النص المفهرس
صفحات 301-320
ج - ١٤ الربا فی کل ما یکال ویوزن، وأن الجيد والردىء فى الربويات سواء ٣٠١ وطلحة، والزبير، كذا فى "كنز العمال" (٢٣١:٢). ولا يخفى أن الذهب والفضة يعم العين والتبر، والمصوغ وغير المصوغ، فلو لم يرد تصريح يكون تبرها وعينها ومصوغها وغير مصوغها سواء لكان مقتضى قوله معَّ له: ((الذهب بالذهب والفضة بالفضة مثلا بمثل وزنا بوزن)) قاضيا على بطلان قول ابن تيمية كافيا لرده عليه كيف؟ وقد ورد التصريح بذلك عن النبى معَ ◌ّه فى غير ما حديث. منها: حديث القلادة، وحديث بيع السعدين آنيةً من فضة أو ذهب بجنسها متفاضلا، وقوله عّه لهما: ((قد أربيتما فردا))، رواه مالك فى "الموطأ"، وسيأتى فى المتن، ثم جاء عن أصحابه بيان واضح فى إهدار الصنعة والجودة، وإيجاب التماثل فى بيع الذهب بالذهب والورق بالورق مطلقًا، كما ذكرناه آنفا. وفى "شرح المهذب": قال أصحابنا: لا يجوز بيع الذهب بالذهب متفاضلا، ولا الفضة بالفضة كذلك، سواء كانا مصوغين، أو تبرين، أو عينين، أو أحدهما مصوغا، والآخر تبرا أو عينا، أو جيدين أو رديئين، أو أحدهما جيدا، والآخر رديئا، أو كيف كان، وهو مذهب الأوزاعى وأبى حنيفة، وأحمد، وأكثر العلماء، وعلى ذلك مضى السلف والخلف. قال الشافعى فى كتاب الصرف من "الأم": ولا خير فى أن يصارف الرجل الصائغ الفضة بالحلى الفضة المعمولة ويعطيه إجارته، لأن هذا الورق بالورق متفاضلا، ولا نعرف فى ذلك خلافا إلا ما روى عن معاوية أنه كان لا يرى الربا فى بيع العين بالتبر ولا بالمصوغ، ويذهب إلى أن الربا لا يكون فى التفاضل إلا فى التبر بالتبر، وفى المصوغ بالمصوغ، وفى العين بالعين، (وقد تقدم أن الصحابة لم يسلموا له هذا الرأى وردوه عليه، فأنكر عليه عبادة بمحضر من الناس، وفيهم الصحابة، وأغلظ له القول، وكذا أبو الدرداء، وأن عامتهم كانوا معهما لا مع معاوية، حتى بلغ ذلك عمر، فکتب إلى معاویة ینهاه عن ذلك، فرجع إلى قوله). قال: وحكى بعض أصحاب أحمد عن أحمد أنه لا يجوز بيع الصحاح بالمكسرة، لأن للصناعة قيمةٌ (ولكنه لم يقل بجواز بيع الصحاح بالمكسرة متفاضلة كما قاله ابن تيمية، وشتان بين القولين)، وحكى أصحابنا وغيرهم عن مالك رحمه الله جواز بيع المضروب بقيمته من جنسه، كحلى وزنه مائة يشتريه بمائة وعشرة، وتكون الزيادة فى مقابلة الصياغة، قال الشيخ أبو حامد: قال الأوزاعى: كان أهل الشام يجوزون ذلك، فنهاهم عمر بن عبد العزيز. ٣٠٢ .. الربا فى كل ما يكال ويوزن، وأن الجيد والردىء فى الربويات سواء إعلاء السنن قال: والمالكية ينكرون هذا النقل عن مالك، قال القاضى عبد الوهاب فى شرح الرسالة، وحكى بعضهم عنا فى هذا العصر أنه يجوز أن يستفضل بينهما قدر قيمة الصياغة، وهذا غلط علينا، وليس هذا بقول لنا ولا لأحد على وجه، والدليل على منع ذلك عموم الظواهر التى قدمناها، وليس فيها فرق بين المصوغ والمضروب، وصرح القاضى عبد الوهاب بأن زيادة قيمة الصنعة إنما لا تراعى إلا فى الإتلاف دون المعاوضات به، فلا وجه لنصب الخلاف معهم وهم موافقون. ثم ذكر شارح "المهذب" شبهة النقل عن مالك فى ذلك، وهى مسألة نقلها الشافعى عن مالك، ذكرها ابن عبد البر فى الاستذكار، وقال: رواها جماعة من أصحاب مالك عن مالك، وهى مسألة سوء منكرة لا يقول بها أحد من فقهاء المسلمين، وقد روى عن مالك فى غير مسألة ما يخالفها، ثم ذكرها، قال مالك فى التاجر يأتى دار الضرب بورقة، فيعطيهم أجر الضرب، ويأخذ منهم دون ورقة مضروبة، قال: إذا كان ذلك لضرورة فأرجو أن لا یکون به بأس، وقال ابن القاسم: أراه حقيقيا للمضطر ولذى الحاجة، قال ابن وهب: وذلك ربا، ولا يحل شىء منه إلى أن نال نقلا عن ابن رشد: والصواب أن ذلك لا يجوز إلا مع الخوف على النفس الذى يبيح أكل الميتة، وإنما خفف ذلك مالك ومن تابعه مع الضرورة التى تبيح أكل الميتة مراعاة لقول من لا يرى الربا إلا فى النسيئة، روی ذلك عن ابن عباس (ثم رجع عنه، كما مر، وسيأتى). ثم قال ابن رشد فى آخر كلامه: ولم يجز مالك ولا أحد من أصحابه شراء حلى الذهب والفضة بوزنه من الذهب والفضة وزيادة قدر الصناعة؛ إذ لا ضرورة فى ذلك اهـ. قال شارح "المهذب": فقد ظهر بذلك تحريم مذهب مالك، ووجه الاشتباه فى النقل عنه، انتهى مختصرا (٨٣:١٠-٨٥)، فالذى قاله ابن تيمية قول سوء منكر لم يقل به أحد من فقهاء المسلمين، وهو خلاف صريح الأحاديث المتواترة فى هذا الباب، وما روى فى ذلك عن أصحاب النبى معَّه وهم خير أصحاب، والحمد لله الملك الوهاب على توفيقه إيانا لفهم السنة والكتاب. (فائدة فقهية): قال فى "الهداية": ولو تبايعا فضة بفضة أو ذهبًا بذهب، وأحدهما أقل، ومع أقلهما شىء آخر يبلغ قيمته باقى الفضة (والذهب) جاز البيع من غير كراهية، وإن لم تبلغ فمع الكراهة، وإن لم يكن له قيمة كالتراب لا يجوز البيع لتحقق الربا، إذا الزيادة لا يقابلها عوض فيكون ربا اهـ، وفى حاشيتها عن "الفتح" قوله: فمع الكراهة، قيل لمحمد: كيف تجده فى قلبك؟ قال: مثل الجبل، ولم تروا الكراهة عن أبى حنيفة، بل صرح فى الإيضاح أنه لا بأس به عند ج - ١٤ الربا فی کل ما یکال ویوزن، وأن الجيد والردیء فی الربویات سواء ٣٠٣ ٤٧٢٩- عن ابن عمر، عن النبى ءَّ له، قال: ((المكيال مكيال أهل المدينة، والوزن أبى حنيفة، قال: وإنما كره محمد ذلك لأنه إذا جاز على هذا الوجه ألف الناس التفاضل، واستعملوه فيما لا يجوز (يعنى كرهه سدا للذريعة)، وهكذا ذكر فى "المحيط"، وقيل: إنما كره لأنهما باشرا الحيلة لسقوط الربا كبيع العينة، فإنه مكروه بهذا، فأورد لو كان مكروها كان البيع فى مسألة الدينار والدرهمين بدرهم ودينارين -وهى المسألة الخلافية - مكروها ولم يذكره، قلت: الذى يقتضيه النظر أن يكون مكروها، إذ لا فرق بينه وبين المسألة المذكورة فى جهة الكراهة، غاية الأمر أنه لم ينص هناك على الكراهة، ثم ذكر أصلا كليا يفيده، وينبغى أن يكون قول أبى حنيفة أيضًا على الكراهة كما هو ظاهر إطلاق المصنف من غير ذكر خلاف اهـ (٩٢:٣)، قلت: والكراهة إذا أطلقت يراد بها التحريم، نص عليه صاحب "الهداية" فى باب الكراهة (٤: ٤٣٦). وعلى هذا فلم يبق مسألة "مد عجوة" خلافية فى التحريم، وصورتها أن يبيع مد عجوة درهمًا بمدى عجوة، فإن كان المدان قيمة كل واحد منهما درهم جاز اتفاقًا، كما فى "شرح المهذب" (٣٤١:١٠)، وإن كان المدان قيمتها درهم لم يجز عندنا ولا عند الشافعى، نعم، يصح العقد عندنا مع الكراهة، ويبطل عنده، وكذا لو باع دينارا، ومد عجوة بدينارين، ومد عجوة لا يساوى دينارا لم يجز، وإن كان يساويه جاز، والله تعالى أعلم. قوله: "عن ابن عمر إلخ"، قال الموفق فى "المغنى": لا خلاف بين أهل العلم فى وجوب المماثلة فى بيع الأموال التى يحرم التفاضل فيها، وأن المساواة المرعية هى المساواة فى المكيل كيلا، وفى الموزون وزنا، ومتى تحققت هذه المساواة لم يضر اختلافهما فيما سواها، وإن لم يوجد لم يصح البيع، وإن تساويا فى غيرها، وهذا قول أبى حنيفة، والشافعى، وجمهور أهل العلم، لا نعلم أحدا خالفهم إلا مالكا، قال: يجوز بيع الموزونات (غير الذهب والفضة) بعضها ببعض جزافا، ثم رده عليه، وقال: إذا ثبت هذا، فإنه لا يجوز بيع المكيل بالمكيل وزنا، ولا بيع الموزون بالموزون كيلا، لأن التماثل فى الكيل مشترط فى المكيل، وفى الوزن فى الموزون، قال: وأما معرفة المكيل والموزون فالمرجع فى ذلك إلى العرف بالحجاز فى عهد النبى مّه، وبهذا قال الشافعى، وحكى عن أبى حنيفة أن الاعتبار فى كل بلد بعادته، ولنا ما روى عبد الله بن عمر مرفوعًا: ((المكيال مكيال المدينة والميزان ميزان مكة)) والنبى معَّ ◌ُّه إنما يحمل كلامه على بيان الأحكام (١٣٣:٤ و ١٣٦). فکل ما نص علی کونه مکیلا فھو مکیل وكذا ما نص على كونه موزونا، فهو موزون أبدا: قلت: أما ما نص رسول الله معرّ له على تحريم التفاضل فيه كيلا فهو مكيل عندنا أبداً، وإن ٣٠٤ الربا فی کل ما یکال ویوزن، وأن الجيد والردىء فى الربویات سواء إعلاء السنن وزن أهل المكة)). رواه أبو داود والنسائى، وسكت عنه أبو داود والمنذرى، وأخرجه ترك الناس فيه الكيل، مثل الحنطة، والشعير، والتمر، والملح، وكل ما نص على تحريم التفاضل فيه وزنًا، فهو موزون أبدًا، وإن ترك الناس فيه الوزن، كالذهب والفضة، وأما ما لم ينص عليه فهو محمول على عادات الناس كما فى "الهداية" (١٥٧:٥)، ففى حكاية الموفق مذهب أبى حنيفة تسامح، ولعل شبهة النقل رواية عن أبى يوسف أنه يعتبر العرف على خلاف المنصوص أيضاً، ولكن المتون على قول أبى حنيفة ومحمد وهو المذهب، قوله مرّ له: ((المكيال مكيال المدينة إلخ)) محمول على ما نص رسول الله مرّ على كونه مكيلا أو موزونا، ولا دليل على كونه عاما للمنصوص، وغير المنصوص عليه، لا سيما وظاهر الحديث أن لا يعتبر الكيل فى المكيلات إلا بمكاييل كان قد تعارفها أهل المدينة فى عهده من المد والصاع والقفيز ونحوها، ولا يعتبر بمكاييل سواها، و کذلك الوزن، ولا قائل به، بل يجوز بيع المکیل بالمکیل إذ تساویا فی الکیل، وبيع الموزون بالموزون إذا تساويا فى الوزن بأى مكيال وميزان كان اتفاقًا(١) لا نعلم فيه خلافا، فلما كان ظاهر الحديث مترو کا بالإجماع، لم یکن حجة لاعتبار کیل الحجاز ووزنه فی کل مکیل وموزون هناك، بل فی المنصوص علیه وحده، هذا. وكلام الطحاوى فى "مشكله" يشعر بكون الأصل فى الموزون ما كان يوزن حينئذ بمكة، وفى المكيل ما كان يكال حينئذ بالمدينة، سواء كان منصوصًا عليه أو غير منصوص، وإنما يعتبر العرف فيما لم يعرف كونه موزونا أو مكيلا فى عهده بَّه، وهذا نصه: روى عن النبى عّ لّ أنه قال: ((الوزن وزن أهل مكة والمكيال مكيال أهل المدينة))، ومكة أرض متجر ليس فيها زرع، ولا تمر، تباع الأمتعة فيها بالأثمان، ألا ترى إلى قول إبراهيم: ﴿بوادٍ غير ذى زرع﴾ بخلاف المدينة، فإنها دار نخل وزرع، فكانت جل تجاراتهم فى المكيل، فجعل النبى معَّ يو الأمصار كلها اتباعًا لهذين المصرين فيما يحتاجون إليه من الكيل والوزن. ولما كانت السنة منعت من إسلام الموزون فى الموزون، والمكيل فى المكيل، وأجازت عكسهما، ومنعت من بيع الموزون بالموزون إلا مثلا بمثل، كان الأصل فى الموزون ما كان يوزن (١) قال إمام الحرمين: ولو اتخذ مكيال لم يعهد مثله فى عصر الشارع، وكان يجرى التماثل به، فالوجه القطع بجواز التماثل به، فإن النبى معَّ ليه لم يتعبدنا فى الحديث إلا بالكيل المطلق فيما يكال، ولم يعين مكيالا، قلت: وهذا الذى قاله إمام الحرمين حق لا شك فيه، وإذا تأملت ما قدمته لك من أن التساوى فى مكيال دال على التساوى فى كل مكيال، تنبهت لذلك، فافهم، فإنه المقصود وليس المقصود أعيان المكابيل اهـ، من "شرح المهذب" ملخصًا (٢٧٤:١٠). 2 ج - ١٤ الربا فى كل ما يكال ويوزن، وأن الجيد والردىء فى الربويات سواء ٣٠٥ أيضا البزار، وصححه ابن حبان والدار قطنى (نيل الأوطار ٥٩:٥). حينئذ بمكة، وفى المكيل ما كان يكال حينئذ بالمدينة، لا يتغير عن ذلك بمغير، ومن هنا أخذ أبو حنيفة أن ما لزمه اسم مختوم(١) أو اسم قفيز أو مكوك أو مد أو صاع فهو كيلى تجرى فيه أحكام الكيل فى جميع ما وصفنا، وما لزمه اسم الرطل والوقية فهو وزنى كذلك اهـ، من "المعتصر من المختصر" (٢١١)، فقوله: "إن ما لزمه اسم مختوم إلى آخره فهو كيلى، وما لزمه اسم الرطل والوقية فهو وزنى"، يعم كل مكيل وموزون لا يتقيد بالأشياء الستة المنصوص عليها، هذا هو قول أبى حنيفة، ولعل أصحاب المتون خصوه بالمنصوص؛ لأن كون ما سواه مكيلا أو موزونا فى عهده معّ له غير متيقن به، ولا يجوز إلحاقه بالمنصوص قياسا لكون ذلك خارجاً عن مواضع القياس كما لا يخفى، وعند الماوردى أشياء ادعى فيها أنها كانت فى عهده معَّهِ مكيلة أو موزونة، كما فى "شرح المهذب" (٢٧٧:١٠)، ولعله منازع فى أكثر ما ادعاه مما عدا المنصوص عليه. تحقیق حديث ابن عمر فى مكيال المدينة، ووزن مكة سندا ومتنا وتفسيرا: ثم اعلم أن حديث ابن عمر هذا ذكر أبو داود فى سنده ومتنه اختلافا، أما السند فقيل: فيه عن ابن عباس عن النبى معَّ له، وهذا لا يضر، فإنه أيا ما كان فهو صحابى، وأما المتن، فإنه رواه باللفظ المذكور فى المتن من حديث سفيان، عن حنظلة، عن طاوس، عن ابن عمر، قال: ورواه الوليد بن مسلم عن حنظلة فقال: ((وزن المدينة ومكيال مكة))، قال أبو داود أيضًا: واختلف فى المتن فى حديث مالك بن دينار، عن عطاء، عن النبى عّ لّه، وقد ذكره أبو عبيد فى الغريب، فقال: وبعضهم يقول: ((والميزان ميزان المدينة، والمكيال مكيال مكة)) (هكذا رواه البزار عن ابن عباس أيضًا، ورجاله رجال الصحيح، كما فى "مجمع الزوائد" (٧٨:٤)، قال أبو عبيد: يقال: إن هذا الحديث أصل لكل شىء، والكيل والوزن، إنما يأتم الناس فيها بأهل مكة وأهل المدينة، وإن تغير ذلك فى سائر الأمصار. قال الخطابي: هذا حديث قد تكلم فيه بعض الناس، وتخبط فى تأويله، وزعم أن النبى معَ ◌ّه أراد بهذا القول تعديل الموازين والأرطال والمكاييل، وجعل عيارها أوزان أهل مكة ومكاييل أهل المدينة، فيكون عند الشارع حكمًا بين الناس يحملون عليها إذا تداعوا، فادعى بعضهم وزنا أوفى أو مكيالا أكبر، وادعى الخصم أن الذى لزمه هو الأصغر منهما دون الأكبر، قال: وهذا تأويل (١) هو صاع العراقى سمى به؛ لأن الأمراء كانوا يختمون أعلاه صيانة له عن الزيادة والنقصان. ٣٠٦ الربا فى كل ما يكال ويوزن، وأن الجيد والردىء فى الربويات سواء إعلاء السنن فاسد خارج عما عليه أقاويل أكثر الفقهاء، وذلك أن من أقر لرجل بمكيلة بر أو بغيره أو برطل من تمر أو غيره، فاختلفا فى قدر المكيلة والرطل، فإنهما يحملان على عرف البلد، وعادة الناس فى أوزان البلد الذى هو به، ولا يكلف أن يعطى برطل مكة، ولا بمكيال المدينة، وإنما جاء الحديث فى نوع ما يتعلق به أحكام الشريعة فى حقوق الله تعالى، دون ما يتعامل به الناس فى مبايعاتهم وأمور معاشهم، وقوله: ((والوزن وزن أهل مكة)) يريد الذهب والفضة خصوصًا دون سائر الأوزان، معناه أن الوزن الذى تتعلق به الزكاة فى النقود وزن أهل مكة، وهى دراهم الإسلام المعدلة منها العشرة بسبعة مثاقيل، فإذا ملك الرجل منها مائتى درهم وجبت فيها الزكاة، وذلك أن الدراهم مختلفة الأوزان فى بعض البلدان، فمنها البغلى، ومنها الطبرى، ومنها الخوارزمى، وأنواع غيرها، فالبغلى ثمانية دوانيق، والطبرى أربعة دوانيق، وهو نقد أهل مكة الجائز بينهم، وكان أهل المدينة يتعاملون بالدراهم عددا وقت مقدم رسول الله مَّه إياها، والدليل عليه قول عائشة رضى الله عنها فى فضة بريرة: إن شئت أعدها لهم، فأرشدهم ◌َِّ إلى الوزن فيها، وجعل العيار وزن أهل مكة دون ما يتفاوت وزنه فيها فى سائر البلدان، وأطال الخطابى فى تحقيق الدراهم وضربها. ثم قال: وأما قوله: ((والمكيال مكيال أهل المدينة)) فإنما هو الصاع الذى يتعلق به وجوب الكفارات، ويجب إخراج صدقة الفطر به، وتكون بقدر النفقات وما فى معناها معيار، وللناس صيعان مختلفة، فصاع أهل الحجاز خمسة أرطال، وثلث بالعراقى، وصاع أهل البيت فيما يذكره زعماء الشيعة تسعة أرطال وثلث، ينسبونه إلى جعفر بن محمد، وصاع أهل العراق ثمانية أرطال، وهو صاع الحجاج الذى سعر به على أهل الأسواق، فإذا جاء باب المعاملات حملنا العراقى على الصاع المتعارف المشهور عند أهل بلاده، والحجازى على الصاع المعروف ببلاد الحجاز، كذلك أهل كل بلد على عرف أهله، وإذا جاءت الشريعة وأحكامها فهو صاع المدينة، فهو معنى الحديث و توجیهه عندی، والله أعلم. وجوز إمام الحرمين فى حمل الحديث احتمالين: أحدهما: ما قاله الخطابى. الثانى: أنه لعل اتحاد المكاييل كان يعم فى المدينة، واتحاد الموازين كان يعم بمكة. فخرج الكلام على العادة، قال شارح "المهذب": وكلا الاحتمالين ممكن، وما قاله الخطابى أقرب إلى تأسيس القواعد الشرعية، وأما انحصاره فى الأشياء التى ذكرها فلا يلزم، بل من جملة الأمور الشرعية التى يجب اندراجها فيه كل ما اعتبر الشرع التقدير فيه بالكيل أو الوزن، ومن ذلك ما يكال ويوزن من الربويات فيعتبر ج - ١٤ الربا فى كل ما يكال ويوزن، وأن الجيد والردىء فى الربويات سواء ٣٠٧ به، والمقصود أن يعتبر بعادة أهل الحجاز فى الكيل والوزن أى فى زمان النبى عَّةٍ، فهو المعتبر، وأما العادة الحادثة بالحجاز فى غير زمنه مَ لّه فلا اعتبار بها اتفاقًا اهـ، ملخصًا (٢٦٣:١٠-٢٧٤). قلت: فلا يرد على أبى يوسف أنه خالف الحديث، فقد رأيت اختلاف العلماء فى تأويله، والاحتمال يضر بالاستدلال، إلا أن ما نص رسول الله عَّ فيه على الكيل فهو مكيل أبدا لا يتغير بمغير، فيشترط فيه التساوى بالكيل، ولا يتلفت إلى التساوى بالوزن، وما نص فيه على الوزن موزون أبدًا، فلا بد فیه من التساوی فی الوزن، حتى لو تساوی الذهب بالذهب کیلا، لا وزنا لم يجز، لأن طاعة رسول الله عَّه واجبة علينا، ولأن النص أقوى من العرف فلا يترك الأقوى بالأدنى، وما لم ينص عليه فهو محمول على عادات الناس، لأنها دلالة على الجواز فيما وقعت علیه، لأن ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن. وأجيب عن أبى يوسف بأن النس على ذلك أى على الكيل فى المكيل والوزن فى الموزون ما كان إلا لأن العادة إذ ذاك بذلك، وقد تبدلت فتبدل الحكم. وأورد عليه بأن تقريره عّ لّ إياهم على ما تعارفوه من ذلك بمنزلة النص منه عليه، فلا يتغير بالعرف، لأن العرف لا يعارض النص، قال المحقق فى "الفتح": ولا يخفى أن هذا لا يلزم أبا يوسف، لأن قصاراه أنه كنصه على ذلك، وهو يقول: إن تغير العادة يستلزم تغير النص إذا كان مبناه العادة، فلو تغيرت تلك العادة التى كان النص باعتبارها فى حياة النبى عدّ له لتغير النص، والله أعلم (١٥٨:٥). وبالجملة: فظاهر ما فی "الفتح" یفید ترجیح ما روی عن أبی یوسف حيث انتصر له ورد ما أورد على تعليله، ولا يخفى ما رواه الطحاوى عن أبى حنيفة الإمام أفضل وأحوط، وهو مذهب الشافعى وأحمد، وما اختاره أصحاب المتون أعدل وأضبط، وما روى عن أبى يوسف أوسع وأرفق، فافهم، و کن من الشاکرین. (تتمة): قال شيخ الإسلام: أجمعوا على أن ما ثبت كيله بالنص إذا بيع وزنا بالدراهم يجوز، وكذلك ما ثبت وزنه بالنص اهـ، من حاشية "البحر" لابن عابدين (١٢٩:٦)، قلت: فلا يمتنع السلم بالحنطة وزنا، لأن الكيل إنما يجب إذا بيع المكيل بالمكيل، وأما إذا بيع بالدراهم فلا، فافهم، ولا تکن من الحائرین. ٣٠٨ الربا فی کل ما یکال ویوزن، وأن الجيد والردیء فی الربویات سواء إعلاء السنن ٤٧٣٠- عن عبد الله بن مسعود: "أن رجلا من بنى سمح بن فزارة سأله عن رجل تزوج امرأة، فرأى أمها فأعجبته، فطلق امرأته، أيتزوج أمها؟ قال: لا بأس، فتزوجها الرجل، وكان عبد الله على بيت المال، فكان يبيع نفاية بيت المال يعطى الكثير ويأخذ القليل، حتى قدم المدينة فسأل أصحاب محمد عّ لّه؟ فقالوا: لا يحل لهذا الرجل هذه المرأة، ولا تصلح الفضة إلا وزنا بوزن، فلما قدم عبد الله انطلق إلى الرجل فلم يجده ووجد قومه، فقال: إن الذى أفتيت به صاحبكم لا يحل، فقالوا: إنه قد نثرت(١) له بطنها، قال: وإن كان، وأتى الصيارفة فقال: يا معشر الصيارفة! إن الذى كنت أبايعكم لا يحل، لا تحل الفضة إلا وزنا بوزن))، رواه البيهقى فى كتابيه "المعرفة" و"السنن" مختصرا ومطولا بإسناد كله ثقات مشهورون، والنفاية بنون مضمومة وفاء وبعد الألف ياء مثناة من تحت، ما نفيته من الشىء لرداءته، قاله الجوهرى (شرح المهذب ٢٩:١٠). ٤٧٣١- وأخرج ابن حزم من طريق سعيد بن منصور: نا هشيم، عن مجالد، عن الشعبى: "أن عبد الله بن مسعود باع نفاية بيت المال زیوفا وقسیانا(٢) بدراهم دون وزنها، فنهاه عمر عن ذلك، وقال: أوقد عليها حتى يذهب ما فيها من حديد أو نحاس وتخلص ثم بع الفضة بوزنہا" (المحلی ٤٩٩:٨)، وسنده حسن مرسل، وفيه تأیید لما اشتهر على ألسنة العلماء والفقهاء جيدها ورديئها سواء. قوله: "عن عبد الله بن مسعود إلى قوله: ومن طريق الحجاج بن المنهال إلخ"، دلالته على كون الجيد والردىء سواء فى الربويات، وأنه إجماع الصحابة ظاهرة، قال فى "المبسوط": كان من مذهب ابن مسعود فى الابتداء أن اختلاف الصنعة كاختلاف النوع، وكان يجعل النفاية مع الجيد نوعين، فيجوز التفاضل بينهما عملا بقوله معرّ له: ((إذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد))، (وسيأتى)، ثم سأل عمر رضى الله عنه فبين له أن الكل نوع واحد فإن الكل فضة، فرجع ابن مسعود إلى قوله، لأنه بين له الحق فى مقالته. معنى قولهم: عالم الكوفة كان يحتاج إلى عالم المدينة: ومن هذا يقال: عالم الكوفة كان يحتاج إلى عالم المدينة، يراد به ابن مسعود يغ (١) أی ولدت منه ولدا.١٢ ظ. . (٢) جمع قسى كصبى بمعنى الردى كذا في حاشية "المحلى" .١٢ظ ج - ١٤ الربا فی کل ما یکال ویوزن، وأن الجيد والردیء فى الربويات سواء ٣٠٩ ٤٧٣٢- ومن طريق الحجاج بن المنهال: نا يزيد بن إبراهيم هو التسترى نا محمد ابن سيرين قال: خطب عمر بن الخطاب فقال: ألا إن الدرهم بالدرهم والدينار بالدينار عينا بعين سواء بسواء مثلا بمثل، فقال له عبد الرحمن بن عوف: تزيف علينا أوراقنا فنعطى الخبيث ونأخذ الطيب فقال عمر: لا ولكن ابتع بها عرضا فإذا قبضته وكان لك فبعه واهضم ما شئت وخذ أى نقد شئت)) أخرجه ابن حزم فى "المحلى" (٥١٣:٨)، واحتج به وقال: فهذا عمر بمحضر من الصحابة رضى الله عنهم لا مخالف له منهم. ٤٧٣٣- ومن طريق سعيد بن منصور: نا جرير، عن السماك بن موسى، عن موسى بن أنس بن مالك، عن أبيه: "أن عمر أعطاه آنية خسروانية مجموعة بالذهب، فقال عمر: اذهب فبعها واشترط رضانا، فباعها من يهودى بضعف وزنها ثم أخبر عمر، فقال عمر: اذهب فاردده لا إلا بزنته". أخرجه ابن حزم فى "المحلى" (٤٩٦:٨)، واحتج به، ورواه محمد فى "الآثار" (١١١) عن أبى حنيفة الإمام: حدثنا الوليد بن سريع، عن أنس بن مالك، قال: "بعث إلى عمر بإناء من فضة خسروانى قد أحكمت صنعته، فأمر الرسول أن يبيعه، فرجع الرسول فقال: إنى أزاد على وزنه، قال عمر: لا، فإن الفضل ربا))، والوليد بن سريع من رجال مسلم ثقة فالحديث صحيح. (وعمر) رضى الله عنهما، (٨:١٤)، ومفاده أن ابن مسعود لم يكن مذهبه كمذهب ابن عباس، ولكن القصة رواها الطبرانى فى الكبير عن سعيد بن إياس بلفظ: كان ابن مسعود يرخص فى الدرهم بالدرهمين، والدينار بالدينارين، فنهوه عن ذلك، فخرج إلى المدينة فلقى عمر وعليا وأصحاب رسول الله مرّ له، فلما رجمع رأيته يطوف بالصيارفة، ويقول: ويلكم يا معشر الناس! لا تأكلوا الربا، ولا تشتروا الدرهم بالدرهمين، ولا الدينار بالدينارين، قال الهيثمى فى "مجمع الزوائد": رجاله رجال الصحيح (١١٦:٤)، ويمكن أن يقال: إن مخرج الحديث واحد، والقصة واحد رواها الرواة بألفاظ مختلفة فيحمل قوله: يرخص فى الدرهم بالدرهمين على بيع الدرهم الجيد بالدرهمين الرديئتين، بدليل ما رواه البيهقى وابن حزم مفسرا والمفسر قاضٍ على المجمل، والله تعالى أعلم. قوله: "ومن طريق سعيد بن منصور"، قلت: لفظ أبى حنيفة صريح فى كون الإناء فضة، فما فى لفظ سعيد بن منصور: "آنية مجموعة بالذهب" محمول على كون الفضة مشتملة على شىء من ذهب لم يظهر له أثر، ولا يخفى أن المغلوب لا حكم له، أو كان من ذهب قد أحكمت ٣١٠ الربا فى كل ما يكال ويوزن، وأن الجيد والردىء فى الربويات سواء إعلاء السنن ٤٧٣٤ - أبو حنيفة (الإمام) عن مرزوق (التيمى)، عن أبى جبلة، عن ابن عمر، قال: قلت له: إنا نقدم بأرض بها الورق الثقال الكاسدة، ومعنا ورق خفاف نافقة، أنبيع صنعته، هذا هو المراد بقوله: "مجموعة بالذهب"، قال فى "المبسوط": وهذا الإناء كان من ذهب أو فضة اهـ (٤:١٤). فاندحص ما أورده ابن حزم علينا بقوله: فهؤلاء عمر وعلى وأنس وابن مسعود وغيرهم لم يخصوا بأكثر مما فيها من الفضة ولا أقل، وعمر راعى وزن الفضة وألغى الذهب اهـ (٤٩٦:٨)، ومنشأ الإيراد حمله قوله: "آنية مجموعة بالذهب" على أنها كانت من ذهب معه فضة متميزة، أو من فضة معها ذهب كذلك، ولا دليل على ذلك أصلا، بل فيه ما ذكرنا من الاحتمال، وأما قوله: إن عمر أجاز الصرف بخيار رضاه بعد افتراق المتصارفين اهـ، فمنشاؤه حمل قوله: " فبعها واشترط رضانا"، وقوله: فباعها من يهودى على الحقيقة، وليس كذلك، بل هو مجاز عن المساومة، بدليل ما فى لفظ أبى حنيفة: "فرجع الرسول فقال: إنى أزاد على وزنه" اهـ، لم يقل: بعته بزيادة، فافهم، فإن الآثار يفسر بعضها بعضًا، وأما ما رواه عن على وابن مسعود فسيأتى الجواب عنه، فإن ابن حزم لم يرو عنهما، غير ما يدل على حرمة التفاضل بين الجيد والردىء من الدراهم، وهو لا يضرنا. وأما روى من طريق ابن أبى شيبة: نا وكيع، عن إسرائيل، عن عبد الأعلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: ((لا بأس ببيع السيف المحلى بالدراهم) اهـ، فهو محمول عندنا على ما إذا كانت فضة الدراهم أكثر مما فى السيف، بدليل ما روى عن النبى معَّ من حرمة التفاضل فى الربويات، وعليه حمله حكم بن عتيبة، والحسن، والنخعى، ومجاهد، وابن سيرين، كما مر ذكره بما لا مزيد عليه. قوله: "أبو حنيفة الإمام عن مرزوق إلخ"، قلت: أما مرزوق فهو أبو بكر التيمى الكوفى، كما فى "جامع المسانيد" (١٨:٢)، وهو من رجال الترمذى، يروى عن أم الدرداء، عن أبى الدرداء، عن النبى معَّه، قال: ((من رد عن عرض أخيه)) الحديث، وعنه أبو بكر النهشلى، وهو مرزوق بن بكر التيمى الكوفى مؤذن لتيم، روى عن سعيد بن جبير، وعكرمة، ومجاهد، وعنه ليث بن أبى سليم، وإسرائيل، وعمر بن محمد بن زيد العمرى، والثورى، وشريك، ذكره ابن حبان فى الثقات، وقال: أصله من الكوفة وسكن الرى، كذا فى "التهذيب" (٨٧:١٠). وأما أبو جبلة فهو تصحيف عندى، وإنما هو جبلة بن سحيم التیمی، روى عن ابن عمر، ومعاوية، وابن الزبير، وعنه أبو إسحاق السبيعى، وأبو إسحاق الشيبانى، وشعبة، والثورى، ج - ١٤ الربا فی کل ما یکال ویوزن، وأن الجيد والردیء فی الربویات سواء ٣١١ ورقنا بورقهم؟ قال: لا! بع ورقك بالدنانير واشتر ورقهم بالدنانير، ولا تفارق صاحبك ومسعر، وحجاج بن أرطاة ثقة صالح الحديث، روى له الجماعة كلهم، كما فى "التهذيب" أيضًا، وليس هو بأبى جبلة حيان بن عبد الله بن حيان الدارمى الذى كذبه الفلاس، فإنه أصغر بكثير من أن يروى عنه مرزوق، فإنه من شيوخ عمر الأنماطى، كما فى "اللسان" (٣٦٩:٢)، متأخر جدا. وفى شيوخ الإمام واحد يكنى أبا يحيى، وقيل: أبو جبلة، وقيل: أبو عمر، يروى عن سعيد ابن جبير، عن ابن عباس رضى الله عنهما: أن رسول الله عَّله قال: ((إن الرجل إذا أخذ بعض رأس ماله، وبعض سلمه فلا بأس به))، كما فى "جامع المسانيد" (٥٨٧:٢) والحديث، أخرجه البيهقى فى "سننه" من طريق سفيان، عن سلمة بن موسى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس موقوفا عليه (٢٧:٦)، فإن كان سلمة هذا يكى أبا جبلة فهو ثقة أيضًا، قال عبد الله بن أحمد: سألت أبی عنه، فقال: لا أرى به بأسًا، وذكره ابن حبان فى" الثقات"، كذا فى "تعجيل المنفعة" (١٦٢)، ولكن فى سماعه من ابن عمر نظر، فالراجح ما ذكرته أولا، والله تعالى أعلم. جواز تأخير القبض فى الصرف ما لم يتفرقا بأبدانهما: وفى قول ابن عمر: "فإن صعد فوق البيت فاصعد معه، وإن وثب فئب معه"، دلالة على أن التقابض قبل الافتراق فى الصرف مستحق، وأن القيام من غير افتراق لا يمنع بقاء العقد، فإنه قال: "وإن وثب من السطح فثب معه" للتحرز عن مفارقة أحدهما صاحبه قبل القبض اهـ من "المبسوط" (٤:١٤)، فلو فسد العقد بمواثبتهما معا لم يكن لقوله: "فتب معه" معنى. وبهذا اندحض إيراد ابن حزم على أبى حنيفة والشافعى أنهما أجازا بيع كل ذلك بغير عينه، وأجازا تأخير القبض ما لم يتفرقا بأبدانهما، ولا حجة لشىء منها، لا من قرآن، ولا من سنة، ولا من رواية سقيمة، ولا من قياس، ولا من قول صاحب، بل هو خلاف أمر رسول الله مَ ◌َله الذى ذكرنا من أمره أن نبيع الفضة بالذهب كيف شئنا يدا بيد (٤٩٣:٨). قلت: ليس هو خلاف أمر رسول الله عَ لآه، فإنه لم يقل كما قلت: إنه لا يجوز التأخير فى القبض طرفة عين فأكثر، وإنما قال: ((يدا بيد))، فإذا تقابضا فى المجلس كان البيع يدا بيد، وكذلك إذا تبايعا عينا بدين، وصار الدين عينا فى المجلس فقد تحقق مصداق قوله: ((عينا بعين))، والذى قاله أبو حنيفة، والشافعى متأيد بأثر ابن عمر هذا، وليس قولك أنت إلا بمجرد الرأى من غير دليل، وقول عمر فى قصة مصارفة طلحة ومالك بن أوس: "والله لا تفارقه حتى تأخذ منه"، رواه البخارى، ٣١٢ الربا فى كل ما يكال ويوزن، وأن الجيد والردىء فى الربويات سواء إعلاء السنن شبرا حتى تستوفى منه، فإن صعد فوق البيت فاصعد معه، وإن وثب فتب معه"، أخرجه وقوله معَّ ◌ِّ لابن عمر: ((إذا بايعت صاحبك فلا تفارقه وبينك وبينه لبس))، رواه النسائي، نص فى المسألة فى الصرف (شرح المهذب ٧٣:١٠)، فهو صريح فى أنه إنما تحرم المفارقة قبل التقابض فحسب، وليس فيه أن يكون زمن العقد قصيرا، ولا يؤخر القبض عن العقد طرفة عين، بل يصح سواء طال المجلس أم قصر، إذا تفارقا عن تقابض، وافقنا على ذلك الشافعية، والحنبلية كما فيه أيضًا (٨٩:١٠)، وفيه دليل على إهدار الجودة فى باب الربا، فلا تجوز بيع الدراهم الجياد النافقة بالدراهم الزيوف الكاسدة متفاضلا، وهو إجماع الفقهاء، صرح به الموفق فى "المغنى" (١٢٩:٤). حكم بيع الدراهم المغشوشة بالفضة أو بعضها ببعض: والزيافة قد تكون بغش من جنسها، وقد تكون بغش من غير جنسها، فإن كان بغش من جنسها فلا خلاف فى إهدار الجودة، وأن الجيد والردىء منها سواء، وإن كانت بغش دخلها من غير جنسها فالحكم للغالب، فإن كانت الفضة هى الغالبة فحكمها حكم الفضة الخالصة، لا يجوز بيعها بالخالصة إلا سواء بسواء، وكذا بيع بعضها ببعض لا يجوز إلا مثلا بمثل، لأن اعتبار الغالب وإلحاق المغلوب بالعدم، هو الأصل فى أحكام الشرع، ولأن الدراهم الجياد لا تخلو عن قليل غش، لأن الفضة لا تنطبع بدونه على ما قيل، فكان قليل الغش مما لا يمكن التحرز عنه فكانت العبرة للغلبة، (فقوله مَِّ: ((الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما))، رواه الحاكم فى "المستدرك" عن على مرفوعا وصححه، وقوله: ((لا تبيعوا الدينار بالدينارين ولا الدرهم بالدرهمين)) رواه مسلم فى صحيحه عن عثمان مرفوعا، وقوله: ((الذهب بالذهب تبرها(١) وعينها، والفضة بالفضة تربها وعينها، فمن زاد أو ازداد فقد أربى)) رواه أبو داود، والنسائى، والترمذى، وصححه عن عبادة، كما فى "شرح المهذب" (٢٢:١٠)، دليل على أن قليل الغش فى حكم العدم، وقد اعترف بذلك ابن حزم أيضاً، كما فى "المحلى" (٤٩٥:٨)، ونصه: وإنما هذا الذى ذكرنا أى من عدم جواز بيع المخلوط لغير المخلوط كله إذا ظهر أثر الخلط فى شىء مما ذكرنا، وأما ما لم يؤثر ولا ظهر له فيه عين ولا نظر أيضًا، فحكمه حكم المحض، لأن الأسماء إنما هى موضوعة على حسب الصفات التى بها تنتقل الحدود) اهـ. : وإن كان الغش هو الغالب، فإن كانت الفضة لا تخلص بالذوب والسبك، بل تحترق ويبقى (١) التبر غير المضروب، والعين هو المضروب. ج - ١٤ الربا فی کل ما یکال ویوزن، وأن الجيد والردىء فى الربويات سواء ٣١٣ محمد فى "الآثار" وقال: به نأخذ وهو قول أبى حنيفة اهـ (١١١). واحتجاج المجتهد النحاس (أو الصفر) فحكمها حكم النحاس الخالص، لأن الفضة إذا كانت مستهلكة كانت ملحقة بالعدم، فيعتبر كله نحاسا لا يباع بالنحاس إلا سواء بسواء يدا بيد، (ويباع بالفضة كيف شاء)، وإن كانت تخلص من النحاس ولا تحترق ويبقى النحاس على حاله أيضًا، فإنه يعتبر فيه كل واحد منهما على حاله، ولا يجعل أحدهما تبعا للآخر، بل كأنهما منفصلان أحدهما عن صاحبه، لأنه إذا أمكن تخليص أحدهما من صاحبه على وجه يبقى كل واحد منهما بعد الذوب والسبك لم يكن أحدهما مستهلكا، فلا يجوز بيعها بفضة خالصة إلا على طريق الاعتبار، وهو أن تكون الخالصة أكثر من الفضة المخلوطة، فيصرف الفضة إلى الفضة، والزيادة إلى الغش (بدليل حديث القلادة، وقد مر الكلام فيه مستوفی). فإن كانت الخالصة أقل من المخلوطة أو مثالها، أو لم يدر أيهما أقل أو أكثر لم يجز كما مر، ولو بيعت هذه الدراهم بذهب جاز، لأن المانع هو الربا، واختلاف الجنس يمنع تحقق الربا، ولكن يراعى فيه شرائط الصرف، وإن كانت الفضة والغش سواء، فإن كانت الفضة لا تتميز من الصفر عند الإذابة حتى يحترق الصفر فلا يجوز بيعها بالفضة الخالصة، ولا بيع بعضها ببعض إلا سواء بسواء، كبيع الزيوف بالجياد، لأن الصفر إذا كان يتسارع إليه الاحتراق كان مغلوبا مستهلكا فكان ملحقا بالعدم، وإن يغلب أحدهما على الآخر وبقيا على السواء يعتبر كل واحد منهما على حياله كأنهما منفصلان، ويراعى فى بيعهما بالفضة الخالصة طريق الاعتبار، كما فى النوع الأول، ويجوز بيع بعضها ببعض متساويًا ومتفاضلا، ويصرف الجنس إلى خلاف الجنس كما فى النوع الأول، كذا فى "البدائع" (١٩٦:٥). هذا هو حكم الدراهم المغشوشة عندنا من حيث الفقه، وحاصله: أن الفضة إذا كانت غالبة، فھی فی حكم الخالصة، وإن كانت مغلوبة، فھی فی حکم الغش إن كانت لا تخلص بالذوب بل تحترق، وإلا فهما كالمنفصلين، وإن كان الغش والفضة مساويين، فإن كانا لا يحترقان كلاهما بالذوب فهما كالمنفصلين، وإن كان الغش هو الذى يحترق، فهى فى حكم الفضة، ولا يخفى صحة هذا الكلام، ورزانته على جاهل فضلا من عالم عاقل. الرد على ابن حزم فى إيراده على أبى حنيفة فى مسألة الدراهم المغشوشة: ثم إن محمدا رحمه الله ذكر بعد ذلك فى "الجامع" قول الصيارفة فى أنه متى تحترق الفضة وتستهلك بالذوب، ومتى يحترق الغش ويستهلك به تسهيلا على العوام لكى يعرفوا بذلك، ٣١٤ إعلاء السنن الربا فى كل ما يكال ويوزن، وأن الجيد والردىء فى الربويات سواء بحديث تصحيح له، وسنحقق الإسناد فى الحاشية. أن الغش والفضة متى يكونان فى حكم المنفصلين؟ ومتى يكونان فى حكم الواحد؟ ولم يقطع الجواب فيه لكونه مما لا يتعلق بالفقه، صرح به صاحب "البدائع" أيضًا، فاغتر ابن حزم بذلك، وظن أن بناء الحكم على كون الغش ثلثين، والفضة ثلثا، أو بالعكس، فقال: وهذه وساوس لو قالها صبى فى أول فهمه لئيس من فلاحه، ولوجب أن يستعدله بغل، وما لهذه الأحكام وجه أصلا، لا من قرآن، ولا من سنة، ولا رأى سديد، ولا رواية سقيمة، ولا احتياط، ولا سمعت عن أحد قبله، والعجب أنه مرة رأى الثلث ههنا قليلا، ومرة رأى الربع كثيرا فيما ينكشف من بطن الحرة فى الصلاة، ومرة رأى مقدار الدرهم البغلى كثيرا فيما ينكشف من فخذها ودبرها، ومرة رأى النصف قليلا، ومرة رأى ثلاثة أصابع من جميع الرأس كثيرا، وهذه تخاليط لا تعقل، وتحكم فى دين الله بالباطل اهـ (٤٠٩:٨). قلت: حاشا أبا حنيفة من الوسواس والتخليط، وقد علم المحفوظون من أمة محمد مرّ له أنه كان أعلم الناس وأعقلهم وأفقههم فى زمانه، والناس كلهم عيال عليه فى الفقه، والموسوس المخلط الذى يعدله البغل، إنما هو من حرم الفقه والدراية، ولم يرزق من الفهم ما يدريك به كلام العلماء فضلا عن أن يفهم كلام الله وكلام رسوله مَ لّه، فهل رأيتم أو سمعتم بأعجب وأغرب من هذا الذى لا يفرق بين المقصود والمبنى، وبين ما ذكره محمد تبعا واستطرادا من غير قصد إليه توضيحا للمعنى. ومن تأمل فيما ذكرناه عن "البدائع" لم يخف عليه أن مراد أبى حنيفة رح، ليس إلا ما ذكره ابن حزم نفسه أن الخلط، إنما يعتبر إذا ظهر أثره، وأما ما لم يؤثر ولا ظهر له أثر، فحكمه حكم المحض الخالص، لأن الأسماء إنما هى موضوعة على حسب الصفات التى بها تنتقل الحدود، وأما إنه متى يظهر أثره؟ ومتى لا يظهر؟ ومتى يكون المخلوط فى حكم المنفصلين، ومتى يكون فى حكم الواحد؟ ومتى يكون الاسم على حده، ومتى ينتقل عنه؟ فابن حزم لم يعترض لذلك أصلا؛ لكونه بمعزل عن درجة الاجتهاد، فأى لوم على أبى حنيفة أو محمد لو تعرضا لبيان ذلك، وتفصيله من بين الأنام، لكونهما مرجعًا للخواص والعوام، قد رزقهما الله حظا وافرا من الاجتهاد، وآتاهم منصب الإفتاء فى الأحكام؟ . ومذهب أبى حنيفة فى أمثال هذه الأمور تفويضها إلى رأى المبتلى به، ولكن أصحابه تعرضوا لتفاصيلها على مقتضى العرف تفهيمًا للقاصرين، وتحذيرا للعامة عن السلوك فى سبيل ج - ١٤ الربا فی کل ما یکال ویوزن، وأن الجيد والردىء فى الربويات سواء ٣١٥ ا۔۔ الحائرين، بيان ذلك أن الأصل فى ستر العورة كون انكشاف الكثير منها مفسدا للصلاة، والقليل غير مفسد، وهذا مما لا يجحده جاحد، ولا ينكره إلا مكابر معاند، ثم بينوا حد القليل والكثير منها على مقتضى العرف، فقالوا: إن الأعضاء كلها ليست بسواسية فى ذلك، بل القليل فى بعضها كثير فى آخر منها، فانكشاف القليل من الربع لا يمنع الصلاة فى سائر الأعضاء غير الفخذين والوركين، فإن انكشاف مثله منها كثير بل أكثر، وإنما يعفى من ذلك انكشاف قدر الدرهم أو أقل منه على اختلاف الروايتين دون أكثر منه، لأن عورة الفخذين والوركين أشد وأغلظ من عورة الساقين والبطن والظهر، وهو أظهر أن يخفى على صبى فضلا عن عاقل ذكى، فهل هذه وساوس أو تخاليط؟ أو تفصيل ما أحاله الشرع على العرف، ما ظهر لهم من التأمل فى ما تعارفه الناس من اعتبار حد القلة والكثرة فيه؟ ومن ذلك ذكره محمد فى "الجامع" من اعتبار الثلث والثلثين فى الدراهم المغشوشة حسب ما ظهر له من أصحاب المعرفة بها. وأما إنه رأى مرة مقدار ثلاثة أصابع من جميع الرأس كثيرا، فغلط محض، بل هو أقل ما يجب مسحه من الرأس عنده، بدليل حديث المغيرة بن شعبة المشهور، أنه رأى النبى معَ ◌ّه مسح على ناصيته، والناصية لا تزيد على قدر ثلاثة أصابع، كما لا يخفى على من له أدنى مسكة. واحتج ابن حزم بما رواه من طريق الشعبى: "أن عبد الله بن مسعود باع نفاية بيت المال زيوفا وقسيانا بدراهم دون وزنها، فنهاه عمر عن ذلك، وقال: أوقد عليها حتى يذهب ما فيها من حديد أو صفر وتخلص، ثم بع الفضة بوزنها" اهـ، على ما ذهب إليه من عدم جواز بيع المخلوط من فضة وغيرها بفضة أصلا إلا حتى تخلص الفضة وحدها خالصة (٤٩٤:٨). ولا حجة له فيه، فإنه مرسل الشعبى لم يدرك عمر، ولا ابن مسعود، ولا حجة عنده فى مرسل أصلا، ولكنه لا يستقر على أصل، فتراه كثيرا ما يحتج لمذهبه بالمراسيل، والمقاطيع، وبروايات المجاهيل، وإن سلمنا فليس أمر عمر بالإيقاد على الزيوف، دليلا على عدم جواز بيعها بالفضة بوزنها، لاحتمال أنه لم يجد من يشتريها زيوفًا بالفضة وزنا بوزن، أو كرهه لما فيه من التغرير بالمسلمين، فإن مشتريها ربما خلطها بدراهم جيدة، واشترى بها ممن لا يعرف حالها، لا لعدم جواز بيعها بالفضة أصلا كما زعمه ابن حزم، ألا ترى أن بيعها بالذهب أو بسلعة جائز اتفاقا بيننا وبين ابن حزم؟ ومع ذلك أمر ابن مسعود بالإيقاد عليها، وتخليص الفضة منها، فهل لأحد أن يستدل بأمره ذلك على أن بيع الدراهم المغشوشة لا يجوز قبل التخليص أصلا، لا بفضة ٣١٦ إعلاء السنن الربا فى كل ما یکال ويوزن، وأن الجيد والردىء فى الربویات سواء ٤٧٣٥- مالك عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار: "أن معاوية بن أبى سفيان باع سقاية من ذهب أو ورق بأكثر من وزنها، فقال له أبو الدرداء: سمعت رسول ثُ مَّ ◌ُله ينهى عن مثل هذا إلا مثلا بمثل. فقال له معاوية: ما أرى بمثل هذا بأسًا، فقال ولا بذهب ولا بغيرهما؟ كلا، فالظاهر أنه نهى بيع نفاية بيت المال؛ لما فيه من التغرير بالمسلمين. حكم إنفاق المغشوش من النقود: وهذه مسألة على حيالها مبنية على إنفاق المغشوش من النقود خارجة من باب الربا، وحكمه أن المغشوش إذا كان شيئا اصطلحوا علیه، کما اصطلحوا الفلوس فلا بأس پإنفاقه، وإن كان مما لم يصطلحوا عليه، وظهر غشه(١)، وبان زيفه بحيث لا يخفى على أحد، ولا يحصل بها تغرير جاز إنفاقه والمعاملة به، إذ ليس فيه أكثر من اشتماله على جنسين لا غرر فيهما، فلا يمنع من بيعهما، کما لو كانا متمیزین، ولأن هذا مستفیض فى الأعصار جاز بينهم من غیر نکیر، وفى تحريمه مشقة وضرر، وليس فى الشراء به غش للمسلمين ولا تغرير لهم، والمقصود منها ظاهر مرئى معلوم، وإن خفى غشه، ويقع اللبس به، فإن ذلك يفضى إلى التغرير بالمسلمين، فيمنع منه لأجل ذلك، (صرح به الموفق فى "المغنى " ١٧٦:٤، وقواعدنا تساعده)، لا لإفضائه إلى الربا، فإن باعه رجل بالفضة بوزنه صح العقد، وأثم البائع، لقوله عّ لّهِ: ((من غشنا فليس منا)). وقد صرح ابن حزم بصحة العقد مع الغش، إذا لم يشترط فيه السلامة، وللمشترى الخيار، إذا عرف بالغش فى رد وإمساك، لأن البيع وقع سالما على الجملة، فهو بيع صحيح (المحلى) (٤٤٢:٨)، فماله لا يحمل أثر عمر هذا على ذلك؟ لا سيما وقد رواه البيهقى بلفظ: "فسأل أى ابن مسعود أصحاب محمد عَّ عن ذلك، أى عن بيع نفاية بيت المال بالدراهم متفاضلا؟ فقالوا: لا تصلح الفضة إلا وزنا بوزن"، كما ذكرناه فى المتن، فجعلوا الزيوف فضة، وأوجبوا بيعها بالدراهم، أو الفضة بوزنها، وفيه تأييد لما قاله محمد بن الحسن الإمام: إن الغش إذا كان يحترق ويستهلك بالإذابة والسبك، فهو حكم العدم، ولا يجوز إذن بيع الدرهم المغشوش بالفضة الخالصة إلا وزنا بوزن، فافهم. قوله: "مالك عن زيد بن أسلم إلخ"، فيه حجة لما عليه إجماع الفقهاء أن المصنوع، وغير (١) وعليه يحمل ما روى عن عمر أنه قال: ((من زافت عليه دراهم فيخرج إلى البقيع فليشتر بها سحق الثياب))، كما فى: "المغنى" (١٧٧:٤). ج - ١٤ الربا فى كل ما يكال ويوزن، وأن الجيد والردىء فى الربويات سواء ٣١٧ أبو الدرداء: من يعذرنى من معاوية؟ أنا أخبره عن رسول الله عَّه ويخبرنى عن رأيه، لا أساكنك بأرض أنت بها، ثم قدم أبو الدرداء على عمر بن الخطاب فذكر له ذلك، فكتب عمر إلى معاوية ألا يبيع مثل ذلك إلا مثلا بمثل وزنا بوزن". رواه مالك فى "الموطأ" (٢٦١)، وسنده صحيح. ٤٧٣٦- وأخرج أيضا عن يحيى بن سعيد مرسلا أنه قال: ((أمر رسول الله عرّ ض له السعدين أن يبيعا آنية من المغانم من ذهب أو فضة، فباعا كل ثلاثة بأربعة عينا، أو كل أربعة بثلاثة عينا، فقال لهما رسول الله عَّ له: أربيتما فردا؟))، ومراسيله صحاح. ٤٧٣٧- مالك عن نافع، عن عبد الله بن عمر: أن عمر بن الخطاب قال: "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، وكذلك الورق، ولا تبيعوا شيئا منها غائبا بناجز، وإن استنظرك إلى أن يلج بيته فلا تنظره، إنى أخاف عليكم الرماء وهو الربا" ، وهذا من أصح الأسانيد. ٤٧٣٨- مالك أنه بلغه عن القاسم بن محمد، أنه قال: قال عمر بن الخطاب: "الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم، والصاع بالصاع، ولا يباع كالئ بناجز" (الموطأ ٢٦١)، وبلاغات مالك صحاح. المصنوع من الذهب والفضة سواء، فلا يجوز بيعه بجنسه إلا وزنا بوزن، فما قاله ابن تيمية من جواز بيع ما يتخذ من الفضة للتحلى متفاضلا، وجعل الزائد مقابلا للصنعة، رد عليه، كما مر الكلام فيه مستوفی. قوله: "مالك عن نافع إلخ"، " وإن استنظرك إلى أن يلج بيته" دلالة على وجوب التقابض فى المجلس فى بيع الصرف، وليس كما ظن ابن حزم، أنه لا يجوز التأخير فيه طرفة عين، وإلا لم يكن محلا للاستنظار ورده، ولم يكن لقوله: "وإن استنظرك فلا تنظره" معنى، بل كان حقه أن يقول: وإن استنظرك إلى أن يلج بيته فسد العقد، أنظرته أو لم تنظر لتحقق التأخير طرفة عين، فافهم، فإن ابن حزم لا يعرف إلا الرواية ولم يؤت حظا من الدراية، فللّه در نبيه عَّ ◌ُلّه حيث قال: ((فرب مبلغ أوعى من سامع))، والله تعالى أعلم. قوله: "مالك أنه بلغه إلخ"، دلالة قوله: "الصاع بالصاع" على عدم كون الربا مقصورا على الأشياء الستة، ولا على المطعوم، وعلى عمومه كل مكيل وموزون ظاهرة، كما تقدم الكلام ٣١٨ جواز بيع الحنطة بالشعير متفاضلا وأن القدر فقط أو الجنس فقط محرم للنسأ إعلاء السنن باب جواز بيع الحنطة بالشعير متفاضلا وأن القدر فقط أو الجنس فقط محرم للنسأ ٤٧٣٩- عن عبادة بن الصامت، عن النبى عَّ ◌ُله، قال: ((الذهب بالذهب مثلا بمثل، والفضة بالفضة مثلا بمثل، والبر بالبر مثلا بمثل، والملح بالملح مثلا بمثل، والشعير فيه مستوفى، وقوله: "ولا يباع كالئ بناجز" محمول على ما دام كالئا إلى أن تفرقا، وإن كان كالئا حين العقد، ثم تعين قبل التفرق فى مجلس العقد، فالبيع جائز، لأن مجلس العقد له حكم العقد، بدليل ما ذكرناه فى أثرى ابن عمر وأبيه رضى الله عنهما، هذا. وقد طال منا الكلام فى هذا الباب لحاجته إلى نزع القشر عن اللباب، ولم يتيسر لبعض الأحباب الخوض فى لجة هذا العباب، فالحمد لله العلى الوهاب، على ما عملنى وفهمنى من معانى السنة والكتاب، جعله الله تذكرة وتبصرة لأولى الألباب، وقد بقى بعد خبايا فى الزوايا سنظهرها، ونرفع اللثام عن وجهها فى باب الصرف، إن شاء الله تعالى. باب جواز بيع الحنطة بالشعير متفاضلا وأن القدر فقط أو الجنس فقط محرم للنسأ قوله: "عن عبادة بن الصامت"، أقول: اختلفوا فى بيع الحنطة بالشعير متفاضلا، فقال بعضهم: لا يجوز، وقال الجمهور: هو جائز، واحتجوا بحديث عبادة المذكور، وهو صريح فى الباب، وتمسك المانعون بما روى عن معمر بن عبد الله: "أنه أرسل غلاما له بصاع من قمح، فقال له: بعه، ثم اشتر به شعيرا، فذهب الغلام فأخذ صاعا، وزيادة بعض صاع، فلما جاء معمر أخبره، فقال له معمر: لم فعلت؟ انطلق فرده، ولا تأخذ إلا مثلا بمثل، فإنى كنت أسمع رسول الله عَ ليه يقول: ((الطعام بالطعام مثلا بمثل، وكان طعامنا يومئذ الشعير، قيل له: فإنه ليس مثله، قال: إنى أخاف أن يضارعه)»، أخرجه الطحاوى فى "معانى الآثار" (١٩٧:٢). والجواب أن معمرا أخبر عن النبى معَّه أنه كان يسمعه يقول: ((الطعام بالطعام مثلا بمثل))، ثم قال معمر: ((وكان طعامنا يومئذ الشعير))، فيجوز أن يكون النبى ګ أراد بقوله الذی حكاه عنه معمر الطعام الذى كان طعامهم يومئذ، فيكون ذلك على الشعير بالشعير فلا يكون فى هذا الحديث شىء من بيع الحنطة بالشعير مما ذكر فيه عن النبى معَّ ◌ُلّه، وإنما هو مذكور عن معمر من رأيه، ومن تأويله ما كان سمع من النبى معَّهِ، ألا ترى أنه قيل له: ((فإنه ليس مثله)) أى ليس من ج - ١٤ جواز بيع الحنطة بالشعير متفاضلا وأن القدر فقط أو الجنس فقط محرم للنسأ ٣١٩ بالشعير مثلا بمثل، فمن زاد وازداد فقد أربى، بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يدا بيد، وبيعوا البر بالتمر كيف شئتم يدا بيد، وبيعوا الشعير بالتمر كيف شئتم يدا بيدا))، وفى نوعه، فلم ينكر ذلك على من قاله؟ وكان جوابه له أنى أخشى أن يضارعه، كأنه خاف أن يكون قول النبى عرّ على الأطعمة كلها، فتوقى ذلك وتنزه عنه للريب الذى وقع فى قلبه منه اهـ، قاله الطحاوى. فإن قلت: إن معنى قوله: ((الطعام بالطعام)) الطعام بجنسه من الطعام، قلنا: نعم، ولكن ما الدليل فى الحديث على أن الحنطة من جنس الشعير؟ وإذا لا دليل فيه عليه، فلا حجة فى الحديث، لا لمعمر بن عبد الله ولا لغيره، فبقى رأى معمر أنها من جنسه ولا حجة فيه، لا سيما إذا كان بناءه على الاحتياط لا على الدليل، وعارضه النص الصريح أعنى حديث عبادة المذكور، فافهم. قوله: "بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم إلخ"، أقول: هذا يدل على أن تحقق أحد جزئى علة الربا أعنى الجنس أو القدر وحده مبيح للتفاضل ومحرم للنسأ، أما حرمة النسأ مع وجود القدر، واختلاف الجنس فمنصوص، وأما حرمته مع اتحاد الجنس، وانعدام القدر، فثابت بالقياس، لأنه لا فرق فى القدر والجنس فى هذا المعنى، فيثبت لأحدهما ما ثبت للآخر، بل الجنس أولى، لأنه أصل فى هذا الباب، والقدر تابع له، كما لا يخفى على من له طبع سليم. قال العبد الضعيف: بل هو منصوص أيضًا للنهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، كما سيأتى، والقياس إنما هو فى وجود القدر مختلفا مع اختلاف الجنس كالمكيل بالموزون، أى كبيع اللحم بالبر، فيجوز عندنا الفضل النسيئة كلاهما، وعند بعض الفقهاء يحرم النسا، كما سيأتى. وقال محمد فى "الحجج" له: وما بين الحنطة والشعير مثلين بمثل؟ قالوا: لأنه نوع واحد عندنا، قيل لهم: أرأيتم صدقة الفطر، وغيرها من الصدقات؟ أليس قد قيل فيها: نصف صاع من بر أو صاع من تمر أو شعير؟ فلو كان البر والشعير صنفا واحدا كما يكون التمر كله، وإن اختلفت أصنافه صنفا واحداً، ما قيل فى الصدقة فى البر نصف صاع، وفى الشعير صاع، ويجعل ذلك شيئا واحدا، كما جعل ذلك فى التمر شيئا واحد، وأصنافه مختلفة، فهذا يدلكم على أن الشعير صنف غير البر، فإذا كانا صنفين فلا بأس أن يبتاع يدا بيد، وأحدهما أكثر من الآخر، مع ما قد جاء فى ذلك من الآثار، منها حديث عبادة بن الصامت الذى يرويه عن رسول الله عَ ليه أنه قال: ((لا خير فى البر إلا مثلا بمثل يدا بيد ولا بأس بالشعير اثنان بواحد بدا بيد))، (أى صاعان بصاع. ١٢ظ)، من غيره من الأحاديث، وهذا حديث معروف عن رسول الله عَّ ◌ُلِّ، ولا نعلم تروون عن رسول الله ٣٢٠ جواز بيع الحنطة بالشعير متفاضلا وأن القدر فقط أو الجنس فقط محرم للنسأ إعلاء السنن الباب عن أبى سعيد، وأبى هريرة، وبلال، حديث عبادة حديث حسن صحيح، كذا فى "الترمذى"، وأخرجه الطحاوى من حديث مسلم بن يسار، عن أبى الأشعث، عَّ ◌ُلّهِ، ولا عن أحد من أصحابه، أنه كره ذلك، إلا حديثا واحدا أخبرنا به مالك بن أنس، أن الأسود(١) بن عبد يغوث فنى علف دابته، فقال لغلامه: خذ من حنطة أهلك واشتر به شعيرا، ولا تأخذ إلا مثلا بمثل، وأين هذا من الأحاديث فى ذلك عن رسول الله عرّضله وعن أصحابه، ومما جاء من السنة أن الشعير جعل ضعف الحنطة فى صدقة الفطر؟ ثم ذكر الآثار من طرق عديدة (٢١٩). وقال الموفق فى "المغنى": لا خلاف فى جواز التفاضل فى الجنسين نعلمه إلا عن سعيد بن جبير أنه قال: ما يتقارب الانتفاع بهما لا يجوز التفاضل فيهما، وهذا يرده قول النبى معَّ له: ((بيعوا الذهب بالفضة، كيف شئتم يدا بيد، وبيعوا البر بالتمر، كيف شئتم يدا بيد، وبيعوا التمر بالشعير، كيف شئتم يدا بيد))، وفى لفظ: ((إذا اختلفت هذه الأشياء فبيعوا کیف شئتم إذا كان يدا بيد))، رواه مسلم وأبو داود، ولأنهما جنسان فجاز التفاضل فيهما كما لو تباعدت منافعهما، ولا خلاف فى إباحة التفاضل فى الذهب بالفضة مع تقارب منافعهما، فأما النسا فكل جنسين يجرى بينهما الربا بعة واحدة كالمكيل بالمكيل، والموزون بالموزون، والمطعوم بالمطعوم، عند من يعلل به، فإنه يحرم بيع أحدهما بالآخر نسأ بغير خلاف نعلمه، وذلك لقوله عليه السلام: ((فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم يدا بيد))، إلا أن يكون أحد العوضين ثمنا، والآخر مثمنا، فإنه يجوز النسأ بينهما بغير خلاف، لأن الشرع أرخص فى السلم، والأصل فى رأس المال الدراهم والدنانير (وهى موزونة) فلو حرم النسأ ههنا لا نسد باب السلم فى الموزونات فى الغالب. فأما إن اختلف علتهما كالمكيل بالموزون مثل بيع البر باللحم، ففيه روايتان: إحداهما: يحرم النسا فيهما، وهو الذى ذكره الحزقى ههنا، لأنهما مالان من أموال الربا، فحرم النسأ فيهما كالمكيل بالمكيل. والثانية: يجوز النسا فيهما، وهو قول النخعى، لأنهما لم يجتمعا فى أحد وصفى علة ربا الفضل، فجاز النسأ فيهما كالثياب بالحيوان اهـ (٤: ١٣٠). قلت: ومذهب الحنفية فى ذلك كقول النخعى، ومفاده أن القدر بانفراده لا يحرم النسأ بخلاف الجنس، فالمراد بقولهم، وعلته القدر، هو القدر المتفق کبیع موزون بموزون، أو مکیل بمكيل، بخلاف المختلف كبيع مكيل بموزون نسيئة، فإنه جائز، ويستثنى من الأول إسلام منقود فى (١) كذا فى الأصل، والصحيح عبد الرحمن بن الأسود، كما سيأتى. ١٢ ظ