النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
ج - ١٣
کتاب المفقود
باب امرأة المفقود امرأته حتى يأتيها البيان
٤٤٣٦- عن سوار بن مصعب نا محمد بن شرحبيل الهمدانى عن المغيرة بن
والشافعي. ولا نعلم فيه مخالفا، والأصل فى ذلك قول الله عز وجل: ﴿ولمن جاد به حمل بعير وأنا
به زعيم﴾، ثم استدل لذلك بما روى أبو سعيد عند البخارى أن رجلا من الصحابة رقى رجلا من
أحياء العرب بأم القرآن بقطيع شياه ثم قال: ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك، فإن العمل قد يكون
مجهولا كرد الضالة والآبق . وشفاء المريض والوكالة بالخصومة) ونحو ذلك، ولا تنعقده الإجارة
فيه، والحاجة داعية إلي ردهما، وقد لا يجد من يتبرع به، فدعت الحاجة إلى إباحة بذل الجعل فيه
مع جهالة العمل، لأنها غير لازمة.
إذا ثبت هذا فإذا قال: من رد على ضالتى أو عبدى الآبق أو خاط لى هذا القميص أو بنى لى
هذا الحائط فله كذا صح، وكان لكل واحد منهما الرجوع فيه قبل حصول العمل. ولا بد أن
يكون العوض معلوما؛ لأن الحاجة تدعو إلى كون العمل مجهولا بأن لا يعلم موضع الضالة والآبق،
ولاحاجة إلى جهالة العوض، ولأن العمل لا يصير لازما فلم يجب كونه معلومًا، والعوض يصير
لازما بإتمام العمل فوجب كونه معلومًا، ويحتمل أن تجوز الجعالة مع جهالة العوض إذا كانت
الجهالة لا تمنع التسليم، نحو أن يقول: من رد عبدى الآبق فله نصفه، ومن رد ضالتى فله ثلثها فإن
أحمد قال: إذا قال الأمير فى الغزو: من جاء بعشرة رؤوس فله رأس جاز، وقالوا: إذا جعل جعلا
لمن يدله على قلعة أو طريق سهل وكان الجعل من مال الكفار جاز أن يكون مجهولا كجارية يعينها
العامل، فتخرج ههنا مثله، فأما إن كانت الجهالة تمنع التسليم لم تصح الجعالة وجهًا واحدًا، ثم ذكر
الفرق بين الجعالة والإجارة بأبسط وجه، فليراجع (٣٥١:٦).
وفى "المحلى": صح عن شريح وزياد أن الآبق إن وجد فى المصر فجعل واجده عشرة
دراهم، وإن وجدخارج المصر فأربعون درهما، وروى أيضًا عن الشعبى، وبه يقول إسحاق، وصح
عن عمر بن عبد العزيز أنه قضى فيه إذا أخذ على مسيرة ثلاث ثلاثة دنانير، كذا فى "الجوهر
النقى" (٤٧:٢).
كتاب المفقود
باب امرأة المفقود امرأته حتى يأتيها البيان
قوله: "عن سوار بن مصعب إلخ" المفقود هو الغائب الذى لا يدرى حياته، ولا موته،

٤٢
امرأة المفقود امرأته حتى يأتيها البيان
إعلاء السنن
شعبة قال: قال سول الله عَّ ◌ُله: امرأة المفقود امرأته حتى يأتيها الخبر. رواه الدار قطنى
(٤٢١:٢) وسكت عنه، وقال ابن أبى حاتم فى كتاب العلل: سألت أبى عن هذا
الحديث فقال: منكر، ومحمد بن شرحبيل متروك الحديث، يروى عن المغيرة بن شعبة
وقد صح عن عمر رضى الله عنه أنه قال: امرأة المفقود نتربص أربع سنين، ثم تعتد أربعة أشهر
وعشرا وتحل للأزواج، وصح عن على أنها امرأته لا تتزوج حتى يأتيها يقين موته، وهو عن على
مشهور، والحاصل أن المسألة مختلفة بين الصحابة رضى الله عنهم، والشأن فى الترجيح، والحديث
الضعيف يصلح مرجحا لا مثبتًا بالأصالة، وما ذكر من موافقة ابن مسعود له مرجح آخر، كذا فى
"فتح القدير" (٣٧٢:٥). وقال محمد فى "الحجج" له: وهذا -أى قول على- أحب القولين إلينا
وأشبههما بالكتاب والسنة، مع ما قد جاء من رجوع عمر إلى قول على رضى الله عنهما اهـ
(ص٣٦١). وأما كونه أشبه بالكتاب والسنة، فإن الأصل أن لا يجوز فسخ نكاح أحد بمغیبه،
ولا إيجاب عدة ممن لم يصح موته ولا طلاقه، ولا أن يطلق أحد عن غيره، وبالله التوفيق.
وعلق البخارى عن سعيد بن المسيب إذا فقد فى الصف عند القتال تربص امرأته سنة،
ووصله عبد الرزاق أتم منه عن الثورى عن داود بن أبى هند عنه قال: إذا فقد فى الصف تربصت
امرأته سنة، وإذا فقد فى غير الصف فأربع سنين، وإلى قول سعيد فى هذا ذهب مالك، لكن فرق
بين ما إذا وقع القتال فى دار الحرب أو فى الإسلام، وعلق البخارى عن الزهرى فى الأسير يعلم
مكانه لا تتزوج امرأته ولا يقسم ماله، فإذا انقطع خبره فسنته سنة المفقود اهـ، وصله ابن أبى شيبة
من طريق الأوزاعى، قال: سألت الزهرى عن الأسير فى أرض العدو متى تزوج امرأته، فقال:
لا تزوج ما علمت أنه حى، ومن وجه آخر عن الزهرى قال: يوقف مال الأسير وامرأته حتى يسلما
أو يموتا.
وإما قوله: فسنته سنة المفقود فإن مذهب الزهرى فى امرأة المفقود أنها تربص أربع سنين.
وقد أخرجه عبد الرزاق وابن أبى شيبة وسعيد بن منصور بأسانيد صحيحة عن عمر، منها لعبد
الرزاق عن سعيد بن المسيب أن عمر وعثمان قضيا بذلك، وأخرج سعيد بن منصور بسند صحيح
عن ابن عمر وابن عباس قالا: تنتظر امرأة المفقود أربع سنين، وثبت أيضًا عن عثمان وابن مسعود
فى رواية (وقد مر أن ابن مسعود وافق عليا أنبها تنتظره أبدا، فالظاهر أنه رجع عن موافقة عمر
وعثمان فى ذلك) وعن جمع من التابعين كالنخعى وعطاء والزهرى ومكحول والشعبى (ولكن
مذهب النخعى والشعبى على خلافه، كما ذكرناه فى المتن وسيأتى له بقية)، واتفق أكثرهم على أن
التأجيل من يوم ترفع أمرها للحاكم، وعلى أنها تعتد عدة الوفاة بعد مضى أربع سنين، واتفقوا أيضًا

٤٣
امرأة المفقود امرأته حتى يأتيها البيان
ج - ١٣
مناكير وأباطيل انتهى، وأعله أيضا عبد الحق بمحمد بن شرحبيل، وقال: إنه متروك،
وقال ابن القطان فى كتابه: وسوار بن مصعب أشهر فى المتروكين منه ودونه صالح بن
مالك ولا يعرف دونه محمد بن الفصل ولا يعرف حاله انتهى (التلعيق المغنى ٤٢١:٢)
على أنها إن تزوجت، فجاء الزوج الأول خير بين زوجته وبين الصداق، وقال أكثرهم: إذا اختار
الأول الصداق غرمه له الثانى، ولم يفرق أكثرهم بين أحوال الفقد إلا ما تقدم عن سعيد بن المسيب
وفرق مالك بين من فقد فى الحرب فتؤجل الأجل المذكور وبين من فقد فى غير الحرب فلا تؤجل،
بل تنتظر مضى العمر الذى يغلب على الظن أنه لا يعيش أكثر منه، (وقدرناه بموت أقرانه، كما
سيأتى)، وقال أحمد وإسحاق: من غاب عن أهله فلم يعلم خبره لا تأجيل فيه، (بل حكمه التعمير)
وإنما يؤجل من فقد فى الحرب أو فى البحر أو نحو ذلك، وأخرج سعيد بن منصور عن الشعبى: إذا
تزوجت فبلغها أن الأول حى فرق بينها وبين الثانى واعتدت منه، فإن مات الأول اعتدت منه أيضًا
وورثته، ومن طريق النخعى لا تزوج حتى يستبين أمره، وهو قول فقهاء الكوفة والشافعى وبعض
أصحاب الحديث، واختار ابن المنذر التأجيل (مطلقا) لاتفاق خمسة من الصحابة عليه، والله تعالى
أعلم، کذا فی "فتح البارى" (٣٨٠:٩).
وقال الموفق فى "المغنى" فى أحكام المفقود: إذا غاب الرجل عن امرأته لم يحل من حالين،
أحدهما: أن تكون غيبة غير منقطعة يعرف خبره ويأتى كتابه، فهذا ليس لامرأته أن تتزوج فى قول
أهل العلم أجمعين إلا أن يتعذر الإنفاق عليها من ماله، فلها أن تطلب فسخ النكاح، فيفسخ نكاحه
(أى عند من يرى فسخ النكاح بإعسار الزوج) وأجمعوا على أن زوجة الأسير لا تنكح حتى تعلم
يقين وفاته، وهذا قول النخعى والزهرى ويحيى الأنصارى ومكحول والشافعى وأبى عبيد
وأبى ثور وإسحاق وأصحاب الرأى، وإن أبق العبد فزوجته على الزوجية حتى تعلم موته أو ردته،
وبه قال الأوزاعى والثورى والشافعى وإسحاق، وقال الحسن: إباقه طلاقه.
ولنا أنه ليس بمفقود فلم ينفسخ نكاحه كالحر، الحال الثانى: أن يفقد وينقطع خبره، ولا يعلم
له موضع فهذا ينقسم قسمين: أحدهما أن يكون ظاهر غيبته السلامة كسفر التجارة فى غير مهلكة
وإباق العبد وطلب العلم والسياحة، فلا تزول الروحية أيضًا ما لم يثبت موته. روى ذلك عن على،
وإليه ذهب ابن شبرمة وابن أبى ليلى والثورى وأبو حنيفة والشافعى فى الجديد، وروى ذلك عن
أبى قلابة والنخصِّى وأبى عبيد.

٤٤
امرأة المفقود امرأته حتى يأتيها البيان
إعلاء السنن
قلت: فالحديث ضعيف، كما قاله الزيلعى فى "نصب الراية" (١٦٦:٢)، وله شاهد
وقال مالك(١) والشافعى فى القديم: تتربص أربع سين، وتعتد للوفاة أربعة أشهر وعشرا،
وتحل للأزواج لأنه إذا جاز الفسخ لتعذر الوطئ بالعنة، وتعذر النفقة بالإعسار فلأن يجوز ههنا
لتعذر الجميع أولى، واحتجوا بحديث عمر فى المفقود مع موافقة الصحابة له وتركهم إنكاره.
ونقل ابن أصرم عن أحمد: إذا مضى عليه تسعون سنة قسم ماله. وهذا يقتضى أن زوجته تعتد عدة
الوفاة ثم تتزوج؛ لأن الظاهر أنه لا يعيش أكثر من هذا العمر، والمذهب الأول (وهو أن لا تزول
الزوجية ما لم يثبت موته) لأن هذه غيبة ظاهرها السلامة فلم يحكم بموته، كما قبل الأربع سنين،
أو كما قبل تسعين، ولأن هذا التقدير بغير توقيف. والتقدير لا ينبغى أن يصار إليه إلا بالتوقيف،
ولأن تقديرها بتسعين سنة من يوم ولادته يفضى إلى اختلاف العدة فى حق المرأة باختلاف عمر
الزوج، ولا نظير لهذا، وخبر عمر ورد فيمن ظاهر غيبته الهلاك، فلا يقاس عليه غيره اهـ (١٣٢:٩).
قلت: فمذهب أحمد أضيق من مذهبنا فى امرأة مفقود ظاهر غيبته السلامة، ومذهب مالك
والشافعى فى الجديد موافق لمذهبنا فى ذلك على ما ذكره الحافظ فى "الفتح": وهو انتظار مضى
العمر الذى يغلب على الظن أنه لا يعيش أكثر منه، وقدرناه بموت أقرانه فى بلده إذا لم يأتها يقين
موته، لأن ما تقع الحاجة إلى معرفته فطريقه فى الشرع الرجوع إلى أمثاله كقيم المتلفات (وجزاء
الصيد) ومهر مثل النساء، وبقاؤه بعد موت كل أقرانه نادر، وبناء الأحكام الشرعية على الظاهر
(الغالب دون النادر)، كذا فى "الكفاية شرح الهداية" (٣٧٣:٥).
قال فى "الهداية": وفى ظاهر المذهب يقدر بموت الأقران، وقدره بعضهم بتسعين، والأقيس
أن لا يقدر بشىء، والأرفق أن يقدر بتسعين. قال المحقق فى "الفتح": والأحسن عندى التقدير
بسبعين لقوله ◌ّ له: ((أعمار أمتى ما بين الستين إلى السبعين)) (رواه الترمذى عن أبى هريرة وأبو
يعلى عن أنس، كذا فى الجامع الصغير للسيوطى، وحسنه بالرمز (٤٧:١) فاندحض قول الموفق: إن
هذا التقدير بغير توقيف) وقال بعضهم: يفوض إلى رأى القاضى، فأى وقت رأى المصلحة حكم
بموته، اعتدت امرأته عدة الوفاة من وقت الحكم بالوفاة، كأنه مات فيه معاينةً، إذ الحكمى معتبر
بالحقيق (٣٧٤:٥).
(١) وتذكر ما أسلفناه عن الحافظ فى "الفتح": أن مالكا فرق بين من فقد فى الحرب فتؤجل الأجل المذكور، وبين من فقد فى غير
الحرب فلا تؤجل بل تنتظر مضى العمر إلخ وهذا خلاف ما عزاه إليه الموفق ههنا ط

٤٥
امرأة المفقود امرأته حتى يأتيها البيان
ج - ١٣
من قول على وابن مسعود، كما سيأتى.
قلت: والظاهر أن هذا - أى التفويض إلى رأى الحاكم- غير خارج عن ظاهر الرواية، بل هو
أقرب إليه من القول بالتقدير، لأنه فسره فى شرح الوهبانية بأن ينظر ويجتهد ويفعل ما يغلب على
ظنه، فلا يقول بالتقدير، لأنه لم يرد به الشرع بل ينظر فى الأقران وفى الزمان والمكان ويجتهد، ثم
نقل عن مغنى الحنابلة حكاية عن الشافعى ومحمد، وأنه المشهور عن مالك وأبى حنيفة وأبى
ويوسف، قال الزيلعي: لأنه يختلف باختلاف البلاد، وكذا غلبة الظن تختلف باختلاف
الأشخاص، فإن الملك العظيم إذ انقطع خبره يغلب على الظن فى أدنى مدة أنه قد مات اهـ،
ومقتضاه أنه يجتهد، ويحكم القرائن الظاهرة الدالة على موته، وعلى هذا يبتنى ما فى جامع
الفتاوى حيث قال: وإذا فقد فى المهلكة فموته غالب، فيحكم به كما إذا فقد فى وقت الملاقاة مع
العدو أو مع قطاع الطريق أو سافر على المرض الغالب هلاكه أو كان سفره فى البحر وما أشبه ذلك
حکم بموته، لأنه الغالب فى هذه الحالات، وأفتی به بعض مشايخنا، وقال: إنه أفتى به قاضی زاده
صاحب بحر الفتاوى لكن لا يخفى أنه لا بد من مدة طويلة يغلب على الظن موته لا بمجرد فقده
عند ملاقاة العدو أو سفر البحر ونحوه، كذا فى حاشية الدر للشامى (٥١١:٣ و ٥١٢).
قلت: والأحسن عندى إذا فقد فى المهلكة أن لا يحكم بموته قبل أربع سنين من وقت
المرافعة، وهو مذهب أحمد فى هذه الصورة.
قال الموفق فى "المغنى": القسم الثانى أن تكون غيبة ظاهرها الهلاك، كالذى يفقد من بين
أهله ليلا أو نهارا، أو يخرج إلى الصلاة فلا يرجع، أو يفقد بين الصفين أو ينكسر بهم مركب
فيغرق بعض رفقته أو يفقد فى مهلكة كبرية الحجاز ونحوها، فمذهب أحمد. الظاهر عنه أن
زوجته نتربص أربع سنين أكثر مدة الحمل ثم تعتد للوفاة أربعة أشهر وعشرا وتحل للأزواج. قال
الأثرم: قيل لأبى عبد الله؛ تذهب إلى حديث عمر؟ قال: هو أحسنها، يروى عن عمر من ثمانية
وجوه (الصحيح من ثلاثة وجوه كما فى ١٣٤:٩ من "المغنى")، وهذا قول عمر وعثمان وعلى
وابن عباس وابن الزبير. قال أحمد: خمسة من أصحاب النبى معَّ (قلت: بل أربعة فإن المشهور
عن على خلافه كما مر) وبه قال عطاء وعمر بن عبد العزيز والحسن والزهرى وقتادة والليث، وبه
يقول مالك والشافعى فى القديم (وقوله الجديد كقول فقهاء لكوفة سواء كما تقدم) إلا أن مالكا
قال: ليس فى انتظار من يفقد فى القتال وقت، وقال ابن المسيب فى امرأة المفقود بين الصفين:
تتربص سنة؛ لأن غلبة هلاكه ههنا أكثر من غلبة غيره لوجود سبب اهـ (١٣٣:٩). قلت: إن كان

٤٦
امرأة المفقود امرأته حتى يأتيها البيان
إعلاء السنن
٤٤٣٧- عن المنهال بن عمرو عن عباد بن عبد الله عن على أنه قال فى امرأة
المفقود: إنها لا تتزوج. رواه الشافعى من طريقه، وذكره فى مكان آخر تعليقا، فقال:
وقال على فى امرأة المفقود: امرأة ابتيلت فلتصبر، لا تنكح حتى يأتيها يقين موته، وقال
البيهقى: هو عن على مشهور، وروى عنه من وجه ضعيف ما يخالفه، وهو منقطع
(التلخيص الحبير ٣٢٩:٢).
علة التقدير بإربع سنين كونها أكثر مدة الحمل كما زعموا فلا بد من وجوب التربص أربع سنين
مطلقا، سواء فقد فى القتال أو فى غيره لاحتمال كون المرأة حاملا من المفقود، فافهم.
قوله: عن المنهال بن عمرو إلخ قلت: المنهال الأسدى مولاهم الكوفى من رجال البخارى.
والأربعة صدوق، من الخامسة (تقريب ٢١٥)، وعباد بن عبد الله الأسدى ضعيف من الثالثة،
ووثقه ابن حبان فى "الخلاصة" (١٥٨). و (التقريب: ٩٥)، ولا يضرنا الكلام فى بعض الرواة بعد ...
ما ثبت كونه مشهورا عن على، كما قاله البيهقى، وقد حكم بضعف ما روى عنه مما يخالفه ..
وانقطاعه، ولفظه فى السنن: قال الشافعى: وقال على بن أبى طالب رضى الله عنه فى امرأة المفقود:
امرأة ابتليت فلتصبر لا تنكح حتى يأتيها يقين موته قال: وبهذا نقول، قال البيهقى: وروى قتادة
عن خلاس بن عمرو عن أبى المليح عن على قال: إذا جاء الأول خير بين الصداق الأخير وبین
امرأته، ورواية خلاس عن على ضعيفة، وأبو المليح لم يسمعه من على رضى الله عنه اهـ (٤٤٧:٧).
الرد على ابن حزم:
ويعكر عليه ما ذكره ابن حزم فى "المحلى": من طريق حماد بن سلمة أخبرنا قتادة عن
خلاس بن عمرو أن على بن أبى طالب قال: امرأة المفقود تعتد أربع سنين، ثم يطلقها الولى،
ثم تعتد أربعة أشهر وعشرا، فإذا جاء زوجها خير بين امرأته وبين الصداق قال: وهذا
صحيح عن على اهـ (١٣٧:١٠).
والجواب أن البيهقى إنما حكم بضعفه لما فى رواية الخلاس عن على خاصة من المقال، كان
يحيى بن سعيد يتوقى أن يحدث عن خلاس عن على خاصة، قال أحمد: كانوا يخشون أن يكون
خلاس يحدث عن صحيفة الحارث الأعور، وقال أبو حاتم: يقال: وقعت عنده صحف عن على
ولیس بقوى، وقال ابن سعد: كان قدیما کثیر الحدیث له صحیفة یحدث عنها، قال يحيى بن
سعيد: لم يسمع من عمر ولا من على، وقال الحاكم عن الدارقطنى: ما كان من حديثه عن أبی
رافع عن أبى هريرة احتمل، وأما عثمان وعلى فلا، وقال الأزدى: خلاس تكلموا فيه يقال: كان

٤٧
امرأة المفقود امرأته حتى يأتيها البيان
ج - ١٣
٤٤٣٨- أخبرنا محمد بن عبيد الله العزرمى عن الحكم بن عتيبة أن عليا قال فى
امرأة المفقود: هى امرأة ابتليت فلتصبر حتى يأتيها موت أو طلاق رواه عبد الرزاق فى
مصنفه (زيلعى ١٦٦:٢) والعزرمى ضعيف. وتابعه ابن أبى ليلى ومنصور بن المعتمر،
کما سیأتی.
٤٤٣٩- أخبرنا معمر عن ابن أبى ليلى عن الحكم أن عليا قال فذكره سواء، رواه
عبد الرزاق أيضا (زيلعى ١٦٦:٢)، وسنده حسن مرسل.
٤٤٤٠- أخبرنا سفيان الثورى عن منصور بن المعتمر عن الحكم بن عتيبة عن
على قال: تتربص حتى تعلم أ حى هو أم ميت. رواه عبد الرزاق أيضا (زيلعى ١٦٦:٢)،
قلت: مرسل صحيح.
٤٤٤١- أخبرنا ابن جريج قال: بلغنى أن ابن مسعود وافق عليا على أنها تنتظره
أبدا، رواه عبد الرزاق أيضًا (زيلعى ١٦٦:٢)، وبلاغات مثل ابن جريج حجة.
٤٤٤٢- أخرج ابن أبى شيبة فى مصنفه عن أبى قلابة وجابر بن زيد والشعبى
والنخعى كلهم قالوا: ليس لها أن تتزوج حتى يتبين موته (زيلعى ١٦٦:٢).
٤٤٤٣- عن على إذا فقدت المرأة زوجها لم تزوج حتى يقدم أو يموت، أخرجه
أبو عبيد فى كتاب النكاح، ذكره الحافظ فى "الفتح" (٣٨:٩)، وهو حسن أو صحيح
على أصله، وذكر ابن حزم فى "المحلى" (١٣٨:١٠) سنده: نا جرير عن منصور بن
المعتمر عن الحكم بن عتيبة عن على، وهو مرسل صحيح.
صحفيا أهـ من "التهذيب" ملخصًا (١٧٧،١٧٦:٣). وإنما صحح ابن حزم حديثه لگونه من رجال
الجماعة ثقة، ولم يتنبه لما فى حديثه عن على خاصة من المقال، ومثل هذا الجرح وإن كان لا يضر
بصحة الحديث على أصلنا ولكن بشرط أن لا يكون مخالفا للمشهور، وإلا فلا يحتج به أصلا.
ولا يخفى أن رواية خلاس هذه مخالفة لمذهب على المشهور عنه، فهى شاذة لا يلتفت
إليها، وهؤلاء فقهاء الكوفة، وهم أعرف الناس بقضايا على وفتاواه كلهم يقولون: بأن امرأة المفقود
لا تتزوج حتى يأتينها يقين موته أو طلاقه، ويروون ذلك عن على رضى الله عنه، فكيف يصح أن
يعلم خلاس من قوله لما لم يعلموا؟ هذا مما يستحيله العقل السليم، والظاهر أن خلاسًا شبه عليه فى
ذلك لكونه حدث عنه فى صحيفة، والله تعالى أعلم.
قوله: أخبرنا محمد بن عبيد الله إلى قوله: وعن على إلخ دلالة الآثار على قول على رضى

٤٨
امرأة المفقود امرأته حتی یأتیها البيان
إعلاء السنن
٤٤٤٤- وعن على: لو تزوجت فهى امرأة الأول، دخل بها الثانى أو لم يدخل،
أخرجه أبو عبيد أيضا، وسنده حسن (فتح البارى ٣٨:٩)، وفى "المحلى" (١٣٨:١٠)
من طريق أبى عبيدنا على بن معبد عن عبد الله بن عمرو عن عبد الكريم الجزرى عن
سعید بن جبير قال: قال علی فذ کره، وهذا سند حسن.
٤٤٤٥- أخبرنا الحسن بن عمارة عن الحكم بن عتيبة عن مجاهد أنه قال: قد
رجع عمر رضى الله عنه فى التى تنكح فى عدتها والمفقود زوجها، وفى امرأة أبى كنف
الله عنه ظاهرة، وهو قولنا وقول فقهاء الكوفة، وقول الشافعى مطلقا، وقول أحمد ومالك فى
مفقود ظاهر غيبته السلامة، كما مر ذكره مفصلا.
قوله: أخبرنا الحسن بن عمارة إلخ دلالته على رجوع عمر رضى الله عنه إلى قول
على رضى الله عنه فى امرأة المفقود ظاهرة، ويعكر عليه ما حكاه الأثرم عن أحمد، قال: زعموا أن
عمر رجع عن هذا هؤلاء الكذابين، قلت: فروى من وجه ضعيف أن عمر قال بخلاف هذا قال:
لا، إلا أن يكون إنسان يكذب اهـ من "المغنى" (١٣٢:٩). ولعل مبنى قول أحمد هذا كون الحسن
ابن عمارة مجروحًا عنده، كما فى "التهذيب" (٣٠٦:٢). ولكن قال عيسى بن يونس: الحسن
ابن عمارة شيخ صالح، قال فيه شعبة، وأعانه عليه سفيان، وقال جرير بن عبد الحميد: ما ظننت
أتى أعيش إلى دهر يحدث فيه عن ابن إسحاق، ويسكت فيه عن الحسن بن عمارة، وقال عمرو بن
على: رجل صالح صدوق كثير الوهم والخطأ اهـ (٢: ٣٠٦).
فهذا ابن يونس يوثقه، ويثنى عليه مع معرفته بقول شعبة وسفيان فيه، وأثنى عليه عمرو بن
على فى صلاحه وصدقه، فثبت أنه لم يكن من الكذابين، وإنما كان يهم فى بعض الأحاديث
ويخطئ، فكان ماذا؟ فهل أحد من المحدثين سلم من الوهم والخطأ إلا من عصمه الله؟ قال ابن
عدى: وأورد له عدة أحاديث ما أقرب قصته إلى ما قال عمرو بن على، وقد قيل: إن الحسن بن
عمارة كان صاحب مال، وإنه حول الحكم إلى منزله، فخصه بما لم يخص غيره اهـ (ص مذكور)،
أى فهذا وجه روايته عن الحكم ما لم يروه عنه غيره، وهذا الذى نقمه عليه شعبة حيث قال: إن
الحكم لم يحدث عن يحسى الجزار إلا ثلاثة أحاديث، والحسن بن عمارة يحدث عنه أحاديث
كثيرة، قال أيوب بن سويد الرملى: فقلت للحسن بن عمارة فى ذلك، فقال: إن الحكم أعطانى
حديثه عن يحيى فى كتاب فحفظته، قال النضر بن شميل: قال الحسن بن عمارة: الناس كلهم منى
فى حل ما خلا شعبة اهـ (٣٠٥:٢).
.

٤٩
امرأة المفقود امرأته حتى يأتيها البيان
ج - ١٣
رجع إلى قول على رضى الله عنه، رواه محمد فى الحجج له (ص: ٢٩٧) وهو مرسل
حسن، ومراسيل مجاهد مقبولة، كما ذكرناه فى المقدمة، والحسن بن عمارة وإن تكلم
وقال الزيلعى: روى ابن هشام فى السيرة عن ابن إسحاق حدثنى من لا أتهم به (عن الحكم)
عن مقسم مولى ابن عباس عن ابن عباس فذكر صلاة النبى معَ ◌ّه على حمزة وعلى قتلى أحد،
وقول ابن إسحاق: حدثنى من لا أتهم أراد به الحسن بن عمارة، فقد ورد مصرحا فيه به، كما روه
الإمام موسى بن طارق الزبيدى فى سننه عن الحسن بن عمارة عن الحكم بن عتيبة عن مجاهد عن
ابن عباس إلخ (٣٦٨:١). وكيف يكون الحسن بن عمارة كاذبا فيما رواه من رجوع عمر إلى قول
على فى امرأة المفقود، وهذا أحمد بن حنبل قد تردد فى العمل بقول عمر فى ذلك، قال الموفق فى
"المغنى": وقد نقل عن أحمد أنه قال: كنت أقول: إذا تربصت أربع سنين ثم اعتدت أربعة أشهر
وعشراً تزوجت، وقد ارتبت فيها، وهبت الجواب فيها لما اختلف الناس فيها، فكأنى أحب
السلامة. وهذا توقف يحتمل الرجوع عما قاله وتتربص أبدا، ويحتمل التورع، ويكون المذهب ما
قاله أولا اهـ (١٣٣:٩).
وظنى أنه إنما تردد وارتاب فيما قاله أولا لمعرفته بأن مذهب على المشهور عنه على خلاف ما
روى عنه خلاس، ولعله ثبت عنده رجوع عمر إلى قول على، وأن ابن مسعود رضى الله عنه، وافق
عليا فى ذلك، فلم يكن التربص أربع سنين، قول خمسة من أصحاب النبى معَّهِ، كما كان زعمه
أولا بل قول ثلاثة، منهم عثمان وابن عباس وابن الزبير أما عثمان فاختلفت الروايات عنه أنه أمر
بذلك فى المفقود عنها زوجها أو فى من نعى إليها زوجها. فروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهرى
عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان قضيا فى المفقود أن امرأته تتربص أربع
سنين وأربعة أشهر وعشرا بعد ذلك ثم تتزوج، فإن جاء زوجها الأول خير بين الصداق وبين
امرأته اهـ، والأثر رواه مالك فى "الموطأ" عن يحيى بن سعيد عن ابن المسيب ولم يذكر عثمان،
ومالك أحفظ من معمر، قال يحيى بن سعيد -القطان -: ما فى القوم أصح حديثا من مالك - يعنى
السفيانين ومالكا- قال: ومالك أحب إلى من معمر، وكان ابن مهدى لا يقدم على مالك أحدا،
كذا فى "التهذيب" (٧:١٠). فبطل قول ابن حزم: ليس معمر دون مالك (المحلى ١٣٦:١٠) قلت:
ويحيى بن سعيد كان ثقة كثير الحديث حجة ثبتا، قال أبو حاتم: يحيى بن سعيد يوازى الزهرى
أى فى الحفظ، وقال الثورى: كان أجل عند أهل المدينة من الزهرى كذا فى التهذيب (٢٢٢:١١).
ولو سلمنا قول ابن حزم: إن الزهرى أحفظ من يحيى بن سعيد فلا نسلم أنه أتقن منه وأفقه.

٥٠
امرأة المفقود امرأته حتى يأتيها البيان
إعلاء السنن
فيه بعضهم ولكن جرير بن عبد الحميد فضله على محمد بن إسحاق، وقال عيسى بن
يونس: شيخ صالح كما فى "التهذيب" (٢٠٦:٢)، واحتج به محمد بن الحسن الإمام،
وهو توثيق له منه، وله شاهد، ذكره محمد فى "المبسوط"، وسيأتى. (٢٠٦:٢).
وأما ما رواه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب السختيانى أن أبا المليح بن أسامة سئل عن امرأة
المفقود فقال: حدثتنى سهيمة بنت عمر الشيبانية أنها فقدت زوجها فى غزاة غزاها فلم يدر أهلك
أم لا، فتربصت أربع سنين ثم تزوجت، فجاء زوجها الأول فركب هو وزوجها الثانى إلى عثمان
فأخبراه، فقال عثمان: يخير الأول بين امرأته وبين صداقها، فلم يلبث أن قتل عثمان، فركبا إلى
على بالكوقة، فقال: ما أرى إلا ما قال عثمان، قالت: فاختار الصداق، فأعنت زوجى بألفين وكان
الصداق أربعة آلاف الحديث، كذا فى "المحلى" (١٣٦:١٠). ففى سنده سهيمة بنت عمر لم أجد
من ترجمها، ولیس فیه أن عثمان أمرها بالتربص أربع سنين.
ورواه الأثر بإسناده عن أبى المليح عن شهية أن زوجها صيفى بن فشيل نعى لها من قيذائیل،
فتزوجت بعده ثم إن زوجها الأول قدم، فأتينا عثمان وهو محصور فأشرف علينا فقال: كيف(١)
أقضى بينكم وأنا على هذا الحال؟ فقلنا: قد رضينا بقولك، فقضى أن يخير الزوج الأول بين
الصداق وبين المرأة، فرجعنا، فلما قتل عثمان أتينا عليا فخير الزوج الأول بين الصداق وبين المرأة،
فاختار الصداق، فأخذ منى ألفين ومن زوجى الآخر ألفين كذا فى "المغنى" (١٤٤:٩). رواه
البيهقى فى سننه عن طريق عبد الوهاب بن عطاء عن سعيد عن قتادة عن أبى المليح عن سهيمة بنت
عمر نحوه أطول منه (٤٤٧:٤).
وهذا صريح فى أن المرأة لم تتزوج بآخر بمجرد التربص أربع سنين، بل بعد ما نعى إليها
زوجها، ولا نزاع فى ذلك، وإنما النزاع فى مفقود لم يعرف حياته ولا موته، ثم رأيت البيهقى
رحمه الله قد أجاب عنه بمثل ما أجبت به، وهذا نصه: هذه المرأة -أى سهيمة بنت عمر الشيبانية-
لم نعرف بما تثبت به روايتها هذه، وإن ثبتت تضعف رواية أبى المليح عن على رضى الله عنه مرسلة
فى المفقود، فإن هذه الرواية أن ذلك كان فى امرأة نعى لها زوجها، والمشهور عن على رضى الله
عنه ما قدمنا ذكره والله أعلم اهـ (٤٤٧:٧) والحمد لله على الموافقة.
(١) فيه دليل على أن القضاء يستدعى شوكة القاضى وقدرته على تنفيذ الأحكام، ولا يكفى تسمية بالقاضى والإمام، ألا ترى أن
أمير المؤمنين عثمان لم يقض بينهما وهو محصور فاقد القدرة حتى حكماه فيما شجر بينهما وقالا: قد رضينا بقولك، فافهم.

٥١
ج - ١٣
امرأة المفقود امرأته حتى يأتيها البيان
٤٤٤٦- عن عبد الرحمن بن أبى ليلى رحمه الله أن عمر رضى الله عنه رجع عن
ثلاث قضيات إلى قول على رضى الله عنه عن امرأة أبى كنف، والمفقود زوجها، والمرأة
وأما قضاء عثمان بأن يخير الزوج الأول لا ينافى كون المرأة زوجته لبداهة انتفاء الخيار عمن
هى أجنبية عنه، ولذلك كان مالك بن أنس ينكر رواية من روى عن عمر فى التخيير، ويقول: إذا
تزوجت بعد انقضاء العدة فإن دخل بها أو لم يدخل بها فلا سبيل لزوجها الأول إليها ذكره
البيهقى (٤٤٦:٧)، فإن التخيير يستدعى بقاء المللك، ولا ملك له عليها بعد ما تمت عدتها، بل إنما
قضى بذلك بطريق التحكيم والإصلاح بينهما، ومعناه: أن الزوج الأول يستحق المرأة لكونها
زوجته فإن اختارها فهی له، ولا يقربها حتى تنقضى عدتها من الثانى لكونها قد وطئت بالشبهة،
وإن رضى بتركها، وتطليقها للثانی یرد عليه ما کان أصدقها، ویجدد الزوج الثانی نكاحه بعد
انقضاء العدة، لظهور بطلان النكاح الأول بمجىء زوجها حيا، والقضاء بالتخيير بطريق التحكيم
والإصلاح بين الفريقين جائز عندنا أيضًا، وحمل التخيير على هذا أولى من إنكار مالك رواية من
روى التخيير مطلقا، فإن الثقات إذا حملوا ذلك عن عمر رضى الله عنه لم يتهموا، كما ذكره
البيهقى عن الشافعى (٤٤٦:٧)، والمذهب أن المرأة للأول، وهو قول على رضى الله عنه، كما
سيأتى، ولكنه لم ينقض قضاء عثمان للمعنى الذى ذكرنا، أو لأن القاضى إذا قضى فى المجتهدات
برأيه لا ينقض القاضى الذى لا يرى رأيه ما قضى به الأول كما هو معروف فى الفقه، وسيأتى فى
باب القضاء إن شاء الله تعالى، فلم يبق من الصحابة من قال بأن تتربص أربع سنين إلا ثلاثة، ابن
عباس وابن عمرو وابن الزبير، ولا ريب أن عمر وعليا وابن مسعود أجل منهم وأولى.
قوله: عن عبد الرحمن بن أبى ليلى إلخ قلت: وقولنا فى الثلاث قول على رضى الله عنه،
فامرأة المفقود قد عرفت، وأما امرأة أبى كنف فكان أبو كنف طلقها ثم راجعها، ولم يعلمها حتى
غاب ثم قدم فوجدها قد تزوجت، فأتى عمر رضى الله عنه فقص عليه القصة، فقال له: إن لم يكن
دخل بها فأنت أحق بها، وإن كان دخل بها فليس لك عليها سبيل، قال ابن حزم فى "المحلى":
روينا من طريق عن عمر كلها منقطعة، لأنها عن إبراهيم عن عمر أو عن الحسن بن مسلم عن عمر
أو عن سعيد بن المسيب عن عمر أو عن أبى الزناد أن عمر قال فيمن طلق امرأته ثم سافر وأشهد
علی رجعتها قبل انقضاء العدة ولا علم لها بذلك حتی تزوجت أنه إِن أدر کها قبل أن يدخل بها
فهى امرأته، وإن لم يدركها حتى دخل بها الثانى فهى امرأة الثانى، حكم بذلك فى أبى كنف،
وهو قول الليث والأوزاعى وقال مالك: هذا أحب ما سمعت إلى فيها، وفى المفقود قال: والأمر
13

٥٢
امرأة المفقود امرأته حتى يأتيها البيان
إعلاء السنن
التى تزوجت فى عدتها ذكره محمد فى الأصل كما فى المبسوط للسرخسى (٣٧:١١)
الذى لا اختلاف فيه أنه إذا دخل بها زوجها الآخر قبل أن يدركها الأول فل سبيل له إليها، وذلك
الأمر عندنا فى هذا وفى المفقود، قال ابن القاسم: ثم رجع مالك عن ذلك، وقال: زوجها الأول
أحق بها.
إيراد ابن حزم على المالكية:
قال ابن حزم: إنما أوردنا هذا لنرى المشغبين بقول مالك: الأمر عندنا والأمر الذى
لا اختلاف فيه عندنا حجة وإجماع لا يحل خلافه، وهذا مالك قد رجع عن قول ذكر أنه الأمر
عندهم، والأمر الذى لا اختلاف فيه فحسبهم وحسبكم، وروينا من طريق وكيع عن شعبة عن
الحكم بن عتيبة قال: قال على بن أبى طالب: إذا طلق الرجل امرأته ثم راجعها ولم يعلمها، فهى
امرأته إذا أشهد، ومن طريق الثورى عن منصور عن الحكم عن على رضى الله عنه أنه قال فيمن
طلق امرأته ثم غاب فكتب إليها برجعتها فضاع الكتاب حتى انقضت عدتها، فإن زوجها الأول
أحق بها دخل الآخر أو لم يدخل، ومن طريق إبراهيم عن على فى أبى كنف مثله اهـ (٢٥٥:١٠).
قلت: وظنی أن مالکا لم یرجع عن قول عمر إلی قول علی إلا وقد ثبت عندہ رجوع عمر
رضى الله عنه إلى قوله، والله تعالى أعلم، وكان على مالك أن يرجع عن قوله فى امرأة المفقود أيضًا
إذا تزوجت فجاء زوجها الأول دخل بها الثانى أو لم يدخل كما سنذكره إن شاء الله تعالى.
وأما التى تنكح فى عدتها فكان عمر رضى الله عنه يقول: إن كان زوجها الذى تزوجها فى
العدة لم يدخل بها فرق بينهما ثم اعتدت بقية عدتها من الزوج الأول، وكان خاطبا من الخطاب،
وإن كان دخل فرق بينهما ، ثم اعتدت بقية عدتها من زوجها الأول، ثم اعتدت من الآخر،
ثم لم ينكحها أبدًا ولها مهرها بما استحل منها، وقال على رضى الله عنه: إنه يفرق بينهما ولها
الصداق بما استحل من فرجها، وتستعمل ما بقى ما عدتها من الأول، وتعتد من الآخر عدة
مستقبلة، ثم يتزوجها الآخر إن شاء، وذكر البيهقى عن الثورى عن أشعث عن الشعبى عن مسروق
عن عمر أنه رجع إلى ذلك، فقال: لها مهرها، ويجتمعان إن شاءا كما فى المتن، وفى كل ذلك
دليل على صحة ما رواه الحسن بن عمارة عن الحكم عن مجاهد أن عمر رضى الله عنه قد رجع
إلى قول على فى ثلاث قضيات، والله تعالى أعلم.
إيراد ابن حزم على الأئمة فى مسألة المفقود وتأجيل العنين وجوابه:
قال ابن حزم: أما المالكيون والحنفيون والشافعيون فإنهم تناقضوا ههنا أقبح تناقض، فأما

٥٣
امرأة المفقود امرأته حتى يأتيها البيان
ج - ١٣
قلت: أما رجوعه فى المرأة التى تزوجت فى عدتها فقد قال البيهقى: روى الثورى
الشافعيون فقلدوا عمر فى رواية لم تصح عنه قط فى تأجيل امرأة العنين، وإخراجها عن عصمته
بغير قرآن ولا سنة، ثم خالفوا ههنا عمر وعثمان وعليا وابن عباس وابن عمر فيما صح عنهم من
تأجيل امرأة المفقود، وهذا عجب جدا، وكذلك فعل الحنفيون أيضًا (١٤١:١٠).
قلت: أما قوله: إنهم قلدوا عمر فى رواية لم تصح عنه قط فى تأجيل امرأة العنين إلخ فمن
إطلاقاته المردودة، فقد رواه عنه سعيد بن المسيب والشعبى والحسن وهؤلاء مراسيلهم صحاح عند
القوم وعبد الكريم (الجزرى) وعطاء ويحيى بن سعيد ويحيى بن عبد الرحمن الأنصارى، كما
ذكره ابن حزم فى المحلى (٦٠:١٠) والمرسل إذا تعددت مخارجه کان حجة عند الکل، وإذا روی
من وجهين فهو أرجح من مسند واحد صحيح فكيف إذا روى من سبعة أوجه، وروى الطبرانى
عن عبد الله بن مسعود قال: يؤجل العنين سنة، فإن وصل إليها وإلا فرق بينهما ولها الصداق.
ورجال رجال الصحيح خلا حصين بن قبيصة، وهو ثقة كذا فى "مجمع الزوائد" (٣٠١:٤).
فقول ابن حزم: حصين بن قبيصة مجهول (المحلی ٦١:١٠) رد عليه، و کیف یکون مجهولا
وقد روى عنه الركين بن الربيع وعبد الملك بن عمير والقاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن
مسعود، وذكره ابن حبان فى الثقات، وقال العجلى: تابعى ثقة، وذكره ابن سعد فى الطبقة الأولى
من الكوفيين كما فى "التهذيب" (٣٨٧:٢). وهو من رجال أبى داود والنسائى وابن ماجة.
وروى ابن أبى شيبة: حدثنا وكيع عن سفيان عن الركين عن أبى حنظلة النعمان عن المغيرة
بن شعبة أنه أجل العنين سنة، (زيلعى ٤٦:٢) ورجال رجال الصحيح خلا النعمان بن حنظلة،
ويقال نعيم فمن رجال أبى داود والبخارى فى الأدب، قال العجلى: تابعى ثقة، وحسن على بن
المدينى حديثه عن عمار فى ذى الوجهين، كما فى "التهذيب" (٤٦٣:١٠). وانقلب اسمه على
ابن حزم، فقال: عن حنظلة بن نعيم وهو مجهول اهـ (٦١:١٠ "المحلى") وليس هو بمجهول ولا
ضعيف، ولكن ابن حزم لم يؤت إلا من قبله وقد روى ذلك عن الصحابة جملة من طريق شريك
وهو من رجال مسلم، والأربعة صدوق ثقة، وثقه القدماء من المحدثين: ابن معين وأحمد بن حنبل
والعجلى وابن المبارك وابن سعد والنسائى وأبو داود وأبو جعفر الطبرى وإبراهيم الحربى وغيرهم
كما فى "التهذيب"، ونسبه عبد الحق إلى التدليس، وقال ابن القطان: كان مشهورا به (٣٣٧:٤)،
ولكنه كان يتبرأ من التدليس، كما فى طبقات المدلسين (ص: ١٠) وشريك أجل وأرفع من أن
يكذب، فلا يجوز نسبته إلى التدليس وهو يتبرأ منه، فبطل قول ابن حزم: وأما الرواية عن الصحابة

٥٤
امرأة المفقود امرأته حتى يأتيها البيان
إعلاء السنن
عن أشعث عن الشعبى عن مسروق عن عمر أنه رجع، فقال: لها مهرها ويجتمعان
جملة فمن طریق شريك وهو مدلس عن جابر الجعفی، وهو کذاب مشهور بذلك فاسد الدین
يقول بالرجعة اهـ (١٠: ٦١).
قلت: أما جابر الجعفی فلا ريب أن جماعة من العلماء اتهموه بالكذب وفساد الدین، ولکن
الإنصاف أن لا يسكت عن مناقب الرجال عند ذكر مثالبهم، والحق أن الرجل مختلف فيه، قال
الثورى: إذا قال جابر (١): حدثنا وأخبرنا فذاك، وقال: ما رأيت أورع فى الحديث منه، وقال شعبة:
جابر صدوق فى الحديث، وإذا قال: حدثنا وسمعت فهو من أوثق الناس، وكذلك قال زهير بن
معاوية، وقال وكيع: مهما شككتم فى شىء فلا تشكو فى أن جابرا ثقة، حدثنا عنه مسعر وسفيان
وشعبة وحسن بن صالح، وقال ابن عدى (وهو من أعدل الناس فى الجرح والتعديل) له أى لجابر:
حدیث صالح، وشعبة أقل رواية عنه من الثوری، وقد احتمله الناس وعامة ما قذفوه به أنه كان
يؤمن بالرجعة، وقال أبو بدر: كان جابرًا يهيج به مرة فى السنة مرة (أى الصفراء) فيهذى ويخلط
فى الكلام، فلعل ما حكى عنه كان فى ذلك الوقت اهـ ملخصا من ""التهذيب" (٤٩:٢ و٥٠).
فبطل قول ابن حزم أن قول أبى حنيفة ومالك والشافعى فى تأجيل العنين السنة ثم التفريق
بينهما قول فاسد لا دليل على صحته، لا من قرآن ولا من سنة صحيحة ولا سقيمة، ولا من شىء
يصح عن أحد من الصحابة ولا من قياس اهـ (٦٠:١٠). فقد أثبتنا صحة الرواية به عن عمر وابن
مسعود والمغيرة بن شعبة، ورواية جابر الجعفى عن الصحابة جملة محتملة، قال الموفق فى
"المغنى": وهذا قول عمر وعثمان وابن مسعود والمغيرة بن شعبة، (قلت: ومعاوية أيضا فقد روى
عنه ابن حزم مثل قول عثمان، ووافقه عليه سمرة جندب رضى الله عنهم ٥٨:١٠)، وبه قال سعيد
ابن المسيب وعطاء وعمرو بن دينار والنخعى وقتادة وحماد بن أبى سليمان، وعليه فتوى فقهاء
الأمصار، منهم: مالك وأبو حنيفة وأصحابه والثورى والأوزاعى والشافعى وإسحاق وشذ الحكم
ابن عيينة وداود، فقالا: لا يؤجل وهى امرأته، وروى ذلك عن على رضى الله عنه، وأبو حفص عن
علی مثل قول عمر وابن مسعود اهـ (٦٠٣:٧).
الجواب عن حجج الظاهرية فى عدم تأجيل العنين:
قلت: ولا حجة للحكم، وداود فيما روى عن على فى ذلك من طريق الحجاج بن المنهال
(١) جابر الجعفى.

ب
امرأة المفقود امراته حتى ياتيها البيال
ج - ١٣
إن شاءا، كما فى "التلخيص الحبير" (٣٢٨:٢).
نا شعبة عن أبى إسحاق السبيعى، قال: سمعت هانئ بن هانئ قال: رأيت امرأة جاءت إلى على بن
أبى طالب، فقالت: هل لك فى امرأة ليست بأيم ولا بذات بعل، قال: وجاء زوجها فقال: لا تسأل
عنها إلا مبيتها، فقال له على: ألا تستطيع أن تصنع شيئا؟ قال: لا، قال: ولا من السحر؟ قال: لا.
قال له على: أما أنا فلست مفرقا بينكما، اتقى الله واصبرى، وفى رواية: فقام شيخ يجنح، قال:
سلها هل تنقم فى مطعم أو ثياب، وفيه أيضا قالت: فرق بينى وبينه. قال: اصبرى فإن الله تعالى لو
شاء لابتلاك بأشد من ذلك (المحلى ٥٩:١٠) فليس فيه أن الزوج كان عنينا، بل غاية ما فيه أنه كان
شيخا ضعيفا. فيحتمل كونه كان قادرا عليها حين تزوجها ثم ضعف عن غشيانها، ومثله لا يفرق
بینه وبین امرأته عندنا، ولا عند الجمهور.
قال الموفق فى "المغنى": أكثر أهل العلم على هذا يقولون: متى وطئ مرةً ثم ادعت عجزه
لم تسمع دعواها، ولم تضرب له مدة، منهم عطاء وطاوس والحسن ويحبى الأنصارى والزهرى
وعمرو بن دينار وقتادة وابن هاشم ومالك والأوزاعى والشافعى وإسحاق وأبو عبيد وأصحاب
الرأى، وقال أبو ثور: إن عجز عن وطئها أجل لها اهـ (٦١٠:٧). فأثر على هذا لا يرد على
الجمهور، وإنما يرد على أبى ثور ومن وافقه من الظاهرية الذين لا عبرة بخلافهم، كما تقدم.
ولا حجة لهم أيضًا فيما رواه مسلم من طريق الزهرى ثنى عروة بن الزبير أن عائشة زوج
النبى معَِّ أخبرته أن رفاعة القرظى طلق امرأته، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير فجاءت إلى
النبى عٍَّ فقالت: يا رسول الله! إنها كانت تحت رفاعة، فطلقها آخر ثلاث تطليقات، فتزوجت
بعد عبد الرحمن بن الزبير، وإنه والله ما معه إلا مثل هذه الهدبة وأخذت بهدبة من جلبابها، فتبسم
رسول الله عَ لّه ضاحكا، وقال: لعلك تريدين أن ترجعى إلى رفاعة؟ لا، حتى تذوقى عسيلته
ويذوق عسيلتك وذكر الحديث، قال ابن حزم: فهذه تذكر أن زوجها لم يطأها، وأن إحليلة
كالهدبة لا ينتشر إليها، وتشكو ذلك إلى رسول الله عَ ليه، وتريد مفارقته فلم يشكها، ولا أجل لها
شيئا ولا فرق بينهما، وفى هذه كفاية لمن عقل (المحلى ٦٢:١٠).
قلت: أحسن الله عزاءنا فيك يا ابن حزم! فلم نكن نظن بك مثل هذا الاجتراء فى تحريف
معانى الحديث، فأخبرنا رحمك الله من أين أخذت أن هذه المرأة تذكر أن زوجها لم يطأها؟
ولا مرة، وأى لفظ فى الحديث يدل على ذلك؟ ومن أين عرفت أن المرأة كانت تدعى عنة زوجها
الثانی؟ وهل کون إحلیلها کالهدبة صریح فی کونه عنینا لا يحتمل غير هذا؟ وإن کان کذلك فهل

٥٦
امرأة المفقود امرأته حتى يأتيها. ان
إعلاء السنن
قول رسول الله عَ له: لا حتى ((تذوقى عسيلته ويذوق هو عسيلتك محمول على طلب الجماع ممن
لا يقدر عليه أصلا؟ وهل هو إلا من التكليف بما لا يطاق؟ ولو راجع ابن حزم لفظ البخارى لبكى
على نفسه، وندم على تحريفه معنى الحديث ففى لفظ للبخارى قال: كذبت والله يا رسول الله! إنى
لأنفضها نفض الأديم، ولكنها ناشزه، تريد أن ترجع إلى رفاعة، قال: وجاء ومعه ابنان له من غيرها،
وأبصر رسول الله عَّه معه ابنين له، فقال: بنوك هؤلاء؟ قال: نعم، قال: هذا الذى تزعمين ما
تزعمين؟ فو الله لهم أشبه به من الغراب بالغراب (٨٦٦:٢). وهو صريح فى أن عبد الرحمن بن
الزبير لم يكن عنينا، ولم تدع المرأة عنته. وكيف تدعى وظاهر الحال يكذبها، وإنما كانت تدعى
ضعفه، وإن ما معه ليس بأغنى عنها من هدبة ثوبها، تعنى أنه ليس بفحل كمثل رفاعة.
قال الموفق فى المغنى: فأما الخبر أى خبر امرأة رفاعة فلا حجة لهم فيه، فإن المدة إنما تضرب
له مع اعترافه وطلب المرأة ذلك، ولم يوجد واحد منهما، وقد روى أن الرجل أنكر ذلك، وقال:
إنى لأعر كها عرك الأديم، وقال ابن عبد البر: وقد صح أن ذلك كان بعد طلاقه، رواه البخارى فى
باب الطلاق (٢: ٧٩٢). وفيه: فتزوجت زوجا غيره، وكانت معه مثل هدبة الثوب فلم تصل منه
إلى شىء تريده، فلم يلبث أن طلقها، فأتت النبى معَّم فقالت: إن زوجى طلقنى، وإنى تزوجت
زوجا غيره فدخل بى، ولم يكن معه إلا مثل الهدبة، فلم يقربنى إلا ھنة واحدة ولم يصل منى إلى
شىء الحديث، فلا معنى لضرب المدة وصحح ذلك قول النبى معَّ ◌ُله: ((تريدين أن ترجعى إلى رفاعة))
ولو كان قبل طلاقه لما كان ذلك إليها، وقيل: إنها ذكرت ضعفه وشبهته بهدبة الثوب، ولذلك قال
النبى معَّ ◌ُله: حتى تذوقى عسيلته، والعاجز عن الوطئ لا يحصل منه ذلك اهـ (٨٠٤:٧).
وأما قوله: ثم خالفوا ههنا عمر وعثمان وعليا فى ما صح عنهم من تأجيل امرأة المفقود ففيه
أنا لم نخالف عليا رضى الله عنه فى ذلك، بل قولنا هو قوله بعينه، وهو المشهور عنه، والذی روى
عنه مما يخالفه شاذ ضعيف لا يلتفت إليه كما مر، وأما الرواية عن عثمان ففيها مقال قد ذكرناه،
وأما الرواية عن عمر رضى الله عنه فإنما لم نأخذ بها ههنا لكون قول على أشبه بالكتاب والسنة
عندنا، كما ذكرناه عن محمد رحمه الله، وأيضًا فقد صح عندنا رجوع عمر رضى الله عنه إلى
قول علی کرم الله وجهه کما قاله محمد، وقد مر.
وفى المبسوط للسرخسى (٣٥:١١): وتربص أربع سنين كان يقول به عمر رضى الله عنه
فى الابتداء، ثم رجع إلى قول على رضى الله عنه اهـ، ولا يصح قياس المفقود على المولى والعنين

ج - ١٣
امرأة المفقود امرأته حتى يأتيها البيان
٥٧
٤٤٤٧- أخبرنا محمد بن أبان عن حماد عن إبراهيم فى المرأة تفقد زوجها، قال:
قد بلغنى الذى ذكر الناس من أربع سنين، والتربص أحب إلى. رواه محمد فى
"الحجج" له (ص: ٣٦١)، وسنده حسن.
٤٤٤٨- وأخرج البيهقى من طريق أبى أسامة عن زائدة بن قدامة ثنا سماك عن
حنش قال على رضى الله عنه: ليس الذى قال عمر رضى الله عنه عنه بشىء -یعنی فی
امرأة المفقود- هى امرأة الغائب حتى يأتيها يقين موته أو طلاقها، ولها الصداق من هذا
بما استحل من فرجها، ونكاحها باطل (٤٤٤:٧) قلت: سند صحيح، وحنش هو
الصنعانى ثقة من الثالثة
٤٤٤٩- ومن طريق يحيى بن معين ثنا عبد الرحمن بن مهدى عن منصور بن
سعد عن ابن شبرمة قال: كتب عمر بن عبد العزيز رحمه الله فى امرأة المفقود: تلوم
وتصبر. (٤٤٤:٧).
لأن التقدير بالمدة فى حقهما لدفع ظلم التعليق، ولا يتحقق معنى الظلم من المفقود، فقلنا: إنها امرأة
ابتليت فلتصبر، ولو شاء الله لابتلاها بأشد من ذلك، ولأن الغيبة فى الغالب تعقبها الرجعة، والعنة
قلما تتحل بعد استمرارها سنة فكان عود المفقود أرجى من زوال العنة بعد مضى السنة، فلا يلزم أن
يشرع فيه ما شرع فيها، فافهم. وإنما أطلت الكلام فى مسألة العنين فى غير موضعها لكونى اطلعت
على كلام ابن حزم فيها بعد تحرير المسألة وإيداعها مودعها ولله الحمد على ما علم وأنعم وفهم.
قوله: أخبرنا محمد بن أبان إلخ فيه ترجيح قول على رضى الله عنه على قول من ذهب
إلى التربص سنين فى امرأة المفقود، فإن صح عن إبراهيم النخعى أنه كان يقول فى ذلك بقول
عمر رضى الله عنه، فهذا دليل على رجوعه عنه إلى قول على كرم الله وجهه.
قوله: وأخرج البيهقى إلى قوله ومن طريق يحيى بن معين إلخ فى الأول دلالة على إنكار
على قول عمر رضى الله عنهما فى امرأة المفقود، فدل على أن عمر كان يقول بالتخيير خلافا لما
قاله مالك، وأنكر رواية من رواه ذلك عنه، ولم يكن على لينكر قول عمر ويرده إلا وعنده حجة
فى ذلك وثبوت وبرهان، فإن فضل عمر ودرجته فى العلم بالسنة والقضاء مما لم يكن يخفى على
أحد، فلذا رجحنا قول على رضى الله عنه على قول عمر فى الباب، وفى الثانى دلالة على قضاء
عمر بن عبد العزيز بقول على رضى الله عنه فى امرأة المفقود مع أنه كان يتحرى سيرة عمر ويتبع
قضاياه، كما لا يخفى على من له ممارسة بسير الخلفاء، والله تعالى أعلم.

٥٨
إعلاء السنن
٤٤٥٠- وعن يزيد مولى المنبعث أن النبى عَّ سئل عن ضالة الغنم فقال: خذها
فإنما هى لك أو لأخيك أو للذئب، وسئل عن ضالة الإبل فغضب واحمرت وجنتاه،
وقال مالك؟ ولها معها الحذاء والسقاء، تشرب الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها
الحدیث، رواه البخاری هکذا مرسلا ثم وصله (فتح البارى ٩: ٣٨٠).
باب إذا جاء المفقود وقد تزوجت امرأته فهى له ، فرق بينها وبين الثانى
و عليها العدة، ولها الصداق بما استحل منها
٤٤٥١- حدثنا هشيم أنا سيار عن الشعبى قال: قال على بن أبى طالب: إذ جاء
زوجها الأول فلا خيار له وهى امرأته. رواه أبو عبيد، كما فى المحلی (١٣٨:١٠) وسیار
هو أبو الحكم العنزى من رجال الجماعة ثقة ثبت (التهذيب ٢٩١:٤) فالسند صحيح.
قوله: عن يزيد مولى المنبعث إلخ قال ابن المنير: لما تعارضت الآثار فى هذه المسألة - أى
مسألة المفقود- وجب الرجوع إلى الحديث المرفوع، فكان فيه أن ضالة الغنم يجوز التصرف فيها
قبل تحقق وفاة صاحبها، فكان إلحاق مال المفقود (أى الذى يخشى عليه الضياع والفساد) بها
متجها، وفيه: أن ضالة الإبل لا يتعرض لها استقلالها بأمر نفسها، فاقتضى أن الزوجة كذلك
لا يتعرض لها حتى يتحقق خبر وفاته، فالضابط أن كل شىء يخشى ضياعه يجوز التصرف فيه.
صونا له عن الضياع، ومالا فلا، كذا فى "فتح البارى" (٣٨١:٩).
قلت: ولمالك أن يقول: إن ابتلاء المرأة بالزنا ضياعها، فإن خيف على امرأة المفقود ابتلاؤها
بالزنا كان حكمها حكم ضالة الغنم، ومذهب الحنفية فى الباب وإن كان قويا رواية ودراية ولكن
المتأخرين منا قد أجازوا الإفتاء بمذهب مالك عند الضرورة نظرًا إلى فساد الزمان. والله المستعان
وعليه التكلان، ومن أراد البسط فى تحقيق مذهب المالكية فى باب المفقود، فليراجع رسالة "الحيلة
الناجزة" التى ألفها سيدى حكيم الأمة دام مجده وعلاه.
باب إذا جاء المفقود وقد تزوجت امرأته فھی له وفرق بينها وبين الثانی
و عليها العدة، ولها الصداى بما استحل منها
قوله: حدثنا هشيم إلى قوله قال هشيم إلخ قلت: دلالة الآثار على أجزاء الباب غير الأخير
ظاهرة، قال الموفق فى "المغنى": فإن قدم زوجها الأول قبل أن تتزوج فهى امرأته، وقال بعض
أصحاب الشافعى: إذا ضربت لها المدة فانقضت بطل نكاح الأول، والذى ذكرنا أولى، لأننا إنما
أبحنا لها التزويج، لأن الظاهر موته، فإذا بان حيا انحزم ذلك الظاهر، وكان النكاح بحاله، كما لو

ج - ١١
إذا جاء المفقود وقد تزوجت امرأته
٥٩
٤٤٥٢- حدثنا على بن معبد عن عبيد الله بن عمرو عن عبد الكريم الجزرى عن
سعيد بن جبير قال: قال على بن أبى طالب فى امرأة المفقود تزوج: هى امرأة الأول
دخل بها الآخر أو لم يدخل، رواه أبو عبيد (المحلى ١٣٨:١٠) قلت: رجاله رجال
الصحيح خلا على بن معبد فمن رجال أبى داود والنسائى ثقة فقيه (تقريب ص: ١٥١)
وعبيد الله بن عمرو هو الرقى من رجال الجماعة ثقة فقيه ربما وهم (تقريب ص: ١٣٦).
شهدت البينة بموته ثم بان حيا، ولأنه أحد الملكين فأشبه ملك المال، فأما إن قدم بعد أن تزوجت
نظرنا، فإن كان قبل دخول الثانى بها فهى زوجة الأول ترد إليه، ولا شىء (قلت: وهذا خلاف
قول عمر فإنه أوجب عليه رد الصداق الذى أصدقها الثانى، كما سيأتى).
قال أحمد: أما قبل الدخول فهى امرأته، وإنما التخيير بعد الدخول، وهذا قول الحسن وعطاء
وخلاس بن عمرو والنخعى وقتادة ومالك وإسحاق، لأن النكاح إنما صح فى الظاهر دون الباطن،
فإذا قدم تبينا أن النكاح كان باطلا، لأنه صادف امرأة ذات زوج فكان باطلا، وليس عليه صداق،
لأنه نكاح فاسد لم يتصل به ويعود الزوج بالعقد الأول، كما لو لم تتزوج. وإن قدم بعد دخول
الثانى بها خير الأول بين أخذها فتكون زوجة بالعقد الأول، وبين أخذ صداقها وتكون زوجة
الثانى، وهذا قول مالك لإجماع الصحابة عليه، فروى معمر عن الزهرى عن سعيد بن المسيب أن
عمر وعثمان قالا: إن جاء زوجها الأول خير بين المرأة وبين الصداق الذی ساق هو، رواه
الجوز جانى والأثرم، (قلت: وفيه ما ذكرناه سابقا، فتذكر.
وأيضًا: فقد رجع عمر عن هذا إلى قول على كما مر وسيأتى) وقضى به ابن الزبير فى
مولاة لهم، (قلت: لم أقف على سنده ومتنه) وقال على ذلك فى الحديث الذى رويناه، (قلت:
ضعفه البيهقى، وهو منقطع أيضا، ومع ذلك فهو خلاف المشهور عنه) ولم يعرف لهم مخالف فى
عصرهم، فكان إجماعًا، قلت: وأين الإجماع وخلاف على لعمر فى ذلك مشهور، ووافق ابن
مسعود عليا رضى الله عنه، فعلى هذا أن أمسكها الأول فهى زوجته بالعقد الأول، والمنصوص عن
أحمد أنه لا يحتاج الثانى إلى طلاق، لأن نكاحه كان بصلا فى الباطن.
وقال القاضى: قياس قوله: إنه يحتاج إلى طلاق؛ لأن هذا نكاح مختلف فى صحته، فكان
مأمورا بالطلاق ليقطع حكم العقد الثانى كسائر الأنكحة الفاسدة، ويجب على الأول اعتزالها
حتى تنقضى عدتها من الثانى، وإن لم يخترها الأول فإنها تكون مع الثانى، ولم يذكروا لها عقدا
جديدًا، والصحيح أنه يجب أن يستأنف لها عقدا، لأننا تبينا بطلان عقده بمجىء الأول، ويحمل
٠٠

٦٠
إذا جاء المفقود قد تزوجت امرأته
إعلاء السنن
٤٤٥٣- حدثنا هشيم أخبر نا سيار عن الشعبى أنه كان يقول فى امرأة المفقود:
إن جاء الأول فهى امرأته ولا خيار له. قال هشيم: وهو القول، رواه سعيد بن منصور
(المحلی ١٣٨:١٠) وسنده صحيح.
قول الصحابة على هذا لقيام الدليل عليه، فإن زوجة الإنسان لا تصير زوجة لغيره بمجرد تركه لها،
(قلت: ولا بد مع ذلك أن تعتد المرأة من الأول للطلاق لبداهة أن زوجته لا تحل لغيره إلا بطلاقه أو
موته، وكل ذلك يقتضى وجوب العدة عليها) وقال أبو الخطاب من الحنابلة: القياس أننا إن حكمنا
بالفرقة ظاهراً وباطنًا فهى امرأة الثانى، ولا خيار للأول، لأنها بانت منه بفرقة الحاكم، فأشبه ما لو
فسخ نكاحها لعسرته، وإن لم يحكم بفرقته باطنًا فهى امرأة الأول، ولا خيار له اهـ (١٣٧:٩).
قلت: ومقتضاه ترجيح قول على رضى الله عنه على قول عمر رضى الله عنه، وبه قال
مسروق وإبراهيم، كما ذكرناه فى المتن وسيأتى، وروى ابن حزم من طريق حماد بن سلمة أخبرنا
عطاء بن السائب قال: بينما أنا عند إبراهيم النخعى وعنده رجل من أصحاب السابرى حزين
كئيب فقلت: ما شأن ذا؟ فقال النخعى: قدم زوج امرأته، فقلت: فكيف يصنع؟ قال: يخير بين
١
الصداق وبين امرأته، فإن اختار الطلاق أقام هذا على امرأته، ولا تعتد منه، لأن الماء ماؤه، وإن اختار
امرأته اعتدت من هذا، قال عطاء: فأخبرت بذلك الحكم بن عتيبة، فقال: لا يكون شىء من هذا إلا
وفيه عدة اهـ (١٣٧:١٠).
قلت: ومعنى ما قاله الحكم: إن الأول إن أمسكها، فهى امرأته بالنكاح الأول، ولكن
لا يقربها إلا بعد أن تعتد من الثانى، لكونها قد وطئها بشبهة، وإن لم يمسكها لا تحل للثانى إلا بعد
أن يطلقها الأول، وتنقضى عدة الطلاق ثلاثة قروء، فافهم.
والمعنى الذى حمل عليه الموفق كلام الصحابة ينفى الخلاف بين عمر وعلى رضى الله
عنهما، كما لا يخفى، والمشهور وقوع الخلاف بينهما، فالظاهر أن معنى قول عمر: إن جاء
زوجها الأول خير بين الصداق وبين امرآته أن نكاح الثانى لا يبطل بمجرد قدوم الأول بل باختياره
المرأة، وإذا كان كذلك طلقها الثانى أو ناب الحاكم منابه وفرق بينهما، وإن اختار الصداق بقى
الثانی علی نکاحه، ولا یحتاج إلی تجدید النكاح، فقد روى ابن حزم من طريق سعید بن منصور نا
هشيم أنا داود ابن أبى هند عن أبى نضرة عن عبد الرحمن بن أبى ليلى أن رجلاً من الأنصار خرج
ليلا فاستبته الجن، فطالت غيبته فأتت امرأته عمر بن الخطاب، فأخبرته فأمرها أن تعتد أربع سنين
ففعلت، فأمرها أن تتزوج ففعلت، وقدم زوجها الأول فخيره بين امرأته وبين الصداق فاختار