النص المفهرس
صفحات 681-700
٦٨١ من قتل رجلا وهما من عسكر أهل البغى ثم ظهر عليهم فليس عليهم شىء إعلاء السنن ٤٣٦٥- عن معمر عن الزهرى وذكر قتل عمر قال: فأخبرنى سعيد بن المسيب أن عبد الرحمن بن أبى بكر الصديق، ولم نجرب عليه كذبةً قط، قال: حين قتل عمر بن الخطاب انتهيت إلى الهرمزان وجفينة وأبى لؤلؤة وهم نجى فتبعتهم فثاروا وسقط من بينهم خنجر له رأسان نصابه فى وسطه وقال عبد الرحمن: فانظروا بما قتل به عمر فوجدوه خنجرا على النعت الذى نعت عبد الرحمن فخرج عبيد الله بن عمر مشتملا على السيف حتى أتى الهرمزان فقتله، ثم أتى جفينة، وكان نصرانيا فضربه، فصلب ما كثر سواد قوم فهو منهم، كما فى "المقاصد الحسنة" (ص: ٢٠١). قوله: "عن معمر عن الزهرى إلخ" محل الاستشهاد منه قوله: إن الله قد أعفاك أن يكون هذا الأمر ولك على الناس سلطان إنما كان هذا الأمر ولا سلطان لك، فإنه دليل على ما قاله أصحابنا إن القصاص لا يستوفى إلا بالولاية وهى بالمنعة، فبالأولى لا يقتص من رجل قتل آخر، وهما فى دار البغى لكونه خارجا من سلطان الإمام بلا شك وإنما ودى عثمان الرجلين والجارية تطييبا لقلوب الأولياء، وتسكينًا للدهماء، ولم يكن ذلك واجبا عليه، فاندحض به ما قاله ابن حزم: إن عبيد الله بن عمر لم يقتل من قتل فى عسكر أهل البغى، ولا فى وقت كان فيه باغ من المسلمين على وجه الأرض إلخ. قلنا: نعم، ولكن كان ذلك وليس للإمام على الناس من سلطان، فمن قتل فى دار البغى أولى بهذا الحكم كما قدمنا. قال: وهم لا يقولون بإهدار القود عمن قتل فى الجماعة بين موت إمام، وولاية آخر فقد خالفوا عثمان، ومن معه فى هذه القصة. قلنا: هذا إذا كان للإمام نائب فى البلد كالقاضى وغيره، فإنه لا ينعزل بموت الإمام، ولا يخلو البلد به من ولاية فلا يهدر القود عمن قتل بين موت إمام، وولاية آخر لبقاء الولاية فى الجملة، وأما عمر رضى الله عنه فلم يكن له قاض(١) بالمدينة ولا وال غيره. قال الطبرى: قال مصعب بن عبد الله أن مالك بن أنس روى عن الزهرى أن أبا بكر وعمر رضى الله عنهما لم يكن لهما قاض (٤٢:٥). وفى مثل ذلك نقول بقول عثمان ومن وافقه، فافهم. فإن قيل: قال معمر: قال غير الزهرى: قال عثمان: أنا ولى الهرمزان وجفينة والجارية، (١) فإن قيل: أليس قد كان أمر صهيبا أن يصلى بالناس ثلاثًا كما فى "فتح البارى" (٧: ٥٥). قلنا: بلى ولكنه لم يكن واليا ولا أميرا فى هذه الثلاثة أيام وإلا لرفعوا إليه أمر عبيد الله ولم يؤخروه إلى أن يجتمع الناس على إمام. ٦٨٢ ج - ١٢ من قتل رجلا وهما من عسكر أهل البغي ثم ظهر عليهم فليس عليهم شىء بين عينيه ثم أتى ابنة أبى لؤلؤة جارية صغيرة تدعى الإسلام فقتلها، فأظلمت الأرض يومئذ على أهلها. فلما ولى عثمان (أى بعد ثلاثة أيام من شهادة عمر) قال: أشيروا على فى هذا الرجل الذى فتق فى الإسلام ما فتق -يعنى عبيد الله بن عمر- فأشار عليه المهاجرون أن يقتله، وقال جماعة من الناس: قتل عمر بالأمس وتريدون أن تتبعوه ابنه اليوم أبعد الله الهرمزان وجفينة، فقام عمرو بن العاص فقال: يا أمير المؤمنين! إن الله قد أعفاك أن يكون هذا الأمر ولك على الناس من سلطان. إنما كان هذا الأمر ولا سلطان لك، فاصفح عنه يا أمير المؤمنين قال: فتفرق الناس على خطبة عمرو، وودى عثمان الرجلين والجارية". رواه عبد الرزاق، كما فى "المخلى" (١١٤:١١)، والذهلى فى "الزهريات" من طريق معمر عن الزهرى عن سعيد بن المسيب به، كما فى "الإصابة" (٧٦:٥). وهذا سند صحيح. وأنی قد جعلتها دية وقال ابن حزم: روینا عن محمد بن جریر پإسناد لا يحضرنى الآن ذكره أن عثمان أقاد ولدا الهرمزان من عبيد الله بن عمر بن الخطاب، وأن ولدا الهرمزان عفا عنه، كما فى "المحلى" (١١٥:١١). قلنا: فى صحة هذا نظر لأن عليا رضى الله عنه استمر حريصا على أن يقتله أى عبيد الله بن عمر بالهرمزان وقد قالوا: إنه هرب لما ولى الخلافة إلى الشام فكان مع معاوية إلى أن قتل معه بصفين ولا خلاف فى أنه قتل بصفين مع معاوية كذا فى "الإصابة" (٧٧:٥). فلو كان عثمان وداهما والجارية لكون السلطان ولی من لا ولی له أو کان أقاد ولد الهرمزان منه وعفی لم یکن لحرص على على قتله معنى فالصحيح ما قلنا: إن عثمان إنما لم يقده منه لكون الحادث قد وقع قبل سلطانه وكان على ممن يرى عليه القود لكون جماعة المسلمين بمنزلة الإمام عنده وخالفه فى ذلك سائر الناس من الصحابة وغيرهم لما فى الأثر من قول الراوى: ففرق الناس على خطبة عمرو إلخ. أى رضوها وقضوا بها والله تعالى أعلم. جماعة المسلمين ليست بمنزلة الإمام وفى الأثر دليل لأبى حنيفة أيضا على أن جماعة المسلمين ليست بمنزلة الإمام وإلا لوجب القود على مبيد الله حتما خلافا لمالك كما قاله فى مسألة المفقود فليحفظ. ٦٨٣ إعلاء السنن باب يكره بيع السلاح من أهل الفتنة وفى عساكرهم ٤٣٦٦- عن عمران بن حصين رضى الله عنه ((أن رسول الله مګ٣ نهی عن بيع السلاح فی الفتنة)). رواه ابن عدی فی الکامل والعقیلی فی کتابه عن محمد بن مصعب القرقسانى ثنا أبو الأشهب عن أبى رجاء عن عمران بن حصين به (زيلعى ١٢٠:٢) وإسناده حسن كما تقدم فى أول الكتاب وعلقه البخارى، فقال: وكره عمران بن حصين بيعه فى الفتنة اهـ (فتح البارى ٤: ٢٧٠). باب يكره بيع السلاح من أهل الفتنة وفى عساكرهم قوله: "عن عمران بن حصين إلخ". قال الحافظ فى "الفتح": وكان المراد بالفتنة ما يقع من الحروب بين المسلمين لأن فى بيعه إذ ذاك إعانة لمن اشتراه وهذا محله إذا اشتبه الحال، فأما إذا تحقق الباغى فالبيع للطائفة التى فى جانبها الحق لا بأس به. قال ابن بطال: إنما كره بيع السلاح فى الفتنة لأنه من باب التعاون على الإثم. ومن ثم كره مالك والشافعى وأحمد وإسحاق بيع العنب ممن يتخذه خمرًاً (قلت: وكذلك كرهه محمد منا وأجازه أبو حنيفة إذا العنب ليس بآلة المعصية وهو خلاف الأولى عندهم جميعا). وذهب مالك إلى فسخ البيع وكأن المصنف أى البخارى أشار إلى خلاف الثورى فى ذلك أى فى بيع السلاح فى الفتنة حيث قال: بع حلالك ممن شئت اهـ. (٤: ٢٧١). وفى "الهداية": يكره بيع السلاح من أهل الفتنة وفى عساكرهم لأنه إعانة على المعصية، وليس ببيعه فى أهل الكوفة (مثلا) ومن لم يعرفه من أهل الفتنة بأس لأن الغلبة فى الأمصار لأهل الصلاح وإنما يكره بيع نفس السلاح لا بيع ما لا يقاتل به إلا بصنعة، ألا ترى أنه یکره بيغ المغازف ولا يكره بيع الخشب وعلى هذا الخمر مع العنب" (٣٤٠:٥ مع الفتح). هذا وقد تمت هناك أبواب السير والحمد لله العلى الأكبر وبتمامه تم الجزء الثانى عشر من الكتاب. وقع الفراغ من تأليفه الخامس عشر من صفر الخير سنة خمس وخمسين بعد ثلاثمائة وألف من هجرة سيد المرسلين صلى الله تعالى عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، وكان تأليف هذا الجزء والقلب منفطر والصدر متفتت منكدر والظهر منكسر لفقد قرة عيني وحبيبتى ثمرة فؤادى وكريمتى بنتى أخترى فقد ارتحلت إلى رحمة الرحمن فى إثناء هذا التأليف لستة وعشرين من شعبان سنة أربع وخمسين. فيألها من وفاة قد أحرقت الفؤاد وقطعت الأكباد ومنعت الرقاد وأطالت السهاد وأوحشت البلاد والعباد وفجعت الحاضر والباد فإنا لله وإنا إليه راجعون ما شاء الله كان وما لم يشأ لا يكون رضينا بحكمه وسلمنا لقضاء لا مانع لما أعطى ولا معطى لما منع ٦٨٤ ج - ١٢ مسائل شتى باب يوجع الغال عقوبة ولا يحرق رحله ومتاعه ٤٣٦٧ - روى عن أبى بكر وعمر رضى الله عنهما "أنهما كانا يعاقبان فى الغلول عقوبة موجعة" ذكره الإمام أبو يوسف هكذا فى "الخراج" له، واحتج به، واحتجاج المجتهد بحديث تصحيح له كما تقرر فى الأصول. ٤٣٦٨- عن عبد الله بن عمرو قال: كان على ثقل النبى مرّ ◌ُلّه رجل يقال له كركرة فمات فقال النبى معَّ ◌ّ: هو فى النار فذهبوا ينظرون إليه فوجدوا عباءة قد غلها)). رواه البخارى وقال: ولم يذكر عبد الله بن عمرو عن النبى عّ لّه أنه حرق متاعه وهذا أصح (فتح البارى ١٣٠:٦). ولا راد لما قضى. يحث بها حاد من الموت قاصد وما هذه الأيام إلا رواحل تطوى والمسافر قاعد وأعجب شىء لو تأملت أنها منازل اللّهم اغفر لى ولها وارحمنى وإياها وأدخلنى وإياها الجنة برحمتك يا أرحم الراحمين والحمد لله رب العالمين. مسائل شتی باب یوجع الغال عقوبة ولا یحرق رحله ومتاعه قوله: "روی عن أبى بكر وعمر. قوله: "عن عبد الله بن عمرو إلخ" قال الحافظ فى "الفتح": ونقل النووى الإجماع على أنه أى الغلول من الكبائر قال: وقوله: وهذا أصح، أشار إلى تضعيف ما روى عن عبد الله بن عمرو فى الأمر بحرق رحل الغال. والأمر بحرق رحل الغال أخرجه أبو داود من طريق صالح بن محمد بن زائدة الليثى المدنى أحد الضعفاء، قال: دخلت مع سلمة بن عبد الملك أرض الروم فأتى برجل قد غل فسأل سالماً أى عبد الله بن عمر عنه فقال: سمعت أبى يحدث عن عمر عن النبى معَّه قال: ((إذا وجدتم الرجل قد غل فأحرقوا متاعه)). ثم ساقه من وجه آخر عن سالم موقوفًا. قال أبو داود: هذا أصح، وقال البخارى فى التاريخ: يحتجون بهذا الحديث فى إحراق رجل الغال وهوباطل لا أصل له وراويه لا يعتمد عليه. وروى الترمذى عنه أيضا أنه قال: صالح منكر الحديث. وقد جاء فى غير حديث ذكر الغال. وليس فيه الأمر بحرق متاعه. ٦٨٥ إعلاء السنن باب كراهة الجرس فى أعناق الخيل والإبل ونحوها ٤٣٦٩- عن أم حبيبة عن النبى عدّ له: ((لا تصحب الملائكة رفقة فيها جرس)). رواه أبو داود وسكت عنه هو والمنذرى وقال: وأخرجه النسائى (عون المعبود ٣٣٠:٢). ٤٣٧٠- عن أبى هريرة أن النبى عَ لّه قال: ((لا تصحب الملائكة رفقة فيها كلب أو جرس -وفى لفظ قال فى الجرس -: مزمار الشيطان)). رواه أبو داود وسكت عنه وقال المنذرى: أخرجه مسلم والترمذى والنسائى أيضا (عون المعبود ٣٣٠:٢). قلت: وجاء من غير صالح بن محمد أخرجه أبو داود أيضا من طريق زهير بن محمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ثم أخرجه من وجه آخر عن زهير عن عمرو بن شعيب موقوفا عليه وهو الراجح. وقد أخذ بظاهر هذا الحديث أحمد فى رواية وهو قول مكحول والأوزاعى، وعن الحسن يحرق متاعه كله إلا الحيوان والمصحف. وقال الطحاوى: لو صح الحديث لاحتمل أن يكون حين كانت العقوبة بالمال اهـ (١٣٠:٦). وقال الإمام أبو يوسف: ليس فى الغلول قطع على ما جاء الأثر وهو ما رواه من طريق الأشعث عن أبى الزبير عن جابر ليس فى الغلول قطع. وقد روى عن أبى بكر وعمر رضى الله عنهما أنهما كانا يعاقبان فى الغلول عقوبة موجعة والذى أدركت عليه فقهاؤنا أنهم كانوا يرون أن يعاقب فيوجع عقوبة ويؤخذ ما يوجد عنده اهـ(ص٢٠٥). باب كراهة الجرس فى أعناق الخيل والإبل ونحوها قوله: "عن أم حبيبة إلى آخر الباب"، قيل: سببه كراهة صوته، ويؤيده فى الرواية الآتية مزمار الشيطان وقيل: لأنه يدل على صاحبه بصوته وكان مَّ يحب أن لا يعلم العدو حتى يأتيهم بغتةً. قال فى "المرقاة": وأضاف إلى الشيطان لأن صوته لم يزل يشغل الإنسان من الذكر والفكر انتهى. وفى "الهندية": اختلف العلماء فى كراهة تعليق الجرس على الدواب فمنهم من قال بكراهته فى الأسفار كلها الغزو وغيره فى ذلك سواء والقائل بكراهته يقول بكراهيته فى الحضر كما يقول بكراهته فى السفر ويقول أيضا بكراهة اتخاذ الجلاجل فى رجل الصغير. (قلت: وهو الأوفق بقول النبى معَّةِ (الجرس مزمار الشيطان)). وقال محمد فى "السير الكبير": إنما يكره اتخاذ الجرس للغزاة فى دار الحرب وهو المذهب عند علمائنا لأن تعليق الأجراس على الدواب إنما يكره فى دار الحرب لأن العدو يشعر بمكان المسلمين فإن كان بالمسلمين قلة يتبادرون إليهم يقتلونهم، وإن كان لهم كثرة فالكفار يتحرزون عنهم ويتحصنون. فعلى هذا قالوا: إذا كان الركب فى المفازة فى دار الإسلام يخافون من اللصوص يكره لهم تعليق الجرس على ٦٨٦ ج - ١٢ باب آداب القفول من الغزو وما يستحب للناس من تلقى الغزاة ٤٣٧١- عن ابن عمر رضى الله عنهما ((أن رسول الله عَّ له كان إذا قفل من غزو أو حج أو عمرة يكبر على كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات ويقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شىء قدير، آئبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون صدق الله وحده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده)). رواه أبو داود قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائى (عون المعبود ٢: ٣٣١). ٤٣٧٢- عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله عَّ له: ((يكره أن يأتى الرجل أهله طروقا)). رواه أبو داود وفى لفظ قال: ((إن أحسن ما دخل الرجل على أهله إذا قدم من سفر أول الليل)). قال المنذرى: وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى (عون ٤٨:٣). وفيه أيضا: قال أبو داود: قال الزهرى: الطروق بعد العشاء. قال أبو داود: وبعد المغرب لا بأس به اهـ. ٤٣٧٣- عن السائب بن يزيد "قال: لما قدم النبى معَّ ◌ُلّه المدينة من غزوة تبوك تلقاه الناس فلقيته مع الصبيان على ثنية الوداع". رواه أبو داود، قال المنذرى: وأخرجه البخارى والترمذى، (عون المعبود ٤٦:٣). الدواب أيضًا حتى لا يشعر بهم اللصوص فلا يستعدون لقتلهم وأخذ أموالهم، والذى ذكرناً من الجواب فى الجرس فهو الجواب فى الجلاجل، قال محمد فى "السير الكبير": فأما ما كان فى دار الإسلام فيه منفعة لصاحب الراحلة فلا بأس به. قال: وفى الجرس منفعة جمة، منها إذا ضل واحد من القافلة يحلق بها بصوت الجرس، ومنها أن صوت الجرس يبعد هوام الليل عن القافلة كالذئب . وغيره، ومنها أن صوت الجرس يزيد فى نشاط الدواب فهو نظير الحدى كذا فى المحيط (٢٣٥:٦). باب آداب القفول من الغزو وما يستحب للناس من تلقى الغزاة والإطعام عند القدوم من السفر قوله: "عن ابن عمر إلى آخر الباب" دلالته على معنى الباب ظاهرة. وروى البخارى عن جابر بن عبد الله أن رسول الله عَ ليه لما قدم المدينة نحر جزورا أو بقرة، بوب عليه البخارى "باب الطعام عند القدوم" وقال ابن بطال: فيه إطعام الإمام والرئيس أصحابه عند القدوم من السفر (غزوا ١ ٦٨٧ إعلاء السنن ٤٣٧٤- عن کعب بن مالك «أن النبی عګے کان لا یقدم من سفر إلا نهارا، قال الحسن (ابن على الراوى) فى الضحى فإذا قدم من سفر أتى المسجد فركع فيه ركعتين ثم جلس فیه)). رواه أبو داود وسكت عنه. ٤٣٧٥- وفی لفظ له عن ابن عمر -فر کی فیہ ر کیتین ثم انصرف إلی بیته قال نافع: فكان ابن عمر كذلك يصنع. رواه أبو داود وسكت عنه، قال المنذرى: فيه محمد بن إسحاق (قلت: ولكنه صرح بالتحديث) وقد جاءت هذه السنة فى أحاديث ثابتة انتهى كلام المنذرى (عون المعبود ٤٦:٣). باب فضيلة غزوة الهند ٤٣٧٨- عن أبى هريرة قال: ((وعدنا رسول الله عَّ له غزوة الهند فإن أدر كتها أنفق فيها نفسَى ومالى وإن قتلت كنت أفضل الشهداء وإن رجعت فأنا أبو هريرة المحرر))، (رواه النسائی ٦٣:٢)، وسنده حسن. ٤٣٧٩- عن ثوبان مولى رسول الله عَّ له قال: قال رسول الله مَّ ◌َله: ((عصابتان من أمتی أحرزهما الله من النار، عصابة تغزو الهند وعصابة تكون مع عیسی ابن مريم))، (رواه النسائى ٦٣:٢) أيضا، وعزاه العزيز إلى أحمد والضياء عن ثوبان أيضا وقال: پاسناد حسن. كان أو حجا أو نحوه) وهو مستحب عند السلف، ويسمى النقيعة، ونقل عن المهلب أن ابن عمر كان إذا قدم من سفر أطعم من يأتيه ويفطر معهم ويترك قضاء رمضان لأنه كان لا يصوم فى السفر فإذا انتهى الطعام ابتدأ قضاء رمضان كذا فى "فتح البارى" (١٣٤:١). باب فضيلة غزوة الهند قوله: "عن أبى هريرة وعن ثوبان إلخ". دلالتهما على معنى الباب ظاهرة، وهل هذه الفضيلة تختص بعصابة غزت الهند أولا أو تعم كل عصابة غزتها أولا أو ثانيا أو ثالثا حتى جعلتها دار الإسلام وكذا كل عصابة تفزوها فيما بعد لصيرورتها الآن دار حرب بعد ما بقيت دار إسلام مدة ألف سنة أو نحوها؟ فظاهر حديث ثوبان الأول وظاهر حديث أبى هريرة الثانی والكرم عمیم، والله ذو الفضل العظيم. وليكن هذا مسك الختام وطالع الإتمام لهذا الجزء الثانى عشر من إعلاء السنن جعلنا الله ببركة تأليفه من إحدى العصابتين اللتين أحرزهما من النار بحرمة سيد الأبرار ٦٨٨ ج - ١٢ تتمة كتاب السير باب إبطال القومية المتحدة ٤٣٨٠- عن أبى هريرة فى حديث طويل مرفوعًا ((إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء، إنما هو مؤمن تقى أو فاجر شقى، الناس كلهم بنو آدم وآدم من تراب)). رواه الترمذى وأبو داود (المشكاة ص٤١٨). سيدنا محمد عدّة آناء الليل وأطراف النهار وعلى آله الأطهار وصحابته الأخيار. وقع الفراغ من تكميل المسائل عشية الثلاثاء الخامس والعشرين من شعبان سنة خمس و خمسین بعد ثلاث مئة وألف من هجرة سید الإنس والجان. وكان تأليفه فى ظل نادرة الزمان العارف بالله حكيم الأمة المحمدية مجدد الملة الإسلامية سيدى الشيخ مولانا محمد أشرف على التهانوى أطال الله بقائه فينا ومتعنا بأنفاسه القدسية دهرا وحينا. والحمد لله الذى بعزته وجلاله تتم الصالحات وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. باب إبطال القومية المتحدة قلت: هذه لفظة قد تكرر ذكرها على ألسنة أهل السياسة فى عصرنا هذا لا سيما فى الهند، ولها عندهم معنى قد اصطلحوا عليه وهو الذى أردنا إبطاله ومن أغمض عن اصطلاح القوم واقتصر على المعنى اللغوى فلم ير به بأسا فقد خلع ربقة الفقه والعلم عن عنقه. وبعد ذلك فنقول: معنى القومية المتحدة أن يكون بين أقوام مختلفة المذاهب إسلاما وكفرا اختلاط تام حتى لا يبقى لأحد منها تمدن متميز عن تمدن الآخرين ولا معاشرة قوم ممتازة عن معاشرة غيره من الأقوام، ويكونون كلهم فى الدين سواء إما بإحداث دين مركب من الأديان المختلفة أو بأن لا يبد وللدين والمذهب أثر فى غير الباطن ويكونون فى الظاهر كقوم واحد حتى لا يبقى لقوم اسم على حدة بل المجموع يدعى باسم واحد لاشتراكهم فى الوطن أو النسل أو اللون مثلا، ولا يكون لقوم منهم نظام على حدة بل لا بد من أن يكون نظامهم جمهوريا مأخوذا من امتزاج هؤلاء الأقوام، ويعتبر فی تر کیب هذا النظام وقوانينه آراء الأكثرین منهم فما رضیه الأكثرون قضی به وما ردوه رد ولم يقض به أصلا. وإذا عرفت ذلك فلا شك أن مثل هذه القومية المتحدة إنما تكون جائزة شرعًا إذا كان حكم الإسلام هو الظاهر والمسلمون هم الأكثرون حتى ينمحى تمدن أهل الكفر ومعاشرتهم ويحيى تمدن أهل الإسلام ومعاشرتهم، ويكون دين الأقوام كلها هو الإسلام فى الظاهر من غير أن يحدث لهم دين مركب من الأديان (لأن الإسلام لا يتحمل أن يدخل فيه شىء من الكفر فإن ٦٨٩ إبطال القومية المتحدة إعادة أسبان ٤٣٨١- عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله عَّ له: ((أنسابكم هذه ليست بمسبة على أحد، كلكم بنو آدم طف الصاع بالصاع لم تملئوه ليس لأحد على أحد فضل إلا بدين وتقوى الحديث رواه أحمد والبيهقى فى شعب الإيمان (المشكاةص٤١٨). المركب من الإسلام والكفر كفر لا محالة كما لا يخفى) ويكون لسان الأقوام كلها لسان أهل الإسلام ويكون نظامهم نظام الإسلام لا غير. فعلى مسلمى الهند أن يبذلوا جهدهم لمثل ذلك ولا يكون إلا بتنظيم جماعات المسلمين تحت راية واحدة وإبطال تشتتهم وإزالة تفرقهم. فلو انتظموا فى سلك واحد وصارت كلمتهم واحدة وصاروا جميعًا كبنيان مرصوص فلا يكون الغلبة إلا لهم إن شاء الله تعالى وإن كثرت أعداؤهم فلا حاجة لهم إلى الاستعانة بغيرهم من المشركين، وإن أضلوا وعظموا وجلوا. فلو انعكس الأمر وكان حكم الكفر هو الظاهر والكفارهم الأكثرون، وجعل تمدن أهل الإسلام ومعاشرتهم نسيا منسيا، وتمدن الكفار ومعاشرتهم غالبًا على الأقوام وأبطل شعائر الإسلام وأقيم شعائر الكفر وانمحى لسان أهل الإسلام وأحيى لسان أهل الكفر وأجبر المسلمون على التكلم بلغتهم، وترك لغتهم الإسلامية وكان نظامهم مبنياً على آراء الجمهور وهم الكافرون، فمثل هذه القومية لا يشك مسلم فى بطلانها وحرمتها شرعًا بل ولا يرتاب أحد فى كونها كفرا وارتدادا ولو أحدث لهم دين مركب من الأديان أو مفضيا إلى الكفر ولم يبق للإسلام أثر فى الظاهر والعيان ولا شعائره قائمة فى القرى والبلدان ولا ريب أن تحصيل مثل هذه القومية المتحدة المؤدية إلى السلطنة الجمهورية ليست من الجهاد فى شىء لأن غرض الجهاد إنما هو إعلاء كلمة الله لا المدافعة عن الوطن مطلقا لأن المدافعة عن الوطن لو أفضت إلى سلطنة الشرك واستيلاء المشركين عليه مكان سلطنة النصارى لكانت كالفرار من المطر والوقوف تحت الميزاب. فعجبا! السخافة رأى من سمى تلك المدافعة جهاد الحرية وغفل عن حقيقة هذه الحرية ومعناها فإن السلطنة الجمهورية إنما تفيد حرية الأقوام التى هى أكثر عددا وأما التى هى أقل عددا فليس لها فيها من الحرية شىء وإنما حظها منها عبودية الجمهور الذين بأيديهم أزمنة الأمور والكثرة فى الهند للمشركين دون المسلمين فلا يعود منفعة القومة المتحدة والسلطنة الجمهورية إلا إلى أهل الشرك، ولا يحصل المسلمون منها إلا على عبودية مكان عبودية. ولا يخفى أن عبودية أهل الوطن أشد من عبودية أجنبى لا سيما والقومية المتحدة لا تتأتى إلا بإبطال اسم الإسلام وشعائره وجعل الأقوام كلها قوما واحدا لا يتميز قوم منها عن قوم، أى لا يتميز القليل منهم عن الكثير فإن الجمهورية إنما تهضم سورة القليل ولا تضر الكثير شيئا لكون ج - ١٢ إبطال القومية المتحدة ٦٩٠ ٤٣٨٢- عن أبى ذر ((أن النبى عّ لّه قال له: أنظر! فإنك لست بخير من أسود ولا أحمر إلا أن تفضله بتقوى)). رواه أحمد ورجاله ثقات. زمام الأمر بيدهم فأى حاجة لهم إلى إفناء دينهم وشعائره، وإلى إبطال أعلام قومهم وعشائره؟. ومن شقاوة أهل الهند تسلط النصارى على أرض الهند منذ مائة وخمسين سنة وسعيهم فى تضعيف أهل الإسلام وتقوية أهل الشرك بها، ثم نشأت جماعة من الهنود أهل الشرك تدعى "بكانغريس" سعت فى تأسيس القومية المتحدة بالهند بين مسلميها ومشركيها بالمعنى الذى ذكرناها وقام لنصرتها طائفة من المنتسبين إلى العلم من أهل الإسلام واغتر بهم جماعة من العوام كالأنعام، فزعموا أن القومية المتحدة ثابتة بنص القرآن والحديث ﴿كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا﴾ فأيم الله! لم تكن سلطنة النصارى على أرض الهند أضر بأهلها المسلمين من تلك القومية المتحدة التى تدعو إليها كانغريس ومن وافقها فى ذلك من هؤلاء العلماء وسفهاء الأحلام، فإن جمهور أهل الهند هم المشركون فإن ظفروا بما أرادوا من القومية المتحدة التى مر تفسيرها لاتمحى أثر الإسلام وشعائره وتغلب الشرك وقويت عشائره وعساكره وهدمت أركان الإسلام ورفعت أعلام الأصنام. يدل على ذلك تشمير الهنود عن ساق الجد فى محو الشعائر الإسلامية لا سيما ذبح البقر واللغة الأردوية المشتملة على اللغات العربية. وأعلن أكابر زعمائهم بأن القومية المتحدة لن تقوم فى الهند إلا بإحداث تمدن ممزوج مركب من تمدن المسلمين والمشركين ولا بدلا لك من تأسيس مذهب جديد مركب من المذهبين. وقال بعضهم: "إن المذهب والدين كلاهما بمعزل عن السياسة فلا بد لأهل لأهل الهند من تعليم جديد لا يكون فيها مدخل للقرآن ولا لغيره من كتب المذاهب ولا بدلهم أيضا من لسان واحد مشترك بين الأقوام كلها لا يكون له اختصاص بأهل الإسلام ومن نظام واحد لا يكون بناؤه على الأديان والمذاهب، بل على رأى الجمهور وكثرة آرائهم". وقال بعضهم: "وليعلم أهل المذاهب أن تكون الله والمذهب فى أعلى مكان من السماء أولى من أن يكون لهما مدخل فى القضايا الأرضية والأمور السياسية" وغير ذلك من الأقوال المصرحة بمعنى القومية المتحدة والنظام الجمهورى. فأنشدكم الله هل مثل القومية المتحدة البينة العوار يرتضيه الإسلام، ويرضى به الله ورسوله سيد الأنام عليه الصلاة والسلام؟ كلا والله! بل هو هادم لبناء الإسلام خالع ربقة التوحيد عن رقاب الأنام يجر أهله إلى الإلحاد والزندقة واللا مذهبية المحضة. وبهذا ظهر الجواب عن تمويه بعض السفهاء من جماعة العلماء أن البرطانية أكبر عدو ١ ٦٩١ إبطال القومية المتحدة إعلاء السنن ٤٣٨٣- عن أبى سعيد قال: قال رسول الله عَّ له: ((إن ربكم واحد وأباكم واحد، فلا فضل لعربى على أعجمى ولا أحمر على أسود إلا بالتقوى)). رواه الطبرانى والبزار بنحوه، ورجال البزار رجال الصحيح. للإسلام وأهله واستيلاؤها على أرض الهند أكبر سبب لقوتها وسطوتها على بلاد المسلمين من مصر والشام. فعلينا أن نستأصل استيلائها عن الهند بإقامة القومية المتحدة مع المشركين لنصرة عالم الإسلام. ثم نفرغ بعد ذلك لهؤلاء المشركين. قلنا: لا يجوز كسب الطيب بالخبيث، ولا تحصيل الخير بالشر، فلو سلمنا أن القومية المتحدة تستأصل استيلاء النصارى على أرض الهند فإنها مع ذلك توجب استيلاء الشرك وأهله عليها، وتمحو الإسلام وشعائره منها. فهل يرضى أحد له مسكة عقل وعلم أن ينفع بلدا من بلاد الإسلام بمحو الإسلام وشعائره من بلاد أخرى؟ كلا والله هذا مما لا يرضى به مُّسلم يؤمن بالله واليوم الآخر قط. نص الفقهاء على أنه لا يجوز تحمل ضرر معلوم لتحصيل نفع موهوم. وأيضاً فإن المدافعة التى قامت كأنغريس بها لا تفيد الانقلاب دفعة، وإنما تفيده تدريجا لتخرب شيئا من أساس سلطنة النصارى وتعمر مكانه شيئا من الجمهورية التى هى بصددها فلا تستأصل سلطنة النصارى عن الهند إلا وقدٍ قويت السلطنة الجمهورية بها وارتفعت أعلامها وعلت أركانها ولا يكون ذلك إلا وقد انمحی أثر الإسلام وبطلت شعائره وتبددت عساكره، وانهدمت أركانه وخربت بنيانه. فكيف تفرغون لهؤلاء المشركين وقد بلغت قلوبكم الحناجر؟ ومن أخبر كم أن الجمهورية التى تقوم بأرضكم بعدٍ سلطنة النصارى لا تكون عونًا لهم على أهل الإسلام ولا طالبة للغلبة والعلو على بلاد المسلمين؟ فمن المشاهد أن الجمهورية لا تبقى جمهورية بل تتبدل ملوكية عاضة قاهرة فإن كان عدد من المسلمين يقاتلون اليوم إخوانهم المسلمين نصرة للنصارى لأجل الجوع والفقر والضر فسيقاتل أبنائهم وأبناء أبنائهم إخوانهم المسلمين برضا أنفسهم لنصرة القومية المتحدة التى قد نشأوا فيها وغذوا بلبانها، فإقامة القومية المتحدة بالهند فى جهاد الحرية ليس من نصرة عالم الإسلام فی شیء. وأما قولهم: "إن الله تعالى حيث ذكر فى كتابه أقوام الأنبياء قد أطلق لفظ القوم على المجموع الشامل للمسلمين والمشركين، فثبت اتخاذ القومية المتحدة من اختلاط الأقوام المختلفة الأديان" فمغالطة محضة وتزوير باطل، لأن صحة إطلاق القوم على المجموع المذكور لا يستلزم جواز اتخاذ القومية المتحدة التى اصطلح عليها أهل السياسة فى هذا العصر. ألا ترى أن الله تعالى ٦٩٢ ج - ١٢ إبطال القومية المتحدة ٤٣٨٤- وعن حميد بن عبد الرحمن بن عوف قال: سمع عبد الرحمن بن عوف رجلا يقول: أنا أولى الناس برسول الله عَّ له، فقال: غيرك أولى به منك ولك نسبه)). رواه الطبرانى. مع إطلاق لفظ قوم نوح على مسلميهم ومشركيهم قد فرقهم قبل ذلك فرقتين وميز بين الحزبين بقوله: ﴿مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا﴾ وقال لنوح حين نادى ربه ﴿إن ابنى من أهلى وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين﴾: ﴿یا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إنى أعظك أن تكون من الجاهلين﴾ وقال: ﴿لقد كانت لكم أسوة حسنة فى إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده﴾ وكل ذلك ينافى القومية المتحدة التى اصطلحوا عليها. ومن شك فى ذلك فليقل للمشركين الداعين إلى تلك القومية: ﴿إنا برآء منكم. ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده﴾ ثم لينظر هل يرضون بجعله ركنا من أركان تلك القومية أو يرمون به من حلق ويتهمونه بالعصبية المحضة، وقال تعالى: ﴿أ فمن يعلم أن ما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى﴾ وغير ذلك من الآيات الفارقة بين المسلمين والمشركين وبين أولياء الله وأعدائه، فهل لأحد أن يجترئ على القول بأن قوم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم من الأنبياء كانوا على دين واحد مركب من الإسلام والكفر، أو أن الأنبياء اتخذوا لأقوامهم قومية متحدة بالمعنى الذى أراده أهل السياسة من أبناء زماننا؟ كلا لن يجترئ على ذلك إلا من لم يشم رائحة من العلم، فإن القرآن مصرح بأن الناس كانوا(١) أمة واحدة ﴿فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين) الآية. وفيه دلالة (فى أحد القولين) على أن بعثة الأنبياء كانت فارقة ممزقة للوحدة التى كان الناس عليها من قبل مبطلة للقومية المتحدة التى كانوا اتخذوها مودة بينهم فى الحياة الدنيا، فلم يكن إطلاق قوم نوح وقوم إبراهيم ونحوه على مسلمیهم وكافریهم إلا لكونهم أمة واحدة قبل بعث الأنبياء إليهم، وأين فيه أن الله تعالى جعلهم قوما واحدا أو اتخذ لهم قومية متحدة؟ فإن هذا اصطلاح حادث قد (١) أى حين بعث نوح عليه السلام: ﴿وما آمن معه إلا قليل﴾ قيل: ثمانون نصفهم رجال ونصفهم نساء، وقيل: ستة رجال ونساؤهم كما فى "الجلالين". واختلفوا فى معنى قوله: ﴿كان الناس أمة واحدة﴾ فروى عن ابن عباس والحسن وعطاء أنهم كانوا على الباطل، لأن بعثة الأنبياء مترتبة على ذلك، ولو كانوا على الحق لم يحتج إليهم ولو قيل: إن تقدير الآية فاختلفوا فبعث الله كما قرأ به ابن مسعود فالأصل عدم الإضمار والقراءة شاذة لا يعتد بها كذا فى تفسير النيسابورى (٣٠٣:٢). ٦٩٣ إعلاء السنن . .. إبطال القومية المتحدة ٤٣٨٥- وعن أبى هريرة قال: قال رسول الله عَّ له: ((إذا كان يوم القيامة أمر الله مناديا ينادى ألا إنى جعلت نسبا وجعلتم نسبا فجعلت أكرمكم أتقاكم فأبيتم إلا أن تقولوا فلان بن فلان خير من فلان بن فلان، فاليوم أرفع نسبى وأضع نسبكم، أین المتقون؟)). رواه الطبرانى، وفى الأول شيخه المقدام بن داود وهو ضعيف، وفى الثانى طلحة بن عمر ومتروك (مجمع الزوائد ٨٤:٨). اخترعه أهل السياسة من أوربا وقلدهم فى ذلك من حذى حذوهم فى إبطال الشرائع وخلع ربقة الأديان من الرقاب رجوعًا منهم إلى الجاهلية الأولى التى أشار إليها القرآن بقوله: ﴿كان الناس أمة﴾ -أى على الباطل- ﴿فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين) وقوله حكاية عن إبراهيم وقال: ﴿إنما اتخذتم من دون الله أو ثانًا مودة بينكم فى الحياة الدنيا﴾ وقوله تعالى: ﴿ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء﴾ الآية. تأمل قوله: ﴿فتكونون سواء﴾ كيف أبطل فيه أساس القومية المتحدة، فإنها لا معنى لها عند أصحابها إلا مساواة الأقوام كلها سراً وعلنًا ومشاكلتها معاشرة وتمدنا. فعجبا سفه أحلام القوم كيف عكسوا الأمر وجعلوا القومية المتحدة التى بعث الله الأنبياء لإبطالها وتمزيقها ثابتة بالقرآن والحديث. فإلى الله المشتكى من تحريف الكلم عن مواضعه. وأما قولهم: "إن رسول الله عَ ليه كتب مقدمه المدينة كتابا بين المؤمنين والمسلمين من قريش ویثرب ومن تبعهم فلحق بهم و جاهد معهم، أنهم أمة واحدة من دون الناس، وفیہ أن يهود بنی عوف أمة مع المؤمنين لليهود دينهم وللمسلمين دينهم إلخ" فهذه قومية متحدة قد اتخذها رسول الله عَّه بين المؤمنين واليهود وهم كافرون. ففيه أنهم يصيروا أمة واحدة لمجرد اشتراكهم فى الوطن أو النسب أو اللون أو اللسان بل إنما ضاروا كذلك لأجل العهد الذى عقدوه بينهم وليس ذلك من القومية المتحدة فى شىء، فإن العهد لا يكون قط إلا بين فريقين مختلفين لا يجمعهم شىء غير العهد الذى عاهدوا عليه، وهذا مما لا ننكره ولا ننازعه بل هو مما دعوناكم إليه غير مرة: أن أعقدوا مع المشركين من أهل كانغريس عقدا وعاهدوهم عهدا يتفق عليه الفريقان حزب الرحمن وحزب الشيطان، فقالوا: إن ذلك من العصبية الدينية والفرقة القومية وليس من القومية المتحدة فى شىء، فانظروا أنى تؤفكون. وأيضا فإن رسول الله مرّ ه لم يجعل المسلمين واليهود أمة واحدة بحيث يكون نظامهم جمهوريا مبنيا على رأى الجمهور وكثرة الآراء، بل كان زمام نظامهم بيد رسول الله ٦٩٤ إبطال القومية المتحدة ج - ١٢ قلت: أما المقدام فمختلف فيه قال مسلمة: رواياته لا بأس بها. وقال محمد بن يوسف الكندى: فقيها مفتيا، وقال المسعودى "فى مروج الذهب": كان من أجلة الفقهاء ومن كبار أصحاب مالك اهـ. وإنما تكلموا فى روايته عن خالد بن نزار بجرح عَ لٍّ وحده وكان حكمه هو الظاهر عليهم يدل على ذلك ما فى هذه الصحيفة نفسها من قوله: وإنه لا يخرج منهم أحد (أى من المدينة) إلا بإذن محمد مرٍّ ومن قوله: وإنه ما كان بين أهل هذه الصحیفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله مێے، "سيرة ابن هشام" (٢٨٠:١). ولانزاع فى جواز مثل هذه القومية المتحدة التى يكون حكم الإسلام هو الظاهر عليها، وأين هذا من التى تدعوننا إليها من القومية التى يكون زمام نظامها بيد الجمهور -وهم المشركون- وحكم الكفر هو الظاهر عليها، أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها، يا حسرة على العباد . وتبا لهذه العقول كيف تحتج بالضد، وبالنقيض على النقيض وما يستوى الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الخرور. قالوا: وإن رسول الله عَّ ه جعل بنى هاشم وبنى المطلب مسلميهم وكافريهم أمة واحدة دون قريش، وعقد بين المسلمين والمشركين منهم قومية متحدة فكانوا جميعًا يدًا واحدة على قريش ينصرونه ويحمونه من أذاهم وكان زمام هذا الأمر بيد أبى طالب وهو مشرك، وهو زعيم القوم بيده الإبرام والنقض كله. قلنا: كذبتم وما أتيتم على دعواكم ببرهان، فإن رسول الله ◌ّه لم يطلب النصر من أبى طالب يوماً من الدهر، وإنما كان أبو طالب ينصره ويحميه من عند نفسه لما جبله الله على حب ابن أخيه وكذلك بنو هاشم وبنو المطلب إنما نصروه وحملوه لما جبلوا على العصبية والأنفة من أن يصاب أحد منهم بيد غيرهم من الأقوام، وكل ذلك كان من عند أنفسهم لا بطلب من رسول الله عَّةٍ ولا لعقده قومية متحدة بالمعنى الذى اخترعه أهل السياسة من الكفار، ولم يكن رسول الله عګ تبعا لهم فى ذلك بل كان كلهم تبعا له. ألا ترى أنه کان یبادى قومه بالإسلام ويصدع به كما أمره الله ويذكر آلهتهم ويعيبها ويسبها ويسفه أحلامهم ويضلل آبائهم ومشركوا بنى هاشم وبنى المطلب يسمعون كل ذلك ولا يرضونه منه فقد كان أبو طالب على دين قريش، وكذلك المشر کون من بنى هاشم وبنی المطلب ومع ذلك ینصرون رسول الله پێ ویحمونه من أذی قریش ويمنعون حتى قال أشراف قريش لأبى طالب: إن ابن أخيك قد سب آلهتنا وعاب ديننا وسفه ٦٩٥ إبطال القومية المتحدة إعلاء السنن هين كما فى "اللسان" (٨٩:٦). وأما طلحة بن عمرو فإن كان هو الحضرمى المكى أحلامنا وضلل آبائنا، فإما أن تكفه عنا، وإما أن تخلى بيننا وبينه فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه فنكفيكه، فإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا حتى تكفه عنا أو ننازله، وإياك فى ذلك حتى يهلك أحد الفريقين. فعظم على أبى طالب فراق قومه وعداوتهم ولم يطب نفسا بإسلام رسول الله عَّ لهم ولا خذله لأنه للحب الذی جبله الذی علیه. فبعث إلى رسول الله عَّ فقال له: يا ابن أخى! إن قومك قد جاؤونى فقالوا إلى كذا وكذا فأبق على وعلى نفسك ولا تحملنى من الأمر ما لا أطيق، فظن رسول الله عَّ أنه قد بدا لعمه فيه بدو وأنه خاذله ومسلمه، وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه. فقال رسول الله مرّ له: يا عم! والله لو وضعوا الشمس فى يمينى والقمر فى يسارى على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته، ثم استعبر رسول الله مَّه فبكى ثم قام فلما ولى ناداه أبو طالب، فقال: أقبل يا ابن أخى فأقبل عليه رسول الله عَّ فقال: اذهب يا ابن أخى فقل ما أحببت فو الله لا أسلمك لشىء أبداأهـ من "سيرة ابن هشام" (١٤٠:١). فانظروا! هل كان رسول الله عّ لّ طالبا من عمه نصرة أو كان يحميه من عند نفسه؟ وهل كان أبو طالب أميرا على رسول الله عَّه أو كان هو عرّ أمير نفسه لا يبالى بمن نصره أو خذله؟ وهل ليس فيه أن أهل مكة كانوا يدعون رسول الله مَّه إلى قومية المتحدة، ووافقهم على ذلك أبو طالب ودعا النبى معَّه إليها فردها عليهم وعليه وأصر على الإعلان بسب آلهتهم وتسفيه أحلامهم والصدع بما أمر الله به والفرق بين الحق والباطل ونصره أبو طالب على ذلك ووافقه بنو هاشم وبنو المطلب فكانوا حماة الدين وأنصار الإسلام مع بقائهم على الشرك فكان ذلك من عجائب صنع الله بنبيه حيث نصره وأيده بأعدائه مع صدعه بأمر الله وقذفه بالحق على الباطل الذى هم عليه. وهل هذا من القومية المتحدة التى تدعو إليها كانغريس من شىء؟ كلا والله لا يقيسها على ذلك إلا منكوس القلب، أو معكوس الأمر. قال ابن إسحاق: ((ثم إن قريشا تذامروا بينهم على من فى القبائل منهم من أصحاب رسول الله عَّ الذين أسلموا معه، ومنع الله رسوله مع له منهم بعمه أبى طالب، وقد قام أبو طالب حين رأى قريشًا يصنعون فى بنى هاشم وبنى المطلب فدعا لهم إلى ما هو عليه من منع رسول الله مرّ له والقيام دونه، فاجتمعوا إليه وقاموا معه وأجابوه إلى ما دعاهم إليه إلا ما کان من ألی لهب عدو الله الملعون، فلما رأى أبو طالب من قومه ما سره فى جهدهم معه وحدبهم علیه جعل یمدحهم، ویذ کر قدمهم ویذ کر فضل رسول الله مێے فيهم ومكانه منهم ٦٩٦ ج - ١٢ إبطال القومية المتحدة فروى عنه جرير بن حازم والثورى وأبو داود الطيالسى وغيرهم، قال ابن عدى: روى ليشد لهم رأيهم وليحدبوا معه على أمره فقال: إذا اجتمعت يوما قريش لمفخر فعبد مناف سرها وضميمها الأشعار (سيرة ابن هشام ١٤١:١). وفى ذلك ما يدل على أن أبا طالب هو الذى قام فى بنى هاشم وبنى المطلب ودعاهم إلى نصرة رسول الله عّ ومنعه من قريش ولم يكن ذلك من فعله معَّ له ولا من طلبه بل كان بأبى هو وأمى فى غنى عن نصرتهم، وعن طلب النجدة بهم وإنما فعلوا ما فعلوا للعصبية التى جبلوا عليها، ولما رأوا فى رسول الله عّلّه من الآيات التى ظلت أعناقهم لها خاضعين، وإن لم يعلنوا بالإسلام والإيمان وبقوا على دين آبائهم مقلدين ولكن العقل والإنصاف دعاهم إلى ترك أذى هذا النبى الأمين ومنع من أراد أذاه من الأقوام المشركين. قال ابن إسحاق: فلما خشى أبو طالب دهماء العرب أن يركبوه مع قومه قال قصيدته التى تعوذ فيها بحرم مكة وبمكانه منها، وتود فيها أشراف قومه وهو على ذلك يخبرهم وغيرهم فى ذلك من شعره أنه غير مسلم رسول الله عَّ ته ولا تاركه بشىء أبدا حتى يهلك دونه فقال: ولما رأت القوم لا ود فيهم وقد قطعوا كل العسرى والوسائل صبرت لهم نفسی بسمراء سمحة كذبتم وبيت الله نترك مكة كذبتم وبيت الله نبزى محمدا ونسلمه حتى نصرع حوله لعمرى لقد كلفت وجدا بأحمد فلا زال فى الدنيا جمالا لأهلها فمن مثله فى الناس أى مؤمل حليم رشيد عادل غير طائش فو الله لولا أن أجيئ بسبة لكنا اتبعناه على كل حالة لقد علموا: أن ابننا لا مكذب فأصبح فينا أحمد فى أرومة حدبت بنفسى دونه وحميته فأيده رب العباد بنصره وأبيض عضب من تراث المقاول ونظعن إلا أمركم فى بلا بل ولما نطاعن دونه ونناضل ونذهل عن أبنائنا والحلائل وإخوته دأب المحب المواصل وزينا لمن والاه رب المشاكل إذا قاسر الحكام عند التفاضل يوالى إلها ليس عنه بغافل تجر على أشياخنا فى المحافل من الدهر جدا غير قول التهازل لدينا ولا يعنى بقول الأباطل تقصر عنه سورة المتطاول ودافعت عنه بالذر أو الكلاكل وأظهر دينا حقه غير باطل ٦٩٧ إبطال القومية المتحدة إعلاء السنن عنه قوم ثقات وعامة ما يروى لا يتابع عليه. وذكر عبد الرزاق عن معمر أنه اجتمع هو وشعبة والثورى وابن جريج، فقدم علينا شيخ فأملى علينا أربعة آلاف حديث عن ظهر قلب فما أخطأ إلا فى موضعين ونحن ننظر فى الكتاب لم يكن الخطأ منا ولا منه إنما كان من فوق فكان الرجل طلحة بن عمرو"اهـ. من "التهذيب"، وفى ذلك أكبر دليل على حفظه وتثبته وإتقانه، وإن كان هو القناد فذكره ابن أبى حاتم ولم يذكر فيه جرحا، وعلق له البخارى، وذكره ابن حبان فى الثقات، وقال أبو داود: ليس بالقوى ملخصا من "سيرة ابن هشام" (١ سيرة ابن هشام١٤٧). وفيه دليل على أن أبا طالب لم يكن أميرا على رسول الله عَّ قط بل كان هو عَّه أميرا عليه محببا لديه، كان أبو طالب يعرف منه الصدق والحق والصواب ولكنه أنف من اتباعه والإعلان بإطاعته مخافة السباب، فأين هذا من القومية المتحدة التى يريدها كانغريس من مسلمى الهند بحيث يكونون كلهم تحت نظام جمهوری مؤسس على كثرة الآراء والجمهور هم المشركون؟. قالوا: قد استجار النبى عرّ له بمطعم بن عدى، وأبو بكر بابن الدغنة، وأقاما بمكة فى جوارهما. قلنا: ليس ذلك من القومية المتحدة التى أنتم بصدد إثباتها فى شىء، وإنما ذلك من باب الحراسة ولا ننكر جواز اتخاذ حرس كافرة تحرسنا عن الأعداء، ومن عرف معنى الإجارة والاستجارة التى كانت من عوائد العرب لم يشك قط فى أن المجير منهم لم يكن أميرا على المستجبر، بل كان المستجبر أميرا على المجبر، فلو أوذى المستجبر فى جوار أحد منهم كان ذلك مسبة للمجبر وعارا عليه، وأيضا كانت الإجارة والاستجارة هذه من عقود المعاوضات عندهم فمن أجار أحدا مرة كان على المستجير أن يجيره أخرى عوضا عن ذلك ألا ترى أن قريشا حين أخذت سعد بن عبادة قبل الهجرة وظنت أنه بايع النبى معَّ لّ سرا ووعده التصتر والنجدة إذا هاجر إلى المدينة فربطوا يديه إلى عنقه بنسع رحله، ثم أقبلوا به حتى أدخلوه مكة يضربونه، ويجذبونه بجمته، فقال له سهيل بن عمرو: ويحك أما بينك وبين أحد من قريش جوار ولا عهد؟ قال: قلت: بلى والله لقد كنت أجير لجبير بن مطعم بن عدى تجاره وأمنعهم ممن أراد ظلمهم ببلادى، وللحارث بن حرب بن أمية بن عبد شمس قال: ويحك فاهتف باسم الرجلين واذكر ما بينك وبينها قال: ففعلت وخرج الرجل إليهما فوجدهما فى المسجد عند الكعبة، فقال لهما: إن رجلا من الخزرج الآن بيهتف بكما ويذكر أنه بينه وبينكما جوارا قالا: ومن هو؟ قال: سعد بن عبادة، قالا: صدق والله إن كان ليجير لنا تجارنا، ويمنعهم أن يظلموا ببلده، قال: فجاءا فخلصا سعداً كذا ٦٩٨ إبطال القومية المتحدة ج - ١٢ "التهذيب" وهذا تليين هين فالأثران صالحان للاحتجاج بهما لا سيما ولهما شواهد قد ذكرناها من قبل. فى "سيرة ابن هشام" (١ سيرة ابن هشام٢٤٧) وقدم علم كل من له علم بمكانة بنى هاشم بمكة وعلو كعبها فى قريش، أنه لم تكن قبيلة من قبائلها إلا ولبنى هاشم منة عليها، ويد بيضاء إليها لا سيما معطم بن عدى، فقد نصره أبو طالب غير مرة وخلصه من غير ورطة كما أشار إلى ذلك فى قصيدته اللامية الشهيرة بقوله: ولا مغطم عند الأمور الجلال أ مطعم لم آخذ لك فى يوم نجدة أولى جدل من الخصوم المساجل ولا يوم خصم إذ أتوك ألدة وإنى متى أو كل فلست بوائل أ مطعم إن القوم ساموك خطة فلأجل ذلك استجار النبى معَّ له به حين قفوله من الطائف عوضا مما عليه، وعقود المعاوضات يست من القومية المتحدة فى شىء. وقس على ذلك استجارة أبى بكر بابن الدغنة مع أن أبا بكر م يطلب منه أن یجیره وإنما أجاره من عند نفسه، وأصر على أبى بكر أن يرجع إلى مكة فى جواره فأين فيه ما رامه هؤلاء من القومية المتحدة ونحوها؟. قالوا: قد هاجر المسلمون إلى الحبشة وأقاموا فی جوار النجاشی وهو کافر بعد لم یعرف الإسلام ولم یذعن له. قلنا: فهل أحدثوا هناك قومية متحدة مع النجاشى وقومه قبل إسلامه، أم سكنوا فى بلاده فقط؟ فإن كان الأول فأتوا عليه ببرهان، وإن كان الثانى فمن ذا الذى يمنع ارتحال المسلم إلى بلاد الحرب لأجل التجارة والزراعة والتننزه والفرجة ونحوها؟ فهؤلاءفقهاءنا قد عقدوا للمستأمن بابا فى الفقه ولم يعدوه ولا أحد من أهل السياسة من القومية المتحدة، ألا ترى كثيرا من اليهود والنصارى يدخلون دار الإسلام ويسكنون بها مدة فهل ذلك من القومية المتحدة فى شىء؟ وها نحن وأنتم كلنا فى أرض الهند تحت سلطنة النصارى فهل هذا من القومية المتحدة مع النصارى فى شىء؟ فعجبا لهذه العقول المنكوسة كيف تحتج بما لا حجة فيه وتغرر العوام بالخروج عن المبحث کالغرێق یتشبث بكل حشيش. قالوا: قد اتخذ رسول الله عّ لّه عبد الله بن أريقط دليلا حين هاجر إلى المدينة فماذا علينا لو انخذنا كانغريس دليلا لنا مع غلبة الكفر فيها؟ قلنا: كان عبد الله بن أريقط أجيرا له مَ له تحت حكمه وليست كانغريس كذلك بل أنتم تحت حكمها، قال ابن بطال فى شرح هذا الحديث: "عامة العلماء يجيزون استيجارهم عند الضرورة وغيرها، لما فى ذلك من المذلة لهم وإنما المتنع أن ٦٩٩ إبطال القومية المتحدة إعلاء السنن ٤٣٨٦- حدثنا عثمان بن أبى شيبة حدثنا أبو النضر يعنى: هاشم بن القاسم، حدثنا عبد الرحمن بن ثابت حدثنا حسان بن عطية عن أبى منيب الجرشى عن ابن عمر رضى الله عنهما قال: قال رسول الله عَّ له: ((من تشبه بقوم فهو منهم). رواه أبو داود قال ابن تيمية: وهذا إسناد جيد؛ فإن ابن أبى شيبة وأبا النضر وحسان بن عطية ثقات مشاهیر أجلاء من رجال الصحیحین، وعبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان قال یحیی بن معين وأبو زرعة وأحمد بن عبد الله: ليس به بأس. وقال عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم: هو ثقة. وقال أبو حاتم: هو مستقيم الحديث. وأما أبو منيب الجرشى فقال فيه العجلى: هو ثقة وما علمت أحدا ذكره بسوء، وقد سمع منه حسان بن عطية، وقد احتج الإمام أحمد وغيره بهذا الحديث (اقتضاء الصراط المستقيم ص٣٩). يؤاجر المسلم نفسه من المشرك لما فيه من إذلال المسلم" اهـ (فتح البارى ٤: ٣٦٤). وإذا عرفت معنى القومية المتحدة وأن كل ما احتج به الخصم لإثباتها باطل وحجته داحضة شرعا وعقلا فلنرجع إلى بيان ماجاء به الشرع فى هذا الباب فنقول: قد دلت الأحاديث التى ذكرناها فى المتن على أن الله قد أذهب عبية الجاهلية، وأن لا فضل للأحمر على الأسود وأن الله قد جعل لخلقه نسبا وهو التقوى وأبى الناس إلا أن يجعلوا لهم نسبا غيره، وهو الانتساب إلى الآباء. وفى كل ذلك دليل واضح على أن النسب الذى له من التأثير فى تقويم الأقوام ما ليس لغيره لا عبرة به عند الله وإنما هو مؤمن تقى أو فاجر شقى مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا؟ فلا يكون المؤمنون والكافرون قوما واحدا قط. بل هما فريقان مختلفان نعم لا بأس باتحادهما واجتماعهما فى العقود الدنيوية والأمور السياسية إذا كان حكم الإسلام هو الظاهر عليهم وإلا فلا! وإذا بطل التقويم بالأنساب فما ظنك بالتقويم بالألوان والأوطان واللسان؟ قال تعالى: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ فجعل المؤمنين كلهم إخوة سواء كانوا عربا أو عجما أو سودا أو حمرا أو بيضا من أى بلاد كانوا وبأى لسان تكلموا إن الله لا ينظر إلى صوركم، وإنما ينظر إلى أعد الكم ونياتكم، فالعبرة بالإيمان والأعمال ولا يوزن النسب والوطن واللون واللسان عند الله بشىء إلا فى بعض الأحكام كاختصاص الإمارة بقريش واعتبار الكفاءة فى النكاح لمصالح قد أشار إليها الشارع وبينها الفقهاء. قوله: " حدثنا عثمان بن أبى شيبة إلخ" هذا الحديث أقل أحواله أن يقتضى تحريم التشبه بهم أى بالكفار والمشركين، وإن كان ظاهره يقتضى كفر المتشبه بهم كما فى قوله تعالى: ﴿ومن ج - ١٢ إبطال القومية المتحدة ٧٠٠ وقد روى فى هذا الحديث عن ابن عمر عن النبى عّ لّ أنه نهى عن التشبه بالأعاجم، وقال: ((من تشبه بقوم فهو منهم)). ذكره القاضى أبو يعلى، وبهذا احتج غير واحد من العلماء على كراهة أشياء من زى غير المسلمين. (اقتضاء الصراط المستقيم أيضا ص ٤٠). يتولهم منكم فإنه منهم﴾ ولا ريب أن القومية المتحدة بالمعنى الذى ذكرناه يقتضى رفع التميز من بين المسلمين والمشركين، وأن يكونوا كلهم سواء فى المعاشرة والتمدن ويتوحدوا اسما ولسانا ورسما وإعلانا، ولا يخفى ما فى ذلك من هدم قواعد الإسلام فإن مجانبة هدى الكفار من الكتابيين والوثنيين ومخالفة أهل الكتاب والأعاجم قاعدة عظيمة من قواعد الشريعة كثيرة الشعب، وأصل جامع من أصولها كثير الفروع، ولا أظن أن من خاض فى الفقه ورأى إيماءات الشرع ومقاصده، وعلل الفقهاء ومسائلهم يشك فى ذلك، بل ولا أظن أن من وقر الإيمان فى قلبه، وخلص إليه حقيقة الإسلام وأنه دين الله الذى لا يقبل من أحد سواه إذا نبه على هذه النكتة إلا كانت حياة قلبه وصحة إيمانه توجب استيقاظه بأسرع تنبيه ولكن نعوذ بالله من رين القلوب وهوی النفوس، اللذين يصدان عن معرفة الحق واتباعه. قال ابن تيمية فى "(منضاء الصراط المستقيم": "قد بعث الله محمدا عَّ بالحكمة التى هى سنة وهى الشرعة والمنهاج الذى شرعه له فكان من هذه الحكمة أن شرع له من الأعمال والأقوال ما يباين سبيل المغضوب عليهم والضالين فأمر بمخالفتهم فى الهدى الظاهر، لأمور: منها أن المشاركة فى الهدى الظاهر تورث تناسبا وتشاكلا بين المتشابهين يقود إلى موافقة ما فى الاخلاق والأعمال، وهذا أمر محسوس فإن اللابس ثياب أهل العلم مثلا يجد من نفسه نوع انضمام إليهم واللابس لثياب أهل الجند المقاتلة مثلا يجد فى نفسه نوع تخلق بأخلاقهم، ويصير طبعه متقاضيا لذلك إلا أن يمنعه مانع. ومنها: أن المخالفة فى الهدى الظاهر توجب مباينة ومفارقة توجب الانقطاع عن موجبات الغضب وأسباب الضلال، والانعطاف على أهل الهدى والرضوان، وتحقق ما قطع الله من الموالاة بين جنده المفلحين وأعدائه الخاسرين إلى أن قال: ومنها أن مشاركتهم فى الهدى الظاهر توجب الاختلاط الظاهر حتى يرتفع التميز ظاهرا بين المديين المرضيين وبين المغضوب عليهم والضالين، إلى غير ذلك من الأسباب، لحكمية، هذا إذا لم يكن ذلك الهدى الظاهر إلا مباحا محضا لو تجرد عن مشابهتهم، فأما إن كان من موجبات كفرهم كان شعبة من شعب الكفر فموافقتهم فيه موافقة فى نوع من أنواع معاصيهم، فهذا أصل ينبغى أن يتفطن له والله أعلم (ص٧).