النص المفهرس
صفحات 81-100
6 ج - ١٣ ٨١ باب جواز عقد الشركة غير المفاوضة بين المسلم والذمى ٤٤٧٢- عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله عَ ليه عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع أخرجه الجماعة إلا النسائى (زيلعى ٢٥٩:٢). ملكيهما فى المشترى، سواء كان الربح بينهما كذلك أو لم يكن، وسواء كانت الوضيعة لتلف أو نقصان فى الثمن عما اشتريا به أو غير ذلك، والوضيعة فى المضاربة على المال خاصة ليس على العامل منها شىء، لأن الوضيعة عبارة عن نقصان رأس المال، وهو مختص بملك ربه لا شىء للعامل فيه، فيكون نقصه من ماله دون غيره، وإنما يشتر كان فيما يحصل من النماء أهـ (١٤٨:٨). لا يجوز أن يجعل لأحد من الشركاء فضل دراهم معلومة قال: ولا يجوز أن يجعل لأحد من الشركاء فضل دراهم، وجملته أنه متى جعل نصيب أحد الشركاء دراهم معلومة أو جعل مع نصيبه دراهم مثل أن يشترط لنفسه جزءً وعشرة دراهم بطلت الشركة، قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على إبطال القراض إذا شرط أحدهما أو كلاهما لنفسه دراهم معلومة، وممن حفظنا عنه ذلك مالك والأوزاعى والشافعى وأبو ثور وأصحاب الرأى اهـ (١٤٨:٨). باب جواز عقد الشركة غير المفاوضة بين المسلم والذمی قوله: عن نافع إلخ قال ابن حزم: ومشاركة المسلم للذمى جائزة، لأنه لم يأت قرآن ولا سنة بالمنع من ذلك، وقد علمل رسول الله عَّ ه أهل خيبر وهم يهود بنصف ما يخرج منها على أن يعملوها بأموالهم وأنفسهم، فهذه شركة فى الثمن والزرع والغرس، وقد ابتاع رسول الله عَ ليه طعامًا من يهودى بالمدينة ورهنه درعه، فمات عليه السلام وهى رهن عنده، (رواه من طريق البخارى ٨٧:٨)، فهذه تجارة اليهود جائزة، ومعاملتهم جائزة، ومن خالف هذا فلا برهان له اهـ (١٢٥:٨). قلت: وقد أجاز علماؤنا مشاركة المسلم للذمى فى غير المفاوضة، لأن مبنى المفاوضة على تساوى الشريكين مالا وتصرفًا، ولا يخفى أن التساوى فى التصرف يستلزم التساوى فى الدين، لأن الكافر إذا اشترى خمراً أو خنزيرًا لا يقدر المسلم أن يبيعه وكالة من جهته، فيفوت شرط التساوى فى التصرف، ابن كمال (رد الكمال ٥٢١:٣). دليل جواز شركة المفاوضة: فإن قبيل: فمن أين اشتراط المساواة؟ قلنا: هذا أمر يرجع إلى مجرد الاصطلاح، وذلك أن الشركة فى صورة يكون الشريكان متساويى المال على وجه التفويض على العموم جائزة بلا مانع، ٨٢ جواز عقد الشركة غير المفاوضة بين المسلم والذمى إعلاء السنن ٤٤٧٣- عن عطاء قال: نهى رسول الله عَ ليه عن مشاركة اليهودى والنصرانى إلا أن يكون الشراء والبيع بيد المسلم رواه الخلال بإسناده (المغنى ١١٠:٥)، وهو مرسل. كما فى صورة عدم تساويهما، فقلنا: إن عقدا على الوجه الأول سمينا الشركة مفاوضة، وإلا سميناها عنانًا غير أنا اكتفينا بلفظ المفاوضة فى ثبوت الشرط المذكور لجعلنا إياه علما على تمام المساواة فى أمر الشركة، فإذا ذكراها تثبت أحكامها إقامة اللفظ مقام المعنى، بخلاف ما إذا لم يذكراها اهـ من "فتح القدير" (٣٨١:٥). قلت: ولا يشترط ذلك فى العنان، فتصح بين حر وعبد ومسلم وكافر. وأجاز أبو يوسف المفاوضة أيضًا مع اختلاف الملة مع الكراهة؛ لأن الكافر لا يهتدى إلى الجائز من العقود، كذا فى الشامية عن الزيلعى (٥٢١:٣)، وبهذا ظهر خطأ ابن حزم حيث عزا إلى الحنفية كراهة مشاركة المسلم للذمى مطلقًا، وإنما كرهوا ذلك فى المفاوضة دون سائر أنواع الشرك، فافهم. قوله: عن عطاء إلخ، قلت: وهذا والله أعلم على سبيل الاستحباب لترك معاملته، والكراهة لمشاركته تنزهًا، وإن فعل صح، لأن تصرفه صحيح، ومما يستأنس به لجواز مشاركة المسلم للذمى ما رواه البخارى وغيره، واللفظ له عن على رضى الله عنه قال: كانت لى شارف من نصيبى من المغنم يوم بدر، وكان النبى معَّ أعطانى شارفا من الخمس(١)، فلما أردت أن اأبتنى بفاطمة بنت (١) قال ابن بطال: ظاهره أن الخمس شرع يوم بدر، ولم يختلف أهل السير أن الخمس لم يكن يوم بدر، وإذا كان كذلك فيحتاج قول على إلى تأويل، فيحمل على الخمس الذى حصل من سرية عبد الله بن جحش، قال الحافظ فى "الفتح": ويعكر عليه أن فى الرواية الآتية فى المغازى: وكان النبى مَّ أعطانى مما أفاء الله عليه من الخمس يومئذ - أى يوم بدر-، ولم أقف على ما نقله عن أهل السير صريحًا فى أنه لم يكن فى غنائم بدر خمس، والعجب أنه يثبت فى غنيمة السرية التى قبل بدر الخمس، ويقول: إن الله رضى بذلك، وينفيه فى يوم بدر مع أن الأنفال التى فيها التصريح بفرض الخمس غالبها فى قصة بدر، وقد جزم الداودى الشارح بأن آية الخمس نزلت يوم بدر، وقال السبكى: نزلت الأنفال فى بدر وغنائمها، والذى يظهر أن آية قسمة الغنيمة نزلت بعد تفرقة الغنائم، لأن أهل السير نقلوا أنه مرّ قسمها على السواء، وأعطاها لمن شهد الوقعة أو غاب لعذر تكرما منه، لأن الغنيمة كانت أولا بنص أول سورة الأنفال للنبى منّ، (قلت: لم يكن له ملكا بل تصرفًا وقسمةً). قال: ويعكر على ما قال أهل السير حديث على يعنى حديث الباب، فإنه ظاهر فى أنه كان فينها خمس، قلت: ويحتمل أن تكون قسمة الغنائم يوم بدر وقعت على السواء بعد أن أخرج الخمس للنبى مرْ ، وأما ما نقله عن أهل السير فأخرجه ابن إسحاق بإسناد حسن يحتج بمثله عن عبادة، قال: فلما اختلفنا فى الغنيمة وساءت أخلاقنا انتزعها الله منا فجعلها لرسوله فقسمها على الناس عن سواء -أى على سواء- ساقه مطولا، وأخرجه أحمد والحاكم من طريقه، وصححه ابن حبان من وجه آخر ليس فيه ابن إسحاق اهـ (١٣٦:٦). قلت: وفيه تأييد لما قدمناه فى باب جواز شركة الأبدان من أن قسمة الغنائم يوم بدر على السواء محمول عندنا على قسمة أربعة الأخماس بعد إخراج الخمس للنبى معَّهِ، وما وعده لمن أسر الأسارى أو على ما أخذوه بغير قتال، فتذ کر. ثامنه. ٨٣ جواز عقد الشركة غير المفاوضة بين المسلم والذمى ج - ١٣ ٤٤٧٤- عن أبى جمرة عن ابن عباس أنه قال: لا تشار كن يهوديا ولا نصرانيا ولا مجوسيا، لأنهم يربون رواه الأثرم (المغنى ١١٠:٥)، ورواه البيهقى فى سننه (٣٣٥:٥) من طريق سعيد بن منصور ثنا هشيم عن أبى جمرة عن ابن عباس، وهذا سند حسن صحيح. رسول الله عَّ له واعدت رجلا صواغا من بنى قينقاع أن يرتحل معى فأتى بإذخر أردت أن أبيعه الصواغين وأستعين به فى وليمة عرسى الحديث. وفى لفظ له إنه قال: أصبت شارفا مع رسول الله عرّ ◌ُّ فى معنم يوم بدر قال: وأعطانى رسول الله عَّيه شارفا أخرى، فأنختهما عند باب رجل من الأنصار، وأنا أريد أن أحمل عليها إذخرا لأبيعه، ومعى صائغ من بنى قينقاع فأستعين به على وليمة فاطمة الحديث (٣١٩:١ و٢: ٥٧٠). فإن الظاهر المتبادر منه مشاركته لهذا الصائغ من بنى قينقاع، ويحتمل أن يكون أجیرا أخذه على معه لمعرفته بجيد الإذخر ورديه، فلا يراد به على الجنفية جواز شركة الأبدان فى · الاحتشاش والاصطياد ونحوهما من المباحات، فافهم. قوله: "عن أبى جمرة" إلخ، قلت: دلالته على كراهة مشاركة المسلم للذمى ظاهره، وهو محمول فى المفاوضة على التحريم، وفى غيرها من أنواع الشرك على التورع، وفيه رد على ابن حزم فى قوله: فهذه تجارة اليهود جائزة، ومعاملتهم جائزة، ومن خالف هذا فلا برهان له اهـ فإن قول الصحابى حجة عندنا لا سيما وقد تأيد بمرسل عطاء عن النبى معَ ◌ّ، فإن قيل: إن كان إرباء اليهود والنصارى مانعا عن مشاركتهم فليكن مانعا عن معاملتهم، وقد صح أن النبى عّ لّه عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها، وأنه ابتاع من يهودى طعاما، ورهنه درعه، قلت: إنما كان إرباؤهم مانعا عن مشاركتهم لكون الشريك وكيلا عن شريكه فى شركة العقود، ولا ينبغى للمسلم أن يربى أو يشترى الخمر والخنزير وكالة، كما يحرم له أن يعمل ذلك إصالة، ولا كذلك المعاملة والاشتراء منهم، فإن العامل لا يكون وكيلا عن صاحب الأرض فيما يعمل فيها بل هو عامل لنفسه، والشر کة إنما هی فیما يخرج منها، و كذا البائع لا يكون وكيلا للمشترى فيما يبيعه بل كل واحد منهما عامل لنفسه، فيجوز للمسلم أن یشتری من الذمی ما أخذه بالربا أو يأخذ منه فى ثمن المبيع ما اكتسبه من ثمن الخمر والخنزير ونحوهما مما هو مال عندهم، ومن هنا كره أصحابنا مشاركة المسلم للذمى فى شركة العقود، ولم يكرهوا معاملة الأرض معهم ولا البيع والاشتراء منهم، وقد خفى كل ذلك على ابن حزم فجعل يورد على الحنفية ما لا يرد عليهم، حيث قال: ٨٤ جواز عقد الشركة غير المفاوضة بين المسلم والذمى إعلاء السنن ٤٤٧٥- روينا عن إياس بن معاوية: لا بأس بمشاركة المسلم الذمى إذا كانت الدراهم عند المسلم وتولى العمل لها، رواه ابن حزم فى "المحلى" (١٢٥:٨). ٤٤٧٦- حدثنا الأنصارى محمد بن عبد الله عن إسرائيل عن إبراهيم بن عبد الأعلى عن سويد بن غفلة أن بلالا قال لعمر بن الخطاب: إن عمالك يأخذون الخمر والخنازير فى الخراج، فقال: لا تأخذوها منهم ولكن ولوهم بيعها، وخذوا أنتم من الثمن. رواه أبو عبيد فى الأموال (ص: ٥٠)، وسنده صحيح، كما تقدم فى باب الجزية والعشر. ومن عجائب الدنيا تجويز أبى حنيفة ومالك معاملة اليهود والنصارى وإن أعطوه دراهم الخمر والرباء ثم يكرهون مشاركته حيث لا يوقن بأنهم يعملون بما لا يحل، وهذا عجب جدا اهـ (١٢٥:٨) قلنا: إنما يتعجب من ذلك لا دراية له ولا فقه، وإلا فقد بينا ما هو الفرق بين المعاملة والمشاركة، فافهم. قوله: عن أياس بن معاوية إلخ، قلت: إذا كان الذمى ممنوعًا عن التصرف والعمل فى الشركة، بل كان المسلم هو الذى تولى العمل، فلا يكره مشاركة المسلم للذمى والحال هذه، ولا يخفى أن ذلك لا يتصور فى المفاوضة وإنما يكون فى العنان وغيرها من أنواع الشرك. قوله: حدثنا الأنصارى إلخ، ففيه دليل لأبى حنيقة ومن وافقه فى أنه يجوز للمسلم أن يأخذ من الذمى ما اكتسبه من ثمن الخمر والخنزير لقول عمر رضى الله عنه، ولكن ولوهم بيعها، وخذوا أنتم من الثمن، وفيه رد على ابن حزم فى قوله: ولا يحل للذمى من التصرف إلا ما يحل للمسلم أهـ (٨: ١٢٥) وفيه حجة لأبى حنيفة فى المسألة الخلافية التى ذكرها الموفق فى "المغنى" (١٦٢:٥)، ولفظه: وليس له أى للمضارب أن يشترى خمرا ولا خنزيراً سواءً كانا مسلمين أو كان أحدهما مسلما والآخر ذميا، فإن فعل فعليه الضمان، وبهذا قال الشافعى، وقال أبو حنيفة: إن كان العامل ذميا(١) صح شراؤه للخمر وبيعه إياها، لأن الملك عنده ينتقل إلى الوكيل، وحقوق العقد تتعلق به، وقال أبو يوسف ومحمد: يصح شراؤه إياها، لأن الملك فيها ينتقل إلى الوكيل ولا يصح بيعه، لأنه يبيع ما ليس بملك له ولا لموكله، ولنا أنه إن كان العامل مسلما فقد اشترى خمرا، ولا يصح أن يشترى خمرا ولا يبيعه وإن كان ذميا فقد اشترى للمسلم ما لا يصح أن يملكه ابتداء فلا يصح إلخ. (١) هذا إذا لم يمنعه من مثل هذا التصرف أو قال له: اعمل برأيك، وإن كان منعه منه ولم يطلق له فى العمل برأيه لم يصح شراؤه للخمر ولا بيعه، فإن فعل فعليه الضمان إجماعًا، فافهم. ٨٥ ج - ١٣ باب المضاربة وأحكامها ٤٤٧٧ - أخرج أبو نعيم فى دلائل النبوة (ص: ٥٤) من طريق ابن سعد عن الواقدى ثنا موسى بن شيبة عن عميرة بنت عبد الله بن كعب بن مالك عن أم سعد بن الربيع عن نفيسة بنت أمية أخت يعلى سمعتها تقول: لما بلغ رسول الله عَ ◌ّه خمسا وعشرين سنة وليس له بمكة اسم إلا الأمين لما تكاملت فيه من خصال الخير قال له أبو طالب: يا ابن أخى! هذه عير قومك قد حضر خروجها إلى الشام وخديجة بنت خويلد قلنا: لا نسلم أنه اشترى للمسلم بل اشتراها لنفسه، لأن الوكيل بالبيع والشراء ينتقل إليه الملك أولا، وإليه ترجع حقوق العقد، ثم ينتقل الملك إلى رب المال خلافة عن الوكيل، وقد دل أثر عمر رضى الله عنه على أنه يجوز للمسلم أن يأخذ من الذمى ما اكستبه من ثمن الخمر والخنزير ونحوهما مما هو مالى عنده وإن لم يكن مالا عندنا، وليس معناه جواز دفع المال إلى الكفار مضاربة، فقد صرح فى "المبسوط" بأنه يكره للمسلم أن يدفع إلى النصرانى مالا مضاربة، وهو جائز فى القضاء كما يكره أن يؤكل النصرانى بالتصرف فى ماله، وهذا لأن المباشر للتصرف ههنا النصرانى، وهو لا يتحرز عن الزيادة، أى الربا ولا يهتدى إلى الأسباب المفسدة للعقد، ولا يتحرز عنها اعتقادًا، وكذلك يتصرف فى الخمر والخنزير، ويكره للمسلم أن ينيب غيره منابه فى التصرف فيها ولكن هذه الكراهة ليست لعين المضاربة والوكالة فلا تمتنع صحتها فى القضاء اهـ (١٢٥:٢٢). فإن دفع المسلم إلى النصرانى مالا مضاربة، فاشترى به خمرا أو خنزيرا، فهل يصح تصرفه هذا؟ اختلف فيه، فقال أبو حنيفة: يصح شراءه وبيعه، وقال أبو يوسف ومحمد: يصح شراءه ولا يصح بيعه، وقال الجمهور بفساد مثل هذا التصرف مطلقا، فإن فعل فعليه الضمان، وعلى قول أبى حنيفة هل يجوز للمسلم أن يشاركه فى ثمن الخمر والخنزير فظاهر ما ذكروه فى باب العشر جواز مشاركته فى ثمن الخمر دون الخنزير، ومقتضى أثر عمر المذكور فى المتن جواز مشاركته فى ثمن كليهما وقد أشبعنا الكلام فى ذلك فى باب العشر من كتاب الجهاد فليراجع. والله أعلم بالصواب. باب المضاربة وأحكامها قوله: أخرج أبو نعيم إلخ، قال ابن حزم فى "المحلى": المضاربة وهى القراض كان فى الجاهلية، وكانت قريش أهل تجارة لا معاش لهم من غيرها، وفيهم الشيخ الكبير الذى لا يطيق السفر، والمرأة والصغير واليتيم، فكانوا ذووا الشغل والمرض يعطون المال مضاربةً لمن يتجر به بجزء سمى من الربح، فأقر رسول الله مَ ◌ّ ذلك فى الإسلام، وعمل به المسلمون عملا متيقنا لا خلاف ٨٦ المضاربة وأحكامها إعلاء السنن تبعث رجالا من قومك فى غيراتها فيتجرون لها ويصيبون منافع، فلو جئتها فعرضت نفسك عليها لأسرعت إليك وفضلتك على غيرك لما يبلغها من طهارتك، وكانت خديجة امرأة تاجرة ذات شرف ومال كثير وتجارة، وتبعث بها إلى الشام، وكانت تستأجر الرجل وتدفع إليه المال مضاربة، وكانت قريش قوما تجارا، من لم يكن تاجرا فليس عندهم بشىء، قال رسول الله عَ ليه: فلعلها أن ترسل إلى فى ذلك، قال أبو طالب: إنى أخاف أن تولى غيرك فتطلب أمرا مدبرا، فافترقا، فبلغ خديجة ما كان من محاورة عمه له، وقبل ذلك ما قد بلغها من صدق حديثه وعظم أمانته وكرم أخلاقه، فقالت: ما دريت أنه يريد هذا ثم أرسلت إليه، فقالت: إنه قد دعانى إلي البعثة إليك ما بلغنى من صدق حديثك وعظم أمانتك وكرم أخلاقك، وأنا أعطيك ضعف ما أعطى رجلا من قومك، ففعل رسول الله عَ ليه، فلقى أبا طالب، فقال له ذلك، فقال: إن هذا لرزق ساقه الله إليك، فخرج مع غلامها ميسرة حتى قدم الشام، فنزلا فى سوق بصرى فى ظل شجرة قريبا من صومعة راهب من الرهبان يقال له: "نسطورا"، فذكر قصة طويلة، وقال: وقدم رسول الله ع بله بتجارتها قد ربحت ضعف ما كانت تربح، وأضعفت له ما سمت له، الحديث مختصراً. فيه، ولو وجده فيه خلاف ما التقت إليه، لأنه نقل كافة بعد كافة إلى زمن رسول الله عَ لّه وعمله بذلك، وقد خرج عدّ فى قراض بمال خديجة رضى الله عنها اهـ (٢٤٧:٨). ثم اعلم أن صاحب "الهداية" ذكر المضاربة فى المجلد الثالث منها بعد كتاب الصلح، وذكر الحبيب متمم "الإعلاء" دلائلها الحديثية فى موضعها من الكتاب، وذ کرتها ههنا لمالها من الشبه بالشر کة استدراکا لما فاته من الدلائل والآثار، واتباعًا لترتيب صاحب "البدائع"، فإنه ذكر المضاربة بعد أبواب الشركة، ولنعم ما فعل. قال الموفق فى "المغنى": القسم الثالث -أى من الشركة- أن يشترك بدن ومال، وهذه المضاربة، وتسمى "قراضا" أيضا، ومعناها أن يدفع رجل ماله إلى آخر يتجر له فيه على أن ما حصل من الربح بينهما حسب ما يشترطانه، فأهل العراق يسمونه مضاربة، ويسميه أهل الحجاز القراض، وأجمع أهل العلم على جواز المضاربة فى الجملة، ذكره ابن المنذر، وروى عن حميد بن عبد الله عن أبيه عن جده أن عمر بن الخطاب أعطاه مال يتيم مضاربة يعمل به فى العراق (رواه البيهقى من ٨٧ المضاربة وأحكامها ج - ١٣ قلت: موسى بن شيبة قال أبو حاتم: صالح الحديث، روى عن عمومة أبيه خارجة، والنعمان وعميرة أولاد عبد الله بن كعب بن مالك الأنصارى السلمى المدنى، وعنه الواقدى وابن زيالة والحميدى وأحمد بن الحجاج (تهذيب ٣٤٩:١٠) وأم سعد بنت سعد بن الربيع زوجه زيد بن ثابت، ونفيسة بنت أمية ذكرهما الحافظ فى الصحابيات. (الإصابة ٢٠٠:٨ و٢٣٨) وذكر الحافظ فى "الإصابة" هذا الحديث فى ترجمة نسطورا، وجزم به ابن حزم كما سنذكره، فالحديث حسن صالح للاحتجاج به. طريق الشافعى فى كتاب اختلاف العراقيين أنه بلغه عن(١) حميد بن عبد الله بن عبيد الأنصارى عن أبيه عن جده به، ورواه ابن أبى شيبة عن وكيع وابن أبى زائدة عن عبد الله بن حميد بن عبيد عن أبيه عن جده أن عمر دفع إليه مال يتيم مضاربة (التلخيص الحبير ٢٥٤:٢). وروى مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عبد الله وعبيد الله ابنى عمر بن الخطاب رضى الله عنهم خرجا فى جيش العراق، فتسلفا من أبى موسى مالا وابتاعا به متاعًا، وقدما به إلى المدينة، فباعاه وربحا فيه فأراد عمر أخذ رأس المال والربح كله، فقالا: لو تلف كان ضمانه علينا، فلم لا يكون ربحه لنا؟ فقال رجل: يا أمير المؤمنين! لو جعلته قراضًا قال: قد جعلته، وأخذ منهما نصف الربح (قال الحافظ فى "التلخيص": إسناده صحيح)، وهذا يدل على جواز القراض، (قلت: وعلى جواز دفع مال بيت الأموال مضاربةً)، وعن مالك عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده أن عثمان قارضه، وعن قتادة عن الحسن أن عليا قال: إذا خالف المضارب فلا ضمان، هما على ما شرطا، وعن ابن مسعود وحكيم بن حزام أنهما قارضا، ولا مخالف لهما فى الصحابة، فحصل إجماعًا. قلت: أما ابن مسعود فذكره الشافعى فى كتاب اختلاف العراقيين عن أبى حنيفة عن حماد عن إبراهيم عنه أنه أعطى زيد بن خليدة مالا مقارضة، وأما حكيم بن حزام فقد ذكرناه فى المتن، وروى البيهقى عن جابر أنه سئل عن ذلك فقال: لا بأس بذلك، وفى إسناده ابن لهيعة، كذا فى "التلخيص" أيضًا (٢: ٢٥٥)، ولأن بالناس حاجة إلى المضاربة، فإن الدراهم والدنانير لا تنمى إلا بالتقليب والتجارة، وليس كل من يملكهما يحسن التجارة، ولا كل من يحسن التجارة له رأس مال، فاحتيج إليها من الجانبين، فشرعها الله تعالى لدفع الحاجتين أهـ (١٣٤:٨). (١) قلت: رواه الشافعى من طريق أبى حنيفة كما فى اختلاف العراقيين من "الأم" (٩٨:٧). ٨٨ المضاربة وأحكامها إعلاء السنن ٤٤٧٨- أخبرنى ابن وهب أن يونس بن يزيد أخبره عن ربيعة بن أبى عبد الرحمن أنه قال: المقارضة التى عليها أصل المقارضة أن تقارض من قارضته مالا على أن رأس مالك الذی یدفع إلینا عینا ما دفعت إليه من وزن ذلك، وضربه يبتغى فيه صاحبه ما ابتغى، ويدير ما أدار منه على ما يكون فيه من نفقة أو زكاة حتى إذا حضرت المحاسبة ونض القراض فما وجدت بيده أخذت منه رأس مالك، وما كان من ربح تقاسمتماه على ما تقارضتماه عليه من أجزاء الربح شطرين كان أو غيره، لا يحل لواحد منهما أن يضمن لصاحبه ربحا يأتيه به، ولا يحل قراض على الضمان. ٤٤٧٩- قال ابن وهب، وقال أنس بن عياض قال عبد العزيز بن أبى سلمة: القراض لا يكون إلا فى العين من الذهب والورق. ٤٤٨٠- وعن الحسن وابن سيرين أنهما قالا لا تكون مقارضة إلا بذهب أو فضة. ٤٤٨١- قال وكيع عن سفيان عن مغيرة عن إبراهيم أنه كره النبز مضاربة، أخرج هذه الآثار كلها سحنون فى "المدونة"، ورجالها ثقات. قوله: أخبرنى ابن وهب وهو الثانى من الباب إلخ، دلالته على تفسير المضاربة وبعض شروطه ظاهرة، قال ابن رشد فى "بداية المجتهد": ولاخلاف بين المسلمين فى جواز القراض، وأنه مما كان فى الجاهلية فأقره الإسلام، وأجمعوا على أن صفته أن يعطى الرجل الرجل المال على أن يتجر به على جزء معلوم يأخذه العامل من ربح المال أى جزء كان مما يتفقان عليه ثلثا أو ربعا أو نصفا، وإن هذا مستثنى من الإجارة المجهولة، وإن الرخصة فى ذلك لموضع الرفق بالناس، وإنه لا ضمان على العامل فيما تلف من رأس المال إذا لم يتعد، وإن كان اختلفوا فيما هو تعد مما ليس بتعد اهـ (١٤٣:٢). وقوله: ولا يحل لواحد منهما أن يضمن لصاحبه ربحا يأتيه به، معناه لا يحل أن يشرط أحدهما أو كلاهما لنفسه دراهم معلومة، وقد تقدم قول ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على إبطال القراض إذا شرط أحدهما أو كلاهما لنفسه دراهم معلومة، وممن حفظنا ذلك عنه مالك والأوزاعى والشافعى وأبو ثور وأصحاب الرأى اه من "المغنى" (١٤٨:٥). وقال ابن حزم: والقراض إنما هو بالدنانير. والدراهم، ولا يجوز بغير ذلك إلا أن يعطيه العرض فيأمره ببيعه بثمن محدود، وبأن يأخذ الثمن فيعمل به قراضًا، لأن هذا مجمع عليه، وما عداه مختلف فيه، ولا نص بإيجابه، ولا حكم لأحد فى ماله إلا بما أباحه له النص، وممن منع القراض بغير الدنانير والدراهم: الشافعى ومالك وأبو حنيفة وأبو سليمان وغيرهم اهـ (٢٤٧:٨). ج - ١٣ المضاربة وأحكامها ٨٩ ٤٤٨٢- قال سحنون: وأخبرنى ابن وهب عن ابن لهيعة عن خالد بن أبى عمران قال: سألت القاسم وسالما عن المقارضة والبضاعة يكون ذلك بشرط، فقالا: لا يصلح من أجل الشرط الذى كان فيه. ٤٤٨٣- قال: وأخبرنى يونس عن أبى الزناد أنه قال: لا يصلح أن تدفع إلى رجل مالا مضاربة وتشترط من الربح خاصة لك دونه ولو كان درهما واحدا، ولكن تشترط نصف الربح لك ونصفه له أو ثلثه لك وسه له، أو أكثر من ذلك، أو أقل ما دام له فى كل شىء منه شرك قليل أو كثير، فإن كل شىء من ذلك حلال، وهو قراض المسلمين، أخرجه سحنون فى "المدونة" (ص: ٤٨) أيضًا، وسنده حسن. ٤٤٨٤- قال ابن وهب: أخبرنى ابن لهيعة عن خالد بن أبى عمران أنه سأل القاسم وسالما عن المقارض أ يأكل من مال القراض ويركب أو من ماله؟ فقالا: يأكل ويكتسى، ويركب من القراض إذا كان ذلك فى سبب القراض، وفیما ینبغی له بالمعروف. وفى "بداية المجتهد": إنهم أجمعوا على جوازه بالدنانير والدراهم، واختلفوا فى العروض، فجمهور فقهاء الأمصار على أنه لا يجوز القراض بالعروض، وجوز ابن أبى ليلى، وأما إن كان رأس المال ما به يباع العروض فإن مالكا منعه والشافعى أيضًا، وأجازه أبو حنيفة اهـ (١٤٣:٢). قوله: قال سحنون: وهو الثالث من الباب إلخ، قلت: لم يرد إفساد القراض بالشرط مطلقا. بل ببعض الشروط، وهو مثل ما ذكره سحنون قبل ذكر الأثر بما نصه: قال ابن القاسم فى رجل دفع إلى رجل مالا والمدفوع إليه صائغ على أن يصوغ ويعمل، فما ربح فى المال فهو بينهما نصفان، واشترط صياغة يده فى المال، قال: قال مالك: لا خير فيه، فإن عمل رأيته أجيرا، وما كان فى المال من ربح أو وضيعة فلصاحب المال ثم ذكر الأثر، فهو محمول على مثل هذا الشرط الذى فيه إلزام عمل زائد على المضارب لا يقتضيه العقد، وفيه منفعة لرب المال، وسيأتى بيان الشروط فى المضاربة، وإنها تنقسم قسمين: صحيح وفاسد. قوله: قال ابن وهب وهو الرابع من الباب إلخ، قلت: فيه دلالة على أن للعامل نفقته من المال فى السفر دون الحضر لقولهسا: إذا كان ذلك أى الركوب فى سبب القراض، قال ابن رشد فى بداية المجتهد له: واختلفوا هل للعامل نفقته من المال المقارض عليه أم لا؟ على ثلاثة أقوال، فقال الشافعى فى أشهر أقواله: لا نفقة له أصلا إلا أن يأذن له ربه المال، وقال قوم: له نفقته، وبه قال ٩٠ المضاربة وأحكامها إعلاء السنن ٤٤٨٥- قال ابن وهب: وأخبرنى الليث عن يحيى بن سعيد أنه قال ذلك إذا كان المال يحمل ذلك ثم يقتسمان ما بقى بعد الزكاة والنفقة. ٤٤٨٦- وأخبرنى ابن وهب عن ابن لهيعة عن ربيعة بن أبى عبد الرحمن أنه كان يقول: لولا أن المقارض يأكل من المال ويكتسى لم يحل له القراض، أخرج الآثار كلها سحنون فى "المدونة" (٥:٤)، وأسانيدها حسان. ٤٤٨٧- ابن وهب عن ابن لهيعة، وحيوة بن شريح عن محمد بن عبد الرحمن إبراهيم النخعى والحسن، وهو أحد ما روى عن الشافعى، وقال آخرون: له النفقة فى السفر من طعامه وكسوته، وليس له شىء فى الحضر، وبه قال مالك وأبو حنيفة والثورى وجمهور العلماء إلا أن مالكا قال: إذا كان المال يحمل ذلك، (وهو قول يحيى بن سعيد، كما فى المتن). وروى عن الشافعى أن له نفقته فى المرض، والمشهور عنه مثل قول الجمهور إن لا نفقة له فى المرض، وحجة من لم يجزه -أى الطعام والكسوة مطلقًا- أن ذلك زيادة منفعة فى القراض فلم يجز، وحجة من أجازه أن عليه العمل فى الصدر الأول اهـ ملخصًا (٢: ١٤٦). قوله: وأخبرنى ابن وهب وهو الخامس من الباب إلخ، قلت: دلالته على استحقاق العامل نفقته فى المال ظاهرة، ومعناه أن المقارض لا بد له من أن يأكل، ويكتسى من مال القراض، فلو لم يجز له ذلك لم يحل له القراض لاضطراره إلى ما لا يحل له، والله تعالى أعلم. قال الموفق فى "المغنى": وإن سافر فى طريق آمن جاز، ونفقته فى مال نفسه، وبهذا قال ابن سيرين وحماد بن أبى سليمان، وهو ظاهر مذهب الشافعى، وقال الحسن والنخعى والأوزاعى ومالك وإأسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأى: ينفق من المال بالمعروف إذا شخص به عن البلد، لأن سفره لأجل المال فكانت نفقته منه كأجر الحمال اهـ (١٥٢:٥). وقال ابن وهب: وأخبرنى بشر ومسلمة أنهما سمعا الأوزاعى يقول: سألت رجلا من أهل العلم عن الرجل يأخذ المال مضاربة ما يصلح له أن يأكل منه؟ قال: مثل الذى يأكل فى أهله من غير إسراف، ولا يضر بنفسه، ولا يهدى منه هدية، ولا يصنع منه طعاما يدعو عليه، كذا فى "المدونة" (٥٠:٤). قوله: ابن وهب عن ابن لهيعة إلخ، دلالته على توقيت المضاربة بمدة، وتخصيصها بسلعة دون سعلة ومكان دون مكان ظاهرة، والأصل فى جواز قوله ◌ِّ له: ((المسلمون عند شروطهم))، صححه الترمذى كما ذكرناه فى كتاب الجهاد، قال الموفق فى "المغنى": والشروط فى المضاربة تنقسم قسمين: صحيح وفاسد، فالصحيح مثل أن يشترط على العامل أن لا يسافر بالمال، أو أن ٩١ ج - ١٣ المضاربة وأحكامها الاسدى -يتيم عروة- عن عروة بن الزبير عن حكيم بن حزام أنه كان يدفع المال مقارضة إلى الرجل، ويشترط عليه أن لا ينزل به بطن واد، ولا يبتاع به حيوانا، ولا يحمله فى بحر ولا يشترى بليل، فإن فعل شيئا من ذلك فقد ضمن المال، وان تعدى ضمن من فعل ذلك أخرجه سحنون فى "المدونة" (٤: ٦١)، وسنده صحيح، قال الحافظ فى "التلخيص" (٢: ٢٥٥) رواه البيهقى بسند قوى أنه كان يدفع المال مضاربة إلى أجل ويشترط عليه، فذكر نحوه، زاد ابن وهب فى حديثه: وكان السبعة يقولون ذلك، وهم سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والقاسم بن محمد وخارجة بن زيد بن ثابت وعبيد الله بن عبد الله وسليمان بن يسار وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام مع مشيخة سواهم أهل فضل وفقه اهـ، كذا فى "المدونة" أيضا. يسافر به أو لا يتجر إلا فى بلد بعينه أو نوع بعينه أو لا يشترى إلا من رجل بعينه، فهذا صحيح كله سواء كان النوع مما يعم وجوده أو لا يعم، والرجل ممن يكثر عنده المتاع أو يقل، وبهذا قال أبو حنيفة: وقال مالك والشافعى: إذا شرط أن لا يشترى إلا من رجل بعينه أو سلعة بعينها أو ما لا يعم وجوده كالياقوت الأحمر والخيل البلق لم يصح، لأنه يمنع مقصود المضاربة، وهو التقليب وطلب الربح فلم يصح، كما لو اشترط أن لا يبيع ويشترى إلا من فلان أو أن لا يبيع إلا بمثل ما اشترى به. ولنا أنها مضاربة خاصة لا تمنع الربح بالكلية فصحت كما لو شرط أن لا يتجر إلا فى نوع يعم وجوده، ولأنه عقد يصح تخصيصه بنوع فصح تخصيصه فى رجل بعينه وسلعة بعينها كالوكالة، وقولهم: إنه يمنع المقصود ممنوع، وإنما يقلله وتقليله لا يمنع الصحة كتخصيصه بالنوع، ويفارق ما إذا شرط أن لا يبيع إلا برأس المال، فإنه يمنع الربح بالكلية، وكذلك إذا قال: لا تبع إلا من فلان، ولا تستر إلا منه؛ فإنه يمنع الربح، ولهذا لو قال: لا تبع إلا ممن اشتريت منه لم يصح لذلك، قال: ويصح تأقيت المضاربة مثل أن يقول: ضاربتك على هذه الدراهم سنة، فإذا انقضت فلا تبع ولا تشتر، وقال أبو الخطاب: فى صحة شرط التأقيت روايتان: إحداهما: هو صحيح، وهو قول أبى حنيفة، والثانية: لا يصح، وهو قول الشافعى ومالك، ولنا أنه تصرف يتوقت بنوع من المتاع فجاز توقيته فى الزمان كالوكالة اهـ (١٨٥:٥ و١٨٦). قلت: وأثر حكيم بن حزام هذا نص فى موضع النزاع، فإنه كان يشترط على المضارب أن لا ينزل بماله بطن واد، ولا يبتاع به حيوانا، ولا يحمله فى بحر، ولا يشترى بليل، وفيه توقيت بما عدا الحيوان وبالبر والنهار، ولفظ البيهقى يدل على توقيته بالأجل أيضًا، وفى كل ذلك دليل لما ذهبنا إليه، والله تعالى أعلم. ٩٢ إعلاء السنن المضاربة وأحكامها ٤٤٨٨- سحنون عن ابن وهب قال: أخبرنى رجال من أهل العلم عن عطاء بن أبى رباح ويحيى بن سعيد وربيعة أبى عبد الرحمن ونافع أنهم قالوا: إذا خالف ما أمره به فهلك ضمن، وإن ربح فلهم، قال يحيى بن سعيد: قد كان الناس يشترطون على من قارضوا مثل هذا، وقال عطاء بن أبى رباح: الربح بينك وبينه، لأنه عصى ما قارضته عليه، والضمان عليه، كذا فى "المدونة" (٦٢:٢). قوله: سحنون عن ابن وهب إلخ، وهو السابع من الباب، قال فى "الهداية": وإن خص له رب المال التصرف فى بلد بعينه أو فى سلعة بعينها لم يجز له أن يتجاوزها، فإن خرج إلى غير تلك البلدة فاشترى ضمن وكان ذلك له وله ربحه، لأنه تصرف بغير أمره، (فلا يكون وكيلا فى التصرف بل غاصبا) (٢٤٤:٣). قلت: أما كون المضارب ضامنًا فقد قال به من ذكرناهم من التابعين الفقهاء، وأما كون المشترى رب المال له وله ربحه فقد خالفناهم فى ذلك، وأخذنا بقول النخعى فيه، قال الموفق فى "المغنى" فى أحكام المضاربة الفاسدة: إن الربح جميعه لرب المال، لأنه نماء ماله، وإنما يستحق العامل بالشرط فإذا فسدب المضاربة فسد الشرط، فلم يستحق منه شيئًا، وكان له أجر مثله، نص عليه أحمد وهو مذهب الشافعى، واختار الشريف أبو جعفر أن الربح بينهما على ما شرطاه، قال القاضى أيو يعلى: والمذهب ما حكينا اهـ (١٨٨:٥). وفى "المبسوط" للسرخسى: ولو قال: على أن ما رزق الله تعالى فى شىء من ذلك فللمضارب من ذلك مائة درهم، فهذه مضارية فاسدة، فإن عمل ذلك فربح مالا أو لم يربح شيئًا فله أجر مثله فيما عمل، وليس له من الربح شىءٍ، لأن استحقاق الشركة فى الربح بعقد المضاربة، والعقد الفاسد لا يكون بنفسه سببا للاستحقاق، وإنما يستوجب أجر المثل، كما فى الإجارة الفاسدة، ولو تلف المال فى يده فله أجر مثله فيما عمل ولا ضمان عليه، ذكر ابن سماعة عن محمد أنه ضامن للمال اهـ (٢٢:٢٢). هذا هو حكم الشركة الفاسدة قد اتفقت الحنابلة والحنفية فيه، وأما مخالفة المضارب لرب المال فيما شرطه عليه فحكمه عند الحنابلة ما فى "المغنى": وإذا تعدى المضارب وفعل ما ليس له فعله أو اشترى شيئًا نهى عن شرائه فهو ضامن للمال فى قول أكثر أهل العلم، روى ذلك عن أبى هريرة وحكيم بن حزام وأبى قلابة ونافع وإياس والشعبى والنخعى والحكم وحماد ومالك والشافعى وإسحاق وأصحاب الرأى، وعن على: لا ضمان على من شورك فى الربح، وروى معنى ٩٣ ج - ١٣ المضاربة وأحكامها ٤٤٨٩- سحنون عن ابن وهب عن الليث بن سعد ويحيى بن أيوب عن يحيى بن سعيد أنه قال فى رجل كان قبله مال قراض وعليه دين فأخذه غرماؤه فقال يحيى: ذلك عن الحسن والزهرى، ومتى اشترى ما لم يؤذن فيه فربح فيه مالربح لرب المال، نص عليه أحمد، وبه قال أبو قلابة ونافع وعن أحمد أنهما يتصدقان بالربح وبه قال الشعبى والنخعى والحكم وحماد، قال القاضى: قول أحمد يتصدقان بالربح على سبيل الورع، وهو لرب المال فى القضاء. وقال إياس بن معاوية ومالك: الربح على ما شرطاه، والمذهب الأول نص عليه أحمد، فأما المضارب ففيه روايتان: إحداهما لا شىء له، والثانية له أجر، وفى قدر الأجر روايتان: إحداهما أجر مثله - بالغا ما بلغ - والثانية: له الأقل من المسمى، أو أجر المثل اهد ملخصا (١٦٥:٥ و١٦٦). وعند الحنفية ما فى "البدائع": إذا دفع إلى رجل منا لا مضاربة على أن يعمل به فى الكوفة فليس له أن يعمل فى غيرها، وإن أخرجها من الكوفة فإن اشترى وباع ضمن، لأنه تتصرف لا على الوجه المأذون، فصار فيه مخالفًا فيضمن، وكان المشترى لنفسه، له ربحه، وعليه وضيعته، لكن لا يطيب له الربح عند أبى حنيفة ومحمد، وعند أبى يوسف يطيب اهـ (٩٨:٦). قلت: أما قول مالك وأياس: إن الربح على ما شرطاه، فلم نذهب إليه لقول على رضى الله عنه: ليس على من قاسم الربح ضمان، ذكره فى "المبسوط" (٢٢:٢٠) فلا يصح القول باشتراكهما فى الربح مع إيجاب الضمان على المضارب، وكذا لا يصح كون الربح لرب المال كما قاله أحمد، لأن استحقاق الربح إنما هو بالضمان، فلما خرج المال عن ضمان رب المال وضمنه المضارب لمخالفة ما أمر به بطل حق رب المال فى ربحه، وكان المضارب مشتريا لنفسه له ربحه وعليه وضيعته، فقد صح عن النبى معَّ أنه قال: ((إنما الخراج بالضمان)) ومعناه أن الربح يستحقه من كان المال فى ضمانه، وصح عنه عَّ ((أنه نهى عن ربح ما لم يضمن)) (التلخيص الحبير ٢٣٨:٢ و٢٤١)، قال محمد فى "الحجج" له: بلغنا عن رسول الله عّ لّله ((أنه نهى عن ربح ما لم يضمن)) فهذا المال فى ضمان المقارض لرب المال، فكيف يكون ربحيه لرب المال، إنما يكون ربحه للذى يضمنه، ثم ذكر أثر إبراهيم النخعى وهو العاشر من الباب، وقال: فكذلك نقول إذا خالق فى شىء مما أمره به أو شىء مما نهاه عنه ضمن، وكان له الريح إلا أنه يعجبنا أن يتصدق به ولا يأكله اهـ (ص٢٦٦). قوله: سحنون عن ابن وهب عن الليث إلخ، وهو الثامن من الباب، قلت: وهو قولنا معشر الحنفية، فقد قال فى "المبسوط": وعن الشعبى رحمه الله أنه سئل عن رجل دفع إلى رجل أربعة ٩٤ المضاربة وأحكامها إعلاء السنن صاحب القراض إن عرف ماله فهو أولى به. قال يحيى بن أيوب: قال يحيى بن سعيد: وإن لم يعرف ماله بعينه فتقوم عليه بينة فهو أسوة الغرماء كذا فى المدونة أيضا (٦٩:٤). ٤٤٩٠- عن الزهرى أنه سئل عن الرجل يكون شريكا لابنه فى مال فيقول أبوه: لك مائة دينار من المال الذى بينى وبينك قال: قضى أبو بكر وعمر أنه لا يجوز حتى يحرزه من المال ويعز له أخرجه عبد الرزاق وابن أبى شيبة وابن ماجه (كنز العمال ٧٠٤). آلاف درهم مضاربة فخرج بها إلى خراسان، وأشهد عند خروجه أن هذا المال مال صاحب أربعة آلاف ليس لأحد فيها حق، ثم أقبل فتوفی فی الطریق، فأشهد عند موته أيضًا بذلك، ثم إن رجلا جاء بصك فيه ألف مثقال مضاربةً مع هذا الرجل له بها بيعة وهى قبل أربعة آلاف بأحد وعشرين سنة، فقال عامر رحمه الله: أشهد فى حياته وعند موته أن المال لصاحب أربعة آلاف، وبه نأخذ، فإن حق الآخر صار دینًا فى ذمته بتجهیله عند موته. حق الغريم يتعلق بتركة الميت لا بما فى يده من الأمانة: وقد بينا أن حق الغريم يتعلق بتركة الميت لا بما فى يده من الأمانة، وإنما أفتى الشعبى بهذا لإقراره بالعين فى حال صحته لا لإقراره عند موته اهـ ملخصًا (٢٠:٢٢) وفيه أيضا (١٩:٢٢) عن إبراهيم النخعى مثله. قال السرخسى: والمراد مضاربة أو وديعة غير معينة، فالأمين بالتجهل يصير ضامنا، وما كان معينا معلوما فصاحبه أحق به إلخ، وفى "البدائع": ولو مات المضارب ولم يوجد مال المضاربة فيما خلف فإنه يعود دينا فيما حلف المضارب، وكذا المودع والمستعير والمسبضع وكل من كان المال فى يده أمانة إذا مات قبل البيان ولا تعرف الأمانة بعينها، فإنه یکون علیه دينا فی تر کته، لأنه صار بالتجھیل مستهلكا للودیعة، ولا تصدق ورثته على الهلاك والتسلیم إلى رب المال، ولو عين الميت المال فى حال حياته أو علم ذلك أمانة فى يد وصيه أو فى يد وارثه كما كان فى يده، والله عز وجل أعلم اهـ (١١٥:٦). لا يجوز الهبة مشاعا: قوله: عن الزهرى إلخ، قلت: هذه مسألة هبة المشاع موضع بيانها كتاب الهبة إن شاء الله تعالى، وإنما ذكرتبها ههنا لما له من الشبه بباب الشركة، فلا يجوز لأحد الشريكين أن يهب شيئا من الربح لشريكه أو لرجل آخر سواه حتى يحرزه من المال، ويعزله بالقسمة وهذا إذا كان الربح مما لا يتعين بالتعيين كالدراهم والدنانير، وأما إن كان من العروض كجارية اشتراها من مال المضاربة وأذن له رب المال فى التسرى بها جاز له وطئها، وخرج ثمنها من المضاربة، وصار فرضًا فى ذمته، ٩٥ ج - ١٣ المضاربة وأحكامها ٤٤٩١- محمد قال: أخبرنا خالد بن عبد الله عن المغيرة الضبى عن إبراهيم النخعى فى رجل دفع إلى رجل مالا مضاربة، ونهاه عن النسيئة، فقال: إن شاء ضمن لأن استباحة البضع لا تحصل إلا بملكه، كذا فى "المغنى" (١٥٩.٥). هذا إذا أذن له بالتسرى بها من غير هبة، وإذا وهبها له صحت الهبة، وخرج ثمنها من المضاربة، ولم يصر دينا فى ذمته؟ والله تعالى أعلم. قوله: محمد قال أخبرنا إلخ دلالته على كون المضارب ضامنا لرب المال فى المخالفة، وكون الربح للمضارب، وأنه يتصدق به ظاهرة، وقد استوفينا الكلام فيه، فتذكر. فروع المضاربة وأكثرها مما أجمع عليه: فائدة: قال الموفق فى "المغنى": إن المضارب وغيره من الشركاء إذا نص له على التصرف فقال: نقدًا أو نسيئة أو قال: بنقد البلد أو ذكر نقدا غيره جاز، ولم تجز مخالفته، لأنه متصرف بالإذن فلا يتصرف فى غير ما أذن له فيه كالوكيل، وقد يطلب بذلك الفائدة فى العادة، وإن أطلق فلا خلاف فى جواز البيع حالا وفى البيع نسيئة روايتان: إحداهما ليس له ذلك، وهو قول مالك وابن أبى ليلى والشافعى. والثانية أنه يجوز له البيع نسأ، وهو قول أبى حنيفة واختيار ابن عقيل، لأن إذنه فى التجارة والمضاربة ينصرف إلى التجارة المعتادة، وهذا عادة التجار، ولأنه يقصد به الربح والربح فى النسأ أكثر، وإن قال له: اعمل برأيك فله البيع النسا، وكذلك إذا قال له: تصرف كيف شئت، وقال الشافعى: ليس له البيع نسأ فى الموضعين، لأن فيه غررا فلم يجز، ولنا أنه داخل فى عموم لفظه، وقرينة حاله تدل على رضائه برأيه فى صفات البيع وفى أنواع التجارة، وهذا منها اهـ (١٥٠:٥). قال: وليس له السفر بالمال فى أحد الوجهين، وهو مذهب الشافعى، لأنه فى السفر تعزيرا بالمال وخطرا، والوجه الثانى: له السفر به إذا لم يكن مخوفًا، قال القاضى: قياس المذهب جوازه بناء على السفر بالوديعة، وهذا قول مالك، ويحكى عن أبى حنيفة (وروى أصحاب الإملاء عن أبى يوسف عنه كقول الشافعى كما فى "المبسوط" لأن الإذن المطلق ينصرف إلى ما جرت به العادة، والعادة جارية بالتجارة سفرًا وحضرًا، فأما إن أذن له فى السفر أو نهى عنه أو وجدت قرينة دالة على أحد الأمرين تعين ذلك، وثبت ما أمر به، وحرم ما نهى عنه، وليس له السفر فى موضع مخوف على الوجهين، وكذلك لو أذن له فى السفر مطلقًا، فإن فعل فهو ضامن لما يتلف لأنه متعد بفعل ما ليس له فعله اهـ (١٥٢:٥) ٦٠ المضاربة وأحكامها إعلاء السنن وتصدق بربحه، أخرجه فى كتاب الحجج له. (ص: ٢٦٢) وخالد بن عبد الله هو قال: وإن أذن رب المال فى دفع المال مضاربة جاز ذلك، نص عليه أحمد، ولا نعلم فيه خلافًا اهـ (١٦١:٥). قلت: وإذا لم يأذن له بذلك صريحًا، فليس له دفع المال إلى آخر مضاربة، لأن الشىء لا يتضمن مثله إلا أن يقول له: اعمل برأيك (هدايه ٢٤٢:٣). قال: وليس له أن يخلط مال المضاربة بماله، فإن فعل ولم يتميز ضمنه لأنه أمانة، فإن قال له: اعمل برأيك جاز له ذلك، وهو قول مالك والثورى وأصحاب الرأى وقال الشافعى: ليس له ذلك وعليه الضمان إن فعله اهـ (١٦٢:٥). قال: وليس للمضارب ربح حتى يستوفى رأس المال، لأن معنى الربح هو الفاضل عن رأس المال، وما لم يفضل فليس بربح، ولا نعلم فى هذا خلافًا (١٦٩:٥) .. قال: وإن الربح إذا ظهر فى المضاربة لم يجز للمضارب أخذ شىء نه بغير إذن رب المال، لا نعلم فى هذا خلافًا بين أهل العلم اهـ (١٧٨:٥). قال ابن المنذر: إذا اقتسما الربح ولم يقبض رب المال رأس ماله فأكثر أهل العلم يقولون برد العامل الربح حتى يستوفى رب المال ماله اهـ (١٧٩:٥). قال: ومتى شرط على المضارب ضمان المال أو سهما من الوضيعة فالشرط باطل لا نعلم فيه خلافًا، والعقد صحيح نص عليه أحمد، وهو قول أبى حنيفة ومالك، وروى عن أحمد: يفسد العقد به، وحكى ذلك عن الشافعى اهـ (١٨٣:٥). قال: ولا يجوز أن يقال لمن عليه دين: ضارب بالدين الذى عليك، نص أحمد على هذا، وهو قول أكثر أهل العلم، ولا نعلم فيه مخالفًا، قال ابن المنذر: أجمع كل من تحفظ عنه من أهل العلم أنه لا يجوز أن يجعل الرجل دينا له على رجل مضاربة، وممن حفظنا ذلك عنه عطاء والحكم وحماد والثورى وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأى وبه قال الشافعى اهـ. قال: وإن قال لرجل: اقيص المال الذى على فلان واعمل به مضاربة فقبضه وعمل به جاز فى قولهم جميعًا، ويكون وكيلا فى قبضه مؤتمنا عليه اهـ (٥: ١٩٠). قال: وإن كان فى يده وديعةُ جاز أن يقول: ضارب بها، وبهذا قال الشافعى وأبو ثور وأصحاب الرأى، وقال الحسن: لا يجوز حتى يقبضها منه قياسًا على الدين، ولنا أن ٩٧ ج - ١٣ المضاربة وأحكامها الطحان الواسطى ثقة من رجال الجماعة (تقريب ص: ٥٠). الوديعة ملك رب المال فجاز أن يضاربه عليها، وفارق الدين، فإنه لا يصير ملكًا للغريم إلا بقبضه، ولو كانت الوديعة قد تلفت بتفريطه وصارت فى الذمة لم يجز أن يضاربه عليها، لأنها صارت دينا اهـ (١٩٢:٥). قال: والعامل أمين فى مال المضاربة؛ لأنه متصرف بالإذن لا يختص بنفعه، فكان أمينا كالوكيل، وفارق المستعير فإنه قبضه لمنفعته خاصة، فعلى هذا القول قوله فى قدر رأس المال، قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنهم من أهل العلم أن القول قول العامل فى قدر رأس المال، كذا قال الثورى وإسحاق وأصحاب الرأى وبه نقول، وكذلك القول قوله فيما يدعيه من تلف المال أو خسارة فيه، وما يدعى عليه من خيانة وتفريط، وفى ما يدعى أنه اشتراه لنفسه أو للمضاربة، لأن الاختلاف ههنا فى نيته، وهو أعلم بما نواه لا يطلع على ذلك أحد سواه، كما لو اختلف الزوجان فى نية الزوج بكناية الطلاق، ولو اشترى عبدا فقال رب المال: كنت نهيتك عن شرائه فأنكر العامل فالقول قوله، لأن الأصل عدم النهى، وهذا كله لا نعلم فيه خلافاً اهـ (١٩٢:٥). وفى "المبسوط" للسرخسى عن الشعبى رحمه الله أنه سئل عن رجل أخذ مالا مضاربة فأنفق فى مضاربته خمسمائة ثم ربح، قال: يتم رأس المال من الربح، وبه أخذنا فقلنا: للمضارب أن ينفق من مال المضاربة إذا سافر به، لأن سفره كان لأجل العمل فى المضاربة فيستوجب النفقة فيه، وقلنا: الربح لا يظهر ما لم يسلم جميع رأس المال لرب المال لأن الربح اسم للفضل اهـ (٢٠:٢٢). للوصى أن يعطى مال اليتيم مضاربة: وفيه أيضًا عن إبراهيم النخعى قال فى الوصى: يعطى مال اليتيم مضاربة، وإن شاء أبضعه، وإن شاء اتجر إلى غير ذلك وكان خيرا لليتيم فعل، لقوله تعالى: ﴿قل إصلاح لهم خير﴾ والأصلح فى حقه أن يتجر به » قال ◌َ له: ((ابتعوا فى أموال اليتامى خيرا كيلا تأكلها الصدقة - يعنى النفقة-)) اهـ" (١٩:٢٢). قلت: وقد تقدم عن عمر رضى الله عنه أنه أعطى رجلا مال يتيم مقارضة، هذا وأحكام المضاربة مبسوطة فى كتب الفقه، فلا نشتغل بالتطويل بها، لأن موضوع الكتاب الكلام على ما يتعلق بالحديث أو ثبت بآثار الصحابة والتابعين أو أجمع عليه فقهاء الصحابة والتابعين، وقد أتينا على القدر الضرورى منه، وبينا دلائل الحنفية فيما ذهبوا إليه من مسائلها المشهورة بالأحاديث والآثار والإجماع، ولنشرع بعد ذلك فى أبواب الوقف بعون الله تعالى وتوفيقه. ١٨ إعلاء السنن كتاب الوقف باب مشروعية الوقف وأنه لا يباع ولا يورث ولا يوهب ٤٤٩٢- عن أبى هريرة أن النبى عّ لّه قال: ((إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من كتاب الوقف باب مشروعية الوقف وأنه لا يباع ولا يورث ولا يوهب قوله: عن أبى هريرة إلخ فيه دليل على أن ثواب هذه الأشياء الثلاثة لا ينقطع بالموت، والصدقة الجارية هى الوقف، وفيه الإرشاد إلى فضيلة الوقف، وإنه مشروع مندوب إليه فافهم، قال الموفق فى "المغنى": الوقف مستحب، ومعناه: تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة، والأصل فيه ما روى عبد الله بن عمر قال: أصاب عمر أرضا بخيير فذكر ثانى الباب متفق عليه، وروى عن النبى معدّ ل أنه قال: إذا مات ابن آدم فذكر حديث المتن، قال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح، وأكثر أهل لعلم من السلف ومن بعدهم على القول بصحة الوقف، قال جابر: لم يكن أحد من أصحاب لنبى معَّ له ذو مقدرة إلا وقف اهـ (١٨٥:٦). قلت: لا نعلم خلافا فى صحته، وإنما الخلاف فى لزومه بمجرد قوله: وقفت هذا واحتج من ذهب إلى لزوم الوقف مطلقا بقوله مرّ له: وصدقة جارية، على خروجه من ملك الواقف ولزومه وقفًا. قلنا: لا نزاع فى الوقف الذى يكون صدقةً جاريةً لله تعالى خالصًا كبناء المساجد، فإن الناس جمیعًا أجمعوا علیه، وهو الأصل فى وقف الأرض و ﴿أولبيت وضع للناس للذی بیکة مبار کا وهدى للعالمين، فيه آيات بينات مقام إبراهيم﴾ فتلك البقعة -أعنى الكعبة المكرمة- لله تعالى خالصة متحرزة عن ملك العباد، فألحقنا سائر المساجد بها، وكذا بناء الخانات للسبيل، وعمارة السقايات للمسلمين، وبناء الدور فى الثغور تنزلها الغزاة، وكذلك بناء الدور بمكة ينزلها الحاج، وكذلك جعل داره أو بعضها طريقًا للمسلمين، فليس للواقف الرجوع فى شىء من ذلك ولا رده إلى ملكه، وهذه الأشياء خارجة عن أملاك مالكيها إلى السبل التى جعلوها فيها إجماعاً من غير خلاف، فهذه الأشياء قد صارت أصولها فيما جعلت له، وإنما النزاع فى وقوف يتصدق الواقف بثمرتها وبما يخرج من غلتها ويحبس أصولها، كما دل عليه كلام الخصاف فى مقدمة كتاب الأوقاف له (ص١٨). وقال الحافظ فى "الفتح" فى باب وقف الأرض للمسجد: لم يختلف العلماء فى مشروعية ذلك لا من أنكر الوقف، ولا من نفاه اهـ (٣٠٣:٥). ٩٩ مشروعية الوقف وأنه لا يباع ولا يورث ولا يوهب ج - ١٣ ثلاثة أشياء: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)). رواه الجماعة تنقيح قول الإمام أبى حنيفة رحمه الله فى الوقف: وقد احتلف كلام علمائنا فى تنقيح مذهب أبى حنيفة رحمه الله فى باب الوقف، فظن بعضهم أنه غير جائز عنده بعد اتفاقهم على أن اتخاذ المسجد يصح ويلزم بالاتفاق، وقال بعضهم: إن مراده أنه لا يجعله لازما، فأما أصل الجواز ثابت عنده، لأنه يجعل الواقف حابسًا للعين على ملكه صارفا للمنفعة إلى الجهة التى سماها، فيكون بمنزلة العارية، والعارية جائزة غير لازمة، كما فى "المبسوط" (٨٨,٨٧:١٢). والحق أن الوقف ينقسم قسمين: أحدهما ما تصدق الواقف بأصله، كأرض جعلها مسجدا أو مقبرة أو خانا للمارة أو منزلا للغزاة أو مسكنا للحاج، والثانى ما تصدق الواقف بمنفعته دون أصله، فالأول لا نزاع فى صحته ولزومه، وقول أبى حنيفة فيه كقول الجمهور، والثانى لا نزاع فى جواز فى حق وجوب التصدق بالفرع ما دام الواقف حيا، حتى إن من وقف غلة داره أو أرضه على مسجد أو على الفقراء يلزمه التصدق بغلة الدار والأرض، ويكون ذلك بمنزلة النذر بالتصدق بالغلة، ولا خلاف أيضًا فى جوازه فى حق زوال ملك الرقبة إذا اتصل به حكم الحاكم، أو أضافه إلى ما بعد الموت بأن قال: إذا مت فقد جعلت دارى أو أرضى وقفًا على كذا، أو قال: هو وقف فى حياتى صدقة بعد وفاتى، كما فى (١) "البدائع" (٢١٨:٦). والنزاع إنما هو فى وقف لم يتصدق الواقف بأصله بل حبس أصله، وتصدق بثمرته ومنفعته على نفسه أو ولده وولد ولده وعلى الفقراء بعدهم أو تصدق بها على الفقراء ابتداءً ولم يضفه إلى ما بعد الموت، ولم يصرح بكونه وقفًا مؤبدًا، ولا حكم حاكم بصحته، فهذا لا يكون لازمًا عند أبى حنيفة رحمه الله حتى كان للواقف بيعه وهبته، وإذا مات يصير ميراثًا، وقال أبو يوسف ومحمد وعامة العلماء بجواز ذلك ولزومه أيضًا حتى لا يباع ولا يوهب ولا يورث، هذا هو تنقيح قول أبى حنيفة على ظاهر الرواية، وكلام محمد فى الحجج له يدل على أن أبا حنيفة إنما كان ينكر الحبس على الولد وولد الولد ومن لا يجوز له وصيته. (١) قلت: وأما تفرقة صاحب "البدائع" بين جعل الأرض مسجدًا وجعلها مقبرةً أو رباطا أو خانا للمجتازين أو سقاية للمسلمين فعزى إلى أبى حنيفة القول باللزوم فى الأول دون الثانى، فخلاف ما يشعر به كلام الخصاف من كونها سواء فى اللزوم عنده لكون الثانى ملحقا بالأول فى التصدق بالأصل، وأبو حنيفة إنما أنكر اللزوم فيما لم يتصدق بأصله بل بمنفعته وثمرته فقط إلا إذا أضافه إلى ما بعد الموت أو اتصل به حكم الحاكم، والخصاف أقدم وأعلم من صاحب البدائع فالقول قوله، والله تعالى أعلم. ١٠٠ مشروعية الوقف وأنه لا يباع ولا يورث ولا يوهب إعلاء السنن إلا البخارى وابن ماجه (نيل الأوطار ٢٦:٥). وأما الحبس الذى هو صدقة على الفقراء والمساكين يتصدق بغلته عليهم فى حياة الواقف وبعد موته، فلم يكن ينكره، بل قوله فيه كقول سائر العلماء، قال محمد فى الرد على أهل المدينة ما نصه: وقد جاءت فى الحبس آثار كثيرة على ما قال أبو حنيفة، ولا نعلم أن لكم فى الحبس أثرًاً واحدًا، قالوا: قد جاءت الآثار عن على وعمر وابن عمر وزيد بن ثابت أنهم حبسوا أراضيهم، قيل لهم: إنما كان حبس القوم صدقات لهم على الفقراء والمساكين يتصدقون بغلتها فى حياتهم وبعد موتهم، وهذا عندنا جائز أيضًا، من جعل غلة أرضه صدقة فى حياته وبعد موته أجزنا له ذلك بعد موته، کما یجیزه غيره. فأما الحبس على الولد وولد الولد ومن لا يجوز له وصيته فهاتوا فى ذلك حديثًا واحدًا أن أحدًا من أصحاب محمد عَّ جعل أرضًا له أو دارا له أو عبدا له حبسا على ولده ولأولاد ولده، ثم ذكر محمد ما يؤيد أبا حنيفة من الآثار وقال: فهذا ما عليه الفقهاء وأهل العلم ببلادنا قد روته الفقهاء من كل وجه، قال محمد: إنما يجوز الحبس عندنا ما يكون يرجع آخره إلى الفقراء والمساكين وابن السبيل، ولا يرجع آخره إلى الميراث أبداً فهذا يجوز، لأنه صدقة كصدقات على وعمر وابن عمر وزيد بن ثابت، فأما ما كان حبسها على الولد أو ولد الولد لا يرجع آخره إلى أن يكون صدقة فى الفقراء فهو باطل اهـ (ص ٢٧٥ و ٢٧٦). وهذا صريح فى أن أبا حنيفة إنما كان يذهب فى الوقف إلى ما كان عليه فقهاء بلاده وینکر ما أنكروه، فكان يجيز ما كان منه صدقة على الفقراء ابتداء وانتهاء، وينكر ما كان وقفا على الولد، وولد الولد، ولا يرجع آخره صدقة على الفقراء، فافهم، والظاهر أن الوقف على الأولاد كان قد شاع فى زمانه، فأطلق القول بعدم جواز الوقف، وأراد النوع الذى كان شائعا، ففهم الناس من إطلاقه أنه لا يجيز الوقف أصلا، كما فهم بعضهم من قوله فى الهدى: إشعاره مكروه أنه كره مطلق الإشعار، وإنما كره ما اعتاده أهل زمانه من المبالغة فيه، وهكذا الفقيه إذا رأى الناس قد تعدوا عن الحدود فى أمر يطلق القول بكراهته وبالمنع منه ويريد النوع الشائع بخصوصه والله تعالى أعلم. وإذا تبين ذلك فما فى "المغنى": ولم ير شريح الوقف، وقالا: لا حبس عن فرائض الله، قال أحمد: وهذا مذهب أهل الكوفة، وذهب أبو حنيفة إلى أن الوقف لا يلزم بمجرده، وللواقف الرجوع فيه إلا أن یوصی به بعد موته فيلزم أو يحكم بلزومه حاكم، وحكاه بعضهم عن على وابن مسعود وابن عباس اهـ (١٨٥:٦) محمول على الوقف على الولد وولد الولد لا يرجع آخره صدقة على الفقراء، فهذا الذى أنكره فقهاء الكوفة، أو على الوقف الدى لم يتصدق بأصله، وتصدق