النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
بيع الرطب بالتمر
إعلاء السنن
وقد خالف الشافعى فى هذه المسألة جمهور العلماء، فذهب مالك، وأبو حنيفة، وأبو يوسف،
ومحمد، وأحمد بن حنبل فى المشهور عنه، والمزنى إلى جواز ذلك، واختاره الرويانى من
الشافعية، فقال فى "الحلية": وهو القياس والاختيار، حتى قال ابن المنذر: إن العلماء اتفقوا على أن
بيع الرطب بالرطب جائز إلا الشافعى، كذا فى "نيل الأوطار" (٦١:٥)، و "شرح المهذب"
(٤٣٤:١٠)، واحتجوا له بما رواه الإسماعيلى فى "مستخرجه" فى حديث ابن عمر بلفظ:
(نهى عَّ عن بيع الثمرة بالتمرة))، قالوا: وذلك يشمل بيع الرطب بالرطب.
قلنا: لا حجة فيه أما أولا فلكونه شاذا، والمحفوظ عن ابن عمر فيه بلفظ: ((نهى رسول
الله عَِّ عن المزابنة))، والمزابنة بيع ثمر النخل بتمر كيلا كما مر، وأما ثانيا فلأن الثمرة هى الرطب
ما دام فى رأس النخل، فهو محمول على النهى عن بيع ما فی رؤوس النخل بما فی رؤوس النخل،
کما نہی عن بیع ثمر النخل بتمر مجذوذ کیلا).
وأما قال شارح "المهذب": "إن ما فى رؤوس النخل لا یکال" فمسلم، ولکنه قد يباع
مکایلةً، بأن یبیع قفیزی رطب من نخلة أُخرى، وذلك لا يجوز ما لم يحضرا مجذوذین فی
مجلس العقد، وإلا لزم بيع التمر بالتمر نسيئة، ولم يقل بجوازه أحد.
بقى الجواب عن إيراد ابن حزم حيث قال: لكن يا هؤلاء! أين كنتم عن هذا الاستدلال
الفاسد الذى صححتموه إذ حرمتم برأيكم الفاسد بيع الدقيق بالحنطة أو بالسويق جملة؟ فلم تجيزوه
لا متفاضلا ولا متملاثلا، ولا نقدا ولا نسيئة، ولا كيلا ولا وزنا، فقال قائل منهم: التفاضل فى
الدقيق بالحنطة موجود فى الوقت، وأما فى الرطب بالتمر فلا يوجد إلا بعد الوقت، قلنا: فكان ما ذا
لو كان ما قلتم حقا؟ ومن أين وجب مراعاة التفاضل فى الوقت أو بعده، فكيف؟ والذى قلتم
باطل، لأن المماثلة بالكيل موجودة فى الرطب بالتمر كما هى موجودة فى الدقيق بالسويق، وفى
الدقيق بالحنطة فى الوقت، فلا تفاضل فيهما أصلااهـ، ملخصًا (٤٦١:٨).
قلت: أما مراعاة التفاضل فى الوقت، فقد أوجبها النصوص المتواترة عن أبى سعيد وعبادة
وغيرهما مرفوعا، وفيها: ((والفضل ربا)»، وأما بعده فلا دليل على وجوب مراعاته فيه، كما مر
الكلام فيه مستوفى، وأما قوله: ((إن المماثلة بالكيل موجودة فى الرطب بالتمر)) فمسلم، وأما إنها
موجودة فى الدقيق بالسويق، وفى الدقيق بالحنطة، ففى الدقيق بالسويق وجهان عندنا، وأما الدقيق
بالحنطة فلا يجوز قولا واحداً، لأن فى الحنطة دقيقا إلا أنه مجتمع لوجود المانع من التفرق،

ج - ١٤
بيع الرطب بالتمر
٣٤٢
وهو التركيب، وذلك أكثر من الدقيق المتفرق، عرف ذلك بالتجربة، لأن الحنطة إذا طحنت ازداد
دقيقا على المتفرق، ومعلوم أن الطحن لا أثر له فى زيادة القدر، فدل أنه كان أزيد فى الحنطة،
فيتحقق الفضل من حيث القدر بالتجربة فيتحقق الربا، بخلاف الرطب بالتمر، فإنما يتساويان فى
المعيار الشرعى أى الكيل (البدائع ١٨٨:٥)، فإن كان فى تجربة ابن حزم مساواة ما فى الحنطة من
الدقيق بالدقيق المتفرق فلا مشاحة فى الاصطلاح، وإلا فما قاله فى "البدائع" حق لا يجوز غيره،
وقد وافقنا على منع الحنطة بالدقيق مما خالفنا فى جواز الرطب بالتمر أحمد والشافعى.
قال الموفق فى "المغنى" (٤: ١٤٠): القسم الثالث الدقيق، فلا يجوز بيع الحنطة به فى
الصحيح، وهو مذهب سعيد بن المسيب، والحسن، والحكم، وحماد، والثورى، وأبى حنيفة،
ومکحول، وهو المشهور عن الشافعى، وعن أحمد رواية أخرى أنه جائز، وبهذا قال ربيعة،
ومالك، وحکی ذلك عن النخعى، وقتادة، وابن شبرمة، وإسحاق، وأبی ثور، لأن الدقيق نفس
الحنطة، وإنما تكسرت أجزائها، فجاز بيع بعضها ببعض، كالحنطة المكسرة بالصحاح، ولنا أن بيع
الحنطة بالدقيق بيع للحنطة بجنسها متفاضلا فحرم، كبيع مكيلة بمكيلتين، وذلك لأن الطحن
قد فرق أجزائها فيحصل فى مكيالها دون ما يحصل فى مكيال الحنطة، وإن لم يتحقق التفاضل،
فقد جهل التماثل، والجهل بالتماثل كالعلم بالتفاضل فيما يشترط التماثل فيه، وتساويهما فى
الوزن، لا يلزم منه التساوى فى الكيل، والحنطة والدقيق مكيلان، لأن الأصل الكيل، ولم يوجد ما
ينقل عنه، والمكيل لا يقدر بالوزن كما لا يقدر الوزن الكيل اهـ، ملخصًا.
قال ابن حزم: وأيضًا، فإنما أباح رسول الله مَّ له التمر بالتمر مثلا بمثل، وبالمشاهدة ندرى أن
الرطب ليس مثلا للتمر فى صفاته اهـ (٤٦١:٨).
قلت: يا سبحان الله! وهل هذا إلا كالعلكة؟ أى الحنطة الجيدة السالمة من السوس مع
المسوسة، ومع ذلك جعلا جنسا واحدا لا يجوز بيع أحدهما بالأخرى إلا کیلا بکیل مثلا بمثل، مع
أن المسوسة ليست مثلا للعلكة فى أكثر صفاتها، وقد صرح ابن حزم نفسه بأن من الحلال المحض
بيع مدين من قمح جيد غاية بمدين من قمح ردىء غاية، والله تعالى أعلم.
قال فى "البدائع": وأما بيع الحنطة المبلولة أو الندية بالندية، أو الرطبة بالرطبة،
أو المبلولة بالمبلولة، أو اليابسة باليابسة، وبيع التمر بالرطب، والرطب بالرطب أو التمر، والمنقع
بالمقنع، والعنب بالزبيب اليابس، واليابس بالمقنع، والمنقع بالمقنع متساويا فى الكيل فهل يجوز؟ قال

٣٤٣
بيع الرطب بالتمر
إعلاء السنن
أبو حنيفة رحمه الله: كل ذلك جائز (لحصول المساواة فى الكيل)، وقال أبو يوسف رحمه الله:
كله جائز إلا بيع التمر بالرطب، وقال محمد: كله فاسد إلا بيع الرطب بالرطب، والعنب بالعنب،
وقال الشافعى: كله باطل، ويجوز بيع الكفرى بالتمر، والرطب بالبسر متساويا متفاضلا
بالإجماع، لعدم الجنس والكيل إذ هو اسم لوعاء الطلع، فأبو حنيفة يعتبر المساواة فى الحال عند
العقد، ولا يلتفت إلى النقصان فى المآل، ومحمد رحمه الله يعتبرها حالا ومآلا، واعتبار أبى يوسف
مثل اعتبار أبى حنيفة إلا فى الرطب بالتمر، فإنه يفسده بالنص، (فلعله صححه کما صححه بعض
المتأخرين من المحدثين، ولم يحمله على النسيئة ولا على المزابنة)، وقصره على محل النص لكونه
حكما ثبت على خلاف القياس، وأصل الشافعى ما ذكرنا فى مسألة علة الربا أن حرمة بيع المطعوم
بجنسه هى الأصل، والتساوى فى المعيار الشرعى مع اليد مخلص، إلا أنه يعتبر التساوى ههنا فى
المعيار الشرعى فى أعدل الأحوال، وهى حالة الجفاف اهـ (١٨٨:٥ ملخصًا).
والأصل عندنا الإباحة، والحرمة منوطة بالعلة التى ذكرناها، وهى التفاضل مع الجنس
والقدر، فظاهر النصوص يقتضى جواز كل بيع إلا ما خص بدليل، وقد خص البيع متفاضلا على
المعيار الشرعى، فبقى البيع متساويا على ظاهر العموم، والسنة المشهورة جوزت بيع التمر بالتمر
مثلا بمثل من غير تخصيص وتقييد، واسم التمر يقع على الرطب والبسرلغةً، كما مر، فيدخل فيه
الرطب واليابس والمذنب والبسر، وحديث زيد بن عياش لا يصلح معارضا لها، كما مر كل ذلك
مفصلا، فالحق أن قول أبى حنيفة الإمام أقوى حجة وأضبط، وقول أبى يوسف أوفق وأحوط،
والله تعالى أعلم. ١٢ ظ
ثم اعلم أن لابن القيم كلاما فاسدا فى هذه المسألة، فلننقله أولا، ثم لنجب عنه ثانیا، فنقول:
قال ابن القيم فى "أعلام الموقعين" (٢٧٦:١): "المثال الثالث والعشرون رد السنة الثابتة المحكمة فى
النهى عن بيع الرطب بالتمر بالمتشابه من قوله: ﴿وأحل الله البيع﴾، وبالمتشابه من قياس فى غاية
القساد، وهو قولهم: "الرطب والتمر إما أن يكونا جنسين، وإما أن يكونا جنسا واحدا، وعلى
التقديرين فلا يمنع بيع أحدهما بالآخر"، وأنت إذا نظرت إلى هذا القياس رأيته مصادما للسنة أعظم
مصادمة، ومع أنه فاسد فى نفسه بل هما جنس واحد، أحدهما أزيد من الآخر قطعا بلينه، فهو أزيد
أجزاء من الآخر بزيادة لا يمكن فصلها وتميزها، ولا يمكن أن يجعل فى مقابلة تلك الأجزء من
الرطب ما يتساويان به عند الكمال إذ هو ظن وحسبان، فكان المنع من بيع أحدهما بالآخر محض

ج - ١٤
بيع الرطب بالتمر
٣٤٤
القياس لو لم يأت به سنة، وحتى لو لم يكن ربا، ولا القياس يقتضيه لكان أصلا قائما بنفسه يجب
التسليم وإلانقياد له، كما يجب لسائر نصوصه المحمكة، ومن العجب رد هذه النسة بدعوى أنها
مخالفة للقياس والأصول، وتحريم بيع الكست بالسمسم، ودعوى أن ذلك موافق للأصول، فكل
يعلم أن جريان الربا بين الرطب والتمر أقرب إلى الربا نصا وقياسا ومعقولا من جريانه بين الكست
والسمسم اهـ.
والجواب عنه أن هذا كلام فاسد، وهو أشبه بكلام المجانين والمجاذيب منه بكلام العقلاء وأهل
العلم، وفساده من وجوه: أما أولا: فلأنك قد عرفت أن أبا حنيفة لم يرد حديث النهى عن بيع
الرطب بالتمر بالمتشابه من قوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾، بل رده بجهالة أبى عياش (وحمله على
النسيئة، وعلى المزابنة بدلائل قوية، قد مر ذكرها.١٢ظ)، فدعوى رده بالقول المذكور مردود.
وأما ثانياً: فلأنك قد عرفت أن الحديث المذكور غير ثابت، فدعوى ثبوته غير صحيح. وأما
ثالثًا: فلأن قول أبى حنيفة: "الرطب والتمر، إما أن يكون جنسين أو جنسا واحدا، على الثانى
يجوز البيع بأول الحديث، وعلى الأول يجوز بآخره"، استدلال بالنص لا بالقياس، فدعوى كونه
قياسًا، وكونه مصادما للنص دعوى باطلة، وهو مبنى عن جهالة القائل بمعنى القياس.
وأما رابعًا: فلأن الحديث إن كان ثابتا فهو يدل على أن منشأ النهى هو نقصان الرطب فى
المآل لا كونه أزيد من التمر فى الحال، لأن سؤال رسول الله عرّ له: ((أينقص الرطب بعد ما جف؟))
يدل على أنه تسليم المساواة فى الحال، وإنما الكلام فى النقصان بعد الجفاف.
فدعوى زيادة الرطب فى الحال مصادم للنص من وجهين: أما أولا: فلأن رسول الله مَّ اله
يسلم المساواة فى الحال، وابن القيم لا يسلمه. وثانيًا: أن رسول الله عَّ له يجعل الرطب ناقصا
لنقصانه بعد الجفاف، وابن القيم يجعله زائدا بزيادة الرطوبة.
وأما خامسًا: فلأن الأجزاء الرطوبة إن كانت زائدة فى الرطب، ففى مقابلتها أجزاء فى
التمر، فالزيادة ليس بخالية عن العوض فى الحال، بل يكون أجزاء التمر بعد فناء رطوبة الرطب
زيادة خالية عن العوض، فالحكم على الرطب بالزيادة غير صحيح لا فى الحال، ولا فى المآل.
وأما سادسًا: فلأن قوله: "كان المنع من بيع أحدهما بالآخر محض القياس، لو لم يأت به
سنة" باطل، إذ لا وجه له، ولو كان كما قال لم يسأل رسول الله عَّ ◌ُله عما بعد الجفاف، بل قال:
إن فى الرطب زيادة على التمر فى الحال فلا يجوز.

٣٤٥
إعلاء السنن
باب الربا فى دار الحرب بين المسلم والحربی
٤٧٤٤- عن مكحول، أن رسول الله عَ لّه قال: ((لا ربا بين أهل الحرب))، وأظنه
قال ((وبين أهل الإسلام)) أخرجه البيهقى من طريق عن أبى يوسف، عن بعض المشيخة،
عن مكحول (دراية ١٨٧)، هذا حديث مرسل، والمرسل حجة عندنا، وجهالة بعض
المشيخة غير مضر، لأن تلك الجهالة بالنسبة إلينا لا بالنسبة إلى المجتهد.
وأما سابعًا: فلأن قوله: "حتى لو لم يكن ربا، ولا القياس يقتضيه إلخ" فاسد، لأن هذا مبنى
علی ثبوت النص، وعدم کونه مؤولا، و کلاهما ممنوع، وأما ثامنًا: فلأن قوله: إن جریان الربا بین
الرطب والتمر أقرب إلى الربا نصا وقياسًا ومعقولا من جريانه بين الكست والسمسم، دعوى
مجردة لم يقم علیہا دليلا، فكيف ساغ له رد دليل أبى حنيفة بدعوى مجردة؟ فهذه وجوه فساد
هذا الكلام، فالعجب من صاحب "الروضة الندية" أنه يمتنع من تقلید الأئمة المجتهدين، ویابی عنه
أشد الإباء، ومع ذلك هو يقلد ابن القيم فى أمثال هذه المفهومات، وينقلها فى معارضة الإمام من
غیر أن یتدبر فيها.
باب الربا فى دار الحرب بين المسلم والحربی
قوله: "لا ربا بين أهل الحرب"، أقول: قد طال النزاع فى هذه المسألة قديما وحديثا،
فقال إبراهيم النخعى، وأبو حنيفة، والثورى، ومحمد، إنه لا ربا بين أهل الحرب، وأهل الإسلام
فى دار الحرب، وقال أبو يوسف، والشافعى، وأحمد، ومالك، بخلافه.
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: قال فى "المبسوط": ذكر عن مكحول عن رسول الله قال:
((لا ربا بين المسلمين، وبين أهل دار الحرب فى دار الحرب))، وهذا الحديث وإن كان مرسلا
فمكحول فقيه ثقة، والمرسل من مثله مقبول، وهو دليل لأبى حنيفة ومحمد رحمهما الله فى جواز
بیع المسلم الدرهم بالدرهمین من الحربی فی دار الحرب، وعند أبی یوسف والشافعی رح لا يجوز،
وكذلك لو باعهم ميتة، أو قامرهم وأخذ منهم مالا بالقمار، فلذلك المال طيب له عند أبى حنيفة
ومحمد، خلافا لأبى يوسف والشافعى، وحجتهما حديث ابن عباس رضى الله عنهما أنه وقع
للمشركين جيفة فى الخندق، فأعطوا بذلك للمسلمين مالا، فنهى رسول الله عَّ له عن ذلك
(وقد مر الحديث فى باب بيع جثة الكافر، وذكرنا أنه لا حجة لهما فيه، فتذكر).
والمعنى فيه أن المسلم من أهل دار الإسلام فهو ممنوع من الربا بحكم الإسلام حیث کان،
ولا يجوز أن يحمل فعله على أخذ مال الكافر بطيبة نفسه، لأنه قد أخذه بحكم العقد،

٣٤٦
الربا فى دار الحرب بين المسلم والحربى
ج - ١٤
ولأن الكافر غير راضٍ بأخذ هذا المال منه إلا بطريق العقد منه، ولو جاز هذا فى دار الحرب لجاز
مثله فى دار الإسلام بين المسلمين على أن يجعل الدرهم بالدرهم والدرهم الآخر هبة.
و حجتنا فى ذلك ما روینا (من مرسل مکحول)، وما ذکر عن ابن عباس رضى الله عنهما
وغيره أن رسول الله ێ قال فى خطبته: « کل ربا کان فى الجاهلية فهو موضوع، وأول ربا يوضع
ربا العباس بن عبد المطلب)) (رواه مسلم فى "الصحيح" من حديث جابر فى حجة النبى على ليه
بلفظ: ((وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربانا ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله))،
قال الطحاوى: وفيه ما قد دل أن ربا العباس كان قائما حتى وضعه رسول الله عَّه، لأنه لا يضع
إلا ما قد كان قائما لا ما قد سقط قبل وضعه إياه، كذا فى "مشكل الآثار" (٢٤٥:٤).
وهذا لأن العباس رضی الله عنه بعد ما أسلم رجع إلى مكة، و کان یربی، وما كان يخفی
فعله عن رسول الله عَّه، فلما لم ينهه عنه دل أن ذلك جائز، وإنما جعل الموضوع من ذلك ما لم
يقبض، حتى جاء الفتح وبه نقول، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿وذروا ما بقى من الربا﴾ أخرج ابن
جرير، وابن المنذر، وابن أبى حاتم عن السدى فى قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا
ما بقى من الربا﴾ الآية، قال: نزلت فى العباس بن عبد المطلب، ورجل من بنى المغيرة، كانا
شریکین فی الجاهلية يسلفان فى الربا إلى ناس من ثقيف من بنى ضمرة، وهم بنو عمرو بن عمير،
فجاء الإسلام (أى الفتح)، ولهما أموال عظيمة فى الربا، فأنزل الله: وذروا ما بقى من فضل كان
فى الجاهلية من الربا، كذا فى "الدر المنثور" (٣٦٦:١)، وأخرج ابن جرير: حدثنا بشر، ثنا يزيد،
ثنا سعيد، عن قتادة، ذكر لنا أن النبى معَّ لّه قال فى خطبته يوم الفتح: ((ألا إن ربا الجاهلية موضوع
كله، أول ربا أبتدئ به ربا العباس بن عبد المطلب)) اهـ (٧٢:٣)، وهذا مرسل صحيح، ومعناه
وضع ربا العباس عمن كان يرابيه من أهل مكة بعد ما فتحت، لا وضعه عن جميع من كان يرابيه
من المشركين من أهل الطائف وغيرها من البلاد التى تأخر فتحها عن فتح مكة، فقد علمت فى قول
السدى نزول قوله تعالى: ﴿وذروا ما بقى من الربا﴾ فى العباس بن عبد المطلب وشريكه، وكان
نزوله بعد فتح مكة بمدة.
أخرج ابن جرير: ثنا القاسم، ثنا الحسن، ثنى حجاج، عن ابن جريج، قوله تعالى: ﴿يا أيها
الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من الربا إن كنتم مؤمنين﴾، قال: كانت ثقيف قد صالحت
النبى مَِّ على أن مالهم من ربا على الناس، وما كان للناس عليهم من ربا فهو موضوع، فلما كان

٣٤٧
الربا فى دار الحرب بين المسلم والحربی
إعلاء السنن
الفتح استعمل عتاب بن أسيد علی مکة، و کانت بنو عمرو بن عمير بن عوف يأخذون الربا من
بنى المغيرة، وكانت بنو المغيرة يربون لهم فى الجاهلية، فجاء الإسلام، ولهم عليهم مال عظيم،
فأتاهم بنو عمرو يطلبون رباهم، فأبى بنو المغيرة أن يعطوهم فى الإسلام، ورفعوا ذلك إلى عتاب بن
أسيد، فكتب عتاب إلى رسول الله عَّ ◌ُلّه، فنزلت(١): ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من
الربا﴾ إلى ﴿ولا تظلمون﴾، فكتب بها رسول الله عَّه إلى عتاب، وقال: إن رضوا وإلا فآذنهم
بحرب، قال ابن جريج عن عكرمة، قوله: ﴿اتقوا الله وذروا ما بقى من الربا﴾ قال: كانوا يأخذون
الربا على بنى المغيرة، يزعمون أنهم مسعود، وعبدياليل، وجيب، وربيعة بنو عمرو بن عمير، فهم
الذين كان لهم الربا على بنى المغيرة، فأسلم عبدياليل وجيب وربيعة وهلال ومسعود اهـ (٧١:٣).
وقد ذكرنا فى أبواب السير أن صلح ثقيف كان مرجع رسول الله من تبوك، وذلك بعد فتح
مکة بکثیر، فإذا كان نزول قوله: ﴿وذروا ما بقى من الربا﴾ فی ثقيف فیما كان لهم من ربا على
بنى المغيرة من قريش، وفى العباس بن عبد المطلب فيما كان له من ربا على بنى عمرو بن عمير من
ثقيف، ومحال أن يضع رسول الله مَّه شيئا، ولا يضعه العباس، فلا بد من القول بما قلنا: إن
قوله مرّ له يوم الفتح: ((أول ربا أضعه ربا العباس بن عبدالمطلب))، إنما أراد به ما كان له من ربا على
أهل مكة، لكونها قد صارت دار الإسلام بالفتح، ولم يرد به وضع ما كان له على ثقيف من
الطائف، ونحوهم من المشركين من غير أهل مكة، فكان ذلك باقيا إلى أن أسلمت ثقيف، ونزلت
الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من الربا﴾، ولأجل ذلك - والله أعلم- وضع
رسول الله مێ ربا الجاهلية، وربا العباس ثانیًا فى خطبته يوم عرفة فى حجته، وأراد به وضع ما
كان له من ربا على أهل الطائف، وغيرهم الذين تأخر إسلامهم، وفتح بلادهم عن فتح مكة -زادها
الله شرفًا وكرامةً -.
الجواب عن إيراد بعض الأحباب على الطحاوى:
فلا يرد على استدلال الطحاوى به ما أورده بعض الأحباب بقوله: إن وضع النبی عٹ ربا
العباس فى حجته، لو دل على جواز الربا بين المسلم، والحربى فى دار الحرب، لدل على جوازه فى
دار الإسلام أيضًا، لأن حجته مّ كانت بعد فتح مكة بسنتين، ولا يوضع إلا ما كان باقيا، فيدل
(١) صريح فى نزول الآية بعد فتح مكة بمدة، فإن عتابا استعمله النبى من على مكة يوم الفتح. ١٢ظ

٣٤٨
ج - ١٤
الربا فى دار الحرب بين المسلم والحربی
على بقاء ربا العباس بعد فتح مكة سنتين اهـ، وتقرير الجواب ظاهر، فلا نشتغل بإعادته.
واندحض بما ذكرنا من مرسل قتادة قوله: إن الإعلان بوضع الربا، لم يكن فى فتح مكة
أصلا، وإنما كان فى حجة الوداع فقط، فلا يصح الاستدلال به على بقاء الربا إلى وقت الإعلان
بوضعه، بل لا بد من القول: بأن الربا كان قد سقط بآية الربا، وإنما أعلن مرّ له بوضعه تأكيدا لعدم
قدرته على ذلك من قبل اهـ، وهذا كما ترى سخيف جدا، لثبوت قدرته مرّ على ذلك يوم الفتح
بتمام ولايته، فكيف يصح القول: بأن وضع الربا لم يكن فى فتح مكة، وإما كان فى حجة الوداع
فقط؟ وبمثل ذلك يبتلى من لم يراجع الآثار كلها، وفسر ما اطلع عليه منها بمجرد الرأى والظن،
وإن الظن لا يغنى من الحق شيئا.
والعجب ممن يدعى تقليد أبى حنيفة كيف يضعف دليل الطحاوى هذا؟ وقد أذعن لقوته،
وصحته مثل ابن رشد من فقهاء المالكية، حيث قال فى المقدمات له: وقال رسول الله معدّ لّه فى
خطبته: ((ألا إن كل ربا كان فى الجاهلية فهو موضوع وأول ربا يوضع ربا العباس بن عبد المطلب))،
وفى هذا ما يدل على إجازة الربا مع أهل الحرب فى دار الحرب على ما ذهب إليه أبو حنيفة، لأن
مکة کانت دار حرب، وكان بها العباس بن عبد المطلب مسلما، إما من قبل بدر على ما ذكره ابن
إسحاق، أو من قبل فتح خيبر على ما دل عليه حديث الحجاج بن علاط من إقراره للنبى عّ لّ.
بالرسالة وتصديقه ما وعده الله به، وقد كان الربا يوم فتح خيبر محرما، فلما لم يرد رسول الله عَ ليه
ما كان من رباه بعد إسلامه إلى أن ذهبت الجاهلية بفتح مكة، وإنما وضع منه ما كان قائما
لم يقبض، دل ذلك على إجازته اهـ ملخصًا (٢٨:٣-٣٢).
وفى "المعتصر من المختصر" من "مشكل الآثار" له (٢١٦): وهذا استدلال صحيح، لأن العباس
أسلم قبل الفتح بمدة، فلو كان الربا حراما عليه بمكة لأمر بالرد إلى أربابها، قال تعالى: ﴿وإن تبتم
فلكم رؤوس أموالكم﴾ الآية، ويؤيده ما روى عن رسول الله عرّ له: ((كل قسم قسم فى الجاهلية
فهو على قسم الجاهلية وكل قسم أدركه الإسلام فهو على قسم الإسلام))، (رواه الطحاوى فى
"مشکله": حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس، ثنا محمد بن عبد الرحیم صاعقة، ثنا موسی بن
داود، ثنا محمد بن مسلم الطائفى، عن عمرو بن دينار، عن أبى الشعثاء، عن ابن عباس، قال: قال
رسول الله عَّ فذكره (٢٤٧)، وهذا سند صحيح على شرط مسلم)، لأن فيه ما يوجب أن
القسمة بمكة لميراث لو وقعت تمضى على حكم الجاهلية، وإن كانت مخالفة لقسم الإسلام،

٣٤٩
الربا فى دار الحرب بين المسلم والحربى
إعلاء السنن
فكذلك حكم الربا الذى كان بين المشركين والمسلمين جائزا عندهم غير جائز عند المسلمين.
ومما يدل على أن حكم الربا، لم يتعد إلى دار الحرب أنه لو تعدى إليها لوجب أن يكون
موضوعًا على كل حال، كان أصله قبل تحريم الربا أو بعده، كما يكون موضوعاً فى دار الإسلام
كان أصله قبل تحريم الربا أو بعده، لأنه إن كان أصله، قبل تحريم الربا بطل بتحريمه، وإن كان بعده
فهو أبطل، فلما أخبر النبى مِّ أنه وضعه يوم الفتح دل على أنه لم يكن موضوعًا قبل، وأن التحريم
لم يلحقه، ولا تعدى إليه اهـ.
وبهذا كله اندحض ما قاله شارح "المهذب": إن العباس كان له ربا فى الجاهلية من قبل
إسلامه، فیکفی حمل اللفظ علیه، ولیس ثم دليل على أنه بعد إسلامه استمر على الربا، ولو سلم
استمراره عليه، فإنه قد لا يكون عالما بتحريمه، فأراد النبى ◌ّ: إنشاء هذه القاعدة وتقريرها من
يومئذ اهـ (٢٣٠:١١)، فقد ورد فى بعض الآثار، ما يدل على أنه كان يسلف فى الربا إلى أن
ذهبت الجاهلية بالفتح، وكان يسلف فى ثقيف إلى أن نزلت الآية: ﴿وذروا ما بقى من الربا﴾ فى
شأنه، وذلك بعد فتح مكة بمدة، والظاهر منه استمراره على الربا بعد إسلامه، ويبعد كل البعد أن :
يخفى عليه تحريم الربا بخيير، وقد علم بقصة فتحها، وأخبره الحجاج بن علاط بقذها وقذيذها،
فالظاهر ما قلنا، وخلافه احتمال غير ناشئ عن دليل، ومثله لا يضر الاستدلال، وحديث الحجاج
ابن علاط أخرجه الطحاوى بسند حسن، وعبد الرزاق (كما فى "الإصابة" ٣٢٧:١) بسند
صحیح، قال: أخبرنا معمر، عن ثابت، عن أنس بطوله، وفيه قول العباس له: "ویلك ما الذى جئت
به؟ فالذى وعد الله ورسوله خير مما جئت به " اهـ، وفيه تصديقه لرسول الله عّ لّه بالرسالة من الله
وتصديقه ما وعده، فقول بعض الأحباب: إنه لا يدل إلا على كآبته وحزنه من انهزام المسلمين حين
أخبر به الحجاج احتيالا لأخذ ماله، دالا على سروره، وفرحه بغلبة المسلمين، وظفرهم بعدوهم
حين أخبره بذلك مختليا به، ولا دلالة فيه على إسلامه، بل على مجرد حميته لرسول الله عدو الله-
محبته له كمثل أبى طالب اهـ، رد عليه، ولعله لم يطلع على الحديث بطوله، ولم يتأمل سياقه، وإلا
فدلالته على إسلام العباس أظهر من أن يخفى على جاهل فضلا عن عالم عاقل.
وأما ما أبداه سوى ذلك من الاحتمالات فكلها غير ناشئة عن دليل، ومثلها لا تضر
الاستدلال، فإن أمثال هذه الاحتمالات لا ينقطع عرقها فى القطعيات أيضًا، فضلا عن الظنيات.
قال فى "المبسرط": وهذا لأن مال الحربى مباح، ولكن المسلم بالاستئمان ضمن لهم أن

٣٥٠
الربا فى دار الحرب بين المسلم والحربى
ج - ١٤
لا يخونهم، وأن لا يأخذ منهم شيئا إلا بطيبة أنفسهم، فهو يتحرز عن الغدر بهذه الأسباب،
ثم يتملك المال عليهم بالأخذ، لا بهذه الأسباب، وهذا لأن فعل المسلم يجب حمله على أحسن
الوجوه ما أمكن، وأحسن الوجوه ما قلنا، والعراقيون يعبرون عن هذا الكلام ويقولون: حل لنا
دمائهم طلق لنا أموالهم فما عدا عذر الأمان يضرب سبعا فى ثمان (قلت: وهذا كما ترى صريح
فى الإباحة من غير كراهة. ١٢ ظ).
وأما التاجران من المسلمين فى دار الحرب، فلا يجوز بينهما إلا ما يجوز فى دار الإسلام،
لأن مال كل واحد منهما معصوم متقوم، ولا ينعدم ذلك بالاستئمان إليهم، ويتملك كل واحد
منهما على صاحبه بالعقد الذى باشره، ولا يجوز إثبات عقد لم يباشراه بينهما من هبة أو غيرها،
وإن كانا أسلما، ولم يخرجا، حتى تبايعا بالربا كرهته(1) لهما، ولم أرده له، وهو قول أبى حنيفة،
وقالا: يرده والحكم فيها كالحكم فى التاجرين، ولأبى حنيفة أن بالإسلام قبل الإحراز تثبت
العصمة فى حق الآثام جون الأحكام، ألا ترى أن أحدهما لو أتلف مال صاحبه أو نفسه لم يضمن،
وهو آثم فى ذلك، إنما تثبت العصمة فى حق الأحكام بالإحراز، والإحراز بالدار لا بالدين، فلثبوت
العصمة فى حق الإثم، قلنا: يكره لهما هذا الصنيع، ولعدم العصمة فى حق الحكم، قلنا: لا يؤمران
برد ما أخذه، لأن كل واحد منهما، إنما يتملك مال صاحبه بالأخذ.
فإن دخل تجار أهل الحرب دار الإسلام بأمان، فاشترى أحدهم من صاحبه درهما بدرهمين
لم أجز ذلك رلا ما أجيزه بين أهل الإسلام، وكذلك أهل الذمة إذا فعلوا ذلك، لأن مال كل واحد
منهم معصوم متقوم، ولا يتملكه صاحبه إلا بجهة العقد، وإذا تبايع أهل الحرب بالربا فى
دار الحرب، ثم خرجوا فأسلموا، أو صاروا ذمة قبل أن يتقابضوا أو يقبض أحدهما، ثم اختصموا
فى ذلك أبطلته، لأن العصمة الثابتة بالإحراز، كما تمنع ابتداء العقد تمنع القبض بحكم العقد،
وفوات القبض المستحق بالعقد مبطل للعقد، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وذروا ما بقى من الربا﴾،
وسببه مروى عن مكحول قال: أسلم ثقيف بشرط أن لا يدعوا الربا (فذ هره نحو ما ذكرناه من أثر
ابن جريج فيما مضى).
فعرفنا أن الإسلام يمنع القبض كما يمنع ابتداء العقد، وكذلك لو اختصموا بعد التقابض فى
(١) تصريحه بالكراهة فى هذه الصورة، وعدم تصريحه بيها فيما إذ بايع المسلم الحربى الكافر بالربا على إباحته وجوازه، لا سيما
وعلة الكراهة، وهى ثبوت العصمة فى حق الآثام منتفية ههنا، فافهم. ١٢ظ

٣٥١
الربا فى دار الحرب بين المسلم والحربى
إعلاء السنن
دار الإسلام (متعلق بالتقابض)، فإنهم يؤمرون برد ذلك، لأن التقابض بعد العصمة بالإحراز كان
باطلا شرعا، و کذلك المسلم ییایع الحربی بذلك فی دار الحرب، ثم أسلم الحربی، وخرج إلی دارنا
قبل التقابض، فإن خاصمه فى ذلك إلى القاضى أبطله، وإن كانا تقابضا فى دار الحرب، ثم اختصما
لم أنظر فيه، ويستوى إن كان المسلم أخذ الدرهمين بالدرهم أو الدرهم بالدرهمين، لأنه طيب
نفس الكافر بما أعطاه قل ذلك أو كثر، وأخذ ماله بطريق الإباحة، كما قررنا، والله أعلم اهـ،
ملخصًا (٥٩:١٤).
وفى "البدائع": وأما شرائط جريان الربا، فمنها أن يكون البدلان معصومين، فإن كان
أحدهما غير معصوم لا يتحقق الربا عندنا، وعند أبى يوسف هذا، ليس بشرط، ويتحقق الربا،
وعلى هذا الأصل يخرج ما إذا دخل مسلم دار الحرب تاجرا، فباع حربيا درهما بدرهمين، أو غير .
ذلك من سائر البيوع الفاسدة(١) فى حكم الإسلام أنه يجوز عند أبى حنيفة ومحمد، وعند أبی
يوسف لا يجوز، وجه قول أبى يوسف: إن حرمة الربا كما هى ثابتة فى حق المسلمين، فهى ثابتة
فى حق الكفار، لأنهم مخاطبون بالحرمات فى الصحيح من الأقوال، فاشتراطه فى البيع يوجب
فساده، كما إذا بايع المسلم الحربى المستأمن فى دار الإسلام، ولهما أن مال الحربى ليس بمعصوم،
بل هو مباح فى نفسه، إلا أن المسلم المستأمن منع من تملكه من غير رضاه، لما فيه من الغدر والخيانة،
فإذا بذله باختياره ورضاه، فقد زال هذا المعنى، فكان الأخذ استيلاء على مال مباح(٢) غير
مملوك، وأنه مشروع مفيد للملك كالاستيلاء على الحطب والحشيش، وبه تبين أن العقد ههنا
ليس بتملك، بل هو تحصيل شرط التملك(٣)، وهو الرضا، لأن ملك الحربى لا يزول بدونه، وما لم
يزل ملكه لا يقع الأخذ تملكا، لكنه إذا زال فالملك للمسلم يثبت بالأخذ والاستيلاء لا بالعقد،
(١) هذا صریح فى إطلاق الفساد علیه نظرا إلى ما هو الأصل فى حكم الإسلام، فلا دلالة فيه على فساد العقد من حیث جریانه بین
المسلم والحربى، وقد خفى ذلك على بعض الأحباب، فوقع فيما وقع، ولم يتنبه لما بينهما من الفرق، وقوله: "إنه يجوز عند
أبى حنيفة ومحمد"، صريح فى الجواز، ونفى الكراهة، وهذا مما قد اتفقت عليه كلمات فقهائنا، وعبارات العلماء ممن صنف
فى الخلافيات أن عقد الربا بين المسلم والحربى جائز عند أبى حنيفة فى دار الحرب، وتخبط بعض الأحباب فى تحرير محل
النزاع فى المسألة، فنسب إلى أبى حنيفة الجواز مرة، والكراهة أخرى. ١٢ ظ
. (٢) فيه تصريح يكون مال الحربى مباحا فى حق المسلم غير مملوك للحربى فى حقه كالحطب والحشيش، فبطل قول بعض الأحباب:
إن الاستيلاء على الحطب والحشيش استيلاء على غير مملوك، والاستيلاء على مال الحربى بالعقد استيلاء على مملوك.١٢ ظ
(٣) أى فالعقد صادر منه خدعة، ويجوز خداع أهل الحرب ما لم يكن غدرا أو نقض أمان.١٢ ظ

٣٥٢
ج - ١٤
الربا فى دار الحرب بين المسلم والحربی
فلا يتحقق الربا(١)، لأنه اسم لفضل يستفاد بالعقد، بخلاف المسلم إذا باع حربيًا دخل دار الإسلام
بأمان، لأنه استفاد العصمة بدخوله دار الإسلام بأمان، والمال المعصوم لا يكون محلا للاستيلاء،
فتعين التملك فيه بالعقد، وشرط الربا فى العقد مفسد اهـ (١٩٢:٥)، وبعد ذلك فتحرير محل
النزاع بين أبي حنيفة ومحمد، وبين غيرهما من العلماء أن الاعتبار فى وجود الربا، وتحققه عندهما
بالدار وعندهم بالعاقد (شرح المهذب ٢٢٨:١١).
قال شارح "المهذب": فإذا أربى الذمى فى بلاد الإسلام مع الذمى لم يفسخ، كذا قال
القفال فى "شرح التلخيص"، قال: وهكذا سائر البياعات الفاسدة، والله أعلم (٢٢٨:١١).
ولنا أن حرمة الربا ثابتة فى حقهم، وهو مستثنى من العهد، فإن النبی عێے کتب إلى
نصارى نجران: ((من أربى فليس بيننا وبينه عهد))، وكتب إلى مجوس هجر: ((إما أن تدعوا الربا أو
تأذنوا بحرب من الله ورسوله))، فالتعرض لهم فى ذلك بالمنع لا يكون غدرا بالأمان كذا فى
"المبسوط" (٥٨:١٤). وقد تقدم فى شروط أهل الذمة من كتاب الجهاد ما يدل على نهيه مرّ له
والخلفاء الراشدين أهل الذمة عن الإرباء فى دار الإسلام، وأيضًا: فإنما تثبت العصمة فى حق
الأحكام بالإحراز، والإحراز بالدار لا بالدين، لأن الدين مانع لمن لا يعتقد لا دون من يعتقده،
ولقوة الدار يمنع عن ماله من يعتقد حرمته، ومن لم يعتقده، كما فى "المبسوط" (٥٨:١٤) أيضًا،
فالاعتبار بالدار، هو الصحيح، والله تعالى أعلم.
ويؤيد ما قلنا ما فى مرسل مكحول من تقييده عدّ له انتقاء الربا بين المسلم والحربى بدار
الحرب، فلو كان الاعتبار بالعاقد لم يكن لتقييده الحكم بدار الحرب معنًى، وبهذا اندحض قول من
قال من الشافعية كشارح "المهذب": إن مرسل مكحول محتمل، لأن يكون نهيا، فيكون المقصود
به تحريم الربا بين المسلم والحربى، كما بين المسلمين، مثل قوله تعالى: ﴿فلا رفث ولا فسوق
ولا جدال فى الحج﴾ اهـ، فإن النهى عنه ليس بمقيد بدار الحرب عندهم، فلا يصح حمله على
النهى، وإلا لزم جواز الربا بين المسلم والحربى فى دار الإسلام بطريق المفهوم، وهو حجة عندهم،
ويرده أيضًا: ما رواه الطحاوى عن إبراهيم النخعى، قال: "لا بأس بالدينار وبالدينارين فى
دار الحرب بين المسلمين، وبين أهل الحرب"، وهو مفسر جيد لمرسل مكحول، ولم نقف على قول
للمتقدمین یؤید حمله على معنی النهى، ومن ادعی فعلیه البيان.
(١) فلا يرد على أبى حنيفة تخصيص عمومات الربا، وهى متواترة بمرسل مكحول، وهو من الآحاد، لأن العمومات لم تتناول ما
أخذ بالاستيلاء، وإنما تعم ما أخذ بالعقد، فافهم، وأيضًا: فإنها إنما تتناول الربا، وهذا ليس بربا.١٢ ظ

٣٥٣
الربا فى دار الحرب بين المسلم والحربى
إعلاء السنن
وأيضًا: فإن الأصل فى مثل هذا الكلام هو الإخبار عن الانتفاء، فلا يحمل على النهى إلا
بدلیل ناهض، ومجرد الاحتمال الناشئ عن غیر دلیل لا يضر الاستدلال، وقد قام الدليل على
حرمة الرفث والفسوق والجدال فى الحج وفى غيره، فصح حمله على النهى فى الآية، ولم يقل مثله
على حرمة الربا فى دار الحرب، والعمومات لم تتعرض للمكان أصلا، ولو سلم، فمعناها: أن الربا
إذا تحقق فهو حرام فى كل مكان، وأما إنه يتحقق فى كل مكان فلا دلالة للعمومات على ذلك
أصلا، کما لا یخفی من له مسكة، وليس معنى مرسل مكحول أن الربا يجوز فى دار الحرب بعد
تحققه، وإنما معناه: أنه لا يتحقق بين المسلم والحربى هناك، فلا منافاة بينه وبين العمومات المتواترة
الواردة فى الربا، فلا يرد على أبى حنيفة تخصيص المتواتر العام بمرسل من الآحاد.
وإذا تحرر محل النزاع أن الاعتبار فى تحقق الربا عندهما بالدار، وعند الجمهور بالعاقد،
تفرع عليه كون العقود الفاسدة بين المسلم والحربى فى دار الحرب مباحةً عندهما، لكون الفساد
معللا بكونه تصرفا فى المال المعصوم بما ينافى العصمة، ولم توجد علة الفساد ههنا لانعدام
العصمة، فانعدام الفساد، وغير مباحةٍ عندهم لكونه معللا بكون المسلم منهيا عنه، فكل ما كان
حراما على مسلم فى دار الإسلام كان حراما عليه بكل مكان، ولنا أن أموال لحربى مباحة للمسلم
بغير عقد، فبالعقد أولى.
فإن قيل: استباحة أموالهم إذا دخل إليهم بأمان منوعة، فكذا العقد فاسد، ولو فرض ارتفاع
الأمان لم يصح الاستدلال، لأن الحربى إذا دخل دار الإسلام يستباح ماله بغير عقد، ولا يستباح
بعقد فاسد. ثم ليس كل ما استبيح بغير عقد استبيح لعقد فاسد، كالفروج تستباح بالسبى،
ولا تستباح بالعقد الفاسد (شرح المهذب ٢٢٩:١١).
قلنا: إن الاستئمان لم يزد شيئا سوى تحريم الغدر بهم، فإباحة أموالهم له على حالها، كما
كانت قبل الاستئمان، غير أنه ممنوع عن الغدر والخيانة، فمتى استولى عليها من غير غدر جاز له
أخذها، ومن ادعى غير ذلك، فعليه البيان، والحربى إذا دخل دار الإسلام بغير أمان، لا يكون ماله
مباحا لكل من أخذه، بل هو فىء للمسلمين لا يجوز لأحد أن يستبد به دون الإمام، قال فى "شرح
السير": ومن أصل أبى حنيفة رحمه الله أن الحربى إذا دخل دارنا بغير أمان، فأخذه مسلم يكون
فيئا لجماعة المسلمين، وعندهما يكون فيئا للآخذ، وفى إيجاب الخمس فيه روايتان (٣٣٩:١)،
سلمنا، ولكن مراعاة جانب الدار أى دار الإسلام مفسد لهذا العقد، والعقد إذا فسد من وجه

ج - ١٤
الربا فى دار الحرب بين المسلم والحربى
٣٥٤
لأحد، لذلك يكفى فإفساده، وقد تقدم أن المعتبر عندنا فى تحقق الربا بالدار لا بالعاقد.
وقوله: "إن الفروج تستباح بالسبى، ولا تستباح بالعقد الفاسد" ممنوع، قال فى " شرح
السير": ولو أن المشركين أسروا أمة مسلمة فأحرزوها، ثم قدر المستأمن منهم على أن يسرقها
فيخرجها إلى دار الإسلام، لا ينبغى له أن يفعل ذلك، لأنهم ملكوها بالإحراز، فهو فى هذه السرقة
يغدر بهم، والغدر حرام، ولو رغبوا فى بيعها منه بخمر أو خنزير أو ميتة جاز له أن يفعل ذلك، لأنه
يأخذها منهم بطيب أنفسهم، فلا يتمكن فيه معنى الغدر، وبعد ما يشتريها بخمر، إذا أخرجها
كانت مملوكة له حتى ينفذ عتقه فيها، وإن جاء صاحبها أخذ منه بقيمتها إن شاء، لأنه تملكها
بطيب أنفسهم لا بجهة البيع، فيكون بمنزلة ما لو وهبوها له فأخرجها اهـ (٢٢٧:٣).
لا يقال كما قال بعض الأحباب: ليس هناك استيلاء فقط، بل هو استيلاء من جهة العقد،
لأن الحربى لم يسلطه على ماله إلا لأنه اشتراه منه، فيكون استيلاءً فاسدا، وقبضا بالشراء الفاسد،
لا استيلاء كالاستيلاء على الحطب والحشيش» لأنه استيلاء على غير مملوك، والاستيلاء على مال
الحربى استيلاء على مملوك، فلا يكون مثله اهـ، لأنا نقول: هذا كلام من لم يمارس الفقه، شبيه
بهذر الفلاسفة، فإن الاستيلاء لا يكون فاسدا إلا إذا كان على طريق الغدر، وإذا سلم منه، فهو
استيلاء صحيح، ومن ادعى غير ذلك فعليه البيان بالبرهان، والمستأمن إنما هو مأمور بإرضاء أهل
الحرب فیما یأخذه من أموالهم بأی وجه کان، ومن ادعی تقییده بوجه دون وجه فعليه البيان،
ومال الحربى مباح فى حق المسلم (شرح السير ٢٢٧:٣)، فمن فرق بينه وبين الحطب والحشيش
فعليه البيان، وإنما يفترق المسلم المستأمن من غير المستأمن في حرمة الغدر بالأمان، وأما فيما سوى
ذلك فمال الحربى مباح لهما على السواء، وأيضًا: فحقيقة العقد غير معتبرة ههنا، ألا ترى إلى
قوله: لأنه تملكها بطيب أنفسهم لا بجهة البيع، فإذا انعدم البيع انعدم الفساد، فلا يصح القول
بكونه استيلاء بالشراء الفاسد.
وأما قوله: إن كون مال الحربى مباحًا لمعنى أن لنا أن نتملكه، أو نستهلكه قهرا من غير تبعة،
أو ضمان لا ینافى التملك بالعقد، فدعوی التملك بالاستيلاء دون العقد بلا دليل، بل هو خلاف
دليل. ففيه أن ما كان مباحًاً بالاستيلاء بغير العقد، يكون مباحا به بالعقد بالأولى لتمام الولاية،
والقهر فى الثانى دون الأول، وليس العقد من المسلم إلا خدعةً لتحصيل رضا الحربى به،
واتفقوا على جواز خداع الكفار من أهل الحرب كيفما أمكن إلا أن يكون فيه نقض عهد، أو أمان،

٣٥٥
الربا فى دار الحرب بين المسلم والحربى
إعلاء السنن
كما مر فى أبواب الجهاد من هذا الكتاب، ولما كان العقد خدعةً خرج من البين، ويكون الحكم
مبنيا على الأخذ والاستيلاء من غير غدر ولا خيانة.
وأما إذا لم يتحقق الاستيلاء، بأن لم يتقابضا الثمن، أو المثمن، حتى أسلم أهل الدار، لم يجز
للمسلم أن يطلبه بشىء بحكم هذا العقد، لكونه من المعاملات الفاسدة فيما بين المسلمين من حيث
الأصل، فلا يثبت به شىء، وهذا هو معنى قول السرخسى فى "شرح السير": لو كان المسلم باع
الحربى خمرا، وسلمها إليه، ولم يقبض الثمن حتى أسلم أهل الدار، فليس للمسلم أن يطالبه
بالثمن، بخلاف ما إذا باع الذمى من ذمى خمرا، وسملها إليه، ولم يقبض الثمن حتى أسلم، لأن
العقد هناك كان صحيحا بينهما، فكان الثمن دينا مستحقا للمسلم بحكم العقد، والإسلام لا يمنع
من قبضه، وههنا أصل العقد لم يكن صحيحا، فإنما كان هذا المسلم أخذ المباح من مالهم بطيب
أنفسهم، وقد انعدم ذلك حين أسلم أهل الدار، فلا يكون له أن يطالب بشىء اهـ (٢٢٥:٣).
واغتر به بعض الأحباب فقال: فيه تصريح بفساد العقد، فيكون نسبة إباحة العقد إليهما
ناشئا من قلة التدبر، أو مبنيا على المسامحة فى التعبير، قلت: ليس فساد العقد من حيث الأصل فيما
بين المسلمين مستلزما لعدم إباحته بين المسلم والحربى فى دار الحرب، لما بينا أن علة الفساد عندهما،
هو التصرف فى المال المعصوم بما ينافى العصمة، وهى منتفية ههنا، وليس العقد من المسلم إلا
خدعة لتحصیل رضا الحربی به حذرا عن الغدر، فکیف یحکم بعدم جوازه أو كراهته؟ كلماتهم
متفقة على الجواز كما لا يخفى، وأما إذا تفرقا من غير تقابض، ثم أسلم أهل الدار، فإن البقعة إذا
صارت دار الإسلام، قبل القبض يمتنع بحكم ذلك العقد الذى كان خدعة للاستيلاء على ماله
بالرضا، وانعدم محل الاستيلاء بالإسلام، فافهم.
ويؤيد ما قلنا قول السرخسى فى "شرح السير" أيضًا: ولو كان المسلم فى منعة المسلمين،
فكلمه الحربى من حصنه وعامله بهذه المعاملات الفاسدة فيما بين المسلمين، فإن ذلك لا يجوز،
لأن مراعاة جانب هو فى منعة المسلمین مفسد لهذا العقد (لکونه فى دار الإسلام، وفيه دلیل علی
عدم فساده إذا لم يكن فى منعة المسلمين لانتفاء الحكم انتفاء العلة)، والعقد إذا فسد من وجه
واحد فذلك يكفى لإفساده، قال: وقد بينا أن كثيرا من مسايخنا يقولون بالجواز ههنا، لأن مال
الحربى مباح فى حق المسلمين، فهذا بمنزلة ما لو كان دخل إليهم بأمان اهـ (٢٢٩:٣)، فتراه
قد حکم بكونه من المعاملات الفاسدة فیما بین المسلمین، ولم يقل بفساده من حیث کونه بین

ج - ١٤
الربا فى دار الحرب بين المسلم والحربى
٣٥٦
المسلم والحربی، و کیف له أن يقول بفساده، أو عدم إباحته نظرًا إلى ذلك، وقد صرح فی غیر
ما موضع من كتابه أن للمستأمن فی دار الحرب أن يأخذ مالهم بأی وجه يقدر عليه بعد أن يتحرز
عن الغدر (٢٢٣:٣).
١
والحاصل: أن المشهور من مذهب أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله جواز المعاملات الفاسدة
فى الأصل، وجواز الربا كذلك فى دار الحرب بين المسلم والحربى من غير كراهة حملا لها على
التسبب إلى تحصيل الرضا، والتملك بالأخذ والاستيلاء، كما صرح به فى "المبسوط" و"البدائع"،
نعم قول السرخسى فى "شرح السير": ولو أن مسلما مستأمنا فيهم اشترى مملوكا منهم بقيمته،
فالبيع فاسد بجهالة الثمن، كما لو كانت هذه المبايعة فى دار الإسلام، وهذا لأن المستأمن فيهم، إنما
يتمكن من أخذ مالهم بطيب أنفسهم، وعليه يبنى أبو حنيفة رضى الله عنه حكم عقد الربا، فيما
بينه وبين الحربى، وأما فيما سوى ذلك فالمعاملة فى دار الحرب ودار الإسلام سواء فى حق المسلم،
لأنه ملتزم حكم الإسلام حيث ما يكون، فإن قبض المشترى العبد، وأعطى القيمة ثم خرج الحربى
مسلما، فأراد أحدهما نقض البيع، فإن القاضى لا يسمع الخصومة فى ذلك، لأنهما تقابضا
بالتراضى على وجه التمليك والتملك، فتم الملك فى البيع لكل واحد منهما بطريق التعاطى،
وإن كان أصل البيع فاسدا، ولو كان المشترى منهما قبض المملوك، ولم يدافع القيمة حتى أسلم
الحربى، فإن القاضى يقضى برد المملوك على البائع، لأن المعاملة ما انتهت ههنا بالتقابض، والمشترى
إنما أخذ العبد على أن يعطى صاحبه ثمنه، وهو لا يتمكن من ذلك للجهالة المتفاحشة فى القيمة،
فکان علیه رد ما أخذ منه اهـ (٤: ١٣٠).
يؤيد بظاهره ما ذكره شيخنا فى رسالته "تحذير الإخوان" عن شيخه مولانا محمد
يعقوب -قدس سره- فى تأويل قول الإمام بجواز الربا فى دار الحرب أن معناه: أنه لو أخذ مسلم
درهمین بدرهم من الحربی فی دار الحرب، لم يتعرض له الإمام، کما لا يحده إذا زنی فی دار
الحرب، هذا هو معنى جواز هذه المعاملة عنده اهـ، وحاصله: الجواز قضاء لا ديانةً، ويعكر عليه أن
ما لا يجوز ديانةً، لا يفيد الملك ولا الحل، وقد صرح محمد فى "السير الكبير" و"المبسوط" بحل
المال، وحصول الملك له.
لا يقال كما قال بعض الأحباب: إن حل المال لا يقتضى حل العقد، لأن حله ليس مستفاداً
من العقد، بل من جهة أخرى، لأنا نقول: قد صرح محمد بجواز العقد فى غير ما موضع أيضًا،
من "السير الكبير"؛ حيث قال: ولو أن أهل دار من دار الحرب وادعوا أهل الإسلام، فدخل إليهم

٣٥٧
الربا فى دار الحرب بين المسلم والحربى
إعلاء السنن
٤٧٤٥- قال ابن حزم: روينا من طريق قاسم بن إصبع: نا بكر بن حماد،
نا مسدد، نا حفص بن غياث، عن أبى العوام البصرى، عن عطاء: " كان ابن عباس یبیع
من غلمانه النخل السنتين والثلاث، فبعث إليه جابر بن عبد الله: أما علمت نهى رسول
الله ◌َِّّ عن هذا؟ فقال ابن عباس: يلى! ولكن ليس بين العبد وبين سيده ربا" (المحلى
٥١٤:٨)، ولم يعله بشىء.
٤٧٤٦- أخبرنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن أبى سعيد، أظنه عن ابن عباس،
مسلم، وبايعهم الدرهم بدرهمين لم يكن بذلك بأس، لأن بالموادعة لم يصر دارهم دار الإسلام،
وإنما يحرم على المسلمين أخذ مالهم بغير طيب أنفسهم لما فيه من غدر الموادعة، فإذا استرضاهم
بهذه المعاملة، فقد انعدم معنى الغدر، ولهذا طاب له ما أخذ، قال: ولو أن مسلما دخل إلى هؤلاء
الموادعين، أو دخل دار الحرب بأمان، وبايعهم متاعا إلى أجل معلوم، ثم صالحهم على أن يعجلوا له،
ويضع عنهم البعض فذلك جائز، لأن حرمة هذا التصرف فى دار الإسلام لمعنى الربا من حيث إن
فيه مبادلة الأجل بالدراهم، وقد بينا أن الربا يجوز بين المسلم والحربى فى دار الحرب، فيجوز هذه
المعاملة، واستدل عليه بحديث بنى النضير حين أجلاهم رسول الله عَّه وقالوا: إن لنا ديونا على
الناس لم تحل بعد فقال: ضعوا وتعجلوا، وإنما جوز ذلك لأنهم كانوا أهل حرب فعرفنا أن مثل هذه
المعاملة تجوز بين المسلم والحربى، وإن كان لا يجوز بين المسلمين فى دارنا اهـ (٢٢٨:٣-٢٢٩).
وهذا صريح فى جواز عقد الربا، وسائر المعاملات الفاسدة فى دار الحرب بين المسلم
والحربى كما لا يخفى، فلا بد من حمل قوله فى مسلم مستأمن فيهم اشترى مملوكا منهم بقيمته:
أن البيع فاسد إلخ على أنه إنما حكم بفساده نظرا إلى الأصل، لكونه من المعاملات الفاسدة فيما بين
المسلمين، ولم يرد فساده من حيث كونه بين المسلم والحربى، ومعنى قوله: وأما فيما سوى ذلك
فالمعاملة فى دار الحرب، ودار الإسلام سواء فى حق المسلم إلخ، أن المعاملة إذا خلت عن معنى
الاستيلاء، فهى من حيث المعاملة سواء فى حق المسلم فى دار الحرب، ودار الإسلام، وأما من
حيث كونها تسببا لحصول الاستيلاء على مال الحربى برضاه، فجائز فى دار الحرب، وغير جائز
فى دار الإسلام، لكون الأولى محلا للاستيلاء دون الأخرى، وإنما نبه محمد على ذلك ليتفرع
عليه حكم ما إذا لم يقبض المشترى المملوك، أو قبضه ، ولم يدفع القيمة حتى أسلم الحربى،
فإن القاضى يقضى برد المملوك على البائع، لخلو العقد عن معنى الاستيلاء إذن، وإذا خلا عن ذلك،
فقد مر أن هذه المعاملة من حيث المعاملة لا يثبت بها شىء، والله تعالى أعلم، وعمله أحكم.
قوله: "قال ابن حزم إلى قوله: أخبرنا سفيان إلخ": دلالته على الجزء الثانى من الباب ظاهرة،

٣٥٨
ج - ١٤
الربا فى دار الحرب بين المسلم والحربى
"أنه كان يبيع الثمر من غلامه قبل أن يطعم، وكان لا يرى بينه وبين غلامه ربا" أخرجه
الإمام الشافعى فى "مسنده" (٨٤)، وسنده صحيح، وأبو سعيد هو مولی ابن عباس
اسمه نافذ من رجال الجماعة ثقة. "تقريب"، والباقون لا يسأل عنهم.
وفيه دلالة أيضًا على أن عقد الربا إذا خلا عن حقيقته، فلا كراهة فى صورته ولا إثم، ألا ترى
جابرا، قد أنكر ذلك على ابن عباس لكونه ربا صورة، فقال ابن عباس: "بلى! ولكن ليس بين العبد
وسيده ربا" أى فلا بأس بالصورة إذ خلت عن الحقيقة، وفيه دليل على جواز صورة الربا بين
المسلم، والحربى فى دار الحرب لخلوها عن الحقيقة، كما مر ذكره مستوفى، لأن أهل الحرب كلهم
عبيد، وأرقاء فى حق المسلم، فقول ابن عباس هذا شاهد جيد لمرسل مكحول، كما لا يخفى،
لا يقال: إن مال العبد ملك لسيده بخلاف مال الحربى، فإنه ليس بملك للمسلم، لأنا نقول: مال
الحربى مباح فى حق المسلم كالحطب والحشيش، فلم يكن ملكا للحربى حقيقةً، فأشبه مال العبد،
وقد وافقنا على ذلك أی علی أن ليس بین العبد، وبین سیده ربا الحسن (البصرى)، وجابر بن زيد
(أبو الشعثاء)، والنخعى، والشعبى، وسفيان الثورى، وعثمان النتى، والحسن بن حبى، والليث،
والشافعى، قاله ابن حزم فى "المحلى".
الرد على ابن حزم فى قوله: إن العبد يملك:
قال: وإنما جرى هؤلاء على أصلهم الذى تقدم إفساده، مآله من أن العبد لا يملك، وذكرنا
أن ابن عمر يرى العبد يملك (قلت: إنما سئل ابن عمر عن المملوك، هل عليه زكاة؟ قال: أليس
سلما؟ قيل: بلى! قال: فإن عليه فى كل مائتين خمسة، فما زاد فبحساب ذلك، كما فى "المحلى"
(٢٠٤:٥)، ولا دلالة فيه على كونه مالكا لاختلاف العلماء فى أن الزكاة واجبة فى ذمة المالك،
أو هى حق الملك واجبة فى رقبة المال، فافهم. ولنا ما رواه الشيخان عن ابن عمر: ((من باع عبدا،
وله مال، فماله للبائع إلا أن يشترط المبتاع))، وهو نص فى أن مال العبد لسيده، ولو كان كما قال
ابن حزم لقال فماله له إلا أن ينتزعه منه المولى فللمولى) قال: وهذا جابر قد أنكر ذلك على ابن عباس،
(قلت: ورده عليه ابن عباس بأن لا بأس بصورة الربا، إذا خلت عن حقيقته، فلم ينكر ذلك عليه).
قال: وروينا من طريق ابن أبى شيبة: نا إسحاق بن منصور، نا هريم، عن أبى إسحاق، عن
عبد الله بن شداد، قال: "مر الحسين بن على رضى الله عنهما براعٍ، فأهدى الراعى إليه شاة، فقال
له الحسين: حر أنت أم مملوك؟ فقال: مملوك؟ فردها الحسين عليه، فقال له المملوك: إنها لى، فقبلها

٣٥٩
الربا فى دار الحرب بين المسلم والحربی
إعلاء السنن
منه، ثم اشتراه واشترى الغنم فأعتقه، وجعل الغنم له"، فهذا الحسين تقبل(١) هدية المملوك إذ أخبره
أنها له، وقد ذكرنا مثل ذلك عن رسول الله عّ لّه فيما سلف (إشارة إلى قوله معرّ له هدية سلمان
وهو عبد، وكان يجيب دعوة المملوك، ولا حجة له فيه، فإن للعبد أن يأكل يؤكل من طعام سيده
بالمعروف إذا كان مأذونا فيه، كالمرأة يجوز لها التصدق والإهداء من مال زوجها بالمعروف بإذنه
من غير أن تكون مالكة له، فافهم).
قال: والعجب أن الشافعى وأبا حنيفة لا يجيزان أن يبيع المرء مال نفسه من نفسه، فإن كان
مال العبد لسیده، فقد نقضوا أصلهم، وأجازوا له بيع مال نفسه من نفسه، وإن کان مال العبد لیس
للسيد أن يبيعه، أو ينتزعه، فقد أجازوا الربا صراحا (قلنا: مال العبد المأذون فى التجارة للعبد
صورة، وللسيد حقيقة، فلم يجيزوا الربا إلا صورة لا حقيقة، ومعنى قولهم: لا يجوز بيع المرء مال
نفسه من نفسه أنه لا يتعلق به أحكام البيع، لا أنه يتعلق به أحكام البيع، لا أن التكلم ببيع مال نفسه
حرام، فافهم).
الجواب عن إيراد ابن حزم على أبى حنيفة فى
قوله بجواز الربا فى دار الحرب بين المسلم والحربى:
قال: وأما الكفار، فإن الله تعالى يقول: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه﴾، وقال:
﴿أن احكم بينهم بما أنزل الله﴾، فصح أن كل ما حرم علينا، فهو حرام عليهم (قلت: وحرام علينا
الكفر والشرك وترك الصلاة والزكاة والصوم والحج، فهل تجيزهم على الإيمان، وعلى سائر
العبادات وأمثالها، فإن قال: قد جاء النص بأن لا تجبرهم على ذلك، و کذلك جاء بأن نحكم بينهم
بما أنزل الله، فلا يحل ترك أحد النصين بالآخر، قلنا: قد جاء النص بالتخيير: ﴿فإن جاءوك فاحكم
بينهم أو أعرض عنهم﴾، وبه نقول: إذا جاءونا فى أمر قد وقع فى دار الإسلام نحكم بينهم بما
أنزل الله، ونرد ما عقدوه بالربا ونحوه، وإن جاءونا فی أمر، قد وقع فى دار الحرب نعرض عنهم،
ولم ننظر فيه، وأيضًا: فإن النص إنما حرم الربا، وهو اسم لفضل مستحق بالعقد، والذى يأخذه
المسلم من الحربى فى دار الحرب من درهمين بدرهم لا يأخذه بجهة البيع، بل إنما يتملكه بطيب
أنفسهم، والعقد ليس إلا تسببا إلى حصول الرضا خدعة محضا، وهذا مما لم يتعرض له نص الربا
أصلا، کما مر ذکره بما لا مزید علیه).
(١) قلنا: يحتمل أن يكون مكاتبا أو عبدا مأذونا له فى التجارة، ويجوز لهما الإهداء والإطعام بالمعروف. ١٢ ظ

ج - ١٤
الربا فى دار الحرب بين المسلم والحربى
٣٦٠
٤٧٤٧- حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد، عن سهيل بن عقيل، عن
عبد الله بن هبيرة السبائی، قال: "صالح عمرو بن العاص أهل إنطابلس -وهی من بلاد
برقة بين أفريقية ومصر- على الجزية على أن يبيعوا من أبناءهم ما أحبوا فى جزيتهم".
رواه أبو عبيد فى "الأموال" (١٤٦)، ورجاله ثقات، ولم أعرف سهيل بن عقيل هذا،
ولكن اللیث أجل من أن یروی عمن لا يحتج به، وهو إمام مجتهد.
قال: وقال أبو حنيفة: لا بأس بالربا بين المسلم والحربى، وهذا عظيم جداً اهـ (٥١٥:٨)،
قلت: ليس ذلك بأعظم من قول ابن عباس: "ليس بين العبد، وبين سيده ربا"، وأهل الحرب كلهم
أرقاء فى حق المسلم، وأموالهم مباحة له، کما تقدم، فأبو حنيفة لم ينفرد بما قال، بل له سلف فى
ذلك من الصحابة، من التابعين أيضًا، كما سيأتى.
قوله: "حدثنا عبد الله بن صالح إلى قوله: حدثنى محمد بن سعد إلخ" فى الآثار دلالة على
جواز بيع أهل الحرب أبناءهم، واشتراء المسلمين منهم، والولد لا يكون عبدا لأبيه، فكان هذا من
بیع الحر وشراءه، ومثله لا يجوز فى دار الإسلام أصلا، حتى لو باع حربى مستأمن ولده لم يصح
عند أحد من العلماء لا نعلم فيه خلافا، وقد أجاز عمرو بن العاص ذلك فى دار الموادعة، فدل على
أن المعاملات الفاسدة فيما بين المسلمين تجوز فى دار الحرب بين المسلم والحربى، وقد تقدم فى
كلام السرخسى أن بالموادعة لا تصير الدار دار الإسلام، بل هى دار الحرب، كما كانت قبل
الموادعة، حتى جاز للمسلم أن يبايع أهلها درهما بدرهمين، فكذا شراء أبناءهم منهم، وقد اختلفت
كلمة أصحابنا الحنفية فيما إذا باع الحربى ابنه، أو ابنته من مسلم مستأمن فيهم، فقال الأكثرون:
بأن البيع باطل، وذكر الكرخى أنهم إن كانوا لا يرون جواز البيع بطل، وإن كانوا يرون جوازه
جاز، وصححه فى "الغيائية"، قيل: وهو المختار (١٠٢)، وهو الراجح عندنا لتأيده بالآثار.
قال أبو عبيد فى "الأموال": وكذلك كان رأى الأوزاعى (فى دار الموادعة)، قال: لا بأس
به، لأن أحكامنا لا تجرى عليهم، وأما سفيان وأهل العراق فيكرهون ذلك، قال أبو عبيد: وهو
أحب القولين إلى، لأن الموادعة أمان، فكيف يسترقون؟ (١٤٧)، قلت: هذا إذا كانوا لا يرون جواز
هذا البيع مسلم، وأما إذا كانوا يرون جوازه فلا يفضى إلى غدر الموادعة ولا نقض الأمان، لا سيما
إذا شرطنا عليهم عند الموادعة أن يبيعوا فى جزيتهم من أبنائهم ونسائهم من أحبوا بيعه، كما فعل
عمرو بن العاص لكونه مستثنى من العهد.
قال فى "المبسوط": وإن أراد قوم من أهل الحرب من المسلمين الموادعة على أن لا تجرى