النص المفهرس

صفحات 161-180

ج - ١٣
ما يجوز وقفه وما لا يجوز
١٦١
٤٥٢٦- عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: أراد رسول الله عَ ليه الحج فقالت
امرأة لزوجها: أجحنى مع رسول الله عَّ له، فقال: ما عندى ما أحجك عليه، قالت:
أحجنى على جملك فلان، قال: ذلك حبيس فى سبيل الله، فأتى رسول الله عَ لّه فسأله.
:
فقال: ((أما إنك لو أحججتها عليه كان فى سبيل الله)) رواه أبو داود وابن خزيمة فى
صحيحه، وأخرجه أيضا البخارى والنسائى مختصرًاً، وسكت عنه أبو داود والمنذرى،
ورجال إسناده ثقات (نيل الأوطار ٢٦٦:٥).
أدرعا وأفراسا له فى سبيل الله تعالى)). يروى أكراعه، والكراع الخيل، ويدخل فى حكمه الإبل؛
لأن العرب یجاهدون عليها وكذا السلاح یحمل عليها، وعن محمد أنه يجوز وقف ما فيه تعامل
من المنقولات كالفأس والمر والقدوم والمنشار والجنازة وثيابها والقدور والمرجل والمصاحف، وعند
أبى يوسف لايجوز، لأن القياس إنما يترك بالنص، والنص ورد فى الكراع والسلاح فيقتصر عليه،
ومحمد يقول: القياس قد يترك بالتعامل كما فى الاستنصاع وقد وجد القائل فى هذه الأشياء وعن
نصير بن يحيى أنه وقف كتبه إلحاقًا لها بالمصاحف، وهذا صحيح لأن كل واحد يمسك للدين
تعليمًا وتعلماً وقراءةً، وأكثر فقهاء الأمصار على قول محمد وما لا تعامل فيه لا يجوز عندنا وقفه.
وقال الشافعى: كل ما يمكن الانتفاع به مع بقاء أصله ويجوز بيعه يجوز وقفه كالعقار، ولنا
أن الوقف فيه لا يتأبد، ولابد منه على ما بيناه فصار کالدراهم والدنانير، بخلاف العقار، ولا
معارض من حيث السمع ولا من حيث التعامل فبقى على أصل القياس اهـ (ص٤٣١ مع "الفتح")
وفى شرح "السير الكبير": روى عن حفصة رضى الله عنها أنها سبلت مصحفًا لها اهـ
(٢٦٢:٤). لم أقف له على سند، وأخرجه ابن أبى داود فى المصاحف عن إبراهيم النخعى قال:
المصحف لايباع ولا يورث. وروى ابن ماجة وغيره عن أنس مرفوعًا: ((سبع يجرى للعبد أجرهن
بعد موته وهو فى قبره: من علم علمًا أو أجرى نهراً، أو حفر بئرًا أو غرس نخلا أو بنى مسجدًا،
أو ترك ولدًا يستغفر له من بعد موته أو ورث مصحفًا)، كذا فى "الإتقان" (١٧٨:٢).
وعزاه فى "الجامع الصغير" إلى البزار وسمويه، قال العزيزى: قال الشيخ: حديث صحيح
قال: وقوله: ورث -بالتشديد والبناء للفاعل- أى خلفه لوارثه ليقرأ فيه، وقال الحفنى: قوله: ورث
مصحفًا بأن كان يملكه ومات عنه فورثه وارث اهـ (٣٠٨:٢)، وفيه دلالة على أن المصحف يورث
خلاف ما قاله النخعى.
قوله: عن ابن عباس إلخ، دلالته على وقف الإبل فى الله ظاهرة، وفيه أن ما جعل فى سبيل

١٦٢
إعلاء السنن،
ما يجوز وقفه وما لا يجوز
٤٥٢٧ - حدثنا خالد بن أبى بكر قال: رأيت سالم بن عبد الله يبيع العبد من
صدقة عمر إذا رأى بيعه خيرا، ويشترى غيره. رواه الخصاف من طريق الواقدى فى
الأوقاف له. (ص:٨)، وسنده حسن.
الله يجوز صرفه فى الحج أيضا، وبه قال محمد منا، ففى شرح "السير الكبير": قال محمد بن
الحسن: إذا قال الرجل فى مرضه: ثلث مالى فى سبيل الله ثم توفى فهذا جائز ويعطى أهل الحاجة
ممن يغزو، وإن أعطاها حاجا منقطعًا فذلك جائز، لأن الصدقة على الحاج المنقطع من سبيل الله،
ولكن الأفضل أن يعطى الذى يخرج فى سبيل الله لما بينا أن سبيل الله إذا أطلق يراد به الغزو والجهاد
لا غير فكان صرفه إليه أولى اهـ ملخصًا (٢٤٥:٤). قلت: وفى نص الحديث إشارة إليه، كما
لا يخفى على من مارس الفقه واطلع على أساليب الكلام.
قوله: حدثنا خالد بن أبى بكر إلخ، قلت: خالد هذا هو ابن أبى بكر بن عبيد الله بن عبد الله
ابن عمر بن الخطاب العدوى المدنى قال أبوحاتم: يكتب حديثه وذكره ابن حبان فى "الثقات"،
وقال البخارى: له مناكير عن سالم اهـ من "التهذيب" (٨١:٣)، وهو من رجال الترمذى، وفى
هذا الأثر وما بعده دلالة على وقف العبيد تبعًا للأرض وهو ظاهر.
استبدال الموقوف إذا كان منقولا:
وفيه استبدال العبد الموقوف بغيره لعلة، وبه نقول كما فى "شرح السير الكبير". قال
محمد رحمه الله: وإذا جعل الرجل حبيسًا فى سبيل الله فلا بأس بأن يسميه حبيسًا لفلان ابن
فلان، حتى إن ضل أو سرق رد على صاحبه، وروى أن رسول الله عّ لّه كان يسم أهل الصدقات
بیده، وروی عن عمر رضى الله عنه أنه وسم بيده حتی روی أنه حبس ثلاثين ألف بعير وثلاث مائة
فرس موسومًا فى أفخاذهن حبيس فى سبيل الله، وروى عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله أنه حمل
الخيل فى سبيل الله من عنده، وقد وسمت فى أفخادهن عدةً لله.
ثم ذكر عن سليمان بن يسار أنه كان لا يرى بالبدل بالحبيس من علة بأساً ويكرهه من غير
علة، وعن الحسن البصرى رضى الله عنه أنه كان لا يرى بالبدل بالحبيس من علة بأساً، ويكرهه من
غير عنة إذا مرص، فأما إذا كان بعير علة فإنه يكره استبداله، لأن الذى حبسه رضى بحسبه لا
باستبداله، وأما إذا كان بعلة فإن كانت العلة مما يتوهم روالها نحو المرض فإنه يكره له أن يبدل عند
أبى يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى، وهكذا روى عن مكحول أنه قال: لا تبيعوا شيئا من
حبيس الدواب ولا تستبدلوها، فلا يجوز استبدالها إلا إذا كانت العلة بحيث لا يتوهم زوالها بأن

١٦٣
ج - ١٣
ما يجوز وقفه وما لا يجوز
٤٥٢٨- حدثنا فروة بن أذينة عن عبد الرحمن بن أبان بن عثمان، وكان يلى
صدقة عثمان بن عفان، فيبيع من رقيق صدقة عثمان من لا خير فيه، ويبتاع بها، ورأيت
صار بحال لا يستطاع القتال عليه أو كبر، فلا بأس بأن يباع ويشترى بثمنه حبيسًا مكانه إن قدر
عليه، وإن لم يقدر عليه يقرب بذلك الثمن عن صاحبه اهـ (٤: ٢٥٠).
استبدال الوقف:
هذا هو قولنا فى استبدال المنقول من الحبيس، وأما استبدال غير المنقول كالعقار والدار
الموقوفة ونحوها فحكمه فى "الهداية": ولو شرط الواقف أن يستبدل به أرضًا أخرى إذا شاء ذلك
فهو جائز عند أبى يوسف، وعند محمد: الوقف جائز والشرط باطل اهـ وللمحقق ابن الهمام ههنا
كلام طويل فى تحقيق المذهب وترجيح ما هو الحق.
وحاصله: أن الاستبدال إما عن شرطه الاستبدال وهو مسألة الكتاب، والاستبدال بالشرط
مذهب أبى يوسف المشهور عنه لا مجرد رواية عنه كما يوهمه عبارة "السير الكبير"، أولا عن
شرصه، فإن كان لخروج الوقف عن انتفاع الموقوف عليهم به فينبغى أن لا يختلف فيه الصورتين
المذكورتين لقاضى خان حيث قال: أرض الوقف إذا غصبها غاصب وأجرى عليها الماء حتى
صارت بحرًا لا تصلح للزراعة يضمن قيمتها ويشترى بها أرضًا أخرى فتكون وقفًا مكانها، وكذا
أرض الوقف إذا قل نزلها بحيث لا تحتمل الزراعة ولا تفضل غلتها عن مؤنتها ويكون صلاح
الأرض فى الاستبدال بأرض أخرى، وإن كان لا كذلك، بل اتفق أنه أمكن أن يؤخذ بثمن الوقف
ما هو خير منه مع كونه منتفعًا به فينبغى أن لا يجوز؛ لأن الواجب إبقاء الوقف على ما كان عليه
دون زيادة أخرى.
وفى "فتاوى قاضى حان": أجمعوا أن الواقف إذا شرط الاستبدال لنفسه صح الشرط
والوقف ويملك الاستبدال، أما بلا شرط أشار فى "السير" أنه لا يملكه إلا بإذن القاضى اهـ ملخصًا
(٥: ٤٤٠)، وسيأتى لذلك بقية فى أحكام المساجد، إن شاء الله تعالى.
وقف الدراهم والدنانير:
وقال الموفق فى "المغنى": إن ما لا يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه كالدنانير والدراهم
والمطعوم والمشروب والشمع وأشباهه لا يصح وقفه فى قول عامة الفقهاء وأهل العلم إلا شيئًا
يحكى عن مالك والأوزاعى فى وقف الطعام أنه يجوز، ولم يحكه أصحاب مالك وليس بصحيح؛
لأن الوقف تحبیس الأصل وتسبیل الثمرة، وما لا ينتفع به إلا بالإتلاف لا يصح فيه ذلك، وقيل فى
الدراهم والدنانير: يصح وقفها على قول من أجاز إجازتها، ولا يصح، لأن تلك المنفعة ليست

١٦٤
ما يجوز وقفه وما لا يجوز
إعلاء السنن
غلاما من الصدقة قد جنى على رجل فدفعه بالجناية، لأن قيمته كانت أقل من الجناية.
رواه الخصاف من طريق الواقدى أيضا (ص:٩).
المقصود والذى خلقت به الأثمان، ولهذا لا تضمن فى الغصب فلم يجز الوقف له، كوقف الشجر
على نشر الثياب والغنم على دوس الطين والشمع ليتجمل به، والمراد بالذهب والفضة ههنا الدراهم
والدنانير وما ليس بحلى، لأن ذلك هو الذى يتلف بالانتفاع به، أما الحلى فيصح وقفه للبس
والعارية لما روى نافع قال: ابتاعت حفصة حليا بعشرين ألفا، فحبسته على نساء آل الخطاب فكانت
لا تخرج زكاته، رواه الخلال بإسناده، ولأنه عين يمكن الانتفاع بها مع بقائها دائمًا فصح وقفها
كالعقار، ولأنه يصح تحبيس أصلها وتسبيل الثمرة فصح وقفها كالعقار، وبهذا قال الشافعى.
وقد روى عن أحمد أنه لا يصح وقفها، وأنكر الحديث عن حفصة فى وقفه، وذكره ابن أبى
موسى إلا أن القاضى تأوله على أنه لا يصح الحديث فيه، ووجه هذه الرواية أن التحلى ليس هو
المقصود الأصلى من الأثمان فلم ـ صح وقفها عليه، كما لو وقف الدنانير والدراهم، والأول هو
المذهب لما ذكرناه، والتحلى من المقاصد المهمة والعادة جارية به، وقد اعتبره الشرع فى إسقاط
الزكاة عن متخذه. (قلت: وهو عين النزاع، فعندنا تجب الزكاة فى الحلى كما مر فى الجزء التاسع
من "الكتاب")، وجوز إجازته لذلك ويفارق الدراهم والدنانير فإن العادة لم تجر بالتحلى به اهـ
ملخصًا (٢٣٥:٦).
قال المحقق فى "الفتح": وعن الأنصارى وكان من أصحاب زفر فيمن وقف الدراهم أو
الطعام أو ما يكال أو ما يوزن أيجوز ذلك؟ قال: نعم، قيل: وكيف؟ قال: يدفع الدراهم مضاربة ثم
يتصدق بها فى الوجه الذى وقف عليه، وما يكال وما يوزن يباع ويدفع ثمنه مضاربةً أو بضاعةٌ.
قال: فعلى هذا القياس إذا وقف هذا الكر من الحنطة على شرط أن يقرض للفقراء الذين لا بذر لهم.
ليزرعوه لأنفسهم، ثم يؤخذ منهم بعد الإدراك قدر القرض، ثم يقرض لغيرهم من الفقراء أبدًا على
هذا السبيل يجب أن يكون جائزًا، قال: ومثل هذا كثير فى الرى وناحية نهاوند اهـ (٤٣٢:٥).
وفى "الدر المختار": كما صح أيضًا وقف كل منقول قصدًا فيه تعامل للناس كفأس وقدوم
بل ودراهم ودنانير، قلت: بل ورد الأمر للقضاة بالحكم به كما فى معروضات المفتى أبى السعود
اهـ. قال الشامى: قوله: بل ودراهم ودنانير، عزاه فى "الخلاصة" إلى الأنصارى وكان من أصحاب
زفر، وعزاه فى "الخانية" إلى زفر حيث قال: وعن زفر، "شرنبلالية" (٥٧٨:٣).
قلت: ولزفر سلف فى ذلك من قول الزهری حیث قال فیمن جعل ألف دینار فى سبيل الله
ودفعها إلى غلام له تاجر يتجر بها وجعل ربحه صدقة للمساكين والأقربين هل للرجل أن يأكل من

ج - ١٣
١٦٥
باب جواز الوقف علی النفس و علی الأولاد
وأولادهم بشرط أن يرجع آخره صدقة على الفقراء والمساكين
٤٥٢٩- حبس عثمان وطلحة والزبير وعلى بن أبى طالب وعمرو بن العاص
دورهم على بنيهم وضياعا موقوفة، وأوقف عبد الله بن عمرو بن العاص الوهط على
بنيه، اختصرنا الأسانيد لاشتهار الأمر، قاله ابن حزم فى "المحلى". (١٨٠:٩).
١ ٤٥٣٠- قال أبو بكر عبد الله بن الزبير الحميدى: تصدق أبو بكر بداره بمكة على
ولده فهى إلى اليوم، وتصدق عمر بربعه عند المروة بالثنية على ولده فهى إلى اليوم،
وتصدق على بأرضه وداره بمصر وبأمواله بالمدينة على ولده فذلك إلى اليوم، وتصدق
سعد بن أبى وقاص بداره بالمدينة وبداره بمصر على ولده فذلك إلى اليوم، وتصدق
عثمان برومة فهى إلى اليوم، وعمرو بن العاص بالوهط من الطائف وداره بمكة والمدينة
على ولده فذلك إلى اليوم، قال: وما لا يحضرنى كثير. أخرجه البيهقى فى الخلافيات
(زيلعى ١٦٨:٢)، وهو معضل.
ربح تلك الألف شيئًا وإن لم يكن جعل ربحها صدقة فى المساكين؟ قال: ليس له أن يأكل منها،
علقه البخارى، وقال الحافظ فى "الفتح": وقد أخرجه هكذا ابن وهب فى "موطئه" عن يونس عن
الزهرى، وهو ذهاب من الزهرى إلى جواز مثل ذلك واعترضه الإسماعيلى فقال: أثر الزهرى
خلاف ما تقدم من الوقف الذى أذن فيه النبى معَّ لعمر بأن يحبس أصله وينتفع بثمرته،
والصامت إنما ينتفع به بأن يخرج بعينه إلى شىء غيره، وليس هذا بتحبيس الأصل والانتفاع
بالثمرة، بل المأذون فيه ما عاد منه نفع بفضل كالثمرة والغلة، والارتفاق والعين قائمة، فأما ما
لا ينتفع به إلا بإفاتة عينه فلا اهـ (٣٠٤:٥).
والجواب: أن الآثار دالة على صحة وقف المنقولات من الكرع والسلاح، فيلحق به ما فى
معناه من المنقولات، وتحبيس الأصل والانتفاع بالثمرة فى كل شىء بحسبه، فتحبيس الدراهم
والدنانير أن لا تباع ولا توهب ولا تورث بل يتجر بها، والتجارة إتلاف صورة وإبقاء معنى، كما
لا يخفى، فأشبه بيع الفرس الحبيس فى سبيل الله إذا كبر، ولم يكن القتال علیه لیشترى بثمنه آخر
مكانه، فافهم.
باب جواز الوقف على النفس وعلى الأولاد وأولادهم
بشرط أن يرجع آخره صدقة على الفقراء والمساكين
قوله: حبس عثمان إلى قوله: قال أبو بكر إلخ: دلالته على جواز الوقف على الأولاد ظاهرة

ج - ١٣
جواز الوقف على النفس وعلى الأولاد وأولادهم
١٦٦
٤٥٣١- قال مالك: وهكذا حبس ابن عمر وزيد بن ثابت لا يخرج أحد لأحد
ولا يعطى من لم يجد مسكنا كراء. رواه سجنون فى "المدونة". (٢٤٥:٤)، ومراسيل
مالك حجة.
٤٥٣٢- ابن وهب عن محمد بن عمرو عن ابن جريج عن عطاء بن أبى رباح أنه
قال فى صدقة الرباع: لا يخرج أحد من أهل الصدقة لأحد إلا أن يكون عنده فضل من
المساكن. رواه سحنون فى "المدونة" وسنده حسن صحيح.
والأصل فيه ما تقدم من أكل النبى معٍَّ من الصدقة الموقوفة، وكان فى صدقته أن يأكل منها أهله
بالمعروف غير المنكر، وتصدق عمر على ذى قرباه، واشترط لمن ولى صدقته أن يأكل ويؤكل
صديقًا له، وجعل الولاية لأهله، وقد مضى كل ذلك فى (باب للواقف أن يشترط لنفسه أو لأهله
أن يأكلوا من الوقف إلخ). وقد تمسك بعض من أجاز الوقف على النفس بحديث رجل ساق البدنة
وأمره عّ لّه بركوبها من جهة أنه إذا جاز الانتفاع بما أهداه بعد خروجه عن ملكه بغير شروط
فجوازه بالشرط أولى، وبحديث اشتراط عمر لمن ولى صدقته أن يأكل منها، وقد يلى الواقف
وغيره. واعترضه ابن المنير بأنه لا يصح إلا عند من يقول: إن المتكلم داخل فى عموم خطابه، وهى
من مسائل الخلاف فى الأصول، قال: والراجح عند المالكية تحكيم العرف، وقال ابن بطال:
لا يجوز للواقف أن ينتفع بوقفه لأنه أخرجه لله وقطعه عن ملكه، فانتفاعه بشىء منه رجوع فى
صدقته، ثم قال: وإنما يجوز له ذلك إن شرطه فى الوقف أو افتقر هو أو ورثته، انتهى. والذى عند
الجمهور جواز ذلك إذا وقفه على الجهة العامة دون الخاصة.
لو وقف على الفقراء ثم صار فقيرا هو أو أحد من ذريته:
ومن فروع المسألة: لو وقف على الفقراء مثلا ثم صار فقيرًا أو أحد من ذريته هل يتناول
ذلك؟ والمختار أنه يجوز بشرط أن لا يختص به، لئلا يدعى أنه ملكه بعد ذلك اهـ ملخصًا من "فتح
البارى" (٢٨٧:٥). قلت: واحتج أبو يوسف لجواز الوقف على النفس والأهل والأولاد بقوله
عَّ ◌ُله: ((نفقة الرجل على نفسه صدقة)) وقد تقدم كل ذلك فى الباب الذى أشرنا إليه، فليراجع.
قوله: قال مالك وابن وهب إلخ، قلت: وهو قولنا كما فى "فتح القدير"، ونصه: وأجمعوا
أن الكل لو كان وقفًا على الأرباب وأرادوا القسمة لا تجوز، وكذا التهايؤ، وعليه فرع ما لو وقف
داره على سكنى قوم بأعيانهم أو ولده ونسله ما تناسلوا، فإذا انقرضوا كانت غلتها للمساكين، فإن
هذا الوقف جائز على هذا الشرط، وإذا انقرضوا تكری وتوضع غلتها للمساکین، وليس لأحد من

١٦٧
جواز الوقف على النفس وعلى الأولاد وأولادهم
إعلاء السنن
٤٥٣٣- حدثنا معن بن راشد عن ابن طاوس عن أبيه أن رجلا تصدق بأرض له
على بنيه وبنى بنيه وجعل للمساكين فيها شيئًا وكان والى القضاء معاذ بن جبل،
فأجازه. رواه الخصاف من طريق الواقدى (ص: ١٢)، وسنده حسن ومعن بن راشد
تصحيف وإنما هو معمر بن راشد معروف ثقة وأسنده الخصاف من طريق الواقدى عن
على وعثمان وزيد بن ثابت ورافع بن خديج وغيرهم أنهم تصدقوا على صدقة عمر
كما تقدم.
الموقوف عليهم السكنى أن يكريها ولو زادت على قدر حاجته، نعم له الإعارة لا غير، ولو كثر
أولاد هذا الواقف وولد ولده ونسله حتى ضاقت عليهم الدار ليس لهم إلا سكناها تقسط على
عددهم، ومن هذا يعرف أن لو سكن بعضهم فلم يجد الآخر موضعًا يكفيه لا يستوجب أجرة
حصته على الساكن، بل إن أحب أن يسكن معه فى بقعة من تلك الدار، وإلا ترك المتضيق وخرج،
أو جلسوا معاً فى كل بقعة إلى جنب الآخر، والأصل المذكور فى الشروح والفرع فى أوقاف
الخصاف، ولم يخالفه أحد فيما علمت وكيف يخالف وقد نقلوا إجماعهم على الأصل المذكور؟
اهـ ملخصًا (٤٢٦:٥).
قوله: حدثنا معن بن راشد إلخ، دلالته على الجزء الأخير من الباب ظاهرة، فإن المتبادر من
الأثر أن معاذ بن جبل إنما أجازه لكون شىء منه للمساكين، والأصل فيه قوله معد له العمر: ((حبس
الأصل وسبل الثمرة) الدال على كون الوقف مؤبدًا غير منقطع، فلا بد له من جهة لا تنقطع ولا
تنقرض، وهل يشترط ذكر الجهة؟ فعند محمد: نعم، فلا يجوز بدونه، وعند أبی يوسف: لا، حتى
يصح الوقف ویرجع إلى الفقراء بعد انقراض الأولاد وإن لم يسمهم، وقد تقدم کل ذلك فی (باب
لا يصح الوقف إلا مؤبداً)، فليراجع، وقد قدمنا أن صدقات الصحابة كانت مؤبدةً فلا يصح شىء
من الوقف إلا ما كان على سننهم، والله تعالى أعلم.
وقال هلال بن يحيى فى رجل جعل أرضه صدقة موقوفة على الفقراء أو المساكين ولم يسم
منها شيئًا لأحد فاحتاج بعض قرابته بعد ذلك: يعطى منه أقل من مائتى درهم، وهم أحق بها من
المساكين الأجانب، لأن صدقة الرجل على قرابته الفقراء أعظم أجراً من الغريب، ألا ترى أن من
السنة أن يقسم صدقات كل قوم بينهم ولا تخرج عنهم؟ بلغنا عن رسول الله معد له أنه سئل عن
المرأة تعطى زوجها من الصدقة؟ قال: لها أجران، وبلغنا أن رجلا من الأنصار تصدق بأرضه فأتى
أبواه رسول الله عَِّ فقالا له: مالنا مال غيرها، فردها النبى عَّه، وإذا جعل أرضه صدقةً موقوفةً

١٦٨
ج - ١٣
باب شروط الواقف مر عية
ما لم يكن فيها ما ينافى الوقف ويناقضه
٤٥٣٤- وقف عمر وشرط أن لا جناح على من وليه أن يأكل منها بالمعروف،
وأن التى تليه حفصة فى حياتها، فإذا ماتت فذو الرأى من أهلها، رواه أبو داود بسند
صحيح به وأتم منه (التلخيص الحبير ٢٥٩:٢)، قال الرافعى: وعليه جرت أوقاف
الصحابة اهــى على رعاية شروط الواقف.
على المساكين واحتاج هو -أى الواقف نفسه- لا يعطى منها شيئًا.
والحاصل: أنه يعطى من الواقف كل من لو وقف عليه جاز وقفه عليه، ولا يعطى منه من لا
یجوز وقفه علیه اهـ ملخصًا (ص١٤٨ و ١٥٠).
قلت: وعند أبى يوسف يعطى الواقف أيضًا عند الحاجة لجواز الوقف على النفس عنده كما
مر، والخلاف إنما هو فى فى الحاجة لم تبلغ حد الاضطرار، وأما إذا اضطر الواقف إلى التناول من
الوقف فلا خلاف ف يجوازه له، لأن المضطر يحل له المسألة، والتناول من وقفه أهون منها.
باب شروط الواقف مرعية ما لم يكن فيها ما ينافى الوقف ويناقضه
قوله: وقف عمر إلى آخر الباب، دلالة الآثار على معنى الباب ظاهرة، وهو مجمع عليه لم
يختلف فيه اثنان، قال الموفق فى "المغنى": إن الواقف إذا فضل بعضهم على بعض فهو على ما قال،
فلو قال: وقفت على أولادى وأولاد أولادى على أن للذكر سهمين وللأنثى سهماً، أو للذكر مثل
حظ الأنثيين، أو على حسب ميراثهم أو على حسب فرائضهم، أو بالعكس من هذا، أو على أن
لكبير ضعف ما للصغير، أو للعالم ضعف ما للجاهل، أو للعامل ضعف ما للغنى، أو عكس ذلك،
أو عين بالتفضيل واحدًا معينًا، أو وولده، أو ما أشبه هذا فهو على ما قال؛ لأن ابتداء الوقف مفوض
إليه، فكذلك تفضيله وترتيبه، وكذلك إن شرط إخراج بعضهم بصفة ورده بصفة، مثل أن يقول:
من تزوج منهم فله، ومن فارق فلا شىء له، أو عكس ذلك، أو من حفظ القرآن فله ومن نسيه فلا
شىء له، ومن اشتغل بالعلم فله ومن ترك فلا شىء له، أو من كان على مذهب كذا فله، ومن خرج
منه فلا شىء له، فكل هذا صحيح على ما شرط، وقد روى هشام بن عروة فذكر أثر المتن ثم قال:
وليس هذا تعليقًا للوقف بصفة بل الوقف مطلق، والاستحقاق له بصفة، وكل هذا مذهب
الشافعى، ولا نعلم فيه خلافًا اهـ (٢٠٩:٦).
وأخرج الخصاف من طريق الواقدى حدثنى بكير بن مسمار عن عائشة بنت سعد أن سعد

١٦٩
شروط الواقف مرعية ما لم يكن فيها ما ينافى الوقف ويناقضه
إعلاء السنن
٤٥٣٥- عن هشام بن عروة عن أبيه عن الزبير بن العوام أنه جعل دوره على بنيه
لا تباع ولا تورث ولا توهب، وأن للمردودة من بناته أن تسكن غير مضرة ولا مضر
بها، فإذا استغنت بزوج فليس لها حق، أخرجه الخصاف فى الأوقاف له من طريق
الواقدى عن ابن أبى الزناد عنه، ثم أخرجه من طريق بشر بن الوليد عن أبى يوسف عنه
مرسلا، والأثر قد علقه البخارى فى صحيحه كما تقدم.
ابن أبى وقاص أخرج البنات - يعنى من صدقته- وجعل للمردودة أن تسكن اهـ (ص١٤). بكير
ابن مسمار روى عن ابن عمر وعامر بن سعد وزيد بن أسلم وغيرهم، وعنه حاتم بن إسماعيل
وأبو بكر الحنفى والواقدى، قال العجلى: ثقة. وقال النسائی: ليس به بأس. وقال ابن عدى:
مستقيم الحديث استشهد به مسلم فى موضعين، كذا فى "التهذيب" (٤٩٥:١). وعائشة بنت
سعد ثقة من الرابعة، عمرت حتى أدركها مالك (تقريب ص٢٩٢)، وفيه جواز تفضيل بعض
الأولاد على بعض فى الوقف.
الرد على ابن حزم فى قوله بوجوب التسوية بين الأولاد فى الوقف:
وقال ابن حزم فى "المحلى": التسوية بين الولد فرض فى الحبس لقول رسول الله عَ ليه:
((اعدلوا بين أبنائكم)) فإن خص به بعض بنيه فالحبس صحيح، ويدخل سائر الولد فى الغلة والسكنى
مع الذی خصه اهـ (١٨٢:٩).
قلنا وجوب العدل بينهم مختص بالهبة والعطية بدليل حديث النعمان بن بشير أن أباه أتى به
رسول الله عَّ فقال: إنى نحلت ابنى هذا غلامًا فقال: أكل ولدك نحلت مثله؟ قال: لا. قال:
فارجعه. وفى رواية، قال: ((فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم)) وفى رواية، قال: ((أيسرك أن يكونوا
إليك فى البر سواء". قال: بلى! قال: ((فلا إذا)) متفق عليه كما فى "المشكاة" (ص٢٢٠).
قال الطيبى: قوله: أيسرك أن يكونوا إلخ، فيه استحباب التسوية بين الأولاد فى الهبة،
فلا يفضل بعضهم على بعض سواء كانوا ذكورا أو إناثا، قال بعض أصحابنا: ينبغى أن يكون
للذكر مثل حظ الأنثيين. والصحيح الأول لظاهر الحديث.
ولو وهب بعضهم دون بعض مذهب الشافعى ومالك وأبى حنيفة أنه مكروه، وليس بحرام،
والهبة صحيحة. قال أحمد والثورى وإسحاق وغيرهم: هو حرام. واحتجوا بقوله: لا أشهد على
جور، وبقوله: اعدلوا بين أولادكم، واحتج الأولون بما جاء فى رواية: فأشهد على هذا غيرى،
ولو كان حرامًا أو باطلا لما قال هذا، وبقوله: فارجعه، ولو لم يكن نافذًا لما احتاج إلى الرجوع.

١٧٠
ج - ١٣
باب الوقف على الأقارب ومن الأقارب؟
٤٥٣٦ -- قال ثابت: عن أنس قال النبى معَّه لأبى طلحة: (اجعله لفقراء أقاربك))،
فجعلها لحسان وأبى بن كعب، وقال الأنصارى: حدثنى أبى عن ثمامة عن أنس بمثل
حديث ثابت قال: ((اجعلها لفقراء قرابتك)) فجعلها لحسان وأبى بن كعب، وكانا أقرب
إليه منى، فكان حسان يجامعه فى حرام وهو الأب الثالث، وأبى يجامعه فى عمرو بن
مالك وهو الأب السابع، رواه البخارى (فتح البارى ٢٨٤:٥).
وأما معنى الجور فليس فيه أنه حرام؛ لأنه هو الميل عن الاستواء والاعتدال، وكل ما خرج عن
الاعتدال فهو جور سواء كان حرامًا أو مكروهًا اهـ من حاشية "المشكاة".
ولا يخفى: أن الوقف غير الهبة لكون الهبة تمليكًا والوقف إخراجًا عن ملكه إلى ملك الله
تعالى، فلا يقاس أحدها بالآخر، وإن سلما فغاية ما فيه أن يكون لشرط التفضيل مكروهاً، وأما أن
يكون باطلا فلا، فقد رأيت أن الزبير وسعد بن أبى وقاص أخرجا بناتهما عن صدقتهما غير أنهما
جعلا للمردودة منهن أن تسكن، وأنفذت الصحابة صدقاتهما على ما صنعا.
قال الواقدى: حدثنا محمد بن نجاد بن موسى بن سعد بن أبى وقاص عن عائشة بنت سعد
قالت: صدقة أبى حبس لا تباع ولا تورث ولا توهب، وأن للمردودة من ولده أن تسكن غير
مضرة ولا مضر بها حتى تستغنى، فتكلم فيها بعض ورثته فجعلوها ميراثًا، فاختصموا إلى مروان
ابن الحكم فجمع لها أصحاب رسول الله مرّطلّه فأنفذها على من صنع سعد، انتهى. من أحكام
الأوقاف للخصاف (ص١٤). نعم! يستحب للواقف أن يسوى بين أولاده فى الوقف ولا يفضل
بعضهم على بعض، فإن فعل جاز الوقف وكان على ما قال.
باب الوقف على الأقارب ومن الأقارب؟
قوله: قال ثابت عن أنس إلى قوله: وعن أبى هريرة إلخ، قال الحافظ فى "الفتح":
وقد اختلف العلماء فى الأقارب، فقال أبو حنيفة: القرابة كل ذى رحم محرم من قبل الأب أو الأم
ولكن يبدأ بقرابة الأب قبل الأم. قال أبو يوسف ومحمد: من جمعهم رب منذ الهجرة من قبل أب
أو أم من غير تفصيل، زاد زفر: ويقدم من قرب منهم وهى رواية عن أبى حنيفة أيضًا، وأقل من
يدفع إليه ثلاثة، وعند محمد اثنان، وعند أبى يوسف واحد، ولا يصرف للأغنياء عندهم إلا أن
يشرط ذلك، وقالت الشافعية: القريب من اجتمع فى النسب سواء قرب أو بعد، مسلمًا كان أو
كافراً، غنيًا كان أو فقيرًا، ذكرًا كان أو أنثى، وارثًا أو غير وارث، محرمًا أو غير محرم.

١٧١
الوقف على الأقارب ومن الأقارب؟
إعلاء السنن
٤٥٣٧- وقال ابن عباس: لما نزلت: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ جعل النبى عليّ.
ینادی: يا بنى فهر! يا بنى عدى! لبطون قريش. رواه البخارى.
واختلفوا فى الأصول والفروع على وجهين، وقالوا: إن وجد جمع محصورون أكثر من
ثلاثة استوعبوا. وقيل: يقتصر على ثلاثة، وإن كانوا غير محصورين، فنقل الطحاوى الاتفاق على
البطلان، وفيه نظر، لأن عند الشافيعة وجها بالجواز ويصرف منهم لثلاثة ولا تجب التسوية، وقال
أحمد فى القرابة كالشافعى إلا أنه أخرج الكافر، وفى رواية عنه: القرابة كل من جمعه، والموصى
الأب الرابع إلى ما هو أسفل منه. وقال مالك: يختص بالعصبة سواء كان يرثه أولا، ويبدأ بفقراءهم
حتى يغنوا ثم يعطى الأغنياء، وحديث الباب -أى حديث أنس فى صدقة أبى طلحة- يدل لما قاله
الشافعى سوى اشتراط ثلاثة، فظاهره الاكتفاء باثنين أهـ (٢٨٤:٥).
الجواب عن حجج من خالف أبا حنيفة فى تفسير القرابة:
قلنا: لا حجة فيه لأحد، لأن أبا طلحة إنما جعلها فى حسان وأبى لكونه مأمورًا بأن يجعلها
فى فقراء قرابته. فالظاهر أن أبا طلحة راعى فيمن أعطاه من قرابته الفقير ولم يجد فقيرًا غيرهما،
ولكن استثنى من كان مكفيًا ممن تجب عليه نفقته، فلذلك لم يدخل أنسًا، فظن أنس أن ذلك لبعد
قرابة منه، ولو قدم الأقرب منه لم يعط غير حسان شيئًا، وأيضًا فلا نزاع أن الواقف إذا وقف
اأقاربه وبينهم بالقول أو بالفعل وعم به قريبهم وبعيدهم فله ذلك، وإنما النزاع فيما إذا لم يبين
ذلك، وحديث أبى طلحة إنما هو فيما إذا بين الواقف مراده بالأقارب دون الثانى.
وكذا لا حجة للشافعية، ومن وافقهم فى حديث ابن عباس وأبى هريرة فى إنذار عشيرتا
الأقربين لاحتمال أن يكون لفظ الأقربين صفة لازمة للعشيرة والمراد من عشيرته: قومه، وهـ
قريش. وقد روى ابن مردويه من حديث عدى بن حاتم أن النبى معَّ ذكر قريشًا فقال: ﴿وأنذر
عشيرتك الأقربين﴾ - يعنى قومه- فيكون قد أمر بإنذار قومه، فلا يختص ذلك بالأقرب منهم دون
الأبعد فلا حجة فيه فى مسألة الوقف؛ لأن صورتها ما إذا وقف على قرابته أو على أقرب الناس إليه
مثلا، والآية تتعلق بإنذار العشيرة فافترقا، والله أعلم، قاله الحافظ فى "الفتح" (٢٨٦:٥).
وتبين بذلك ضعف ما ذكره الطحاوى: أن الصحيح من ذلك كله القول الذى ذهب
إليه مالك والشافعى وأحمد (فى رواية عنه) وأبطل بقية الأقوال وصرح ببطلان ما ذهب إليه
أبو حنيفة وما ذهب إليه أبو يوسف ومحمد، فهذا الذى سلكه هو طريق المجتهدين
المستنبطين للأحكام من الكتاب والسنة، فلذلك ترك تقليده لأبى حنيفة وصاحبيه فى هذه المسألة

ج - ١٣
الوقف على الأقارب ومن الاقارب!
١٧٢
٤٥٣٨- عن أبى هريرة قال: قام رسول الله عَّ له حين أنزل الله عز وجل: ﴿وأنذر
عشيرتك الأقربين﴾ قال: ((يا معشر قريش ! -أو كلمة نحوها- اشتروا أنفسكم لا أغنى
عنکم من الله شيئًا، یا بنی عبد مناف! لا أغنى عنكم من الله شيئا، ویا عباس بن عبد
المطلب! لا أغنى عنك من الله شيئًا، ويا صفية عمة رسول الله! لا أغنى عنك من الله
شيئًا، ويا فاطمة بنت محمد عّ لّه! سلينى ما شئت من مالى لا أغنى عنك من الله شيئًا)»،
رواه البخارى أيضًا (فتح البارى ٢٦٦:٥)، وأخرجه فى المنتقى بلفظ مسلم أتم منه
وأشبع (نيل ٢٦٨:٥).
فى العمدة للعينى (٤٩٤:٦) ووجه الضعف احتجاجه لمعنى القرابة بحديث أنس فى صدقة أبى
طلحة، وبحديث ابن عباس وأبى هريرة فى إنذاره مَّ عشيرته الأقربين، وقد علمت أنهما لا
يصلحان حجةً فى محل النزاع من باب الوصية والوقف للأقارب.
واستدل لأحمد (فيما روى عنه من أن القرابة كل من جمعه، والموصى الأب الرابع) بأن
المراد بذى القربى فى قوله تعالى: ﴿للرسول ولذى القربى﴾ بنو هاشم وبنو المطلب، لتخصيص
النبى معَّ إياهم بسهم ذى القربى. وإنما يجتمع مع بنى عبد المطلب فى الأب الرابع، وتعقبه
الطحاوى بأنه لو كان المراد ذلك لشرك معهم بنى نوفل وبنى عبد شمس لأنهما ولد عبد مناف
كالمطلب وهاشم، فلما خص بنى هاشم وبنى المطلب دون بنى نوفل وبنى عبد شمس دل على أن
المراد بسهم ذوى القرابة دفعه لناس مخصوصين بينه النبى عّلّ بتخصيصه بنى هاشم وبنى
المطلب، فلا يقاس عليه من وقف أو أوصى لقرابته بل يحمل اللفظ على مطلقه وعمومه حتى يثبت
ما يقيده أو يخصصه، والله أعلم قاله الحافظ فى "الفتح" أيضًا (٢٨٦:٥).
وفى "البدائع": وأوصى لذوى قرابته أو قراباته أو لأرحامه أو لأنسابه أو لذوى أرحامه فعند
أبى حنيفة: الوصية بهذه الألفاظ للأقرب فالأقرب من ذى الرحم المحرم، وجمع الوصية وهو اثنان
فصاعدًا، وأن يكون سوى الوالدين والمولودين، وأن يكون ممن لا يرث (لا يشترط ذلك فى غير
الوصية من الوقف ونحوه لجواز الوقف للوارث بخلاف الوصية) وعندهما يدخل فى هذه الوصية
ذو الرحم المحرم، والقريب والبعيد إلى أقصى أب له فى الإسلام، ولا خلاف فى اعتبار الأوصاف
الثلاثة، وهى اعتبار جمع الوصية وأن لا يكون والدًا ولا ولدًا وأن یکون ممن لا يرث (تذكر ما
أسلفناه لك).
أما الأول فلأن ذوى لفظ جمع، وأقل الجمع فى باب الوصية اثنان، حتى لو أوصى لذى

١٧٣
الوقف على الأقارب ومن الأقارب؟
إعلاء السنن
قرابته استحق الواحد فصاعدًا كل الوصية، لأن ذى ليس بلفظ جمع. وأما الثانى فلأن الوالد والولد
لا يسميان قرابتين عرفًا وحقيقةً أيضاً، لأن الأب أصل والولد فرعه وجزءه، والقريب من يقرب من
غيره لا من نفسه فلا يتناوله اسم القريب، وقال الله تعالى: ﴿الوصية للوالدين والأقربين﴾ عطف
الأقرب على الوالد، والعطف يقتضى المغايرة فى الأصل، وإذا لم يدخل الوالد والولد فى هذه
الوصية فهل يدخل فيها الجد وولد الولد؟ الصحيح لا. وأما الثالث فلما روينا عنه عليه الصلاة
والسلام: ((لا وصية لوارث)) (وهذا مختص بباب الوصية لا يجرى فى الوقف، كما تقدم).
وإنما الخلاف فى موضعين: أحدهما: أنه يعتبر المحرم عند أبى حنيفة، وعندهما لا يعتبر،
والثانى: أنه يعتبر الأقرب فالأقرب عنده، وعندهما لا يعتبر، وجه قولهما إن القريب اسم مشتق من
معنى - وهو القرب- وقد وجد القرب فيتناول الرحم المحرم وغيره والقريب والبعيد، وصار كما لو
أوصى لإخوته أنه يدخل الإخوة لأب وأم، والإخوة لأب والإخوة لأم لكونه اسمًا مشتقًا من
الأخوة كذا هذا.
والدليل عليه ما روى عن أبى هريرة رضى الله عنه أنه لما نزل قوله تبارك وتعالى: ﴿وأنذر
عشيرتك الأقربيك﴾، فذكر حديث المتن، ومعلوم أنه كان فيهم الأقرب والأبعد وذو الرحم المحرم
وغیر المحرم، فدل أن الاسم یتناول کل قریب. (وفيه ما أسلفناه لك، فتذ کر، وأيضًا فقد كان فيهم
المسلم والكافر، ولم يقولا بدخول الكافر فى الوصية والوقف للأقارب) إلا أنه لا يمكن العمل
بعمومه لتعذر إدخال أولاد سيدنا آدم عليه الصلاة والسلام فيه (فيكون الموصى لهم والموقوف
عليهم غير محصورين) فتعتبر النسبة إلى أقصى أب فى الإسلام، لأنه لما ورد الإسلام صارت
المعرفة بالإسلام والشرف به، فصار الجد المسلم هو النسب فتشربوا به فلا يعتبر من كان قبله.
حجة الإمام أبى حنيفة فى تفسير القرابة:
ولأبى حنيفة رحمه الله أن الوصية لما كانت باسم القرابة أو الرحم (وكذا الوقف) فالقرابة
المطلقة هى قرابة ذى الرحم المحرم. ولأن معنى الاسم يتكامل بها، وأما فى غيرها من الرحم غير
المحرم فناقص، فكان الاسم للرحم المحرم لا لغيره، فإما أن يعتبر الاسم مشتركًا أو عامًا، ولا سبيل
إلى الاشتراك، لأن المعنى متجانس، ولا إلى العموم، لأن المعنى متفاوت، فتعين أن يكون الاسم
لما قلنا حقيقةً ولغيره مجازًا، بخلاف الوصية لإخوته لأن مأخذ الاسم -وهو الأخوة- لا يتفاوت،
فكان اسمًا عامًا، فيتناول الكل، وههنا بخلافه على ما بينا؛ ولأن المقصود من هذه الوصية

١٧٤
ح - ١٣
باب إذا وقف على ولده وولد ولده هل يدخل فيه البنات؟
٤٥٣٩- عن أبى بكرة أن النبى عرّ صعد المنبر فقال: ((إن ابنى هذا سيد يصلح
(أو الوقف) هو صلة القرابة، وهذه القرابة هى واجبة الوصل محرمة القطع لا تلك، والظاهر من
حال المسلم الدين المسارعة إلى إقامة الواجب، فيحمل مطلق اللفظ عليه، بخلاف ما إذا أوصى
لإخوته لأن قرابة الأخوة واجبة الوصل محرمة القطع على اختلاف جهاتها، فهو الفرق بين
الفصلين. وجواب أبى يوسف ومحمد رحمهما الله على زعمهما كان يستقيم فى زمانهما لأن
أقصى أب الإسلام كان قريبًا يصل إليه بثلاثة آباء أو أربعة، فكان الموصى له معلومًا، فأما فى زماننا
فلا يستقيم لأن عهد الإسلام قد طال، فتقع الوصية (وكذلك الوقف) لقوم مجهولين (غير
محصورين) فلا تصح اهـ (٣٤٩:٧).
باب إذا وقف على ولده وولد ولده هل يدخل فيه ولد البنات؟
قوله: عن أبى بكرة إلخ، قال فى "البدائع": ولو أوصى لولد فلان فالذكر فيه والأنثى سواء
فى قولهم جميعا. (قال الموفق فى "المغنى": ولا أعلم فى هذا خلافًا اهـ (٢٠٨:٦)، لأن الوالد اسم
للمولود، وأنه يتناول الذكر والأنثى، فإن كان له بنات وبنو ابن فالوصية لبناته دون بى ابنه؛ لأن
اسم الولد للبنات بانفرادهن حقيقة ولأولاد الابن مجاز، ومهما أمكن حمل اللفظ على الحقيقة
لا يحمل على المجاز، فإن لم يكن له ولد صلب فالوصية لولد الابن يستوى فيه الذكر والأنثى، لأنه
تعذر العمل بحقيقة اللفظ فيعمل بالمجاز، تصحيحًا لكلام العاقل، ولا يدخل أولاد البنات فى قول
أبى حنيفة، وذكر الخصاف عن محمد (وأبى يوسف) رحمهما الله أن ولد البنات يدخلون فيها
كولد البنين. وذكر فى "السير الكبير": إذا أخذ الأمان لنفسه وولده لم يدخل فيه أولاد البنات،
فصار عن محمد رحمه الله روايتان، وجه رواية الخصاف أن الولد ينسب إلى أبويه جميعًا؛ لأنه
ولد أبيه وولد أمه حقيقة لانخلاقه من مائهما جميعاً، ثم ولد ابنه ينسب إليه، فكذا ولد بنته، ولهذا
يضاف أولاد سيدتنا فاطمة رضى الله عنها إلى أبيها رسول الله عَ ليه . وقال ع طيه للحسن بن
على ضى الله عنهما: ((إن ابنى هذا لسيد وإن الله تبارك وتعالى يصلح به بين الفئتين))، كذا يقال
لسيدنا عيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام: إنه من بنى آدم وإن كان لا ينتسب إليه إلا من قبل أمه.
ولأبى حنيفة أن أولاد البنات ينسبون إلى آبابهم لا إلى أب الأم، قال الشاعر:
بنوهن أبناء الرجال الأباعد
بنونا بنو أبناءنا وبناتنا
وأما قوله: إن الولد ينسب إلى أبيه وإلى أمه، قلنا: نعم، وبنت الرجل ولده حقيقةً، فكان

١٧٥
إعلاء السنن
إذا وقف على ولده وولد ولده هل يدخل فيه ولد البنات؟
الله على يديه بين فئتين عظيمتين من المسلمين)) يعنى الحسن بن على. رواه أحمد
ولدها ولده حقيقةً بواسطتها، حتى تثبت جميع أحكام الولاد فى حقه، كما تثبت فى أولاد البنين،
إلا أن النسب إلى الأمهات مهجورة عادةً (وعرفًا، ومبنى الوقف والوصية على العرف)، فلا ينسب
أولاد البنات إلى آباء الأمهات بوساطتهن ولا يدخلون تحت النسبة المطلقة، وأولاد سيدتنا
فاطمة رضى الله عنهم لم تهجر نسبتهم إليها فينسبون إلى رسول الله عَ ليه بواسطتها (حتى لو
أوصى أو وقف لولد الرسول عَّ كان ذلك لأولاد فاطمة رضى الله عنها من ولديها -الحسن
والحسين- رضى الله عنهما)، وقيل: إنهم خصوا بالنسبة إليه عليه الصلاة والسلام تشريفًا وإكرامًا لهم.
وقد روى بعض مشايخنا عن شمس الأئمة الحلوانى فى هذا حديثًا عن رسول الله عَ لّ أنه
قال: ((كل بنى بنت بنو أبيهم إلا أولاد فاطمة فإنهم أولادى)) اهـ (٧: ٣٤٥).
تحقيق حديث: ((كل بنى آدم ينتمون إلى أبيهم ما خلا ولد فاطمة)) إلخ:
قلت: ورد فى هذا المعنى أحاديث: منها عن عمر بن الخطاب عند الطبرانى رفعه بلفظ:
((كل ولد أم فإن عصبتهم لأبيهم ما خلا ولد فاطمة فإنى أنا أبوهم وعصبتهم)). عن ابن
عباس رضى الله عنهما عند الخطيب بنحوه، وعن جابر عند الطبرانى فى "الكبير" بنحوه أيضًا،
قال السحاوى فى رسالته الموسومة بالإسعاف بالجواب على مسألة الإشراف، بعد أن ساق حديث
جابر بلفظ: ((إن الله جعل ذرية كل نبى فى صلبه، وإن الله جعل ذريتى فى صلب على بن أبى
طالب)) ما لفظه: وقد كنت سئلت عن هذا الحديث وبسطت الكلام عليه، وبينت أنه صالح للحجة
وبالله التوفيق، كذا فى "نيل الأوطار" (٢٧٣:٥).
وفى "المقاصد الحسنة" للسخاوى بعد ما ذكر الحديث بلفظ: ((كل بنى آدم ينتمون إلى
عصبة أبيهم إلا ولد فاطمة فإنى أنا أبوهم وعصبتهم))، وسرد طرقه ما نصه: وبعضها يقوى بعضًا،
وقول ابن الجوزى فى "العلل المتناهية": إنه لا يصح ليس بجيد، وفيه دليل لاختصاصه عّ لّه بذلك
هـ (ص١٥١). والحديث ذكره الحافظ فى التلخيص الحبير من طريق عمر وسكت عنه (٢٩٠:٢).
وفى"الميزان" فى ترجمة عثمان بن أبى شيمة: قال عبد الله: وقلت لأبى: حدثنا عثمان
حدثنا جرير عن شيبة بن نعامة عن فاطمة بنت حسين بن على عن فاطمة الكبرى عن النبى معد له
قال: (لكل بى أب عصبة ينتمون إليه إلا ولد فاطمة، أنا عصبتهم)) فأنكر أبى هذه الأحاديث مع
أحاديث من هذا النحو أنكرها حدا، وقال: هذه موضوعة أو كأنها موضوعة. وقال أبو بكر:
أخوه أحب إلى من عثمان، وقال: ما كان أبر بكر يطيب نفسه شىء من هذه الأحاديث، نسأل
الله السلامة.

ج - ١٣
إذا وقف على ولده وولد ولده هل يدخل فيه ولذ البنات؟
١٧٦
والبخارى والترمذى (نيل الأوطار ٢٧٢:٥).
قال الذهبى: عثمان لا يحتاج إلى متابع، ولا ينكر له أن ينفرد بأحاديث لسعة ما روى وقد
يغلط، وقد اعتمده الشيخان فى صحيحيهما. وروى عنه أبو يعلى والبغوى والناس، وقد سئل عنه
أحمد، فقال: ما علمت إلا خيرًا وأثنى عليه، وقال يحيى: ثقة اهـ (٢: ١٨١).
قلت: والحديث حسنه السيوطى فى "الجامع الصغير"، كما فى "العزيزى" (٨١:٢).
وقال الموفق فى "المغنى": إذا وقف على قوم وأولادهم وعاقبتهم ونسلهم دخل فى الوقف.
ولد البنين بغير خلاف نعلمه، فأما ولد البنات فقال الخرقى: لا يدخلون فيه، وقد قال أحمد فيمن
وقف على ولده: ما كان من ولد البنات فليس لهم فيه شىء، وممن قال: لا يدخل ولد البنات فى
الوقف الذى على أولاده وأولاد أولاده مالك ومحمد بن الحسن. (قلت: عنه فى ذلك روايتان)
وهكذا إذا قال: على ذريتهم ونسلهم، وقال أبو بكر وعبد الله بن حامد: يدخل فيه ولد البنات،
وهو مذهب الشافعى وأبى يوسف، لأن البنات أولاده فأولادهن أولاده حقيقة، فيجب أن يدخلوا
فى الوقف لتناول اللفظ لهم.
وقد دل(١) على صحة هذا قول الله تعالى: ﴿ونوحاً هدينا من قبل ومن ذريته داود
وسليمان﴾ إلى قوله: ﴿وعيسى﴾. وهو من ولد بنته، فجعله من ذريته، وقال النبى معَ ◌ّ للحسن:
إن ابنى هذا سيد وهو ولد ابنته ولما قال الله تعالى: ﴿وحلائل أبنائكم﴾ دخل فى التحريم حلائل
أبناء البنات ولما حرم الله تعالى دخل فى التحريم بناتهن.
حجة أبى حنيفة فى الباب:
ووجه قول الخرقى إن الله تعالى قال: ﴿يوصيكم الله فى أولادكم للذكر مثل حظ
الأنثيين﴾، فدخل فيه ولد البنين دون ولد البنات، وهكذا كل موضع ذكر فيه الولد فى الإرث
والحجب دخل فيه ولد البنين دون ولد البنات؛ ولأنه لو وقف على ولد رجل وقد صاروا قبيلة دخل
فيه ولد البنين دون ولد البنات بالاتفاق، وكذلك قبل أن يصيروا قبيلةً، ولأنه لو وقف على ولد
(١) قد سبق إلى الاستدلال بذلك يحيى بن يعمر حين دخل على الحجاج فذكر الحسين بن على منال الحجاج: لم يكن من ذرية
النبى معَّه. فقال يحيى بن يعمر: كذبت أيها الأمير! فقال: لتأتينى على ما قلت ببينة من مصداق من كتاب الله أو لأقتلنك،
قال: ﴿ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون﴾ إلى قوله: ((وزكرينا ويحيى وعيسى﴾. فأخبر الله عز
وجل أن عيسى من ذرية آدم) (ونوح) بأمه، والحسين بن على من ذرية محمد مَّ ◌ُلّه بأمه. قال: صدقت. الحديث راه البيهقى
فى سننه من طريق شريك عن عبد الملك بن عمير، ومن طريق صالح بن موسى الطلحى عن عاصم بن بهدلة (٢: ١٦٦)
:

١٧٧
إعلاء السن
٤٥٤٠- عن أبى موسى الأشعرى قال: قال رسول الله عَّ له: ((ابن أخت القوم
منهم؛ أخرجه الشيخان والأربعة إلا ابن ماجه (نيل ٢٧٤:٥).
باب إذا وقف أرضًا ولم يبين الحدود و كانت
مشهورةً متمیزة فهو جائز
٤٥٤١- عن أنس بن مالك قال: لما نزلت: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾
قام أبو طلحة، فقال: يا رسول الله! إن الله يقول: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾
وإن أحب أموالى إلى بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها
حيث أراك الله الحديث. رواه البخارى (فتح البارى ٢٩٦:٥).
العباس فى عصرنا لم يدخل فيه ولد بناته، فكذلك إذا وقف عليهم في حياته، ولأن ولد البنات
منسوبون إلى آبائهم دون أمهاتهم، وقولهم: إنهم أولاد أولاد حقيقةً، قلنا: إلا أنهم لا ينسوبون إلى
الواقفب عرفًا، ولذلك لو قال: أولاد أولادى المنتسبين إلى، لم يدخل هؤلاء فى الوقف؛ ولأن ولد
الهاشمية من غير الهاشمى ليس بها شمى ولا ينسب إلى أبيها، وأما عيسى عليه السلام فلم يكن له
أب ينسب إليه، فيسب إلى أمه لعدم أبيه، ولذلك يقال: عيسى ابن مريم وغيره إنما ينسب إلى أبيه
كيحيى بن زكريا، وقول النبى معه: ((إن ابني هذا سيد)) تجوز بغير خلاف بدليل قول الله تعالى:
﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم﴾ ..
وهذا الخلاف فيما إذا لم يوجد ما يدل على تعيين أحد الأمرين، فأما إن وجد ما يصرف
اللفظ إلى أحدهما انصرف إليه اهـ (٢٠٦:٦ و٢٠٧). ولعلك قد تفطنت بذلك لقوة ما ذهب إليه
أبو حنيفة رحمه الله، واختاره الخرقى من الحنابلة، والله تعالى أعلم.
قوله: عن أبى موسى الأشعرى إلخ، قال الشوكانى فى "النيل": ومما يؤيد القول بدخول
أولاد البنات ما أخرجه البخارى وغيره عن أبى موسى الأشعرى مرفوعًا، ابن أخت القوم منهم اهـ
ملخصاً. قلت: فلا حجة فيه أصلا وإلا لزم دخول الموالى فيما إذا كان الوقف على الأولاد
لقوله عَ ◌ّة: ((مولى القوم من أنفسهم))، رواه البخارى عن أنس كما فى"العزيزى" (٣٧٠:٣).
باب إذا وقف أرضًا ولم يبين الحدود وكانت مشهورةً متميزةً فهو جائز
قوله: عن أنس بن مالك إلخ، قال الحافظ فى "الفتح" فى (باب إذا وقف أرضًا ولم يبين
الحدود فهو جائز): ما نصه: كذا أطلق الجواز، وهو محمول على ما إذا كان الموقوف مشهورًا
متميزاً بحيث يؤمن أن يلتبس بغيره، وإلا فلا بد من التحديد اتفاقًا، ويحتمل أن يكون المراد أن

ج - ١٣
١٧٨
باب جواز تعليق الوقف بالموت
ووقف المريض على ورثته، ويعتبر من الثلث
٤٥٤٢- احتج أحمد رحمه الله تعالى بحديث عمر رضى الله عنه أنه قال: هذا ما
أوصى به عبد الله عمر أمير المؤمنين إن حدث به حدث أن ثمغا صدقة، والعبد الذى فيه
الوقف يصح بالصيغة التى لا تحديد فيها بالنسبة إلى اعتقاد الواقف وإرادته لشىء معين فى نفسه،
وإنما يعتبر التحديد لأجل الإشهاد عليه ليبين حق الغير، والله أعلم اهـ (٢٩٦:٥).
قلت: وكانت ببرحاء مستقبلة المسجد، وكان النبى عّ لّم يدخلها ويشرب من ماء فيها
طيب ويستظل فيها، كما فى رواية أنس فى هذه عند البخارى فكانت مشهورةً معلومةً، فافهم.
باب جواز تعليق الوقف بالموت ووقف المريض على ورثته
وقوله: احتج أحمد إلخ، قال الموفق فى "المغنى": إن الوقف فى مرض الموت بمنزلة الوصية
فى اعتباره من ثلث المال، إلا فى جواز الرجوع عنه، نص على ذلك الخصاف فى أحكام الأوقاف
له (ص٢٤٧)؛ لأنه تبرع، فاعتبر فى مرض الموت من الثلث كالعتق والهبة، وإذا خرج من الثلث
جاز غير رضا الورثة ولزم، وما زاد على الثلث لزم الوقف منه فى القدر الثلث، ووقف الزائد على
إجازة الورثة لا نعلم فى هذا خلافًا عند القائلين بلزوم الوقف. (قلت: وقد قال أبو حنيفة أيضًا
بلزوم الوقف المضاف إلى ما بعد الموت بطريق الوصية، كما تقدم).
فأما إذا قال: هو وقف بعد موتى فظاهر كلام الخرقى أنه يصح ويعتبر من الثلث كسائر
الوصايا، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد، وقال القاضى: لا يصح هذا؛ لأنه تعليق الوقف على شرط،
وتعليق الوقف على شرط غير جائز بدليل ما لو علقه على شرط فى حياته، ولنا على صحة الوقف
المعلق بالموت ما احتج به الإمام أحمد رحمه الله تعالى أن عمر رضى الله عنه أوصى، فكان وصيته:
هذا ما أوصى به عبد الله عمر أمير المؤمنين إن (١) حدث به حدث أن تمغا صدقة، وذكر بقية الخبر،
وهذا نص فى مسألتنا، ووقفه هذا كان بأمر النبى معَِّ، ولأنه اشتهر فى الصحابة، فلم ينكر فكان
إجماعًا، ولأن هذا تبرع معلق بالموت فصح كالهبة والصدقة المطلقة، أو نقول: صدقة معلقة بالموت
فأشبهت غير الوقف.
(١) وهو نص فى أن صدقة عمر رضى الله عنه كانت مضافةً إلى ما بعد الموت بطريق الوصية، وقد علمت أ. با حنيفة يقول بجواز
مثل هذا الوقف ولزومه، فبطل قول من قال: إن أبا حنيفة خالف حديث عم هذا لكونه لم يبلغه لو بلغه لقال به، فافهم. ظـ

١٧٩
جواز تعليق الوقف بالموت ووقف المريض على ورثته
إعلاء السنن
والسهم الذى بخير ورقيقه الذى فيه والمائة وسق الذى أطعمنى محمد عّ لّ تليه حفصة
ما عاشت، ثم يليه ذو الرأى من أهله لا يباع ولا يشترى، ينفقه حيث يرى من السائل
ويفارق هذا التعليق على شرط فى الحياة بدليل الهبة والصدقة المطلقة وغيرهما، وذلك لأن
هذا وصية، والوصية أوسع من التصرف فى الحياة بدليل جوازها بالمجهول والمعدوم، وللمجهول
وغير ذلك، وبهذا يتبين فساد قياس من قاس على هذا الشرط بقية الشروط أهـ، ودلالة الأثر على
الجزء الأول من الباب هذا التقرير ظاهرة.
لا يجوز تعليق ابتداء الوقف على شرط فى الحياة اتفاقًا:
قال الموفق: ولا يجوز تعليق ابتداء(١) الوقف على شرط فى الحياة مثل أن يقول: إذا جاء رأس
الشهر فدارى وقف، أو فرسى حبيس، أو إذا ولد لى ولد أو إذا قدم لى غائبى ونحو ذلك، ولا نعلم
فى هذا خلافًا، وسوى المتأخرون من أصحابنا بين تعليقه بالموت وتعليقه بشرط فى الحياة،
ولا يصح لما ذكرنا من"فرق بينهما فيما قبل هذا اهـ (٢٢١:٦).
قال الموفق: وال نظفت الرواية عن أحمد فى الوقف فى مرضه على بعض ورثته، فعنه.
لا يجوز ذلك، فإن فعل وقف على إجازة سائر الورثة. قال أحمد فى رواية إسحاق بن إبراهيم
فيمن أوصى لأولاد بنيه بأرض توقف عليهم، فقال: إن لم يرثوه فجائز. فظاهر هذا أنه لا يجوز
الوقف عليهم فى المرض، اختاره أبو حفص العكبرى وأبن عقيل وهو مذهب الشافع. والرواية
الثانیة یجوز أن یقف عليهم ثلاثة کالأجانب، فإنه قال فى رواية جماعة منهم الميمونى: يجوز
للرجل أن يقف فى مرضه على ورثته. فقيل له: أليس تذهب أنه لا وصية لوارث؟ فقال: نعم،
والوقف غير الوصية، لأنه لا يباع ولا يورث ولا يصير ملكًا للورثة ينتفعون بغلته، وبه قال فى
رواية أحمد بن الحسن، فإنه صرح فى مسألته بوقف ثلثه على بعض ورثته دون بعض، فقال: جائز.
قال الخيرى: وأجاز هذا الأكثرون، واحتج أحمد رحمه الله بحديث عمر رضى الله عنه،
فذكر حديث المتن بطوله ثم قال: فالحجة أنه جعل لحفصة أن تلى وقفه وتأكل منه وتشترى رقيقًا،
ثم نصر الموفق الرواية الأولى، واختار أنه لا يجوز تخصيص بعض الورثة بالوقف عليهم دون بعض
إلا أن يقف على جميعهم، فقال: ولنا أنه تخصيص لبعض الورثة بالوقف بماله فى مرضه، فمنع منه
(١) قيد بالابتداء للاحتراز عن الشروط فى صرف الغلة، وفى الموقوف عليهم، فإن ذلك يجوز لكونه شرطًا بعد تمام الوقف،
وشروط الواقف تراعى كما مر. ظ

١٨
جواز تعليق الوقف بالموت ووقف المريض على ورثته
ج - ١٣
والمحروم وذوى القربى، ولا حرج على من وليه أن يأكل أو اشترى رقيقًا. رواه أبو داود
بنحو من هذا (المغنى ٢٢٦:٦)، قلت: وقد تقدم لفظ أبى داود فى أول باب الوقف.
كالهبات، ولأن كل من لا تجوز له الوصية بالعين لا تجوز بالمنفعة كالأجسى فيما زاد على الثلث.
وأما خبر عمر: فإنه لم يخص بعض الورثة بوقفه، والنزاع إنما هو فى تخصيص بعضهم،
وأما جعل الولاية لحفصة فليس ذلك وقفًا عليها فلا يكون ذلك وارداً فى محل النزاع. ويحتمل أن
يحمل كلام أحمد فى رواية الجماعة على أنه وقف على جميع الورثة، ليكون على وفق حديث
عمر وعلى وفق الدليل الذى ذكرنا اهـ (٢٢٣:٦).
قلت: لم يفرق الدليل وهو قوله عَّهِ: ((لا وصية لوارث)) بين الوصية لبعض الورثة والرصية
لجميعهم، ولذلك لو أوصى لجميع ورثته بمنفعة عبد لم يجز كما اعترفت (!) به الموفق نفسه، فإن
كان الوقف فى المرض بمنزلة الوصية فى جميع الأحكام لزم بطلان وقف عمر على ورثته كلهم،
وإلا فالحق ما قاله أحمد فى رواية الميمونی: إن الوقف غير الوصية، لأنه لا يباع ولا يورث،
ولا يصير ملكًا للورثة.
ومذهب الحنفية فى الباب أن المريض إذا وقف على بعض ورثته دون بعض يجوز الوقف من
الثلث، ويقسم غلته على جميع ورثته على قدر مواريثهم عنه، فلو أن رجلا مريضًا جعل أرضًا له
صدقة موقوفة لله عز وجل أبدًا على ولده وولد ولده ما تناسلوا، ثم بعدهم على المساكين، وله
زوجة وأبوان، فإن كانت الأرض تخرج من الثلث أخرجت وكانت موقوفة تستغل، ثم تقسم
غلتها على جميع ورثته على قدر مواريشهم عنه، فللزوجة الثمن، وللأبوين السدسان، ويكون الباقى
من العلة بين ولده لصلبه؛ للذكر منهم حظ الأنثيين.
. هذا إدا لم يكن له ولد ولد، فإن كان له ولد لصلبه وولد ولد قسمت الغلة على عدد ولده
الصلبه، وعل عدد ولد ولده، فما أصاب ولده صلبه من ذلك قسم بين ورثته جميعًا على قدر
مواريثهم عنه من قبل أن هذه وصية، والوصية لا تجوز لوارث، فما أصاب الوارث من ولده قسم
بين جميع ورثته، وما كان يصيب من لا يرثه من ولد ولده سلم لهم، فإذا انقرض ولده لصلبه
قسمت الغلة بين ولد ولده ونسله على ما قال، ولا يكون لزوجته ولا لأبويه من ذلك شىء اهـ من
أحكام الأوقاف للخصاف ملخصًا (ص٢٤٥)، ولا يخفى أن ذلك أعدل الأقوال، وخير الأمور
(١) نص عليه فى المغنى (٢٢٣:٦).