النص المفهرس

صفحات 621-640

٦٢١
لا یقتل الذمی إذا تحول من دین کفر إلی دین کفر
ج - ١٢
وما عداه، فهو بزعم المدعى (فتح البارى ٣٤:١٢).
الشافعية احتج بعموم قوله مّبه: ((من بدل دينه فاقتلوه)) على قتل الذمى إذا انتقل من دين كفر إلى
دين كفر آخر، وهو رواية عن أحمد، وروى عنه أنه يقر عليه إن كان تحول إلى دين يقر عليه
بالجزية عنده، قال فى "الشرح الكبير": "نص عليه أحمد، وهو ظاهر كلام الخرقى، واختيار
الخلال وصاحبه، وقول أبى حنيفة، وأحد قولى الشافعى لأنه لم يخرج عن دين أهل الكتاب
(أى عن دين الكفر)، فأشبه غير المنتقل، وإ انتقل غير الكتابى إلى دين أهل الكتاب أقر، ويحتمل أن
لا يقبل منه إلا الإسلام اهـ" (٦٣٢:١٠).
والجواب عن حجة ابن حزم فى الباب:
وذهب أهل الظاهر ومنهم ابن حزم إلى أنه لا يقر على غير دينه أصلا بل يجبر على الإسلام
فإن أبى، ولم يسلم يقتل، ولا حجة لهم فى قوله مرُّله: من بدل دينه فاقتلوه، لأن عمومه منقوض
بمن بدل الكفر بالإسلام وبمن بدل الإسلام بالكفر کرها، وقد بينا فى الباب المذكور ما يدل على
كون الإسلام مرادًا بالدين من نص الحديث. ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿إن الدين عند الله
الإسلام﴾، فلا يراد بالدين فى كلام الشارع غيره، فإن ما عداه فهو دين بزعم المدعى فقط، وإذا
كان ذلك كذلك، فلا يكون قوله مرّ له: ((من بدل دينه فاقتلوه)) دالا على وجوب قتل الذمی إذا
خرج من دین کفر إلی دین کفر آخر ومن ادعى ذلك فعلیه البیان، فإن قيل: یجب قتله لأنه ذمی
نقض العهد، فإنا لم نقره إلا على دينه الذى كان عليه لا على دين آخرِ سواه فأشبه ما لو نقضه بترك
التزام الذمة، قاله ابن قدامة فى "شرح الكبير" (٦٣٢:١٠).
قلنا: لا نسلم خروجه من دينه الذى أقررنا عليه، فإن الكفر ملة واحدة فلو تنصر اليهودى
لم يخرج عن دين الكفر وكذا لو تمجس الوثنى سلمنا، ولكن تقريره على الشر يستلزم تقريره على
الخیر بالأولی وإنکار ذلك مکابرة فما بالكم لا تقرون المجوسی إذا تنصر والوثنی إذا تهود علی دین
هو خير مما كان عليه ولا تقبلون منه الجزية التى قبلتموها منه، وهو محوسى أو وثنى؟، وتمسك
بعض الشافعية بعموم قوله تعالى: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه﴾، وقال: يؤخذ منه أنه
لا يقر على غير الإسلام إذا بدل دينه، وأجيب بأنه ظاهر فى أن من ارتد عن الإسلام أن لا يقر علی
ذلك، لا فيمن تحول من دين كفر إلى كفر آخر، سلمنا لكن لا يلزم من كونه لا يقبل منه أنه
لا يقر عليه بالجزية، بل عدم القبول والخسران إنما هو فى الآخرة، سلمنا ولكن المستفاد أنه لا يقر
عليه، فلو رجع إلى الدين الذى كان عليه، وكان مقرا عليه بالجزية، فإنه يقبل وإن لم يسلم مع

٦٢٢
لا يقتل الذمی إذا تحول من دین کفر إلی دین کفر
إعلاء السنن
٤٢٩٨- عن زيد بن أسلم أرسله: من غير دينه فاضربوا عنقه، "لمالك"، وقال فى
تفسيره": ومعنى قول رسول الله عَّ له: من بدل دينه فاقتلوه، من خرج من الإسلام إلى
غيره لا من خرج من دين غير الإسلام إلى غيره كمن يخرج من يهودية إلى نصرانية،
أو مجوسية، ومن فعل ذلك من أهل الذمة لم يستتب ولم يقتل (جمع الفوائد ٢٨٣:١).
قلت: وتأيد تفسيره بقوله تعالى: ﴿إن الدين عند الله الإسلام
٤٢٩٩- نا ابن جريج قال: حديث رفع إلى على فى يهودى تزندق ونصرانى
تزندق قال: دعوه يحول من دين إلى دين. رواه عبد الرزاق (المحلى ١٩٧:١١)
لابن حزم. وأعله بالانقطاع، وهو ليس بعلة عندنا إذا كان المرسل ثقة، ولا يظن
بابن جريج أنه حمله عن كذاب، ولا عن غير ثقة عنده، ولم يبين حاله قاله ابن القيم
فى "زاد المعاد" (٢٣٤:٢).
إمكان الإمساك بأنا لا نقبل منه، ولا نقتله (بل فننسبه إلى الدين الذى كان عليه، ونعده من أهله
لا من أهل دين تحول إليه)، قاله الحافظ فى "الفتح" (٢٤٠:١٢).
وبهذا كله اندحض ما شغب بن ابن حزم فى هذا الباب، فإنه ذكر للحنفية والمالكية دلائل
لم نرهم يحتجون بها، ثم ردها عليهم، ولم يذكر لما ذهب إليه دليلا ناهضا غير ما فى قوله معد له:
((من بدل دينه فاقتلوه)) من العموم، وقد عرفناك أنه لا يقوم له به حجة.
قوله: "عن زيد بن أسلم إلخ". قلت: ومالك أعرف بمعانى الحديث من ألوف من أمثال ابن
حزم ونحوه وقد حمل الحديث على من خرج من الإسلام إلى غيره، ونفی حمله على من خرج
من دین غير الإسلام إلى غيره، فمن ادعى عمومه لذلك، فليأت ببرهان.
قوله: "نا ابن جريج إلخ". قلت: أثر على هذا نص فى موضع النزاع، وقد تأيد
بقوله عز وجل: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ الدال على أن ما عداه ليس بدين، فالخارج من دین
كفر إلى آخر ليس بخراج مما أقررناه عليه.
الكفر ملة واحدة:
فإن الكفر ملة واحدة وإذا تأيد الحديث بإشارة النص القرآنى انجبر ضعفه فكيف؟ ولیس
الانقطاع فى القرون الفاضلة بعلة قادحة عندنا، وأما قول ابن حزم: ولا حجة فى أحد بعد رسول
الله عَّ إلخ (١٩٧:١١)، فكلمة حق أريد بها الباطل، فإن ذلك إنما هو إذا كان قول الصحابى
مخالفًا لقول الرسول، فهل عنده نص من رسول الله عّ لٍّ يدل صريحا على وجوب قتل الذمى إذا

ج - ١٢
٦٢٣
٤٣٠٠ - وروى أبو يوسف فى "الآثار" له (١٧١:١) عن أبى حنيفة عن حماد
عن سعيد بن جبير عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه قال: الكفر كلهم ملة واحدة
لا نرثهم ولا يرثونا. وهذا مرسل صحيح، فإن مراسيل سعيد بن جبير رضيها يحيى بن
سعيد كما مر فى "المقدمة" عن "التدريب".
٤٣٠١- عن أبى حميد الساعدى رضى الله عنه قال: خرج رسول الله عَ لّه حتى
إذا خلف ثنية الوداع إذا كتيبة قال: من هؤلاء؟ قالوا: بنو قينقاع وهو رهط عبد الله بن
سلام قال: وأسلموا؟ قالوا: لا، بل هم على دينهم قال: قل لهم، فليرجعوا فإنا لا نستعين
بالمشركين، أخرجه الحاكم فى "المستدرك" (١٢٢:٢). وسكت عنه هو والذهبى،
وصححه البيهقى (نيل ١٢٧:٧).
باب يقسم مال المرتد إذا قتل أو مات أو لحق بدار الحرب
بين ورثته المسلمين إذا كان مما اكتسبه قبل الردة
٤٣٠٢- عن سماك بن حرب عن دثار بن يزيد عن عبيد بن الأبرص أن على بن
خرج من دين كفر إلى كفر آخر؟ كلا لن يجد إلى ذلك سبيلا. وليس عنده غير عموم قوله: من
بدل دينه فاقتلو، وقد بينا أنه ليس على عمومه إجماعًا وأن المراد بالدين إنما هو الإسلام لا غيره،
وبعد ذلك فقول على رضى الله عنه إنما هو مفسر لقول الرسول غير مخالف له كما زعم ابن حزم.
قوله: "وروى أبو يوسف إلخ". قلت: هو نص فى موضع النزاع صريح فى أن الكفر كله
ملة واحدة، فالخارج من دين كفر إلى غيره ليس بخارج مما أقررناه عليه.
قوله: "عن أبى حميد الساعدى إلخ". قلت: فيه أنه عَّه سمى اليهود مشركين، فلو تحول
يهودى أن نصرانى إلى دين المجوس، أو أهل الأوثان لم يكن خارجا من دينه، فإنه الآن مشرك، كما
كان قبله. فدل على أن الكفر كله ملة واحدة. فإن قيل: أليس أن من أهل الكفر من تنكح
نساءهم، وتؤكل ذبائحهم، وأن منهم من ليس كذلك، فكيف يكون الكفر ملة واحدة؟ مع أنها
افترقت على فرق عديدة أكثرها أهل الأهواء لا تقبل شهادتهم، وتكره إمامتهم، ويجب قتالهم إذا
خرجوا من طاعة الإمام، ولا يقدح ذلك فى عموم كلمة الإسلام كلهم أجمعين، فافهم.
باب يقسم مال المرتد إذا قتل أو مات أو لحق بدار الحرب
بین ورثته المسلمين إذا كان مما اكتسبه قبل الردة
قوله: "عن سماك بن حرب إلخ". قلت: ومعنى قوله: ميراث المرتد لولده أى لولده عند

٦٢٤
قسمة مال المرتد إذا قتل أو مات
إعلاء السنن
أبى طالب قال: ميراث المرتد لولده، رواه سفيان (المحلى ١٩٧:١١ لابن حزم)، ولم يعله
بشیء، ولو کان له علة لصاح بها، فهو حسن أو صحیح، وقد تكلم فى هذا الإسناد فى
بعض المواضع من المحلى لأجل سماك، وأنه يقبل التلقين، ولكن حديث القدماء عنه
صحیح مستقیم، وهذا منه فإن سفيان من قدماء أصحابه.
٤٣٠٣- عن "الأعمش عن الشيبانى قال: أتى على رضى الله عنه بشيخ كان
نصرانيا فأسلم ثم ارتد عن الإسلام، فقال له على: لعلك إنما ارتددت لأن تصيب ميراثا
ثم ترجع إلى الإسلام؟ قال: لا! قال: فلعلك خطبت امرأة فأبوا أن يزوجوكها، فأردت
أن تزوجها، ثم تعود إلى الإسلام؟ قال: لا! قال: فارجع إلى الإسلام قال: لا حتى ألقى
المسيح، فأمر به فضربت عنقه، فدفع ميراثه إلى ولده من المسلمين، وعن ابن مسعود
بمثله، رواه سفيان، كما فى "المحلى" (١٩٧:١)، ولم يعله بشىء.
٤٣٠٤- عن إسحاق بن راشد أن عمر بن عبد العزيز كتب فى رجل من المسلمين
أسر فتنصر إذا علم ذلك ترث منه امرأته، وتعتد ثلاثة قروء ودفع ماله إلی ورثته من
المسلمین لا اعدمه قال إلا أن یکون له وارث علی دینه فى أرض، فهو أحق به، رواه عبد
الرزاق، كما فى المحلى (١٩٧:١). وإسحاق بن راشد ثقة من السابعة (تقريب ص١٣).
٤٣٠٥- حدثنا الأعمش عن أبى عمرو (هو الشيبانى) عن على رضى الله عنه أنه
الردة، وهو ظاهر، أو لولده عند الموت وهو محتمل، وفيه دلالة على أن ماله لا يكون فيئا
للمسلمین، کما قاله الإمام الشافعى، ومن وافقه.
قوله: "عن الأعمش". وقوله: "عن إسحاق إلخ". دلالة الأول على أن ميراث المرتد بين
ورثته المسلمین ظاهرة، و کذا دلالة الثانى. وقوله: إلا أن یکون له وارث علی دینه فى أرض، فهو
أحق به إنما ذلك فیمن ارتد فی دار الحرب، واكتسب الأموال هناك، فیرثه فی کسب الردة من کان
على دينه، وقرينة ذلك أنه أفتى بذلك فى أسير من المسلمين تنصر، فأمر بدفع ماله إلى ورثته
المسلمین، وهو الذى خلقه فى دار الإسلام، ثم قال: إلا أن یکون له وارث علی دینه فى أرض، فهو
أحق به أى بما تركه فى دار الحرب، وأما ما اكتسبه من الأموال فى دار الإسلام، فكسب إسلامه
لورثته المسلمين، وكسب الردة فىء لبيت المال، صرح به فى "الشامية" (٤٦٤:٣).
قوله: "حدثنا الأعمش إلخ". دلالته على أن كسب المرتد لورثته المسلمين ظاهرة، وهو

٦٢٥
قسمة مال المرتد إذا قتل أو مات
ج - ١٢
أتى بمستورد العجلى وقد ارتد فعرض عليه الإسلام فأبى فقتله وجعل ميراثه بين ورثته
المسلمين رواه الإمام أبو يوسف فى "الخراج" له (ص ٢١٦)، وهذا سند صحيح، وأبو
عمرو الشيبانى تابعى مخضرم مجمع على ثقته (تهذيب ٤٦٨:٣).
محمول عند الإمام على ما اكتسبه قبل الردة، وعندهما يعمه، وما اكتسبه بعد الردة فى
دار الإسلام، فكله لورثته المسلمين. وقال الشافعى: كله فى لبيت المال لقوله عّ لّره: ((لا يرث
المسلم الكافر ولا الكافر المسلم))، رواه الجماعة عن أسامة بن زيد. متفق عليه، كما فى "التلخيص"
(٢٦٥:٢). ولأن المرتد لا يرث أحدا، فلا يرثه أحد، وإذا انتفى التوريث عن ماله، فهو مال حربى
لا أمان له، فيكون فيئا للمسلمين، أو هو مال ضائع، فمصيبه بيت المال كالذمى إذا مات،
ولا وارث له من الكفار. وحجتنا فى ذلك ظاهر قوله تعالى: ﴿إِن امرأ هلك ليس له ولد وله أخت
فلها نصف ما ترك﴾، والمرتد هالك لأنه ارتكب جريمة استحق بها نفسه، فيكون هالكا، ولما مات
عبد الله بن أبى سلول جعل رسول الله عَّه ماله لورثته المسلمين. (وهذا هو الظاهر، ولو كان جعل
ماله فى بيت المال لنقل كما تقتضيه العادة)، وهو كان مرتدا، وإن كان منافقا، فقد شهد الله بكفره
بعد الإيمان، وفيه نزل ﴿فلا تصلى على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله
وبرسوله وماتوا وهم فاسقون﴾، وإن عليا رضى الله عنه قتل المستورد العجلى على الردة، وقسم
ماله لورثته المسلمين، وذلك مروى عن ابن مسعود ومعاذ رضى الله عنهما، والمعنى فيه أنه كان
مسلما مالكا لماله، فإذا تم هلاكه يخلفه وارثه فى ماله، وتحقيقه أن الردة هلاك إلا أن تمام هلاكه
حقيقة بالقتل أو الموت، فإذا تم ذلك استند التوريث إلى أول الردة، وقد كان مسلما عنده فيخلفه
وارثه المسلم فى ماله ويكون هذا توريث المسلم من المسلم (لا من الكافر). لأن المزيل للملك ردته،
كما أن المزيل للملك موت المسلم، ثم الموت يزيل الملك عن الحى لا عن الميت، فكذلك الردة تزيل
الملك عن المسلم (الذى هو حى لا عن المرتد الذى هو ميت شرعا وحكما). وكذلك تزيل
عصمته، وإنما تزيل العصمة عن معصوم فعرفنا أنه يتحقق بهذا الطريق توريث المسلم من المسلم،
وإنما لا يرث المرتد أخذ الجناية، فهو كالقاتل لايرث المقتول ويرثه المقتول لو مات قبله (ولأنه بالردة
صار ميتا هالكا، والميت لا يرث أحدا وهو ظاهر)، كذا فى "المبسوط" (١٠٠:١٠ و١٠١).
الجواب عن حجة ابن حزم فى الباب
ولم يتنبه ابن حزم لهذا المعنى فجعل يسقط قول الحنفية، وينسبهم إلى مخالفة قول
النبى معَّ: ((لا يرث المسلم الكافر))، ولم يشعر بأن المرتد ليس كالكافر الأصلى فى جميع

٦٢٦
على قسمة مال المرتد إذا قتل أو مات
: إعلاء السنن
: ٤٣٠٦- حدثنا أشعث عن عامر وعن الحكم فى المسلمة يرتد زوجها، ويلحق
بأرض العدو، فإن كانت ممن تحيض فثلاثة قروء، وإن كانت ممن لا تحيض فثلاثة أشهر،
وإن كانت حاملا فحين تضع ما فى بطنها ثم تتزوج إن شاءت، ويقسم الميراث بين
ورثته من المسلمين. رواه الإمام أبو يوسف أيضا، وسنده حسن.
- الأحكام، ألا ترى أنه يجب قتله، ولا يقبل منه الجزاء ولا الصلح، بخلاف سائر الكفار. والحديث
محمول على الكافر الأصلى، كما هو المتبادر منه، فافهم.
قوله: "حدثنا أشعث إلخ". فيه دليل على أن لحاق المرتد بدار الحرب كموته لأن الحكم
والشعبى حكماً بقسمة ميراثه بين ورثته المسلمين بلحاقه، وهذا هو قول أبى حنيفة وأصحابه، ولهم
سلف فى ذلك من قول أجلة التابعين، وقال أحمد: إن المرتد إن لحق بدار الحرب، فالحكم فيه
كالحكم فيمنَ هُوَ فَى دار الإسلام إلا أن ما كان معه من ماله يصير مباحًا لمن قدر عليه، كما أبيح
دمه، وأما أملاكه وماله الذى فى دار الإسلام، فملكه ثابت فيه كمال الحربى الذى مع مضاربة فى
دار الإسلام أو عند مودعه، ذكره الموفق فى"المغني" (٨٤:١٠). وذكر المحقق فى "الفتح" عن
الشافعى نحوه. ولنا أن المرتد ميت حكما، ويتم هلاكه إما بالقتل أو بالموت، أو بما هو مبيح لذمه،
وهو اللحاق بدار الحرب، ولذا كانت تصرفاته باطلة أو موقوفة، ولا يصح نكاحه ولا تزويجه
لزوال الولاية بالردة، ولا تحل ذبيحته، وإن كانت ردته إلى دين أهل الكتاب اتفاقًا، ذكره الموفق
نفسه (٨٣:١ و ٨٧). وإذا كان كذلك، فليس قياسه على الحربى المستأمن بصحيح.
وبهذا تبين حكم المال المرتدة إذا لحقت بدار الحرب فحكمها فى ذلك كحكم المرتد سواء
لكون اللحاق هلاكًا مزيلاً للعصمة حتى تسترق والاسترقاق إتلاف معنى، فكذلك تزول عصمة
مالها، فإن ماتت فى الحبس، أو لحقت بدار الحرب قسم مالها بين ورثتها، ويستوى فى ذلك كسب
إسلامها وكسب ردتها لكون العصمة باقية بعد ردتها، فإنها لا تقتل، والرجل يقتل، وعصمة المال
تبع لعصمة النفس، فكان كل واحد من الكسبين ملكها، فيكون ميراثًا لورثتها، ولا ميراث لزوجها
منها لأنها بنفس الرَّدَةَ قَد بانت منة، ولم تَصر مشرفة على الهلاك، فلا تكون فى حكم الفارة
المريضة بخلاف الرجل، فإنه بعد الردةً مشرف على الهلاك لوجوب قتله، فترت منه زوجته إذا قتل
أومات، أو لحق بدار الحرب قبل انقضاء عدتها لكونه كالفار المريض هذا حاصل ما ذكره فى
المبسوط (١١٢:١).
وقال الطحاوى فى جواب من احتج بحديث لا يرث المسلم الكافر: إن الكافر الذى عناه

ج - ١٢
قسمة مال المرتد إذا قتل أو مات
٦٢٧
٤٣٠٧-حدثنا فهدتّنا محمد بن سعيد (هو الإصبهانى) أخبرنا محمد بن فضيل
عن الوليد بن جميع عن القاسم بن عبد الرحمن عن عبد الله بن مسعود أنه قال: إذا مات
المرتد وزثه ولده. حدثنا على بن زيد ثنا عبدة بن سليمان ثنا عبد الله بن المبارك أخبرنا
شعبة عن الحكم بن عتيبة أن ابن مسعود قال: ميراثه لورثته من المسلمين. رواه الطحاوى
فى "معانى الآثار" (١٥٦:٢). والسند الأول مرسل حسن، فإن القاسم لم يسمع من
عبد الله ومحمد بن فضيل والوليد فيهما مقال والسند الثانى حسن صحيح، وشيخ
الطحاوى وثقه مسلمة بن قاسم (ص٧٦)، والباقون لا يسأل عنهم.
٤٣٠٨- حدثنا فهد ثنا أبو نعيم ثنا سفيان وحدثنا على بن زيد (هو القرائضى)
ثنا عبدةٍ أخبرنا ابن المبارك أخبرنا شعبة وسفيان عن موسى بن أبى كثير قال: سألت
سعيد بن المسيب عن المرتدين فقال: نرثهم ولا يرثونا، رواه الطحاوى (١٥٦:٢) أيضا،
وسنده صحيح.
٤٣٠٩- حدثنا أبو بشر الرقى ثنا معاذ بن معاذ عن الحسن فى المرتد يلحق
بدار الحرب قال: ماله بين ولده من المسلمين على كتاب الله. رواه الطحاوى (١٥٦:٢)
وسنده صحيح، قال: وحدثنا على بن زيد ثنا عبدة أخبرنا ابن المبارك أخبرنا سعيد بن
أبى عروبة عن قتادة عن الحسن مثله.
النبى ◌َِّ أى كافرٍ هو؟ فقد يجوز أن يكون هو الكافر له ملة، ويجوز أن يكون هو الكافر كل
كفر كان ملة أو غير ملة فلما احتمل ذلك لم يجز أن يصرف إلى أحد المعنيين دون الآخر إلا
بدليل يدل على ذلك، فنظرنا هل فى شىء من الآثار ما يدل على ما أراد به من ذلك، ثم ذكر
بسنده عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله عَ ◌ّه: ((لا يتوارث أهل ملتين لا يرث المسلم الكافر
ولا يرث الكافر المسلم)» (سنده حسن صحيح) فعلمنا أنه أراد الكافر ذا الملة، فلما رأيا الردة ليست
بملة رأيناهم مجمعين أن المرتدين لا يرث بعضهم بعضا لأن فردة ليست بملة ثبت أن حكم ميراثب.
حکم میرات المسلمین اه (١٥٥:٢) . .. ..
: قوله:" حدثنا فهد أولا وثانيا إلخ". دلالة على مذهب الحنفية فى الباب ظاهرة.
أبو بشر المرقى ثقة :.....
قوله: "حدثنا أبو بشر الرقى إلخ". قلت: قد مر توثيقه فى الكتاب واسمه عبد الملك بن

٦٢٨
إعلاء السنن
باب لا يقبل من المرتدين إلا الإسلام أو السيف
وسبى نساءهم وذراريهم إذا حاربوا
٤٣١٠- عن ابن عباس رضى الله عنهما مرفوعا ((من بدل دينه فاقتلوه)) رواه
البخارى، وقد تقدم.
٤٣١١- وفى حديث لأبى موسى أنه قدم عليه معاذ، وإذا رجل عنده موثق قال:
ما هذا؟ قال: كان يهوديا، فأسلم ثم تهود، قال: لا أجلس حتى يقتل قضاء الله ورسوله،
متفق عليه. وفى رواية لأحمد: قضى الله ورسوله إن من رجع عن دينه فاقتلوه (نيل
الأوطار ٩٨:٧).
مروان الأهوازى نزيل الرقة، ذكره ابن حبان فى الثقات"، كذا فى "التهذيب" (٤٢٤:٦)، ودلالته
على كون اللحاق بدار الحرب فى حكم الموت ظاهرة، وهو قول علماءنا الحنفية، ولم ينفردوا به،
بل لهم سلف فى ذلك من أجلة التابعين، ولله الحمد.
باب لا يقبل من المرتدين إلا الإسلام أو السيف وسبی نساءهم وذراريهم إذا حاربوا
قوله: "عن ابن عباس إلخ" قوله: وفى " حديث لأبى موسى إلخ". دلالتهما على وجوب
قتل المرتد ظاهرة والاسترقاق ووضع الجزية يستلزم استحيائه وذلك لا يجوز لما فيه من مخالفة
الأمر، ولأجل ذلك لا يجوز للإمام أن يوادع المرتدين، اللهم إذا لم يكن بالمسلمين قوة عليهم،
فلا بأس بالموادعة، قاله محمد فى "السير الكبير" (٣:٤)، وعليه يحمل ما ذكره أهل السير أن
حذيفة وعكرمة بن أبى جهل قاتلا أهل عثمان لما اردتدوا حتى هزمهم، ودخلوا مدينة دبا،
فتحصنوا فيها، وحاصرهم المسلمون نحو شهر فلما جهدهم الحصار طلبوا الصلح، فشرط عليهم
حذيفة أن يخرجوا من المدينة عزلا من غير سلاح ففعلوا، كما فى "نصب الراية" (٢: ١٥٥). وأما
استحياء الأشعث بن قيس الکندی، فإنما کان لأجل أنه لم یکن ارتد وإنما كان قد شح بماله، ولما
أتى به أسيرا قال: يا خليفة رسول الله! ما كفرت بعد إسلامى، ولكن شححت بمالى، فأطلقه أبو
بكر، وقبل توبته وزوجه أخته أم فروة بنت أبى قحافة، ذكره الواقدى "نصب الراية" (١٥٤:٢).
وبالجملة: فقتل المرتد إجماع المسلمين، كما قدمناه عن الموفق. واحتج بعض فقهاءنا على
عدم جواز استرقاقهم بقوله تعالى: ﴿قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولى بأس شديد
تقاتلونهم أو يسملون﴾ قيل: معناه إلى أن يسلموا، وهم على ما أخرج ابن المنذر والطبرانى عن
الزهرى بنو حنيفة مسيلمة وقومه أهل اليمامة وعليه جماعة، وفى رواية عنه زيادة أهل الردة، .

ج - ١٢
٦٢٩
٤٣١٢- وأسند الواقدى فى "كتاب الردة": أن خالد بن الوليد سبى نساء بنى
حنيفة وذراريهم وكانت أم محمد ابن الحنفية وأم زيد بن عبد الله بن عمر من ذلك
السبى، وهو المشهور فى كتب السير أن أبا بكر قتل أهل الردة، وسبى نساءهم،
ولم يقتلن (الجوهر النقى ١٧٣:٢)، وقد تقدم ذلك كله فى باب لا تقتل المرتدة.
باب ینفسخ النكاح بارتداد أحد الزوجين من ساعته
سواء ارتد قبل الدخول بها أو بعده
قال الله تعالى: ﴿فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن﴾
إلى قوله: ﴿ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾ الآية.
وروى مثل ذلك عن الكلبى، وعن رافع بن خديج: إنا كنا نقرأ هذه الآية فيما مضى، ولا نعلم من
هم حتى دعانا أبو بكر رضى الله عنه إلى قتال بنى حنيفة، فعلمنا أنهم أريدوا، وأشهر الأقوال فى
تعيين هؤلاء القوم أنهم بنو حنيفة، كما فى "روح المعانى" (٩٣:٩ و ٩٤).
والمعنى أنه يكون أحد الأمرين إما المقاتلة أو الإسلام، لا ثالث لهما، فأو للتنويع والحصر،
لا للشك، وهو كثير، ويدل لذلك قراءة أبى وزيد بن على "أو يسلموا" بحذف النون لأن ذلك
للناصب، وهو يقتضى أن أو بمعنى إلا، أى إلا أن يسلموا، فيفيد الحصر، أو بمعنى إلى أى أن
يسلموا، أو الغاية تقتضى أنه لا ينقطع القتال بغير الإسلام، فيفيد الحصر أيضا، كما قيل.
وعلى هذا فيتعين كونهم مرتدين أو مشركى العرب لأنهم الذين لا يقبل منهم إلا الإسلام
أو السيف، لا ثالث لهما، ومن سواهم من الكفار يجوز استرقاقهم، أو وضع الجزية عليهم، ومن
فسر الإسلام بالانقياد، والقوم بالروم وفارس، فقد خالف الظاهر المتبادر، والله تعالى أعلم.
قوله: "وأسند الواقدى إلخ". دلالته على الجزء الآخر من الباب ظاهرة، وقد مر ما يتعلق به
من نصوص المذهب، فتذکر.
باب ینفسخ النكاح بارتداد أحد الزوجين من ساعته سواء ارتد قبل الدخول بها أو بعده
اختلفوا فيما إذا ارتد أحدهما بعد الدخول
قوله: "قال الله تعالى" الآية، قال الموفق فى "المغنى": وجملة ذلك أنه إذا ارتد أحد الزوجين
قبل الدخول انفسخ النكاح فى قول عامة أهل العلم إلا أنه حكى عن داود أنه لا ينفسخ بالردة؛ لأن
الأصل بقاء النكاح، ولنا قول الله تعالى، فذكر الآية، قال: واختلف الرواية عن أحمد فيما إذا ارتد
أحد الزوجين بعد الدخول حسب اختلافهما فيما إذا أسلم أحد الزوجين الكافرين، ففى إحداهما:

٦٣٠
ينفسخ النكاح بارتداد أحد الزوجين من ساعته
إعلاء السنن
٤٣١٣- قال محمد: قال أبو حنيفة: إذا ارتد الرجل عن الإسلام وامرأته مسلمة
انقطعت عصمة ما بينه وما بين المرأة، فإن استتيب فتاب فإنه لا رجعة له عليها، وإن "
ارتدت المرأة إلى المجوسية وزوجها مسلم انقطعت ما بينهما وكذلك قال أهل المدينة فى
هذا كله مثل قول أبى حنيفة وهو قول محمد (کتاب الحجج ص٣٥٤).
تتعجل الفرقة، وهو قول أبى حنيفة ومالك. وروى ذلك عن الحسن وعمر بن عبد العزيز والثورى
وزفر وأبى ثور وابن المنذر، لأن ما أوجب فسخ النكاح، استوى فيه ما قبل الدخول وبعده.
والثانية: يقف على انقضاء العدة، فإن أسلم المرتد قبل انقضاءها، فهما على النكاح، وإن
لم يسلم حتى انقضت بانت منذ اختلف الدينان، وهذا مذهب الشافعى لأنه لفظ تقع به الفرقة،
فإذا وجد بعد الدخول جاز أن يقف على انقضاء العدة كالطلاق الرجعى، أو اختلاف دين .
بعد الإصابة، فلا يوجب فسخه فى الحال كإسلام الحربية تحت الحربى، وقياسه على إسلام أحد
الزوجين أقرب من قياسه على الرضاع اهـ (٧ : ٥٦٤ و ٥٦٥).
قلنا: هذه الفرقة للتنافى، فإن الردة منافية للعصمة موجبة للعقوبة (بالقتل والجبس)، والمنافى
لا يحتمل التراخى بخلاف إسلام أحدهما، فإنه غير مناف للعصمة، هذا جواب ظاهر الرواية.
وبعض مشايخ بلغ وسمرقند أفتوا فى ردتها بعدم الفسخ حسما لاحتیالها على الخلاص بأكبر
الكبائر، وعامة مشايخ بخارى أفتوا بالفرقة وجبرها على الإسلام، وعلى النكاح مع زوجها الأول ..
لأن الحسم بذلك يحصل، ولا تسترق المرتدة ما دامت فى دار الإسلام فى ظاهر الرواية، وفى رواية
النوادر تسترق، كذا فى فتح القدير" (٢٩٧:٥).
قوله: "محمد أخبرنا أبو حنيفة إلخ". قال فى "الهداية": وإذا ارتد أحد الزوجين عن
الإسلام وقعت الفرقة بغير طلاق وهذا عند أبى حنيفة وأبى يوسف، وقال محمد: إن كانت الردة
من الزوج، فهى فرقة بطلاق اهـ.
قلت: ولمحمد سلف فى ذلك من قول إبراهيم، ولأبى حنيفة أن الردة منافية للنكاح لكونها
منافية للعصمة، والطلاق رافع، فتعذر أن تجعل طلاقا، بخلاف ما إذا أسلم أحدهما، وأبى الآخر،
فإن الإباء يفوت الإمساك بالمعروف، فيجب التسريح بالإحسان، ولهذا تتوقف الفرقة بالإباء على
القضاء، ولا تتوقف بالردة، كذا فى "الهداية، والله تعالى أعلم.

ج - ١٢
٦٣١
باب من أنكر شيئا من شرائع الإسلام فقد ارتد عن الإسلام
٤٣١٤- عن أبى هريرة قال: لما توفى النبى عد له وكفر من كفر من العرب قال
عمر: يا أبا بكر كيف تقاتل الناس؟ وقد قال رسول الله عَ ليه: أمرت أن أقاتل الناس
حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال: لا إله إلا الله عصم منى ماله ونفسه إلا بحقه،"
باب من أنكر شيئا من شرائع الإسلام فقد ارتد عن الإسلام.
قوله: "عن أبى هريرة إلخ". قلت: هذا نص فى الباب وأصل عظيم وبيان حلى فى تكفير.
من أنكر فرضا من فرائض الإسلام المشهورة المتواترة المعلومة من الدين بالضرورة قال المهلب: من
:
امتنع من قبول الفرائض نظر، فإن أقر بوجوب الزكاة مثلا أخذت منه قهرا، ولا يقتل، فإن أضاف
إلى امتناعه نصب القتال قوتل إلى أن يرجع (قلت: وإن جحد وجوبها ارتد ولم يقبل تأويله).
أصناف أهل الردة:
قال القاضى عياض وغيره: كان أهل الردة ثلاثة أصناف: صنف عادوا إلى عبادة الأوثان، .
وصنف تبعوا مسيلمة والأسود العنسى، فقاتلهم عمال النبى معَّظهر فى خلافة أبى بكر، وأما مسيلمة
فجهز إليه أبو بكر الجيش، وعليهم خالد بن الوليد فقتلوه، وصنف ثالث استمروا على الإسلام،
لكنهم جحدوا الزكاة، وتأولوا بأنبها خاصة بزمن النبى معَّه لقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة
تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلوتك سكن لهم﴾، فزعموا أن دفع الزكاة خاص
بالنبى معٍَّ لأن غيره لا يطهرهم، ولا يصلى عليهم، فكيف تكون صلاته سكنا لهم.
(قلت: وصنف رابع أقروا بوجوب الزكاة ولم يتأولا كتأويل الصنف الثالث ولكنهم منعوا.
الزكاة شحا بأموالهم وكثروا سواد الجاحدين ونصبوا القتال للمسلمين كما نصبوا)، وهم الذين
ناظر عمر أبا بكر فى قتالهم، كما وقع فى حديث الباب، قال الحافظ فى الفتح: وقد اختلف
الصحابة فيهم بعد الغلبة عليهم هل تغنم أموالهم وتسبى ذراريهم كالكفار أولا كالبغاة؟ فرأى أبو
بكر الأول، وعمل به وناظره عمر فى ذلك وذهب إلى الثانى ووافقه غيره فى خلافته على ذلك
واستقر بالإجماع عليه فى حق من جحد شيئا من الفرائض بشبهة فيطالب بالرجوع فإن نصب
القتال قوتل وأقيمت عليه الحجة فإن رجع، وإلا عومل معاملة الكافر حينئذ" (٢٤٦:١٢ و٢٤٨).
تحقیق الاختلاف فی حکم مانعی الز کاة وأنه فی أی صنف كان منهم
قلت: قد يتوهم من كلام الحافظ وقوع الاختلاف فى مانعى الزكاة كلهم جاحدين
وغير جاحدين، ولا يصح ذلك أصلا، والذين وقع الاختلاف فيهم بعد الغلبة عليهم، إنما هو

٦٣٢
من أنكر شيئا من شرائع الإسلام فقد ارتد عن الإسلام
إعلاء السنن
وحسابه على الله. قال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة
حق المال والله لو منعونى عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله عد له لقاتلتهم على منعه.
الصنف الرابع الذين لم يجحدوا وجوبها بدليل ما أخرجه الحاكم فى "المستدرك" (٣٠٣:٢): عن
عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال: لأن أكون سألت رسول الله عَّ ◌ُلّه عن ثلاث أحب إلى من
حمر النعم. من الخليفة بعده، وعن قوم قالوا نقر بالزكاة فى أموالنا ولا نؤديها إليك أيحل قتالهم؟
وعن الكلالة. وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وهو من حديث محمد
ابن طلحة بن يزيد بن ركانة، قال الذهبى فى "تلخيصه": بل ما خرجا لمحمد شيئا، ولا أدرك عمر
اهـ، وهو من رجال أبى داود وابن ماجه ثقة من السادسة، كما فى "التقريب" (ص١٨٥)،
فالحديث مرسل صحيح وهو صريح فى أن عمر إنما تردد فى الصنف الرابع دون الثالث، نعم! كان
قد ناظر أبا بكر أولا فى الصنف الثالث أيضا، ولم يكن عمر ممن يخفى عليه كفر مثل هؤلاء.
لم یکن عمر ممن يخفى عليه كفر الجاحدين لوجوب الزكاة
ولكنه رأى تألفهم والرفق بهم لكونهم حديث عهد بجاهلية يدل على ذلك ما رواه
الخطيب فى رواة مالك عن ابن عمر قال: لما قبض النبى عّ لّه اشرأب النفاق بالمدينة وارتد العرب
وأرعدت العجم وأبرقت وتواعدوا نهاوند فجمع أبو بكر المهاجرين والأنصار وقال: إن هذا العرب
قد منعوا شاتهم وبعيرهم ورجعوا عن دينهم، وأن هذه العجم قد تواعدوا نهاوند ليجمعوا
لقتالكم، وزعموا أن هذا الرجل الذى كنتم تنصرون به قد مات، فأشيروا على فما أنا إلا رجل
منكم، فأطرقوا طويلا، ثم تكلم عمر بن الخطاب فقال: أرى والله يا خليفة رسول الله أن تقبل من
العرب الصلاة وتدع لهم الزكاة فإنهم حديث عهد بجاهلية لم يعدهم الإسلام، فإما أن يردهم الله
إلى خير، وإما أن يعز الله الإسلام فنقوى على قتالهم فما لبقية المهاجرين والأنصار يدان للعرب
والعجم قاطبةً، فالتفت إلى عثمان فقال مثل ذلك، وقال على مثل ذلك، وتابعهم المهاجرون. ثم
التفت إلى الأنصار، فتابعوهم فلما رأى ذلك صعد المنبر (فخطب خطبة بليغة سارت بها الركبان
وأبصرت بهما العميان وانفتحت بها الآذان وقال:) والله لو منعونى عقالا مما كانوا يعطون رسول
الله ◌َيّ ثم أقبل معهم الشجر والمدر، والجن والإنس لجاهدتهم، حتى تلحق روحى بالله إن الله
لم يفرق بين الصلاة والزكاة ثم جمعهما، فكبر عمر وقال: قد علمت والله حين عزم الله لأبى بكر
علی قتالهم أنه الحق. وروی الحاکم فی "التاریخ" نحوه عن صالح بن کیسان، قال ابن كثير: فيه
انقطاع بين ابن كيسان والصديق لكنه يشهد له النفس بالصحة لجزالة ألفاظه وكثرة ماله من

ج - ١٢
من أنكر شيئا من شرائع الإسلام فقد ارتد عن الإسلام
٦٣٣
قال عمر: فو الله ما هو إلا أن رأيت أن قد شرح الله صدر أبى بكر للقتال. فعرفت أنه
الحق، رواه البخارى ومسلم (فتح البخارى ٢٤٦:١٢).
الشواهد كذا فى "كنزل العمال" (١٤٢:٣) ويؤيده أيضا ما ذكره المحب الطبرى فى "الرياض"
عن عمر لما قبض رسول الله عَّه وارتدت العرب، وقالوا: لا نؤدى زكاة فقال أبو بكر: لو منعونى
عقالا لجاهدتهم عليه، فقلت: يا خليفة رسول الله! تألف الناس وأرفق بهم فقال لى: أجبار فى
الجاهلية وخوار فى الإسلام؟ إنه قد انقطع الوحى وتم الدين أو ينقص وأنا حى. أخرجه النسائى
بهذا اللفظ اهـ. قلت: لعله أخرجه فى الكبرى، فإنى لم أجده فى "المجتبى". وفيه تصريح بأن
عمر رضى الله عنه رأى مانعى الزكاة الجاحدين لوجوبها مرتدين، ولكنه لم يكن يرى للمسلمين
قوة على قتال العرب والعجم جميعًا، فأشار على أبى بكر بتألفهم والرفق بهم.
يجب قتال مانعى الزكاة إذا اجتمعوا على منعها ولو لم يجحدوا وجوبها
وأما الصنف الرابع فكان عمر قد رأى قتالهم بعد مَا ناظر أبا بكر فيهم لكونهم قد نصبوا
القتال للمسلمین وخلیفة الإسلام ولكن لم یکن یری سبیهم، واسترقاق نساءهم، وذراريهم
لكونهم مسلمين قد بغوا على الإمام، يدل على ذلك ما ذكره الواقدى حدثنا عبد الله بن زيد بن
أسلم عن أبيه عن جده فذكر قصة إسلام أهل عمان ومنعهم الصدقة بعد وفاة النبى معد له، وإرسال
أبى بكر عكرمة بن أبى جهل إليهم فى نحو ألفين من المسلمين فقتل عكرمة من أشرافهم مائة رجل
وسبى ذراريهم، وقدم حذيفة على أبى بكر بالسبى وكانوا سبعمائة نفر منهم ثلاث مائة مقاتل،
وأربعمائة من الذرية والنساء، فسجنهم أبو بكر فى دار ملة بنت الحرث، واستشار فيهم، فكان
رأى المهاجرين قتلهم، أو تعذيبهم بإغلاء الفداء عليهم، وكان رأى عمر أن لا قتل عليهم، ولا فداء
فلم يزالوا محبوسين حتى توفى أبو بكر، فلما ولى عمر نظر فى ذلك فقال: لا سبى فى الإسلام،
ولا فداء، وقال: هم أحرار حيث أدر كتموهم. مختصر، قال الزيلعى: وقد يقال: إن عمر لم يتحقق
ردتهم، يدل على ذلك فى القصة أن أبا بكر لما استشار فيهم قال له عمر: يا خليفة رسول الله! إنهم
قوم مؤمنون، وإنما شحوا بأموالهم قال: والقوم يقولون: والله ما رجعنا عن الإسلام، وإنما شححنا
بالمال، فأبى أبو بكر أن(١) يدعهم بهذا القول، ولم يزالوا الحديث (٢: ١٥٥).
(١) فإن قيل: إنكار المرتدردته توبة فلم لم يقبل أبو بكر توبتهم؟ قلت: لأنهم كانوا قد كثروا سواد المرتدين ولم ينكروا ردتهم إلا
بعد ما أسروا ولم ينعزلوا عن المرتدين قبل القتال ولم يظهروا عدم ارتدادهم حين وطيهم جيش الإسلام بسيوفهم بعد ما لم يسمعوا
صوت المؤذنين من ديارهم فختم هذا الإنكار لا يسمع إلا ببينة عادلة ولا يكون علما على توبتهم إلا بها ولكنه لا يقتل المرتد بعد ما
أنكر ردته بل يودع السجن حتى يظهر صدقة أو كذبه، كما فعل أبو بكر رضى الله عنه، فافهم.

٦٣٤
من أنكر شيئا من شرائع الإسلام فقد ارتد عن الإسلام
إعلاء السنن
٤٣١٥- حدثنا فهد ثنا محمد بن سعيد الإصبهانى أخبرنا محمد بن فضيل عن
عطاء بن السائب عن أبى عبد الرحمن السلمى عن على قال: شرب نفر من أهل الشام
الخمر وعليهم يومئذ يزيد بن أبى سفيان وقالوا: هى حلال وتأولوا ﴿ليس على الذين
آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا﴾ الآية، فكتب فيهم إلى عمر، فكتب عمر
أن أبعث بهم قبل أن يفسدوا من قبلك، فلما قدموا على عمر استشار فيهم الناس،
فقالوا: يا أمير المؤمنين! نرى أنهم قد كذبوا على الله وشرعوا فى دينهم ما لم يأذن به الله
فاضرب أعناقهم وعلى ساكت، فقال: ما تقول يا أبا الحسن فيهم؟ قال: أرى أن
تستتيبهم، فإن تابوا ضربتهم ثمانين لشربهم الخمر، وإن لم يتوبوا ضربت أعناقهم،
فإنهم قد كذبوا على الله، وشرعوا فى دينهم ما لم يأذن به الله فاستتابهم فتابوا، فضربهم
ثمانين، رواه الطحاوى فى"معانى الآثار" (٨٩:٢)، واللفظ له، وسنده حسن صحيح.
وبالجملة: فجاحد المجمع عليه المعلوم من الدين بالضرورة وهو ما يعرفه منه الخواص والعوام
من غير قبول للتشكيك فالتحق بالضروريات كوجوب الصلاة وحرمة الزنا والخمر، كافر قطعا
لأن جحده يستلزم تكذيب النبى عرّ ◌ُّه فيه، وما أوهمه كلام الآمدى وابن الحاجب من أن فيه
خلافًا ليس بمراد لهما " شرح جمع الجوامع" (١٣٠:٢). أى بل مرادهما ذكر الخلاف فيما لم يعلم
من الدين بالضرورة من المجمع عليه، وأما ما علم من الدين بالضرورة مما أجمع عليه، فلا خلاف فى
كفر جاحده، كذا فى" حاشية البنانى، ذكره الأستاذ أنور شاه فى رسالته"إكفار المحلدین فی
ضروريات الدين" (ص٥٩)، ومن أراد البسط فى هذا الباب، فليراجعها.
قوله: "حدثنا فهد إلخ" قال فى"الصارم المسلول": حتى أجمع رأى عمر وأهل الشورى أن
يستتاب هو وأصحابه، فإن أقروا بالتحريم جلدوا وإن لم يقروا به كفروا اهـ (ص٥٣٣)، وقال
الجصاص فى "أحكام القرآن" له: "روى الزهرى قال: أخبرنى عبد الله بن عامر بن ربيعة أن
الجارود سيد بنى عبد القيس وأبا هريرة شهدا على قدامة بن مظعون (البدرى) أنه شرب الخمر،
وأراد عمر أن يجلده، فقال قدامة: ليس لك ذلك لأن الله تعالى يقول: ﴿ليس على الذين آمنوا.
وعملوا الصالحات جناح) الآية، فقال عمر: قد أخطأت التأويل يا قدامة! إذا اتقيت اجتنبت ما
حرم الله عليك، فلم يحكموا على قدامة بحكمهم على الذين شربوها بالشام، ولم يكن حكمه
حكمهم؛ لأن أولئك شربوها مستحلين لها، ومستحل ما حرم الله كافر؛ فلذلك استتابهم.

ج . = ١٢
من أنكر شيئا من شرائع الإسلام فقد ارتد عن الإسلام
٦٣٥".
٤٣١٦- عن ثوبان قال: قال رسول الله عَّ له: إنه سيكون فى أمتى كذابون
ثلاثون كلهم يزعم أنه نبى وأنا خاتم النبيين لا نبى بعدى رواه مسلم ختم النبوة (٢٣:٢).
لم يكن قدامة شرب الخمر مستحلالها:
وأما قدامة بن مظعون، فلم يشربها مستحلا لشربها، وإنما تأول الآية على أن الحال التى هو
عليها ووجود الصفة التى ذكر الله تعالى فى الآية فيه مكفرة لذنوبه، فكان عنده أنه من أهل هذه
الآية، وأنه لا يستحق العقوبة على جامع اعتقاده لتحريمها، ولتكفير إحسانه إساءته آهـ (٤٦٦:٢).
.. وكان حاصل تأويله أن قوله تعالى: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما
طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات﴾ الآية فى شاربى الخمر كقوله: ﴿إلا الذين تابوا من
قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم﴾ فى قاطعى الطريق، فكما أن توبتهم قبل القدرة
عليهم مسقطة للحد عنهم كذلك توبة شارب الخمر قبل القدرة عليه دارئة للحد عنه، ولكنه أخطأ
التأويل لأن قوله تعالى: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ الآية، ليس باستثناء كقوله:
﴿إلا الذين تابوا﴾ بل هو فى حق من كان شربها قبل التحريم. وبالجملة فلم يكن قدامة مستحلا.
للخمر مثل الذين شربوها بالشام، فما قاله الموفق فى "المغنى" (٨٦:١٠) ليس على ما ينبغى.
لا يقبل التأويل فى ضروريات الدين ويكفر المتأول فيها إذا حرم حلالا أو حلل حراما بتأويله
ودلالة الأثر أن التأويل لا يقبل فى ضروريات الدين ويكفر المتأول فيها ظاهرة. وهو إجماع
الصحابة رضى الله عنهم، قال محمد فى "السير الكبير": ومن أنكر شيئا من شرائع الإسلام، فقد
أبطل قول: لا إله إلا الله معناه أنه يصير مرتدا، فيقتل إن لم يسلم. وبهذا اللفظ تبين خطأ من يقول
من المتأخرين: إن من أنكر شيئا من الشرائع، فهو كافر فيما أنكره مسلم فيما سوى ذلك. وعليه
ابتنى فى تصنيف له حال مانعى الزكاة فى عهد أبى بكر رضى الله تعالى عنه، وهو مخالف للرواية
نزع إلى قول أهل الضلالة، فإنهم يقولون: إن مرتكب الكبيرة خارج من الإيمان غير داخل فى.
الكفر، فله منزلة بين المنزلتين. فهذا قريب من ذلك ذكره السرخسى فى"شرح السير" (٣٦٦:٤).
:... قوله:"عن ثوبان إلى قوله عن عبد الله بن الزبير إلخ" وهذا من أعلام النبوة، فقد ظهر
مصداق ذلك فى آخر زمن النبى عَ ◌ّه، فخرج مسيلمة باليمامة، والأسود باليمن، ثم خرج فى
خلافة الصديق طليحة بن خويلد فى بنى أسد بن خزيمة، وسجاح التميمية فى تميم، وفيها يقول
مؤذنها شبيب بن ربعى: أضحت نبيتنا أنثى لطيف بها، وأصحبت أنبياء الناس ذكرانا (قلت: ومن
عجائب الدهر أنه قد نشأ فى أرض القاديان من الهند متنبئ خنثى.

٦٣٦
من أنكر شيئا من شرائع الإسلام فقد ارتد عن الإسلام
إعلاء السنن
٤٣١٧- ولفظ البخارى (٥٠٩:١): لا تقوم الساعة حتى يبعث دجالون كذابوان
قريبا من ثلاثين كلهم يزعم أنه رسول الله. وهو من حديث أبى هريرة عنده.
٤٣١٨- عن أبى هريرة أن رسول الله عَ لّه قال: فضلت على الأنبياء بست
فذكرها وقال: وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بى النبيون، رواه مسلم فى الفضائل
(ختم النبوة ٢٣:٢).
٤٣١٩- عن عبد الله بن الزبير قال: قال رسول الله عَ له: لا تقوم الساعة حتى
يخرج ثلاثون كذابا دجالا منهم مسيلمة والعنسى والمختار. رواه أبو يعلى بإسناد حسن
(فتح البارى ٤٥٤:٦).
من عجائب الدهر متنبئ خنثى:
يترجل مرة ويتأنث أخرى يقول: قد وقع لى كأنى صرت مريم، وحملت بعيسى، وأخذنى
الطلق فوضعته، ثم صرت عيسى بعينه إلى آخر ما هذى وهجر وافترى لعنه الله وألقاه فى الهاوية).
وقتل الأسود قبل أن يموت النبى مرّ ليه، وقتل مسيلمة فى خلافة أبى بكر، وعاد طليحة إلى الإسلام،
وكذلك سجاح، ورجع غالب من كان ارتد معهم إلى الإسلام، فلم يحل الحول إلا والجميع
قد راجعوا دين الله ولله الحمد، ثم كان أول من خرج منهم المختار بن أبى عبيد الثقفى، فقتل سنة
بضع وستين. ومنهم الحارث الكذاب خرج فى خلافة عبد الملك بن مروان فقتل، وخرج فى خلافة
بنى العباس جماعة، وليس المراد بالحديث من ادعى النبوة مطلقا، فإنهم لا يحصون كثيرةٌ لكون
غالبهم ينشأ لهم ذلك عن جنون أو سوداء (كمتنبئ البنجاب من نسل المغول القادیانی،
فقد اعترف بكونه مبتلى بالمراق والماليخوليا فتبا لأتباعه وأذنابه أنى يؤفكون) وإنما المراد من قامت
له شوكة كمن وصفنا وقد أهلك الله تعالى من وقع له ذلك منهم، وبقى منهم من يلحقه
بأصحابه، وآخرهم الدجال الأكبر اه من "فتح البارى" (٤٥٤:٦ و ٤٥٥) ملخصا.
من ادعی النبوة أو صدق من اد عاها بعد نبينا ێّ فقد ارتد
قال الموفق فى "المغنى": ومن ادعى النبوة، أو صدق من ادعاها، فقد ارتد لأن مسيلمة
لما ادعى النبوة، فصدقه قومه صاروا بذلك مرتدين، وكذلك طليحة الأسدى ومصدقوه، وقال
النبى عَّه: ((لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابون (دجالون)) الحديث (١١٢:١٠).
قلت: ومن المعلوم بالتواتر أن مسيلمة لم يكن منكرًا لنبوة سيدنا محمد عَّ له، وإنما كان
جاحدًا لختم النبوة، فتبين بذلك كفر كل من ادعى النبوة بعده عَّهِ، وإن كان مع ذلك مقرا بنبوته

ج - ١٢
٦٣٧
باب حد الساحر ضربة بالسيف وكذا من سب الله
أو الرسول أو واحدا من الأنبياء
٤٣٢٠- عن جندب قال: قال رسول الله عَّ له: حد الساحر ضربة بالسيف. رواه
الترمذى والدار قطنى، وضعف الترمذى إسناده لأجل إسماعيل بن مسلم المكى، وق":
الصحيح عن جندب موقوف (نيل الأوطار ٨٤:١). قلت: ولكنه حسن الحديث
فقد ثبت الأمر بالقتل ولو فى المسجد الحرام لابن أبى سرح وغيره، وكان ابن أبى سرح قد قال: إن
كان أوحى إلى محمد فقد أوحى إلى، كما فى "شرح المواهب" من فتح مكة، و"فتاوى" الحافظ
ابن تيمية (ص٢٣٩). قال القاضى عياض فى "الشفاء": "لأنه أخبر أنه مر ◌ّ خاتم النبيين ولا بنى
بعده، وأخبر عن الله تعالى أنه خاتم النبيين. وأجمعت الأمة على حمل هذا الكلام على ظاهره، وأن
مفهومه المراد به دون تأويل ولا تخصيص، فلا شك فى كفر هؤلاء الطوائف كلها قطعًا إجماعًا
وسمعًا اهـ (ص٣٦٢ مطبوعة بالهند)، وقال السيد محمود مفتى بغداد فى تفسيره "روح المعانى":
"وكونه مرّ خاتم النبيين مما نطقت به الكتب وصدعت السنة وأجمعت عليه الأمة فيكفر مدعى
خلافه ويقتل إن أصر اهـ" (٦٥:٧) وفى "شرح الفقه الأكبر" لعلى القارئ: ودعوى النبوة بعد
نبينا معّ ◌ُّ كفر بالإجماع (ص ٢٠٢) ومن أراد البسط فى الآثار، وأقوال علماء الأمة فى هذا
الباب، فليراجع " كتاب ختم النبوة" للمولى محمد شفيع الديوبندى، فقد أجاد وشفى واشتفى.
متنبئ البنجاب القادیانی ومن صدقه کافر مرتد
فمتنبئ البنجاب القاديانى كافر مرتد عن الإسلام، وكذا من لم يقل بكفره وارتداده، وظنه
ولیًا، أو مجددًا، أو مصلحًا، فإنه كذاب دجال قد افترى على الله ورسوله كذبا.
قال الزرقانى فى "شرح المواهب": " ومنها أى من خصائصه عليه الصلاة والسلام أنه خاتم
الأنبياء والمرسلين، كما قال تعالى: ﴿ولكن رسول الله وخاتم النبيين﴾ أى آخرهم الذى ختمهم، أو
ختموا به على قراءة عاصم بالفتح، وروى أحمد والترمذى والحاكم بإسناد صحيح عن أنس
مرفوعًا ((أن الرسالة والنبوة قد انقطعت فلا رسول بعدى ولا نبى))، ولا يفدح نزول عيسى عليه
السلام بعده لأنه يكون على دينه مع أن المراد أنه آخر من نبى اهـ (٢٦٧:٥).
باب حد الساحر ضربة بالسيف وكذا من سب الله أو الرسول أو واحدا من الأنبياء
قوله: "عن جندب إلخ". دلالته على الجزء الأول من الباب ظاهرة، قال فى "الدر":
والكافر بسبب اعتقاد السحر لا توبة له (أى لا يستتاب منه بل يقتل إذا أقر بسحره أو ثبت بالبينة)

٦٣٨
حد الساحر ضربة بالسيف وكذا من سب رسول الله
إعلاء السنن
بالدرجة الثانية فقد قال أبو حاتم: إسماعيل ضعيف الحديث ليس بمتروك يكتب حديثه،
وقال الأنصارى: كان له رأى وفتوى وبصر وحفظ للحديث، فكنت أكتب عنه لنباهته،
كذا فى "التهذيب" (٣٣٣:١، وقال الحاكم فى "المستدرك" (٣٦٠:٤): هذا حديث
لر امرأة فى الأصح لسعيبها فى الأرض بالفساد ذكره الزيلعى (ومقابل الأصح ما فى "المتنقى" أنها
لا تقتل بل تحبس وتضرب كالمرتدة، كما فى "الزيلعى" اهـ. من "رد المحتار" (٤٥٧:٣).
حكم السحر وحقيقته:
: وفيه أيضا عن"الفتح": السحر حرام بلا خلاف بين أهل العلم، واعتقاد إباحته كفر، وعن
أصحابنا ومالك وأحمد يكفر الساحر بتعلمه وفعله سواء اعتقد الحرمة أو لا، ويقتل، وفيه حديث
مرفوع ((حد الساحر ضربة بالسيف)) يعنى القتل وعند الشافعى لا يقتل ولا يكفر إلا إذا اعتقد
إباحته. وأما الكاهن فقيل: هو الساحر، وقيل: هو العراف الذى يحدس ويتخرص، وقيل: من له
من الجن من يأتيه بالأخبار، وقال أصحابنا: إن اعتقد أن الشياطين يفعلون له ما يشاء كفر لا إن
اعتقد أنه تخييل، وعند الشافعى إن اعتقد ما يوجب الكفر مثل التقرب إلى الكواكب وأننها تفعل ما
. يلتمسه كفر، ويجب أن لا يعدل عن مذهب الشافعى فى كفر الساحر والعراف وعدمه، وأما قتله
فيجب ولا يستتاب إذا عرفت مزاولته لعمل السحر لسعيه فى الأرض بالفساد، ولا بمجرد علمه إذا
لم يكن فى اعتقاده ما يوجب كفره" اهـ (٤٥٦:٣)، وذهبت الأشعرية إلى أن للسحر حقيقة قمنه
ما يقتل وما يمرض، وما يأخذ الرجل عن امرأته فيمنعه وطأها ، ومنه ما يفرق به بين المرء وزوجه،
وما يبغض أحدهما إلى الآخر أو يحب بين اثنين. وذهب بعض أصحاب الشافعى إلى أنه لا حقيقة
له إنما هو تخييل، وهو قول أصحاب أبى حنيفة، (أى بعضهم واختاره الجصاص فى أحكام
"القرآن" له)، ومذهب جمهور العلماء أن للسحر تأثيرا (قال المحقق فى الفتح": قال أصحابنا:
للسحر حقيقة، وتأثير فى إيلام الآجام خلافًا لمن منع ذلك، وقال: إنما هو تخييل (٢٣٣:٥).
فرق ما بين المعجزة والكرامة والسحر
ولا يبطل به معجزات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لأن العادة تنخرق على يد النبى والولى
والساحر ولكن النبى يتحدى بها الخلق ويستعجرهم عن مثلها ويخبر عن الله تعالى بخرق(٤) العادة
(١) قلت: وليس من خرق العادة الإخبار بموت أحاد من الناس فى مدة معلومةً لأن ذلك لا يعجز عن مثله الحذاق من الأطباء بناء
على ظاهر حا المرء من الصحة والسقم، والقوة والضعف، ولم يكن بيد متنبئ القاديان الكذاب اللعين الدجال إلا هذا أى

ج - ١٢
حد الساحر ضربة بالسيف وكذا من سب رسول الله
٦٣٩
صحيح الإسناد، وإن كان الشيخان تركا حديث إسماعيل بن مسلم، وأقره عليه
الذهبى، فقال: صحيح غريب اهـ.
له لتصديقه، فلو كان كاذبا لم تنخرق العادة على يديه. والولى والساحر لا يتحديان الخلق،
ولا يستدلان على نبوة، ولو ادعيا شيئا من ذلك لم تنخرق العادة لهما، وأما الفرق بين الولى
والساحر فمن وجهين أحدهما وهو المشهور إجماع المسلمين على أن السحر لا يظهر إلا على
: فاسق، والكرامة لا تظهر على فاسق فإنما تظهر على ولى، وبهذا جزم إمام الحرمين والمتولى
وغيرهما، والثانى أن السحر قد يكون بفعلها وبمزجها ومعاناة وعلاج (كلها أسباب لو علمها
: واحد من الناس لفعل مثل ما يفعل الساحر) والكرامة لا تفتقر إلى ذلك، وفى كثير من الأوقات يقع
مثل ذلك من غير أن يستدعيه أو يشعر به كذا فى "نيل الأوطار" نقلا عن النووى فى "شرح
مسلم" له (٨٧:٢٠)، وقال الموفق فى "المغنى": وحد الساحر القتل روى ذلك عن عمر وعثمان
ابن عفان وابن عمر وحفصة و جندب بن عبد الله و جندب بن کعب وقیس بن سعد و عمر بن عبد
العزيز، وهو قول أبى حنيفة ومالك، ولم ير الشافعى عليه القتل بمجرد السحر، وهو قول ابن المنذر
ورواية عن أحمد، ووجه ذلك أن عائشة رضى الله عنها باعت مدبرة سحرتها، ولو وجب قتلها لما
حل بيعها، ولأن النبى معَ ◌ّ قال: ((لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث كفر بعد إيمان أو زنا
الإخبار بموت آحاد من الرجال، وظهر كذبه وكذب ما أخبر به فى ذلك كثيرا أيضا فلم يمت أحد منهم فى التاريخ الذى عينه
لموته، ومن أشد ما وقع له أنه مات قيل من كان غلق صدقه فى دعواه على موته فى حياته، وكذلك أخبر اللعين أن الله زوجه
بامرأة سماها فوق السماوات، ولا بد أن تدخل فى نكاحه وجعل هذا الخبر أعظم معجزة لنبوته المفتراة المختلفة الناشئة عن
هوى النفس واستهواء الشياطين، وحلف على ذلك أيمانا غليظة أن الله أوحى ذلك إليه ولا بد أن سيقع كما قاله وإن ظهر
كذبه فى هذا الخبر فهو كذاب دجال مفتر على الله، فأظهر الله دجله و كذبه وافترائه عیانا، حيث لا يشك فيه إنس ولا جان
بأن المرأة وأبواها رغبوا كلّه عن تزويجها إياه وتزوجت برجل آخر غيره مع أن اللعين هددهم ووعدهم وأخافهم من سطوات
الله، فلم يلتفتوا إلى هذياناته لمعرفتهم بكذبه وافترائه على الله فمات اللعين وهى حسرة على قلبه، وحجة على كذبه، والمرأة
وزوجها كلاهما حیان سالمان غانمان إلى الآن، ولنعم ما قيل:
يصادفها رقية الكروان
رفاء ووصـلا خطـبة وتهانى
وقد حيل بين العير والنزوان
وقوته والله فيه كفانى
جزة منكوحة فلكية
الشيطان فــيـا بوحـ
بر العيش لو يستطيعه
ضحه رب السماء بحوله

٦٤٠
جد الساحر ضربة بالسيف وكذا من سب رسول الله
إعلاء السنن
٤٣٢١- عن بجالة بن عبدة قال: كنت كاتبا لجزء بن معاوية عم الأحنف بن
قيس فأتى كتاب عمر قبل موته بشىء: أن اقتلوا كل ساحر وساحرة وفرقوا بين كل ذى
رحم محرم من المجوس وانهوهم عن الزمزمة، فقتلنا ثلاث سواحر، وجعلنا نفرق بين
الرجل وحريمه فى كتاب الله تعالى، رواه أحمد وأبو داود والبيهقى وعبد الرزاق (نيل).
بعد إحصان أو قتل نفس بغير حق)) ولم يصدر منه أحد الثلاثة فوجب أن لا يحل دمه.
ولنا: ما روى جندب بن عبد الله فذكر حديث المتن وقول عمر: اقتلوا كل ساحر، وهذا
اشتهر فلم ینکر فكان إجماعًا، وقتلت حفصة جارية لها سحرتها، وقتل جندب بن کعب ساحرا
كان يسحر بين يدى الوليد بن عقبة، ولأنه كافر، فيقتل للخبر الذى رووه، وقول عائشة قد خالفها
فيه كثير من الصحابة قال على رضى الله عنه: الساحر كافر، ويحتمل أن المدبرة تابت، فسقط عنها
القتل، والكفر بتوبتها، ويحتمل أنها سحرتها أى ذهب إلى ساحر سحرها (١١٦:١٠).
حكم ساحر أهل كتاب:
وفيه أيضا: فأما ساحر أهل الكتاب فلا يقتل لسحره إلا أن يقتل به وهو مما يقتل به غالبًا،
فيقتل قصاصًا، وقال أبو حنيفة: يقتل لعموم ما تقدم من الأخبار، ولنا أن لبيد بن الأعصم سحر
النبى معَّ فلم يقتله ولأن الشرك أعظم من سحره ولا يقتل به والأخبار وردت فى ساحر المسلمين
اهـ (١١٨:١٠)، قلنا: تخصيص بلا دليل فما أبعد المسلم من السحر وما أقرب الكافر منه.
فالمتبادر من قوله: حد الساحر ضربة بالسيف إنما هو الكافر أولا لغلبة شيوعه فيهم،
والمسلم ثانيًا لندرة من يعرفه منهم. وقال ابن بطال لا حجة لهم فى قصة الذى سحر النبى معَّ له
لأنه كان لا ينتقم لنفسه ولأن السحر لم يضره فى شىء من أمور الوحى، ولا فى بدنه، وإنما كان
اعتراه شىء من التخيل (فى أمر النساء كأنه صار به معقودا عنهن)، وهذا كما تقدم أن عفريتا
تفلت عليه ليقطع صلاته، فلم يتمكن من ذلك، وإنما ناله من ضرر السحر ما ينال المريض من ضرر
الحمى، ذكره الحافظ فى "الفتح" (١٩٨:٦).
السحر لم يضر النبى معَ ◌ّر فى شىء من أموره وإنما ناله منه
ما ينال المريض من ضرر الحمى
قوله: "عن بجالة بن عبدة إلخ". قلت: دلالته على قتل الساحر ظاهرة، والمتبادر منه قتل
الساحر من أهل الذمة بدليل قوله: وفرقوا بين كل ذى رحم محرم من المجوس، فالسواحر التى
قتلوهن كن من أهل الذمة دون المسلمين.