النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ الربا فى دار الحرب بين المسلم والحربى إعلاء السنن ٤٧٤٨- حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد قال: "إنما الصلح بيننا وبين النوبة على أن لا نقاتلهم ولا يقاتلونا، وأنهم يعطوننا دقيقا ونعطيهم طعاما، قال وإن باعوا أبناءهم ونسائهم لم أر بأسا على الناس أن يشتروا منهم، قال الليث: وكان يحبى ابن سعد الأنصارى لا يرى بذلك بأسًا". رواه أبو عبيد أيضا (١٤٦)، وفيه دليل على أن الليث ويحيى بن سعيد قد احتجا بما رواه سهيل، عن عبد الله بن هبيرة. عن عمرو ابن العاص، وفيه دلالة على كون سهيل ثقة. ٤٧٤٩- حدثنا أبو عبيد القاسم بن سلام، حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبى حبيب: "أن عمرو بن العاص كتب فى شرطه على أهل لواتة من البربر من أهل برقة: إن عليكم أن تبيعوا أبنائكم ونسائكم فيما عليكم من الجزية"، رواه البلاذرى فى "الفتوح" (٢٣٣)، وهذا مرسل صحيح رجاله كلهم ثقات، وأخرجه أبو عبيد فى "الأموال" أيضا (١٨٤) عن عبد الله بن صالح، عن اللیث، ولم یذ کر یزید. ٤٧٥٠- حدثنى محمد بن سعد، عن الواقدی، عن شرحبیل بن أبى عون، عن عبد الله بن هبيرة، قال: لما فتح عمرو بن العاص الإسكندرية سار فى جنده يريد المغرب، حتى قدم برقة وهى مدينة إنطابلس - فصالح أهلها على الجزية، وهى ثلاثة عشر ألف دينار، يبيعون فيه من أبنائهم من أحبوا بيعه"، رواه البلاذرى فى "الفتوح" (٢٣١)، وشرحبيل هو مولى أم بكر بنت المسور بن مخرمة، ذكره ابن يونس فى المصريين (تعجيل المنفعة ١٧٧)، ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، وذكرته اعتضادا. أحكام المسلمين عليهم فى بلادهم لم يفعل ذلك، إلا أن يكون فى ذلك خير للمسلمين، لأنهم بهذه الموادعة لا يلتزمون أحكام الإسلام، ولا يخرجون من أن يكونوا أهل حرب، وترك القتال مع أهل الحرب لا يجوز إلا أن يكون خيرا للمسلمين، فإن وقع الصلح على أن يؤدوا إليهم كل سنة مائة رأس، فإن كانت هذه المائة رأس يؤدونها من أنفسهم وأولادهم لم يصح، لأن الصلح وقع على جماعتهم فكانوا جميعا مستأمنين، واسترقاق المستأمن لا يجوز، ألا ترى أن واحدا منهم لو باع ابنه بعد هذا الصلح (دليل على جوازه قبل الصلح) لم يجز، وإن صالحوهم على مائة رأس بأعيانهم أول السنة، وقالوا: آمنونا على أن هؤلاء لكم، فهذا جائز، لأن المعنيين لا تتاولهم الموادعة، وباعتباره (أى باعتبار التناول) يثبت الأمان، فإذا جعلوهم مستثنين بجعلهم إياهم عوضا للمسلمين صاروا ٣٦٢ ج - ١٤ الربا فى دار الحرب بين المسلم والحربى ٤٧٥١- حدثنا محمد بن العباس(١) ثنا على (هو ابن معبد) ثنا محمد بن الحسن. ثنا محمد بن أبان بن صالح، عن حماد، عن إبراهيم، قال: "لا بأس بالدينار بالدينارين فى دار الحرب بين المسلمين وبين أهل الحرب". رواه الطحاوى فى "مشكل الآثار" (٢٤٥:٤)، وسنده حسن. مماليك للمسلمين بالموادعة اه، ملخصا (٨٨:١٠). قلت: ولا يخفى أنا إذا شرطنا عليهم فى الموادعة أن يبيعوا فى الجزية من أحبوا من نساءهم وأولادهم، فهذا بمنزلة استثناء النساء والولدان من الموادعة، ولو لم نشرط عليهم ذلك، وكانوا يرون بيع النساء والولدان جائزا فى دياناتهم فكذلك، لأن الموادعة إنما تمنع مما يعده أهل الصلح خلاف الأمان ومالا فلا، فإذا رضى أهل الصلح ببيع أولادهم ونساءهم، ولم يعدوا شراءنا إياهم خلاف الأمان والموادعة لا البائع والمبيع، انعدم المعنى الذى لا يجوز به استرقاق المستأمن، هذا هو تحقيق الحكم فى هذا الباب عندى، والله تعالى أعلم بالصواب. وإذا تقرر ذلك فجواز بيع الحربى ولده هناك، وشراءه منه كما فعل عمرو بن العاص، أوضح دليل على أن لا ربا بين المسلم والحربى فى دار الحرب، لأن بيع الحر والربا فى الحرمة سواء، فجواز أحدهما فى دار الحرب يستدعى جواز الآخر هناك، لا يقال: من أين علمت أنهم أى أهل برقة وأنطابلس كانوا يبيعون نسائهم وأبنائهم فى دارهم؟ فلعلهم كانوا يبيعونهم فى دار الإسلام، لأنا نقول: إن مثل هذا البيع لم يذهب إلى جوازه فى دار الإسلام أحد، فلا بد من القول بأنهم كانوا يبيعونهم فى دارهم، وكذلك الجزية كانت تؤخذ من أهل الذمة وأهل الصلح فى بلادهم، وتجبيها الجباة والمصدقون فى عقر دارهم، كما هو معروف فى سير الخلفاء، فافهم. قوله: "حدثنا محمد بن العباس إلخ"، فيه دلالة على أن لأبى حنيفة سلفا فى قوله بجواز الربا بين المسلم والحربى فى دار الحرب، وقد مر فى المقدمة أن قول التابعى فيما لا يدرك بالرأى مرفوع مرسل حکما، فهو شاهد جید لما رواه مکحول عن النبى مێآ مرسلا، فاعتضد كل منهما بالآخر، وفيه رد على من حمل مرسل مكحول على معنى النهى، فإن قول إبراهيم لا يحتمله أصلا، والآثار يفسر بعضها بعضا. (١) أظنه الإصبهانى المعروف بابن الخرم، كان من الفقهاء الحفاظ المتقنين. كذا فى "اللسان" (٥-٢١٧). فإنه يروى عن طبقة على بن معبد، والله أعلم. وقد احتج الطحاوى بحديث محمد بن العباس فى "مشكله" وناهيك به عارفًا .١٢ظ ٣٦٣ الربا فى دار الحرب بين المسلم والحربی إعلاء السنن ٤٧٥٢- حدثنا إبراهيم بن أبى داود، ثنا نعيم، ثنا ابن المبارك، عن سفيان بذلك. رواه الطحاوى فى "مشكله" أيضا (٢٤٥:٤)، وسنده صحيح. ٤٧٥٣- عن عكرمة عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: ((لما أراد رسول الله عَ لّ؟ قوله: "حدثنا إبراهيم بن أبى داود إلخ"، فيه دلالة أيضًا على عدم تفرد الإمام بمسألة الباب، بل وافقه على ذلك سيد المحدثين فى زمانه سفيان. قوله: "عن عكرمة عن عباس إلخ"، قال الموفق فى "المغنى": إذا كان عليه دين مؤجل، فقال لغريمه: ضع عنى بعضه وأعجل لك بقيته، لم يجز، كرهه زيد بن ثابت، وابن عمر، والمقداد، وسعيد بن المسيب، وسالم، والحسن، وحماد، والحكم، والشافعى، ومالك، والثورى، وهشيم، وابن علية، وإسحاق، وأبو حنيفة. وقال المقداد لرجلين فعلا ذلك: كلا كما قد آذن بحرب من الله ورسوله اهـ (١٧٤:٤)، فقد اتفقت الأئمة الأربعة المقتدى بهم فى الدين على حرمة هذه المعاملة فيما بين المسلمين، وعدوه من الربا، وروى الطبرانى فى "الكبير" عن أبى المعارك: "أن رجلا من غافق كان له على رجل من مهرة مائة دينار فى زمن عثمان، فغنموا غنيمة حسنة، فقال المهرى: أعجل لك سبعين دينارا على أن تمحو عنى المائة، وكانت المائة مستأخرة، فرضى الغافقى بذلك، فمر بهما المقداد فأخذ بلجام دابته لیشهده، فلما قص علیه الحدیث قال: كلا کما قد آذن بحرب من الله ورسوله، قال الهيثمى: وأبو المعارك لم أجد من ترجمه غير أن المزى ذكره فى ترجمة عياش بن عباس، فسماه عليا أبا المعارك الوادى، وبقية رجاله رجال الصحيح (٤: ١١٦). قلت: وكذا سماه أبو بشر فى "الكنى"، وقال أبو معارك على الودانى، وقال السمعانى فى "الأنساب": الوادى بفتح الواو، وكسر الدال المهملة، هذه النسبة إلى وادى القرى، وهى مدينة قديمة بالحجاز مما يلى الشام، قال أبو حاتم: أبو المعارك على الوادى من أهل وادى القرى من الشام، يروى عن رجل عن المقداد، روى عنه عياش بن عباس الغسانى، وحزم بن حون العذرى من أهل وادى القرى والى مصر توفى رجب سنة مائتين اهـ (٥٧٥)، قلت: وعادة أبى حاتم ذكر الجرح والمجروحين، ولم يجرح أبا المعارك بشىء، فهو ثقة عنده. قال الهيثمی: وتقدم حديث ابن عمر أن النبی مګآ نهی عن أشیاء فذ کرها، ومتها أنه نهى عن بيع آجل بعاجل قال: والآجل بالعاجل أن يكون لك على رجل ألف درهم، فيقول الرجل: أعجل لك خمسمائة ودع البقية، فذكره، وفيه موسى بن عبيدة الربذى، رواه البزار (١٣٠:٤) "مجمع الزوائد"، قلت: هو مختلف فيه، وثقه و کیع، وحدث عنه هو وشعبة، وقال ابن سعد: ج - ١٤ الربا فى دار الحرب بين المسلم والحربى ٣٦٤ أن يخرج بنى النضير قالوا: يا رسول الله! إنك أمرت بإخراجنا ولنا على الناس ديون لم تحل، قال: ضعوا وتعجلوا))، رواه الحاكم فى المستدرك (٥٢:٢). وقال: حديث صحيح كان ثقة كثير الحديث، وليس بحجة، وقال البزار: موسى بن عبيدة رجل مفيد، وليس بالحافظ، وأحسب إنما قصر به عن حفظ الحديث شغله بالعبادة، كما فى "التهذيب" (٣٥٩:١٠)، فالرجل محله الصدق، ولم يتهمه أحد بالكذب، و حدیث مثله حسن، لا سيما وقد تأید بما روى أبو المعارك عن مقداد، والله تعالى أعلم. وروى البيهقى فى "سننه" من طريق مالك، عن أبى الزناد، عن بسر بن سعيد، عن أبى صالح مولى السفاح، أنه قال: بعت بزا من أهل السوق إلى أجل، ثم أردت الخروج إلى الكوفة، فعرضوا على أن أضع عنهم وينقدونى، فسألت عن ذلك زيد بن ثابت رضى الله عنه؟ فقال: "لا آمرك أن تأكل هذا ولا تؤ كله"، وعن طرق مالك، عن عثمان بن حفص بن عمر بن خلدة، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر "أنه سئل عن رجل یکون له الدین علی رجل إلى أجل فيضع عنه صاحبه ويعجل له الآخر، فكره ذلك ابن عمر ونهاه عنه" (٢٨:٦)، والأثران رواهما مالك فى "موطئه" (٢٧٤-٢٧٥). وروى البيهقى من طريق سعيد بن منصور: ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن أبى المنهال، أنه سأل ابن عمر؟ قلت لرجل علی دین، فقال لی: عجل لی واضع عنك، فنهانی عنه، وقال نہی أمير المؤمنين يعنى عمر رضى الله عنه أن نبيع العين بالدين (وهذا سند صحيح)، قال البيهقى: وروی فيه حديث مسند فى إسناده ضعف، ثم أخرج من طريق يحيى بن يعلى الأسلمى، عن عبد الله بن عياش، عن أبى النضر عن بسر بن سعيد، عن المقداد بن الأسود، قال: "أسلفت رجلا مائة دينار، ثم خرج سهمى فى بعث بعثه رسول الله مَّه، فقلت له: عجل لى تسعين دينارا، وأحط عشرة دنانير، فقال: نعم، فذكر ذلك لرسول الله مَّه، فقال: أكلت ربا يا مقداد وأطعمته (٢٨:٦)، والأسلمى شيعى ضعيف، كما فى "التقريب"، ولكن الطرق يقوى بعضها بعضا، وقد صح النهی عنه عن زيد بن ثابت، وابن عمر، وعمر رضی الله عنهم. وروی البیہقی من طریق سعید بن منصور: عن سفيان، عن عمرو بن دينار: "أن ابن عباس كان لا يرى بأسا أن يقول: أعجل لك وتضع عنى" (٢٨:٦)، وهذا سند صحيح أيضاً، رواه ابن أبى شيبة بلفظ: "أنه سئل عن الرجل يكون له الحق على الرجل إلى أجل، فيقول: عجل لى وأضع عنك، لا بأس بذلك، إنما الربا أخر. لى، وأنا أزيدك، وليس عجل لى، وأنا أضع لك " كذا فى ٣٦٥ الربا فى دار الحرب بين المسلم والحربى إعلاء السنن الإسناد، وتعقبه الذهبى بأن الزنجى ضعيف، وعبد العزيز ليس بثقة اهـ. قلت: تابع عبد العزيز الحكم بن موسى أبو صالح عند البيهقى فى "سننه" (٢٧:٢)، وهو من رجال "كنز العمال" (٢٣٥:٢)، وهذا مبنى على مذهبه المعروف أنه كان لا يرى الربا إلا فى النسيئة، وقد صح رجوعه إلى قول الجمهور من الصحابة، کما سیأتی، فلا حجة فيه. وقد احتج محمد فى "السير الكبير" بحديث بنى النضير حين أجلاهم رسول الله عَ ليه، "وقالوا: إن لنا ديونا على الناس لم تحل بعد، فقال: ضعوا وتعجلوا"، على جواز الربا بين المسلم والحربى فى دار الحرب، لأن ديونهم كانت على المسلمين، قال: وإنما جوز ذلك لأنهم كانوا أهل حرب (ودارهم دار حرب قد حاصرهم رسول الله مرّ ◌ُّ فى حصنهم) فعرفنا أن مثل هذه المعاملة تجوز بين المسلم والحربى، وإن كان لا يجوز بين المسلمين فى دارنا اهـ، كما تقدم، ثم فرع عليه أن مسلما لو دخل إلى هؤلاء بأمان، وبايعهم متاعا إلى أجل معلوم، ثم صالحهم على أن يعجلوا ويضع عنهم البعض، فذلك جائز، لأن حرمة هذا التصرف فى دار الإسلام لمعنى الربا من حيث أن فيه مبادلة الأجل بالدراهم، وقد بينا أن الربا يجوز بين المسلم والحربى فى دار الحرب، فيجوز هذه المعاملة، كذا فى "شرح السير" (٢٢٨:٣-٢٢٩). ورد به بعض الأحباب على ابن الهمام قوله فى "الفتح": إنه قد ألزم أصحاب الدرس أن مرادهم من حل الربا والقمار ما إذا حصلت الزيادة للمسلم نظرا إلى العلة، وإن كان إطلاق الجواب خلافه اهـ، فقال بعد نقله عبارة "شرح السير" المذكورة: فانظر كيف جوز هذه المعاملة مع كون الزيادة فييها للحربى؟ وعلله بجواز الربا بين بين الحربى والمسلم، فظهر منه صراحة أن قولهم بجواز هذه المعاملة غير مشروط بما إذا حصلت الزيادة للمسلم، بل هو عام اهـ. قلت: لا نسلم كون الزيادة فيها للحربى، لأن المعجل خير من المؤجل، وقد أشار إليه بقوله: إن فيه مبادلة الأجل بالدراهم (وهو الربا بعينه) فلم تكن الزيادة للحربى بل للمسلم، أو يكونان قد استويا، نعم، فى هذه العبارة دليل على جواز المعاملات الفاسدة فى دار الحرب بين المسلم والحربی، خلاف ما ادعاه بعض الأحباب من حرمة مباشرة العقد على المسلم، وحل المال له، فإن قوله: "فذلك جائز"، وقوله: "فيجوز هذه المعاملة" صريح فى جواز مباشرة العقد مفسر فى معناه، وقد مر عن "المبسوط" قوله: ويستوى إن كان المسلم أخذ الدرهمین بالدراهم أو الدرهم بالدرهمین، لأنه طيب نفس الكافر بما أعطاه قل ذلك أو كثر، وأخذ ماله بطريق الإباحة كما قررنا اهـ (٥٩:١٤)، فكان على بعض الأحباب رد قول ابن الهمام بذلك، لا بعبارة " شرح السير" التى ٣٦٦ ج - ١٤ الربا فى دار الحرب بين المسلم والحربى مسلم، وروى له البخارى تعليقا، وثقه ابن معين، والعجلی، وأبو حاتم، وابن سعد، وقال صالح جزرة: ثقة مأمون (التهذيب ٢: ٤٤٠)، والزنخی مختلف فيه، قد مر توثيقه فى ذكرها، وليس معنى كلام "المبسوط" أنه يجوز للمسلم أن يعطى الحربى الكثير بالقليل مطلقًا، ولو برا وإحسانا، بل معناه جواز ذلك له إذا کان له فیه منفعة، کان یأخذ درهما بدرهمین إلی أجل، أو يأخذ درهما جيدا برديتين ونحو ذلك، لأن وضع المسألة إنما هو فى البيع، ومبنى البيع على المماكسة دون المسامحة، فجواز مبادلة الكثير بالقليل فى البيع لا يكون من باب الإحسان، كما توهمه بعض الأحباب، وأطال فى ذلك بما لا طائل تحته من القيل والقال. الجواب عما يرد على استدلال محمد بقصة بنى النضير: ثم اعلم أن فى استدلال محمد بقصة بنى النضير على جواز الربا بين المسلم، والحربى فى دار الحرب نظرا لكونها قبل خيبر بمدة كانت على رأس ستة أشهر من وقعة بدر، كما فى "الخصائص الكبرى" من رواية البيهقى عن ابن شهاب مرسلا، وعن الزهرى عن عروة عن عائشة موصولا، وأخرج الطريق الموصولة الحاكم، وقال: صحيح (٢١١:١)، والمشهور عند المحدثين وأرباب السير أن تحريم الربا كان فى وقعة خيبر، بدليل حديث فضالة بن عبيدة، قال: كنا مع رسول الله عَّ يوم خيبر نبايع اليهود الأوقية الذهب بالدينارين والثلاثة، فقال رسول الله عد له: ((لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا وزنا بوزن))، رواه مسلم (٢٦:٢). قال شارح "المهذب": ثم فى حديث عبادة ما يدل على أن التحريم كان يوم خيبر (وفى حديث أبى هريرة مقرونا بحديث أبى سعيد عند البخارى: (أن رسول الله مَّ الله استعمل رجلا على خيبر، فجاءه بتمر جنيب، فقال له رسول الله مرّ: أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: لا والله يا رسول الله! إنا لنأخذ الصاع من هذا من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال رسول الله عَّ له: لا تفعل! بع الجميع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبا))، قال: وحديث فضالة ظاهر فى أن التحريم كان يوم خيبر، ثم ذكره من طريق مسلم كما ذكرنا، قال: ولكن النووى قال: إنه يحتمل أنهم كانوا يتبايعون الأوقية من ذهب وخرز وغيره بدينارين، ظنا منهم جوازه للاختلاط، حتى بين النبى معَّ له أنه حرام حتى تميز، ثم ذكر قول عمر وابن عباس: "إن آخر آية نزلت آية الربا"، وقول عائشة رضى الله عنها: ((لما نزلت الآيات فى آخر سورة البقرة فى الربا خرج رسول الله مُ ظله، فحرم التجارة فى الخمر)) متفق عليه، وتحريم الخمر فى السنة الثالثة والرابعة على أنه يحتمل أن يكون المراد جدد تحريم ٣٦٧ الربا فى دار الحرب بين المسلم والحربى إعلاء السنن الكتاب غير مرة، والحديث رواه الواقدى فى سيره عن ابن أخى الزهرى، عن الزهرى عن عروة بن الزبير، قاله البيهقى، وهذا شاهد جید؛ لما رواه الزنخی فالحدیث حسن. التجارة فى الخمر، ولا يكون ذلك أول تحريمها (٥٣:١٠ و ٥٥). قال الحافظ فى "الفتح": قال القاضى عياض: كان تحريم الخمر قبل نزول آية الربا بمدة طويلة، فيحتمل أنه مرّبل أخبر بتحريمها مرة بعد أخرى تأكيدا، قال الحافظ: ويحتمل أن يكون تحريم التجارة فينها تأخر عن وقت تحريم عينها، والله أعلم اهـ (٤٦١:١)، قلت: لا يجدى احتمال العقلى فى النقل شيئا، وقد روى مسلم فى "الصحيح" عن أبى سعيد قال: ((سمعت رسول الله مَِّ يخطب بالمدينة، قال: يا أيها الناس! إن الله تعالى يعرض بالخمر، ولعل الله سينزل فيها أمرا، فمن كان عنده منها شىء فلييعه وفلينتفع به، قال: فما لبثنا إلا يسيرا حتى قال النبى معَ له: إن الله تعالى حرم الخمر، فمن أدركته هذه الآية، وعنده منها شىء فلا يشرب ولا يبع، قال: فاستقبل الناس بما كان عندهم منها فى طرق المدينة فسفكوها)) (٢٢:٢)، وهذا صريح فى تحريم التجارة فى الخمر مقرونا بتحريم عينها، هذا ما احتجوا به على أن تحريم الربا كان بخيبر. ويعكر على ذلك ما رواه الشيخان عن أبى المنهال، قال: "باع شريك لى ورقا نسيئة إلى الموسم أو إلى الحج، فجاء إلى فأخبرنى، فقلت: هذا الأمر لا يصلح، قال: فقد بعته فى السوق، فلم ينكر ذلك على أحد(١) فأتيت البراء بن عاذب فسألته؟ فقال: قدم النبى مرّ ◌ُلّه بالمدينة، ونحن نبيع هذا البيع، فقال: ما كان يدا بيد فلا بأس به، وما كان نسيئة فهو ربا، وائت زيد بن أرقم فإنه (كان) أعظم تجارة منى، فأتيته فسألته؟ فقال: مثل ذلك"، وفى لفظ للبخارى: ((سألت البراء بن عازب وزيد بن أرقم عن الصرف؟ فقالا: سألنا رسول الله م آل عن الصرف، فقال: إن كان يدا بيد فلا بأس، وإن كان نسأ فلا يصلح))، وفيه دليل على أن ربا النسيئة كان حراما مقدم النبى مرّ له المدينة، وكذلك قوله تعالى فى سورة الروم - وهى مكية- ﴿وما آتيتم من ربا ليربو فى أموال الناس فلا يربو عند الله﴾، يدل على تحريم الربا بمكة. قال الجصاص فى "أحكام القرآن" له: والربا الذى كانت العرب تعرفه وتفعله، إنما كان قرض الدراهم والدنانير إلى أجل بزيادة على مقدار ما استقرض على ما يتراضون به، ولم يكونوا يعرفون البيع بالنقد، وإذا كان متفاضلا من جنس واحد ربا، هذا كان المتعارف المشهور بينهم، (١) أى وما كان يجلس فى السوق، ولا يتجربها إلا فقيه، لما صح عن عمر أنه قال: لا يقعد فى سوقنا إلا من تفقه فى الدين. ج - ١٤ الربا فى دار الحرب بين المسلم والحربى ٣٦٨ ولذلك قال الله تعالى: ﴿وما آتيتم من ربا ليربو (١) فى أموال الناس فلا يربو عند الله﴾، فأخبر أن تلك الزيادة المشروطة، إنما كانت ربا فى المال العين، لأنه لا عوض لها من جهة المقرض اهـ (٤٦٥:١). وكذلك قوله تعالى: ﴿فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم، وبصدهم عن سبيل الله كثيرا وأخذهم الربا وقد نهوا عنه، وأكلهم أموال الناس بالباطل﴾ الآية، يدل على ذم أهل الكتاب وشناعتهم لأخذ الربا وقد نهوا عنه، وسورة النساء زعم النحاس أنها مكية، ويرد عليه ما أخرجه البخارى عن عائشة، قالت: "ما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده مَّ له"، ودخولها عليه كان بعد الهجرة اتفاقا، وقيل: نزلت عند الهجرة، كما فى "الإتقان" (١٣:١)، وتقرر فى الأصول أن شرائع من قبلنا شرع لنا إذا لم ينكر عليه، فلا بد من القول: بأن الربا كان حراما بمكة، وعند الهجرة وبعدها بالمدينة، لم يحل فى الإسلام قط، كيف؟ وقد سماه الله السحت والظلم، ولم یکن ليحله لرسوله وللمؤمنين. ربا النسيئة لم يحل فى الإسلام: فالحق أن الربا ربوان: أحدهما: ربا النسيئة، وربا الدين، وهو ربا الجاهلية. والثانى: ربا النقد، ويسمى ربا الفضل، وربا البيع، وربا الصرف. فالأول: كان حراما بمكة والمدينة لم يكن حلالا فى الإسلام قط، والثانى: حرم بخيير، ولذا خفى تحريمه على ابن عباس، فكان يقول دهرا من عمره: ((لا ربا إلا فى النسيئة))، حتى أخبره أبو سعيد الخدرى رضى الله عنه بقول النبى معَّ الله: ((التمر بالتمر، والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والذهب بالذهب، والفضة بالفضة، يدا بيد، عینا بعین، مثلا بمثلا، فمن زاد فهو ربا»، ثم قال: ((كذلك ما يكال أو يوزن أيضاً، فقال ابن عباس: جزاك الله يا أبا سعيد الجنة، فإنك ذكرتنى أمرا نسيته، أستغفر الله وأتوب إليه، فكان ينهى عنه بعد ذلك أشد النهى)) رواه الحاكم فى "المستدرك"، وقدم تقدم أول أبواب الربا، وهو الذى خفى على زيد بن أرقم، والبراء بن عازب، فقالا: ((قدم النبى مَّ ◌ّ المدينة، ونحن نبيع هذا البيع، فقال: ما كان يدا بيد فلا بأس به وما كان نسيئة فهو ربا)). (١) ولا حجة فى قول من قال: أراد به الهدية يهديها الرجل لآخر طلبا لبدل أكثر منه، فإن إطلاق الربا على الهدية لا تعرفه العرب، فلعلهم - والله أعلم- أدخلوا مثل هذه الهدية فى الربا حكما. ١٢ ظ : 24 إعلاء السنن الربا فى دار الحرب بين المسلم والحربى ٣٦٩ قال شارح "المهذب" (٤٦:١٠) حكاية عن حجة من قصر الربا على النسيئة، وأنکر ربا الفضل، ما نصه: وغاية الأمر أن الأحاديث المقتضية لتحريم ربا الفضل صحيحة صريحة، لكن الأحاديث المقتضية لجوازه أيضًا كذلك، كما سيأتى (إشارة إلى حديث أسامة: (إنما الربا فى النسيئة))، وحديث البراء وزيد بن أرقم الدال على قصر الحرمة فى ربا النسيئة)، والترجيح معنا، فإن القرآن وقوله تعالى: ﴿وذروا ما بقى من الربا﴾، يبين أن الذى نهى عنه ما كان دينا، وكذلك كانت العرب تعقد فى لغتها، وقد دل النبى معَّه على أن النقد ليس بالربا المتعارف عند أهل اللسان بقوله: ((ولا تبيعوا الذهب بالذهب)) الحديث، فسماه بيعا، وقد قال تعالى: ﴿ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا﴾، فذم من قال: إنما البيع مثل الربا، ففى تسمية النبى معد له الزيادة قى الأصناف (الستة) بيعا دليل على أن الربا فى النسا لا فى غيره، ثم أجاب بجمل الآية على ربا الجاهلية، وكون النظر فى حرمة ربا النقد مقصورا على السنة، وأن الأحاديث المبيحة له متقدمة على الحاظرة عنه (٤٦:١٠ و ٥٥)، كما قلنا. وعلى هذا فمعنى قول عمر: "إن آخر ما نزل من القرآن آية الربا، وأن رسول الله عَّ له قبض، ولم يفسرها لنا، فدعوا الربا والريبة" إن آخر ما نزل من القرآن التشديد فى الربا، لأن المراد بها قوله تعالى: ﴿يا أيها آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من الربا﴾، والآية التى بعده: ﴿واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله﴾ آخر آية نزلت من القرآن كله، كان بين نزولها وبين موت النبى مع قل أحد وثمانون يوما، أو تسع ليال، على اختلاف الروايات، كما ذكرها السيوطى فى "الإتقان" (٢٨:١)، والمراد بالتشديد إلحاق ربا النقد بربا النسيئة فى الحرمة، لأن ربا النقد هو الذى كان عمر يتمنى بيانه، وأما ربا النسيئة، وهو ربا الجاهلية، فلم يكن مما يخفى على مثله لكونه معروفًا متعارفا فى الناس، لا يجهله أحد من أهل اللغة واللسان، كما ذكرناه بما لا مزيد عليه فى(4) رسالتنا الملقبة بـ"كشف الدجى عن وجه الربا" ، فلتراجع. وإذا تقرر ذلك، فاستدلال محمد بن الحسن الإمام بقصة بنى النضير على جواز الربا بين المسلم والحربی فی دار الحرب استدلال صحیح، و کذا احتجاجه لذلك بما قال: «بلغنا أن أبا بكر (١) قد ألحقنا هذه الرسالة بآخر هذا الجزء من "الإعلاء" أيضًا لكونها حاوية على كثير من مسائل الربا، لعلك لا تجدها فى غيرها، إن شاء الله تعالى.١٢ ظ ج - ١٤ الربا فى دار الحرب بين المسلم والحربى ٣٧٠ الصديق رضى الله عنه قبل الهجرة حين أنزل الله تعالى: ﴿الم، غلبت الروم فى أدنى الأرض﴾، قال له المشركون: ترون أن الروم تغلب فارس؟ فقال: نعم، فقالوا: هل لك أن تخاطرنا على أن نضع بيننا وبينك خطرا؟ فإن غلبت الروم أخذت خطرنا، وإن غليت فارس أخذنا خطرك، فخاطرهم أبو بكر رضى الله عنه على ذلك، ثم أتى النبى معَّه وأخبره، فقال: اذهب إليهم فزد فى الخطر وأبعد فى الأجل، ففعل أبو بكر رضى الله عنه، وظهرت الروم على فارس، فبعث إلى أبى بكر رضى الله عنه أن تعال فخذ خطرك، فذهب وأخذه، فأتى النبي مَِّ، فأمره بأكله))، وهذا القمار لا يحل بين أهل الإسلام، وقد أجازه رسول الله معرّ له بين أبى بكر رضى الله عنه -وهو مسلم- وبين مشركى قريش، لأنه كان بمكة فى دار الشرك، حيث لا يجرى أحكام المسلمين. قال: ((ولقى رسول الله عَّ له ركانة بأعلى مكة، فقال له ركانة: هل لك أن تصارعنى على ثلث غنمى؟ فقال صلوات الله عليه: نعم، وصارعه فصرعه)) الحديث، إلى أن أخذ منه جميع غنمه، · ثم ردها عليه تكرما، وهذا دليل على جواز مثله فى دار الحرب بين المسلم والحربى))، كذا فى "المبسوط" (٥٧:١٤)، وبلاغات محمد عندنا حجة. وقصة مخاطرة أبى بكر فى غلبة الروم أخرجها الترمذى عن ابن عباس وقال: حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث سفيان، عن حبيب بن أبى عمرة، ثم أخرجها من طريق بن أبى الزناد، وصححه عن أبيه، عن عروة، عن نيار بن مكرم الأسلمى بزيادة، وذلك قبل تحريم الرهان (٢: ١٥٠ و١٥١)، وليس فى كلا الطريقين قوله: "زد فى الخطر وأبعد فى الأجل"، وهو عند ابن جرير فى حديث الشعبى عن ابن مسعود بسند حسن بلفظ: "وقال: اذهب فزایدهم وازدد سنتين، قال: فما مضت سنتان حتى جاءت الركبان بظهور الروم على فارس، ففرح المسلمون بذلك"، وفى مرسل قتادة عنده أيضًا بلفظ: "زايدوهم فى القمار ومادوهم فى الأجل، ففعلوا ذلك، فأظهر الله الروم على فارس، وكان ذلك مرجعه من الحديبية(١) ففرح المسلمون بصلحهم الذى كان، وبظهور أهل الكتاب على المجوس" (١٤:٢١). (١) اختلفوا فى وقت ظهور الروم على فارس، فقال سفيان: سمعت أنهم ظهروا عليهم يوم بدر، أخرجه الترمذى والحاكم، وقال قتادة: كان ذلك مرجعه من الحديبية، على هذا فكان أخذ أبى بكر قماره بعد تحريمه الربا والقمار قطعًا، كما لا يخفى على من تأمل الآثار التى مر ذكرها، فإن تحريم الأزلام والميسر كان مع تحريم الخمر، والخمر حرمت سنة ثلاث أو أربع، والحديبية وقعت سنته ست بلا خلاف، فافهم. ١٢ظ ٣٧١ الربا فى دار الحرب بين المسلم والحربی إعلاء السنن ثم أخرجه عن يونس، قال: قال ابن زيد فى قوله: ﴿الم غلبت الروم﴾ بلفظ: "ارجع إلى القوم فزد فى المناحبة، فرجع إلیهم قالوا: فناحبهم فزاد" الحديث، وأخرج بسند حسن عن عكرمة بلفظ: "فزايد فى الخطر وماده فى الأجل، فخرج أبو بكر فلقى أبيا، فقال لعلك ندمت؟ قال: لا، فقال: إنى أزايدك فى الخطر وأمادك فى الأجل، فاجعلها مائة قلوص لمائة قلوص إلى تسع سنين، قال قد فعلت" (١٣:٢١). وهذه طرق عديدة تؤيد لفظ محمد رحمه الله، وأما قوله: فذهب (أبو بكر) وأخذه، فأتى النبى معَّ فأمره بأكله اهـ، فلم أجده فى شىء من طرق الحديث، بل قد أخرج أبو يعلى، وابن حاتم، وابن مردويه، وابن عساكر، عن البراء بن عازب الحديث بطوله، وفيه: ((فقمر أبو بكر فجاء به يحمله إلى رسول الله عَ ليه، فقال رسول الله مرّطول: هذا السحت تصدق به))، کذا فى "الدر المنثور" (١٥٠:٥)، ولعله لم يصح عند محمد، ولو سلم فهو لا يضر استدلاله، لأنه لو كان القمار فى دار الحرب كمثله فى دار الإسلام لنهاه رسول الله عَ طِّه عن أخذه، أو أمره بالرد إلى من أخذه منه. لا يقال: إنما لم ينكره أخذه لكون العقد قبل تحريم الرهان، كما فى لفظ ابن أبى الزناد عند الترمذى، ولفظ قتادة عند ابن جرير، لأنا نقول أولا: لا نسلم حل الربا والقمار فى الإسلام فى حين من الأحيان، لا بمكة ولا المدينة، ولعل قوله: "وذلك قبل تحريم الرهان" ونحوه مدرج فى الحديث من بعض الرواة، ظنًا منه أن الربا والقمار لا يحل فى دار الحرب كما لا يحل فى دار الإسلام، فحمل ما رواه من مخاطرة أبى بكر مع المشركين على أنه كان قبل تحريم الرهان، ولو سلمنا، فنقول ثانيا: إن كون العقد قبل التحريم لا يفيد حل أخذه بعد التحريم، لأن الإسلام يرد الحرام إذا كان غير مقبوص صرح به فى "شرح السير" (٢٢٥:٣)، وفى "المبسوط": إن الإسلام يمنع القبض كما يمنع ابتداء العقد (٥٩:١٤)، وكان أخذه بعد التحريم قطعًا، كما دل عليه قوله: ((إن هذا السحت فتصدق به))، ففى عدم نهیه ګلآ إیاه عن الأخذ وعدم أمره بالرد إلى من أخذه منه دليل على جواز الأخذ، وحل الأخذ يستلزم حل المأخوذ، فلا بد من القول بأن الأمر بالتصدق، إنما كان تورعا وتنزها، لكونه مأخوذا بصورة القمار، وإن كانت حقيقته منتفية؛ لكونه استيلاء على مال الحربى برضاه، وهذا هو معنى قوله: ((هذا السحت)) أى هو السحت صورةً لا حقيقة، وإلا لنهاه عن أخذه بدیا، فافهم. ج - ١٤ الربا فى دار الحرب بين المسلم والحربى ٣٧٢٠ دليل فتوى بعض الأكابر بأخذ الربا من البنك ثم التصدق به: وليكن هذا هو الحجة لما أفتى به بعض أكابرنا أن للمسلم أن يأخذ الربا من أصحاب البنك أهل الحرب فى دارهم، ثم يتصدق به على الفقراء ولا يصرفه إلى حوائج نفسه، والله تعالى أعلم. وأما مصارعته مَّ ركانة على ثلث غنمه، فأخرجه البيهقى عن ركانة نفسه، وفيه: "أن المصارعة كانت ثلاث مرات، كل مرة على شاة من الغنم"، وأخرجه البيهقى، وأبو نعيم عن أبى أمامة كذلك، وفيه: "عشر شياه فى كل مرة، حتى أتى على ثلاثين شاة من غنمه، ثم قال: ليس لى حاجة إلى غنمك إذ أبيت أن تسلم" ، وفيه ما يدل على أن ذلك كان بعد نزول قوله تعالى: ﴿والله يعصمك من الناس﴾، كذا فى "الخصائص الكبرى" للسيوطى (١٢٩:١ و١٣٠). وبالجملة: فقول أبى حنيفة ومحمد بن الحسن فى هذا الباب أقوى ما يكون روايةٌ ودرايةً، وليس مبناه على مرسل مكحول وحده، كما هو ظن الأكثرين من العلماء والمصنفين، بل له على ذلك دلائل عديدة قوية، واصحة الدلالة على صحة ما قاله، وله سلف فيه من إبراهيم النخعى فى جواز الربا فى دار الحرب، ومن ابن عباس رضى الله عنهما فى جواز الربا بين العبد وسيده، ووافقه على كل ذلك سفيان الثورى، ولولا ثبوت ذلك بالآثار، وأقوال الصحابة والتابعين لما وافقه سفيان على مثل هذا القول أبدا. مع ذلك فلا شك فى كون التوقى عن الربا، ولو مع الحربى فى دار الحرب أحسن وأحوط وأزكى وأحرى خروجا من الخلاف، وهو الذى ذهب إليه شيخنا حكيم الأمة وأفتى به، واختاره ترجيحا لقول أبى يوسف والجمهور، لا سيما وكون الهند دار الإسلام أو دار الحرب فى قول الإمام بعد تغلب النصاری علیها منذ مائة عام محل تأمل، فإن عنده لا تصیر دار الإسلام دار حرب إلا بأمور(١) ثلاثة، بإجراء أحكام أهل الشرك، (أى على الاشتهار، وأن لا يحكم فيها بحكم أهل الإسلام، وظاهره أنه لو أجريت أحكام المسلمين، وأحكام أهل الشرك لا تكون دار حرب ط شامى)، وباتصالها بدار الحرب (بأن لا يتخلل بينهما بلدة من بلاد الإسلام، "هندية" ط، قلت: والهند متصلة بدار الحرب فى بعض الجهات وبدار الإسلام فى بعضها)، وبأن لا يبقى فيها مسلم، أو ذمى آمنا بالأمان الأول على نفسه، كذا فى الدر مع الشامية (٣: ٣٩٠)، وفى تحقق بعض هذه الشروط (١) وقالا بشرط واحد، وهو إظهار حكم الكفر وهو القياس (٣: ٣٩٠)، فجواز الربا فى الهندية مع كفارها، لا يتأتى إلا على قول محمد وحده لا على قول أبى حنيفة ( ١٢.٢ظ ٣٧٣ الربا فى دار الحرب بين المسلم والحربى إعلاء السنن فى أرض الهند نظر كما لا يخفى على من له معرفة بحالها، والله تعالى أعلم، وعلمه أتم وأحكم. الرد على أبى إسحاق الهندى مؤلف "كشف الغطاء": هذا، وقد نبغ فى الهند نابغة يكنى أبا إسحاق الهندى، ألف وريقات سماها "كشف الغطاء عن وجه الربا" ، تدل على جهل مؤلفها، وتنادى على سخافة رأى مصنفها، رد فيها على شيخنا، وأساء الأدب وجانب الإنصاف، وسلك مسلك الاعتساف، حيث قال: اعلم أن دار الحرب مخصوص بأحكام، وهى جواز الربا فيها مطلقًا الجلى والخفى، وكان بين المسلمين أو بين المسلم والحربى بضرورة، وبغير ضرورة اهـ (٢١). ولا يخفى ما فى إطلاق القول بذلك من السخافة، فإن المسألة مختلف فيها بين الأئمة المقتدى بهم فى الدين، فالجمهور وأبو يوسف معهم لا يجوزون ذلك أصلا، وإنما قال: بجوازه فى دار الحرب أبو حنيفة ومحمد، ثم اختلفا فأجازه أبو حنيفة بين المسلمين الذين أسلموا فى دار الحرب، ولم يهاجروا كما أجازه بين المسلم والحربى، ولم يقل محمد: بجوازه بين المسلمين أصلا، كما لا يخفى على من نظر فيما ذكرناه عن "المبسوط" و"شرح السير"، فهل قوله: "وكان بين المسلمين أو بين المسلم والحربى إلخ" إلا جرأة شديدة لا يرتكبها إلا من لا يخاف الله وسطوته، ولا يستحيى عن الخيانة فى النقل، وعن الافتراء على أئمة المذهب أولى الفضل. ثم قال فى الفصل السادس - وموضوعه الجواب عما أورد على ما ذكره من جواز الربا فى دار الحرب- ما نصه: فقال بعض الناس: إن مكة قبل الفتح كانت دار الحرب، فلو كان الربا حلالا لم يمنع الإسلام من استيفاء ما وجب بهذا السبب الحلال، کذمی(١) باع خمرا ثم أسلم، يجوز له قبض الثمن، واللازم منتفٍ فكذا الملزوم، ومن ههنا(٢) لا نقر الذميين على المراباة بخلاف بيع الخمر والخنزير، ما فى "الهداية"، لحرمة الأول فى الأديان(٣) كلها بخلاف الثانى، فإنهم يستحلونه، (١) قد أشرنا إلى ما بينهما من الفرق، فتذكر، وحاصله أن الربا بين المسلم والحربى عقد صورةً واستيلاء حقيقة، بخلاف ما إذا باع. ذمى من ذمى خمرا، فإنه عقد حقيقة، وقد أقررناهم على ذلك، فله قبض الثمن بعد الإسلام، بخلاف الأول لانعدام محل الاستيلاء بالإسلام. ١٢ظ (٢) قد مر ما فيه، فتذكر، وحاصله: أن الربا مستثنى من العهد، فلا يدل عدم إقرارنا أهل الذمة عليه على حرمته فى دار الحرب؛ وأيضًا: فإن دار الإسلام ليس بمحل الاستيلاء.١٢ظ (٣) لو ثبت ذلك لكان مؤيدا لما ذكرنا أن ربا النسيئة لم يحل فى الإسلام قط، وكان ردا لما قاله بعضهم: إن الربا إنما حرم بخير .. ٣٧٤ ج - ١٤ الربا فى دار الحرب بين المسلم والحربى وإنا أمرنا أن نتركهم وما يدينون، فكما أنه ممنوع فى حق الذميين ممنوع فى حق الحربيين أيضًا، لأن الديانات لا تتفاوت، وإنا لا نمنع الحربيين لعدم الولاية، فإذا كان ممنوعًا فى حربيين أنفسهم، فمع المسلمین أولی، کما لا يخفی اهـ. قال: وهذا يصلح للجواب مع کونه ضعيفا فی نفسه، فاعلم أن قوله کذمی إلخ لم يدل عليه القرآن، ولا الحديث، ولا القياس الصحيح، ولا الإجماع، فلنا أن نمنعه، ولا نجوز قبض هذا الثمن الخبيث، والدليل على عدم الجواز أن هذا المسلم لا يقبض الثمن حين كونه مالا حلالا، لأنه التزم بالإسلام أن لا يرتكب شيئا مما منع منه فيه، وهذا القبض منه، فإن سبیه حرام إلخ. قلت: يا قليل الفقه! وهل دل القرآن أو الحديث أو الإجماع على جواز الربا بين المسلمين الذين أسلموا فى دار الحرب ولم يهاجروا؟ فإن كان عندك دليل على ذلك فأرنا نص الكتاب والسنة، أو قول أهل الإجماع، وإلا فمن أين لك أن تجوزه بين المسلمين كما ادعيت؟ فإن قلت: قد صرح بذلك علماء المذهب من الحنفية فى كتبهم، قلنا: فكذلك قد صرحوا بأن الذمى لو باع من ذمى خمرا وسلمها إليه، ولم يقبض الثمن حتى أسلم، فله أن يطالب المشترى بالثمن، لأن العقد كان صحيحا بينهما، فكان الثمن دينا مستحقا للمسلم بحكم العقد، والإسلام لا يمنع من قبضه، کما فی "شرح السير" (٢٢٥:٣). وتبين بذلك أن قول الشيخ مؤيد بالقياس الصحيح، وقولك: "ولا نجوز قبض هذا الثمن الخبيث" رد عليك، وما ذكرته من الدليل على عدم الجواز باطل، فإن المسلم لا يرتكب هناك شيئا منع منه فى الإسلام، وإنما يطالب دينا مستحقا بحكم العقد، ولا يمنع الإسلام من قبضه، فافهم. وأما قولك: وكيف يقال بكون ذلك السبب حلالا لهم، وحراما للمسلمين مع أنهم أحباء الله وهم أعداء الله اهـ، ففيه أن ذلك كله كلام جاهل بالشرع، غافل عن مداركه، فإن التحريم لا ينافى المحبة، فإن الله تعالى امتن علينا بتحريم الخبائث، كما امتن بتحليل الطيبات، حيث قال: ﴿الذين يتبعون الرسول النبى الأمى الذى يجدونه مكتوبا عندهم فى التوراة والإنجيل، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث) الآية، ألا ترى أنه يجوز نكاح المشرك المشركة، وحرم ذلك على المؤمنين؟ فهل هذا التحريم ينافى ولاية الله للمؤمنين، أو يؤكد محبة لهم؟ فافهم، فإن تحريم الخبائث لا ينافى المحبة، والخمر منها، بل هى أم الخبائث بإجماع أهل النقل والعقل. -- ٣٧٥ الربا فى دار الحرب بين المسلم والحربى إعلاء السنن وأما قولك: والكفار مخاطبون بالفروع والأصول جميعًا، كما يدل عليه الكتاب والسنة، واختاره المحققون اهـ، ففيه أن المسألة مختلف فيها، والدلائل متدافعة متنازعة، والترجيح مختلف، وفائدة الخلاف إنما تظهر فى حق المعاقبة، فالقائلون بالتكليف، قالوا: يعاقبون لأجل ترك الاعتقاد والفروع جميعًا، والقائلون بنفيه قالوا: يعاقبون على ترك الاعتقاد فقط (فواتح الرحموت ٦٤). وأما صحة ما عاملوا به فى الكفر على ديانتهم، فلا نزاع فيه، كيف؟ وقد صح عنه عَّه أنه قال: ((كل قسم قسم فى الجاهلية فهو على قسم الجاهلية)) الحديث، وقد مر آنفًا. وأيضًا: فلو كان ثمرة كون الكفار مخاطبين بالفروع فساد ما يعاملون به ويعقدونه على خلاف حكم الإسلام لزم حرمة إقرارهم على بيع الخمر والخنزير فى دار الإسلام، وعلى عقد النكاح بغیر شهود وبمعتدة فی عدتها، وبمن يحرم نكاحها فى الإسلام کالأخت رضاعا ونحوها، ومع ذلك كله فهو حجة عليك لا لك، فلقائل أن يقول: إن الربا حرام فى الإسلام، والكفار مخاطبون بأصوله وفروعه، فما كان حراما علينا كان حراما عليهم، فالربا حرام بين المسلم والحربى فى دار الإسلام ودار الحرب جميعا، كما هو حرام بين المسلمين فى دار الإسلام، ومن ادعى الفرق فعليه البيان، وهذا مما لا يتخلص عنه من يدعى أن ثمرة كون الكفار مخاطبين بالفروع تظهر فى أحكام الدنيا غير مختص بأحكام الآخرة وحدها، فافهم، ولا تكن من الجاهلين. وأما قولك: إن الإسلام قد منع منه أى من استيفاء ما وجب بالربا قبل الإسلام سدا للذريعة، ولا ريب أن سببه كان حلالا على ما قدمناه من الدليل الصحيح القوى إلخ، ففيه أنه لو كان المنع من ذلك سدا للذريعة لم يأذن إليه من لم يترك ما بقى له من الربا بحربه وحرب رسوله، وهذا أشد ما يكون من الوعيد فى التحريم، فكيف يصح القول: بأنه لم يمنع منه قصدا، وإنما منع منه سدا للذريعة؟ وأيضًا: فلو كان المنع سدا للذريعة لأباحه بعد حصول المقصود، كما أذن فى أوانى الخمر، فصح أن المنع كان مقصودا، وأما ما ذكرته من أن الساقط لا يعود، أنه يؤدى إلى الاستهزاء، فكله يدل على سخافة رأى قائله، وقلة عقل المغتر بباطله. وأما ما قدمته من الدليل الصحیح، وهو حدیث وضع ربا العباس فلا دلالة فيه على جواز الربا بين المسلمين فى دار الحرب، وغاية ما فيه جوازه بين المسلم والحربى، ولا يتم الاستدلال به ما لم يثبت وقوع هذا الوضع يوم الفتح، وإلا لزم قيام ربا العباس بمكة سنتين بعد ما صارت دار الإسلام، ولا يجدى قولك فى وجه تخصيص البيان فى حجة الوداع أنه عّ لّ ذكر ذلك ج - ١٤ الربا فى دار الحرب بين المسلم والحربی ٣٧٦ تأكيدا، فللخصم أن يقول: بسقوطه ووضعه يوم نزلت آية الربا، ولكنه عّ لّ إنما أعلن بذلك فى حجة الوداع ليكون أوقع فى نفوس المخاطبين، لكونه مرّه قد ودع المسلمين فى هذه الحجة، وأوصاهم هناك وصية مودع، فالحق فى الجواب ما أشرنا إليه سابقا متنا وحاشية، وهو مما لم تمسه يد لامس، ولم يسبق إليه فكر حادس، فضلا عن مؤلف "كشف الغطاء"، فإنه بمراحل عن دركه وفهمه، کما لا يخفى عن من نظر فى رسالته، واطلع على مبلغ علمه ودرايته. قال: وأما قوله: فلا نقر إلخ، فالجواب أن قوله: "لحرمة الأول" غير مسلم، فإن بعضهم يستحلونه أيضًا، ولو سلم لم يؤثر فى حكم الشرع الحق الناسخ لما سواه من الملل السماوية، فما ظنك بالملل المخترعة الباطلة من أصلها اهـ، قلت: فأرنا نصا من الكتاب، أو السنة، أو الإجماع، أو القياس على أن شريعة الإسلام أحلت شيئا من الربا، قد كان حراما من قبل، ولو تأملت النصوص لبان لك تحريم الشرع أبوابا من الربا لم تكن حراما فى شرع سواه، كربا الفضل نقدا، وشراء ما باع بأقل مما باع قبل أن ينقد الثمن، وكالسلم فى الحيوان ونحوها مما لا يحصى كثرة، ولما كان الربا عند الله سحتا وظلما، كما يدل عليه قوله: ﴿وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون﴾، ولم يكن الظلم مباحًاً فى شريعة قط، فالظاهر كون الربا حراما فى الملل كلها، وبعد ذلك فلا معنى لقوله: ولو سلم لم يؤثر فى حكم الشرع الحق الناسخ إلخ، فإن محل هذا الكلام، إنما هو عند التخالف بين الإسلام وسائر الملل سواء، وأما بعد توافقها للإسلام، كما هو مقتضى التسليم بهذا الكلام فى غير محله، كما لا يخفى على من له مسكة عقل وفهم. قال: وأما قوله: إنا أمرنا إلخ، فجوابه أن مدار الترك على ما يصالح بيننا وبينهم، وكل صلح أحل حراما، وحرم حلالا فهو باطل، وأما ما رواه أبو داود عن ابن عباس قال: ((صالح رسول الله عَّ أهل نجران)) الحديث، وفيه: (ما لم يحدثوا حدثا أو يأكلوا الربا))، قال السدى: فقد أكلوا الربا سكت عنه أبو داود فهو صالح للاحتجاج عنده، ويؤيده ما رواه ابن أبى شيبة فى "مصنفه" عن الشعبی، قال: « کتب رسول الله إلى أهل نجران -وهم نصاری- ان من بایع منکم بالربا فلا ذمة له))، وإسناده مقارب مرسل، وقد تأيد بالذى قبله، فلا دليل فيه على قول ذلك القائل: لحرمة الأول إلخ. قلت: وكيف لا يكون فيه دليل لما قاله، وقد اعترفت بأن كل صلح أحل حراما، وحرم حلالا فهو باطل؟ فلا بد من القول بأنه مګے لم يحرم عليهم فى هذا الصلح ما کان حلالا لهم، وإنما حرم عليهم الربا لكونهم قد نهوا عنه، فلم ينتهوا بغیا وعدوانا، فدل نهیه إیاهم عن الربا على ٣٧٧ الربا فى دار الحرب بين المسلم والحربى إعلاء السنن کونه حراما فی الدیانات كلها. قال: فقد قال الإمام أبو عبيد فى "كتاب الأموال": وإنما غلظ عليهم أكل الربا دون غيره من المعاصى مع أنهم يمكنون مما هو أعظم منه، كالشرك، وشرب الخمر، وأكل الخنزير، وغير ذلك، لأن فى منعهم كف المسلمين عن أكل الربا، ولولا المسلمون لكانوا فى الربا كسائر ما هم فيه من المعاصى، والله أعلم اهـ، قلت: فهل فى كلام أبى عبيد هذا ما ينافى قول الشيخ؟ وهل فيه أن الربا كان حلالا لهم؟ وإذ ليس فيه شىء من ذلك، فهل نقل كلامه ههنا إلا تشبث الغريق بالحشيش، أو خبط عمياء كالذى يتخبطه الشيطان من المس، وأيضًا: فقول أبى عبيد: "وإنما غلظ عليهم أكل الربا لأن فى منعهم منه كف المسلمين عن أكل الربا"، يؤيد ما ذهب إليه الشيخ ويشيده، فإنه يعدّ له لما منع الكفار عن عقد الربا فيما بينهم لأجل صيانة المسلمين عنه، فكيف يرضى به للمسلمين أن يعاملوا به مع الكفار فى دار الحرب، أو مع المسلمين الذين لم يهاجروا؟ وهذا مما لا يتخلص عنه إلا من أمعن النظر فيما قدمناه من أن أبا حنيفة لم يقل: بجواز الربا بين المسلم والحربى بعد تحققه، وإنما قال: بأنه لا يتحقق بينهما هناك حقيقة، بل صورة محضا، لكون الدار وأهلها محلا للاستيلاء، فافهم، ولا تکن من الغافلين. والحق أن كلام الشيخ فى رسالته "تحذير الإخوان" شبيه بكلام الأئمة المجتهدين، لا يدان لرده عند القاصرين المقلدين، بل ولا عند أحد من الفضلاء الراسخين فضلا عن هذا الهندى الذى لا يعرف يمينه عن شماله، ولا يدرك معنى كلام الشيخ، ولا حقيقة مقاله، هذا، ولم أقدر على تأييد مذهب الإمام فى هذا الباب، ولا على الجواب عما أورد عليه جمهور أولى الألباب إلا بعد الاقتباس من أنوار الشيخ -أدام الله ظله- وبعد الاغتراف من بحار علومه وأحواله -رفعه الله وأجله- والارتشاف من كأس فضله ونواله - سقاه الله وأعله- فتيقظ، ولا تكن من النائمين. تحقيق كون الهند دار الحرب أو دار الإسلام بعد تغلب النصارى عليها فى هذه الأيام: قال: ثم أعلم أن بلاد الهند ونحوها لا ريب فى كونها دار الحرب عند المحققين، وقد أفتى به العلامة المحدث الدهلوى مولانا عبد العزيز، والعلامة المولى مولانا رشيد أحمد الجنجوهى رضى الله تعالى عنهما وأرضاهما اهـ، قلت: عجبا لهذا الهندى الذى قد يستشعر من نفسه الاجتهاد مرة، فيرد قول أبى حنيفة وصاحبيه فى مسألة ذمى قد باع الخمر من ذمى، ثم أسلم إلخ، ويقول هو: ٣٧٨ ج - ١٤ الربا فى دار الحرب بين المسلم والحربى لم يدل على ذلك القرآن، ولا الحديث، ولا الإجماع، ولا القياس الصحيح، قلنا: أن نمنعه ولا نجوز قبض هذا الثمن الخبيث كما مر، ويتنزل إلى درجة العوام أخرى، فيحتج بأقوال من لو أصابه تراب نعال أبى حنيفة وأصحابه، لكان أرفع لشأنه وأنور لبرهانه، فإلى الله المشتكى، وكيف ساغ له أن يرتاب فى جواز ما صرح بجوازه أئمة المذهب ويرده، ولا يرتاب فى قول المتأخرين من العلماء ويقلده؟ فليعلم هذا الهندى أنا أقرب منه إلى محدث الهند مولانا عبد العزيز، ومسند الوقت مولانا رشيد أحمد -قدس الله سرهما- مسلكا ومحتدا، وطريقا ومهتدى، ومنزلا ومشهدا، وأعرف منه بفضيلتهما علما وعملا، وتفصيلا وجملا، ولكن مبنى قولهما ذلك، إنما هو على قول الصاحبين دون قول الإمام أبى حنيفة رضى الله عنه وأرضاه، فقد مر أن عنده لا تصیر دار الإسلام دار حرب إلا بأمور ثلاثة: أحدها: إجراء أحكام أهل الشرك على الاشتهار، وأن لا يحكم فيها بحكم أهل. الإسلام، وظاهره أنه لو أجريت أحكام المسلمين، وأحكام أهل الشرك لا تكون دار حرب، وفى شرح "درر البحار" قال بعض المتأخرين: إذا تحققت تلك الأمور الثلاثة فى مصر المسلمين، ثم حصل لأهله الأمان ونصب فيه قاضٍ مسلم ينفذ أحكام المسلمين عاد إلى دار الإسلام اهـ، ملخصًا من "الشامية" (٣: ٣٩٠)، وعلى هذا فالرياسات الإسلامية بالهند مثل حيدرآباد، وبوفال، وغيرهما دار الإسلام حتما، وهى متخللة بين ما تغلب عليه النصارى، كما لا يخفى، فانتفى الشرط الثانى قطعا، وهو اتصالها بدار الحرب بأن لا يتخلل بينهما بلدة من بلاد الإسلام (هندية). وإذا كان كذلك فلا بد أن فتيا من أفتى بكونها دار الحرب محمولة على قول الصاحبين دون قول الإمام، ومع ذلك فأبو يوسف يمنع الربا بين المسلم والحربى فى دار الحرب أيضًا، فلا يتأتى جواز الربا بين المسلم والحربى فى أرض الهند إلا على قول محمد وحده، وقد صرحوا فى رسم المفتى أن الأصح، كما فى "السراجية"، وغيرها أنه يفتى على الإطلاق بقول أبى حنيفة، ثم قول أبى يوسف، ثم قول محمد، ثم قول زفر والحسن بن زياد، وقيل: إذا كان أبو حنيفة فى جانب، وصاحباه فى جانب، فالمفتى بالخيار، والأول أصح، إذا لم يكن المفتى مجتهدا اهـ من "الشامية" و"الدر" (٧٢:١ و٧٣)، ومفاده أنه إذا اجتمع أبو يوسف مع الإمام أبى حنيفة، فلا يفتى بقول غيرهما، ولو كان المفتى مجتهدا أى أهلا للنظر فى الدليل، ولا شك أنهما قد اجتمعا على حرمة الربا بين المسلم والحربى فى دار الإسلام التى تغلب عليها الكفار، وأجريت فيها أحكام المسلمين، ٣٧٩ الربا فى دار الحرب بين المسلم والحربى إعلاء السنن وأحكام أهل الشرك جميعًا، ولم تتصل بدار الحرب، وإن اختلفا فى العلة، فلا يجوز الإفتاء بقول غيرهما والحال هذه. فيا لجرأة هذا الهندى الجاهل بآداب الفتيا وشرائطها، العارى عن الفقه والسنة ودلائلها، القاصر عن درك علل الأحكام ومسائلها، كيف أغمض عينيه عن كل ذلك؟ وقال: إن الأمر لما تحقق فلا معنى للاحتياط والورع فى ترك الربا، وإنما الورع حيث اشتبه الأمر، ولم يتميز الحلال من الحرام، ومثل هذا الورع ينبغى أن يسم توهما، وهو مذموم شرعًا، فلا ينبغى أن يترك المال الحاصل بالربا المباح اتباعا للتوهم، فإنه كفران النعمة، إلى آخر ما هذى وهذر وافترى، معرضا عن الحق متبعا للهوى، فضل وأضل، وعصى وغوى، ألم يعلم بأن الله يرى، وأنه يعلم السر وأخفى؟ فلا حول ولا قوة إلا بالله، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، ونسأله الصدق فى أقوالنا وأحوالنا، وظنى أن كل من له أدنى إلمام بالعلم لا يشك فى جهل هذا الهندى أبى إسحاق، ولا يرتاب فى قصور نظره عن الفقه على الإطلاق. فقد اشتهر عن مالك، والشافعى، وأحمد، وأبى يوسف، وغيرهم من جماهير الفقهاء تحريمهم الربا، بين المسلم والحربى فى دار الحرب، فهل التوقى عنه خروجا من الخلاف يسمى توهما، أو يحكم بكونه مذموما شرعًا؟ وقد اتفقت(١) الأمة على أن الخروج من الخلاف مستحب قطعًا، لأن خلاف الأئمة لا سيما خلاف جمهورهم يورث شبهة فى الجواز، وقد قال النبى عد له: ((الحلال بين، والحرام بين، وبينهما شبهات، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه)) لا سيما وكون الهند دار الحرب عند الإمام محل نظر بعد، فالشبهة إذن قوية غير ضعيفة، والتوقى عنه واجب من غير ريبة. وأما إن المسلمين يحتاجون إليه احتياجًا شديدا، ويتمندل بهم المخالفون، ولم تبق لهم شوكة ولا عزم، فليعلم هذا الهندى أن الربا وجمع المال وعده لا يفيد شوكةً ولا عزمًا، وإنما يتأتى كل ذلك بإطاعة الله ورسوله، واتباع الأحكام، وبحب الله ورسوله، والنزوع عما سواهما، وباتحاد كلمة القوم واتفاقهم فيما بينهم، واجتماع قلوب بعضهم ببعض، وقيامهم بأمر الله، وإلا فاليهود (١) وقد أثنى مسند وقته وعلامة عصره مولانا رشيد أحمد الكنكوهى على شيخنا حكيم الأمة أخذه بجانب الاحتياط فى هذا الباب، حيث قال: کیف أمنع من أخذ بالتقوى، ولم يأخذ بالفتوى من الاستبراء لدينه؟ اه بمعناه فعجبا من هذا الهندى كيف يؤمن ببعض أقوال ذلك القطب ويكفر ببعضها، ويعد ما عده من التقوى توهما مذموما؟ فإلى الله المشتكى. ٣٨٠ الربا فى دار الحرب بين المسلم والحربى ج - ١٤ كانوا أكالين للسحت، أخاذين للربا، جماعين للمال، مناعين له أكثر من أهل أو ربا، فلم ينفعهم ذلك كله إذ عصوا وكفروا، وغيروا وبدلوا، وتشتتوا واختلفوا، فكانوا كما قال الله تعالى: ﴿ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا﴾، وقال: ﴿لأنتم أشد رهبةً فى قلوبهم من الله ذلك بأنهم قوم لا یفقهون، لا یقاتلونکم جمیعا إلا فی قری محصنة أو من وراء جدر بأسهم بینہم شدید، تحسبهم جميعا وقلوبهم شتی ذلك بأنهم قوم لا يعقلون﴾. وذلك هو شأن المسلمين فى هذا الزمان، لا سيما مسلمى الهند، كما لا يخفى على من امتلأ قلبه من الإيمان، وإذا كان كذلك فكثرة المال لا تنفع قوما لا فقه له، يخاف الناس أشد رهبةً من الله، ولا قوما لا عقل له تحسبهم جميعًا وقلوبهم شتى، أنشدكم الله العظيم، هل كانت الصحابة رضى الله عنهم أكثر مالا ممن نصروا عليهم، وظفروا بهم من أهل فارس والروم والش؟ أو كانوا أكالين للربا، جماعين للمال من بين الأنام، كلا! كانوا مفاليس فقراء أقل الناس مالا وعددا وعدة، ولكن حب الله وتقواه واتحاد كلمتهم زادهم قوة على قوة، ﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ ﴿يا أيها الذين آمنوا اصبروا، وصابروا، ورابطوا، واتقوا الله لعلكم تفلحون﴾ هذا هو طريق النجاة والفلاح والفوز بالمراد ﴿فيا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد ولا تتبعوا السبل فتقرق بکم عن سبيل السداد﴾. وجزى الله خيرا شيخنا حكيم الأمة مجدد الملة، كاشف الغمة ذا مناقب حجة، حيث أوضح لنا المحجة، وأقام على حرمة الربا فى الهند حجة، أية حجة؟ فدته نفوس الحاسدين، فإنها معذبة فى حضرة ومغیب، وفی تعب من یحسد الشمس ضوئها، ويجهد ان یأتی لها بضريب، ولمن أفتى بجوازه بين المسلم والحربى فى الهند أن يقول: إنا جعلناها دار الحرب بقول الصاحبين، وإذا كان أبو حنيفة فى جانب، وصاحباه فى جانب، فالمفتى بالخيار على ما مر، لا سيما وإذا كان مجتهدا له نظر فى الدليل، وأفتينا بجواز الربا فى الحرب على قول أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله، ولا شك فى جواز الإفتاء بقول الإمام منفردا، وإذا كان معه أحد صاحبيه فبالأولى، قلت: نعم، ولكن لا يخفى ما فيه من التلفيق والتخليط، ولو سلمنا جواز الربا بين المسلم، والحربى فى الهند، فلا ريب أن جانب الاحتياط والتوقى عنه أولى وأحرى، كما قاله شيخنا أدام الله ظله، وأفاض بركاته على الورى، ويرحم الله عبدا قال آمينا، فاحفظ هذا التحقيق، فلعلك لا تجده فى كتاب على هذا النمط الأنيق، والله تعالى ولى التوفيق، وهو المعين وخير رفيق، وصلى الله تعالى على سيدنا محمد الهادى إلى سواء الطريق، وعلى آله وأصحابه أهل النهى والنظر العميق.١٢ ظ