترى على البائع بثمن الجارية، وإن أقربها الرجل لم يتبعها
ولدها، لأن البينة حجة مطلقة فى حق الناس كافة، ولهذا إذا أقامها، ولم يجز البيع يرجع المشترى
بالثمن على البائع، وترد جميع الباعة بعضهم على بعض، فيظهر بها ملكه من الأصل، والولد كان
متصلا بها ويتفرع عنها، وهى مملوكة فيكون له، وأما الإقرار فحجة قصرة، فيثبت الملك فى المخبر
به ضرورة صحة الإخبار، والضرورى يتقدر بقدر الضرورة، وهى تندفع پإثباته بعد الانفصال،
فيقتصر على الحال، فلا يظهر ملك المستحق من الأصل، ولهذا لا يرجع المشترى على البائع بالثمن
ولا الباعة بعضهم على بعض، فلا يكون الولد له، يعنى إذا لم يدع المقر له الولد، أما إذا ادعاه كان
له، لأن الظاهر أنه له، كذا فى "العناية" نقلا عن "النهاية" (١٨٢:٥)، فقوله عدّ له: ((من وجد عين
ماله عند رجل فهو أحق به))، معناه إذا أقام البينة على أنه له، أو يقر به من هو فى يده، وهذا ظاهر،
وإلا لادعى من شاء ما شاء، وظهر الفساد فى البر والبحر.
الرد على بعض الأحباب حيث ادعى فى حديث أحمد النكارة:
ثم اعلم أن هذا الحديث أى حديث سمرة أخرجه أحمد فى "مسنده" (١٠:٥): حدثنا عبد
الصمد -هو ابن عبد الوارث- ثنا عمر بن إبراهيم ثنا قتادة، عن الحسن عن سمرة عن النبى عدّ له
بلفظ: «من وجد متاعه عند مفلس بعینه فهو أحق به) اهـ، فادعی بعض الأحباب أنه حدیث منکر،
وليس من حديث قتادة، عن الحسن، عن سمرة، بل هو من حديث قتادة، عن النضر بن أنس،

٣٩٧
يرجع المشترى على البائع بالدرك
إعلاء السنن
٤٧٦٥- عن الحجاج بن أرطاة عن سعيد بن زيد بن عقبة عن أبيه عن سمرة بن
جندب قال: قال رسول الله عَّ له: ((إذا ضاع لأحدكم متاع أو سرق له متاع فوجده فى
عن بشير بن نهيك، عن أبى هريرة، كما رواه عنه شعبة وغير عند مسلم، والصحيح من رواية
قتادة عن الحسن عن سمرة ما رواه عنه موسی بن السائب بلفظ: ((من و جد عین ماله عند رجل فهو
أحق به، ويتبع البيع من باعه))، لأن موسى أوثق من عمر، ويشهد له رواية سعيد بن زيد بن عقبة
. عن أبيه عن سمرة، وعمر بن إبراهيم ضعيف فى قتادة، كما فى "التقريب" و"التهذيب"، يروى
عن قتادة أحاديث مناكير ينفرد عنه بما لا يشبه حديثه، وذهل ابن حجر عما صرح به هو فى
"التقريب"، وعما نقله عن الأئمة فى "التهذيب"، فقال: "إسناده حسن"، وهو سهو منه رحمه
الله، ويدل على خطائه أنه عزاه لأبى داود وأحمد، وعزوه لأحمد صحيح بلا شك، وأما عزوه
لأبى داود فخطأ فاحش، لأن أبا داود لم يخرج رواية عمر بن إبراهيم، وإنما خرج رواية موسى بن
السائب، وبينهما بون بعيد، وأخطاء الشوكانى فى "النيل" فى الاعتماد على قوله، وزاد فى
الخطأ، فقال: ويشهد لصحته حديث أبى هريرة، لأن حديث أبى هريرة إن صح، يكون حجة
مستقلة، ولا يكون شاهدا لصحة ما رواه عمر عن قتادة عن الحسن، فإن الصحيح من رواية عن
الحسن عن سمرة، ما هو رواه عنه موسى السائب والذى يرويه عمر عن قتادة إنما يرويه قتادة عن
النصر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبى هريرة، لا عن الحسن عن سمرة، فاختلط الأمر على
عمر، فركب متن حديث أبى هريرة على سند حديث سمرة، إلى آخر ما قال وأطال.
قلت: ولكن مبنى هذا التحقيق، إنما هو على أن سمرة لم يرد عن النبى معَّ له ما رواه عنه أبو
هريرة، ومن لنا بذلك؟ لا سيما وقد قال الترمذى "جامعه" بعد ما أخرج حديث أبى هريرة مرفوعًا
بلفظ: ((أيما امرئ أفلس ووجد رجل سلعته عنده بعينها فهو أولى به من غيره))، ما نصه: وفى الباب
عن سمرة وابن عمر (١٥٢:١)، وإذا ثبت أن سمرة أيضًا روى عن النبى معَّ حديث: ((من أفلس
وعنده أبى هريرة بعينها)»، كما رواه أبو هريرة، فالحمل على عمر بن إبراهيم بأنه ركب متن حديث
أبى هريرة على سند حديث سمرة دعوى بلا بينة ورمية من غير رؤية، بل الأولى أن يقال: إن
سمرة قد حدث عن النبى عّ لّه مرة ما رواه موسى بن السائب عن قتادة عن الحسن عنه، وأخرى ما
رواه عمر بن إبراهيم عن قتادة عن الحسن عنه، وعمر هذا قد وثقه ابن معين، وقال عبد الصمد بن
عبد الوارث: ثنا عمر بن إبراهيم، وكان ثقة وفوق الثقة، كما فى "التهذيب" (٤٢٦:٧)، وهذا
توثيق مطلق يفيد كونه ثقة فى قتادة أيضًا، وإذا عارضه قول من ضعفه فيه صار مختلفا فيه، ومثله

٣٩٨
ج - ١٤
يرجع المشترى على البائع بالدرك
يد رجل بعينه فهو أحق به، ويرجع المشترى على البائع بالثمن)) رواه البيهقى (٥١:٦).
حسن الحديث على الأصل الذى ذكرناه فى المقدمة، فلا يصح نسبة السهو إلى الحافظ فى تحسينه
حديثه، نعم، قد أخطأ فى عزوه لأبى داود، فإنه لم يخرج إلا حديث موسى بن السائب عن قتادة
عن الحسن، لا حديث عمر بن إبراهيم فيما علمنا، والله تعالى أعلم.
الجواب عن حجة الجمهور فى مسألة البائع
يجد متاعه عند المشترى بعد ما أفلس:
وقد احتج صاحب "المنتقى" والحافظ فى "الفتح" بحديث عمر هذا على أن من وجد سلعة
باعها من رجل عنده، وقد أفلس فهو أحق بها دون الغرماء، ولا حجة لهم فيه، لكونه مطلقًا عن
قید البيع، ومقیدا بأن یکون وجدها عنده بعينها، والمبيع ليس هو عین ماله (بعد ما قد دخل فى
ضمان المشترى، فإن الشرع قد حكم بتبدل العين بتبدل الصفة بالعقد، ألا ترى إلى قوله مێآل فى
لحم تصدق به على بريرة: ((هو لها صدقة، ولنا هدية))، وإلى المطلقة بالثلث إذا نكحت زوجا غيره
ترجع إلى الزوج الأول بالحل الجديد بعد ما كانت محرمة عليه، فكأنها امرأة أخرى، فكذلك المبيع
إذا قبضه المشترى ليس هو عين مال البائع، بل هو مال المشترى، وليس للبائع إلا الثمن فى ذمته)،
وإنما هو عين مال قد كان له، وإنما ماله بعينه يقع على الغصوب والعوارى والودائع (والرهون وما
قبض على سوم الشراء)، وما أشبه ذلك فذلك ماله بعينه فهو أحق به من سائر الغرماء، وفى ذلك
جاء هذا الحديث عن رسول الله سَّ، يدل عليه ما رواه الحجاج عن سعيد بن زيد بن عقبة عن أبيه
عن سمرة، أن رسول الله رێے قال: ((من سرق له متاع او ضاع له متاع فوجده عند رجل بعينه فهو
أحق به، ويرجع المشترى على البائع بالثمن)) (رواه أحمد كما فى المتن)، وأخرجه الطبرانى أيضاً،
فهذا يبين أن المراد من حديث أبى هريرة (وابن عمر وسمرة) أنه على الودائع والعوارى والغصوب
ونحوها، وليس للغرماء فيه نصيب، لأنه باقٍ على ملكه، لأن يد الغاصب يد التعدى والظلم، وكذا
يد السارق (ويد المودع عنه يد أمانة وحفظ) بخلاف ما إذا سلمه إلى المشترى، فإنه يخرج عن
ملكه، وإن لم يقبض الثمن، فإن قلت: حديث سمرة هذا فيه الحجاج بن أرطاة، فيه مقال.
قلت: ما للحجاج وقد روى عنه الإمام أبو حنيفة، والثورى، وشعبة، وابن المبارك، وقال
العجلى: كان فقيها، وكان أحد مفتى الكوفة، وكان جائز الحديث، وقال أبو زرعة: صدوق
مدلس، وقال ابن حبان: صدوق يكتب حديثه، وقال الخطيب: أحد العلماء بالحديث والحفاظ له،
وفى "الميزان": أحد الأعلام، كذا فى "العمدة" للعينى (٥٦:٦).

25
إعلاء السنن
يرجع المشترى على البائع بالدرك
٣٩٩
وأحمد فى "مسنده" (١٣:٥). وسنده حسن، وقد مر غير مرة أن ابن أرطاة ثقة مدلس
تحقيق الكلام فيمن أفلس أو مات
فوجد رجل عنده سلعته التی با عها منه:
فلما أنجر الكلام إلى المسألة، فلنا أن نتكلم عليها، وإن كان المقام غريبا، فنقول: قد اختلف
العلماء فيمن أفلس أو مات فوجد عنده إنسان سلعته التى باعها منه، ولم يقبض الثمن، هل هو أولى
بها من الغرماء، وله أن يأخذها، أو هو أسوة الغرماء؟ فقال إبراهيم النخعى، والحسن، والشعبى،
وابن شبرمة، وأبو حنيفة، ووكيع، وأهل الكوفة: هو فيها أسوة الغرماء فى الإفلاس والموت جميعًا،
وهو قول سيدنا أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضى الله عنه، وقال مالك: هو أحق من الغرماء فى
التفليس فى الحياة، وأما بعد الموت فهو أسوة الغرماء، وقال الشافعى: إن وجدها أو بعضها فهو أحق
بها أو بالذى وجد منها من الغرماء، ولم يخص حياة من موت، قال: فإن كان قبض من الثمن شيئا
فهو أحق بما قابل ما بقى له فقط، وقال أحمد: هو أحق بها فى الحياة، وأما فى الموت فهو أسوة
الغرماء، كذا فى "المحلى" (١٧٧:٨).
واحتجوا بما رواه زهير بن معاوية، والليث بن سعد، ومالك، وهشیم، وحماد بن زيد،
وسفيان بن عيينة، ويحيى بن سعيد القطان، وحفص بن غياث، كلهم عن يحيى بن سعيد
الأنصارى: أخبرنى أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، أن عمر بن عبد العزيز أخبره، أن أبا بكر
ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أخبره، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله عدّ له: ((من
أدرك ماله بعينه عند رجل أو إنسان قد أفلس فهو أحق به من غيره)) (رواه البخارى ومسلم
وغيرهما من أصحاب الصحاح) اللفظ لزهير، ولفظ سائرهم نحوه، ومن طريق أبى عبيد: نا
هشيم، أنا يحيى بن سعيد الأنصارى بهذا السند، بلفظ: ((من وجد عين متاعه عند رجل قد أفلس
فهو أحق به ممن سواه من الغرماء)) (المحلى ٨: ١٧٥)، وهذا ليس فيه ذكر البيع، فيحمل على
الغصوب والعوارى والودائع ونحوها، بدلیل حديث سمرة الذی أودعناه فی المتن ثانیا، وبدلیل
قوله: ((بعينه))، فلا حجة لهم فيه، بل هو حجة على الشافعى رحمه الله حيث لم يفرق بين تغير
السلعة أو بقاءها على حالها (فتح البارى ٤٧:٥)، والحديث مقيد بأن يجدها بعينها، وكذا لم يفرق
بین قبض بعض ثمنها، أو عدم قبض شیء منه.
وقد روى ابن أبى شيبة عن عمر بن عبد العزيز أحد رواة هذا الحديث قال: ((قضى رسول
الله ◌َّ أنه أحق به من الغرماء إلا أن يكون اقتضى من ماله شيئا فهو أسوة الغرماء»، وكذلك رواه

ج - ١٤
يرجع المشترى على البائع بالدرك
٤٠٠
وهو حسن الحديث، وسعيد وأبوه ثقتان، كما فى "التقريب".
عبد الرزاق عن عطاء وطاوس صحيحا (فتح البارى أيضاً)، وكذا هو مفهوم مرسل أبى بكر بن
عبد الرحمن بن الحرث عند مالك، ورواه إسماعيل بن عياش، عن الزبیدی، عن الزهرى، عنه،
عن أبى هريرة موصولا بلفظ: ((أيما رجل باع سلعة فأدرك سلعته عند رجل قد أفلس ولم يقبض
من ثمنها شيئا فهى له فإن كان قضاءه من ثمنها شيئا فما بقى فهو أسوة الغرماء))، وقول البيهقى:
"لا یصح موصولا" رد علیه، فقد صرح بأن ما روى ابن عياش عن الشاميين صحيح، و کذا قال
ابن معين وغيره، والزبيدى من أهل الشام، وإذا قبض البائع بعض الثمن لا يجعله الشافعى فيما بقى
أسوة الغرماء مصيرا إلى القياس، وهذا مخالف لمنطوق حديث ابن عياش، ومفهوم مرسل مالك،
فافهم من "الجوهر النقى" (٤٧:٦).
وبالجملة: فالمحفوظ عن أبى هريرة مرفوعًا إنما هو بلفظ: «من وجد متاعه بعينه عند رجل
قد أفلس فهو أحق به من غيره))، من دون ذكر البيع، وإنما وقع ذكر البيع فى مرسل أبى بكر بن عبد
الرحمن عند مالك عن ابن شهاب عنه بلفظ: ((أيما رجل باع متاعًا فأفلس الذی ابتاعه ولم يقبض
البائع من ثمنه شيئا فوجده بعينه أحق به وإن مات المشترى فصاحب المتاع أسوة الغرماء))، ومفهومه
أنه إذا قبض من ثمنه شيئا کان أسوة الغرماء، و به صرح ابن شهاب فیما رواه عبد الرزاق عن معمر
عنه (فتح البارى ٤٧:٥)، وهو منطوق رواية ابن عياش عن الزبيدى عن الزهرى موصولا كما مر،
وقوله: ((وإن مات المشترى فصاحب المتاع أسوة الغرماء)» يرد على الشافعى قوله: إنه أحق به بعد
الموت أيضًا، فأجاب عنه أولا بأنه مرسل، وأبو بكر بن عبد الرحمن يروى عن أبى هريرة حديثا
ليس فيه ما يرويه ابن شهاب عنه مرسلا، ولا أدرى عمن رواه، ولعله روى أول الحديث، وقال
برأيه آخره، كذا حكاه البيهقى عنه فى "سننه" (٤٧:٥).
وأجیب بأن الحديث أخرجه أبو داود من طریق ابن عياش، عن الزبیدی، عن الزهرى، عن
أبی بکر بن عبد الرحمن، عن أبى هريرة موصولا، وفى آخره: «فإن کان قضاه من ثمنها شيئا فهو
أسوة الغرماء وأيما امرئ هلك وعنده متاع امرئ بعينه اقتضى منه شيئا أو لم يقتضٍ فهو أسوة
الغرماء» (٣٠٩:٣)، فتبين أن الزهرى رواه عن أبى بكر عن أبى هريرة ولم يقل ذلك برأيه.
ولو ساغ للشافعى رحمه الله أن يرد لفظ الحدیث ظنا منه أن الراوی زاده من رأيه فلأبى
حنيفة أن يقول: إن المحفوظ من لفظ الحديث إنما هو من دون ذكر البيع، كما هو رواية الجماعة عن
يحيى بن سعيد الأنصارى، وكذلك رواه شعبة، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن