النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
تتمة باب ثبوت خيار القبول دون خيار المجلس
ج - ١٤
الجماعة ثقة، "فالحديث حسن الإسناد" وهو مفسر جيد للمجمل الذى روى بلفظ:
((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا))، وفسروه بتفرق الأبدان بما روى عن ابن عمر، وتفسير
الشارع أولى، وأقدم من تفسير غيره.
وأما قول ابن حزم: "وليست الاستقالة المذكورة فى هذا الخبر ما ظن هؤلاء الجهال، وإنما
هى فسخ النادم منهما للبيع رضا الآخر أم كره، والبرهان على صحة قولنا: إن المفارقة بالأبدان لا
تمنع من الاستقالة التى حملوا الخبر عليها، بل هى ممكنة أبدا، فكان الخبر على هذا لا معنى له ولا
حقيقة، فصح أنها الاستقالة التى تمنع منها المفارقة بلا شك، وهى التفرق بالأبدان الموجب للبيع
المانع من فسخه، ولا بد لا يمكن غير هذا" اهـ (٢٦٠:٨). ففيه أنه ليس الجاهل إلا من حمل هذا
الحديث على تحريم ما دل حديث ابن عمر الصحيح على جوازه، فقد أخرج ابن حزم نفسه من
طريق البخارى، عن ابن عمر: ((أنه باع من عثمان مالا بالوادى بمال له بخيير، قال: فلما تبايعنا
رجعت على عقبى خرجت من بيته خشية أن يرادنى البيع))، وفى رواية للشيخين: ((فكان ابن عمر
إذا اشترى شيئًا يعجبه فارق صاحبه)). وفى لفظ لهما: "فكان ابن عمر إذا بايع رجلا فأراد أن يقيله
قام فمشى هينهة ثم رجع إليه" (زيلعى ٢: ١٧٠). فهل ترى ابن عمر كان يفعل ما لا يحل له على
لسان رسول الله عَّه؟ وأيضًا فالاستقالة طلب الإقامة لغة وعرفًا، وأما الفسخ من أحدهما رضا
الآخر أم كره فليس من الاستقالة فى شىء، وحمل اللفظ على ذلك تحريف للكلام عن موضعه،
ولكن ابن حزم لا يستحبى فى الرد على خصمه من ارتكاب شنعية ولا فضيحة.
وأما قوله: "فهذا حديث لا يصح، ولسنا ممن يحتج لنفسه بما لا يصح" اهـ (٢٦٠:٨). فمن
إطلاقاته المردودة، فإن حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، حجة عند الأئمة، لم يزالوا
يحتجون به، كما مر ذكره غير مرة، والحديث حسنه الترمذى، كما عرفناك، وكم من مواضع
قد احتج فيها ابن حزم بمن هو دون عمرو بن شعيب، ومعنى الحديث عندا البيعان بالخيار بعد ما
لم يتفرقا من بيعهما إلا أن تكون صفقة خيار، ففيها الخيار بعد تمام البيع أيضًا، ولا يحل لأحد أن
يفارق صاحبه ويغيب عنه فى مدة الخيار، فلا يلقاه خشية أن يستقيله، ولا يرد على ذلك ما أورده
ابن حزم علينا من سخافة رأيه وسوء فهمه.
الرد على بعض الأحباب حيث ادعى الزيادة والإدراج فی حدیث
واندحض بذلك ما قاله بعض الأحباب: "إن رواة الحديث لم يحفظوا ألفاظ النبى عبّر)
عبد الله بن عمرو بمجرد الاحتمال العقلى

٢٢
تتمة باب ثبوت خیار القبول دون خيار المجلس
إعلاء السنن
٤٦٠٢- عن ابن عمر، قال: "كنا مع النبى عدّه فى سفر، فكنت على بكر
بل رووها بمعنى الذى فهموه، فإن عمر لما سمع من النبى معَّ (البيعان بالخيار لم يتفرقا)) فهم منه
التفرق بالأبدان، وأن الشارع إنما أثبت لهما الخيار إلى التفرق ولم يأمرهما بالتربص إلى حين، وأما
عبد الله بن عمرو بن العاص، ففهم منه أن مقصود الشارع من هذا التخيير هو النظر لهما، وفى
المفارقة خشية الاستقالة تفويت لهذا الغرض، فزاد فى روايته: ((ولا يحل لأحد أن يفارق صاحبه
خشية أن يستقيله)) ظنا منه أنه رواية بالمعنى، ويمكن أن تكون الرواية مدرجة ويكون قوله: ((لا يحل
إلخ)) من رأى عبد الله، لا من روايته اهـ.
وحاصله أن المرفوع من الحديث إنما هو قوله: ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار)).
وما سوى ذلك مما يدل على جواز التفرق بدون رضا الآخر، أو على عدم جوازه، زيادة من الرواية
حسب ما فهموه، وهذا كما ترى كله كلام من لم يمارس العلم، فإن الزيادة فى الحديث ليس من
الرواية بالمعنی فی شیء، سلمنا ولکن دعوى الزیادة لا تصح إلا بدلیل، و کذا دعوى الإدراج، ولو
فتحنا باب أمثال هذه الدعوى بمجرد الاحتمال والإمكان العقلى لم يكن يثبت بالحديث شىء،
وارتفع الأمان، وادعى من شاء ما شاء، فافهم. فإن هذا العلم لا يؤخذ بالعقل ما لم يساعده النقل،
نبه على ذلك الحافظ فى "الفتح" فى غير ما موضع. نعم! لو قال كما قال بعضهم: "حديث:
((البيعان بالخيار)) جاء بألفاظ مختلفة، فهو مضطرب لا يحتج به"، لكان له موضع، فإن الجمع بين
حديث ابن عمر برواية الليث عن نافع عنه، وبين حديث عبد الله بن عمرو بن العاص متعسر جدا،
وكل ما ذكروه فى الجمع بيتهما لا يخلو عن تعسف.
وأما قول الحافظ فى "الفتح": "إن الجمع بين ما اختلف من ألفاظه ممكن بغير تكلف
ولا تعسف، فلا يضره الاختلاف، وشرط المضطرب أن يتعذر الجمع بين مختلف ألفاظه، ولیس
هذا الحديث من ذلك" اهـ، (٢٧٩:٥). فكله تحكم من غير دليل تمشية للمذهب، فإن الاختلاف
بين لفظة ابن عمر وابن عمرو لشديد، ولم يذكر الحافظ فى الجمع بينهما إلا ما قاله ابن حزم وغيره
من حمل الاستقالة على الفسخ. ورده ابن العربى: "بأنهم إن تأولوا الاستقالة فيه على الفسخ تأولنا
الخيار فيه على الاستقالة". وتعقبه الحافظ: "بأن حمل الاستقالة، على الفسخ أوضح من حمل
الخيار على الاستقالة" (٢٧٨:٥). ولا يخفى أن كل ذلك دعوى مجردة عن دليل، وإذا تعارض
التأويلان فزع إلى الترجيح، والقياس فى جانبنا، فهو الراجح، والله تعالى أعلم.
قوله: "عن ابن عمر إلخ"، فيه حجة لمن يقول: إن الافتراق بالكلام، ألا ترى أن سيدنا

٢٣
تتمة باب ثبوت خیار القبول دون خيار المجلس
ج - ١٤
صعب لعمر، فكان يغلبنى فيتقدم أمام القوم، فيزجره عمر ويرده، ثم يتقدم، فيزجره
رسول الله عَّه وهب الجمل من ساعته لابن عمر قبل التفرق، ولو لم یکن الجمل له لما وهبهه حتى
يهب له بافتراق الأبدان، ولا يظن بالنبى معَّ أنه وهب ما فيه لأحد خيار ولا إنكار؛ لأنه إنما بعث
مبینا اه قاله ابن التین، كما فى "فتح البارى" (٢٨٠:٥).
الرد على ابن حزم:
وتعقبه ابن حزم فى "المحلى" (٣٦١:٨)، بأن ليس السكوت عن شىء بمانع من كونه؛ لأنه
صحة البيع تقتضيه ولا بد، ولم يذكر فى هذا الخبر ثمن أيضًا، فينبغى لهم أن يجيزوا البيع بغير
ذکر ثمن أصلا؛ لأنه لم یذ کر فیه ثمن اهـ.
وأجيب بأن الظاهر من السكوت العدم، فمن ادعى وجود الافتراق يطالب بالبيان، وأما
الثمن فقد قام الإجماع على توقف صحة البیع علی ذکره، فهو کالمذكور اقتضاءً ودلالة، بخلاف
ما اختلف فى كونه شرطا لتمام البيع، فلا يكون مذكورا بالاقتضاء، بل لا بد له من دليل، وأيضًا:
فالمتبادر من قوله: ((فباعه من رسول الله عَ له، فقال النبى معَّهِ: هو لك يا عبد الله)). إن الهبة كانت
عقيب البيع من ساعته من غير تراخٍ، وهذا هو الذى فهمه البخارى منه، كما هو ظاهر من عنوان
ترجمة الباب، فلا يرد علينا قوله: "ولم يذكر فى هذا الخبر ثمن أيضًا إلخ".
فإن قيل: قد رواه "البخارى" فى باب الهبة بلفظ: ((فاشتراه، ثم قال: هو لك يا عبد الله!
فاصنع به ما شئت))، وفيه حرف "ثم" الدال على التراخى. قلنا: صنيع البخارى يدل على أنه عنده
من تصرف الرواة، وإلا لم يبوب عليه بقوله: ((إذا اشترى شيئا فوهبه من ساعته قبل أن يتفرقا)).
وأما قول ابن حزم: " وهذه هبة لما ابتيع قبل القبض بخلاف رأى الحنفيين فهو حجة عليهم
اهـ". ففيه أنه دال على قصور نظره فى مذهب القوم، فقد قال محمد بن الحسن: "إن كل تصرف
لا يتم إلا بالقبض كالهبة والصدقة، فذلك جائز فى المبيع قبل القبض إذا سلطه على قبضه فيقبضه"،
كما فى "المبسوط" (٨:١٣) نعم! لا يجوز عند أبى يوسف هبة ما ابتيع قبل القبض، ولكن الحديث
لا يرد عليه أيضا، وإنما يرد على من لم يكتف بالتخلية فى حصول القبض، قال الحافظ فى "الفتح"
(٢٨١:٥): "وقد احتج به أى بحديث ابن عمر فى قصة البعير الصعب للمالكية والحنفية فى أن
القبض فى جميع الأشياء بالتخلية، وإليه مال البخارى، كما تقدم فى باب: "إذا اشترى دابة وهو
عليها هل يكون ذلك قبضا" اهـ. فلأبى يوسف أن يقول: إن رسول الله عز له لم يهب المشترى قبل

٢٤
تتمة باب ثبوت خيار القبول دون خيار المجلس
إعلاء السنن
عمر ويرده، فقال النبى عَّ ◌ُله لعمر: بعنيه، فقال: هو لك يا رسول الله! قال رسول
الله عَ لّهِ: بعنيه، فباعه من رسول الله عَّ له، فقال النبى عَّ له: هو لك يا عبد الله بن عمر!
القبض بل بعده، لحصول القبض بالتخلية، فالحديث حجة لنا لا علينا خلافا لما فهمه ابن حزم.
الرد على ابن حزم فى قوله: "إن حديث عمر فى بيع البعير
يجوز أن يكون متقدما على حديث الخيار للبائعين":
وأما قوله: فمن لهم أن هذه القصة كانت بعد قول رسول الله معرّ له: ((كل بيعين لا بيع
بينهما حتى يتفرقا أو يخير أحدهما الآخر)) اهـ؟ فنقول: ومن لك بأن قول رسول الله عد له:
((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا)) كان بعد قوله تعالى: ﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾ الدال على تمام البيع
بالتبايع، وهو العقد من الجانبين؟ فإن إذا للوقت، فاقتضى ذلك الأمر بالشهادة عند قوع التبايع من
غير ذكر الفرقة، وقول ابن حزم: "إن الذى جاءنا بهذه الآية هو الذى أخبرنا أنه لا بيع أصلا إلا
بعد التفرق عن المواضع أو التخير، فصح يقينًا أن قول الله تعالى: ﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾.
إنما هو أمر بالإشهاد بعد التفرق إلخ (٣٥٨:٨)، مصادرة على المطلوب، كما لا يخفى،
فإن البيع والتبايع والتجارة مما لا يجهله أحد من أهل اللسان، وليس هو بمجمل یحتاج إلى البيان،
فلا يجوز زيادة شرط التفرق فيه إلا بعد أن يثبت كون الحديث متأخرا عنه، مع إثبات كونه
مشهورا أو متواترا، ودون كل ذلك خرط القتاد، لم لا يجوز أن يكون الحديث متقدما على الآية،
وكان التفرق شرطًا لتمام البيع فى أول الإسلام، ثم جاء قوله تعالى: ﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾،
وقوله: ﴿لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل! إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾. قاضيا بتمام البيع
بالعقد، وبجواز الأكل بوقوع البيع عن تراض قبل الافتراق؟ إذ التجارة إنما هى الإيجاب والقبول
فى عقد البيع، وليس التفرق والاجتماع من التجارة فى شىء، ولا يسمى ذلك تجارة فى شرع،
ولا لغة، فإذا كان الله قد أباح أكل ما اشترى بعد وقوع التجارة عن تراض، فمانع ذلك بإيجاب الخيار
خارج عن ظاهر الآية، مخصص لهما بغير دلالة، قاله الجصاص فى "أحكام القرآن" له (٢: ١٧٥).
وأيضًا: فمن له بأن هذا الحديث كان بعد قول رسول الله معرّ له: ((لا يحل مال امرئ مسلم
إلا بطيبة نفس منه))، الدال على حل المال له بطيبة من نفس البائ؟ وقد وجد ذلك بعقد البيع،
فوجب بمقتضى الخبر أن يحل له ويتم البيع بالعقد، لم لا يجوز أن يكون حديث الخيار للمتبايعين
حتى يتفرقا متقدما عليه، وأثبت لهما الخيار أولا ما لم يتفرقا عن مجلس البيع، تحقيقا لرضا

٢٥
تتمة باب ثبوت خیار القبول دون خيار المجلس
ج - ١٤
تصنع به ما شئت" (البخارى ٢٨٤:١)، وبوب عليه "إذا اشترى شيئا فوهب من ساعته
قبل أن يتفرقا" .
المتعاقدين بأكمل وجه ردا لما كانت عليه الجاهلية من تمام البيع بالملامسة، والمنابذة ونحوهما، ثم
جاءت الآيات والسنة قاضية بأن ملاك الأمر إنما هو التراضى، فإذا وجد العقد بالتراضى تم البيع
تفرقا أو لم يتفرقا؟ يؤيد ذلك ما رواه "الترمذى عن أبى هريرة عن النبى معَّه قال: ((لا يتفرقن
(اثنان) عن بيع إلا عن تراض)» (١: ١٥٠)، وما رواه عبد الرزاق عن أبى قلابة، قال: ((جاء رسول
الله عّ لٍّ إلى أهل البقيع، فنادى بصوته، فقال: يا أهل البقيع! لا يتفرق بیعان إلا عن رضا»، كذا فى
"كنز العمال" (٣٢٤:٣). وهو مرسل قد اعتضد بالموصول، وما رواه "النسائى" سمرة بلفظ: أن
النبى معَ ◌ّ قال: ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ويأخذ كل واحد من البيع ما هوى)) (٢١٣:٢).
قال الطحاوى: قوله فى هذا الحديث: ((ويأخذ كل واحد من البيع ما هوى))، يدل على أن
الخيار الذى للمتبايعين إنما هو قبل انعقاد البيع بينهما، فيكون العقد بينه وبين صاحبه فيما يرضاه
منه، لا فيما سواه مما لا يرضاه، إذ لا خلاف أنه ليس للمتبايع أن يأخذ ما رضى به من المبيع ويترك
بقيته، وإنما له أن يأخذه كله، أو يدعه كله، انتهى من "العمدة" للعينى (٤٦٤:٥). فلا يصح تأويله
على الأخذ من المبيع، وإذا بطل ذلك ووجب حمله على معنى العقد كان قوله: ((ويأخذ كل واحد
من البيع ما هوى)). تفسيرا لقوله: ((ما لم يتفرقا))، أى ما لم ينفصلا عن الإيجاب والقبول بالتراضى.
دليل جواز أن يكون التفرق بالأبدان والتخيير مشروطا فى البيع فى أول الإسلام ثم نسخ:
ويؤيد ما قلنا من جواز أن يكون اشتراط التفرق بالأبدان، وتخيير أحد المتعاقدين للآخر كان
فى أول الإسلام، ما رواه عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس، عن أبيه، قال: ((ابتاع النبى معَّ له قبل
النبوة من أعرابى بعيرا، أو غير ذلك، فقال له النبى عرّ له بعد البيع: اختر، فنظر إليه الأعرابى،
فقال: عمرك الله من أنت؟ فلما كان الإسلام جعل النبى معَّ ط ( الخيار بعد البيع))، كذا فى "كنز
العمال" (٢٢٢:٣)، وهذا مرسل صحيح.
وفيه دلالة على أن خيار المجلس بعد عقد البيع كان قبل النبوة (١)، وفى أول الإسلام للمعنى
(١) فاندحض به قول ابن حزم، ومن تبعه: "إن دعوى النسخ مردودة لعدم المعرفة بالمتقدم والمتأخر"، فقد عرفناك أن الخيار بعد
البيع كان قبل النبوة، وفى أول الإسلام، ولا ريب أن النصوص القاضية بكون ملاك الأمر فى البيع التراضى متأخرة عن ذلك
جداً، فافهم.

٢٦
تتمة باب ثبوت خیار القبول دون خیار المجلس
إعلاء السنن
٤٦٠٣- أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله عَ ليه
قال: ((المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار)). رواه
محمد فى "الموطأ" (٣٣٨)، وقال: "وبهذا نأخذ" .
الذى ذكرناه، ثم جاءت النصوص قاضية بتمام البيع بالتراضى، وما روى عن ابن عمر وغيره أنهم
كانوا يرون الخيار ما لم يتفرقا بالأبدان، محمول على أنهم كانوا يلتزمون الندب تحسينا للمعاملة
مع المسلم، لا على الوجوب، ومن ادعى غير ذلك فليقم الحجة على كون الحديث متأخرا عن
النصوص المذكورة الدالة على أن ملاك الأمر فى البيع، إنما هو تراضى العاقدين ليس إلا، هذا كله
بعد تسليمنا أن التفرق المذكور فيه محمول على التفرق بالأبدان، فكيف وقد أقمنا الحجة على
كونه محمولا على التفرق من البيع؟ كما مر كل ذلك بما لا مزيد عليه.
قوله: "أخبرنا مالك إلخ"، قلت: وفى قول محمد: "وبهذا نأخذ"، وفى قوله آخرا بعد ذکر
التفسير: "وهو قول أبى حنيفة والعامة من فقهائنا"، تصريح بأن أبا حنيفة وأصحابه لم يتركوا هذا
الحديث بالقياس، ولم يدعوا العمل به كما هو المشهور على ألسنة المحدثين وبعض الشافعية، بل
إنهم حملوا الحديث على ما حمل عليه النخعى، وأخذوا به، واحتجوا فى إثبات خيار القبول فيما
إذا أو جبل أحد المتعاقدين فللآخر الخيار فى أن يقبله أو يرده ما لم يتفرقا قولا، فإذا تفرقا، وتم
الإيجاب والقبول، فلا خيار له إلا فى بيع الخيار.
الرد على البيهقى » حيث نسب إلى الإمام حكاية منكرة:
وبهذه ظهر بطلان ما رواه البيهقى (من طريق ابن المدينى) عن عيينة "أنه حدث الكوفيين
يعنى بحديث الخيار، قال فحدثوا به أبا حنيفة، فقال: هذا ليس بشىء أرأيت إن كانا فى سفينة
إلخ، قال ابن المدينى: إن الله تعالى سائله عما قال"، انتهى. قال العلامة ابن التركمانى فى "الجوهر
النقى": هذه حكاية منكرة لا يليق بأبى حنيفة مع ما سارت به الركبان، وشحنت به كتب أصحابه
ومخالفيه من ورعه المشهور، (مع ما اعتراف به المحفوظون من هذه الأمة أن مذهب أبى حنيفة
تقديم الحديث الضعيف، والمرسل، والمنقطع والموقوف، من آثار الصحابة على القياس وآراء
الرجال، ومن هنا قال بنقض الوضوء والصلاة بالقهقهة ونحو ذلك، فكيف يظن بمثله أن يرد
الحديث الصحيح ويعارضه بالقياس).
ولقد حكى الخطيب فى "تاريخه": "أن الخليفة فى زمنه أرسل إليه ليستفتيه فى مسألة،

٢٧
تتمة باب ثبوت خيار القبول دون خيار المجلس
ج - ١٤
وقال فى "الحجج" له (٣٣٨): عندنا المعنى فى هذا البيعان كل واحد منهما
بالخيار ما لم يفترقا عن البيع، إذا قال البائع بعتك (فالمشترى) بالخيار، إن شاء قبل وإن
شاء لم يقبل فإنما تفسير هذا الحديث: البيعان كل واحد منهما بالخيار ما لم يفترقا على
هذا الوجه، قال: وكذلك أخبرنا بعض أصحابنا، عن أبى معشر، عن إبراهيم النخعى،
أنه فسر الحديث على هذا، وقال فى "الموطأ" (٣٣٨): "تفسيره عندنا على ما بلغنا عن
إبراهيم النخعى، أنه قال: المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا عن منطق البيع، وهو قول أبى
حنيفة والعامة من فقهاءنا" اهـ ملخصًا.
فأرسل إليه بجوابها، فحدثه بعض من كان فى حلقته بحديث يخالف فتياه، فرجع عن الفتيا،
وأرسل الجواب إلى الخليفة على مقتضى الحديث". ويحتمل أن تكون الآفة من بعض رواة الحكاية،
ولم یعین ابن عيينة من حدثه بذلك، بل قال(١): حدثونا، وعلى تقدير صحة الحكاية لم يرد بقوله:
((ليس هذا بشىء)) الحديث.
إنما أراد ليس هذا الاحتجاج بشىء يعنى تأويله بالتفرق بالأبدان، بل تأوله بأن التفرق
المذكور فيه هو التفرق بالأقوال، كقوله تعالى: ﴿وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته﴾، (فإن الزوجين
يتفرقان بالقول، وإن لم يتفرقا بالأبدان، فإن المطلقة لها السكنى والنفقة فى العدة اتفاقا، فما قاله
الحافظ فى "الفتح" تبعا لابن حزم، ونصه: "وأجيب بأنه سمى بذلك لكونه يفضى إلى التفرق
بالأبدان (٢٧٨:٥)، ليس بشىء، فإن تمام العقد بين البائع والمشترى يفضى إلى التفرق بالأبدان
أيضًا عادة، ولا يلزمها من التربص ما يلزم الزوجين، فافهم.
وعلى هذا فليس قول أبى حنيفة فى ذلك إلا نظير قول ابن عباس وقد سمع أبا هريرة
يحدث عن رسول الله عَّه، قال: ((توضأوا مما مست النار)). قال ابن عباس: "أنتوضأ من الدهن؟
أنتوضأ من الحميم؟" رواه "الترمذى" كما فى "جمع الفوائد" (٤١:١)، فكما أن ابن عباس لم يرد
الحديث، بل رد التأويل الذى أوله عليه أبو هريرة فكذا ههنا)، ولهذا قال: أرأيت لو كانا فى .
سفينة، أو تأول المتبايعين بالمتساومين على ما هو معروف من مذهب الحنفية، ومذهبه هو قول طائفة
من أهل المدينة، وإليه ذهب مالك، وربيعة، والنخعى، ورواه عبد الرزاق عن الثوری اهـ (٤:٢) ..
وقال العلامة الزبيدى فى "عقود الجواهر": ولقد كنت أسمع مشايخى دائما يقولون:
(١) هكذا فى الأصل، والظاهر من السباق حد ثوابه.

٢٨
تتمة باب ثبوت خيار القبول دون خيار المجلس
إعلاء السنن
٤٦٠٤- عن عطاء أن عمر قال: "البيع صفقة أو خيار". ومن طريق الشعبى عن .
عمرو عن الحجاج بن أرطاة، أن عمر قال: "إنما البيع عن صفقة أو خيار، والمسلم عند
شرطه". ومن طريق الحجاج بن أرطاة، عن محمد بن خالد بن الزبير، عن شيخ من بنى
كنانة أن عمر قال: "البيع عن صفقة أو خيار ولكل مسلم شرطه"، كذا فى "المحلى"
(٣٦٣:٨)، وأعل الروايات كلها بالإرسال، والأخير بجهالة شيخ من كنانة، وسنجيب
عن كل ذلك فى الحاشية.
"إن البيهقى متعصب"، وكنت لا أصدق ذلك، وأحمل عاله على محاسن، حتى رأيت مثل هذا
فى كتابه، ولقد تعجبت من الشيخ تقي الدين السبكى حيث غض (١) عن قاضى القضاة شمس
الدين السروجى الحنفى لقوله فى شرح الهداية له: "إن البيهقى متعصب"، فاستقبح هذه الكلمة،
وامتعص منها، وقال: إنها كلمة تملأ الفم، ولا تصدر إلا عن جهل وغفلة عن رتبة العلماء، إلى أن
قال: إن هذا هو معنى ما شاع على ألسنة الناس إن لحوم العلماء مسمومة، لأن الوقيعة فيهم فى
الشريعة، إلى آخر ما قال، وأنت لو عرضت هذا الكلام "الذى أدرجه البيهقى فى سننه" على
الشيخ السبكى لم يقبله لجلاله قدر الإمام (وبأن له حقيقة ما قاله السروجى فيه) فإن ظاهره أنه
نقض أصلا من أصول الشريعة على زعمه، وصار فى عداد من لا يعبأ بكلامه، ومثل هذا لا يقوله
إلا متعصب.
سلمنا أن السروجى عاب فى حق البيهقى، أو ما تسلم أن البيهقى والخطيب عابا فى حقا
الإمام، فنسبا إليه حكايات منكرة من طريق رجال مجاهيل، فهلا يقول لهما السبكى: هذا حرام،
والوقيعة فى المجتهدين وقيعة فى الشريعة؟ ووا عجبا أن لحم البيهقى مسموم، ولحم الإمام غير
مسموم، ومن تأمل كتاب السنن للبيهقى، والرد عليه لصاحب "الجوهر النقى" قضى من تعصباته
العجب، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم وحسبنا الله ونعم الوكيل اهـ ملخصا (١٤،١٣:٢).
الرد على ابن حزم تشنيعه على الحنفية بأنهم
یحتجون برواية شیخ عن بنی کنانة مجهول:
قوله: عن عطاء إلخ، قلت: قد تبين بما ذكرنا من طرق الحديث المختلفة أن هذا المرسل قد
روى من وجوه شتى، وليس مداره على شيخ من بني كنانة مجهول، فأحسن الله عزائنا فى ابن
(١) أى طعن فيه، وأغمض عن جلالته.

٢٩
تتمة باب ثبوت خیار القبول دون خيار المجلس
ج - ١٤
قال البيهقى: قال الشافعى: روى أبو يوسف عن مطرف عن الشعبى: أن عمر قال:
"البيع عن صفقة أو خيار". ورواه محمد بن عبد الرحمن، عن نافع، عن ابن عمر،
(زيلعى ١٧١:٢)، وجعل محمد فى "الحجج" له (ص٢٣٨) حديث عمر بن الخطاب
هذا معروفا مشهورا عنه، وقال: "وهو كان أعلم بحديث رسول الله عَ ليه، وفيه: إنما
الصفقة أن يوجب البيع البائع والمشترى" اهـ.
حزم حيث شنع على الحنفية فى غير ما موضع من "المحلى": أنهم يعارضون السنن الثابتة برواية
شيخ من بنى كنانة، وما أدرك ما شيخ من بنى كنانة؟ ليت شعرى أ بهذا يحتجون إذا وقفوا فى
عرصة القضاء يوم القيامة، عياذك اللهم من التلاعب بالدين اهـ. أو لا يستحيى ابن حزم من تغريره
العوام بإقذاعه فى الكلام، وخروجه فى البحث عن طريقة العلماء الكرام، ولا ينظر بعينه أن الأثر
قد رواه أبو يوسف الإمام عن مطرف عن الشعبى عن عمر، وهذا مرسل صحيح، ولا يكاد الشعبى
يرسل إلا صحيحا كما مر غير مرة، ورواه عطاء عن عمر أيضا، ونافع عن ابن عمر (عن عمر) ..
والمرسل إذا تعدد مخرجه، فهو حجة عند الكل كما ذكرناه فى المقدمة لا سيما، وقد صرح
محمد بن الحسن الإمام بأن هذا الأثر معروف مشهور عن عمر، وإذا اشتهر الحديث أو تواتر
استغنى عن الإسناد، كما هو مقرر فى الأصول، فهل هذا احتجاج بشيخ من بني كنانة مجهول، أو
هو احتجاج بمرسل تعدد مخرجه، حتى صار معروفا مشهورا عند الفحول؟ هذا.
ودلالة الحديث على معنى الباب ظاهرة، فإن الصفقة هى النافذة اللازمة، فتبين بذلك أن
البيع نوعان، لازم وغير لازم بشرط الخيار فيه، فمن قال: بأن الخيار يثبت فى كل بيع، فقد خالف
هذا الحديث كذا فى "المبسوط" (١٥٢:١٣).
والحاصل أن القائل بثبوت الخيار فى كل بيع ينكر كون شىء من البيوع صفقةً، وهو
خلاف قول عمر، فإنه وزع البيع إلى قسمين: أحدهما: صفقة لا خيار فيه، والثانى: ما فيه خيار،
وهذا ظاهر جدا لا سيما، وقد وقع التصريح بذلك فى لفظ، رواه محمد بن الحسن الإمام فى
الحجج له، حيث قال: "إذا وجبت الصفقة فكان فيها خيار، وإن يشترط الخيار فهذا باطل، إنما
الصفقة أن يوجب البيع البائع والمشترى اهـ". وبهذا تبين بطلان ما قاله ابن حزم فى المحلى، ثم لو
صحت الرواية لما كان لهم فيها متعلق، ومعناه: إن الصفقة ما صح من البيع بالتفرق والخيار اهـ
ملخصا (٣٢٣:٨). فإنه مع كونه مصادرة على المطلوب تحكما من غير دليل، ينافى تقسيم البيع
إلى صفقة وخيار، والتقسيم يقتضى تغاير القسمين وتقابلهما كما لا يخفى، فلو فسرنا الصفقة بما

٣٠
تتمة باب ثبوت خيار القبول دون خيار المجلس
إعلاء السنن
٤٦٠٥- حدثنا هشيم، عن المغيرة، عن إبراهيم، قال: "إذا وجبت الصفقة
فلا خيار"، رواه سعيد بن منصور (المحلى)، وسنده صحيح (٣٥٥:٨).
٤٦٠٦- نا وكيع نا سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: "البيع جائز وإن
لم يتفرقا" رواه "ابن أبى شيبة" (المحلى أيضاً)، وسنده صحيح.
صح من البيع بالتفرق والخيار، لم يكن لقوله: "أو خيار" معنى. وكان لغوا باطلا.
وأما قوله: "فكيف؟ وقد صح عن عمر قولنا نصا، فذكر قوله فى بيع الصرف: والله
لا تفارقه حتى تأخذه اهـ"، فخارج عما نحن فيه، فقد عرفت أن فرقة أحد المتصرفين قبل القبض
مفسدة للعقد لا موجبة له، ولا نزاع فيها، لثبوتها بقول النبى معَّ له فى حديث الربا المشهور: ((مثلا
بمثل يدا بيد))، لا بقول عمر وحده، وإنما النزاع فى فرقة هى موجبة للعقد متمة له، ولا يلزم من قول
عمر بالأولى أن يكون هو قائلا بالأخرى أيضًا، كيف؟ وقد رد على من قال بثبوت الخيار إذا
وجبت الصفقة، وصرح ببطلان هذا القول، وقال: "إنما الصفقة أن يوجب البيع البائع والمشترى".
وبهذا ظهر بطلان ما احتج به ابن حزم، وقال: "فكيف؟ فقد روينا هذه الرواية نفسها من
طريق حماد بن سلمة، عن الحجاج بن أرطاة، عن خالد بن محمد بن خالد بن الزبير: أن عمر بن
الخطاب قال: إنه ليس بيع إلا عن صفقة وتخابر، هكذا بواو العطف، وهذا مخالف لقولهم"
(٣٦٤:٨). فإن هذا خلاف المشهور عن عمر، فإن أكثر من رواه رواه بحرف التقسيم والترديد،
وإن صح فهو محمول على أن الراوى سمعه بواو العطف، ولما علم عمر بذلك أن الناس حملوا
كلامه على العطف دون التقسيم رد ذلك عليهم بما مر ذكره، وخفى ذلك على هذا
الراوى، والله تعالى أعلم.
الرد على ابن حزم فى تأويله قول إبراهيم بالباطل:
قوله: حدثنا هشيم، وقوله: "نا وكيع إلخ"، دلالته على معنى الباب ظاهرة، وعجبًا لجرأة.
ابن حزم حيث أول هذا القول بما لا يرضى به قائله، فقال: "ولعمرى إن قول إبراهيم ليخرج على
أنه عنى كل صفقة غير البيع، لكن الإجارة والنكاح والهبات، فهذا ممكن، لأنه لم يذكر البيع
أصلا، وقوله البيع جائز، وإن لم يتفرقا صحيح، وما قلنا: إنه غير جائز، ولا قال هو: إنه لازم، وإنما
قال: إنه جائز اهـ (٣٥٥:٨).
ولا يخفى سخافته، فإن الأثرين كلاهما من رواية مغيرة عن سفيان، فالأثر واحد، وإنما وقع

٣١
تتمة باب ثبوت خيار القبول دون خيار المجلس
ج - ١٤
الاختلاف فى لفظه من الرواة، والطرق بعضها يفسر بعضا، فلا بد من حمل الصفقة على البيع،
والجواز على اللزوم لأن سفيان رواه عن مغيرة بلفظ البيع، وهشيم رواه عنه بلفظ فلا خيار،
وأيضًا: فقد ثبت عن إبراهيم أنه فسر حديث: ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا)) بتفرق الأقوال، أى ما
لم يتفرقا عن منطق البيع، كما تقدم، وهو صريح فى لا يقول بالتفرق بالأبدان أصلا.
الرد على ابن حزم فى قوله: "لا نعلم لهم سلفًا إلا إبراهيم وحده":
وأما قول ابن حزم: "لا نعلم لهم سلفًا إلا إبراهيم وحده" ، فقد تقدم الجواب عنه أن لا سلفا
فى ذلك من رسول الله عّ لّه، فإنه قال فى حديث أبى هريرة: ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا من
بيعهما)). وهو نص فى موضع النزاع، ولا يرد علينا ما ذكره من الأحاديث لكونه مجملا فى معنى
التفرق، فأنشد كم بالله يا ابن حزم! هل قال رسول الله مر آه: المبتایعان كل واحد منهما بالخيار ما
لم يتفرقا عن مجلسهما ومكانهما؟ وهل قال بوجوب هذا الخيار لهما؟ فإن قال: نعم! فعليه البيان،
فإن المرفوع من الأحاديث لا يدل على ذلك أصلا، وإن قال: ليس هذا فى الحديث، ولكن معناه
هذا عندنا لفعل ابن عمر، وقول أبى برزة. قلنا: لا حجة فى أحد دون رسول الله عَ لآه، كما قاله
ابن حزم نفسه فى غير ما موضع من "المحلى"، لا سيما إذا كان فعله، ورد بهذا الأصل عددا عظيمًا
من أقوال الصحابة وآثارهم، فكيف ساغ له الاحتجاج علينا بما ليس حجة عنده؟ لا سيما وفعل من
احتج به أو قوله، وردا على خلاف ما نطقت به النصوص من الكتاب والسنة، التى قد أشرنا إليهما
فیما مضى، وفى مثل ذلك لا يكون فعل الصحابى، وقوله حجة عند أحد.
وأيضًا: فالفعل لا يدل على الوجوب عند واحد من العلماء، وقول أبى برزة متروك
بالإجماع، أو مؤول لما فى حديثه: إن رجلا باع جارية، فنام معها البائع، فلما أصبح، قال:
لا أرضى، فقال أبو برزة: إن النبى معَّه قال: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، وكانا فى خباء شعر)).
وفى حديث آخر: إن رجلا باع فرسا له من رجل، فأقاما فى منزلهما يومهما وليلتهما، فلما كان
الغد، قام الرجل يسرج فرسه، فقال له صاحبه: إنك قد بعتنى، فاختصما إلى أبى برزة، فقال:
سمعت رسول الله عَّه يقول: ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، وما أراكما تفرقتما)) رواه "البيهقى
والطحاوى"، فنوم الرجل مع الجارية مفارقة، وكذا قيامه إلى فرسه.
قال الطحاوى: "قد أقاما بعد البيع مدة یعلم أن كلا منهما قد قام إلى ما لا بد له منه من
حاجة الإنسان، وقيامه إلى صلاة يكون بذلك تار كا لما كان فيه، ومشتغلا بما سواه، مما لو وقع مثله

٣٢
تتمة باب ثبوت خيار القبول دون خيار المجلس
إعلاء السنن
فى صرف تصارفاه قبل القبض لفسد الصرف، فكذلك لو كان الخيار واجبًا فى البيع بعد عقده
لقطعته هذه الأشياء، فدل ذلك على أن التفرق عند أبى برزة لم يكن بالأبدان، وإنما قال: ما أراكما
قد تفرقتما، أى لما كنتما متشاجرين، أحد كما يدعى البيع، والآخر ينكره، لم تكونا تفرقتما الفرقة
التي يتم بها البيع، وإن كانا تفرقا بالأبدان اهـ" (٢: ٢٠٥)، لدلالة الحس والمشاهدة على وجود هذا
التفرق ههنا، وإنكاره مكابرة، لا سيما وقد ثبت عن ابن عمر عند "الترمذى" وصححه: "أنه كان
إذا ابتاع بیعا وهو قاعد قام لیجب له".
وهذا يدل على وجود التفرق بالقيام عن القعود وعكسه، ولا يرتاب أحد له مسكة عقل فى
وجود ذلك فى العقدين الذين اختصموا فيهما إلى أبى برزة، إنما حكم بعدم تفرقهما لوجود
الإيجاب من البائع فقط، من غير وجود القبول من المشترى، أو لتشاجرهما فى تحقق البيع، وإلا فلا
حجة فى رأيه أصلا، لكونه مفضيًا إلى جهالة التفرق ووقته، فأشبه بيوع الغرر، ولا يصح التعقب
ببيع الخيار، لكونه محدودا بوقت معين عندنا، وتمام البيع لا يتوقف على مضى وقت الخيار، بل
يجوز للمشترى التصرف فى ما اشتراه، ويسقط بذلك خياره، كما هو مبسوط فى الفروع.
يلزم القائلين بخيار المجلس القول بوجوب التخيير ثلاثا:
وأيضًا: يلزم القائلين بوجوب الخيار للبائعين ما لم يتفرقا بالأبدان أو يخير، أن يقولوا
بوجوب التخيير ثلاث مرات، لما روى "النسائى" من طريق هشام الدستوائى، عن قتادة، عن
الحسن، عن سمرة: أن نبى الله عَّه قال: ((البيعان بالخيار حتى يتفرقا ويأخذ كل واحد منهما من
البيع ما هوى، ويتخايران ثلاث مرات)) (٢١٣:٢). وما رواه "البخارى" من طريق حبان: نا همام،
نا قتادة، عن أبى الخليل، عن عبد الله بن الحارث، عن حكيم بن حزام، أن رسول الله مَ ◌ّه قال:
((البيعان بالخيار حتى يتفرقا)). قال همام: وجدت فى كتابى "يختار ثلاث مرار"، الحديث (فتح
الباری ٢٨٠:٥).
الرد على ابن حزم فى رده حديث الحسن عن سمرة:
وأما قول ابن حزم: "رواية الحسن عن سمرة مرسلة، لم يسمع منه إلا الحديث العقيقة
وحده" (المحلى ٣٦٦:٨). فرد عليه، فإن الحسن قد روى عن سمرة نسخة كبيرة غالبها فى السنن
الأربعة، وعند على بن المدينى أن كلها سماع، وكذا حكى الترمذى عن البخارى، وقال

٢١,
ج - ١٤
تتمة باب ثبوت خيار القبول دون خيار المجلس
٣٣
يحيى القطان وآخرون: هى كتاب، وذلك لا يقتضى الانقطاع، وفى "مسند أحمد" : حدثنا
هشيم، عن حميد الطويل، قال: "جاء رجل إلى الحسن، فقال: إن عبدا له أبق، وأنه نذر إن يقدر
عليه أن يقطع يده، فقال الحسن: حدثنا سمرة، قال: قل ما خطبنا رسول الله عَّه خطبة إلا أمر فيها
بالصدقة، ونهى عن المثلة". وهذا يقتضى سماعه منه لغير حديث العقيقة، كذا فى "التهذيب"
(٢٦٩:٢)، لا سيما والمذهب المنصور أن عنعنة المعاصر الممكن اللقاء محمولة على الاتصال
والسماع، فكيف إذا ورد التصريح بسماعه فى حديث أو حديثين؟ فلا بد إذن حمل عنعنته على
السماع فی جمیع المرویات، فالحدیث متصل صحیح، ولیس رد ابن حزم إیاہ إلا تحکما محضا،
لا سيما وقد تأيد برواية همام، عن قتادة، عن أبى الخليل، عن عبد الله بن الحارث عن حكيم بن
حزام، عند "البخارى".
جرأة ابن حزم على رد حديث البخارى:
ولقد اجتراً ابن حزم جرأة شديدة حيث رد الحديث الذى أودعه البخارى فى "صحيحه"،
وأتى بطامة تدل على تحكمه بالباطل، فقال: "وأما رواية همام، فإنه لم يحدث بهذه اللفظة، وإنما
أخبر أنه وجدها فى كتابه، ولم يلتزمها، ولا رواها، ولا أسندها، وما كان هكذا فلا يجوز الأخذ
به، ولا تقوم به حجة اهـ" (٣٦٦:٨). فهل رأيتم أو سمعتم لأعجب وأشد من هذا؟ حيث يضعف
الحديث لمجرد كونه واردا عليهم مع أن الحديث قد أودعه البخارى فى "الصحيح" وصححه،
ولو كان ضعيفا عنده لم يخرجه فى "الصحيح"، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.
همام حفظه ردىء وكتابه صالح:
أما قوله: "إن هماما لم يحدث بهذه اللفظة"، فمكابرة صريحة، فإنه لو لم يروها لم يكن
لنا ولا لأحد من أصحابه معرفة بها، ولم يروها أحد عنه، ولم يودعه البخارى فى "الصحيح"،
نعم! لم يحدث بها من حفظه، بل حدث بها من كتابه، فكان ما ذا؟ فأنشد کم بالله !.
هل التحديث من الحفظ أقوى وأثبت أم التحديث من الكتاب؟ لا سيما وقد قال یزید بن
زريع: "همام حفظه ردئ وكتابه صالح" وسئل أبو حاتم عن ابن همام وأبان من تقدم منهما؟ قال
همام: "أحب إلى ما حدث من كتابه، وإذا حدث من حفظه فهما متقاربان"، وقال الساجى:
"صدوق سىء الحفظ، ما حدث من كتابه فهو صالح، وما حدث من حفظه فليس بشىء"،

٣٤
تتمة باب ثبوت خيار القبول دون خيار المجلس
إعلاء السنن
کذا فی "التهذيب" (٦٩:١١ و٧٠).
فهل لأحد بعد ذلك أن يحتج بما حدثه همام من حفظه، ولا يحتج بما حدثه من كتابه؟
وإنما نبه همام أصحابه على ما وجده فی کتابه؛ لأنه كان فى أول أمره لا یکاد یرجع إلی کتابه،
ولا ینظر فیه و کان یخالف فلا یرجع إلی کتابه، ثم رجع بعد، فنظر فی کتابه، فقال: یا عفان!
"كنا نخطئ كثيرًا". قال الحافظ فى "التهذيب": "وهذا يقتضى أن حديث همام بآخره أصح ممن
سمع منه قدیما، وقد نص على ذلك أحمد بن حنبل" (٧٠:١١)، فأحسن الله عزائنا فى ابن حزم
حيث عكس الأمر، وجعل دليل صحة الحديث واستقامته دليل ضعفه ورده، لكون همام قد حدث
به بعد ما رجع إلى كتابه، فإلى الله المشتكى.
وأما قوله: ولا أسندها، ففيه أنه قد أسند الحديث أو لا، ثم قال: وجدت فى كتابى "يختار
ثلاث مرات" ، فهو ملحق بهذا السند ولا بد، کیف؟ وقد أخرجه الإسماعیلی من وجه آخر عن
حبان بن هلال، فذكر هذه الزيادة فى آخر الحديث، كما فى "فتح البارى" (٢٨٠:٥). وفيه دلالة
صريحة على كون الزيادة مسندة بالسند الذى ذكره همام أو لا.
قال ابن حزم: وقد روى همام عن أبى التياح، عن عبد الله بن الحارث، عن حکیم،
فلم يذكر فيه "ثلاث مرات اهـ". قلت: فكان ماذا؟ فهل أبو التياح أو ثق من قتادة؟ حتى يكون
.تركه لشىء دليلا على ضعف ما رواه. قال: ورواه شعبة، وسعيد بن أبى عروبة وحماد بن سلمة
كلهم عن قتادة بإسناده، ولفظه فلم يذكر أحد منهم "ثلاث مرار اهـ".
قلت: قال ابن معين: "همام أحب إلى فى قتادة من حماد بن سلمة"، وقال ابن المبارك:
. "همام ثبت فى قتادة"، وقال ابن المدينى: لما ذكر أصحاب قتادة هشاما وسعدا وشعبة، قال:
"ولم يكن هماما بدون القوم فيه"، أى فى الحفظ كذا فى "التهذيب" (٦٩:١١). فماذا يعاب على
همام أو تفرد بزيادة لا تنافى رواية الجماعة ولا تخالفها؟ بعد ما تأيدت بما رواه هشام عن قتادة، عن
الحسن، عن سمرة.
قال: وقد روينا من طريق أبى داود الطيالسى: نا شعبة، وهمام، كلاهما عن قتادة سمع
صالحًا أبا الخيل، يحدث عن عبد الله بن الحارث، عن حكيم به حزام، قال: قال رسول الله مد خله:
((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما فى بيعهما، وإن كذبا وكتما محق بركة
بيعهما)). قال أبو داود: وحدث همام مثل هذا فارتفع الإشكال، وثبت همام على ترك هذه اللفظة،
٠

ج - ١٤
تتمة باب ثبوت خيار القبول دون خيار المجلس
٣٥
٤٦٠٧- عن الحجاج بن أرطاة، عن الحكم، عن شريح، قال: "إذا كلم الرجل
بالبيع وجب عليه البيع" (المحلى ٨: ٣٥٥)، وأعله ابن حزم بالحجاج، وقال: "وكفى به
سقوطا" اهـ، وهو من إطلاقاته المردودة، فالرجل حسن الحديث، كما مر غير مرة،
ولم يقل: "إذا وجدها فى كتابه أنها من روايته اهـ" (٣٦٦:٨).
قلت: لم يرتفع الإشكال، فإن أبا داود أخرج الحديث فى "سننه" من طريق أبى الوليد
الطيالسى، عن قتادة، عن أبى الخيل، عن عبد الله بن الحارث، عن حكيم بن حزام نحوه، وفيه قال
أبو داود: " كذلك رواه سعيد بن أبى عروبة وحماد، وأما همام، فقال: حتى يتفرقا أو يختارا ثلاث
مرات"، كذا فى "عون المعبود" (٢٩٠:٣). وفيه دليل على ثبات همام على هذه اللفظة وروايته
لها، وإذ قد بطل جهد ابن حزم فى تعليل هذه الزيادة وردها، وثبت أنها زيادة صحيحة أودعها
البخارى فى "الصحيح"، وأخرجها أبو داود فى "سننه"، وأيدها حديث هشام عن قتادة، عن
الحسن عن سمرة، عند"النسائى"، فإما أن يقال بوجوب التخيير ثلاثا، أو يحمل على الندب،
ولا قائل بالأول، فتعين الثانى، وإذا كان التخيير ثلاثا محمولا على الندب اتفاقا فما ذا علينا لو
حملنا مطلق التخيير على ذلك تحسينا للمعاملة مع المسلم؟ ومن ادعى الفرق فعليه البيان.
الرد على ابن حزم حيث جعل رواية الحجاج بن أرطاة مكذوبة موضوعة:
قوله: "عن الحجاج إلخ"، قلت: أخرجه سعيد بن منصور فى "سننه" عن أبى معاوية، عن
حجاج، عن الحكم، عن شريح، قال: "إذا تكلم الرجل بالبيع فقد وجب البيع"، كذا فى "فتح
البارى" (٢٧٥:٥)، وليس فى هذا السند من يتهم بالكذب والوضع، فمن أين لابن حزم أن
يجعلها رواية مكذوبة موضوعة؟ سلمنا أن الحجاج مدلس، وقد تكلم فيه بعض الناقدین، فهل
بمجرد ذلك يحكم على الحديث بالوضع والكذب؟ فبينوا لنا من هو الذى لم يتكلم فيه أحد؟ ومن
هو السالم من التدليس؟ فإن كان هذا نقد الحديث والرجال لم يسلم لنا كبير شىء، وضاع معظم
الحديث والسنة، فإن حجاجا ليس بأقل من ابن إسحاق ونحوه الذين احتج بهم البيهقى وابن حزم
وغيرهما فى الحفظ والرواية، بل هو فوق كثيرين فى ذلك، وزادهم فقها ودرايةً، ولكن ابن حزم
لا يدرى ما يخرج من رأسه، وإنما وظيفته رد كل ما احتج به خصمه، ولو كان مما قد أودعه
البخارى فى "صحيحه"، وليس ذلك من التحقيق والتنقيد فى شىء، وإنما هى عصبية عمياء.
وأما قوله: " والصحيح عن شريح هو موافقة الحق، كما أوردنا قبل من رواية أبى الضحى،

٣٦
تتمة باب ثبوت خيار القبول دون خيار المجلس
إعلاء السنن
و کم من مواضع قد احتج فیها ابن حزم به وبليث بن أبى سليم ونحوهما، ولكنه نسی
ما قدمت يداه.
وابن سيرين عنه إلخ (٢٥٥:٨). فنقول: إنما يحتاج إلى الترجيح عند التعارض، ولا تعارض بين ما
رواه حجاج عن الحكم عن شريح، وبين ما رواه أبو الضحى وابن سيرين عنه، فإن رواية حجاج
صريحة فى بيان مذهب شريح، أنه كان يرى وجوب البيع بالقول، وروايتا أبى الضحى وابن
سيرين ليستا بصريحتين فى قوله بالتفرق بالأبدان، فحدث محمد بن على السلمى أنه سمع أبا
الضحى: "أنه شهد شريحا اختصم إليه رجلان اشترى أحدهما دارا من الآخر بأربعة آلاف،
فأوجبها له، ثم بدا له فى بيعيها قبل أن يفارق صاحبه، فقال: لا حاجة لى فيها، فقال البائع: قد
بعتك وأوجبت لك، فاختصما إلى شريح، فقال: هو بالخيار ما لم يتفرقا"، كذا فى "المحلى"
(٣٥٤:٨). وهذا يحتمل التفرق بالقول والبدن على حد سواء، سلمنا أنه أراد التفرق بالبدن،
ولكنه محمول على ما إذا قال أحد المتبايعين للآخر: بعنى هذا، وقال: بعت، وقد تقدم أن العوام
وكثيرا من العلماء الأعلام جعلوه من الإيجاب والقبول، وليس كذلك عند الحنفية، فلا ينعقد البيع
عندنا ما لم يقل الآخر فى مجلسه ذلك: اشتريت، هذا هو محمل أثر شريح عندنا، ومن ادعى غير
ذلك فعليه البيان، على أن أبا الضحى ليس بأجل من الحكم، قال الأوزاعى، عن يحيى بن أبى
كثير، وعبدة ابن أبى لبابة: "ليس ما بين لابتيها أفقه من الحكم". وقال مجاهد بن رومى: "رأيت
الحكم فى مسجد الخيف وعلماء الناس عيال عليه"، وقال ابن عيينة: "ما كان بالكوفة بعد إبراهيم
والشعبى مثل الحكم وحماد"، كذا فى "التهذيب" (٤٣٣:٢). ولا محمد بن على السلمى أجل
من الحجاج، فإنه شيعى صدوق، كما فى "تعجيل المنفعة" (٣٧٣)، وابن أرطاة لم يتهم بالتشيع،
ولا بمخالفة السنة فى شىء، بل هو من الحفاظ والفقهاء الأجلة، وإنما نقموا عليه التدليس
والإرسال، وقد عرفت أن كثيرا من الحفاظ لم يسلم منهما إلا قليل.
وهو محمل ما رواه ابن أبى شيبة: نا جرير، عن مغيرة، عن الشعبى: أن رجلا اشترى
برذونا، فأراد أن يرده قبل أن يتفرقا، فقضى الشعبى أنه قد وجب عليه، فشهد عنده أبو الضحى
أن شريحا أتى فى مثل ذلك فرده على البائع، فرجع الشعبى إلى قول شريح اهـ.
وحاصله أن الشعبى ظن قول البائع: بعت، بعد قول صاحبه: يعنى، هذا عقدا تامًا، وقضى
شريح بأن العقد لا يتم بذلك ما لم يقل الآخر: اشتريت، فرجع الشعبى إلى قول شريح فلا يرد ما
فى الأثر من لفظ "اشترى أحدهما"، ومن قول البائع: "قد أوجبت لك"، فإن الراوى كان قد ظن

ج - ١٤
تتمة باب ثبوت خيار القبول دون خيار المجلس
٣٧
٤٦٠٨- عن أبى هريرة: "لا يجزى ولد والدا إلا أن يجده مملوكا فيشتريه
فيعتقه"، رواه "مسلم" والأربعة إلا النسائى (العزيزى ٤٤٤:٣).
ذلك بيعاً وشراءً كما ظنه الشعبى قبل أن يحدثه أبو الضحى عن شريح.
وأما ابن سيرين فروينا من طريق معمر، عن أيوب السختيانى عنه: "أنه شهد شريحا يقضى
بين المختصمين اشترى أحدهما من الآخر بيعا، فقال: إنى لم أرضه، وقال الآخر: بل قد رضيته،
فقال شريح: بينتكما أنكما تصادرتما عن رضا بعد البيع، أو خيار، أو يمينه بالله ما تصادرتما عن
رضا بعد البيع ولا خيار" (المحلى ٣٥٤:٨). وهذا كما ترى حجة لنا لا علينا، ولا يخالف ما رواه
حجاج، عن الحكم عن شريح، فإن التصادر عن رضا لا يستلزم التفرق بالأبدان لغةً، ولا عرفًا.
والمراد بالتصادر عن رضا بعد البيع، إنما هو قول المشترى: "اشتريت"، بعد قوله للآخر:
"بعنى هذا"، وقوله: "بعتكه"، فإن قوله: "بعنى"، ليس بإيجاب للبيع عندنا بل هو التساوم فقط،
فلا يتصادران عن رضا ما لم يقل المشترى: "اشتريت"، وإذا علمت أن رواية أبى الضحى، وابن
سیرین، عن شريح لا يناقض ما رواه حجاج، عن الحكم عنه، فلا وجه لترجیح إحدى الروايات
على الأخرى، ولا لجعل شىء منها مكذوبة موضوعة، ومعنى رواية الحجاج أن البائع إذا تكلم
بالبيع بعد قول صاحبه: "اشتريت هذا"، دون قوله: "بعنى هذا"، وجب عليه البيع، قال محمد فى
"الحجج" له: "بلغنا عن شريح، أنه قال: إذا تبايع الرجلان وجب البيع، ولم يكن لواحد منهما
خيار اهـ" (٢٣٨). وفقهاء الكوفة أعرف الناس بقضايا شريح، وبفتاواه، وبمعانى كلامه، فالراجح
إن كان الأمر بالترجيح ما رواه الحجاج، عن الحكم، عن شريح، لكونه من رواية الفقيه عن فقيه
عن فقيه، وهو الذى عزاه محمد بن الحسن الفقيه إلى شريح رضى الله تعالى عنهم.
قوله: عن أبى هريرة إلخ، قلت: ووجه دلالته على معنى الباب ما ذكر الجصاص فى "أحكام
(القرآن" له بما نصه: "ويدل عليه، أى على وقوع الملك للمشترى بنفس العقد قوله عّ لّ فى حديث
أبى هريرة: ((لن يجزى ولد عن والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه)). واتفق الفقهاء (خلافًا
لأهل الظاهر ولا عبرة بخلافهم) على أنه لا يحتاج إلى استئناف عتق بعد الشرى، وأنه متى صح له
الملك عتق عليه، فالنبى عّ لّه أو جب عتقه بالشرى من غير شرط الفرقة اهـ (١٧٩:٢). وقال الحافظ
فى "الفتح" فى باب إذا اشترى شيئا فوهب من ساعته قبل أن يتفرقا أو اشترى عبدا فأعتقه، ما
نصه: "واختلفوا فى الإعتاق، فالجمهور على أنه يصح الإعتاق ويصير قبضًا، والأصح فى الوقف
أيضًا صحته، وفى الهبة والرهن خلاف، والأصح عند الشافعية فيهما أنهما لا يصحان، وحديث

٣٨
إعلاء السنن
باب فى بيان أن ثمرة النخل المثمر للبائع إلا أن يشترط المبتاع
٤٦٠٩- عن ابن عمر أن النبى عّ لّه قال: ((أيما امرئ أبر نخلا ثم باع أصلها
فللذى أبر ثمر النخل إلا أن يشترط المبتاع)) (بخارى ٢٩٣:١).
ابن عمر فى قصة البعير الصعب حجة لمقابله اهـ" (٢٨١:٥).
قلت: وفى تجويزهم الإعتاق والوقف بمجرد العقد قبل التفرق عن المجلس اعتراف بصحة
البيع وانعقاده بالقول من غير توقف على الافتراق، فمن أين لهم أن يأخذوا بحديث: ((البيعان
بالخيار)) فى موضع، ويتركوه فى موضع، وفيه دليل على قوة قول الحنفية فى الباب، فإنهم
لم يتركوا العمل به فى موضع، حيث حملوا التفرق على التفرق بالأقوال، والخيار على خيار
القبول، وتخییر المتعاقدین فیه على طريق الندب دون الوجوب.
باب فى بيان أن ثمرة النخل المثمر للبائع إلا أن يشترط المبتاع
قوله: "أيما امرئ إلخ"، أقول: هذا الحديث أيضًا مما اختلف(١) فيه الحنفية والشافعية، فقالت
الشافيعة: إن قيد التأبير يدل على أنه لو لم يؤبر لم يكن له الثمرة، ونحن نقول: إنه ليس للاحتراز،
بل لتعيين وقت استحقاق البائع للثمرة، معناه أنه إذا بيع النخل فى وقت تؤبر هى فيه فسواء أبرت
أو لم تؤبر فثمرته للبائع، ولما كانت النخل لا تنفك عن التأبير فى ذلك الوقت عادة عبر عنه بعنوان:
"أيما امرئ أبر نخلا" ، والدليل على ما قلناه: إنه لا دخل لفعل التأبير فى استحقاق الثمرة، بل المؤبر
فيه هو اتصال الثمرة بالنخل للقطع، قال أبو عمرو فى التمهيد، الكوفيون والأوزاعى لا يفرقون بين
الأبر وغيره، ويجعلون الثمرة للبائع إذا كانت قد ظهرت قبل البيع، ومن حجتهم: أنه لم يختلف
قول من شرط التأبير أنها لو لم تؤبر حتى تناهت وصارت بلحا وبسرا، ثم بيع النخل أن الثمرة
لا تدخل فيه، فعلمنا أن المعنى فى ذكر التأبير ظهور الثمرة (الجوهر النقى ١٠:٢).
ويؤيده ما روى عكرمة عن ابن عمر أنه عليه السلام قال: ((أيما رجل باع نخلا قد أينعت
فثمرتها لربها الأول إلا أن يشترط المبتاع))، أخرجه البيهقى فى "السنن"، كما فى "الجوهر النقى"
(٢: ١٠). وليس وجه التأييد أنه لم يقيد فيه النخل بالتأبير، كما قاله صاحب "الجوهر النقى" لأنهم
يحملون المطلق على المقيّد، بل وجه التأييد أنه قيد النخل فيه بقيد الإيناع، فإن كان قيد التأبير فى
ذلك الحديث للاحتراز ينبغى أن يكون قيد الإيناع فى هذا الحديث للاحتراز، مع أنهم لا يقولون
(١) هذا الاختلاف مذكوز فى "الفتح" وغيره من كتب الحنفية والشافعية.

٣٩
ج - ١٤
باب بیع عبد له مال
٤٦١٠- حدثنا ابن عيينة، عن الزهرى، عن سالم، عن أبيه، عن النبى عّ لّه، قال:
((من باع عبدا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترط المبتاع)). أخرجه ابن أبى شيبة فى
(مصنفه" كتاب الرد على أبى حنيفة لابن أبى شيبة (ص ٢٣).
به، والجواب عنه بأنه منقطع بين عكرمة وابن عمر غير صحيح، لأنه قال ابن أبى حاتم: قال أحمد
ابن حنبل: "لم يسمع من عمر، وسمع من ابنه" تهذيب التهذيب (٢٥٩:٧). وروايته عن الزهرى
عن ابن عمر لا يضرنا، فإن الراوى قد يسمع الحديث من شخص بوجهين بالواسطة وبغير الواسطة.
وإن سلمنا لم يسمعه من ابن عمر فلا يضرنا أيضًا، لأنه سمعه الزهرى عن ابن عمر، كما
صرح به البيهقى نفسه، فثبت الاتصال هذا. والظاهر عندى أن هذا نزاع لفظى فقط، ولا اختلاف
فى المسألة بين الحنفية والشافعية، لأنهم لا يشترطون فعل التأبير أيضا، كما صرح به ابن حجر
وغيره، قال ابن حجر فى "الفتح" (٣٢٦:٥): لا يشترط فى التأبير أن يؤبره أحد، بل لو تأبر بنفسه
لم يختلف الحكم عند جميع القائلين به، قال البغوى فى "التهذيب": إن باع بعد تشقق النخل
سواء أبر أو لم يؤبر، فالثمرة تبقى على ملك البائع لأنها ظهرت من أكمامها بالتشقق، فلا تتبع
الأصل (الجوهر النقى ١٠:٢). وقال القرطبى: إبار كل شىء بحسب ما جرت به العادة إذا فعل فيه
نبتت ثمرته وانعقدت فيه، ثم قد يعبر به عن ظهور الثمرة، وعن انعقادها وإن لم يفعل منهما
شیء (فتح ٣٢٦:٥).
وقال الشافعى فى "الأم": لو باع رجل أصل حائط، وقد تشقق طلع إناثه، أو شىء منه،
فأخبر إباره، وقد أبر غيره ممن حاله مثل حاله كان حكمه حكم ما تأبر، لأنه قد جاء عليه وقت
الإبار، وظهرت لها ثمرة، ورئيت بعد تغيبها فى الجف (٣٦:٣)، وهذا صريح فى أن التأبير فى
الحديث، ليس المراد منه نفسه، بل المراد منه مجىء وقته، وهو عين ما قلنا، فارتفع الخلاف من البين،
ولعل منشأ الاختلاف ما وفع فى عبارة بعض الأحناف أنه يجوز البيع قبل الإبار وبعده، ففهموا
منه أن المراد منه قبل أوان الإبار وظهور الثمرة، وليس كذلك، بل المراد منه قبل فعل الإبار، وبعد
أوانه، والله أعلم.
وبهذا تبين أن إخراج صاحب "الهداية" هذا الحديث بلفظ: "من باع أرضا فيها نخل
فالثمرة للبائع إلا أن يشترط المبتاع" اتباعًا لمحمد رح لرواية الحديث فى الأصل بهذا اللفظ من قبل
الرواية بالمعنى؛ لأن معنى "من باع نخلا مؤبرة" ومن باع أرضا فيها نخل واحد، وإنما الاختلاف

٤٠
بیع عبد له مال
إعلاء السنن
قلت: حديث صحيح، والمراد من المال فى الحديث هو الذى لا يكون دينا، لأنه لا
يجوز بيع الدين من غير من عليه، ولا مجهولا، لأنه لا يصح بيع المجهول، ولا مستلزما
للربا، بأن يكون مالا ربويا من جنس الثمن ومساويا للثمن أو أقل منه لحرمة الربا. ولا بد
من هذا التأويل لما عرفت، فسقط ما أورد ابن أبى شيبة على أبى حنيفة بأنه خالف
فى العنوان فقط، فلا يصح الاعتراض عليه بأنه غريب، وليس له سند، ولا يحتاج إلى الجواب عنه
بأن ما احتج المجتهد به فهو حجة، وإن لم نقف على سنده، فإنه اعتراف بأنا لم نقف على سنده،
وليس كذلك، لأن سنده هو الذى هو سند روايات "البخارى"، وأيضا لا حاجة إلى الجواب عن
حديث "البخارى" بأن مفهوم الصفة غير معتبر، لأن الشافعية ههنا ليسوا بخصم، كما تبين،
فلا حاجة إلى الجواب.
واستدل الطحاوى بهذا الجواب الحديث على جواز بيع الثمار قبل بدو الصلاح بشرط
القطع، ووجه الاستدلال أن كونه للبائع بلا شرط، وكونه للمشترى بالشرط مبنى على دخوله فى
البيع فى حال خروجه منه فى أخرى، فثبت أنه قابل لورود البيع عليه منفردا وهو المدعى، ثم استدل
به على فساد البيع بشرط الترك على الشجر، ووجه الاستدلال أن اشتراط المبتاع لنفسه شيئا من
ملك البائع غير المبيع إنما يصح إذا كان ذلك الشىء محلا للبيع على الانفراد، وإلا لم يصح دخوله
بشرط وخروجه بدونه، وإذا كان الأمر كذلك، فاعلم أنه لما شرط المبتاع ترك الثمر على النخل قبل
التناهى أدخل فى البيع جزء من ملك البائع، أى الأرض والشجر، وهو لا يصح لكونه مبيعا
بالاستقلال، فلا يصح اشتراطه، فثبت أن شرط ترك الثمر على الشجر قبل بدو الصلاح
مفسد للبيع، ثم قال: "ومن ههنا يعلم أن الأقوى هو ما قال الشيخان أبو حنيفة وأبو يوسف: إن
شرط الترك بعد التناهى أيضا مفسد للبيع، لأن المبتاع بهذا الشرط أدخل منفعة الشجر فى البيع،
ومنفعته ليست بمقابلة للبيع بالاستقلال، لعدم جواز إجازة الأشجار" انتهى، ما قال الطحاوى
محصله.
أقول: والجواب عن محمد أن هذه الإحارة جائزة للتعارف، وعدم الإفضاء إلى النزاع،
ولدفع الحرج عن الناس، فإنهم يحتاجون إلى تركها على الأشجار إلى مدة، وأحاديث النهى عن
بيع الثمار قبل بدو الصلاح محمولة على البيع بشرط الترك عندنا.
قال العبد الضعيف: قال صاحب "البدائع": "وعلى هذا يخرج بيع الموزون بجنسه وغير
جنسه، كما اشترى فضة مع غيرها بفضة مفردة، أو جارية فى عنقها طوق من فضة، أو ذهبا وغيره