النص المفهرس
صفحات 581-600
٥٨١ لا تخمس الجزية ولا الفىء وإنما الخمس فى الغنيمة إعلاء السنن قريش يقال له: عمرو بن حريث فاشتراهما بأعطية الذرية والمقاتلة الحديث، رواه أبو عبيد فى "الأموال"، وفيه النهاس بن قهم ضعيف، كما فى "التقريب"، ولكن القصة المصاب بقوة المسلمين، وهذا بخلاف ما كان لرسول الله عَّه من الهدية، فإن قوته ومنعته لم يكن بالمسلمين على ما قال الله تعالى: ﴿والله يعصمك من الناس﴾. وقال النبى عَ له: ((نصرت بالرعب مسيرة شهر)). رواه جابر عند الشيخين وغيرهما وفى الطبرانى مسيرة شهرين والجمع بينهما بما ورد فى "مسند" أحمد شهرًا وراءه، وشهرًا أمامه اهـ من "التلخيص" أيضا (٢٨٩:٢). فلهذا كانت الهدية له خاصة ثم الذى حمل المشرك على الإهداء إليه أى أمير الجند خوفه منه وطلب الرفق به وبأهل مملكته وتمكنه من ذلك بعسكره فكانت الهدية بينه وبين أهل العسكر، وكذلك إن كانت الهدية إلى قائد من قواد المسلمين ممن له عدة ومنعة، وإن كان أهدى إلى بعض المبارزين، أو إلى رجل من عرض العسكر، فذلك له خاصة. وعلى هذا قالوا أهدى إلى مفت أو واعظ شيئا فإن ذلك سالم له خاصة، لأن الذى حمل المهدى إلى الإهداء إليه والتقرب إليه معنى(١) فيه خاصة بخلاف الهدية إلى الحكام، فإن ذلك رشوة لأن المعنى الذى حمل المهدى على التقريب إليه ولايته الثابتة بتقليد الإمام إياه، والإمام فى ذلك نائب عن المسلمین. والأصل فى ذلك قول النبى معَّ لّهِ: هدايا الأمراء غلول. (رواه أحمد والطبرانى عن أبى حميد الساعدى مرفوعًا بلفظ: هدايا العمال غلول، وفى إسناده إسماعيل بن عياش عن أهل الحجاز وهو ضعيف فى الحجازيين، ويشهد له ما أخرجه الشيخان وأبو داود من حديث أبى حميد المذكور، قال: استعمل رسول الله عَّه رجلا على الأزد يقال له: ابن اللتبية، فلما قدم قال: هذا لكم، وهذا أهدى لى الحديث، كذا فى "النيل" (١٩٥:٧). يعنى إذا حبسوا ذلك لأنفسهم، فذلك بمنزلة الغلول منهم، والغلول اسم خاص لما يؤخذ من المغنم فعرفنا أن ذلك بمنزلة الغنيمة، وتخصيص الأمير بذلك دلنا على أن مثله فى حق الواحد من عرض الناس لا يكون غلولا. ولو أن أمير عسكر المسلمين أهدى إلى ملك العدو، فعوضه ملك العدو نظر فى هديته، فإن كان مثل هديته، أو فيه زيادة بقدر ما يتغابن الناس فيه، فهو سالم له، لأن الجالب لهذه الهدية ما صنعه هو من (١) قلت: ولكن لا ينبغى لأحد من المسلمين أن يقبل هدية العدو إلا بإذن أمير الإسلام فإن الهدية تجلب المحبة فربما يريد العدو بها إمالة قلوب الواعظين أو المفتيين أو المبارزين إلى نفسه وفيه ما لا يخفى من المفسدة فإن أذن له الأمير فى ذلك كانت الهدية له خاصة. ٥٨٢ ج - ١٢ لا تخمس الجزية ولا الفىء وإنما الخمس فى الغنيمة لها طرق عديدة، كما سنذكرها فى الحاشية، فصح الاحتجاج بها، وقد احتج بها أبو عبيد، وهو مجتهد فقيه. الإهداء إلیه، وقد کان فى ذلك عاملا بنفسه، وإن كان أكثر من ذلك بما لا يتغابن الناس فى مثله، فله من ذلك مقدار قيمة هديته، والفضل فىء لجماعة المسلمين الذين معه. والأصل فى ذلك حديث عمر رضى الله عنه فإن امرأته أهدت إلى امرأة ملك الروم هدية من طيب أو غيره، فأهدت إليها امرأة الملك هدايا، فأعطاها عمر من ذلك مثل هديتها، وأخذ ما بقى من ذلك، فجعله فى بيت المال، فكلمه فى ذلك عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه، فقال له عمر رضى الله عنه: قل لصاحبتك: فلتهد حتى تنظر أ تهدى إليها مثل هذا أم لا اهـ ملخصا (٧٢:٣ و ٧٣). وكلام محمد فى "السير الكبير" ، وكلام السرخسى فى "شرحه" يشعر باتفاق أئمتنا الحنفية على ما ذكره ههنا من حكم هدية أهل الحرب، فإنهما لم يذكر فيه خلافا، ولكن الموفق أقام الخلاف بين أبى حنيفة ومحمد، فعزى إلى أبى حنيفة القول بأنه للمهدى له بكل حال، وإلى محمد أنه للمهدى له إن كان أهداه ملك الحرب من داره إلى دار الإسلام، وغنيمة إن كان أهداه للإمام، أو لأمير الجيش، أو لبعض قواده فى دار الحرب، كذا فى "المغنى" (٥٦٦:١٠)، ولا أدرى من أين أخذ هذا الخلاف، فإنى لم اطلع عليه فى كتب المذهب. قلت: وذلك إيفاء ما وعدته من قبل من بيان الفصل بين الغنيمة والفىء. وتبين بما ذكرنا كون الجزية وهدية أهل الحرب إلى ملك المسلمين من الفىء أيضا. وقد تقدم فى "باب إذا فتح الإمام بلدة فهو بالخيار إن شاء قسمها أو أقر أهلا عليها إلخ " أن الفىء ليس بمقصور على الأصناف الخمسة التى هى مصارف الخمس، بل هو للمسلمين عامة، ومن أراد البسط فى معرفة أحكامه، فليراجع كتاب "الأموال" لأبى عبيد - رحمه الله- فإنه قد أتى فيه بجملة كبيرة من الآثار والأخبار، وفيها ما يؤيد مذهب الحنفية فى الباب، ولولا مخافة الإطالة لأودعتها برمتها فى متن الكتاب. وقال الإمام أبو يوسف فى "الخراج" له، بعد ما نص على أن الجزية فىء للمسلمين ما لفظه: وكل ما أخذ من أهل الذمة من أموالهم التى يختلفون بها فى التجارة وممن دخل إلينا بأمان، وما أخذ من أهل الذمة من أرض العشر التى صارت فى أيديهم، وكل شىء يؤخذ من مواشى نصارى بنى تغلب، ويؤخذ منها ما يجب عليها فى دارها، فإن سبيل ذلك أجمع كسبيل الخراج، يقسم فیما یقسم فيه اخراج، وليس هذا کمواضع الصدقة، ولا کمواضع الخمس، قد حكم الله عز وجل فى الصدقة حكما قسمها عليها، فهى على ذلك، وقسم الخمس قسما بقى عليه، فليس للناس أن ٥٨٣ إعلاء السنن باب تضعیف الصدقة علی نصاری بنی تغلب وأحكامها ٤٢٦٧- حدثنا أبو معاوية عن أبى إسحاق الشيبانى عن داود بن كردوس عن عمر رضى الله عنه أنه صالح بنى تغلب على أن لا يصبغوا فى دينهم صبيا، وعلى يتعدوا دلك ولا يخالفوه اهـ (ص١٤٩). وقال أيضا: فاجعل أعز الله أمير المؤمنين بطاعته ما يجرى على القضاة والولاة من بيت المال المسلمين من جباية الأرض أو من خراج الأرض والجزية لأنهم فى عمل المسلمين، ولا تجر على الولاة والقضاة من مال الصدقة شيئا إلا والى الصدقة فإنه يجرى عليه منها، كما قال الله تعالى: ﴿والعاملين عليها﴾ اهـ (ص٢٢٢)، وذكر صاحب "الهداية" نحوه فى آخر فصل عقده لأحكام نصارى بنى تغلب، وقد تم ههنا باب الجزية وأحكامها، ولله الحمد، وله الشكر. باب تضعيف الصدقة علی نصارى بنى تغلب وأحكامها قوله: "حدثنا أبو معاوية إلخ" قلت: دلالته على الجزء الأول من الباب ظاهرة وقد تقدم الكلام فى هذا الإسناد فى باب "يؤخذ من التغلبى إذا مر على العاشر نصف العشر إلخ" مستوفى، وكذا الجواب عن طعن ابن حزم فيه. قال فى "الهداية": " ونصارى بنى تغلب يؤخذ من أموالهم ضعف ما يؤخذ من المسلمين من الزكاة لأن عمر رضى الله عنه صالحهم على ذلك بمحضر من الصحابة اهـ (٣٠٤:٥) مع "الفتح". الجواب من إيراد ابن حزم على الحنفية فى الباب: وقال ابن حزم فى "المحلى": ولا تؤخذ زكاة من كافر لا مضاعفةً ولا غير مضاعفة لا من بنى تغلب، ولا من غيرهم، وهو قول مالك، وقال أبو حنيفة والشافعى كذلك إلا فى بنى تغلب خاصة، فإنهم قالوا: تؤخذ منهم الزكاة مضاعفةً، وذكر فى حجتهم ما ذكرناه فى المتن، وطعن فى إسناده، وقد فرغنا من جوابه فيما مضى، ثم قال: هذا كل ما موهوا به، ولو كان هذا الخبر عن رسول الله عَّ لما حل لاأخذ به لانقطاعه وضعف رواته (قلت: كلا بل كلهم ثقات، كما مضى ولا يلزم من عدم معرفتك بالسفاح بن مطر وداود بن كردوس وعبادة بن النعمان أن لا يعرفهم أحد من خلق الله تعالى)، فكيف؟ وليس هو عن رسول الله عَ ليه (قلنا: ولكنه عن عمر وعثمان وعلى رضى الله عنهم بمحضر من الصحابة فكان إجماعًا منهم وهو حجة)، فكيف؟ وقد خالفوا هذا الخبر نفسه وهدموا به أكثر أصولهم لأنهم يقولون لا يقبل خبر الآحاد الثقات التى لم يجمع عليها فيما إذا كثرت به البلوى، وهذا أمر تكثر به البلوى، ولا يعرفه أهل المدينة وغيرهم، فقبلوا فيه ٥٨٤ تضعيف الصدقة على نصارى بنى تغلب وأحكامها ج - ١٢ أن عليهم الصدقة مضاعفة، وعلى أن لا يكونوا على دين غير دينهم، فكان داود يقول: خبرًا لا خير فيه. (قلنا: لا نسلم كونه من خبر الآحاد، كما سيأتى. وقد عرفه الزهرى شيخ مالك، وهو أفضل علماء المدينة فى عصره، وأعلمهم بالسنة، فلا يصح القول بعدم معرفة أهل المدينة إياه) ويقولون: لا يقبل خبر الآحاد الثقات إذا كان زائدا على ما فى القرآن أو مخالفًا، ولا خلاف للقرآن أكثر من قول الله تعالى ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ﴾، فقالوا هم إلا بنى تغلب فلا يؤدون الجزية، ولا صغار عليهم، بل يؤدون الصدقة مضاعفة، فخالفوا القرآن والسنن والمنقولة نقل الكافة بخبر لا خبر فيه (١١٢:٦). قلنا: ليس ذلك مخالفا للقرآن والسنن أصلا فإن القرآن إنما أمر بأخذ الجزية ولم يتعين له صورة بعينها والصدقة المضاعفة التى أخذها عمر من بنى تغلب أخدها جزيةً وخراجاً ولهذا تصرف فى مواضع الجزية ومصالح المسلمين ولا تصرف فى مصارف الزكاة إجماعا، فلم يترك عمر ومن بعده من الخلفاء أخذ الجزية عن نصارى بنى تغلب وإنما تركوا الصورة التى حتاروها للجزية فى حق غيرهم لم يوجبها القرآن، ولم يعينها السنن، ولم يتركوا تسميتها بالجزية، بل قالوا هذه جزية سموها ما شئتم. وأما قوله: "ولا صغار عليهم إلخ". فإن القرآن والسنة لم يعين لهذا الصغار الذى يؤخذ به أهل الذمة صورة بعينها، واختلف العلماء فى ذلك فقال بعضهم: إعطاؤهم الجزية، وقبولهم إجراء أحكام الإسلام عليهم فيما يرجع إلى المعاملات هو الصغار، كما مر، فكيف يصح القول؟ بأن لا صغار على نصارى بنى تغلب، وهم يعطون الجزية، ويطيعون عمال الإسلام وولاة المسلمين؟ وقال البلاذرى فى "الفتوح": حدثنا عباس بن هشام عن أبيه عن عوانة بن الحكم وأبى مخنف قالا: كتب عمير بن سعد إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه يعلمه أنه أتى شق الفرات الشامى ففتح عانات، وسائر حصون الفرات، وأنه أراد من هناك من بنى تغلب على الإسلام، فأبوه وهموا باللحاق بأرض الروم، فكتب إليه عمر رضى الله عنه يأمره أن يضعف عليهم الصدقة التى تؤخذ من المسلمين فى كل سائمة وأرض وإن أبو ذلك حازهم حتى يبيدهم، أو يسلموا، فقبلوا أن يؤخذ منهم ضعف الصدقة وقالوا: أما إذا لم تكن جزية كجزية الأعلاج، فإنا نرضى ونحفظ ديننا. حدثنى محمد بن سعد عن الواقدى عن ابن سبرة عن عبد الملك بن نوفل عن محمد بن إبراهيم بن الحارث أن عمر بن عبد العزيز أمر أن لا يقبل من بنى تغلب فى الجزية إلا الذهب والفضة، فجاء الثبت أن عمر أخذ منهم ضعف الصدقة، فرجع عن ذلك اهـ (ص ١٩٠ و ١٩١). ٥٨٥ تضعيف الصدقة على نصارى بنى تغلب وأحكامها إعلاء السنن ما لبنى تغلب ذمة، قد صبغوا. رواه يحيى بن آدم فى "الخراج" له (ص ٦٧)، والسفاح وأخرج الطبرى فى "التاريخ" فيما كتب به إليه السرى عن شعيب عن سيف عن محمد والمهلب وطلحة وعمرو وسعيد قالوا: خرج عياض بن غنم فى أثر القعقاع، وخرج القواد، فذكر حديثا طويلا، وفيه: وخرج الوليد بن عقبة حتى قدم على بنى تغلب وعرب الجزيرة، فنهض معهم مسلمهم وكافرهم إلا أبا دين نيزار فإنهم ارتحلوا بقيتهم فاقتحموا أرض الروم فكتب بذلك الوليد إلى عمر بن الخطاب قالوا: ولما قدم الكتاب من الوليد على عمر كتب عمر إلى ملك الروم أنه بلغنى أن حيا من أحياء العرب ترك دارنا وأتى دارك فو الله لتخرجنه أو لنبذن إلى النصارى ثم لنخرجنهم إليك فأخرجهم ملك الروم، فخرجوا فتم منهم على الخروج أربعة آلاف مع أبى عدى ابن زياد خنس بقيتهم، وأبى الوليد بن عقبة أن يقبل من بنى تغلب إلا الإسلام، فكتب فيهم إلى عمر، فأجابه عمر إنما ذلك لجزيرة العرب لا يقبل منهم فيها إلا الإسلام، فدعوهم على أن لا ينصروا وليدا ولا يمنعوا أحدا منهم من الإسلام كتب إلى السرى عن شعيب عن سيف عن عطية عن أبى سيف التغلبى، قال: كان رسول الله عَ ليه قد عاهد وفدهم على أن لا يضروا وليدا، فكان ذلك الشرط على الوفد وعلى من وفدهم ولم يكن على غيرهم. فلما كان زمان عمر قال مسلموهم (كعبادة بن النعمان وداود بن كردوس وغيرهما): لا تنفروهم بالخراج، ولكن ضعفوا عليهم الصدقة التى تأخذونها من أموالهم (أى من أموال المسلمين)، فيكون جزاء، فإنهم يغضبون من ذكر الجزاء على أن لا ينصروا مولودا إذا أسلم آباءهم، فخرج وفدهم فى ذلك إلى عمر، فلما بعث الوليد إليه برؤوس النصارى وبديانيهم قال لهم عمر: أدوا الجزية، فقالوا لعمر: أبلغنا مأمننا، والله لئن وضعت علينا الجزاء لندخلن أرض الروم، والله لتفضحنا من بين العرب. فقال لهم: أنتم فضحتم أنفسكم، وخالفتم أمتكم فيمن خالف، وافتضح من عرب الضاحية، وتالله لتؤدنه، وأنتم صغيرة قمأة، ولئن هربتم إلى الروم لأسمن فيكم، ثم لأسبينكم قالوا: فخذ منا شيئا ولا تسمه جزاء، فقال: أما نحن فنسميه حزاء، وسموه أنتم ما شئتم، فقال له على بن أبى طالب: يا أمير المؤمنين! ألم يضعف عليهم سعد بن مالك الصدقة؟ قال: بلى وأصغى إليه، فرضى به منهم جزاءً، فرجعوا على ذلك، وكان فى بنى تغلب عز وامتناع أهـ (ص١٩٧، ١٩٨) ملخصا. وهذه طرق عديدة يقوى بعضها، وتأيد بها ما ذكرناه من الآثار فى متن الكتاب. خبر بنی تغلب مستفیض روایةً ومتواتر عملا: فثبت بذلك ما قلناه أولا: إن خبر بنى تغلب هذا قد روى من طرق كثيرة تطمئن بها النفس إلی أن له أصلا صحیحًا، ويؤيده حبر زياد بن جدير الذى صححه ابن حزم نفسه، وقد مر ذكره ٥٨٦ تضعيف الصدقة على نصارى بنى تغلب وأحكامها ج - ١٢ هو ابن مطر الشيبانى مقبول من السادسة (تقريب ص٧٤). ذكره ابن حبان فى فى أبواب العشر، ولذلك قال الجصاص فى "أحكام القرآن" له: "والجزية والجزاء واحد، وهو أخذ المال منهم عقوبة، وجزاء على إقامتهم على الكفر، ولم يذكر فى الآية لها مقدارا معلوما، ومهما أخذ منهم على هذا الوجه، فإن اسم الجزية يتناوله، وقد وردت أخبار متواترة عن أئمة السلف فى تضعيف الصدقة فى أموالهم أى بنى تغلب على ما يؤخذ من المسلمين، وهو قول أهل العراق وأبى حنيفة وأصحابه والثورى وهو قول الشافعى (وأحمد)، ولا نحفظ عن مالك فى بنى تغلب شيئا. وروى يحيى بن آدم حدثنا عبد السلام بن حرب، فذكر ما ذكرناه فى المتن، ثم قال: وهذا خبر مستفيض عند أهل الكوفة قد وردت به الرواية، والنقل الشائع عملا، وهو مثل أخذ الجزية من أهل السواد على الطبقات، ووضع الخراج على الأرضين ونحوها من العقود التى عقدها (عمر رضى الله عنه) على كافة الأمة فلم يختلفوا فينفاذها وجوازها اهـ (ص ٩٤) ملخصا. وقد عقد الجصاص باب خاصا لبنى تغلب يراجع هناك، وكذلك الإمام أبو يوسف رحمه الله فى "الخراج" (ص١٤٣)، وكذلك البلاذرى فى "فتوح البلدان" (ص١٨٩). وقال الموفق فى "المغنى": " وهذا كان بالعراق واشتهرت هذه القصص ولم تنكر، فكانت إجماعًا، وعمل به الخلفاء بعده" اهـ (٥٩٨:١٠). وقال أيضا: بنو تغلب بن وائل من العرب من ربيعة بن نزار انتقلوا فى الجاهلية إلى نصرانية فدعاهم عمر إلى بذل الجزية فأبوا وأنفوا، وقالوا: نحن عرب خذ منا، كما يأخذ بعضكم من بعض باسم الصدقة، فقال عمر: لا آخذ من مشرك صدقة، فلحق بعضهم بالروم، فقال النعمان بن زرعة: يا أمير المؤمنين! إن القوم لهم بأس وشدة، وهم عرب يأنفون من الجزية، فلا تعن عليك عدوك بهم، وخذ منهم الجزية باسم الصدقة، فبعث عمر فى طلبهم فردهم، وضعف عليهم الصدقة، فاستقر ذلك من قول عمر، ولم يخالفه أحد من الصحابة، فصار إجماعًا. وقال به الفقهاء بعد الصحابة، منهم ابن أبى ليلى والحسن بن صالح وأبو حنيفة وأبو يوسف (ومحمد بن الحسن) والشافعى اهـ ملخصا (١٠: ٥٩٠). وقال الإمام الشافعى رحمه الله: ذكر حفظة المغازى، وساقوا أحسن سياقه أن عمر طلب الجزية من نصارى العرب، فذكره إلى قوله: فراضاهم على أن يضعف عليهم الصدقة، كذا فى "التلخيص الحبير" (٢: ٣٨٠). فاندحض بذلك قول ابن حزم "وقالوا أى الحنفية لا يقبل خبر الآحاد الثقات إذا خالف الأصول وخالفوا ههنا جميع الأصول فى الصدقات، وفى الجزية بخبر لا يساوى بعرة" اهـ (١١٣:٦). فقد بينا أن الخبر ليس من الآحاد بل هو مستفيض عند أهل الكوفة روايةً ومتواتر عملا، ٥٨٧ تضعيف الصدقة على نصارى بنى تغلب وأحكامها إعلاء السنن "الثقات" (تهذيب (١٠٦:٤)، وداود بن كردوس، ذكره ابن حبان فى "الثقات"، فأحسن الله عزائنا فيك يا ابن حزم حيث تتكلم فى حق الأخبار والأحاديث بما لا يتكلم بمثله فى قول أحد من الصلحاء فضلا عن أقوال الصحابة حيث جعلتها لا تساوى بعرةً، نسأل الله الأدب ونعوذ به من الخذلان. وقد أشرنا إلى أن خبر بنى تغلب ليس بمخالف للأصول وإنما ظنه ابن حزم مخالفا لها لقوله: إن الله تعالى أمر بأخذ الجزية منهم، وأخذ الصدقة من المسملين فلا يجوز لنا الاقتصار بهم على أخذ الصدقة منهم، ولو مضاعفةً وإعفاءهم من الجزية. والجواب: ما أشرنا إليه أن الجزية ليس لها مقدار معلوم فيما يقتضيه ظاهر لفظها، وإنما هى جزاء وعقوبة على إقامتهم على الكفر. والجزاء لا يختص بمقدار دون غيره ولا بنوع من المال دون ما سواه والمأخوذ من بنى تغلب هو عين جزية ليست بصدقة، وتوضع مواضع الفىء لأنه لا صدقة لهم إذ لا قربة لهم، وقد قال عمر رضى الله عنه: هو عندنا جزية وسموها أنتم ما شئتم، فأخبر عمر أنها جزية، وإن كانت حقا مأخوذا من مواشيهم وزرعهم قاله الجصاص فى "الأحكام" (٩٤:٣). وقال الموفق فى "المغنى": " وأما الآية أى قوله تعالى: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾. فإن هذا المأخوذ منهم جزية باسم الصدقة، فإن الجزية يجوز أخذها من العروض (٥٩١:١٠)". (بدليل أثر ابن عباس ((صالح رسول ايرلله مَّ لّل أهل نجران على ألفى حلة)) الحديث، وقد مر ذكره فى أوائل أبواب الجزية، فليراجع). قال ابن حزم: "ثم لو صح وثبت لكانوا قد خالفوه لأن جميع من رووه عنه أولهم عن آخرهم يقولون كلهم أن بنى تغلب قد نقضوا تلك الذمة لبطل ذلك الحكم ورووا ذلك أيضا عن على، فحالفوا عمر وعليا والخبر الذى به احتجوا، والقرآن والسنن فى أخذ الجزية من كل كتابى فى أرض العرب، أو غيرها. وفعل الصحابة رضى الله عنهم والقياس. ونعوذ بالله من الخذلان اهـ (١١٤:٦). قلنا: أما مخالفة القرآن والسنن والقياس، فقد ذكرنا أنا لم نخالف شيئا من ذلك، وما ظنه ابن حزم مخالفة ليس من المخالفة فى شىء. الجواب عن إيراد ابن حزم بأن جميع من رووه عن عمر كلهم يقولون أن بنى تغلب قد نقضوا إلخ وأما إن جميع من رووه عن عمر يقولون كلهم إن بنى تغلب قد نقضوا تلك الذمة إلخ. فإن ذلك لم يثبت إلا عن عبادة النعمان وداود بن كردوس من قولهما. ولم يثبت ذلك عن على بن أبى طالب إلا فى ما رواه أبو عبيد وغيره، بطريق هشيم أخبرنى مغيرة عن السفاح بن المثنى عن زرعة ج - ١٢ تضعيف الصدقة على نصارى بنى تغلب وأحكامها ٥٨٨ وقال: يروى عن عمر بن الخطاب (كشف الأستار ص٣٦). ومثله فى "اللسان" ابن النعمان أو النعمان بن زرعة أنه سأل عمر بن الخطاب وكلمه فى نصارى بنى تغلب فذكر الحديث، وفى آخره: قال مغيرة: فحدثت أن عليا قال: لئن تفرغت لبنى تغلب ليكونن لی فيهم رأى لأقتلن مقاتلهم، ولأسبين ذراريهم، فقد نقضوا العهد، وبرئت منهم الذمة حين نصروا أولادهم، كذا فى "الأموال" (ص٢٩). وهذا كما ترى منقطع لا يقوم به حجة وما رواه أبو داود من طريق عبد الرحمن بن هانئ أبى نعيم النخعى نا شريك عن إبراهيم بن مهاجر عن زياد بن حدير قال قال على: لئن بقيت النصارى بنى تغلب لأقتلن المقاتلة ولأسبين الذرية فإنى كتبت الكتاب بينهم وبين النبى عدّ على أن لا ينصروا أبناءهم قال أبو داود: هذا حديث منكر. وبلغنى عن أحمد أنه كان ينكر هذا الحديث إنكارا شديدا، وهو عند بعض الناس شبه المتروك وأنكروا هذا الحديث على عبد الرحمن بن هانئ، قال أبو على (اللؤلؤى): ولم يقرأه أبو داود فى "العرضة" الثانية" اهـ. وقال المنذرى بعد نقل كلام أبى داود: وفى إسناده إبراهيم بن مهاجر البجلى الكوفى وشريك بن عبد الله النخعى: قد تكلم فيهما غير واحد من الأئمة، وفيه أيضا عبد الرحمن بن هانئ النخعى قال الإمام أحمد: ليس بشىء، وقال ابن معين كذلك اهـ من "عون المعبود" (١٣٢:٣). وإذا كان كذلك فلا يصح نسبته إلى على رضى الله عنه أصلا والعجب من ابن حزم! أنه كيف يجوز الاحتجاج على خصمه بمثل هذا الخبر الساقط بالمرة. وأما قول عبادة وداود بن كردوس، فلا حجة فيه، فقد ثبت عن عثمان رضى الله عنه أنه أقر بنى تغلب على ما صالحهم عليه عمر بن الخطاب، ولم يثبت عن على رضى الله عنه أنه غير من صلحه شيئا، وهذا أول دليل على بطلان ما رواه عبد الرحمن بن هانئ، وما حدث به مغيرة، فلو كان ذلك من رأى على رضى الله عنه لعمل به فى خلافته حين استقر به الأمر فى الكوفة، فافهم. محاورة الرشيد مع الإمام محمد بن الحسن فى نصارى بنى تغلب وقال الجصاص فى "أحكام القرآن" له: حدثنا مكرم بن أحمد بن مكرم القاضى البزار حدث عنه أبو الحسن القطان وأبو على بن شاذان وغيرهما، كما فى "جامع المسانيد" (٥٥٩:٢). حدثنا أحمد بن عطية الكوفى (إن كان ابن الصلت بن المغلس الحمانى، فلا خير فيه ، كما فى "اللسان" (٢٦٩:١). قال: سمعت أبا عبيد (القاسم بن سلام اللغوى الفقيه الإمام) يقول: كنا مع محمد بن ٥٨٩ تضعيف الصدقة على نصارى بنى تغلب وأحكامها إعلاء السنن (٤٢٥:٢)، فالسند صحيح. ٤٢٦٨- حدثنا عبد السلام بن حرب عن أبى إسحاق الشيبانى عن السفاح عن داود بن كردوس عن عبادة بن النعمان أنه قال لعمر بن الخطاب رضى الله عنه: يا أمير المؤمين! إن بنى تغلب من قد علمت شوكتهم وإنهم بإزاء العدو، فإن ظاهروا عليك العدو اشتدت مؤنتهم، فإن رأيت أن تعطيهم شيئا فافعل، قال: فصالحهم على أن الحسن إذا أقبل الرشيد (وهو خليفة الإسلام هارون بن مهدى) فقام الناس كلهم إلا محمد بن الحسن فإنه لم يقم فأمهل الرشيد يسيرا ثم خرج الإذن فقام محمد بن الحسن فأدخل فأمهل ثم خرج طيب النفس مسرورا فذكر حديثا طويلا وفيه: ثم شارونى فقال: إن عمر بن الخطاب صالح بنى تغلب على أن لا ينصروا أولادهم وقد نصروا أبنائهم وحلت بذلك دماءهم، فما ترى؟ قال: قلت: إن عمر أمرهم بذلك وقد نصروا أولادهم بعد عمر واحتمل ذلك عثمان وابن عمك (على بن أبى طالب كرم الله تعالى وجهه) وكان من العلم بما لا خفاء به عليك وجرت بذلك السنن فهذا صلح من الخلفاء بعده ولا شىء يلحقك فى ذلك وقد كشفت لك العلم ورأيك أعلى قال: لا، ولكنا نجريه على ما أجروه إن شاء الله اهـ ملخصا (٣: ٩٥). ويدل على أن أمر بنى تغلب لم يزل كذلك من لدن عمر إلى زمن الرشيد، وأن الخلفاء لم يغيروا شيئا مما كان عمر رضى الله عنه صالحهم عليه قول أبى يوسف فى "الخراج": وسئلت يا أمير المؤمنين عن نصارى بنى تغلب، ولم ضوعفت عليهم الصدقة فى أموالهم، وأسقطت الجزية عن رؤوسهم إلخ، ثم أجاب بالآثار التى أودعنا أكثرها فى المتن (ص١٤٣). قال الجصاص: "فهذا الذى ذكره محمد فى إقرار الخلفاء بنى تغلب على ما هم عليه من صبغهم أولادهم فى النصرانية حجة فى تركهم على ما هم عليه، وأنهم بمنزلة سائر النصارى، فلا تخلو مصالحة عمر إياهم أن لا يصبغوا أولادهم فى النصرانية من أحد معنيين إما أن يكون مراده أن لا يكرهوهم على الكفر إذا أرادوا الإسلام، وأن لا ينشأوهم على الكفر من صغرهم، فإن أراد الأول، فإنه لم يثبت أنهم منعوا أحدا من أولادهم التابعين من الإسلام، وأكرهوهم على الكفر، فيصيروا به ناقضين للعهد، وخالعين للذمة، وإن كان المراد الوجه الثانى، فإن عليا وعثمان لم يعترضوا عليهم، ولم يقتلوهم اهـ. فانحلت العقدة التى عجز ابن حزم من حلها، وأرتفع الإشكال الذي ظنه الداء العضال، فالحمد الله العلى المتعال. قوله: "حدثنا عبد السلام إلخ" دلالته على ما دل عليه ما قبله ظاهرة. ج - ١٢ تضعيف الصدقة على نصارى بنى تغلب وأحكامها ٥٩٠ لا يغمسوا أحدا من أولادهم فى النصرانية، ويضاعف عليهم الصدقة قال: وكان عبادة يقول: قد فعلوا ولا عهد لهم. رواه يحيى بن آدم أيضا (ص٦٦)، وهذا سند صحيح، وعبادة هو عباد بن زرعة بن النعمان التغلبى له إدراك، كما فى "الإصابة" (٨٨:٥)، قد صحف الرواة اسمه فقال بعضهم: عبادة بن النعمان وقيل: زرعة بن النعمان، وقيل: نعمان بن زرعة، ولا يقدح ذلك فى صحة الأثر. ورواه البيهقى رحمه الله، وفيه: لما صالحهم عمر يعنى نصارى بنى تغلب على تضعيف الصدقة قالوا: نحن عرب لا نؤدى ما يؤدى العجم، ولكن خذ منا، كما تأخذ بعضكم من بعض يعنون الصدقة، فقال عمر: لا، هذه فرض المسلمين. قالوا: فزد ما شئت بهذا الاسم، لا باسم الجزية، ففعل فتراضى هو وهم على تضعيف الصدقة عليهم، وفى بعض طرقه: سموها ما شئتم (زيلعى ٣٩٥:١). وقال الحافظ فى "التلخيص الحبير" (٢: ٣٨٠): رواه البيهقى من طريق أبى إسحاق الشيبانى نحوه أى نحو ما رواه الإمام الشافعى وابن أبى شيبة، وأتم منه اهـ. سكت الحافظ عنه، فهو صحيح، أو حسن عنده، وللقصة طرق عديدة نذكرها فى الحاشية. قوله: "ورواه البيهقى إلخ". قلت: فى قولهم: ولكن خذ منا، كما تأخذ بعضكم من بعض يعنون الصدقة دلالة على مراعاة أحكام الزكاة، وحدودها جميعًا فيما يؤخذ من بنى تغلب غير أنها تضاعف عليهم، وقد اختلف أهل الحجاز وأهل العراق فى ذلك قال البلاذرى فى "الفتوح": "قال الواقدى: وقال سفيان الثورى والأوزاعى ومالك بن أنس وابن أبى ليلى وابن أبى ذئب وأبو حنيفة وأبو يوسف: يؤخذ من التغلبى ضعف ما يؤخذ من المسلم فى أرضه وماشيته وماله، فأما الصبى، والمعتوه منهم، فإن أهل العراق يرون أن يؤخذ ضعف الصدقة من أرضه ولا يأخذون من ماشيته شيئا. وقال أهل الحجاز: يؤخذ ذلك من ماشيته وأرضه، وقالوا جميعا: إن سبيل ما يؤخذ من أموال بنى تغلب سبيل مال الخراج، لأنه بدل من الجزية اهـ" (ص١٩١). وذكر نحوه الإمام أبو يوسف فى "الخراج" (ص١٤٤)، وأبو عبيد فى "الأموال" (ص٢٩). الرد على ابن حزم فى قوله: "إن خبر بنى تغلب لا يعرفه أهل المدينة وفى ذلك رد على ابن حزم فى قوله: إن خبر بنى تغلب لا يعرفه أهل المدينة، فقد رأيت أن مالكا وابن أبى ذئب قد قالا: به، وهما من علماء المدينة، كما لا يخفى، قال أبو عبيد: سمعت محمد بن الحسن يخبر عن أبى حنيفة، قال: أما نساءهم فهن بمنزلة رجالهم فى كل شىء، ٥٩١ تضعيف الصدقة على نصارى بنى تغلب وأحكامها إعلاء السنن ٤٢٦٩- حدثنا عبد الله بن صالح عن الليث عن يونس عن ابن شهاب قال: "لا نعلم فى مواشى أهل الكتاب صدقة إلا الجزية التى تؤخذ منهم، غير أن نصارى بنى تغلب الذين جل أموالهم المواشى يؤخذ من أموالهم الخراج، فيضعف عليهم حتى تكون وأما صبيانهم، فإنما يكونون مثلهم فيما يجب على الأرض خاصةً، فأما المواشى، وما يمرون به من أموالهم على العاشر، فلا شىء فيه عليهم. قال: وقال أبو حنيفة: إن أسلم التغلبى، أو اشترى مسلم أرضه، فإن العشر عليه مضاعفا على الحال الأولى اهـ. قال فى "الهداية": "ويؤخذ من نساءهم، ولا يؤخذ من صبيانهم لأن الصلح وقع على الصدقة المضاعفة، والصدقة تجب عليهن دون الصبيان، فكذا المضاعف، وقال زفر رحمه الله: لا يؤخذ من نساءهم أيضا، وهو قول الشافعى، لأنه جزية فى الحقيقة على ما قال عمر: هذه جزية فسموها ما شئتم. ولهذا تصرف مصارف الجزية ولا جزية على النسوان (وهو رواية الحسن عن أبى حنيفة، قال الكرخى: وهذه أقيس، لأن الواجب بكتاب الله تعالى عليهم الجزية، فإذا صالحوهم على مال جعل واقعا موقع المستحق. وقال أصحابنا: هو وإن كان جزية فى المعنى، فهو واجب بشرائط الزكاة وأسبابها، إذ الصلح وقع على ذلك، ولهذا لا يراعى فيه شرائط الجزية من وصف الصغار، فيقبل من النائب، ويعطى جالسا إن شاء، ولا يؤخذ بتلبيبه". مؤلف). ولنا أنه مال وجب بالصلح والمرأة من أهل وجوب مثله عليها اهـ (٣٠٤:٥). قلت : - أيضا- فإنهم سألوا عمر أن يأخذ منهم ما يأخذ بعضكم من بعض، فأجابهم عمر إليه بعد الامتناع منه. والذى يأخذه بعضنا من بعض هو الزكاة من كل مال زكوى لأى مسلم كان من رجل أو امرأة، وصحيح ومريض، فكذلك المأخوذ من بنى تغلب، وعلى هذا من كان منهم فقيرا، أو له مال غير زكوى كالدور، وثياب البذلة، وعبيد الخدمة لا شىء عليه، كما لا يجب ذلك على أهل الزكاة من المسلمين، ولا تؤخذ مما لم يبلغ نصابا. تضعيف الصدقة مختص بنصاری بنی تغلب دون غيرهم من نصارى العرب ويهودها قوله: "حدثنا عبد بن صالح إلخ" فيه دلالة على أن تضعيف الصدقة مكان الجزية مختص بنصارى بنى تغلب دون غيرهم من نصارى تنوخ وبهرا من العرب ويهودها خلافا للشافعى رحمه الله، كما ذكره الموافق فى "المغنى" ولا يصح قياس غيرهم عليهم لوجوه، أحدها: أن هذا القياس حالف النصوص التى ذكرناها، والثانى: أن العلة فى بنى تغلب ولم يوجد مع غيرهم، والثالث: أن بنى تغلب كانوا ذوى قوة وشوكة لحقوا بالروم وخيف منهم الضرار إن لم يصالحوا، ولم يوجد هذا فى غيرهم، والرابع: ما رواه سعيد بن عمر بن سعيد بن العاص عن أبيه عن جده أنه سمع عمر يقول: لولا أنى سمعت رسول الله عّ لّه يقول: إن الله تبارك وتعالى سيمنع الدين بنصارى من ربيعة ج - ١٢ تضعيف الصدقة على نصارى بنى تغلب وأحكامها ٥٩٢ مثلى الصدقة أو أكثر". رواه أبو عبيد فى "الأموال" ورواه يحيى بن آدم فى "الخراج" له، حدثنا ابن مبارك عن يونس عن الزهرى قال: ليس فى مواشى أهل الكتاب صدقة إلا نصاری بنی تغلب فذ کره مختصرا وهذا سند صحيح. على شاطئ الفرات ما تركت عربيا إلا قتلته أو يسلم. رواه أبو عبيد فى "الأموال" (ص٥٤٢)، وقد مر ذكره ونصارى من ربيعة هم بنو تغلب كما دل عليه كلام الموفق فى المغنى وأبى عبيد فى "الأموال" حيث قال: ((وكان لعمر فى بنى تغلب حكمان، أحدهما حقنه دماؤهم لما أعطوه من أموالهم وهم عرب، وكان الحكم عليهم الإسلام أو القتل، فكان قبوله ذلك منهم فيما ترى الأمرين أحدهما انتحالهم النصرانية، والآخر حديث سمعه من النبى معَّ فتأوله فيهم))، فذكر الحديث، وقال: فلذلك رضى بأموالهم دون دمائهم فهذا أحد حكميه، وأما الآخر فإنه حين درأ عنهم القتل، وقبل منهم الأموال لم يجعلها جزية كسائر ما على أهل الذمة، ولكن جعلها صدقة مضاعفة، لما رأى من نفارهم وألفهم منها فلم يأمن شقاقهم واللحاق بالروم، فيكونوا ظهيرا لهم على أهل الإسلام. وعلم أنه لا ضرر على المسلمين من إسقاط ذلك الاسم عنهم مع استبقاء ما يجب عليهم من الجزية فأسقطها عنهم واستوفاها باسم الصدقة حين ضاعفها علیهم، فكان فى ذلك رتق ما خاف من فتقهم مع الاستيفاء لحقوق المسلمين فى رقابهم، وكان مسددا، كما روى فى الحديث عن النبى معَّ ◌ُله ((أن الله تبارك وتعالى ضرب بالحق على لسان عمرو قلبه))، وكقول عبد الله فيه: ما رأيت عمر قط إلا وكان ملكا بين عينيه يسدده ومثل قول على: ما كنا نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر، وكقول عائشة فيه: كان والله أحوذ يا نسيج وحده قد أعد للأمور أقرانها، فکانت فعلته هذه من تلك الأقران التى أعد فی کثیر من محاسنه لا تحصی اهـ (ص٥٤٣). قلت: ولم يخالف فيها القرآن فإن الله تعالى يقول: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾، ولم يقل: حتى يعطوا ويسموها جزية، ولا أن يعطوا الذهب والفضة فى الجزية دون العروض، ولا المواشى، فافهم، والله تعالى أعلم. حکم ذبائح نصاری بنی تغلب ونساءهم فائدة: أخرج الإمام الشافعى فى "مسنده" قال: أخبرنا إبراهيم بن أبى يحيى عن عبد الله ابن دينار عن سعد الفلحة مولى عمر أو ابن سعد الفلحة أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال: ((ما نصارى العرب بأهل كتاب، وما تحل لنا ذبائحهم، وما أنا بتاركهم حتى يسلموا، أو أضرب أعناقهم)) أخبرنا الثقفى عن أيوب عن ابن سيرين عن عبيدة السلمانى عن على رضى الله عنه، قال: 38 إعلاء السنن تضعيف الصدقة على نصارى بنى تغلب وأحكامها ٥٩٣ ٤٢٧٠- حدثنا أبو حنيفة عمن حدثه عن عمر بن الخطاب: "أنه أضعف الصدقة على نصارى بنى تغلب عوضا من الخراج". ذكره الإمام أبو يوسف فى "الخراج" له. لا تأكلوا ذبائح نصارى بنى تغلب، فإنهم لم يتمسكوا من دينهم إلا بشرب الخمر اهـ (ص١٩٤). قلت: أما الإسناد الأول فلا يساوى شيئا؛ فإن شيخ الشافعى مكشوف الحال وسعد الفلح، أو ابن سعد مجهولان فإن كان هو سعد الجارى، كما قاله الحافظ فى "تعجيل المنفعة" (ص ١٥٠)، فلا يلزم من كونه معروفا أن يكون ابنه معروفا أيضا، والسند دائر بين أحدهما غير معين، وقد اعترف الحافظ بكون ابنه عبد الله مجهولا، كما فى "التعجيل" (ص٢٢٢)، ولو سلم فهو محمول على أنه كان ذلك رأى عمر أولا، ثم استقر رأيه على عدهم من النصارى حين تذكر قوله معد له: ((إن الله سيمنع الدين بنصارى من ربيعة)) الحديث، فقبل منهم الجزية، ولم يضرب أعناقهم، والسند الثانى صحيح، وهو محمول على التنزه، والاحتياط دون التحريم. قال الموفق فى "المغنى": والرواية الثانية تحل ذبائحهم ونساءهم، وهذا الصحيح عن أحمد، رواه عنه الجماعة، وكان آخر الروايتين عنه، وهذا قول ابن عباس، وروى نحوه عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وبه قال الحسن والنخعى والزهرى وعطاء الخراسانى والحكم وحماد وإسحاق، وأصحاب الرأى، قال الأثرم: وما علمت أحدًا كرهه من أصحاب النبى إلا عليا، وذلك لدخولهم فى عموم قوله تعالى: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾. ولأنهم أهل كتاب يقرون على دينهم ببذل المال، فتحل ذبائحهم، ونساؤهم كبنى إسرائيل اهـ (٥٩٦:١٠). قلت: ولم يبح الشافعى ذبائح أهل الكتاب من العرب كلهم، وقد تقدم الكلام فى ذلك مستوفى، وسيأتى له بقية فى "باب الذبائح" إن شاء الله تعالى. حكم الذمى والتغلبى إذا اشترى أرض العشر: قال الإمام أبو يوسف فى "الخراج" له: ((وإن اشترى رجل من أهل الذمة سوى نصارى بنى تغلب أرضا من أراضى العشر، فإن أبا حنيفة قال: أضع عليها الخراج ثم لا أحولها عنه، وإن باعها من مسلم من قبل أنه لا زكاة على الذمى والعشر زكاة، فأحولها إلى الخراج، (وقال محمد: عليها العشر بحاله ولا يحول). وأما أقول: أن يوضع عليها العشر مضاعفا، فهو خراجها، فإذا رجعت إلى مسلم بشراء، أو أسلم النصرانى أعدتها إلى العشر الذى كان عليها فى الأصل، قال أبو يوسف: حدثنا بعض أشياخنا أن الحسن وعطاء قالا: فى ذلك العشر مضاعفا قال أبو يوسف: فكان قول الحسن وعطاء ء 12 م : ٥٩٤ تضعيف الصدقة على نصارى بنى تغلب وأحكامها ج - ١٢ واحتجاج المجتهد بحديث حجة. أحسن عندى من قول أبى حنيفة، ألا ترى أن المال يكون للمسلم للتجارة فيمر به على العاشر، فيجعل عليه ربع العشر، فإذا اشتراه ذمى، فمر به على العاشر جعل عليه نصف العشر ضعف ما على المسلم، فإن عاد إلى مسلم جعلت فيه ربع العشر، فهذا مال واحد يختلف الحكم فيه على من يملكه فكذلك الأرض من أرض العشر، ألا ترى لو أن ذميا اشترى أرضا من أرض العرب حيث لم يقع خراج بمكة أو المدينة، أو ما أشبهها لم أضع عليها خراجا، وهل يكون خراج بالحرم؟ ولكنه تضاعف عليه الصدقة، كما تضاعف فى أموالهم التى يختلفون بها فى التجارات ومن أسلم، فأرضه أرض عشر لأنه لم يوضع عليه الخراج" اهـ (ص ١٤٥). قلت: قول محمد أقیس، وقول الإمام أقوی دلیلا، فإن الخراج بالكافر الیق، وليس هو من أهل الصدقة حتى يوضع على أرضه العشر، وقد تقدم أن من أسلم من أهل الخراج أخذ منه الخراج على حاله، وكذلك إذا ورث مسلم أرض خراج عن أبيه، أو اشتراها من كافر يحول الخراج إلى العشر، وقد استوفينا الآثار والأخبار فى باب "من أسلم من أهل الخراج أخذ منه الخراج على حاله"، فليراجع، وقياسه على العشر المأخوذ من أموال التجارة غير سديد، فإن المأخوذ من التاجر وجوبه فى ذمته، ألا ترى أنه لا يؤخذ من أموال الصبيان، والمأخوذ من الأرض وظيفة الأرض، حتى يؤخذ من أرض الصبى والمجنون والمعتوه وتضعيف العشر لم يعهد فى الشرع إلا فى أراضى بنى تغلب خاصة يضاعف على أراضى غيرهم من أهل الذمة، وما ذكره أهل البصرة من تضعيف العشر فتحکم، لا نص فيه، ولا قیاس. وقال أحمد ومالك فى هذا قولا عجيبا يقولون: ليس على الذمى فيها عشر، ولا خراج، ولا يخفى ما فيه من إبطال حق الفقراء والإضرار بهم، وإذا عرفت ذلك فقد تبين به حكم ما إذا اشترى مسلم أرض تغلبى أنه يكون عليها العشر مضاعفا كما كان قبل، فإن العشر المضاعف حكمه حكم الخراج. وإذا أسلم من على أرضه الخراج أخذ منه على حاله، فكذا هذا، ومن أراد تفصيل الأقوال فى المسألة، فليراجع "كتاب الأموال" لأبى عبيد (ص ٩٠ و ٩١)، و "المغنى" لابن قدامة (٥٩٢:٢ و٥٩٣)، وأما قول أبى يوسف: "ألا ترى لو أن ذميا اشترى أرضا من أراضى العرب إلخ"، فالجواب أن الذمى لا يمكن من ذلك أبدا، ويجبر على بيعها من المسلمين لو اشترى لما مر أن أهل الذمة يمنعون من اتخاذ أرض العرب مسكنا، واشتراءهم شيئا من أرض العرب يفضى إلى استيطانها، كما لا يخفى. ٥٩٥ إعلاء السنن باب العطاء يموت صاحبه بعد ما يستوجبه باب العطاء يموت صاحبه بعد ما يستوجبه قلت: ذكر محمد فى "الجامع الصغير" ((ومن مات فى نصف السنة فلا شىء له من العطاء)). وتقييده بنصف السنة ربما يشعر بأنه إذا مات فى آخرها يعطى ورثته، قاله المحقق فى "الفتح" (٣٠٧:٥). وبأنه إذا مات بعد نصف السنة قبل تمامها يعطى قدر عناءه، ثم اختلف المشايخ فى أنه هل يجب أن يعطى ورثته إذا مات بعد تمام السنة أولا، بل يستحب، فكلام صاحب "الهداية"، وشمس الأئمة يفيد عدم الوجوب. أما الأول: فلأنه علل الجواب بقوله: لأنه نوع صلة، وليس بدين، ولهذا سمى عطاء، فلا يملك قبل القبض ويسقط بالموت، وأما الثانى: فلأنه علله بقوله: لأنه مات قبل تأكد حقه بمجىء وقت المطالبة، والحق الضعيف لا يجرى فيه الإرث، كسهم الغازى فى دار العرب لا يورث، بخلاف ما إذا تأكد سهمه بعد الإحراز بدار الإسلام قبل القسمة، فإنه يورث اهــ ثم أفاد أنه لم يتأكد الحق بعد تمام السنة أيضا معولا على أنه صلة، فلا يملك قبل القبض، ولكن الوجه يقتضى وجوب دفعه لورثته لأن حقه تأكد بإتمام عمله سنة، كما يورث سهم الغازى بعد الإحراز بدار الإسلام لتأكد الحق حينئذ، وإن لم يثبت له ملك، قاله المحقق فى "الفتح" أيضا (ص مذكور). وحاصله أن التوريث لا يتوقف على تحقق الملك، بل على تأكد الحق، وتسميته عطاء لا ينفى الاستحقاق، وإنما ينفى كونه أجرة، وقد تقدم فى باب قسمة الغنائم قول عمر رضى الله عنه فى الفىء: فلم يبق أحد من الناس إلا له فيها حق، أو قال: حظ إلا بعض ما تملكون من أرقاء كم، وقال محمد فى "السير الكبير": إن من مات من المجاهدين قبل إحراز الغنيمة بدار الإسلام لا يورث نصيبه، وهو قول على رضى الله عنه وعلى قول عمر رضى الله عنه يورث نصيبه لأن وارثه يخلفه فيما كان حقا مستحقا له، كذا فى "شرح السير" (٢٥١:٢)، ومفاده الإجماع على توريث نصيبه بعد الإحراز لم نعلم فيه خلافًا وليس ذلك لثبوت ملكه فيها بالإحراز فإن الملك لا يثبت لأحد قبل القسمة بل لتأكد حقه به فكذلك العطاء يجب دفعه لورثته لتأكد حقه بإتمام العمل سنة، يؤيد ذلك ما رواه ابن أبى شيبة. حكم الزكاة فى العطاء: حدثنا عبد الرحيم عن زكريا عن أبى إسحاق عن هبيرة قال: كان ابن مسعود يزكى أعطياتهم من كل ألف خمسة وعشرين (ص ٤٣)، وهبيرة بن يريم، روى عن على وطلحة ج - ١٢ العطاء يموت صاحبه بعد ما يستوجبه ٥٩٦ ٤٢٧١- حدثنا ابن أبى زائدة عن معقل بن عبيد الله عن عمر بن عبد العزيز "أنه كان إذا استوجب الرجل عطائه ثم مات أعطاه ورثته". أخرجه أبو عبيد فى "الأموال" وسنده صحيح على شرط مسلم، ومعقل بن عبيد الله الجزرى وثقه غير واحد، وهو من رجال مسلم وأبى داود والنسائى (تهذيب). وابن مسعود والحسن بن على وابن عباس، وعنه أبو إسحاق السبيعى، قال أحمد: لا بأس بحديثه هو أحسن استقامة من غيره، كذا فى "التهذيب" (٢٣:١١)، فالإسناد حسن، قال: وحدثنا عبد الأعلى عن أبى إسحاق (كذا فى الأصل، والصحيح ابن إسحاق، كما فى "الأموال" لأبى عبيد) عن الزهرى عن حميد بن عبد الرحمن عن عبد الرحمن بن عبد القارئ، وكان على بيت المال فى زمن عمر، فإذا خرج العطاء جمع عمر أموال التجار، فحسب عاجلها وآجلها، ثم يأخذ الزكاة من الشاهد والغائب. ورواه أبو عبيد بطريق ابن إسحاق عن الزهرى عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن عبد الرحمن بن عبد القارئ عن عمر بلفظ أنه كان إذا خرج العطاء أخذ الزكاة من شاهد المال عن الغائب والشاهد (ص ٤٣٠)، وسنده حسن أيضا وفيه دلالة على أنهم كانوا يأخذون زكاة العطاء لكونه دينا مستحقا على بيت المال، وإلا لم يكن لأخذ الزكاة منه معنى، فالراجح ما قاله ابن الهمام: إن قييد محمد فى "الجامع الصغير" بنصف السنة ربما يشعر بأنه إذا مات فى آخرها (أو مات بعد نصف السنة) يعطى ورثته (عطاءه)، أو قدر عمله وعناءه، وإذا ما قبل نصف السنة، فلايورث وجوبًا إلا أنه يستحب أن يعطى حصته من العام)، والله تعالى أعلم. قوله: "حدثنا ابن أبى زائدة إلخ" دلالته على توريث العطاء إذا مات الرجل بعد تمام السنة ظاهرة، ودليل الاستحقاق بعد تمام السنة، ما رواه عبد الرحمن بن صالح عن الهقل بن زباد، وسيأتى، وما رواه أبو يوسف الإمام فى "الخراج" حدثنا المجالد بن سعيد عن الشعبى عمن شهد عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال: لما فتح الله علیه، وفتح فارس والروم جمع ناسا من أصحاب رسول الله عَّه فقال: ما ترون؟ فإنى أرى أن أجعل عطاء الناس فى كل سنة، وأجمع المال، فإنه أعظم للبركة قالوا: اصنع ما رأيت فإنك إن شاء الله موفق، قال: ففرض الأعطيات الحديث (ص٥٢)، ومراسيل الشعبى صحاح ومجالد حسن الحديث، كما مر غير مرة. فدل على أن وقت استحقاق العطاء تمام السنة دون ماقبله، ويؤيده فى التوريث ما رواه أبو عبيد حدثنا هشام بن عمار عن الوليد بن مسلم عن عثمان بن أبى العاتكة، أو كلثوم بن زياد مولى سليمان بن حبيب، الشك من هشام قال: حدثنى سليمان بن حبيب ((إن عمر بن الخطاب فرض لعيال المقاتلة، ولذريتهم ٥٩٧ العطاء يموت صاحبه بعد ما يستوجبه إعلاء السنن ٤٢٧٢- حدثنا يزيد عن إسماعيل بن أبى خالد عن قيس بن أبى حازم قال: قال الزبير لعثمان بعد ما مات عبد الله بن مسعود: "أعطنى عطاء عبد الله فعيال عبد الله أحق به من بيت المال، فأعطاه خمسة عشر ألفا". رواه أبو عبيد أيضا (ص ٢٦٠)، وسنده صحيح، وقيس من أجلة التابعين ثقة مخضرم (تهذيب ٣٨٧:٨). ٤٢٧٣- حدثنا خالد بن عمرو عن على بن جی(١) عن سماك بن حرب قال: حدثنى الحى "أن رجلا مات بعد ثمانية أشهر من السنة فأعطاه عمر بن الخطاب ثلثى عطاءه". رواه أبو عبيد أيضا (ص ٢٦١). رواه البلاذرى فى "الفتوح" (ص ٤٦٦) عن ابن أبى شيبة: ثنا عبيد الله بن موسى عن على بن صالح بن حى عن سماك بن حرب نحوه قلت: سند ابن أبى شيبة رجاله ثقات. وهذا مرسل فإن سماك بن حرب لم يدرك عمر، وإنما رواه عن رجال الحى. ٤٢٧٤- حدثنا عبد الله بن صالح عن الهقل بن زياد عن الأوزاعى أن عمر بن العشرات، قال: فأمضى عثمان ومن بعده من الولاة ذلك، وجعلوها موروثة يرثها ورثته الميت منهم من ليس فى العطاء والعشرة)) الحديث (ص٢٤١)، وعثمان بن أبى العاتكة ثقة إلا فى حديث على ابن يزيد الألهانى والأمر من على بن يزيد، فإنه ضعيف، كما فى "التهذيب" (١٢٥:٧)، وكلثوم ابن زياد قاضى دمشق، ذكره ابن حبان فى "الثقات"، وضعفه النسائى، كما فى "اللسان" (٤٨٩:٤)، فالإسناد حسن لولا عنعنة الوليد، ولا بأس به فى المتابعات. قوله: " حدثنا يزيد إلخ". قلت: دلالنه على توريث العطاء ظاهرة ولم أعثر على رواية توضح وقت وفاة عبد الله هل كانت بعد ما استوجب العطاء، وتمت السنة أم قبله. وفى قول الزبير: فعيال عبد الله أحق به من بيت المال دلالة على استحقاق الورثة عطاء مورثهم، وإلا لم يكونوا أحق به من بيت مال المسلمين، فافهم. قوله: "حدثنا خالد بن عمرو إلخ". دلالته على توريث عطاء من مات بعد نصف السنة بقدر عمله وعناءه ظاهرة، وهو مفهوم قول محمد: من مات فى نصف السنة، فلا شىء له من العطاء أى ويستحقه إذا مات نصف السنة بقدر عمله، وإلا لم يكن للتقیید معنى. قوله: "حدثنا عبد الله بن صالح إلخ". دلالته على توريث عطاء من مات بعد تمام السنة (١) هكذا فى الأصل والصحيح على بن حى وهو على بن صالح بن حى أخو الحسن بن حى ثقة عابد كما فى التقريب. ٥٩٨ ج - ١٢ العطاء يموت صاحبه بعد ما يستوجبه عبد العزيز كتب أن أنظر فى أهل الدواوين، فمن كان عمل على عطاءه سنة كاملة، وعزم ما نابه من الحمائل، أو قال الجعائل -شك أبو عبيد- وأجزأ بعوثه، ثم يقبض بعد ما يؤمر للناس بأعطيتاتهم، فمر لأهله لعطاءه حقا واجبا، وانظر من كان اكتتب فى شىء من البعوث، فخرج له عطاءه، فتجهز به ثم أدر كه أجله، فلا تعزموا أهله شيئا إنما أخذ حقه)). رواه أبو عبيد فى "الأموال" (ص٢٦٠)، وسنده حسن مرسل، وهقل بن زياد السكسكى كاتب الأوزاعى ثقة من التاسعة (تقريب ص٣٢). والأوزاعى لم يدرك عمر بن عبد العزيز، وإرسال مثله حجة. ظاهرة، وقول عمر بن عبد العزيز: فمر لأهله بعطاءه حقا واجبا أصرح شىء فى الدلالة على الوجوب. وفيه دلالة أيضا على أن من أخذ العطاء فى أول العام، ثم مات، أو عزل قبل مضيها لا يجب عليه رد ما بقى، ولا يغرمه ورثته. واختلفت أقوال علماءنا فى ذلك، فقال بعضهم: لا يجب عليه الرد على قياس تعجيل المرأة النفقة، وقيل: يجب رد ما بقى، وقال محمد: أحب إلى رد الباقى، كما لو عجل لها نفقة ليتزوجها فمات قبل التزوج لعدم حصول المقصود. (ولا يخفى ما فيه فإن ما ينفق على المرأة قبل التزوج بها رشوة، وما يأخذه صاحب العطاء فى أول العام ليس برشوة كما لا يخفى)، وعندهما هو صلة من وجه، فينقطع حق الاسترداد بالموت كالرجوع فى الهبة ، ذكره فى "جامع قاضى خان"، كذا فى "فتح القدير" (٣٠٧:٥). قلت: ويؤيد قولهما قول عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد: فلا تغرموا أهله شيئا إنما أخذ حقه. قال فى "الكفاية": العطاء ما يكتب للغزاة فى الديوان، ولكل من قام بأمر من أمور الدين كالقاضى والمفتى والمدرس. وفى الابتداء كان يعطى كل من كان له ضرب مزية فى الإسلام كأزواج النبى مرّ وأولاد المهاجرين اهـ. قال المحقق فى "الفتح":" وهو كالجامكية فى عرفنا إلا أنها شهرية، والعطاء سنوى" اهـ. قلت: والبركة إنما هى فى السنوى دون الشهرى، كما هو مشاهد، ويؤيده قول عمر بن الخطاب رضى الله عنه وقد مر. ومن أراد الاطلاع على كيفية تدوين عمر رضى الله عنه الديوان وتفصيل فرضه العطاء لأزواج النبى مرّه وأصحابه، ولسائر المسلمين صغيرهم وكبيرهم وفطيمهم ومولودهم، فليراجع "الخراج" للإمام أبى يوسف (ص٤٩ و٥٦) و "كتاب الأموال" لأبى عبيد (ص٢٢٣ إلى ٢٧١) و "فتوح البلدان" (ص٤٥٣ إلى ٤٦٦) للبلاذرى، فتقربها عينه، وينشرح بها صدره، ثم إذا رجع إلى ما آل إليه أمر الأمة اليوم تبدل الفرح بالترح والانشراح بضيق الصدر ج - ١٢ ٥٩٩ أبواب أحكام المرتدين باب يجوز قتل المرتد بلا إمهال إذا استمهل فیمھل والمستحب أن يؤجل ثلاثة أيام مطلقا ٤٢٧٥- عن عكرمة "أن عليا رضى الله عنه أتى بزنادقة فأحرقهم فبلغ ذلك ابن عباس رضى الله عنه فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم لنهى رسول الله عّ لّه((لا تعذبوا بعذاب الله))، ولقتلهم لقوله عليه السلام: ((من بدل دينه فاقتلوه)) رواه البخارى، ووهم الحاكم فى استدراكه عليه، ورواه ابن أبى شيبة وعبد الرزاق فى "مصنفيهما" بدون القصة (زيلعى ١٥٧:٢). والسرور بالهم والحزن، فإلى الله المشتكى، فإن هذه الأمة لم تؤت إلا من قبلها، ﴿وإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوء فلا مرد له وما لهم من دونه من وال﴾. وفى كل ذلك تأييد لما قاله صاحب "الهداية": وما جباه الإمام من الخراج ومن أموال بنى تغلب، وما أهداه أهل الحرب إلى الإمام والجزية يصرف فى مصلح المسلمين كسد الثغور وبناء القناطر والجسور ويعطى قضاة المسلمين وعمالهم وعلماءهم منه ما يكفيهم، ويدفع منه أرزاق المقاتلة وذراريهم إلى أن قال: وأهل العطاء فى زماننا مثل القاضى والمدرس والمفتى، والله تعالى أعلم". قال المحقق فى "الفتح": وزاد المصنف فى "التجنيس" أنه يعطى أيضا للمعلمين والمتعلمين، وبهذا تدخل طلبة العلم لأنه قبل أن يتأهل عامل بنفسه لكن ليعمل بعده للمسلمين" اهـ (٣٠٧:٥). وقد ذكرنا فى "باب قسمة الغنائم وكيفيتها" فى المتن، وفى الحاشية ما يؤيد ذلك من الآثار، فليراجع. باب يجوز قتل المرتد بلا إمهال إلا إذا استمهل فیمھل والمستحب أن يؤجل ثلاثة أيام مطلقًا قوله: "عن عكرمة إلخ". قلت: استدل به صاحب "الهداية" على عدم وجوب الإنظار حيث قال بعد ما حكى عن الشافعى: إن على الإمام أن يؤجله ثلاثة أيام ولا يحل له أن يقتله قبل ذلك لأن ارتداد المسلم يكون عن شبهة ظاهرا، فلا بد من مدة يمكنه التأمل، فقدرناها بالثلاثة. ولنا قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ من غير قيد الإمهال، وكذا قوله عليه السلام: ((من بدل دينه فاقتلوه)) (من غير تقييد بإنظار). ولأنه كافر حربى قد بلغته الدعوة فيقتل للحال من غير ٦٠٠ يجوز قتل المرتد بلا إمهال إذا استمهل فيمهل إعلاء السنن ٤٢٧٦- عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده معاوية بن حيدة قال: قال رسول الله عَّ ((من بدل دينه فاقتلوه إن الله لا يقبل توبة عبد كفر بعد إسلامه)). أخرجه الطبرانى فى "معجمه الكبير" (زيلعى (١٥٧:٢). وذكره الحافظ فى "التلخيص الحبير" (٣٤٩:٢)، وسكت عنه، فهو حسن أو صحيح. استمهال، وهذا لأنه لا يجوز تأخير الواجب(١) لأمر موهوم (ومقتضاه كراهة الإمهال ثلاثة أيام ونحوها، ولكنا عرفناه من أفعال الصحابة وأقوالهم فغايته انتفاء الكراهة عنه أو استحبابه دون أن يكون واجبا، فيضاد نص الشارع، وذلك لا يجوز. هكذا ينبغى تفسير هذا الكلام كى لا يرد عليه ما أورده العلامة المحقق ابن الهمام فى "فتح القدير" (٣٠٨:٥). قال المحقق: والصحيح من قولى الشافعى: إنه إن تاب فى الحال، وإلا قتل لحديث معاذ، وقوله عَّ له: ((من بدل دينه فاقتلوه) من غير تقييد بإنظار، وهو اختيار ابن المنذر اهـ، وتمسك به بعض الشافعية فى قتل من انتقل من دين كفر إلى دين كفر سواء كان ممن يقر أهل عليه بالجزية أو لا. وأجاب بعض الحنفية بأن العموم فى الحديث فى المبدل لا فى التبديل، فأما التبديل فهو مطلق لا عموم فيه، وعلى تقدير التسليم، فهو متروك الظاهر اتفاقا فى الكافر لو أسلم فإنه يدخل فى عموم الخبر وليس مرادا. واحتجوا أيضا بأن الكفر ملة واحدة فلو تنصر اليهودى، أو تهود الوثنى لم يخرج عن دين الكفر فوضح أن المراد من بدل دين الإسلام بدين غيره لأن الدين فى الحقيقة هو الإسلام. قال الله تعالى: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾، وما عداه فهو بزعم المدعى. ويؤيد تخصيصه بالإسلام ما جاء فى بعض طرقه، فقد أخرجه الطبرانى من وجه آخر عن عكرمة عن ابن عباس رفعه ((من خالف دينه دين الإسلام فاضربوا عنقه))، قاله الحافظ فى "الفتح" (٢٤٠:١٢). قلت: ويؤيده أيضا ما فى حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده بعد قوله: ((من بدل دينه فاقتلوه إن الله لا يقبل توبة عبد كفر بعد إسلامه))، فإنه صريح فى أن المراد بالدين دين الإسلام، والله تعالى أعلم. وبهذا اندحض كل ما شغب به ابن حزم فى "المحلى" فى هذا المقام حيث قال فيمن خرج من كفر إلى كفر: إنه لا يترك عليه، بل لا يقبل منه إلا الإسلام، أو السيف اهـ. فقد بينا أن قوله معرّ له: ((من بدل دينه فاقتلوه)) إنما ورد فى تبديل الإسلام خاصة بدين غير لا فى مطلق التبديل، فلا بد لمن أوجب قتل من خرج من كفر إلى كفر من دليل ناهض، وسيأتى ما يؤيد الحنفية فى (١) فور الوجوب مستفاد من الفاء فى قوله "فاقتلوه": فإن معناه من بدل دينه يجب قتله مع التبديل؛ لاتصال الجزاء بشرطه، فما قاله ابن الهمام فى هذا المقام: ليس على ما ينبغى، فافهم.