النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
ج - ١٤
باب عدم جواز الشراء بأقل مما باع قبل أخذ الثمن الأول
٤٦٦٤- قال عبد الرزاق فى "مصنفه": أخبرنا معمر، والثورى، عن أبى إسحاق
السبيعى، عن امرأته: "أنها دخلت على عائشة فى نسوة، فسألتها امرأة، فقالت:
الحكم فى السائبة قال الحسن البصرى، وابن المنذر، والشافعى.
وأخرج ابن المنذر من طريق بكر بن عبد الله المزنى: "أن ابن عمر أعتق عبدا له سائبة فمات،
فأتى بمال له، فأمر أن يشترى بثمنه رقابا فتعتق" ، وهذا يحتمل أن يكون فعله على سبيل الندب،
وحمله عطاء على الوجوب، وفيه مذهب آخر: أن ولائه للمسلمين يرثونه ويعقلون عنه، قاله عمر
ابن عبد العزيز والزهرى، وهو قول مالك. وعن الشعبى، والنخعى، والكوفيين: لا بأس يبيع ولاء
السائبة وهبته اه، ملخصًا (٣٥:١٢).١٢ ظ
باب عدم جواز الشراء بأقل مما باعه قبل أخذ الثمن الأول
قوله: "عن امرأته أنها دخلت اهـ"، أقول: دل هذا الحديث على أنه لا يجوز الشراء بأقل مما
باعه قبل أخذ الثمن الأول، سواء قبض المشترى الأول المبيع أم لا، ووجه الدلالة أن عائشة رضى الله
عنها لم تفتش أنه هل وقع القبض على المبيع فى البيع الأول أم لا، بل لما سمعت أنها اشترت بثمن
نقد أقل مما باعته نسيئة أفتت بعدم جواز هذا البيع، فدل هذا الأمر على أن الشراء بعد القبض، وقبله
سواء فى الحكم، وهو المدعى، بقى ههنا شىء وهو أن الشافعى رحمه الله أنكر الحديث من غير حجة،
وقال الدار قطنى: العالية امرأة أبى إسحاق مجهولة. فالجواب عنه: أنه إنكار الشافعى رحمه الله لا يحتاج
إلى الجواب، بل كونه بلا حجة هو الجواب الكافى له، وأما قول الدار قطنى: إن العالية مجهولة.
فالجواب عنه: أنه قال ابن الجوزى: بل هى معروفة جليلة القدر ذكرها ابن سعد فى
"الطبقات"، فقال: العالية بنت الأيفع بن شراحيل امرأة أبى إسحاق السبيعى سمعت من عائشة أهـ
(زيلعى ١٧٧:٢). فالحديث حجة، ويؤيده ما روى فى "المدونة" (١٨٢:٣). عن وكيع، عن
سفيان، عن سليمان التيمى، عن حبان بن عمير القيسى، عن ابن عباس: أنه قال فى الرجل يبيع
الحريرة (أى خرقة حرير جعلاها فى بيعهما، كما سيأتى) إلى رجل فكره ذلك أن يشتريها نقداً،
يعنى بدون ما باعها به اهـ. ورجاله ثقات أثبات من رجال الصحيح، والله أعلم.
(قال العبد الضعيف: وفى "الجوهر النقى": ذكر البيهقى فيه قضية عائشة مع زيد بن أرقم،
ثم ذكر أن الشافعى قال: إنا لا نثبت مثله، ولو كان ثابتا عابت البيع إلى العطاء، لأنه أجل غير
معلوم، قلت: العالية معروفة روى عنها زوجها وابنها (يونس بن أبى إسحاق عند البيهقى وغيره)

١٤٢
عدم جواز الشراء بأقل مما باعه قبل أخذ الثمن الأول
إعلاء السنن
يا أم المؤمنين! كانت لى الجارية فبعتها من زيد بن أرقم بثمانمائة إلى العطاء، ثم ابتعتها
منه بستمائة، فنقدته الستمائة، وكتبت عليه ثمانمائة، فقالت عائشة: بئس ما اشتريت،
وبئس ما اشترى، أخبرى زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله عّ لّه إلى أن
يتوب، فقالت المرأة لعائشة: أرأيت إن أخذت رأس مالى ورددت عليه الفضل؟ فقالت:
وهما إمامان، وذكرها ابن حبان فى الثقات من التابعين، وذهب إلى حديثها هذا الثورى،
والأوزاعى، وأبو حنيفة، وأصحابه، ومالك، وابن حنبل، والحسن بن صالح، وروى عن الشعبى،
والحكم، وحماد، فمنعوا ذلك، كذا فى "الاستذكار". وقد ذكر جماعة أنها كانت تجيز البيع إلى
العطاء، وذكر ابن أبى شيبة فى "مصنفه" أن أمهات المؤمنين كن يشترين إلى العطاء.
وقال أبو بكر الرازى: إن قيل: كيف أنكرت الأول وهو صحيح عندها، قلنا: لأنها عملت
أنها قصدت به إيقاع البيع الثانى كما يفعل الناس، وفى قولها: أرأيت إن لم آخذ إلا رأس مال
وتلاوة عائشة الآية دليل على إبقائها العقد الأول، وأن المنكر هو الثانى، ولو كانت إنما أنكرته
لكونه بيعا إلى العطاء، كما زعم الشافعى رحمه الله لما أبقت الأول، ثم ذكر البيهقى: أن ابن عمر
لم ير بذلك بأسًا. قلت: يعارضه ما رواه وكيع: ثنا سفيان الثورى، عن سليمان التيمي، عن حبان
بن عمیر القیسی، عن ابن عباس، سأله رجل يبيع الحرير إلى أجل فكره أن يشتريه، یعنی بدون ما
باعه، وهذا سند صحيح، ثم ذكر البيهقى: أن رجلا باع بعيرا، فقال: اقبل منى بعيرك وثلاثين
درهما، فلم ير به شريح بأسًا، قلت: هذه واقعة عين ويحتمل أن البيع الأول كان نقداً، ولا خلاف
فى جواز ذلك (٣٣١:٥).
وقال الموفق فى "المغنى": من باع سلعة بنسيئة (أى بثمن مؤجل) ثم اشتراها بأقل منه نقداً
لم يجز فى قول أكثر أهل العلم، روى ذلك عن ابن عباس، وعائشة، والحسن، وابن سيرين،
والشعبى، والنخعى، وبه قال أبو الزناد، وربيعة، وعبد العزيز بن أبى سلمة، والثورى، والأوزاعى،
ومالك، وإسحاق، وأصحاب الرأى. وأجاز الشافعى؛ لأنه ثمن يجوز بيعها به من غير بائعها فجاز
من بائعها، كما لو باعها بمثل ثمنها، ولنا ما روى غندر، عن شعبة، عن أبى إسحاق السبيعى، عن
امرأته العالية بنت أيفع بن شرحبيل، فذكر الحديث. وقال: رواه الإمام أحمد، وسعيد بن منصور،
والظاهر أنها لا تقول: مثل هذا التغليظ وتقدم عليه إلا بتوقيف سمعته من رسول الله عَ ليه، فجرى
مجرى روايتها ذلك عنه، ولأن ذلك ذريعة إلى الربا، فإنه يدخل السلعة ليستبيح بيع ألف
بخمسمائة إلى أجل معلوم، وكذلك روى عن ابن عباس فى مثل هذه المسألة أنه قال: أرى مائة
*

ج - ١٤
عدم جواز الشراء بأقل مما باعه قبل أخذ الثمن الأول
١٤٣
﴿فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف﴾ اهـ، وأخرجه أحمد فقال: حدثنا
محمد بن جعفر: ثنا شعبة، عن أبى إسحاق، عن امرأة فذكر نحوه، وقال فى
"التنقيح": هذا إسناد جيد (زيلعى ١٧٧:٢).
بخمسين بينهما حريرة، يعنى خرقة حرير جعلاها فى بيعهما، والذرائع معتبرة لما قدمناه، وأما بيعها
بمثل الثمن أو أكثر فيجوز لأنه لا يكون ذريعة، وهذا إذا كانت السلعة لم تنقص عن حالة البيع، فإن
نقصت مثل أن هزل العبد، أو نسى صناعة، أو تخرق الثوب، أو بلى جاز له شرائها بما شاء؛ لأن
نقص الثمن لنقص المبيع لا للتوسل إلى الربا، وإن نقص سعرها أو زاد لذاك أو لمعنى حدث فيها لم
يجز بيعها بأقل من ثمنها كما لو كانت بحالها، نص أحمد على هذا كله، وإن اشتراها بعرض، أو
كان بيعها الأول بعرض فاشتراها بنقد جاز، وبه قال أبو حنيفة، لانعلم فيه خلافا، لأن التحريم إنما
كان بشبهة الربا، ولا ربا بين الأثمان والعروض، فأما إن باعها بنقد ثم اشتراها بنقد آخر لا يحرم
التفاضل بينهما جاز عند أصحابنا، لأنهما جنسان، فجاز كما لو اشتراها بعرض أو بمثل الثمن،
وقال أبو حنيفة: لا يجوز استحسانا، لأنهما كالشىء الواحد فى معنى الثمنية (وحرمة النسيئة)
ولأن ذلك يتخذ وسيلة إلى الربا (فى النقدين بالنسيئة)، فأشبه ما لو باعها بجنس الثمن الأول،
وهذا أصح إن شاء الله تعالى (٢٥٧:٤).
فإن قيل: إن زید بن أرقم لا یبیع إلا ما یراه حلالا، ولا یبتاع إلا مثله، ولو أن رجلا باع شیئا
أو ابتاعه نراه نحن محرما وهو يراه حلالا لم نزعم أن الله عز وجل يحيط به من عمله شيئا، كما
قاله البيهقى نقلا عن الإمام الشافعى رح. قلنا: لما كان فعل زيد بن أرقم اجتهادا بمعرض النص
أنكرت عائشة فعله إنكارا بليغا، وهكذا يكون إنكار من كان متمسكا بنص على من لا نص عنده،
ألا ترى إلى أبى أسيد كيف أغلظ القول لابن عباس حين رآه يفتى بالدينارين والدرهم بالدرهمين
يدا بيد؟ حتى قاله ابن عباس: "ما كنت أظن أن أحدا يعرف قرابتى من رسول الله عَ ليه يقول لى
مثل هذا يا أبا أسيد" الحديث، رواه الطبرانى فى الكبير، وإسناده حسن (مجمع الزوائد ١١٤:٤).
الجواب عن إيراد ابن حزم على الحنفية فى الباب:
وبهذا اندفع قول ابن حزم فى "المحلى": قال الحنفيون والمالكيون بتحريم البيع المذكور تقليدا
لعائشة أم المؤمنين رضى الله عنها، ولم يقلدوا زيد بن أرقم فى جوازه. (قلنا: قد أنكرت عائشة فعل
زيد، ولم ينكر هو قول أم المؤمنين، ولو كان قد أنكر لنقل ولو فى رواية)، قال: وقالوا: مثل هذا

١٤٤
إعلاء السنن
باب تو کیل المسلم الذمی ببيع خمره
٤٦٦٥- عن أبى سعيد قال: "كان عندنا خمر ليتيم، فلما نزلت المائدة سألت
القول عن أم المؤمنين لا يكون إلا عن توقيف من رسول الله عَّ له، ولم يقولوا: إن فعل زيد لا يكون
إلا عن توقيف من رسول الله عّ لّه، لأن ما كان طريقه التوقيف فليست هى أولى بالقول من زيد
ابن أرقم اهـ (٤٤٦:٨). قلنا: هذا كلام من لم يذق الفقه والدراية، ولا قلامة ظفر، فشتان بين الفعل
والقول، وشتان بين القول بالرأى وبين قول عائشة: "أبلغى زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع
رسول الله عَ ◌ّ إلا أن يتوب"، ولو كان فعل زيد عن توقيف من رسول الله معدّ لّه لأبرز حجة، ولم
يكتمها بعد ما بلغه إنكار عائشة فعله أبلغ إنكار، فافهم، ولا تدحض الحق بالباطل لتغربه السفهاء.
باب تو کیل المسلم الذمى ببيع خمره
أقول: يمكن أن يستدل بالحديث على عدم صحة توكيل المسلم الذمى ببيع خمره، لأنه لو
كان هذا صحيحا لما أمر النبى معَّه بإهراق خمر اليتيم، بل أمر بتوكيل الذمى يبيعه.
والجواب عنه: أن الأمر بالإهراق لا يدل عدم صحة التوكيل، أما أولا: فلأن هذه الواقعة من
وقائع أول التحريم، وقد كان إذ ذاق شدة فى الأمر، حيث أمر بكسر أوانى الخمر، ولم يبح
استعمالها، فيمكن أن يكون الأمر بالإهراق من قبيل الأمر بكسر الأوانى. وثانيا: أن أبا حنيفة
لا يقول بإباحة التوكيل، بل بصحتها، لأنه قال ابن الهمام فى "الفتح" (٧٦:٦): "وقد روى عن
أبى حنيفة أن هذه الوكالة تكره أشد ما يكون من الكراهة اهـ"، والصحة لا تستلزم الإباحة،
ولا عدم الإباحة يستلزم عدم الصحة، فلا حجة فى الحديث على عدم الصحة، بل غايته هو الدلالة
على عدم الإباحة، وقد عرفت أنه لا يستلزم عدم الصحة، فاندفع الاحتجاج.
وجواز تخليل الخمر:
قال العبد الضعيف: وقد فرغنا من بيان حجة أبى حنيفة فى الباب فيما تقدم، فليراجع، وقال
أبو عبيد فى "الأموال": سمعت جرير بن عبد الحميد يحدث عن ابن شبرمة، عن الحارث، (هو
العكلى ثقة فقيه من أصحاب إبراهيم النخعى والشعبى، كما فى "التهذيب" (١٦٥:٢) فى رجل
ورث خمرا قال: يلقى فيها ملحا حتى تصير خلا. (وحدثنا حماد بن خالد، عن معاوية بن صالح،
عن أبى الزاهرية، عن جبير بن نفير، عن أبى الدرداء أنه قال: "لا بأس بالمرى ذبحته الشمس،
والملح، والحيتان" (١٠٦)، والمرى خل يتخذ من الخمر.

١٤٥
تو کیل المسلم الذمی ببيع خمره
ج - ١٤
رسول الله مَّه، وقلت: إنه ليتيم، قال: أهريقوه" أخرجه الترمذى، وقال: حسن،
وقد روی من غير وجه عن النبی عطّ نحو هذا.
قال محمد فى "الحجج" له: " وقد بلغنا عن على بن أبى طالب أنه اصطنع(١) على خمر (أى
صنع الخمر خلا)، وبلغنا عن ابن عباس ذلك، وبلغنا عن أبى الدرداء أنه قال لا بأس بخل الخمر.
قال محمد: أخبرنا ابن عبد الله، عن عبد الله بن أبى سليمان، عن عطاء بن أبى رباح فى رجل ورث
خمرا، قال: يهريقها، قال: قلت: أرأيت لو صب فيها ماءً فتحولت خلا؟ قال: إن تحولت خلا،
فلا بأس به، إن شاء باعه.
قال محمد: وما بهذا بأس، أليس جلد الميتة يدبغ وهو للمسلم فيحل الانتفاع به؟ وقد حرم
الله الميتة كما حرم الخمر، أرأيتم إن كانت لنصرانى فأسدها فجعلها خلا، أترون بأسا للمسلم أن
يشتريها فيأكلها؟ قالوا: فإن قلنا هذا لا بأس به فما تقولون؟ قيل لهم: إنما أراد المسلم حين كانت
عليه حراما أو يخرجها من الحرام إلى الحلال، كأنكم ترون الخمر حلالا للكافر، والخمر حرام
للمسلم والكافر وعلى جميع الناس، عليهم أن يحرموا ما حرم القرآن، وأن يحلوا ما أحل القرآن،
فإن قالوا: إنا نزعم أن الخمر لا يملكها المسلم، وكذلك لا يحل له إصلاحها. قيل لهم: أرأيتم
مسلما له عصير فصار خمرا، من يملك هذه الخمر؟ ينبغى فى قولكم أن تزعموا أنه لا مالك لها،
فإن قلتم ذلك فلا بأس أن يأخذ المسلم شيئا لا مالك له فيصلحه فيجعله حلالا، أرأيتم شاة ميتة
ألقاها أهلها، فأخذ رجل جلدها فدبغه فصير شيئا، أ ترون به بأسًا بالانتفاع به؟ قالوا: لا! قيل لهم:
فاجعلوا لخمر كأنه لا مالك لها أخذها الذى كان العصير له، فجعلها خلا فرجعت إلى أمر حلال،
كما رجع جلد الميتة إلى أمر حلال اهـ مع تقديم وتأخير (ص ٢٥٨).
ولما ثبت جواز تخليل الخمر التى يملكها المسلم جبرا بلا اختيار لزم حمل حديث المتن على
أنه كان فى أول نزول التحريم، إذ كان فى الأمر شدة، حيث أمر بكسر أوانى الخمر، وكذلك
يحمل ما روى أبو عبيد فى "الأموال" عن أسلم، قال: قال عمر بن الخطاب: "لا تأكل خلا من
خمر أفسدت حتى يبدأ الله بفسادها، وذلك حين طاب الخل، ولا بأس على أمر أصاب خلا من
أهل الكتاب أن يبتاعه ما لم يعلم أنهم تعمدوا إفسادها" (ص ١٠٤) على الورع، بدليل ما رواه أبو
.. (١) هكذا فى الأصل، وفى حاشيته: وفى "كتاب الأموال"، لأبى عبيد من طريق سليمان التيمى عن أم خداش قالت: رأيت عليا
رضى الله عنه يصطبغ بخل الخمر (١٠٥) أى يأتدم به. ظا

١٤٦
إعلاء السنن
باب النهى عن البيع بالشرط
٤٦٦٦- عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبی مێآل: ((أنه نهى عن
بيع وشرط)). أخرجه الطبرانى فى "الأوسط"، والحاكم أبو عبد الله فى " كتاب علوم
الحديث"، وسكت عليه عبد الحق فى "أحكامه" (زيلعى ١٧٨:٢).
عبيد أيضًا: حدثنا عبد الرحمن بن مهدى، عن المثنى بن سعيد، قال: "كتب عمر بن عبد العزيز إلى
عبد الحميد بن عبد الرحمن، وهو عامله على الكوفة: أن لا تحمل الخمر من رستاق إلى رستاق،
وما وجدت منها فى السفن فصيره خلا، فكتب عبد الحميد إلى عامله بواسط محمد بن المنتشر
بذلك، فأتى السفن فصب فى كل راقود ماء وملحا فصيره خلا" (١٠٢)، فلو ما يجز للمسلم
تخليل الخمر ولا اشتراء خل من أهل الكتاب تعمدوا إفسادها لما أمر عمر بن عبد العزيز بتخليل
خمورهم مخافة أن يبيعوه فيشتريه المسلم منهم، فلا حجة فى حديث المتن على مسألة التوكيل من
الجانبين، وقد بينا ما يدل على إطلاق التجارة فى الخمر لأهل الذمة، وجواز أخذ المسلم أثمانها
منهم، وأن الوكيل بالبيع والشراء كالعاقد لنفسه، وفى كل ذلك دليل لأبى حنيفة فى قوله بجواز
توكيل المسلم الذمى ببيع الخمر وشرائها، والله تعالى أعلم.
باب النهى عن البيع بالشرط
قوله: "نبهى عن بيع وشرط"، أقول: تمسك به أبو حنيفة على فساد البيع بالشرط، وخالفه
ابن شبرمة وابن أبى ليلى، فقال ابن شبرمة: الشرط جائز والبيع جائز، واحتج بما روى عن جابر أنه
قال: ((بعت النبى معَّ ◌ُّ ناقة، وشرط لى حملانها إلى المدينة))، وقال ابن أبى ليلى: البيع جائز،
والشرط باطل، واحتج بما روى عن النبى معَِّ أنه قال لعائشة: ((أنه اشترى بريرة وأعتقيها)).
والجواب عن حديث جابر أنه اختلف فيه الرواة، فقال نبيح فى هذه الرواية: "قال: فنزلت
عن الرحل إلى الأرض قال: ما شأنك؟ قال: قلت: جملك! قال: قال لى: اركب جملك، قلت: ما
هو محملى، ولكنه جملك، قال: كنا نراجعه مرتين فى الأمر إذا أمرنا به، فإذا أمرنا الثالثة
لم نراجعه، قال: فركبت الجمل"، أخرجه أحمد فى "مسنده" عن عبيدة، عن الأسود بن قيس،
عن نبيع، عن جابر، ورجاله ثقات، لأن عبيدة أخرج له البخارى، والأربعة، والأسود أخرج له
الجماعة، ونبيح أخرج له الأربعة، ووثقه أبو زرعة، وابن حبان، والعجلى، وصحح حديثه
الترمذى، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم.

ج - ١٤
النهى عن البيع بالشرط
١٤٧
وأما ذكر ابن المدينى إياه فى جملة المجهولين فزعمه أنه لم يرو عنه إلا الأسود بن قيس،
وليس كذلك، فإنه روى عنه أبو خالد الدالانى أيضًا، فخرج عن جهالة العين، وقال عطاء وغيره
عن جابر: "ولك ظهره" وقال شعبة عن مغيرة عن عامر الشعبى عن جابر: ((أفقرنى رسول الله عَ ليه
ظهره إلى المدينة)، وقال جرير عن مغيرة، عن عامر، "فبعته على أن لى فقار ظهره حتى أبلغ المدينة"
ورواه أبو عوانة عن مغيرة، عن عامر، قال: "بعنيه، ولك ظهره حتى تقدم"، وقال شريك عن مغيرة
عن عامر: "اشترى منى بعيرا على أن يفقرنى ظهره سفرى ذلك"، وقال زكريا عن عامر:
"فاستثنيت حملانه إلى المدينة"، وقال يسار عن عامر: "فاشترى منى بعيرا على أن لى ظهره حتى
أقدم المدينة"، وقال محمد بن المنكدر عن جابر فى رواية ابنه عنه: "شرط لى ظهره".
وفى رواية عثمان بن محمد عنه: "فبعته إياه وشرطته أى ركوبه إلى المدينة"، وقال زيد بن
أسلم عن جابر: "ولك ظهره حتى ترجع"، وقال أبو الزبير عن جابر فى رواية: "أفقرناك ظهره إلى
المدينة"، وفى رواية: "فبعته منه بخمس أواق، قلت: على أن لى ظهره إلى المدينة، قال: ولك ظهره
إلى المدينة"، وفى رواية قال: "أخذته بكذا وكذا، وقد أعرتك ظهره إلى المدينة"، وقال سالم عن
جابر قال: "قد أخذته فتبلغ عليه"، وفى رواية: "وقد أخذته بوقية اركبه فإذا قدمت فائتنا به"،
ورواه أبو المتوكل عن جابر: "فبعنى ولك ظهره"، وفى رواية: "أ تبيعنى جملك؟ قلت: نعم، قال:
اقدم عليه المدينة"، وقال أبو هبرة عن جابر: "فاشترى منى بعيرا فجعل لى ظهره حتى أقدم
المدينة"، لخصت هذه الطرق من "فتح البارى" (٢٣٢:٥) و"مسلم" (٢٨:٢-٢٩).
وقد علم منه أنه ظاهر رواية عطاء، وزيد بن أسلم، وسالم بن أبى الجعد، وأبى المتوكل
الناجى، وأبى هبرة عن جابر أنه لم يكن هذا على وجه الاشتراط، بل كان على وجه التبرع
والإحسان منه مَّهِ، وأما أبو الزبير فقوله: "أفقرناك ظهره إلى المدينة، وقد عرتك ظهره إلى
المدينة"، يدل أيضًا على أنه لم يكن ذلك على وجه الاشتراط، بل على سبيل التبرع والإحسان،
وكذا قوله: "فبعته منه بخمس أواق، قلت: على أن لى ظهره إلى المدينة، قال: "ولك ظهره إلى
المدينة"، يدل على أنه لم يكن على وجه الاشتراط فى صلب العقد، بل كان بعد تمام العقد على
وجه التبرع والإحسان، غاية ما فى الباب أنه يعلم منه أن جابرا كان طلب هذا الإحسان منه،
فأجابه رسول الله ێآ إلیه، وهو لا يضرنا.
وأما رواية ابن المنكدر عن جابر فلا يدل أيضًا على أنه كان فى صلب العقد، بل الظاهر أنه

١٤٨
النهى عن البيع بالشرط
إعلاء السنن
كان بعد تمام العقد، وتسميته الشرط مجاز، كما يدل عليه رواية أبى الزبير، وأما رواية الشعبى
فيمكن حمله على عدم الاشتراط، بأن يقال: إنه سمى قوله مّله: ((بعنيه، ولك ظهره حتى تقدم))،
كما فى رواية أبى عوانة عن مغيرة عن الشعبى، شرطا مجازا واستثناء مجازا، والحال أنه لم يكن
شرطا، بل كان وعدا منه مَّ له وتبرعًا وإحسانا إليه، ويدل عليه رواية شعبة عن مغيرة عن الشعبى
بقوله: ((أفقرنى رسول الله عَّ ظهره إلى المدينة)، رواية نبيح نص فى باب عدم الاشتراط، وإذا
كان الأمر كذلك فلا يتم الاحتجاج به على صحة الاشتراط.
وظهر منه أن ما قال البخارى: "إن الاشتراط أكثر وأصح" غير صحيح، لأن الذين ذكروا
الاشتراط هم عامر، وابن المنكدر، وأبو الزبير، والذين لم يذكروهم، نبيح، وسالم، وزيد بن أسلم،
وعطاء، وأبو المتوكل، وأبو هبرة، فالذين لم يذكروه أكثر من الذين ذكروه، ثم الذين ذكروه
لم يتفق رواياتهم على الاشتراط، فإن أبا الزبير لم يذكر الاشتراط فى روايتيه ، وذكره فى رواية،
لكن يظهر منه أنه كان بعد تمام العقد، ولم يكن شرطا حقيقة، بل كان استعارة منه مَّ له، ويدل
عليه قوله فى رواية: "أفقرناك". وفى رواية: "أعرتك".
وأما ابن المنكدر فقال فى رواية: "شرط لى" وهو يدل على أنه كان وعدا منه لقوله:
"أخذت بكذا وقد أعرتك ظهره إلى المدينة"، وفى رواية "شرطته"، وهو فى رواية أبى الزبير:
"فبعته منه يخمس أواق، قلت: على أن لى ظهره إلى المدينة، قال: ولك ظهره" ، وهو ليس بشرط
حقيقة بل هو استعارة، فلا يدل رواية ابن المنكدر على الاشتراط الحقيقى.
وأما الشعبى فروى عنه يسار، ومغيرة، وزكريا، وأما رواية يسار فهو بمعنى أبى الزبير:
"أخذته بكذا وكذا وقد أعرتك ظهره"، فلا يدل على اشتراط، وأما رواية زكريا فهو بمعنى رواية
أبى الزبير بلفظ: "فبعته منه بخمس أواق، قلت: على أن لى ظهره إلى المدينة، قال: ولك ظهره"،
فهو لا يدل على الاشتراط، وأما مغيرة فرواه عنه شريك، وجرير، وأبو عوانة، وشعبة.
أما رواية شريك ففيه أنه قال: "اشترى منى بعيرا على أن يفقرنى ظهره"، وهو يحتمل أن
يكون بمعنى "بعنيه، ذلك ظهره" الذى رواه أبو عوانة عن مغيرة، ويحتمل أن يكون بمعنى رواية
أبى الزبير: أخذت بكذا وكذا وقد أعرتك ظهره، ويحتمل أن يكون بمعنى رواية أبى الزبير "فبعته
منه بخمس أواق، قلت: على أن لى ظهره إلى المدينة، قال: ولك ظهره إلى المدينة" فلا يدل على
الاشتراط، وأما رواية أبى عوانة فقيه أنّه قال: بعنيه، ولك ظهره إلى المدينة، وهو ظاهر فى أنه كان

ج - ١٤
"النهى عن البيع بالشرط
١٤٩
عدة منه لا شرطًا، أما رواية جرير فيحتمل أن يكون بمعنى رواية أبى عوانة، ويحتمل أن يكون
بمعنى رواية أبى الزبير، فهو لا يدل أيضًا على الاشتراط، وأما رواية شعبة فهو ظاهر فى الإعارة،
فلما لم يتفق رواياتهم على الشرط، والتى تدل على الاشتراط يمكن إرجاعها إلى التى ليس فيها
اشتراط، بل هى ظاهرة، بل بعضها نص فى الإعارة، فكيف يصح أن يقال: إن الاشتراط أكثر
وأصح؟
وأما ما قال ابن حجر: "إن الذين ذكروه بصيغة الاشتراط أكثر عددا من الذين خالفوهم،
وهذا وجه من وجوه الترجح، فيكون أصح، ويترجح أيضًا بأن الذين رووه بصيغة الاشتراط معهم
زيادة وهم حفاظ، فتكون حجة، وليست رواية من لم يذكر الاشتراط منافية لرواية من ذكره، لأن
قوله: لك ظهره، وأفقرناك ظهره، وتبلغ عليه لا يمنع وقوع الاشتراط قبل ذلك".
ففيه أولا: أنا لا نسلم أن الذين ذكروا الاشتراط أكثر عددا، وقد مر تفصيله، وأما ثانيا :.
فلأن قوله: "إن الذين ذكروه معهم زيادة، وهم حفاظ" لا يفيده، لأنا لا ننكر الزيادة بل نتكلم فى
معناها، ونقول: هى لا تدل على الاشتراط فى العقد، بل الظاهر أنه كان وعدا منه مَّه وإعارة،
فذكروه بصيغة الشرط كما قال الإسماعيل: "إن قوله: ولك ظهره وعد قام مقام الشرط، لأن
وعده لا خلف فيه، وهبة لا رجوع فيها، لتنزيه الله تعالى له عن دناءة الأخلاق، فلذلك ساغ
لبعض الرواة أن يعبر عنه بالشروط". ووافقه عليه المهلب، واستحسنه ابن حجر أيضًا، وقال:
"وأقوى هذه الوجوه فى نظرى ما تقدم نقله عن الإسماعيل من أنه وعد حل محل الشرط" (فتح
الباری ٢٣٤:٥).
وأما ثالثا: فلأن قوله: "لك ظهره وأفقرناك ظهره، وتبلغ عليه، لا يمنع وقوع الاشتراط قبل
ذلك اهـ" غير صحيح، لأنه ليست هناك رواية تدل على وقوع الاشتراط قبله حتى تحتمل تلك
الروايات عليها. بقى هنا كلام، وهو أن رواية نبيح صريحة فى أنه لم يكن هناك استدعاء من جابر
للر کوب، لأنه كان يمتنع من الر کوب مع أن رسول الله مێ کان يقول له: اركب جملك،
ولم يركب بعده إلا امتثالا لأمر رسول الله مَّه، والروايات الأخر مخالفة له.
والجواب عنه: أن الروايات المخالفة مضطربة، لأن هنا ما يدل على أن جابرا كان استدعاء
الركوب، ومنها ما يدل على أنه لم يكن استدعاه، بل كان هو تبرعا منه مرّ ه ابتداء، ثم منها ما
يدل على أن الوعد كان تمام البيع، ومنها ما يدل على أنه كان بعده، فالظاهر منه أن القصة

١٥٠
النهى عن البيع بالشرط
إعلاء السنن
غير محفوظة عندهم على ما هى عليه، فلا تعارض رواية نبيح، لأنها تدل على أنه حفظها كما
هى، والمقبول من الروايات الأخرى ما يوافقها، كرواية شعبة عن مغيرة عن الشعبى: ((أفقرنى
رسول الله مَّ ظهره إلى المدينة))، ورواية أبى الزبير: "أفقرناك ظهره إلى المدينة"، وروايته:
"أخذته بكذا وكذا وقد أعرتك ظهره إلى المدينة"، ورواية سالم: "أخذته فتبلغ عليه، أو قد أخذته
بوقية اركبه، فإذا قدمت فائتنا به"، ورواية أبى المتوكل قال: "اقدم عليه المدينة"، ورواية أبى هبرة:
"فجعل لى ظهره"، ولا يقبل ما يخالفها إلا ما يمكن إرجاعه إليها.
(قال العيد الضعيف: ولقد أنصف البيهقى رحمه الله حیث قال بعد ما سرد للحديث طرقا
عديدة بألفاظ مختلفة ما نصه: "وبعض هذه الألفاظ تدل على أن ذلك كان شرطا فى البيع،
وبعضًا يدل على أن ذلك منه مَّ تفضلا وتكرما ومعروفا بعد البيع. والله أعلم (٣٣٧:٥)، أى
والاحتمال يضر بالاستدلال، فلا حجة فيه لمن جوز الشرط فى البيع) ١٢ظ.
وأجاب عنه فى "فتح القدير" بوجهين: "أحدهما: أن الشرط لم يكن هناك فى صلب
العقد، ونسبه إلى الشافعى. والثانى: أن حديث جابر خاص، وحديث عبد الله بن عمرو عام، والعام
عندنا يعارض الخاص، ويطلب معه أسباب الترجيح، والمرجح هنا للعام، وهو نهيه عن بيع وشرط،
وهو كونه مانعا، وحديث جابر مبيح فيحمل على ما قبل النهى، لأن القاعدة الأصولية أن ما فيه
الإباحة منسوخ بما فيه النهى (٧٧:٦).
وأجاب عنه الطحاوى أيضًا بوجهين: الأول: ما أجاب به الشافعى أنه لم یکن فى صلب
العقد بل بعده. والثانى: أنه لم يكن هناك بيع حقيقة لأنه ظهر من صنيعه مرّ أنه لم يكن قصده
إلى ملك الجمل، بل كان قصده إلى إيصال الثمن إلى جابر بهذه الحيلة، فلم يكن هذا شرطا فى
البيع حقيقة، لأنه كان شرطا فى ملكه لا فى ملك رسول الله عَّ ◌ُله. وأما حديث عائشة، فأجاب
عنه ابن همام بما أجاب عن حديث جابر بأنه مبيح، وحديث عمرو بن شعيب محرم، والمحرم ناسخ
للمبيح. وأجاب عنه النووى أن قوله: "اشترطى لهم الولاء" لم يكن لإباحة الاشتراط، بل للمبالغة
فى الزجر، وتصحيح العقد هذا مع الشرط كان مخصوصًا بها.
وتعقبه ابن دقيق العيد بأن التخصيص لا يثبت إلا بدليل. والجواب عنه أن الدليل هو النهى
عن البيع والشرط، وأجاب عنه ابن الجوزى بأنه ليس فى الحديث أن اشتراط الولاء والعتق كان
مقارنا للعقد، فيحمل على أنه كان سابقا للعقد، فيكون الأمر بقوله: "اشترطى" مجرد الوعد،

ج - ١٤
النهى عن البيع بالشرط
١٥١
ولا يجب الوفاء اهـ. وتعقب باستبعاد أنه مرّالتّ يأمر شخصًا أن يعد مع علمه بأنه لا يفى بذلك الوعد.
والجواب عنه أنه لا استبعاد فيه، لأن المقصود منه زجرهم عن أمثال هذه الشروط بأبلغ
وجه، وهذا المقصود لم يكن يحصل بدون هذا الوعد، لأنهم لم يكونوا بائعين لها بدون هذا
الوعد، فأباح لها هذا الوعد ليتم البيع بلا شرط بناء على هذا الوعد، ولا يلزم عائشة إيفاء هذا
الوعد، لأنه لم يكن فى قدرتها إيفاؤها، لأن الولاء أمر ضرورى تثبت من غير اختيار، ولم تكن
غرتهم لأنها لم تكن وعدت لهم من عند نفسها، بل كانت وعدت بناء على إصرارهم، وبناء على
هذا أجاز لها رسول الله عَّه بهذا الوعد، فيكون معنى قوله: "اشترطى لهم" الولاء" أن هذا الوعد
ليس بنافع لهم، ولا ضارا لك، وهم يصرون عليه، فلا بأس عليك أن تشترطى لهم قبل العقد،
ويتم العقد من غير شرط، بناء على زعمهم الفاسد أن الولاء يكون لهم بناء على هذا الاشتراط
السابق، ولما كان الاغترار منهم، لا منك فليس عليك فيه شىء، فلا بعد فيه. وأجاب عنه الطحاوى
بما لست أحصله، إن شئت الاطلاع عليه فارجع إلى "معانى الآثار" (٢٢١:٢-٢٢٢). وأجاب
عنه غيره بأجوبة أخرى، إن شئت الاطلاع عليها، فارجع إلى "فتح البارى" (١٣٩:٥)، وفيما
ذ کرنا كفاية.
(قال العبد الضعيف: قال ابن عبد البر وغيره: كذا رواه أصحاب هشام عن عروة،
وأصحاب مالك عنه عن هشام بلفظ: "واشترطى لهم الولاء"، واستشكل صدور الإذن منه مَّ له
فى البيع على شرط فاسد، واختلف العلماء فى ذلك، فمنهم من أنكر الشرط فى الحديث،
فروى الخطابى فى "معالمه" بسنده إلى يحيى بن أكثم أنه أنكر ذلك، وعن الشافعى فى "الأم":
الإشارة إلى تضعيف رواية هشام المصرحة بالاشتراط، لكونه انفرد بها دون أصحاب أبيه،
وروايات غيره قابلة للتأويل، وقال الطحاوى: ففى هذا اختلف هشام والزهرى، فإن كان الذى
يعتبر فى هذا هو الضبط والإتقان والحفظ، فإن ما روى الزهرى أولى، لأنه أتقن وأضبط
وأحفظ من هشام (٢٢٢:٢).
وأشار غيره إلى أنه روى بالمعنى الذى وقع له، وليس كما ظن، فإنه عبر عن قوله معدّ لّه:
((اشتريها ودعيهم يشترطون ما شاؤوا))، كما هو فى رواية أيمن فى آخر أبواب المكاتب عند
البخارى بقوله: "واشترطى لهم الولاء"، وأثبت الرواية آخرون، وقالوا: هشام ثقة حافظ،
والحديث متفق على صحته، فلا وجه لرده اهـ ملخصًا من "فتح البارى" (١٣٩:٥). قلنا: لا ننكر

١٥٢
النهى عن البيع بالشرط
إعلاء السنن
صحة الحديث من جهة الإسناد، وإنما الكلام فى أن قول هشام: "واشترطى لهم الولاء"، رواية
باللفظ أو بالمعنى، فالراجح عندنا هو الثانى، دون الأول، بدليل ما فى رواية أيمن من قوله: ((اشتريها
ودعيهم يشترطون ما شاؤوا))، وهذا أولى من أن ينسب إلى رسول الله عَ لّ الإذن فى البيع على
شرط فاسد، وإذا كان كذلك فلا حجة فيه لمن جوز البيع بالشرط، وأبطل الشرط) ١٢ ظ.
واحتج الشافعی بهذا الحديث علی أن شرط العتق جائز فى البيع، والجواب عنه أنه ليس فى
الحديث شرط العتق، وإنما فيه شرط الولاء، فإن قلت: إن شرط الولاء لا يكون بدون شرط العتق.
قلنا: كلا! لأن شرط الولاء كان لأجل أنهم علموا أن عائشة تشتريها للعتق لا لأنهم شرطوا العتق،
والفرق بينهما ظاهر.
بقى ههنا شىء، وهو أن رواية عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: ((أن النبى مُلّ نهى
عن بيع وشرط))، رواه عنه أبو حنيفة هكذا، ورواه عنه غيره: ((أنه نهى عن شرطين فى بيع))،
وهكذا رواه حكيم بن حزام عن النبى مرّ له، وفسروه بأن بيع الرجل الشىء حالا بألف ونسيئة
بألفين، أو إلى شهر بألف وإلى شهرين بألفين، فيكون رواية أبى حنيفة مخالفة لرواية غيره.
والجواب عنه بوجهين: أحدهما: أن يقال: يمكن أن يكون عمرو بن شعيب يروى عن أبيه
عن جده كلتى الروايتين، فروى عنه أبو حنيفة رواية، وروى عنه آخرون رواية أخرى. والثانى: أن
يقال: أن أصل الرواية كان أنه نهى عن شرطين فى بيع، إلا أن أبا حنيفة رواه بالمعنى، لأن معنى
الشرطين فى البيع، هو البيع والشرط، لأن البيع نفسه شرط، فإذا شرط فى البيع شرط آخر اجتمع
فيه شرطان، كذا قاله الطحاوى فى "معانى الآثار" (٢٢٢:٢)، وما فسروا به الشرطين فى البيع، إنما
هو على وجه التمثيل لا على وجه الحصر، وإن سلم الحصر فليس هو تفسيرا منقولا عن النبى عّ لّه
حتى يلزم أبا حنيفة قبوله، فلا يلزم أن يكون ما رواه مخالفا لما رواه غيره.
وأيضًا: لا وجه لجواز الشرط وعدم جواز الشرطين، وأيضًا: كل شرط متضمن لشرطين:
شرط الوجود وشرط العدم، فلا يخلو بيع بالشرط عن الشرطين، فلا يجوز لوجود الشرطين، وفى
الباب آثار لعمر وابنه تدل على فساد البيع بالشرط، أخرجها الطحاوى فى "معانى الآثار"
(٢٢٢:٢)، ومحمد فى "الموطأ" (ص ٢٤٢).
تصحيح حديث أبى حنيفة فى النهى عن بيع وشرط:
وفى "المحلى" لابن حزم من طريق الحاكم: نا جعفر بن محمد الخلدى، نا عبد الله بن أيوب

ج - ١٤
النهى عن البيع بالشرط
١٥٣
ابن زاذان الفرير، نا محمد بن سليمان الذھلی، نا عبد الوارث هو ابن سعيد، قال: قدمت مكة
فوجدت بها أبا حنيفة، وابن أبى ليلى، وابن شبرمة، فسألت أبا حنيفة عمن باع بيعًا، واشترط
شرطا؟ فقال: ((البيع باطل والشرط باطل)). ثم سألت ابن أبى ليلى عن ذلك؟ فقال: ((البيع جائز
والشرط باطل)). ثم سألت ابن شبرمة عن ذلك؟ فقال: ((البيع- جائزوالشرط جائز))، فرجعت إلى
أبى حنيفة فأخبرته بما قالا، فقال: لا أدرى ما قالا، حدثنا عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: ((أن
رسول الله مَّ له نهى عن بيع وشرط))، البيع باطل والشرط باطل، فأتيت ابن أبى ليلى فأخبرته بما
قالا، فقال: لا أدرى ما قالا، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أم المؤمنين: أن رسول
الله عَ لّه قال: ((اشترى بريرة واشترطى لهم الولاء))، (أى دعيهم يشترطون) البيع جائز، والشرط
باطل، فأتيت ابن شبرمة فأخبرته بما قالا، فقال: لا أدرى ما قالا، نا مسعر بن كدام، عن محارب بن
دثار، عن جابر بن عبد الله، ((أنه باع من رسول الله مَّ ل جملا واشترط ظهره إلى المدينة))، البيع
جائز، والشرط جائز، لم يعله ابن حزم بشىء، واحتج بحديث أبي حنيفة عن عمرو بن شعيب،
عن أبيه عن جده، وأجاب عن حديث جابر وعائشة بنحو ما ذكرناه.
وقال: وههنا خبر رابع من طريق أحمد بن شعيب (النسائى): أنا زياد بن أيوب، نا ابن علية،
نا أيوب السختياني، نا عمرو بن شعيب، ثنى أبى، عن أبيه، عن أبيه، حتى ذكر عبد الله بن عمرو
ابن العاص، قال: قال رسول الله مرّ له: ((لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان فى بيع، ولا ربح ما لم
يضمن))، وبه أخذ أحمد بن حنبل، فيبطل البيع بشرطين ويجيزه بشرط واحد، قال ابن حزم: وهذا
خطأ، لأن تحريم رسول الله عَ ليه الشرطين فى بيع، ليس مبيحا لشرط واحد ولا محرما له، لكنه
مسكوت عنه فى هذا الخبر، فوجب طلب حكمه فى غيره، فوجدنا قوله مد ظله: ((كل شرط ليس
فى كتاب الله فهو باطل)) فبطل الشرط الواحد، وكل ما لم يعقد إلا به وبالله التوفيق اهـ (٤١٦:٨).
قلت: ولو كان لحديث أبى حنيفة عن عمرو بن شعيب علة لصاح بها ابن حزم ولم يبال،
فثبت أنه حديث صحيح صالح للاحتجاج به، فلا يضرنا ما نقل عن ابن أبى الفوارس أنه قال:
غريب، كما فى "التلخيص الحبير" (ص٢٣٧). فإن تفرد الثقة بشىء، وهو المراد بالغرابة ههنا ليس
بقدح فى الحديث، ولا ما فى "مجمع الزوائد"، رواه الطبرانى فى "الأوسط"، وفى طريق عبد الله
ابن عمرو مقال اهـ (٨٥:٤)، فأن حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده إذا رواه الثقات عنه
صحيح لم يزل الأئمة يحتجون به، ولا ما قاله القطان: إن علته ضعف أبى حنيفة فى الحديث،

١٥٤
النهى عن البيع بالشرط
إعلاء السنن
كما فى "الزيلعى" (١٧٨:٢)، فإن قلامة ظفر أبى حنيفة ما لم تفارقه خير من آلاف من أمثال ابن
القطان، فالعجب منه أنه کیف أطلق اللسان بهذه الكلمة التی یعافها كل إنسان فى قلبه نور من
العلم والتقوى وهو برىء من العصبية والشنآن؟ فهذا ما يغنى حكايته عن الاشتغال بجوابه، ومن
أراد الاطلاع على درجة هذا الإمام فى علم الحديث وحفظه وأمانته، فليراجع "مقدمة" هذا
الكتاب، فقد أتينا فيه على القدر الضرورى من هذا الباب.
واندحض بما ذكرنا ما قاله ابن قدامة فى "الشرح الكبير" له بما نصه: ولم يفرق الشافعى،
وأصحاب الرأى بين الشرط والشرطين، ورووا: ((أن النبى معَّ ◌ُلّ نهى عن بيع وشرط))، وقال:
حديثهم ليس له أصل، وقد أنكره أحمد، ولا نعرفه مرويا فى مسند، فلا يعول عليه اهـ (٥٣:٤).
أما قوله: "لا أصل له ولا نعرفه مرويا فى مسند" ففيه إشعار لقلة نظره فى الحديث وكتبه،
فإن هذا الحديث رواه الحافظ طلحة بن محمد فى "مسنده" للإمام، عن أبى العباس بن عقدة، عن
الحسن بن القاسم، عن الحسين البجلى، عن عبد الوارث بن سعيد، وأخرجه الحافظ بن خسرو فى
"مسنده" من طريق عبد الله بن أيوب بن الفيروز الخزاعى، عن محمد سليمان الذهلى، عن عبد
الوارث، ومن طريق الثقة على بن محمد بن محمد الخطيب، عن أبى بكر عبد القاهر بن محمد بن
محمد، عن أبى هارون موسى، عن عبد الله بن أيوب بن زاذان المقرئ عن الذهلى عنه عن أبى
حنيفة، وأخرجه القاضى أبو بكر الأنصارى بسنده عن عبد الله بن أيوب القزوينى، عن الذهلى
عنه، عن أبى حنيفة، وأخرجه الحافظ أبو نعيم الإصفهانى، عن أبى القاسم الطبرانى، عن عبد الله بن
أبى بكر المقرئ، عن الذهلى عنه، عن أبى حنيفة، كما فى "جامع المسانيد" (٢٢:٢-٢٣)، وبهذا
السند أخرجه الطبرانى فى "معجمه الأوسط"، والحاكم فى "علوم الحديث"، ومن جهة الحاكم
ذكره عبد الحق فى "أحكامه" وسكت عنه، وسكوته عن شىء فى أحكامه حجة، فكيف يكون
الحديث لا أصل له؟ وقد رواه وأخرجه جماعة من الحفاظ فى مسانيدهم ومعاجمهم ومصنفاتهم.
وأما قوله: "وأنكره أحمد"، فقد ذكرنا فى "المقدمة": أن المنكر أطلقه أحمد بن حنبل
وجماعة على الحديث الفرد الذى لا متابع له، وتفرد الثقة بحديث ليس بقدح فيه كما مر، وقد
ذكرناه فى "المقدمة" أيضًا: إذا قالوا أنكر ما رواه فلان كذا لا يلزم منه ضعف الحديث، ولا ضعف
راويه، فإنهم ربما يطلقونه على الحديث الصحيح والحسن أيضًا بمجرد تفرد راويه، فتذكر. فإن
قيل: إنكار أحمد هذا الحديث مع تركه العمل به دليل على ضعفه عنده، قلنا: واحتجاج أبى حنيفة

ج - ١٤
١٥٥
باب البیع إلى أجل مجهول
٤٦٦٧- قال الشافعى: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن عبد الكريم الجزرى، عن
والشافعى به مع العمل دليل على صحته عندهما، فقد ذكرنا فى "المقدمة": أن احتجاج المجتهد
بحديث تصحيح له منه، ودرجة أبى حنيفة والشافعى فى الحديث ليس بأقل من درجة أحمد فيه
مع مالهما من التقدم والسبق، فإن أبا حنيفة من التابعين، والشافعى من أتباعهم، وأحمد بعدهما
بكثير، وأما الفقه والاجتهاد فلا يخفى أن أحمد عيال فى ذلك عليهما، والله تعالى أعلم.
وقال شمس الأئمة فى "المبسوط": والصحيح ما استدل به أبو حنيفة، فإنه حديث مشهور،
فأما حديث هشام بن عروة، فقد قال أبو يوسف: أوهم هشام بن عروة، ما قال رسول الله عد له:
(اشترطى لهم الولاء))، لأن هذا أمر بالغرور، ولا يظن برسول الله عَّ ذلك، وتأويل حديث
جابر رضى الله عنه أن ذلك لم يكن شرطًا فى البيع، على أن ما جرى بينهما لم يكن بيعًا حقيقة،
وإنما كان ذلك من حسن العشرة والصحبة فى السفر، والدليل عليه قصة الحديث فذكرها بنحو ما
ذكرنا (١٤:١٣)١٢ ظ.
باب البيع إلى أجل مجهول
قوله: "لا تبيعوا إلخ". أقول: اختلفوا فى جواز هذا البيع، فقال أبو حنيفة، ومن وافقه: بعدم
جوازه، وتمسكوا برواية المتن، وخالفهم آخرون، واحتجوا بما روى عن عبد الله بن عمرو وغيره،
قال سحنون: قال ابن وهب: أخبرنى ابن جريج أن عمرو بن شعيب أخبره عن عبد الله بن
عمرو بن العاص: ((أن رسول الله عَّ أمره أن يجهز جيشا))، فقال عبد الله: ليس عندنا ظهر، فأمره
النبى عَِّ أن يبتاع ظهرا إلى خروج المصدق، فابتاع عبد الله البعير بالبعيرين وبالأبعرة إلى خروج
المصدق بأمر رسول الله عَّهِ، وقال أيضًا: أخبرنى ابن وهب، عن ابن لهيعة، عن ابن أبى جعفر،
عن نافع: "أن ابن عمر كان يبتاع البيع ويشترط على صاحبه أن يقضيه إذا خرجت غلته أو إلى
عطاءه"، وقال أيضًا: قال ابن وهب: أخبرنى سلمة بن على قال: "كن أمهات المؤمنين يشترين إلى
أعطياتهن" (المدونة ٢١٧:٣).
والجواب عنه: أن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص منسوخ، كما سيأتى تفصيله فى بيع
الحيوان بالحيوان، وأما أثر ابن عمر وأمهات المؤمنين، فالجواب عنه أن المسألة مجتهد فيها، ورجحنا
أثر ابن عباس لأنه أقيس وأبعد من النزاع، وتأويل ما روى أبو حنيفة رضى الله عنه عن معنى بن عبد
الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن عبد الله بن مسعود، عن النبى معَّه، أنه قال: ((اشتروا على الله،

١٥٦
البیع إلى أجل مجهول
إعلاء السنن
عكرمة عن ابن عباس رضى الله عنهما، قال: "لا تبيعوا إلى العطاء، ولا إلى الأندر،
قالوا: وكيف ذاك يا رسول الله؟ قال: يقولون: بعنا إلى مقاسمنا ومغانمنا))، أن لا يكون الأجل
المجهول شرطا فى العقد، بل يكون البيع نقدا ويمهل البائع المشترى إلى الميسرة على وجه التبرع.
قال العبد الضعيف: "وهذا هو تأويل ما روى عن ابن عمر وعن أمهات المؤمنين من الاشتراء
إلى العطاء، أن الأجل لم يكن مشروطًا فى العقد، بل إمهالا من البائع بعد تمام العقد تبرعا، على أن
العطاء فى زمن عمر بن الخطاب رضى الله عنه ومن بعده من الخلفاء الراشدين كان موقتا بوقت
معلوم، قال أبو يوسف فى "الخراج" له: حدثنا المجالد بن سعيد، عن الشعبى عمن شهد عمر بن
الخطاب رضى الله عنه، قال: لما فتح الله علیه، وفتح فارس والروم جمع ناسا من أصحاب رسول
الله عَّهِ، فقال: ما ترون؟ فإنى أرى أن أجعل عطاء الناس فى كل سنة وأجمع المال فإنه أعظم
للبركة، قالوا: اصنع ما رأيت، فإنك إن شاء الله موفق اهـ" (ص ٥٢)، وهذا مرسل حسن، فكانوا
يقسمون العطاء على تمام السنة.
ثم اختلف الأمور فكانوا يقسمون العطاء بعد تمام السنة مرة، وبعد شهر أو شهرين من
تمامها أخرى، فصار وقت العطاء مجهولا بعد ما كان موقتا معلومًا، ولذلك -والله أعلم- نهى ابن
عباس عن البيع إلى العطاء، لكونه شبيها بالدياس والأندر فى آخر زمانه، فلا حجة فى أثر أمهات
المؤمنين لمن جوز البيع إلى أجل مجهول، فافهم. ثم راجعت "المحلى" لابن حزم فوجدت مالكا
رحمه الله قد قال ما قلته بعينه، قال ابن حزم: "وأباح مالك البيع إلى العطاء فيما خلا (ومضى)
قال: وأما اليوم فلا، لأنه ليس الآن معروفًا، وكان معروفًا قبل ذلك اهـ" (٤٤٥:٨).
قال ابن حزم: واحتج من أباح البيع إلى العطاء بما رويناه من طريق الحجاج بن أرطاة، عن
عطاء، وجعفر بن عمرو بن حريث، قال عطاء: "كان ابن عمر يشترى إلى العطاء"، وقال جعفر
عن أبيه: "إن دهقانا بعث إلى على بن أبى طالب ثوب ديباج منسوج الذهب، فابتاعه منه عمرو بن
حريث إلى العطاء بأربعة آلاف درهم". قال حجاج: "وكان أمهات المؤمنين يتبايعن إلى العطاء"،
ومن طريق إسرائيل، عن جابر الجعفى، عن الشعبى: "لا بأس بالبيع إلى العطاء".
وعن ابن أبى شيبة: نا أبو بكر الحنفى، عن نوع بن أبى بلال: "اشترى منى على بن الحسين
طعاما إلى عطائه". قال ابن حزم: كل هذا عن حجاج بن أرطاة، وناهيك به ضعفا، (قلت: كلا!
بل هو ثقة، وإنما نقم عليه التدليس) وعن جابر وهو دون حجاج بدرج (قلت: نعم! ولكنه مختلف
فيه)، ولا أدرى نوح بن أبى هلال (الصحيح ابن أبى بلال) من هو؟

ج - ١٤
البیع إلى أجل مجهول
١٥٧
ولا إلى الدیاس" (كتاب الأم ٣: ٤٥)، وهذا سندذ صحيح.
الأمان مرتفع من تجهيل ابن حزم أحدا، فإنه جهل كثيرا من المعروفين:
(قلت: قد مر فى "المقدمة" أن الأمان مرتفع من تجهیل ابن حزم أهدا فإنه قد جهل كثير من
المعروفین، ونوح بن أبی بلال هذا هو الحری المدنی مولی معاویة، من رجال النسائی، روی عن ابن
عمر، وسعيد بن المسيب، وأبى سلمة بن عبد الرحمن، وعلى بن الحسين، وغيرهم. وعنه الثورى،
وإسحاق بن إبراهيم بن نسطاس، وعلى بن ثابت الجزرى، وداود بن إسماعيل بن إبراهيم، وأبو
بناتة، وأبو بكر الحنفى، وزيد بن الحباب، قال أحمد وابن معين وأبو حاتم: ثقة. وقال أبو زرعة
والنسائى: لا بأس به، وذكره ابن حبان فى الثقات، وقال يعقوب بن سفيان: لا بأس به، كذا فى
"التهذيب" (٤٨١:١٠)، وفى "التقريب": ثقة من الخامسة اهـ.
قال ابن حزم: ولقد كان يلزم الحنفيين المحتجين برواية حجاج بن أرطاة فى أن العمرة تطوع
أن يحتجوا ههنا بروايته، ولقد كان يلزمهم إذا قلدوا أم المؤمنين فيما خالفها فيه زيد بن أرقم أن
يقلدوها ههنا، ومعها صواحبها أمهات المؤمنين، وعلى، وعمرو بن حريث، وأيضًا عمار بن ياسر
وغيره، ولكن القوم متلاعبون. (قلت: حاشاهم من ذلك، وإنما هم فقهاء مجتهدون، يفقهون ما لا
تفقهون، ويعلمون ما لا تعلمون، فإنهم حملوا هذه الآثار على كون العطاء موقتا معروفا إذ ذلك،
وما يخالفها على ما إذا لم يبق موقتا كذلك، فافهم. ولا تعجل بالإنكار على الأئمة الأبرار،
والفقهاء الأخيار، فيلحقك الشين والعار).
قال ابن حزم: وروينا من طريق سفيان بن عيينة، عن عبد الكريم الجزرى، عن عكرمة، عن
ابن عباس: لا يسلم إلى عصیر، ولا إلى العطاء، ولا إلى الأندر یعنی البیدر، ومن طریق و کیع عن
سفيان الثورى، عن بكير بن عتيق، عن سعيد بن جبير: "لا تبع إلى الحصاد، ولا إلى الجداد، ولا
إلى الدراس" (لعل الصحيح الدياس)، ولكن سمى شهرا، ومن طريق ابن شيبة: نا محمد بن أبى
عدى، عن عبد الله بن عون، سئل محمد ابن سيرين عن البيع إلى العطاء؟ قال: "لا أدرى ما هو؟".
ومن طريق ابن أبى شيبة: نا جرير، عن منصور، عن إبراهيم: "أنه كره الشراء إلى العطاء
والحصاد، ولكن يسمى شهراً ، ومن طريق ابن أبى شيبة: نا حميد بن عبد الرحمن عن الحسن بن
صالح بن حى، عن المغيرة، عن الحكم: "أنه كره البيع إلى العطاء"، وهو قول سالم بن عبد الله بن
عمر وعطاء اهـ (٤٤٧:٨). قلت: عطاء هو الذى روى عن ابن عمر أنه كان يشترى إلى العطاء،
ثم خالفه، وليس ذلك إلا اختلاف الزمان عندنا كما ذكرنا، والله تعالى أعلم) ١٢ظ.

. ١٥٨
إعلاء السنن
باب بيع ما لیس عنده
٤٦٦٨- عن حكيم بن حزام، قال: يا رسول الله! يأتينى الرجل فيريد منى البيع
ليس عندى، أفأبتاعه له من السوق؟ فقال: "لا تبع ما ليس عندك"، أخرجه أبو داود
وسكت عنه.
باب بيع ما ليس عنده
قوله: "لا تبع ما ليس عندك"، أقول: معناه لا تبع ما ليس عندك أصلا، أى لا تملكه لا أصالة
ولا يدا، وليس معناه لا تبع ما لا تملكه أصالة، وإن كان بيدك وكالةً، فلا يصح الاستدلال به على
بطلان بيع الفضولى كما استدل به الشافعى.
والدليل عليه أنه لا يدخل فيه بيع الوكيل إجماعًا، ولا يقال له: إنه بائع ما ليس عنده،
ولا فرق بينه وبين الفضولى فى نفس البيع، لأن كل واحد منهما بائع ملك غيره، والفرق إنما هو
فى الإذن وعدمه وهو غير مؤثر، فلا يكون بيع الفضولى داخلا فيه، فإن قلت: الإذن للو كيل يجعل
المبيع مقدور التسليم، فلا يكون الفضولى مثله، لأنه لا يقدر على التسليم، فالجواب عنه (بالمنع لأنه
يقدر عليه لكون المبيع بيده، وإنما لا يقدر على تنفيذ العقد وتصحيحه، وليس فى الأثر ما يد على
المنع من بيع ما لا يقدر البائع على تنفيذ العقد فيه، ومن ادعى فعليه البيان، وأيضاً)، أن القدرة على
التسليم يجب بحسب البيع، فإن كان البيع باتا يجب أن تكون القدرة أيضًا باتا، وإن كان موقوفًا
يجب أن يكون القدرة أيضًا كذلك، والقدرة الموقوفة موجودة هنا، فلم يصح الفرق، بخلاف من
يبيع ما ليس عنده لأن بيعه بات ولا قدرة هناك فلا يصح.
حجة من قال بجواز بيع الفضولی:
قال العبد الضعيف: وبعد ذلك فلنذكر حجة من قال بجواز بيع الغضولى، وبه قال أبو
حنيفة، ومالك، وأحمد فى إحدى الروايتين عنه، والشافعى فى القديم، وقواه النووى، وهو مروى
عن جماعة من السلف، منهم على، وابن عباس، وابن مسعود، وابن عمر.
وقال الشافعى فى الجديد: إن البيع الموقوف والشراء الموقوف باطلان؛ لقوله مبێ: ((لا تبع ما
ليس عندك))، واحتج الأولون بحديث عروة البارقى قال: ((أعطاه النبى معدّ لّه دينارا يشترى به
أضحية أو شاة، فاشترى شاتين، فباع إحداهما بدينار فأتاه بشاة ودينار، فدعا له بالبركة فى بيعه،
فكان لو اشترى ترابا لربح فيه)) رواه "أبو داود"، ومثله عن حكيم بن حزام عنده، وزاد: ((فتصدق

ج - ١٤
بیع ما ليس عنده
١٥٩
به (أى بالدينار) النبى معَّه)) ويحتمل أنه تصدق به لأنه قد خرج عنه للقربة لله تعالى فى الأضحية
فكره أكل ثمنها قاله فى "النيل"، قال: هذا الحديث مما يحتج به أصحاب الرأى؛ لأنهم يجيزون
بيع مال زيد من عمرو بغير إذن منه أو توكيل به، (لأنه معدّ لِّ لم يأذن لعروة ولا لحكيم بن حزام فى
بيع الأضحية، وإنما وكلهما بشرائها).
ويتوقف البيع على إجازة المالك، فإذا أجازه صح، إلا أنهم لم يجيزوا الشراء له بغير إذنه،
وأجاز مالك الشراء والبيع معًا، و كان الشافعی لا یجیز شيئا من ذلك؛ لأنه غرر، ولا یدری هل
يجيزه أم لا، وكذلك لا يجيز النكاح الموقوف على رضا المنكوحة أو إجازة الولى، غير أن الخبرين
معًا غير متصلين، لأن فى أحدهما وهو خبر حكيم بن حزام رجلا مجهولا (وهو شيخ من أهل
المدينة عن حكيم) لا يدرى من هو؟ وفى خبر عروة أن الحى حدثوه (أى شبيبا عن عروة)، وما
كان هذا سبيله من الرواية لم تقم به الحجة، وقد ذهب بعض من لم يجز البيع الموقوف فى تأويل
هذا الحديث إلى أن وكالته وكالة تفويض وإطلاق، وإذا كانت الوكالة مطلقة، فقد حصل البيع
والشراء عن إذن انتهى، قال المنذری: وفى إسناده مجهول، وأخرجه "الترمذى" من حديث حبيب
بن أبى ثابت عن حكيم بن حزام، وقال: لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وحبيب بن أبى ثابت لم
يسمع عندى من حكيم بن حزام، هذا آخر كلامه، وحكى المزنى عن الشافعى: أن حديث البارقى
ليس بثابت عنده، قال البيهقى: وإنما ضعف حديث البارقى لأن شبيب بن غرقدة رواه عن الحى
وهم غير معروفين، وحديث حكيم بن حزام، إنما رواه شيخ غير مسمى، وليس هذا من شرط
أصحاب حديث فى قبول الأخبار، والله أعلم اهـ ملخصًا من "عون المعبود" (٢٦٥:٤).
قلت: قال صاحب "الجوهر النقى": علله البيهقى بما فى سنده من الإرسال، وقد قدمنا أن
مثل هذا لا يسمى مرسلا عند أهل الشأن، بل فى سنده جهالة، وقد زالت بأن أبا داود والترمذى
أخرجاه من غير وجه من حديث سعيد بن زيد. (قلت: وأخرجه البيهقى فى "سننه" أيضًا
١١٢:٦)، وهو أخو حماد بن زيد، عن الزبير بن خريت، عن أبى لبيد: حدثنى عروة فذكره،
وسعید وإن قال البيهقی عنه: ليس بالقوى، فقد احتج به مسلم، واستشهد به البخارى، ووثقه ابن
معین وغيره، والزبير احتج به الشيخان وأبو لبید ثقة، روی له أصحاب السنن، وذكره ابن حبان فى
الثقات، وقد تابع سعيد بن زيد على رواية هذا الحديث هارون بن موسى الأعور، قال الترمذى: ثنا
أحمد بن سعيد الدارمى، ثنا حبان بن هلال، ثنا هارون الأعور، ثنا الزبير بن خريت فذكره، وهذا

١٦٠
بيع ما ليس عنده
إعلاء السنن
السند علی شرط الشیخین، فظهر بهذا أنه حدیث ثابت متصل روی من وجوه، وروى أيضًا من
حديث حكيم بن حزام من وجهين أخرجه البيهقى من حديث (أبى حصين عن) شيخ من أهل
المدينة عن حكيم بن حزام، قال الترمذى: ثنا أبو كريب، ثنا أبو بكر بن عياش، عن أبى حصين،
عن حبيب بن أبى ثابت عن حكيم بن حزام فذكره، ورجال هذا السند على شرط البخارى، وقال
الترمذى: حبيب لم يسمع عندى من حكيم بن حزام اهـ، ملخصًا (١١٢٠٦-١١٣).
قلت: والمرسل إذا تعدد مخرجه فهو حجة عند الكل كما ذكرنا فى "المقدمة"، وهذا يرويه
أبو حصين عن شيخ من أهل المدينة، وعن حبيب بن أبى ثابت، وليس من أهل المدينة، بل من أهل
الكوفة، كلاهما عن حكيم بن حزام، فهو حجة على الشافعى، وأما قول بعض أصحابه فى تأويله:
إن وكالته كانت وكالة تفويض وإطلاق، فاحتمال غير ناشئ عن دليل، ففى سياق الحديث
أنه مِّ أمره باشتراء شاة للأضحية، ولم یکن و کله ببيع ما يشتريه لها، ولذا تصدق بالدينار، ولو
كان وكله تفويضا وإطلاقها لم يتصدق به لكونه قد نوى التجارة من أول الأمر، فافهم.
واحتجوا أيضًا بما رواه أبو داود واللفظ له، والشيخان عن ابن عمر رضى الله عنهما قال:
سمعت رسول الله مَّ ةٍ يقول: ((من استطاع منكم أن يكون مثل صاحب فرق الأرز، فليكن مثله))،
قالوا: ومن كان صاحب الأرز يا رسول الله؟ فذكر حديث الغار حين سقط عليهم الجبل، فقال كل
واحد منهم: اذكروا أحسن عملكم، قال: وقال الثالث: اللهم إنك تعلم أنى استأجرت أجيرا بفرق
أرز، فلما أمسيت عرضت عليه حقه، فأبى أن يأخذه وذهب، فثمرته له حتى جمعت له بقر
ورعائها، فلقينى فقال: أعطنى حقى، فقلت: اذهب إلى تلك البقر ورعائها فخذها، فذهب
فاستاقها (عون المعبود ٢٦٦:٤). وترجم له البخارى: إذا اشترى شيئا لغيره بغير إذنه فرضى، قال
الحافظ فى "الفتح": هذه الترجمة معقودة لبيع الفضولى، وقد مال البخارى فيها إلى الجواز، وأورد
فيه حديث ابن عمر فى قصة الثلاثة الذين انحطت عليهم الصخرة فى الغار، وموضع الترجمة منه .
قول أحدهم: "إنى استأجرت أجيرا بفرق فأعطيته فأبى فعمدت إلى الفرق فزرعته" الحديث،
فإن فيه تصرف الرجل فى مال الأجير بغير إذنه، ولكنه لما ثمره له ونماه وأعطاه أخذه ورضى،
وطريق الاستدلال به ينبنى على أن شرع من قبلنا شرع لنا، والجمهور على خلافه، لكن يتقرر بأن
النبى عّ لّه ساقه مساق المدح والثناء على فاعله وأقره على ذلك، ولو كان لا يجوز لبينه، فيهذا
الطريق يصح الاستدلال به لا بمجرد كونه شرع من قبلنا.