النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١
تلقى الجلب وبيع الحاضر للبادى
ج - ١٤
سوق الطعام، ولم ينه الركبان عن بيعه منهم فى الطريق، ومن أوله على أنه نهى الركبان عن البيع،
والمتلقين عن الاشتراء، فقد حرف الكلم عن مواضعه كما لا يخفى، ولفظه من طريقة موسى بن
عقبة، عن نافع، عنه: "أنهم (أى ابن عمر ورفقاؤه من أهل لبلد) كانوا يشترون الطعام من الركبان
على عهد رسول الله عّ لّه، فيبعث عليهم (أى على بن عمر ورفقاؤه) من يمنعهم أن يبيعوه حيث
اشتروه حتى ينقلوه حيث يباع الطعام"، فقوله: "اشتروه" صريح فى وقوع الاشتراء وصدوره
منهم، فمن أوله على معنى أنهم أرادوا ابتياعه فقد أتى بمعضلة لا تفهم من لفظ الحديث أصلا، وإنما
هو تحريف للكلم عن مواضعه تمشية للمذهب، وإن سلمنا صحة دلالة الحديث على هذا التأويل
أيضًا، فلا يخفى أنه خلاف المتبادر منه، فكيف يكون حجة على من حمل الحديث على ما يتبادر
منه ظاهرا أنه نهى المتلقين عن بيع ما اشتروه من الركبان حتى يبلغ به سوق الطعام أى حتى يقبضوه
كما ذكرنا؟ ولم ينه الركبان عن البيع ولا المتلقين عن الاشتراء فى الطريق.
قال: الرابع: أنه حتى لو كان فيهما نص على جواز تلقى الركبان لكان النهى ناسخا، ولا بد
بيقين لا شك فيه، لأن التلقى كان مباحا بلا شك قبل النهى، فكان هذان الخبران موافقين للحال
المتقدمة بلا شك، فقد بطل حكم هذين الخبرين، ونسخ لو صح فيهما إباحة التلقى، وهذا برهان
قاطع لا محيد عنه اهـ.
قلت: عجبا ممن أنكر على الطحاوى وأمثاله من الحنفية إذا ادعوا كون أحد الخبرين ناسخا
للآخر لكونه حاظرا، والآخر مبيحا كى لا يلزم النسخ مرتين، بقوله: إن دعوى النسخ لا تقبل إلا
بدليل، وليس كون أحد الخبرين حاظرا دليلا على النسخ البتة، ثم يستعمل هذا الأصل، وينسى ما
قدمت يداه ويؤيده بما لا مزید علیه، وبعد ذلك فالجواب أن النسخ إنما يصار إليه إذا لم يدل دليل
على كون الراوى عالما بالحاظر، وههنا ليس كذلك، فإن ابن عمر قد علم بالنهى عن التلقى، ومع
ذلك روى: أنا كنا نتلقى الركبان، ولم يقل: فنهانا عنه رسول الله عَّ ◌ُلّه، بل قال: فنهانا أن نبيعه
حیث نشتری حتی ننقله حیث یباع الطعام، فدل على أن النهى عن التلقی لیس على إطلاقه، بل هو
مقيد بقيد ما، وهو الذى ذكره أبو حنيفة ومن وافقه، كما مر.
وأيضًا: فإنما يصار إلى النسخ إذا لم يمكن الجمع بين الخبرين، وههنا ليس كذلك، بل الجمع
ممكن لما عرفت من اختلاف العلماء فى تفسير التلقى، فيحمل النهى على ما إذا لزم منه تغرير أهل
السلع، وهم لا يعلمون سعر البلد، والإباحة على ما إذا لم يغرهم، واشترى ما معهم ودخل المصر
٢٠٢
تلقى الجلب وبيع الحاضر للبادى
إعلاء السنن
وباعه بأى ثمن شاء، ولم يكن أهل البلد فى جدب وقحط، وإعمال الخبرين أولى من إعمال
أحدهما، وإهمال الآخر.
قال: وخامسها: أن يضم هذان الخبران إلى أخبار النهى، فيكون البائعون تخيروا إمضاء
البيع، فأمر المبتاعون بنقله حينئذ إلى السوق، فتتفق الأخبار كلها، ولا تحمل على التضاد اهـ.
قلت: وفيه أن البائعين إن كانوا تخيروا إمضاء البيع فى الطريق قبل بلوغهم السوق، فقد
أثبت لهم الخيار حيث لا خيار لهم، فإن أحاديث الخيار قاضية بأنهم يتخيرون إذا وردت السلعة
السوق، كما ورد ذلك فى حديث هشام، عن ابن سيرين، عن أبى هريرة عند مسلم بلفظ: ((فمن
تلقاه فاشترى منه فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار))، وفى حديث أيوب السختيانى، عن ابن
سيرين، عنه عند أبى داود بلفظ: ((فإن تلقاه متلقٍ فاشتراه فصاحب السلعة بالخيار إذا وردت
السوق)) ("المحلى" ٤٤٩:٨)، وإن كانوا تخيروه بعد بلوغهم السوق فلا معنى لأمره المتابعين بنقله
حينئذ إلى السوق، فهل أمروا بنقله من سوق إلى سوق آخر؟ وبهذا تبين سخافة فهم ابن حزم، وقلة
تدبره فى معانى الحديث، وأيضًا فكما أن له أن يحمل الخبرين على أخبار النهى بالتأويل البارد الذى
ذكره، فكذلك لخصمه أن يحملهما على أخبار النهى بالتأويل الصحيح الذى مر ذكره، لكى تتفق
الأخبار، ولا تحمل على التضاد، فكيف يكون تأويله حجة علينا، ولا يكون تأويلنا حجة عليه؟
قال: وسادسها: "أننا روينا هذا الخبر ببيان صحيح رافع للإشكال من طريق من هو أحفظ
وأضبط من جويرية، كما روينا من طريق البخارى: نا مسدد، نا يحيى هو ابن سعيد القطان، عن
عبيد الله هو ابن عمر، حدثه نافع عن عبد الله بن عمر قال: " كانوا يبتاعون الطعام فى أعلى السوق
ويبيعونه فى مكانه، فنهاهم النبى معَّ أن يبيعوه حتى ينقلوه"، ومن طريق مسلم بلفظ: ((كنا
نشترى الطعام من الركبان جزافا، فنهانا رسول الله عَّ أن نبيعه حتي ننقله من مكانه))، فهذا يبين
أن البيع كان فى السوق إلا أنه فى أعلاه، وفى الجزاف خاصة، فنهى المشترون عن ذلك اهـ.
قلت: فهل البيع أو الاشتراء فى أعلى السوق داخل فى تلقى الجلب؟ فإن قال: نعم! فقد أتى
بما لا يساعده لغة، ولا قياس ولا أثر، وبما لم يقل به أحد قبله، وإن قال: لا! فكيف يصح جعله
الحديثين حديثا واحدا؟ بل هما حديثان برأسهما، فى أحدهما تلقى الركبان فى الطريق، وفى الآخر
الاشتراء فى أعلى السوق، فليس أحد الخبرين محمولا على الآخر، وإلا لزم كون الاشتراء فى أعلى
السوق من التلقى، وهو باطل قطعا، وأما لفظ مسلم فلا يضرنا، بل فيه تأييد لما قلنا: إنهم كانوا
ج - ١٤
تلقى الجلب وبيع الحاضر للبادى
٢٠٣
يشترون من الركبان فى الطريق من غير أن يقبضوا الطعام، فنهوا أن يبيعوه حتى يقبضوه، فقوله:
((جزافا)) محمول على الشراء بمجرد الإيجاب والقبول، وقوله: ((حتى ننقله من مكانه)) كناية عن
القبض، وبالجملة: فحديث ابن عمر من طريق جويرية وموسى بن عقبة حجة لأبى حنيفة قوية فى
إباحة التلقى إذا لم يضر بأهل البلد، وكل ما أورده عليه ابن حزم رد عليه، فافهم.
وكذا ما أورده عليه فى بيع الحاضر للبادى بقوله: وأما أبو حنيفة فلم يحتج إلى تطويل، لكن
خالف رسول الله عٍَّ فى نهيه أن يبيع حاضر لباد بنقل التواتر، وخالف ما جاء فى ذلك عن
الصحابة رضى الله عنهم دون أن يعرف لهم منهم مخالف، فمن أعجب ممن يرد هذه الآثار
المتواترة المتظاهرة الصحاح من السنن، وعن الصحابة، وهم يطلقون فى أصولهم أن الأثر، وإن كان
ضعيفا، فهو أقوى من النظر اهـ ملخصًا (٤٥٧:٨).
ليس الأخذ بحديث هو ناسخ لحديث آخر عند المجتهد من المخالفة فى شىء:
فقد عرفت أن أبا حنيفة قد تمسك فى ذلك بعموم قوله معّ له: ((الدين النصيحة))، وزعم أنه
ناسخ لحديث النهى، وكيف يكون الآخذ بحديث هو ناسخ عنده للحديث الآخر مخالفًا لرسول
الله عَّه وأصحابه؟ فإن كان ذلك هو المخالفة فابن حزم أول مخالف لرسول الله عَّ جله وأصحابه،
حيث قال يكون حديث النهى عن التلقى ناسخا لحديث ابن عمر: "كنا نتلقى الركبان" وغير ذلك
من الأحاديث الكثيرة التى ردها وهى صحاح، كما لا يخفى على من أمعن النظر فى "المحلى" له.
فإن قيل: ما دليل قول الإمام فى هذا الباب، قلنا: دليله ما ذكره ابن حزم نفسه من طريق
سعيد بن منصور: نا سفيان، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد، قال: ((إنما نهى رسول الله عَّ ◌ُّه أن يبيع
حاضر لباد، لأنه أراد أن يصيب المسلمون من غرتهم، فأما اليوم فلا بأس)) (٤٥٤:٨). ومن طريق
وكيع، عن ابن خيثم، قلت لعطاء: "قوم من الأعراب يقدمون علينا، أفنشترى لهم؟ قال: لا بأس"ّ،
ومن طريق وكيع، عن سفيان الثورى، عن المغيرة، عن إبراهيم، قال: "كان يعجبهم أن يصيبوا من
الأعراب رخصة" اهـ، وهو قول الأوزاعى، وسفيان الثورى وغيرهم، ومن طريق ابن أبى شيبة:
نا وكيع، عن سفيان الثورى، عن أبى موسى، عن الشعبى، قال: كان المهاجرون يكرهون بيع
حاضر لباد، قال الشعبى: وإنى(١) لأفعله (٤٥٤:٨).
فهؤلاء فقهاء التابعين لم يروا بأسًا ببيع الحاضر للبادى، ولا بالشراء لهم، وهم أعرف الناس
(١) وتأويله بأنی لأکرهه کما فعله ابن حزم تحريف للكلام، كما لا يخفى.
٢٠٤
تلقى الجلب وبيع الحاضر للبادى
إعلاء السنن
بمذاهب الصحابة، وبمعانى حديث رسول الله عَ ظله، وروى مسلم فى "الصحيح" عن إسحاق بن
إبراهيم وغيره، عن عبد الرزاق، عن معمر، والبخارى من وجهين آخرين عن معمر عن ابن طاوس،
عن أبيه، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله معرّ له: ((لا بيع حاضر لباد، قال: قلت: ما لا يبيع
حاضر لباد؟ قال: لا تكن له سمسارا)) كذا فى "السنن الكبرى" للبيهقى (٣٤٦:٥)، وترجمه
البخارى بقوله: هل يبيع حاضر لباد بغير أجر وهل يعنيه أو ينصحه؟ قال ابن المنير وغيره: حمل
البخارى النهى عن بيع الحاضر للبادى على معنى خاص، وهو البيع بالأجر أخذا من تفسير ابن
عباس، وقوى ذلك بعموم أحاديث ((الدين النصيحة))، لأن الذى يبيع بالأجرة لا يكون غرضه نصح
البائع غالبًا، وإنما غرضه تحصيل الأجرة، فاقتضى ذلك إجازة بيع الحاضر للبادى بغير أجرة من باب
النصيحة.
قال الحافظ: ويؤيده ما سيأتى فى بعض طريق الحديث المعلق من قوله معّ له: ((دعوا الناس
يرزق الله بعضهم على بعض، فإذا استنصح الرجل فلينصح له))، رواه أحمد من حديث عطاء بن
السائب، عن حكيم بن أبى يزيد، عن أبيه: حدثنى أبى، قال: قال رسول الله عَُّله: فذكره،
والبيهقى من طريق عبد الملك بن عمير، عن أبى الزبير، عن جابر مرفوعا مثله، وقد أخرجه مسلم
من طريق أبى خيثمة، عن أبى الزبير بلفظ: ((لا يبيع حاضر لبادٍ، دعوا الناس يرزق بعضهم من
بعض))، كذا فى "فتح البارى" (٣١:٤).
وقال ابن رشد فى "بداية المجتهد" له: وأما نهيه مرّ له عن بيع الحاضر للبادى، فاختلف
العلماء فى معنى ذلك، فقال قوم: لا يبع أهل الحضر لأهل البادية قولا واحدا، واختلف عنه فى
شراء الحضرى للبدوى، فمرة أجازه، وبه قال ابن حبيب، ومرة منعه، وأهل الحضر عنده هم أهل
الأمصار، وقد قيل عنه: إنه لا يجوز أن يبيع أهل القرى لأهل العمود المنتقلين، وبمثل قول مالك قال
الشافعى والأوزاعى، وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا بأس أن يبيع الحاضر للبادى ويخبره بالسعر،
وكرهه مالك أى أن يخبر الحضرى البادى بالسعر، وأجازه الأوزاعى، والذين منعوه اتفقوا على
أن القصد بهذا النهى هو إرفاق أهل الحضر، لأن الأشياء عند البادية أيسر من أهل الحاضرة، وهى
عندهم أرخص بل أكثر ما يكون مجانًا عندهم، أى بغير ثمن، فكأنهم رأوا أنه يكره أن ينصح
الحضرى للبدوى، وهذا منافق لقوله عليه الصلاة والسلام: ((الدين النصيحة))، وبهذا تمسك
فى جوازه أبو حنيفة، وحجة الجمهور حديث جابر أخرجه مسلم وأبو داود، وقال: قال رسول
الله عَِّ: ((لا يبيع حاضر لبادٍ، ذروا الناس يرزق الله بعضهم من بعض))، وهذه الزيادة انفرد بها
ج - ١٤
تلقى الجلب وبيع الحاضر للبادى
٢٠٥
أبو داود فيما أحسب (قلت: كلا! بل شاركه فيها مسلم أيضاً) والأشبه أن يكون من باب غبن
البدوى، لأنه يرد والسعر مجهول عنده إلا أن تثبت هذه الزيادة، (قلت: قد ثبتت فقد رواها مسلم،
كما مر)، واختلفوا إذا وقع، فقال الشافعى: إذا وقع فقد تم وجاز البيع، لقوله عليه الصلاة والسلام:
(دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض)) اهـ (١٠١:٢).
وقال ابن حزم: "فإن فعل فسخ البيع والشراء أبدًا، فإنه بيع محرم من إنسان منهى عن ذلك
البيع، وناقض الشافعى ههنا إذا لم يبطل البيع، وأبطل سائر البيوع المنهى عنها" (٤٥٥:٨).
والجواب ما ذكره الحافظ فى "الفتح" ردا على البخارى فى باب النهى عن تلقى الركبان،
وقوله: إن بيعه مردود، لأن صاحبه عاصٍ وآثم، بما نصه: جزم المصنف بأن البيع مردود بناء على أن
النهى يقتضى الفساد، لكن محل ذلك عند المحققين فيما يرجع إلى ذات المنهى عنه لا ما إذا كان
يرجع إلى أمر خارج عنه، فيصح البيع، وأما كون صاحبه عاصيا لا يلزم من ذلك أن يكون البيع
مردودا، لأن النهى لا يرجع إلى نفس العقد ولا يخل بشئ من أركانه وشرائطه، وإنما هو لدفع
الإضرار بالركبان، وقد تعقبه الإسماعيلى، وألزمه التناقض ببيع المصراة، فإن فيه خداعا (وقد ورد
النهى عن التصرية صريحا)، ومع ذلك لم يبطل البيع اهـ، ملخصًا (٣١٣:٤).
فائدة يجب على المحدث معرفتها، والوقوف عندها:
وليعلم ابن حزم ومن تبعه من الظاهرية أنه ليس أحد من الأئمة المقبولين عند الأمة قبولا عاما
يتعمد مخالفة رسول الله مێ فى شىء من سنته دقیق ولا جلیل، ولكن إذا وجد لواحد منهم قول
قد جاء حدیث صحیح بخلافه فلا بد له من عذر فی تر که، کاعتقاده ضعف الحديث باجتهاد قد
خالفه فيه غيره، ولذلك أسباب: منها: أن يكون المحدث بالحديث يعتقده أحدهما ضعيفا، والآخر
ثقة، ومعرفة الرجال علم واسع، وللعلماء بالرجال وأحوالهم فى ذلك من الإجماع، والاختلاف
مثل ما يعزهم من سائر أهل العلم فى علومهم، وكاشتراطه فى خبر الواحد العدل الحافظ شروطا
يخالفه فيها غيره، مثل اشتراط بعضهم عرض الحديث على الكتاب والسنة المشهورة، واشتراط
بعضهم أن يكون المحدث فقيها إذا خالف الحديث قياس الأصول، واشتراط بعضهم انتشار
الحديث، وظهوره إذا كان فيما تعم به البلوى إلى غير ذلك مما هو معروف فى مواضعه، قاله ابن
تيمية فى رفع الملام عن الأئمة الأعلام كما مر فى المقدمة، فمن نسب الأئمة المقبولين إلى مخالفة
الرسول عَّه، فقد جاوز الحد وأفرط، وعطى من سفاهته بقول شطط، ومن أمعن النظر فى كتابنا
٢٠٦
إعلاء السنن
باب البيع عند أذان الجمعة
٤٦٨٦- حدثنا مهران، عن سفيان، عن إسماعيل السدى، عن أبى مالك: قال:
" كان قوم يجلسون فى بقيع الزبير، فيشترون ويبيعون إذا نودى للصلاة يوم الجمعة،
ولا يقومون، فنزلت: ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة﴾" (ابن جرير ٦٦:٢٨).
٤٦٨٧- وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس، قال: قال رسول الله عّ له: ((حرمت
التجارة يوم الجمعة ما بين الأذان الأول إلى الإقامة، أى انصراف الإمام، لأن الله يقول:
﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع﴾،
(الدر المنثور ٢١٩:٦)، وذكره الحافظ مختصرا فى "الفتح" (٣٢٤:٣)، فهو حسن
أو صحیح على أصله.
هذا أيقن بأن أبا حنيفة رحمه الله من أتبع الناس للأثر، وإذا وجد له قول، قد جاء حديث صحيح
بخلافه فله عنده تأويل لا يخالفه، ويساعده حديث آخر أصح منه، ولم ينفرد أبو حنيفة بهذا
الصنيع من بین الأمة، بل سائر الأئمة كذلك يفعلون، و کم من حدیث صحیح قد تر که ابن حزم
ورده بحديث آخر صحيح، أو لآية من كتاب الله عنده صريح، فافهم، ولا تعجل بالإنكار على
الأئمة، فتندم.١٢ ظ
باب البيع عند أذان الجمعة
قوله: "حرمت التجارة إلخ"، أقول: قال فى "كنز الدقائق" وغيره من متون المذهب:
"يجب السعى إليها، وترك البيع بالأذان الأول". وقال فى "العالمكيرية" : قال الطحاوى: يجب
السعى ويكره البيع عند أذان المنبر، وقال الحسن بن زياد: المعتبر هو الأذان على المنارة، والأصح أن
كل أذان يكون قبل الزوال فهو غير معتبر، والمعتبر أول الأذان بعد الزوال، سواء كان على المنبر،
أو على الزوراء، كذا فى "الكافى" (٩٥:١)، وقال فى "شرح المنية": اختلفوا فى المراد بالأذان
الأول، فقيل: الأول باعتبار المشروعية، وهو الذى بين يدى المنبر، والأصح أنه الأول باعتبار
الوقت، وهو الذى يكون على المنارة بعد الزوال اهـ، ملخصًا.
وقال فى "البحر الرائق": هذا القول هو الصحيح فى المذهب، وقيل: العبرة للأذان الثانى
الذى يكون بين يدى المنبر، لأنه لم يكن فى زمنه عليه السلام إلا هو، وهو ضعيف، لأنه لو اعتبر
فى وجوب السعى لم يتمكن من السنة القبلية، ومن الاستماع، بل ربما يخشى عليه فوات الجمعة
اهـ (١٥٦:٢)، فظهر منه أن المنصوص فى المذهب هو الأذان الأول من غير تفصيل بكونه أذان
ج - ١٤
البيع عند أذان الجمعة
٢٠٧
المنبر أو المنارة، واختلفوا فى تعيينه، فقال الطحاوى: هو أذان المنبر، وقال الحسن بن زياد: هو أذان
المنارة، ورجح الفقهاء قول الحسن بن زياد.
قال العبد الضعيف: واختار صاحب "البدائع" قول الطحاوى كما سيأتى نظرا إلى أن
الأذان عند المنبر، هو الذى كان حرمة البيع منوطا به فى عهد رسول الله ماێے، ورجح غيره من
أصحاب المتون والشروح قول الحسن نظرا إلى أن أذان المنارة يكون فى وقت الأذان الذى كان
حرمة البيع منوطا به فى عهد النبى معَّهِ، وبيانه أن النبى مّ ◌ُّه كمان يبكر بالصلاة ويعجلها بعد
زوال الشمس معاً، كما مر فى الجزء الثانى من الكتاب، حتى ظن أحمد بن حنبل وإسحاق بن
راهويه أنه مرّةٍ كان يصليها قبل الزوال أحيانا، ومن هنا قالا بجواز الجمعة قبل الزوال، وحمل
الجمهور هذه الأحاديث التى احتجابها على المبالغة فى تعجيلها، فروى البخارى عن أنس بن
مالك: ((أن رسول الله عٍَّ كان يصلى بالجمعة حين تميل الشمس)، ومسلم عن سلمة بن الأكوع،
قال "كنا نجمع مع رسول الله عّ لِّ إذا زالت الشمس"، والطبرانى بسند حسن عن جابر، قال:
((كان رسول الله عَّ إذا زالت الشمس صلى الجمعة))، وابن أبى شيبة بإسناد قوى عن سعيد بن
غفلة: أنه صلى الجمعة مع أبى بكر وعمر حين زالت الشمس، وفى رواية حميد عن أنس: كنا نبكر
بالجمعة ونقیل بعدها.
وروى أحمد والدارقطنى عن عبد الله بن سيدان السلمى، قال: "شهدت الجمعة مع أبى
بكر، فكانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار، ثم شهدتها مع عمر، فكانت صلاته وخطبته إلى
أن أقول: انتصف النهار، ثم شهدتها مع عثمان، فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول: زال النهار"،
احتج به أحمد لمذهبه، وحمله الجمهور على مبالغة الشيخين فى تعجيلها، حتى يظن من لا خبرة له
بحقيقة الزوال أنهما صلياها قبل الزوال، ولم يكن فى نفس الأمر كذلك.
وبالجلمة: فلا شك فى أنه مێے والخلیفتین بعده کانوا یعجلون صلاة الجمعة فى أول وقتها
عند زوال الشمس، فلا بد من كون الأذان بين يدى المنبر علما لدخول وقت الجمعة إذ ذاك، فقوله
تعالى: ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة﴾ كناية عن دخول الوقت، لا عن الأذان المخصوص، ألا
ترى أنه لو لم يؤذن للجمعة أصلا، لا على الزوراء، ولا بين يدى المنبر، لكان البيع والشراء بعد
الزوال منهيا عنه، ولو أذن بين يدى المنبر قبل الزوال لم يحرم به البيع وغيره؟ وإذا ثبت أن الأذان
بين يدى المنبر كان علما لدخول وقت الجمعة كان فى حكمه الأذان الذى أحدثه عثمان على
الزوراء، لكونه فى وقت ذلك الأذان الذى كانت حرمة البيع منوطة به فى عهد النبى عدّ،
٢٠٨
البيع عند أذان الجمعة
إعلاء السنن
بخلاف الأذان الثانى، فإنه صار متأخرا عن الوقت المعهود جدًا.
قال الحافظ فى "الفتح": قوله: قال ابن عباس: "يحرم البيع حينئذ أى إذا نودى بالصلاة"،
وهذا الأثر ذكره ابن حزم من طريق عكرمة عن ابن عباس بلفظ: "لا يصلح البيع يوم الجمعة حين
ینادی للصلاة، فإذا قضیت الصلاة فاشتر وبع"، ورواه ابن مردويه من وجه آخر عن ابن عباس
مرفوعًا، وإلى القول بالتحريم ذهب الجمهور، وابتداؤه عندهم من حين الأذان بين يدى الإمام، لأنه
الذی کان فى عهد النبی مێ كما سيأتى قريبًا.
وروى عمر بن شبة فى "أخبار المدينة" من طريق مكحول: "أن النداء كان على عهد
رسول الله بٍِّ يؤذن يوم الجمعة مؤذن واحد حين يخرج الإمام (ويجلس على المنبر)، وذلك النداء
الذى يحرم عنده البيع"، وهو مرسل(١) يعتضد بشواهد تأتى قريبًا.
قال الحافظ: وأما الأذان الذى عند الزوال فيجوز عندهم البيع فيه مع الكراهة، وعن الحنفية:
يكره مطلقًا ولا يحرم، (قلت: بل يحرم عندهم مطلقًا، فإن الكراهة تحريمیة کما صرح به صاحب
"البحر" وسيأتى)، وهل يصح البيع مع القول بالتحريم؟ قولان مبنيان على أن النهى هل مقتضى
الفساد مطلقًا أولا اهـ (٣٢٤:٣). وفى "المهذب": ولا يبطل البيع، لأن النهى لا يختص بالعقد،
فلم يمنع صحته كالصلاة فى أرض مغصوبة، وفى شرحه للنووى: فرع فى مذاهب العلماء: إذا
تبایعا بيعا محرما بعد النداء مذهبنا صحته، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، وقال أحمد وداود فى
رواية عنه: لا يصح (٤ : ٥٠٠ - ٥٠١).
وفى "المبسوط": لشمس الأئمة السرخسى: واختلفوا فى الأذان المعتبر الذى يحرم عنده
البيع، ويجب السعى إلى الجمعة، فكان الطحاوى يقول: هو الأذان عند المنبر بعد خروج الإمام،
فإنه الأصل الذى كان للجمعة على عهد رسول الله عَ ليه، وهكذا فى عهد أبى بكر وعمر،
ثم أحدث الناس الأذان على الزوراء فى عهد عثمان، وكان الحسن بن زياد يقول: المعتبر هو الأذان
على المنارة، والأصح أن كل أذان يكون قبل زوال الشمس، فذلك غير معتبر، والمعتبر أول الأذان
بعد زوال الشمس سواء كان على المنبر، أو على الزوراء (١٢٤:١).
(١) أى قوله: "إن النداء كان على عهد رسول الله ملتآل يؤذن يوم الجمعة مؤذن واحد حین یخرج الإمام"، فهذا خبر مرسل قد
اعتضد بالشواهد، وأما قوله: "وذلك النداء الذى يحرم عنده البيع"، فليس بخبر مرسل، ولا له شواهد، بل هو من رأى
مکحول قاله تفقها واجتهادا، فافهم. ظ
:
ج - ١٤
البيع عند أذان الجمعة
٢٠٩
قلت: ويؤيده قول ابن عباس عند ابن حزم فى المحلى من طريق سليمان بن داود: نا سليمان
ابن معاذ، نا سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: "لا يصلح البيع يوم الجمعة حين ينادى
للصلاة، فإذا قضيت الصلاة فاشتر وبع"، قال: ولا نعلم له مخالفا من الصحابة (٢٧:٩). قلت:
"ولا يخفى أن النداء للصلاة إنما هو الأول، وأما النداء بين يدى المنبر، فإنما هو للإنصات. قال
المهلب: الحكمة فى جعل الأذان فى هذا المحل ليعرف الناس بجلوس الإمام على المنبر، فينصتون له
إذا خطب كذا قال. وفيه نظر، فإن فى سياق ابن إسحاق عند الطبرانى وغيره عن الزهرى فى هذا
الحديث أى حديث السائب بن زيد: أن بلالا كان يؤذن على باب المسجد". فالظاهر أنه كان
لمطلق الإعلام لا لخصوص الإنصات، نعم! لما زيد الأذان الأول كان للإعلام، وكان الذى بين يدى
الخطيب للإنصات، قاله الحافظ فى "الفتح" (٣٢٧:٣).
وبالجملة: فالنداء للإعلام هو الأذان الأول بعد الزوال، سواء كان على المنارة أو بين يدى
الخطيب، وهو المحرم للبيع الموجب للسعى لقول ابن عباس: "حين ينادى للصلاة"، وقوله: أرجح
من رأى مكحول الذى تمسك به الجمهور، وقد تأيد بما ذكرنا قبل أن الأذان الذى أحدثه عثمان
كان فى وقت الأذان الذى كان يؤذن به بين يدى الخطيب فى عهد النبى عّ لّه والخليفتين بعده، فإن
الناس كانوا إذا ذاك يبكرون إلى الجمعة، يتهيأون لها قبل الزوال، فلا تزول الشمس عن شطر النهار
إلا والمسجد ملآن من المصلين، فلم يكن لهم حاجة إلى الإعلام بدخول الوقت إلا لقليل منهم،
ثم لما كثر المسلمون بالمدينة وغيرها من البلاد، ووقع التساهل فى التبكير، مست الحاجة إلى
إعلامهم بدخول الوقت قبل الأذان بين يدى الخطيب، فكان للنداء الأول حكم النداء الثانى الذى
هو أول النداء فى عهد النبى معَّ لكونه فى وقته.
وبذلك اندحض ما ذكره بعض الأحباب فى ترجيح قول الطحاوى والجمهور، فإنه نظر إلى
كون الحرمة منوطةً بالأذان بين يدى الخطيب فى عهد النبى معَِّ والخليفتين بعده، وأن أذان المنارة
لم يكن عند نزول الآية، ونسى أن وقت أذان المنارة، هو وقت الأذان الذى كانت الحرمة منوطة به
فى ذلك الوقت، فافهم، ولا تكن من الغافلين. ١٢ظ
ثم اختلفوا فى حكم هذا البيع، فقال مالك: هو فاسد، وقال أبو حنيفة: صحيح،
واحتج مالك بكونه منهيا عنه. والجواب عنه أن ليس كل نهى يوجب فساد العقد، لأنه معَّ له
نهى عن البيع فى المسجد، ثم قال: ((إذا رأيتم من يبيع فى المسجد فقولوا لا أربح الله تجارتك)).
٢١٠
البيع عند أذان الجمعة
إعلاء السنن
فأجاز رسول الله عَ ليه هذا البيع مع كونه منهيا عنه، بل النهى الموجب لفساده هو الذى يكون
لمعنى فى العقد، وهذا النهى ليس كذلك، لأن العقد صحيح مستجمع لشرائط الصحة، وإنما ورد
النهى لكونه مخلا بالسعى، وهذا المعنى خارج عن العقد، فلا يوجب فساد العقد، بل يوجب
كراهة الفعل وحرمته.
ثم اختلفوا فى أن الكراهة مطلقة أم مقيدة بما إذا كان مخلا بالسعى؟ فقال بعضهم
بالإطلاق، وجعله فى "النهر" معولا عليه، وأقره عليه الشامى، وصرح صاحب "السراج الوهاج".
بالثانى، وهو الأقوى من جهة النظر، إذ لو كان كذلك لامتنع كل فعل حتى الكلام فى حالة
السعى، إذ لا فرق بينهما، وقال صاحب "عمدة الرعاية": والبيع عند ذلك مكروها تحريما، فإن باع
ماشيا إليها فى الطريق لا يكره، حاشية "شرح وقاية" (١٩١:١)، وقال فى "البدائع": يكره البيع
والشراء يوم الجمعة إذا صعد الإمام المنبر وأذن المؤذنون من يديه، لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا
إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع﴾، والأمر بترك البيع یکون نهيا
عن مباشرته، وأدنى درجات النهى الكراهة، ولو باع يجوز، لأن الأمر بترك البيع ليس لعين البيع،
بل لترك استماع الخطبة اهـ (٢٧٠:١).
• قال العبد الضعيف: وبالجملة: فالمذهب صحة البيع وقت النداء وبعده مع الكراهة تحريما،
وهل یجب علی المتبابعین فسخه؟ لم أره صریحا إلا فى كلام صاحب "البحر"، حیث قال ردا
على الإسبيجابى: إن كلامه يفيد أن الكراهة تنزيهية، وليس كذلك بل تحريمية اتفاقا، ولهذا وجب
فسخه لو وقع اهـ (١٥٦:٢).
ولا يخفى أن صحة العقد مع الكراهة لا ينافى وجوب فسخه برضا العاقدين، ألا ترى أن
الصلاة تصح فى وقت الكراهة، ومع ذلك يجب فسخها، فبطل ما أورده عليه بعض الأحباب:
"أنه خلاف المعلوم من المذهب أن العقد صحيح، والكراهة فى الفعل، ولا فسخ مع صحة العقد"
اهـ، فإنه إن أراد أنه لا فسخ مع صحة العقد قضاء فمسلم، وإن أراد نفى وجوب الفسخ ديانةً برضا
المتبايعين فلا، وأما إنه لا يرفع الإخلال بالسعى الذى كان موجبا للنهى فلا يفيد، ففيه أن المتبايعين
إذا تبايعا باللسان إيجابا وقبولا، ولم يتقابضا المبيع ولا الثمن، ثم تذكرا كونهما قد تبايعا بعد الأذان
وتركا البيع وتفاسخا العقد، فلا شك كونه إقلاعا من الذنب الذى وقعا فيه، وتحرزا عن الإخلال
الزائد الذى يلزم من نقد الثمن، ورؤية المبيع ظهر البطن، وربما يكون مما يحتاج إلى النقل والحفظ،
ج - ١٤
البيع عند أذان الجمعة
٢١١
فيخل ذلك بالسعى أكثر مما كان قد أخل به الإيجاب والقبول، هذا إذا فسخا العقد قبل الصلاة،
وأما إذا فسخاه بعد الصلاة ففائدته الإقلاع من الذنب، والانخلاع من العقد الذى وقعا فيه خلافا
الله ورسوله، ومن شأن المؤمن أن ينخلع من مثل ذلك حسبما أمكن، فإن ذلك من توبته، كما
لا يخفى، والله تعالى أعلم.
وفى "شرح المهذب" وحيث حرمنا البيع، فهو فى حق من جلس له فى غير المسجد، أما إذا
سمع النداء، فقام فى الحال قاصد الجمعة، فتبايع فى طريقه، وهو يمشى ولم يقف، أو قعد فى الجامع
فباع فلا يحرم، لكنه يكره، صحيح به المتولى وغيره، وهو ظاهر، لأن المقصود أن لا يتأخر عن
السعى إلى الجمعة اهـ (٤: ٥٠٠). قلت: فليحمل ما فى "النهر"، وغيره من إطلاق الكراهة على
الكراهة تنزيها، وما فى "السراج الوهاج" من جواز البيع والشراء ماشيا فى الطريق على نفى
الكراهة تحريما، وأما قول شارح "المهذب": أو قعد فى الجامع فباع فلا يحرم، لا يتمشى على أصلنا
الكراهة البيع فى المسجد عندنا، قال فى "البحر" عن "المضمرات": والذى يبيع ويشترى فى
المسجد، أو على باب المسجد أعظم إثما وأثقل وزرا اهـ (١٥٧:٢).
وقد أتى ابن حزم ههنا بطامة لا تطاق ولا تتحمل، فقال: وأما إجازة أبى حنيفة والشافعى
البيع فى الوقت المذكور، فخلاف لأمر الله تعالى، ولا نعلم لهم حجة أصلا أكثر من أن قالوا: إنما
نهى عن التشاغل عن السعى إلى الصلاة فقط، ولو أن امرء باع فى الصلاة لصح البيع اهـ (٢٧:٩)،
فلا أدرى من أين عزى إليهم القول بأن امرء لو باع فى الصلاة لصح البيع، وبطلان الصلاة بكلام
الناس الذى يتعلق بالبيع والشراء مما لا يخفى على جاهل فضلا عن عالم بمذهب الحنفية والشافعية،
فإلى الله المشتكى، ثم قال بناء الفاسد على الفاسد، وأما قولهم: "لو باع فى الصلاة لجاز البيع"
فتمويه بارد، لأن المصلى بأول أخذه فى الكلام فى المساومة بطلت صلاته، فصار غير مصلٍ اهـ.
قلنا: ليس المموه إلا أنت، فإنهم لم يقولوا قط بما عزوته إليهم، وإن كان قد ورد هذا اللفظ
فى كلام أحد منهم، فإنما أراد بالصلاة المشى إليها، لما ورد فى الحديث: ((من توضأ فأحسن
الوضوء، ثم خرج إلى الصلاة عامدا إليها، فإنه فى صلاة ما كان يعمد إلى صلاة)) رواه ابن حبان
فى "صحيحه"، كما فى "الترغيب" (٥٤:١)، والعجب ممن لا يفهم كلام مثله من العلماء
أن يجترئ على استنباط الأحكام من الكتاب والسنة، ويورط على جماعة الفقهاء.
قال: وأما قولهم: "إنما أراد الله بذلك التشاغل عن السعى" فعظم من القول جدا، ليت
٢١٢
البيع عند أذان الجمعة
إعلاء السنن
شعرى من أخبرهم بذلك، ولو أن الله تعالى أراد ما قالوا لما نهانا عن البيع مطلقًا، ولا عجز عن بيان
مراده إلى آخر ما قال وأطال (٢٧:٩)، قلت: قد بين الله مراده بأوضح بيان، ولكنك لا تفقه
ولا تقهم، "ولو ردوه إلى الرسول، وإلى أولى الأمر منهم بالسعى لا يتناوله النهى، ولأن الأصل فى
الأحكام التعليل، وتحريم البيع بالنداء معلل بما يحصل به من الاشتغال عن الجمعة، ألا ترى أن
المسافر إن كان فى غير المصر، أو كان رجل مقيما بقربة لا جمعة على أهلها لم يحرم له البيع قولا
واحدًا؟ وأما ما رواه من طريق حماد بن زيد، عن الوليد بن أبى هشام، عن عبد الرحمن بن القاسم
ابن محمد، عن أبيه: "أنه فسخ بيعا وقع بين النساء، وعطار بعد النداء للجمعة" اهـ (٢٨:٩).
واحتج به على عموم التحريم للمخاطبين بالجمعة وغيرهم من النساء والصبيان والمسافرين
والكفار، ففيه أن أحد المتبايعين إذا كان مخاطبًا، والآخر غير مخاطب حرم فى حق المخاطب وكره
فى حق غيره، وقيل: يحرم عليهما جميعًا، كما فى "شرح المهذب" (٤: ٥٠٠) و "المغنى"
(١٤٦:٢)، وأثر القاسم وارد فى مثل هذا، فإن العطار كان مخاطبا بالجمعة محرما عليه البيع،
فلا يتم به الاحتجاج، وإنما كان يتم إذا كان البيع قد وقع بين النساء بعضهن، وأمر بفسخه، فافهم.
فائدة: قال فی " شرح المهذب": حیث حرمنا البيع حرمت عليه العقود والصنائع، و کل ما
فيه تشاغل عن السعى إلى الجمعة، وهذا متفق عليه، ولا يزال التحريم حتى يفرغوا من الجمعة
(٤: ٥٠٠)، وقال الموفق فى "المغنى": ولا يحرم غير البيع من العقود كالإجارة، والصلح،
والنكاح، وقيل: يحرم لأنه عقد معاوضة أشبه البيع، ولنا أن النهى مختص بالبيع، وغيره لا يساويه
فى الشغل عن السعى لقلة وجوده، فلا يصح قياسه على البيع (٢: ١٤٦)، ولا يخفى أن قلة وجوده
لا يقتضى عدم مساواته البيع فى الشغل إذا وجد، ولما كان التحريم معللا بما يحصل به من الاشتغال
عن الجمعة فحيثما وجدت العلة وجد التحريم، وليس النهى مختصا بالبيع لكون الشراء محرما
أيضًا بالإجماع، قال فى "البحر": والمراد من البيع ما يشغل عن السعى إليها، حتى لو اشتغل بعمل
آخر سوى البيع فهو مكروه أيضًا (٢: ١٥٦).
وفى "بداية المجتهد" لابن رشد: وأما سائر العقود، فيحتمل أن تلحق بالبيوع، لأن فيها
المعنى الذى فى البيع من الشغل به عن السعى إليها، ويحتمل أن لا يلحق به؛ لأنها تقع فى هذا
الوقت نادرًا، بخلاف البيوع (١٠٢:٢)، وفيه ما فيه، فتذكر.
لا ينبغى المنع عن البيع يوم الجمعة:
فائدة: قال مالك: لا ينبغى للإمام أن يمنع أهل الأسواق من البيع يوم الجمعة، قال مالك:
ج - ١٤
٢١٣
باب النهى عن بيع المضطر
٤٦٨٨- عن على بن أبى طالب، قال: "سيأتى على الناس زمان عضوض بعض
وبلغنى أن بعض أصحاب رسول الله مَّ كانوا يكرهون أن يترك الرجل العمل يوم الجمعة، كما
تركت اليهود والنصارى فى السبت والأحد (المدونة ١٣٦:١) أى بل يترك العمل بعد النداء
للصلاة إلى الفراغ منها: ﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا فى الأرض وابتغوا من فضل الله﴾،
والله تعالى أعلم. ١٢ ظ
باب النهى عن بيع المضطر
قوله: "عن علی إلخ"، أقول: قال الخطابی: فی إسناد الحدیث رجل مجهول لا يدرى من
هو إلا أن عامة أهل العلم قد كرهوا هذا البيع اهـ، وقال فى "الدر المختار": "وفى النتف بيع المضطر
وشراؤه فاسد"، وقال الشامى: هو أن يضطر الرجل إلى طعام وشراب أو غيرها ولا يبيعه البائع إلا
بأكثر من ثمنها بكثير، وكذلك فى الشراء منه، كذا فى "المنح": وفيه لف ونشر غير مرتب، لأنه
قوله: " وكذا فى الشراء منه" مثال لبيع المضطر أى بأن اضطر إلى بيع شىء من ماله ولم يرض
المشترى إلا بشرائه بدون ثمن المثل بغبن فاحش، ومثاله لو ألزمه القاضى ببيع ماله لإيفاء دينه أو ألزم
الذمى ببيع مصحف أو عبد مسلم ونحو ذلك، انتهى، "بذل المجهود" (٢٥٢:٤)، وفيه أيضًا ما قال
الخطابى: إن عقد البيع مع الضرورة على هذا الوجه جائز فى الحكم، ولا يفسخ إلا أن سبيله فى
حق الدين والمروءة أن لا يباع على هذا الوجه، وأن لا يقتات عليه بماله، ولكن يعاون ويقرض
ویستمهل له إلى الميسرة، حتی یکون له فى ذلك بلاغ اهـ، بتغير يسير.
وقال الشامى: سيذكر المصنف فى الإكراه، لو صادره السلطان ولم يعين بيع ماله فباع
صح، قال الشارح هناك: والحيلة أن يقول: من أين أعطى؟ فإذا قال الظالم: بع كذا، فقد صار
مكرها فيه اهـ، فأفاد أنه بمجرد المصادرة لا يكون مكرها، بل يصح بيعه إلا إذا أمره بالبيع مع أنه
بدون أمر مضطر إلى البيع حيث لا يمكنه غيره اهـ. ثم أجاب الشامى عن هذا التدافع: بأن هذا
ليس فيه أنه باع بغبن فاحش عن ثمن المثل، نعم! العبارة مطلقة، فيمكن تقييدها بأنه إنما يصح لو
باع بثمن المثل أو غبن يسير توفيقا بين العبارتين.
وفى "شرح المهذب" للنووى: فيما إذا وجد المضطر الذى يحل له أكل الميتة، ونحوها
طعامًا حلالا طاهرا لغيره ما نصه: ثم إن بذل المالك طعامه مجانا لزمه قبوله، ويأكل منه حتى
يشبع، وإن بذله بالعوض وقدره فإن كان المقدر ثمن المثل، فالبيع صحيح، وللمضطر ما فضل عن
٢١٤
النهى عن بيع المضطر
إعلاء السنن
الموسر على ما فى يديه ولم يؤمر بذلك، قال الله تعالى: ﴿ولا تنسوا الفضل بينكم﴾.
الآخر، وإن كان أكثر من ثمن المثل والتزمه ففيما يلزمه أوجه، أصحها عند القاضى أبى الطيب
يلزمه المسمى، لأنه التزمه بعقد لازم، وأصحها عند الرويانى لا يلزمه إلا ثمن المثل فى ذلك الزمان
والمكان، لأنه كالمكره، والثالث: وهو اختيار الماوردى إن كانت الزيادة لا تشق على المضطر
ليساره لزمته وإلا فلا، قال الرافعى: وقد يفهم من كلامهم القطع بصحة البيع، وأن الخلاف فيما
يلزمه ثمنا، لكن الوجه جعل الخلاف فى صحة العقد لمعنى، وهو أن المضطر هل هو مكره أم لا؟
وفى تعليق الشيخ أبى حامد ما يبين ذلك، قد صرح به إمام الحرمين اهـ (٤٦:٩).
وفيه أيضًا: المصادر من جهة السلطان وغيره ممن يظلمه بطلب المال، وقهره على إحضاره،
إذا باع ماله ليدفعه إليه للضرورة، والأذى الذى يناله هل يصح بيعه؟ فيه وجهان مشهوران،
حكاهما إمام الحرمين، والغزالى، وآخرون. وقد سبقا فى باب الأطعمة مسائل أكل المضطر مال
الأجنبى (إشارة إلى ما ذكرناه آنفا)، أحدهما لا يصح كالمكره، وأصحهما يصح، وبه قطع الشيخ
إبراهيم المروزى، لأنه لا إكراه على نفس البيع، ومقصود الظالم تحصيل المال من أى جهة كان (من
استدانة واستيهاب وسؤال أو بيع ونحوه)، والله تعالى أعلم (١٦٠:٩).
وتبين بذلك أن المراد بالمضطر فى كلام "النتف" هو المضطر إلى سد رمقه وإبقاء مهجعته،
وهو الذى حكم بفساد بيعه وشرائه، وهو وجه للشافعية لكون المضطر مكرها، بل هو أسوأ حالا
منه، كما لا يخفى، فلما كان بيع المكره فاسدًا عندنا فكذلك بيع المضطر لاتحاد العلة، فكما أن
الإكراه يعدم الرضا كذلك الاضطرار إلى سد الرمق وإبقاء النفس يعدمه أيضًا، فإن الإكراه إنما يعدم
الرضا لخوف المكره على نفسه، وهو أشد منه فى الاضطرار، كما هو ظاهر.
وأما ما ذكره الخطابى فى تفسير حديث على رضى الله عنه أن بيع المضطر يكون على
وجهين: أحدهما: أن يضطر إلى العقد من طريق الإكراه عليه فلا ينعقد العقد، (أى عند الشافعية،
وأما عندنا فينعقد فاسداً، كما سيأتى). والثانى: أن يضطر إلى البيع لدين أو مؤنة ترهقه، فيبيع ما
فى يده بالوكس من أجل الضرورة، فسبيله من حيث المروءة أن لا يترك حتى يبيع ماله، ولكن
يعاون ویقرض ويستمهل له إلى الميسرة حتي يكون له فيه بلاغ، فإن عقد البيع على هذا الوجه
صح، ولم يفسخ ولكن كرهه عامة أهل العلم، كذا فى "شرح المهذب" (١٦١:٩).
الفرق بين بيع المضطر والمحتاج:
ففيه أن الوجه الثانى ليس من بيع المضطر، بل من بيع المحتاج، فإن المضطر شرعا إنما هو
ج - ١٤
النهى عن بيع المضطر
٢١٥
ويباع المضطرون وقد نهى النبى معٍَّ عن بيع المضطر" إلخ، أخرجه أبو داود.
الخائف على نفسه، فلا يلحق به إلا من هو مثله لا من هو دونه، وإنما كره عامة أهل العلم بيع مثل
هذا المحتاج لحق الدين والمروءة، لا لكونه فى حكم المضطر، والظاهر أن المراد بالمضطر فى حديث
على هو المكره من جهة السلطان، بدليل ما رواه البيهقى فى "سننه" من طريق سعيد بن منصور:
ثنا إسماعيل بن زكريا، عن مطرف، عن بشير أبى عبد الله، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول
الله عَّ: ((لا يركب البحر إلا حاج، أو معتمر أو غازٍ فى سبيل الله، ولا يشترى من ذى ضغطة
سلطان شيئا)) (١٨:٦). وبشير بن مسلم الكندى أبو عبد الله الكوفى، قال مسلمة بن قاسم:
مجهول، وذكره ابن حبان فى الثقات من أتباع التابعين، وقال: روى عن رجل عن عبد الله بن
عمرو، كما فى "التهذيب" (٤٦٧:١). فالإسناد كإسناد حديث على لا يخلو عن مقال، وهو مع
ذلك مفسر جيد له، فمعنى قوله: "نهى النبى معَّ ر عن بيع المضطر" أى عن مبايعة من أكرهه
السلطان على بيع ماله ظلمًا ومصادرة، وقد عرفت أن بيع المكره فاسد عندنا، ولا يبعد حمل كلام
"النتف" على هذا المعنى. وما قاله بعض الأحباب: "إن حكم الفساد لا يصح بهذا المعنى أيضًا:
لأن بيع المكره عندنا، ليس بفاسد حتى يجب فسخه شرعًا، بل هو صحيح نافذ إلا أن للمكره أن
يفسخه بعد زوال الإكراه لوقوعه بالاختيار والرضا الفاسدين بالإكراه، فتدبر" اهـ، ففيه أنا قد
تدبرنا، فبان لنا قلة معرفتك بالمذهب.
فقد قال فى "البدائع": وأما النوع الذى يحتمل الفسخ فالبيع، والشراء، والهبة، والإجارة
ونحوها، فالإكراه يوجب فساد هذه التصريحات عند أصحابنا الثلاثة رضى الله عنهم، وعند
زفر رحمه الله يوجب توقفها على الإجازة کبیع الفضولی، وعند الشافعی رحمه الله یوجب
بطلانها أصلا، وجه قولهما: إن الرضا شرط البيع شرعًا، قال الله تعالى: ﴿إلا أن تكون تجارة عن
تراضٍ منكم﴾، والإكراه يسلب الرضا، ولنا ظواهر نصوص البيع عاما مطلقا، ولأن ركن البيع
وهو المبادلة صدر مطلقا من أهل البيع فى محل، فيفيد الملك عند التسليم، كما فى سائر البياعات
الفاسدة، ولا فرق سوى أن المفسد هناك لمكان الجهالة أو الربا أو غير ذلك، وهنا الفساد لعدم
الرضا طبعا، فكان الرضا طبعا شرط الصحة لا شرط الحكم، وإذا فسد البيع والشراء بالإكراه،
فلا بد من بيان ما يتعلق به من الأحكام فذكرها (١٨٦:٧). وهو صریح فى فساد العقد بالإكراه،
كما قاله صاحب "الدر" وغيره، والخلاف بيننا وبين الشافعية إنما هو بالانعقاد وعدمه، فهو منعقد
عندنا مع فساده، وعندهم باطل غير منعقد.
٢١٦
النهى عن بيع المضطر
إعلاء السنن
فإن قيل: فساد العقد بالإكراه يقتضى وجوب فسخه، كما فى سائر البياعات الفاسدة،
وليس كذلك عندكم، قلنا: فسادها لحق الشرع من حرمة الربا، ونحو ذلك، فلا يزول برضا العبد،
وههنا الفساد لحق العبد وهو عدم رضاه، فيزول بإجازته ورضاه، قاله صاحب "البدائع" أيضًا،
ولم يتنبه بعض الأحباب لهذه الدقيقة، فاغتر بعدم وجوب فسخه لصحته، وبمثل ذلك يبتلى من
لم يراجع كلام الأئمة، واستشعر من نفسه الاجتهاد، والله الموفق لسبيل السداد.
وقال ابن حزم فى "المحلى": وقد وافقنا الحنفيون والمالكيون والشافعيون على إبطال بيع
المكره على البيع، وبالله تعالى التوفيق (٢٢:٩)، ولعله حمل قولنا بالفساد على معنى الإبطال، وقال
أيضًا: أما المضطر إلى البيع كمن جاء وخشى الموت، فباع فيما يحيى به نفسه وأهله، وكمن لزمه
فداء نفسه، أو حميمه من دار الحرب، أو كمن أكرهه ظالم على غرم ماله بالضغط، ولم يكرهه
على البيع لكن ألزمه المال فقط، فباع فى أداء ما أكره عليه بغير حق، فقد اختلف الناس فى هذا،
فروينا من طريق سعيد بن منصور: نا هشيم، أنا صالح بن رستم، نا شيخ من بني تميم، قال:
"خطبنا على أو قال: قال على: سيأتى على الناس زمان عضوض"، فذكر حديث المتن، وبه إلى
هشيم عن كوثر بن حكيم، عن مكحول، قال: بلغنى عن حذيفة أنه حدث عن رسول الله مَّ أنه
قال: ((إن بعد زمانكم هذا زمانا عضوضًا بعض الموسر على ما فى يديه، ولم يؤمر بذلك، قال الله
تعالى: ﴿وما أنفقتم من شىء فهو يخلفه وهو خير الرازقين﴾، ويشهد شرار خلق الله تعالى،
ويبايعون كل مضطر إلا أن بيع المضطرين حرام، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخونه، وإن كان
عندك خير فعد به على أخيك، ولا تزده هلاكا إلى هلاكه)). قال ابن حزم: لو استند هذان الخبران
لقلنا به مسارعين ولكنهما مرسلان، ولا يجوز القول فى الدين بالمرسل، (قلت: هذه بدعة نشأت
فى الإسلام بعد المأتين، وقد كانوا يحتجون به قبلها من غير نكير، كما ذكرنا فى "المقدمة").
الجواب عن إيراد ابن حزم على الحنفية فى الباب:
قال: ولقد كان يلزم من رد السنن الثابتة برواية شيخ من بنى كنانة، ويقول: المرسل
كالمسند، من الحنفيين والمالكبين أن يقول بهذين الخبرين، ولكنهم قوم مضطربون (٢٢:٩). قلت:
قد مر تحقيق احتجاجهم برواية شيخ من بنى كنانة، وذكرنا أن لها طرقا عديدة، وهى سنة مشهورة
عندهم، وأنهم لم يردوا هذين الخبرين أيضا بل عملوا بهما، وحملوهما على ما إذا اضطر المسلم
إلى الطعام، والشراب لإبقاء نفسه، ووجده عند آخر، وهو غير مضطر، فلا يعطيه مجانا،
ج - ١٤
النهى عن بيع المضطر
٢١٧
بل بالعوض، فإن كان العوض، ثمن المثل فالبيع صحيح، وإن كان أكثر من ثمن المثل،
والتزمه لاضطراره فالبيع فاسد، ولا يلزمه إلا ثمن المثل، فقوله: ((إلا أن بيع المضطرين حرام)) أى
مبايعتهم بأكثر من ثمن المثل، وقد مر فى كلام "النتف" أى بيع المضطر وشرائه فاسد، وفسره فى
"المنح" بما ذكرنا، ويمكن حمل المضطر على المكره على البيع فيعود إلى المسألة التى وافقنا فيه ابن
حزم أيضًا.
وأما قوله: " وجدنا كل من يبتاع قوت نفسه وأهله للأكل واللباس، فإنه مضطر إلى ابتياعه
بلا شك، فلو بطل ابتياع هذا المضطر لبطل بيع كل من لا يصيب القوت من ضيعته، وهذا باطل
بلا خلاف، وبضرورة النقل من الكواف، وقد ابتاع النبى مرّ ◌ِلّه أصواعًا من شعير لقوت أهله،
ومات عليه السلام، ودرعه مرهونة فى ثمنها، فصح أن بيع المضطر إلى قوته، وقوت أهله، وبيعه
ما یبتاعه به القوت بيع صحیح لازم اهـ.
قلنا: لم يكن النبى مرّ له مضطرا قط بالمعنى الذى مر ذكره، وكيف يكون مضطرا من
لا يزال عنده من الإبل والنوق خمسة وأربعون، ومن الفرس خمسة عشر، ومن الغنم مائة ونحوها؟
وكان يدخر لأهله قوت سنة بعد ما فتح الله عليه خيبر، فيعطى كل امرأة منهن ثمانين وسقا من
التمر، وعشرين وسقا من الشعير، كما هو معروف فى السير، وأيضًا: فلم نقل بفساد بيع المضطر
وشراءه مطلقًا، بل إذا لم يعطه البائع الطعام والشراب، إلا بأكثر من ثمن مثله بكثير، أو لم يرض
المشترى بشراء سلعته إلا بدون ثمن المثل بغبن فاحش، وليس فساده، والحال هذه لأجل الغبن، كما
توهمه الحبيب، بل لكونه لم يرض بالبيع أو الشراء كذلك إلا للاضطرار، وهو يسلب الرضا، كما
يسلبه الإكراه، وأما إذا بايعه أحد بثمن المثل أو غبن يسير فهو بيع لازم صحيح.
قال ابن حزم: وأيضًا فهو بيع تراضٍ لم يجبره أحد عليه، فهو صحيح بنص القرآن اهـ، قلنا:
هذا مسلم فى بيع المحتاج غير المضطر، وأما المضطر الذى كلامنا فيه، فلا شك أنه لا يرضى بالبيع،
أو الشراء بغبن فاحش إلا لكونه مضطرا إليه، فلم يوجد البيع عن تراضٍ أصلا، كما تقدم.
قال ابن حزم: ثم نظرنا فيمن باع فى إنقاذ نفسه أو حميمه من يد كافر أو ظلم ظالم،
فوجدنا الكافر والظالم لم يكرها الأسير ولا فادى الأسير ولا المضغوط على بيع ما باعوا فى استنقاذ
أنفسهم، أو من يسعون لاستنقاذه، وإنما أكرهوهم على إعطاء المال فقط، ولو أنهما أتوهما بمال من
قرض، أو من غير البيع ما ألزموهما البيع، فصح أنه بيع تراضٍ اهـ (٢٣:٩)، قلنا: نعم، هو كذلك،
٢١٨
إعلاء السنن
باب كراهة البيع فى المسجد
٤٦٨٩- عن أبى هريرة قال: قال رسول الله عَّ له: ((إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع فى
المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد فيه ضالة فقولوا: لا رد الله
وليس من بيع المكره، ولا من بيع المضطر، وإنها هو من بيع المحتاج إلى بيع ماله من غير إكراه،
ولا اضطرار، وحكمه ما ذكره الخطابى أن سبيله فى حق الدين والمروءة أن لا يباع بأقل من ثمن
المثل بكثير، وأن لا يقتات عليه بماله، ولكن يعاون ويقرض، ويستمهل له إلى الميسرة حتى يكون له
فى ذلك بلاغ، والله تعالى أعلم. ١٢ ظ
باب كراهة البيع فى المسجد
وقال ابن حزم فى "المحلى" (٢٤٩:٤): البيع جائز فى المساجد، قال الله تعالى: ﴿وأحل الله
البيع﴾، ولم يأت نهى عن ذلك إلا من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وهى صحيفة اهـ.
قلت: اختلف الناس فى حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، فقال بعضهم: إنه
ضعيف، لأنه ليس بسماع بل صحيفة، وقال بعضهم: وإن کان صحیفة لكنه صحیح، واختار ابن
حزم المذهب الأول، وذلك لأنه مجتهد، ولكنه أخطأ فى الحكم بتفرد عمرو بن شعيب، لأنه رواه
أبو هريرة أيضًا كما عرفت.
قال العبد الضعيف: وأتى لابن حزم أن يكون مجتهدا، والقياس كله باطل عنده؟ اللهم إلا
أن يكون مجتهدا فى علم الحديث فنعم! هو محدث، حافظ للحديث رواية له، وأما الدراية والفقه
فهو بمراحل عنهما، كما لا يخفى على من أمعن النظر فى "المحلى"، واطلع على إيراداته السخيفة
الباطلة الركيكة على مذاهب العلماء، مع إقذاعه فى الكلام وحطه ونقيضة وإساءته الأدب مع
الأئمة الأعلام، فلو كان مثل ابن حزم مجتهدا لكان الطحاوى وابن الهمام وغيرهما كالبيهقى
والنووى من محدثى الحنفية والشافعية فى درجة فوق درجة الاجتهاد، قال الموفق فى "المغنى":
ويكره البيع والشراء فى المسجد، وبه قال إسحاق، لما روى أبو هريرة، فذكر حديث المتن، ولأن
المساجد لم تبن لهذا (إشارة إلى حديث أبى عبد الله أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ما له:
((من سمع رجلا ينشد ضالة فى المسجد فليقل: لا ردها الله عليك، فإن المساجد لم تبن لهذا)) رواه
مسلم (١: ٢١٠)، ولا يخفى أن إنشاد الضالة أهون من البيع والشراء، فلما لم تبن المساجد له
فبالأولى لم تبن لهذا) ورأى عمر أن القصير رجلا يبيع فى المسجد، فقال: "هذه سوق الآخرة فإن
أردت التجارة فاخرج إلى سوق الدنيا" ، فإن باع فالبيع صحيح لأن البيع تم بأركانه وشروطه،
خ
ج - ١٤
كراهة البيع فى المسجد
٢١٩
عليك))، أخرجه الترمذى، وحسنه (١٥٨:١).
ولم يثبت وجود يفسد له، وكراهة ذلك لا توجب الفساد كالغش فى البيع والتدليس
والتصرية، وفى قوله معَّ له: "قولوا: لا أربح الله تجارتك))، من غير إخبار بفساد البيع دليل على
صحته، والله أعلم (٤: ٣١١).
ومما يدل على كراهه البيع فى المسجد ما رواه الطبرانى فى "الكبير" عن مكحول رفعه إلى
معاذ بن جبل، ورفعه معاذ إلى النبى معَّ له، قال: ((جنبوا مساجدكم صبيانكم وخصوماتكم،
وحدودكم وشرائكم وبيعكم)) الحديث. قال الهيثمى فى "مجمع الزوائد": ومكحول لم يسمع
من معاذ (٢٦:٢). قلت: ومثله صالح للاعتضاد حتما، وما رواه الطبرانى فى "الكبير" أيضًا عن
ثوبان، قال: سمعت رسول الله عَ ليه يقول: ((من رأيتموه ينشد شعرا فى المسجد فقولوا: فض الله
فاك ثلاث مرات، ومن رأيتموه ينشد ضالة فى المسجد، فقولوا: لا وجدتها ثلاث مرات، ومن
رأيتموه يبيع ويبتاع فى المسجد، فقولوا: لا أربح الله تجارتك، كذلك قال لنا رسول الله عَ لّه)).
قال الهيثمى: رواه من رواية عبد الرحمن بن ثوبان عن أبيه، ولم أجد من ترجمه (٣٥:٢)،
قلت: هو أبو محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان القرشى العامرى، ومحمد هذا من رجال الجماعة
مأمون، كما فى "التهذيب" (٢٩٤:٩)، والحديث رواه ابن مندة من طريق محمد بن حمير، عن
عباد بن كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن أبيه، عن جده، قال: سمعت رسول
الله ◌َّهِ فذكره، قال الحافظ فى "الإصابة" وعباد ضعيف (٢١٢:١). قلت: تصديه لعباد وسكوته
عن بقية الرواة يدل على كونهم ثقات، والظاهر سلامة طريق الطبرانى عن عباد بن كثير، وإلا
لصاح به الهيثمى أولا.
وبالجملة: فليس مدار الحديث على عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، بل له طرق عديدة
يقوى بعضها بعضا، وروى البيهقى فى "سننه" من طريق سفيان عن علقمة بن مرثد عن سليمان
ابن بريدة، عن أبيه: ((أن النبى معَّ ◌ُّ سمع رجلا يقول فى المسجد: من دعا إلى الجبل الأحمر، فقال
النبى معَّةٍ: لا وجدت إنما بنيت المساجد لما بنيت له))، وقال: أخرجه "مسلم" من حديث عبد
الرزاق عن الثورى (٤٤٧:٢)، قلت: وفى قوله عَّ ◌ُلّهِ: ((إنما بنيت المساجد لما بنيت له))، إشارة إلى
قوله فى قصة الأعرابى: ((إنما هى أى المساجد لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن))، وأو كما قال
رسول الله عَّهِ، رواه مسلم" (١٣٨:١). وقوله: ((إنما هى لذكر الله إلخ)) بصيغة الحصر يدل على
أنه لا يجوز فيه غير المذكورات إلا ما كان من متعلقاته، فافهم، فإن هذا هو الفقه لا ما قاله ابن
حزم، وجعله بعض الأحباب مجتهدا فيه، والله تعالى أعلم.
٢٢٠
إعلاء السنن
باب جواز الإقالة وفضلها
٤٦٩٠- عن أبى هريرة رضى الله عنه، قال: قال رسول الله عّ لّه: ((من أقال
مسلما بيعته أقاله الله عثرته)) رواه أبو داود، وزاد "ابن ماجة": ((يوم القيامة)). ورواه ابن
حبان فى "صحيحه" بلفظ ابن ماجة، والحاكم فى "المستدرك" بلفظ أبى داود، وقال:
صحيح على شرط الشيخين، وعند البيهقى: نادما (مكان مسلما)، كذا فى "نصب
الراية" (١٨٤:٢)، وروى ابن حزم من طريق أبى داود بسنده بلفظ: من أقال نادما،
(الحديث)، كما فى "المحلى" (٣:٩)، ولكنه فى "السنن" بلفظ مسلما.
باب الإقالة فسخ فى حق المتعاقدين
بيع جديد فى حق الثالث
٤٦٩١- عن الحجاج بن المنهال: نا الربيع بن حبيب: "كنا نختلف إلى السواد
فى الطعام، وهو أكداس قد حصد، فنشتريه منهم الكر بكذا وكذا وننقد أموالنا، فإذا
أذن لهم العمال فى الدراس، فمنهم من يفى لنا بما سمى لنا، ومنهم من يزعم أنه نقص
طعامه فيطلب إلينا أن نرتجع بقدر ما نقص رؤوس أموالنا، فسألت الحسن عن ذلك،
فكرهه إلا أن يستوفى ما سمى لنا أو نرتجع أموالنا كلها، وسألت ابن سيرين، فقال: إن
كانت دراهمك بأعيانها فلا بأس، وسألت عطاء، فقال: ما أراك إلا قد رفقت وأحسنت
إليه"، أخرجه ابن حزم فى "المحلى" محتجا به (٥:٩).
ثم رأيت ابن حزم، قد صرح بكراهة البيع فى المسجد فى "المحلى" (٦٣:٩)، ونصه: "البيع
فى المسجد مكروه، وهو جائز لا يرد، والبيع قبل طلوع الشمس جائز، وابتياع المرء ما ليس عنده
ثمنه جائز إلخ"، فيحمل قوله فى المجلد الرابع من "المحلى"، البيع جائز فى المساجد على هذا المعنى،
یعنی أنه صحیح لا يرد، ولکنه مکروه، فافهم.
باب جواز الإقالة وفضلها
قوله: "عن أبى هريرة إلخ"، دلالته على معنى الباب ظاهرة، وهو نص فيه.
باب: الإقالة فسخ فى حق المتعاقدين بيع جديد فى حق الثالث
قوله: "عن الحجاج إلخ"، قلت: دل اختلاف الفقهاء فى الجواب على أن الإقالة ليس بفسخ
من كل وجه، ولا بيعا من كل وجه، فلو كان بيعا لاتفق الجميع على النهى عن ارتجاع رأس المال