النص المفهرس
صفحات 461-480
ج - ١٢ مقدار الجزية التى يضعها الإمام على الكفار ابتداء ٤٦١ شعبة أن عمر وضع إلى آخره (زيلعى ١٥٢:٢). قلت: ومندل فيه مقال، وثقه ابن معين وأبو حاتم والمرسل إذا أسند ولو من طريق ضعيفة كان حجة عند الكل كما ذكرناه فى المقدمة. عن صفوان بن عمرو عن عمر بن عبد العزيز ((أنه فرض على رهبان الدريارات على كل راهب دينارين)) (ص٤٢) ((وصالح عمر رضى الله عنه بنى تغلب على مثلى ما على المسلمين من الزكاة)) وهذا يدل على أنها إلى رأى الإمام لولا ذلك لكان على قدر واحد فى جميع هذا المواضع ولم يجز أن تختلف، ذكره الموفق فى "المغنى" (٥٧٥:١٠). وقال أبو عبيد: والذى اخترناه أن عليهم الزيادة كما يكون لهم النقصان للزيادة التى زادها عمر على وظيفة النبى عَ له وللزيادة التى زادها عمر نفسه حين كانت ثمانية وأربعين فجعلها خمسين اهـ" (ص ٤١). قلنا: أما حديث معاذ فلا يرد علينا لكونه محمولا على وظيفة الفقراء كما مر، وبه نقول فى حق الفقير. وأما جزية أهل نجران وهى ألفا حلة فى كل سنة فقد ذكرنا أنها كانت من جزية المصالحة بالتراضى وهى غير مقدرة عندنا بمقدار، وإنما الكلام فى جزية يبتدئ الإمام بوضعها. وأما رواية عمرو بن ميمون، وأنه ذكر ثمانية وأربعين، ولم يفصل فإن حارثة بن مضرب وغيره، قد ذكروا تفصيل الطبقات الثلاث، فالواجب أن يحمل ما فى حديث عمرو بن ميمون على أكثر ما وضع من الجزية وأما رواية الثانية وفيها قال: وكانت ثمانية وأربعين فجعلها خمسين، فقال الجصاص: هذا ليس بمشهور ولم تثبت به رواية، "أحكام القرآن" (٩٨:٣). فإن أبا عبيد رواه عن أبى النضر وقال: ولا أعلم الحجاج إلا قد حدثنى به أيضا عن شعبة أنبأنى الحكم قال: سمعت عمرو بن ميمون أنه شهد عمر بذى الحليفة فذكره (ص ٤٠)، فلم يدر أن قوله: فكانت ثمانية وأربعين فجعلها خمسين، من لفظ أبى النضر عن شعبة أو من لفظ الحجاج عنه، أو من لفظهما جميعًا. فإنى أخاف أن يكون حجاج قد تفرد به من بين القوم فإنى لم أر لهذه الزيادة أثرا فى شىء مما رواه الثقات عن الحكم غير هذه الرواية عنا. أبى عبيد، وحجاج وإن كان حسن الحديث، ولكنه لا يحتج بما ينفرد به إذا خالف الثقات. وبالجملة فهذه رواية شاذة لا تكاد تثبت ولا تنتهض للاحتجاج بها. وأما رواية أبى مجلز فهى عند أبى عبيد مختصرة وقد رواها الإمام أبو يوسف فى "الخراج" أتم منه وذكر فيها الطبقات كلها كما أودعناه فى المتن، وأما إن عمر رضى الله عنه صالح بنى تغلب على ضعف زكاة المسلمين، فإنه ليس من الجزية التى نحن بسبيلها بل من الجزية التى توضع بالصلح ٤٦٢ مقدار الجزية التى يضعها الإمام على الكفار ابتداء إعلاء السنن ٤١٣٦- حدثنا إسماعيل بن جعفر عن إسرائيل عن أبى إسحاق عن حارثة بن مضرب عن عمر: أنه بعث عثمان بن حنيف فوضع عليهم ثمانية وأربعين درهما وأربعة وعشرين واثنى عشر". رواه أبو عبيد فى "الأموال" (زيلعى ١٥٢:٢). قلت: سند صحیح موصول وأخرجه یحیی بن آدم فى الخراج (ص٤٢) فرواه عن إسرائيل بسنده. ٤١٣٧- أخبرنا عارم بن الفضل ثنا حماد بن سلمة عن سعيد الجريرى عن أبى نضرة: "أن عمر وضع الجزية على أهل الذمة فيما فتح من البلاد فوضع على الغنى ثمانية وأربعين درهما، وعلى الوسط أربعة وعشرون درهما، وعلى الفقير اثنى عشر درهما" مختصر من حديث طويل رواه ابن سعد فى "الطبقات" (زيلعى ١٥٢:٢٠). وهو مرسل صحيح، وأبو نضرة هو المنذر بن مالك بن قطعة رأى عدة من الصحابة أدرك طلحة وروى عن على بن أبى طالب وأبى موسى الأشعرى وأبى ذر الغفارى وأبى هريرة وأبى سعید وغيرهم (تهذيب ٣٠٢:١٠) وإرسال مثله حجة عندنا وعند الأكثرین. ٤١٣٨- حدثنى السرى بن إسماعيل عن عامر الشعبى "أن عمر بن الخطاب مسح السواد وأنه وضع على الرجل اثنى عشر درهما، وأربعة وعشرين درهما وثمانية وأربعين درهما" مختصر رواه الإمام أبو يوسف فى "الخراج" له (ص٤٢)، والسرى ضعيف، كما مر. والتراضى، وقد عرفت أنها غير مقدرة عندنا. وأما إن عمر بن عبد العزيز وضع على الرهبان دينارين، على كل راهب فهذا عندنا على أنه راهب من الطبقة الوسطى فأوجب ذلك عليهم على ما رأى من احتمالهم له. فإنا لا نقول باستواء الفقير، والغنى، والمتوسط، وإنما يرد ذلك على من لم يفرق بينهم وأوجب دينارا أو أربعة على الغنى والفقير سواء. قال الجصاص فى "أحكام القرآن" له: فكان الخبر الذى فيه تفصيل الطبقات الثلاث أولى بالاستعمال لما فيه من الزيادة وبيان حكم كل طبقة. ولأن من وضعها على الطبقات فهو قائل بخبر الثمانية والأربعين (وبخبر أربعة وعشرين درهمًا وبخبر دينار على كل حالم ونحوها)، ومن اقتصر على الثمانية والأربعين (ونحوها مما ذكر)، فهو تارك للخبر الذى فيه ذكر تمييز الطبقات، وتخصيص كل واحد بمقدار منها" اهـ (٩٧:٣). قوله: "حدثنا إسماعيل بن جعفر" إلخ. دلالته، وكذا دلالة ما بعده من الآثار على ج - ١٢ مقدار الجزية التى يضعها الإمام على الكفار إبتداء ٤٦٣ ٤١٣٩- حدثنى سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن أبى مجلز "قال: بعث عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه عثمان بن حنيف فمسح الأرضين وجعل على الرأس اثنى عشر درهما وأربعة وعشرين درهما وثمانية وأربعين درهما، وعطل من ذلك النساء والصبيان" مختصرا، رواه الإمام أبو يوسف فى "الخراج" (ص٤٣) أيضا، وهو مرسل صحیح. ، ٤١٤- حدثنى الحجاج بن أرطاة عن ابن عون "أن عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه مسح السواد مادون جبل حلوان، وفيه: وأخذ من كل رأس موسر ثمانية وأربعين درهما، ومن الوسط أربعة وعشرين درهما، ومن الفقير اثنى عشر درهما" مختصرا، رواه الإمام أبو يوسف فى "الخراج" (ص٤٥) أيضا، وهو مرسل. ٤١٤١- عن عمر رضى الله عنه أنه ضرب الجزية على الغنى ثمانية وأربعين درهما، وعلى المتوسط أربعة وعشرين وعلى الفقير المكتسب اثنى عشر"، رواه البيهقى بطرق مرسلة (التلخيص الحبير ٣٨٠:٢)، وسكوت الحافظ عنه يدل على أن لا علة له سوی الإرسال وهو حجة عندنا، وإذا تعددت الطرق فهو حجة عند الكل، كما مر فى "المقدمة". معنى الباب ظاهرة. قوله: "عن عمر إلخ". دلالته على معنى الباب ظاهرة. وقوله:"وعلى الفقير المكتسب" دليل على أن لا جزية على فقير غير معتمل خلافًا للشافعى رحمه الله، له إطلاق حديث معاذ رضى الله عنه. ولنا أن عمر رضى الله عنه لم يوظفها على فقير غير معتمل وكان ذلك بمحضر من الصحابة، ولأن خراج الأرض لا يوظف على أرض لا طاقة لها فكذا خراج الرأس بجامع عدم الطاقة لحكمة دفع الضرر. والحديث محمول على المعتمل الذى لا يقدر على العمل وإن أحسن حرفة. ودليل الحمل ما ذكرنا من المعنى وبتوظيف عمر المقترن بالإجماع جمعا بين الدليلين فإن قيل: فنفيه عن غير المكتسب بالمفهوم المخالف ولا تقولون به قلنا: ليس ذلك بلازم بل جاز أن يضاف إلى الأصل وهو عدم التوظيف على من لم يذكر، كذا فى الهداية و فتح القدير (٢٩٤:٢). جواز الاستدلال بالمفهوم إذا تأيد بالقياس: قلت: وإذا كان المفهوم متأيدا بالقياس، كما فى ما نحن بسبيله، فهو حجة عند الكل أما ٤٦٤ الجزية التى يضعها الإمام على الكفار ابتداء إعلاء السنن ٤١٤٢- حدثنا كامل بن العلاء عن حبيب بن أبى ثابت أن عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه بعث عثمان بن حنيف على مساحة أرض السواد، فذكر الحديث، وفيه: ((فختم خمس مائة ألف علج على الطبقات ثمانية وأربعين وأربعة وعشرين واثنى عشر)) الحديث، رواه الإمام أبو يوسف فى "الخراج" (ص١٩٣)، هو مرسل صحيح. ٤١٤٣- حدثنى عفان عن مسلمة بن علقمة عن داود بن أبى هند عن الشعبى "أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه بعث عثمان بن حنيف إلى السواد فطرز الخراج -فذكر الحديث وفيه- ووضع على الرجل الدرهم فى الشهر والدرهمين فى الشهر"، رواه أبو عبيد فى "الأموال" (ص٦٩)، وهو مرسل صحيح، ومراسيل الشعبى لا يكاد يسقط منها شىء. ٤١٤٤- وأخرج يحيى بن آدم فى "الخراج" له (ص٧٧ رقم ١٤١) حدثنا مندل العنزى عن الأعمش عن إبراهيم بن مهاجر عن عمرو بن ميمون، "قال: بعث عمر بن الخطاب حذيفة بن اليمان، وعثمان بن حنيف فأتياه فسألهما كيف وضعتما على أهل الأرض؟ فقالا: وضعنا على كل رجل أربعة درهم كل شهر" الحديث. مختصر ومندل ضعيف من قبل حفظه ومشاه بعضهم، فالحديث حسن الإسناد على الأصل الذى أصلناه فى "المقدمة". عند غيرنا فبالانفراد وأما عندنا فبالمجموع. ويجوز إضافة الحكم إلى الأثر. لم أره صريحًا، ولكنه مقتضى احتجاجهم بالحديث الضعيف المتأيد بالقياس، وإضافتهم الحكم إلى الحديث، فافهم. وقت أخذ الجزية: قوله: حدثنى عفان إلخ" قلت: فيه دليل على وقت أخذ الجزية وأنه يؤخذ منهم فى كل شهر هذا هو الأصل وإن أخر إلى وقت الغلة للرفق بأهل الذمة كان حسنا، كما مر فى "باب وقت أخذ العشر والخراج". وبهذا تبين ما فى قول أبى عبيد: "ولم نسمع فى استيداء الخراج والجزية وقتا من الزمان يجتبى فيه غير هذا". أى غير أثر سعيد بن عامر بن خذيم المذكور هناك من القصور، ولو قال: لم نسمع فى استيداء الخراج والجزية وقتا من الزمان يستحب تأخير الاجتباء إليه بشرط أن لا يفضى إلى توی الخراج غير هذا لكان أسلم وأولی. فإن أفضى إلى التوى لم يؤخر بل يؤخذ فى كل شهر، وبهذا تأيد قول أبى حنيفة بأن الوجوب بأول الحول وعند الشافعى فى آخره، كما فى ج . - ١٢ ٤٦٥ باب توضع الجزية على أهل الكتاب والمجوس مطلقا وعلى عبدة الأوثان من العجم ٤١٤٥- عن بجالة وهو ابن عبدة قال: "أتانا كتاب عمر بن الخطاب قبل موته "الهداية" و"فتح القدير" (٢٩٨:٥). ولو كان الوجوب فى آخر الحول لم يكن لأخذها قبل الوجوب معنى. قال فى "البدائع": "وأما وقت الوجوب فأول السنة لأنها تجب لحقن الدم فى المستقبل فلا تؤخر إلى آخر السنة، ولكن تؤخذ فى كل شهر اهـ" (١١١:٧). قال فى "الهداية": " وجزية يبتدئ الإمام بوضعها إذا غلب على الكفار وأقرهم على أملاكهم فيضع على الغنى الظاهر الغنى فى كل سنة ثمانية وأربعين درهمًا. يأخذ منهم فى كل شهر أربعة دراهم، وعلى وسط الحال أربعة وعشرين درهمًا فى كل شهر درهمين، وعلى الفقير المعتمل اثنى عشر درهمًا فى كل شهر درهمًا اهـ" (٢٨٩:٥ مع "الفتح"). وبهذا ظهر غاية اعتناء الحنفية بجمع الآثار المختلفة فى الباب وإعمالها كلها فافهم. قال الموفق فى "المغنى": "وحدا ليسار فى حقهم ما عده الناس غنى فى العادة وليس بمقدر لأن التقديرات بابها التوقيف ولا توقيف فى هذا فيرجع فيه إلى العادة والعرف اهـ" (٥٧٧:١٠). قلت: وبهذا قال الفقيه أبو جعفر منا، كما فى "فتح القدير" (٢٩١:٥). وهو الذى نص عليه أبو يوسف فى "الخراج" (ص١٤٨). ورجحه الجصاص فى "أحكام القرآن" له (٩٨:٣)، وهو الأصح "تتارخانيه" وصححه أيضا فى "الولوالجية، والمنتقى" وهو المختار كما فى "الاختيار"، وهو الموافق لرأى صاحب المذاهب، كذا فى "الدر" و"الشامية" (٤١٣:٣). باب توضع الجزية على أهل الكتاب والمجوس مطلقا وعلى عبدة الأوثان من العجم قوله: "عن بجالة إلخ" قلت: دلالته على أخذ الجزية من المجوس ظاهرة. قال أبو عبيد: فقد صحت الأخبار عن رسول الله عَّة والأئمة بعده أنهم قبلوها منهم ثم تكلم الناس بعد فى أمرهم، فقال بعضهم: إنما قبلت منهم لأنهم كانوا أهل كتاب، ويحدثون بذلك عن على رضى الله عنه، ولا أحسب هذا محفوظا عنه، ولو كان له أصل لما حرم رسول الله عَّ له ذبائحهم ومنا کحتهم وهو كان أولى بعلم ذلك ولا اتفق المسلمون بعده على كراهتها. وقد قال بعضهم قبلها النبى عدّ له منهم حين نزلت عليه ﴿لا إكراه فى الدين﴾ ويحدثونه عن مجاهد وقد روى عن عمر بن الخطاب أنه تأول هذه الآية فى بعض النصارى والروم ثم أسند عن وسق الرومى، وكان مملوكاً لعمر بن الخطاب أنه عرض عليه السلام فأبى، فقال: ﴿لا إكراه فى الدين﴾، فلما حضرته الوفاة أعتقه. ٤٦٦ بیان من توضع علیه الجزية إعلاء السنن بسنة: فرقوا بين كل ذى محرم من المجوس ولم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس، حتى قال أبو عبيد: فأرى عمر أنه تأول هذه الآية فى أهل الكتاب وهو أشبه بالتأويل والله أعلم. (لأنه عبدة الأوثان من العرب لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف وهذا إكراه أيضا، وجائز بالإجماع. قال ابن حزم فى "المحلى": "لم يختلف مسلمان فى أن رسول الله عّ لّ لم يقبل من الوثنيين من العرب إلا الإسلام أو السيف إلى أن مات عليه السلام فهو أكراه فى الدين. فهذه الآية منسوخة أو مخصوصة بأهل الكتاب اهـ ملخصا (١٩٦:١١) قال غير: إنا لم نجد فى أمر المجوس شيئا يبلغه علمنا إلا إتباعا لسنة رسول الله عّ لّه والانتهاء إلى أمره فالجزية مأخوذة من أهل الكتاب بالتنزيل ومن المجوس بالسنة اهـ (ص٣٤ و ٣٥) ملخصا. كيف أخذت الجزية من مجوس العرب وهم كعبدة الأوثان منهم؟ قلت: وإنما أشكل على أبى عبيد أخذ الجزية من مجوس العرب لكونهم مشركين كعبدة الأوثان فكان القياس أن لا تقبل منهم الجزية كما لا تقبل من الوثنيين من العرب. وأما مجوس العجم فلا إشكال فى قبول الجزية عنهم. كما ذكره أبو عبيد نفسه قبل ذلك بورقين ونصه: فعلى هذا تتابعت الآثار عن رسول الله عَّه والخلفاء بعده فى العرب من أهل الشرك أن من كان منهم ليس من أهل الكتاب فإنه لا يقبل منه إلا الإسلام أو القتل كما قال الحسن، وأما العجم فتقبل منهم الجزية، وإن لم يكونوا أهل كتاب، للسنة التى جاءت عن رسول الله عَ ليه فى المجوس وليسوا بأهل الكتاب. وقبلت بعده من الصائبين فأمر المسلمين على هذين الحكمين من العرب والعجم اهـ (ص٣٠) أى فلما قبلت الجزية من مجوس العرب. وليسوا بأهل كتابٍ فتقبل من مجوس العجم بالأولى وكذا ومن عبدة الأوثان منهم .. بقى الإشكال فى مجوس العرب فذهب الإمام الشافعى، ومن وافقه إلى أن الجزية لا تقبل من غير أهل الكتاب، وقد أخذها النبى معَّه من المجوس، فدل على إلحاقهم بهم وقد اقتصر عليه قاله الحافظ فى "الفتح" (وذكر البيهقى فى باب "المجوس أهل كتاب والجزية تؤخذ منهم" حديثا من طريق سعيد بن المرزبان عن نصر بن عاصم عن على (كان المجوس أهل كتاب يقرؤونه وعلم يدرسونه فشرب أميرهم الخمر فوقع على أخته فلما أصبح دعا أهل الطمع فأعطاهم وقال: إن آدم كان ينكح أولاده بناته فأطاعوه، وقتل من خالفه فأسرى على كتابهم، وعلى ما فى قلوبهم منه فلم يبق عندهم منه شىء مؤلف "فتح البارى" ثم حكى عن ابن خزيمة أنه قال: وهم ابن عيينة، ورواه عن أبى سعد البقال - يعنى ابن المرزبان- عن نصر بن عاصم وإنما هو عيسى بن عاصم الأسدى. ج - ١٢ بیان من توضع علیه الجزية ٤٦٧ شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله عَّ لل أخذ الجزية من مجوس هجر"، رواه والظاهر أن رواية عيسى هذا عن على مرسلة لأنهم نصوا على أن روايته عن ابن عباس وعن ابن عمر مرسلة فما الذى ينفعه اتصال رواية نصر بن عاصم؟ على أن العقيلى قال عن نصر: هذا لا يتابع على حديثه، والبقال متكلم فيه قال ابن معين: "ليس بشىء". وقال الفلاس: "متروك"، وقال أبو زرعة: "مدلس"، وقال البخارى: "منكر الحديث"، وقال النسائى: "ضعيف". وسكت عنه البيهقى ههنا، وقال فيما مضى فى "باب أخذ السلاح فى الحرب" : "غير قوى". وقال فى باب دية أهل الذمة "لا يحتج به" وقال صاحب "التمهيد" فى قوله عليه السلام: ((سنوا بهم سنة أهل الكتاب)) يعنى فى الجزية دليل على أنهم ليسوا أهل كتاب وعلى ذلك جمهور الفقهاء. وقد روى عن الشافعی أنهم كانوا أهل کتاب فبدلوا وأظنه ذهب فی إلی شیء، روى عن على من وجه فيه ضعف يدور على أبى سعد البقال. ثم ذكر هذا الأثر. ثم قال: وأكثر أهل العلم يأبون ذلك، ولا يصححون هذا الأثر، والحجة لهم قوله تعالى: ﴿أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا﴾. يعنى اليهود والنصارى وقوله تعالى: ﴿يا أهل الكتاب لم تحاجون فى إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده﴾، وقال تعالى: ﴿يا أهل الكتاب لستم على شىء حتى تقيموا التوراة والإنجيل﴾ فدل على أن أهل الكتاب هم أهل التوراة والإنجيل الييهود والنصارى لا غير، وقد روى عبد الرزاق عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: المجوس أهل كتاب؟ قال: لا. وقال أيضا: أخبرنا معمر قال: سمعت الزهرى سئل أ تؤخذ الجزية ممن ليس من أهل الكتاب؟ قال: نعم أخذها رسول الله عّ لّه من أهل البحرين (وكانوا مجوسا مؤلف) وعمر من أهل السواد (وفيهم مجوس أيضا) وعثمان من بربراهـ من "الجوهر النقى" (٢٠٩:٢ و ٢١٠)، فتراه قد جعل المجوس ممن ليس من أهل الكتاب. تحقيق حال المجوس وأنهم من أهل الكتاب أم لا؟ قلت: وقد حسن الحافظ فى "الفتح" حدیث على هذا قال: وروی عبد بن حميد فى تفسیر سورة البروج بإسناد صحيح عن ابن أبزى ((لما هزم المسلمون أهل فارس قال عمر: اجتمعوا! فقال: إن المجوس ليسوا أهل كتاب فنضع عليهم. ولا من عبدة الأوثان فنجرى عليهم أحكامهم. فقال على: بل هم أهل كتاب فذكره نحوه. لكن قال: وقع على ابنته، وقال فى آخره: فوضع الأخدود لمن خالفه فهذا حجة لمن قال: كان لهم كتاب (١٨٦:٦). قلت: وأخرجه الطبرى فى تفسيره حدثنا ابن حميد ثنا يعقوب القمى (هو ابن عبد الله ٤٦٨ بيان من توضع عليه الجزية إعادة السبسى البخارى (فتح البارى ١٨٥:٦). ابن سعد الأشعرى القمى صدوق يهم من الثامنة (تق ص٢٤٢) عن جعفر (هو ابن أبي المغيرة الخزاعى القمى صدوق بهم من الخامسة تق ص ٣٠) عن ابن أبزى (هو سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى ثقة من الثالثة (تق ص ٧١) قال: لما رجع المهاجرون من بعض غزواتهم بلغهم يعنى - عمر بن الخطاب رضى الله عنه- فقال بعضهم لبعض: أى الأحكام تجرى فى المجوس وأنهم ليسوا بأهل كتاب وليسوا من مشركى العرب. فقال على بن أبى طالب: قد كانوا أهل كتاب وقد كانت الخمر أحلت لهم فذكر نحوه. لكن قال: فتناول أخته فوقع عليها)) إلخ (٣٠: ٨٤). وتأيد به ما رواه البقال عن عيسى بن عاصم عن على ويؤيده ما رواه الإمام أبو يوسف فى "الخراج" له حدثنا سفيان بن عيينة عن نصر بن عاصم الليثى عن على بن أبى طالب كرم الله وجهه «أن رسول الله عَّه وأبا بكر وعمر أخذوا الجزية من المجوس، قال على كرم الله وجهه: وأنا أعلم الناس بهم كانوا أهل كتاب يقرأونه، وعلم يدرسونه فنزع من صدورهم (ص١٥٥)، وفيه متابعة للإمام الشافعى فى تسمية نصر بن عاصم، ولكن أسقط الواسطة بينه وبين سفيان بن عيينة -وهو أبو سعد البقال- قال أبو يوسف: وحدثنا فطر بن خليفة ((أن فروة بن نوفل الأشجعى قال: إن هذا الأمر عظيم يؤخذ من المجوس الجزية، وليسوا بأهل كتاب. قال: فقام إليه المستورد بن الأحنف، فقال: طعنت على رسول الله عَّه فتب. وإلا قتلتك والله. وقال: قد أخذ رسول الله عَ ليه من مجوس أهل هجر الجزية قال: فأتيا على بن أبى طالب كرم الله وجهه، فقال: سأحدثكما بحديث ترضيانه جميعًا عن المجوس. فذكر مثل حديث البقال وزاد فى آخره، قال على بن أبى طالب رضى الله تعالى عنه: فأخذ رسول الله عَ ◌ّه الخراج لأجل كتابهم وحرم مناكحتهم وذبائحهم لشركهم اهـ) (ص١٥٦)، وفروة بن نوفل والمستورد بن الأحنف كلاهما ثقتان من الثالثة (تق ص٢٥ و ١٦٩). وفطر بن خليفة صدوق من الخامسة تق (ص ١٧٠). وقد حكى وكيع . أن فطراً سأل عطاء وروى أيضًا عن رجل يقال له عطاء: رأى النبى مرّ ◌ُّه، وذكره ابن حبان فى الثقات وقال: قد قيل: إنه سمع من أبى الطفيل، فإن صح فهو من التابعين وهو من رجال البخارى والأربعة، وثقه كثيرون وتكلم فيه بعضهم لسوء مذهبه، كان يقدم عليا على عثمان اهـ. من "التهذيب" ملخصا (٣٠٢:٨). فالظاهر أنه سمع القصة من فروة بن نوفل أو من المستورد، وكلاهما ثقة قد رأى عليا رضى الله تعالى عنه، فظاهر السند الانقطاع، ولكنه فى الأصل متصل، والله تعالى أعلم. ولا يرد عليه ج - ١٢ بيان من توضع عليه الجزية ٤١٩ قوله تعالى: ﴿إنما أنزل الكتاب على طائفتين﴾، ونحوه فإن الحديث لم يدخل المجوس فى أهل الكتاب بل ألحقهم بهم فى بعض الأحكام وبه يقول الشافعى ولم يقل: بأنهم الآن من أهل الكتاب بل إنهم مثلهم إلحاقا وشتان بين القولين. حكم ذبائح المجوس ومناكحة نساءهم: قال الحافظ فى الفتح: وأما قول ابن بطال: لو كان لهم كتاب، ورفع لرفع حكمه، ولما استثنى حل ذابائحهم ونكاح نسائهم، فالجواب أن الاستثناء وقع تبعا للأثر الوارد فى ذلك لأن فى ذلك شبهة تقتضى حقن الدم بخلاف النكاح، فإنه مما يحتاط له اهـ (١٨٦:٦) قلت: ولو اطلع الحافظ على طريق فطر بن خليفة فى "الخراج" لأبى يوسف لقال: إنما قلنا بالاستثناء لقول على رضى الله عنه: فأخذ رسول الله عَّه الخراج لأجل كتابهم، وحرم مناكحتهم وذبائحهم لشركهم قال: وقال ابن المنذر: ليس تحريم نساءهم وذبائحهم متفقا عليه، ولكن الأكثر من أهل العلم عليه اهـ - وقال أيضا: ونقل أى ابن عبد البر الاتفاق على أنه لا يحل نكاح نساءهم، ولا أكل ذبائحهم لكن حكى غيره عن أبى ثور حل ذلك قال ابن قدامة: هذا خلاف إجماع من تقدمه. قلت: وفيه نظر فقد حكى ابن عبد البر عن سعيد بن المسيب أنه لم يكن يرى بذبيحة المجوسى بأسا، إذا أمره المسلم بذبحها. وروى ابن أبى شيبة عنه وعن عطاء وعمرو بن دينار وطاوس أنهم لم يكونوا يرون بأسًا بالتسرى بالمجوسية اهـ)) (١٨٤:٦ و١٨٦). قلت: أراد ابن عبد البر وابن قدامة اتفاق القرن الثالث من بعد التابعين والخلاف السابق يرتفع بالإجماع اللاحق كما تقرر فى الأصول فأبو ثور محجوج بإجماع من تقدمه حتما قال الإمام أبو يوسف فى "الخراج" له: "وليس أهل الشرك من عبدة الأوثان وعبدة النيران والمجوس فى الذبائح والمناكحة على مثل ما عليه أهل الكتاب لما جاء عن النبى عّ لّه فى ذلك. وهو الذى عليه الجماعة والعمل لا اختلاف فيه اهـ (ص١٥٤). وأبو يوسف من أتباع التابعين وهو يحكى إجماع أهل عصره على حرمة مناكحة المجوس وذبائحهم. وأيضا فإن أقوى ما جاء فى كون المجوس ملحقا بأهل الكتاب إنما هو ما روى عن على كرم الله تعالى وجهه وقد نص على نفسه بأن النبى مد ليم ألحقهم بهم فى أخذ الخراج فحسب وحرم مناكحتهم وذبائحهم لشركهم وروى الحسن بن محمد وهو ثقة فقيه من آل على بن أبى طالب أبوه ابن الحنفية ((أن رسول الله عَّ ◌ُّ- صالح مجوس أهل هجر على أن يأخذ منهم الجزية غير مستحل مناكحة نساءهم، ولا أكل ذبائحهم))، كما ذكرناه فى المتن فلا وجه للقول بحل شىء من ذلك أصلا. قال الإمام أبو يوسف فى "الخراج" له: ٤ بيان من توضع عليه الجزية إعلاء السنن وإذا وقعت المجوسية فى سهم رجل فلا يحل له وطئها قد كره ذلك غير واحد من الفقهاء مع ما جاء عن النبى عّ لّه فى مناكحة المجوس ثم أسند ذلك عن الحسن بن محمد وعن أبى سلمة بن عبد الرحمن وعبد الله بن مسعود، وإبراهيم النخعى بأسانيد صحاح وحسان (ص ٢٤٥). إكراه المسبية على الإسلام: وقال إبراهيم: إذا سبيت المجوسيات وعبدة الأوثان عرض عليهن الإسلام وأجبرن عليه، ووطئن. واستخدمن، فإن أبين أن يسلمن استخدمن ولم يوطئن اهـ. ومما يدل على أنهم ليسوا أهل كتاب أن النبى معَّه كتب إلى صاحب الروم: يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم. و کتب إلی کسری ولم ينسبه إلى كتاب وروى فى قوله تعالى: ﴿الم غلبت الروم فى أدنى الأرض﴾ أن المسلمين أحبوا غلبة الروم لأنهم أهل كتاب وأحبت قريش غلبة فارس لأنهم جميعا ليسوا بأهل كتاب فخاطرهم أبو بكر رضى الله تعالى عنه. والقصة فى ذلك مشهورة قاله الجصاص فى "الأحكام" له (٣٢٧:٢): وقصة مخاطرة قريش وأبى بكر أخرجها الترمذى فى "جامعه"، وقال: حسن صحيح (٥٠:٢). معنى قول عمر: فرقوا بين كل ذى رحم من المجوس: قلت: وأما قول عمر فى الحديث الذى بدأنا به الباب: فرقوا بين كل ذى محرم من المجوس فقهه قال الخطابي: أراد عمر بالتفرقة بين المحارم من المجوس منعهم من إظهار ذلك وإفشاء عقودهم به، وهو كما شرط على النصارى أن لا يظهروا صليبهم، وقال الحافظ فى "الفتح": قد روى سعيد ابن منصور من وجه آخر عن بجالة ما يبين سبب ذلك ولفظه: أن فرقوا بين المجوس وبين محارمهم كيما نلحقهم بأهل الكتاب فهذا يدل على أن ذلك عند عمر شرط فى قبول الجزية منهم اهـ (١٨٥:٦). وقال أبو عبيد فى "الأموال": "ولا أرى عمر كتب إلى جزء بن معاوية بما كتب من نهيهم عن الزمزمة والتفريق بينهم وبين حرائمهم، إلا قبل أن يحدثه عبد الرحمن بن عوف بالحديث. فلما وجد الأثر عن رسول الله عَّ اتبعه ولم يسأل عما وراء ذلك حتى أخذها أيضا من مجوس فارس ولم يكتب فى أمرهم بتفريق ولا نهى عن زمزمة وقد احتج بالاتباع فى أمرهم غير واحد من العلماء" اهـ (ص٣٦). قلت: والظاهر عندى أن عمر کتب بذلك بعد ما حدثه عبد الرحمن بالحديث ولو كان كتبه قبل أن يسمع الأثر لأمر بهدم بيوت النيران أولا فإن ذلك أشد تأثيرًا فى الإلحاق بأهل الكتاب ٤٧١ ج - ١٢ بيان من توضع عليه الجزية ٤١٤٦- عن جبير بن حبة قال المغيرة بن شعبة لجند كسرى يوم نهاوند: ((أمرنا نبينا رسول ربنا أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده أو تؤدوا الجزية)). أخرجه الإمام البخارى فى صحيحه فى حديث طويل (فتح البارى). ٤١٤٧- عن جعفر بن محمد عن أبيه أن عمر بن الخطاب "قال: لا أدرى ما أصنع بالمجوس؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: أشهد لسمعت رسول الله عَ ليه يقول: من التفريق بين المحارم وترك الزمزمة، وأولى وأقدم وكيف يلحقهم بأهل الكتاب ويتركهم يعبدون النار؟ ولكنه لما سمع حديث رسول الله عَّ له سنوا بهم سنة أهل الكتاب تركهم وما يدينون ونهاهم عن إظهار شعائر دينهم فى بلاد المسلمين. كما نهى النصارى عن إظهار الصليب بين ظهرانيهم ولم يفرق بينهم وبين محارمهم فى أرض فارس، ولا نهى عن زمزمة لكون المسلمين لم یسکنوا هنالك فى عهده إلا القليل. ويؤيد ما قاله الخطابى ما رواه أبو يوسف فى "الخراج" حدثنى شيخ من علماء البصرة عن عوف بن أبى جميلة (هو الأعرابى ثقة مأمون من رجال الجماعة) قال: " كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدى بن أرطاة كتابا يقرأه على منبر البصرة: أما بعد! فاسأل الحسن بن أبى الحسن (هو الإمام الحسن البصرى) ما منع من قبلنا من الأئمة أن يحولوا بين المجوس وبين ما يجمعون من النساء اللاتى لم يجمعهن أحد من أهل الملل غيرهم، فسأل عدى الحسن فأخبره أن رسول الله معدّ لآه قد قبل من مجوس أهل البحرين الجزية، وأقرهم على مجوسيتهم وعامل رسول الله عَ ليه العلاء بن الحضرمى ثم أقرهم أبو بكر ثم أقرهم عمر بعد أبى بكر وأقرهم عثمان بعد عمر اهـ" (ص١٥٦). وأخرجه أبو عبيد فى "الأموال": حدثنا حجاج عن حماد بن سلمة عن حميد بن عبد الرحمن " قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى الحسن قذكره نحوه قال فكتب إليه الحسن أما بعد! فإنك متبع ولست بمبتدع والسلام". وهذا سند حسن. فثبت بذلك أن عمر رضى الله عنه كان قد أقرهم على مجوسيتهم يجمعون من النساء اللاتى لم يجمعهن أحد من أهل الملل غيرهم. وإنما نهاهم عن إفشاء عقودهم به فى بلاد المسلمين بين ظهرانيهم، كما قال الخطابى، ولم يتقدم إليهم رسول الله عَ ليه، ولا أبو بكر بذلك لكون المسلمين إذ ذلك أقلاء بالبحرين وهجر، فافهم. قوله: "عن جبير بن حبه إلخ". دلالته على أخذ الجزية من المجوس ظاهرة. قوله: "عن جعفر بن محمد إلخ". دلالته على ما دل عليه ما قبله ظاهرة، وقول عمر: ما أصنع بالمجوس وليسوا أهل كتاب؟ وكذا قول رسول الله مرّ له: ((سنوا بهم سنة أهل الكتاب)) فيه ٤٧٢ بیان من توضع علیه الجزية إعلاء السنن سنوا بهم سنة أهل الكتاب". رواه مالك فى الموطأ وهذا منقطع مع ثقة رجاله. ورواه ابن المنذر والدارقطنى فى "الغرائب" من طريق أبى على الحنفى عن مالك فزاد فيه عن جده وفى آخره قال مالك فى الجزية وهو منقطع أيضا. إلا أن يكون الضمير فى عن جده على محمد بن على فيكون متصلا لأن جده الحسين بن على سمع من عمر بن الخطاب ومن عبد الرحمن بن عوف وله شاهد من حديث مسلم بن العلاء بن الحضرمى أخرجه الطبرانى فى آخر حديث بلفظ سنوا بالمجوس سنة أهل الكتاب (فتح البارى). قلت: وأبو على الحنفى وثقه الدار قطنى وابن عبد البر، وقال: هذا حديث منقطع ولكن معناه يتصل من وجوه حسان اهـ (زيلعى)، وأخرجه أبو عبيد فى "الأموال" عن يحيى بن سعيد عن جعفر بن محمد عن أبيه "قال: قال عمر: ما أدرى ما أصنع بالمجوس؟ وليسوا أهل كتاب" فذكر نحوه ورجاله ثقات. ٤١٤٨- عن عمرو بن عوف ((أن رسول الله عَّه بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتى بجزيتها وكان رسول الله عّ لّه صالح أهل البحرين وأمر عليهم العلاء بن الحضرمى)) متفق عليه. ٤١٤٩- وعن الزهرى قال: ((قبل رسول الله عّ لّه الجزية من أهل البحرين وكانوا مجوسا)) رواه أبو عبيد فى "الأموال" (نيل الأوطار)، ولم يعل حديث الزهرى إلا بالإرسال قال: وقد تقدم له شاهد أول الباب. دلالة على أن المجوس ليسوا أهل كتاب. قال الحافظ فى "الفتح": لكن روى الشافعى وعبد الرزاق وغيرهما بإسناد حسن، عن على كان المجوس أهل كتاب فذكر ما تقدم ذكره، وقد عرفت أن حديث على لا يدل على أنهم الآن من أهل الكتاب بل يدل على إلحاقهم بهم فى حكم الجزية فقط؛ لما قد كان لهم کتاب فيما مضى. قوله: "عن عمرو بن عوف إلخ" دلالته على ما دل عليه ما قبله ظاهرة ومرسل الزهرى رواه أبو عبيد فى "الأموال" مفصلا (ص٣٣) حدثنا سعيد بن عفير عن يحيى بن أيوب (هو الغافقى المصرى) عن يونس عن ابن شهاب ((قال: أول من أعطى الجزية من أهل الكتاب أهل نجران فيما بلغنا، وكانوا نصارى، وقبل رسول الله عَّه الجزية من أهل البحرين وكانوا مجوسًا، ثم أدى أهل أيلة وأهل أذرح إلى رسول الله عَّ ◌ُّ الجزية فى غزوة تبوك، ثم بعث خالد بن الوليد إلى أهل دومة ج - ١٢ بیان من توضع علیه الجزية ٤٧٣ ٤١٥٠- حدثنا الأشجعى وعبد الرحمن بن مهدى عن سفيان عن قيس بن مسلم عن الحسن بن محمد بن على بن أبى طالب قال: ((كتب رسول الله عَّ ◌ُلّه إلى مجوس هجر يدعوهم إلى الإسلام فمن أسلم قبل منه ومن لا ضربت عليه الجزية فى أن لا تؤكل له ذبيحة ولا تنكح له امرأة)). رواه أبو عبيد فى "الأموال"، وهو مرسل صحيح، وأخرجه أبو يوسف فى "الخراج" بلفظ ((صالح رسول الله عَ ◌ّ مجوس أهل هجر على أن يأخذ منهم الجزية غير مستحل مناكحة نساءهم ولا أكل ذبائحهم)). رواه عن قيس ابن الربیع الأسدی عن قيس بن مسلم الجدلی عنه، وهذا حسن مع إرساله. الجندل فأسروا رئيسهم أكيدر، فبايعوه على الجزية)). وهذا مرسل صحيح. قوله: " حدثنا الأشجعى إلخ". دلالته على حرمة مناكحة المجوس وأكل ذبائحهم ظاهرة. وقد مر الكلام فيه مستوفى قال الموفق فى "المغنى": وليس للمجوس كتاب، ولا تحل ذبائحهم، ولا نكاح نساءهم، نص عليه أحمد، وهو قول عامة العلماء إلا أبا ثور، فإنه أباح ذلك لقول النبى عرُّله: ((سنوا بهم سنة أهل الكتاب))، ولأنه يروى أن حذيفة تزوج مجوسية ولأنهم يقرون بالجزية فأشبهوا اليهود والنصارى. ولنا قول الله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات﴾ وقوله تعالى: ﴿ولا تمكسوا بعصم الكوافر﴾ فرخص من ذلك فى أهل الكتاب فمن عداهم يبقى على العموم، ولم يثبت أن للمجوس كتاباً وسئل أحمد أ يصح عن على أن للمجوس كتابا؟ فقال: هذا باطل واستعظمه جدًا، ولو ثبت أن لهم كتابا فقد بينا أن حكم أهل الكتاب لا يثبت لغير أهل الكتابين، وقوله عرّ له: ((سنوا بهم سنة أهل الكتاب)) دليل على أن لا كتاب لهم وإنما أراد به النبى معَّ له فى حقن دماءهم، وإقرارهم بالجزية لا غير وذلك أنهم لما كانت لهم شبهة كتاب غلب ذلك فى تحريم دماءهم، فيجب أن يغلب حكم التحريم لنسائهم وذبائحهم. فإننا إذا غلبنا الشبهة فى التحريم، فتغليب الدليل الذى عارضته الشبهة فى التحريم أولى. لم يثبت أن حذيفة تزوج مجوسية: ولم يثبت أن حذيفة تزوج مجوسية. وضعف أحمد رواية من روى عن حذيفة أنه تزوج مجوسية، وكان أبو وائل يقول: تزوج يهودية وهو أوثق ممن روى عنه أنه تزوج مجوسية. وقال ابن سيرين: كانت امرأة حذيفة نصرانية، ومع تعارض الروايات لا يثبت حكم إحداهن إلا بترجیح، على أنه لو ثبت ذلك عن حذيفة فلا يجوز الاحتجاج به مع مخالفة الکتاب وقول سائر العلماء إلخ (٥٠٢:٧ و٥٠٣). وأثر حذيفة أخرجه الجصاص فى "أحكام القرآن" له من طريق أبى ٤٧٤ بيان من توضع عليه الجزية إعلاء السنن ٤١٥١- مالك عن ابن شهاب ((قال: بلغنى أن رسول الله عَّ له أخذ الجزية من مجوس البحرين وأن عمر بن الخطاب أخذها من مجوس فارس وأن عثمان بن عفان أخذها من البربر))، رواه مالك فى "الموطأ"، وهو مرسل صحيح، ووصله الحسين بن أبى كبشة، عن عبد الرحمن بن مهدى عن مالك عن الزهرى عن السائب بن يزيد أن النبى عَّ فذكره، رواه الدارقطنى فى "غرائب ملك"، والطبرانى فى "معجمه" (زيلعى)، وابن أبى كبشة هو الحسين بن سلمة بن إسماعيل بن يزيد بن أبى كبشة، روى عنه الترمذى وابن ماجة وابن خزيمة وابن صاعد وغيرهم، قال أبو حاتم: صدوق، وقال الدار قطنى: ثقة، وذكره ابن حبان فى "الثقات" (تهذيب). والحكم للرافع والواصل، كما مر فى "المقدمة". ٤١٥٢- حدثنا قبيصة عن سفيان عن منصور عن أبى رزين عن أبى موسى الأشعرى قال: "لولا أنى رأيت أصحابى يأخذون منهم الجزية ما أخذتها يعنى المجوس". رواه أبو عبيد فى الأموال، وسنده صحيح، وأبو رزين هو مسعود بن مالك الأسدى الكوفى ثقة من الثانية، روى له الخمسة (تقريب). ٤١٥٣- حدثنا يحيى بن زكريا بن أبى زائدة عن مجالد بن سعيد عن الشعبى، عبيدة قال: حدثنا محمد بن يزيد عن الصلت بن بهرام عن شقيق بن سلمة قال: تزوج حذيفة بيهودية، فكتب إليه عمر أن خل سبيلها فكتب إليه حذيفة أ حرام هى؟ فكتب إليه عمر: لا، ولکنی أخاف أن تواقعوا المومسات منهن قال أبو عبيد يعنى العواهر)) (٣٢٤:٢). قوله: "مالك عن ابن شهاب إلخ" دلالته على أخذ الجزية من كفار العجم سواء كانوا أهل كتاب، أو عبدة الأوثان ظاهرة، فإن البربر ليسوا من أهل الكتاب ولا ممن يلحق بهم ومن ادعى غير ذلك فعليه البيان. وقد أخذ عثمان رضى الله عنه الجزية عنهم، ولم ينكر عليه منكر فكان إجماعًا. قوله: "حدثنا قبيصة إلخ" دلالته على أخذ الجزية من المجوس وعلى أنهم ليسوا من أهل الكتاب ظاهرة. فقد بين أبو موسى رضى الله عنه أنه إنما أخذ الجزية منهم اتباعًا لأصحابه، ولو كانوا من أهل الكتاب لأخذها منهم اتباعًا للنص، فافهم. قوله: "حدثنا يحيى بن زكريا بن أبى زائدة إلخ" دلالته على أخذ الجزية من المجوس ظاهرة. وكان ذلك فى حياة أبى بكر رضى الله عنه، وكأنه لم يشكل عليه من أمرهم ما أشكل على ج - ١٢ بیان من توضع علیه الجزية ٤٧٥ أن أبا بكر بعث خالد بن الوليد وأمره أن يسير حتى ينزل الحيرة، ثم يمضى إلى الشام فسار خالد حتى نزل الحيرة قال الشعبى: فأخرج إلى ابن بقيلة كتاب خالد بن الوليد: "بسم الله الرحمن الرحيم من خالد بن الوليد إلى مرازبة فارس! السلام على من اتبع الهدى، فإنى أحمد الله الذى لا إله إلا هو أما بعد؛ فالحمد لله الذى فض خدمتكم وفرق كلمتكم ووهن بأسكم وسلب ملككم، فإذا أتاكم كتابى هذا فاعتقدوا منى الذمة، وأجبوا إلى الجزية، وابعثوا إلى بالرهن، وإلا فو الله الذى لا إله إلا هو لألقينكم بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة، والسلام". رواه أبو عبيد فى "الأموال". وسنده حسن فإن مجالدا قد وثقه بعضهم. وأخرجه أبو يوسف فى" الخراج" له عن محمد بن إسحاق وغيره من أهل العلم بالفتوح والطبرى فى "التاريخ" عن السرى عن شعيب عن سيف عن محمد بن عبد الله عن أبى عثمان عن ابن مكنف، وطلحة عن المغيرة وسفيان عن ماهان، وعن شعيب عن سيف عن مجالد بمثله، وتعدد الطرق يفيد قوة. ٤١٥٤- عن أنس ((أن النبى ◌ّه بعث خالد بن الوليد إلى أكيدر دومة فأخذوه، فأتوا به فحقن دمه وصالحه علی الجزیة)). رواه أبو دادو، وسكت عنه هو والمنذری، ورجال إسناده ثقات، وفيه عنعنة محمد بن إسحاق (نيل). ٤١٥٥- حدثنى سعيد بن أبى مريم حدثنا السرى بن يحيى عن حميد بن هلال "أن خالد بن الوليد غزا أهل الحيرة بعد وفاة رسول الله عّ لّ فصالح أهل الحيرة، ولم يقاتلوا". رواه أبو عبيد فى "الأموال"، وسنده مرسل صحيح. عمر رضى الله عنه، فإما أن يكون قد سمع النبى عّ لّه ما كان سمعه منه عبد الرحمن بن عوف، أو كان لفظ أوتوا الكتاب فى قوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله وباليوم الآخر ولا يخرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾، لا مفهوم له عنده لكونه مرّ ◌ُّه أخذ الجزية من مجوس البحرين وهجر. قوله: "عن أنس إلخ" قال صاحب "المنتقى": "وهو دليل على أنها أى الجزية لا تختص بالعجم لأن أكيدر دومة عربى من غسان اهـ". قلت: نعم، ولكنه كان نصرانيا، ونحن نقول: بأخذ الجزية من أهل الكتاب، عربا كانوا أو عجما، فافهم. قوله: "حدثنى سعيد بن أبى مريم إلخ" دلالته على ما دل عليه ما قبله ظاهرة قال أبو عبيد: ٤٧٦ بيان من توضع عليه الجزية إعلاء السنن ٤١٥٦- عن ابن عباس قال: " كانت المرأة تكون مقلاة فتجعل على نفسها إن عاش لها ولدان تهوده، فلما أجليت بنوا النضير كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالوا: لا ندع أبناءنا، فأنزل الله عز وجل ﴿لا إكراه فى الدين﴾. رواه أبو داود من ثلاث طرق، والنسائى من طريقين، وجميع رجاله لا مطعن فيهم (نيل الأوطار). فقد قبل رسول الله عّ لّه الجزية من أهل اليمن، وهم عرب إذ كانوا أهل كتاب وقبلها من أهل نجران، وهم نصارى، وهم من بنى الحرث بن كعب وكتب إلى الحرث بن عبد كلال، ونعيم بن عبد كلال وشريح بن عبد كلال قيل ذى رعين ومعافر وهمدان يعرض عليهم الجزية إن أبوا الإسلام، وكتب بذلك إلى أسد عمان من أهل البحرين، وقد قبلها أبو بكر من أهل الحيرة، وهم أخلاط من أفناء العرب من تميم، وطىء، وغسان، وتنوح، وغير ذلك، أخبرنيه ابن الكلبى وغيره، وقد فعل ذلك عمر ببنى تغلب اهـ ملخصا (ص٢٧ و ٢٨)، فدل على جواز أخذ الجزية من أهل الكتاب عربا كانوا أو عجما، ودل على أن العربى الوثنى إذا تنصر أو تهود كان حكمه حكم أهل الکتاب، خلافا للشافعى رحمه الله، کما سیأتی. قوله: "عن ابن عباس إلخ" قال الشوكانى فى "النيل": " فيه دليل على أنه إذا اختار الوثنى الدخول فى اليهودية أو النصرانية جاز تقريره على ذلك، بشرط أن يلتزم بما وضعه المسلمون على أهل الذمة اهـ". وفى "نوادر الفقهاء" لابن بنت نعيم: "أجمع العلماء أن ذبيحة الكتابى مطلقا حلال للمسلم، إلا الشافعى، فإنه لم يجز إلا ذبيحة من دان هو أو واحد من آبائه بذلك الدين قبل نزول الفرقان، وأما بعد نزوله فإن ذبيحته لا تحل للمسلم وفى "أحكام القرآن" للطحاوى: قال الشافعى: من دان بدين النصرانية أو اليهودية بعد نزول الفرقان، فليس من أهلها، ولا يقر عليها، ولا تو کل ذبيحته ولا يحل نكاحه، ولم یفرق فی سبب نزول ﴿لا إكراه فی الدین﴾ بین من دان منهم باليهودية قبل نزول الفرقان وبعده فدل على استواء الحكم، وقد روينا عن ابن عباس قال: كلوا من ذبائح بنى تغلب وتزوجوا من نسائهم، فإنه تعالى يقول: ﴿ومن يتولهم منكم فإنه منهم﴾ ولم يفرق أيضا بين من تولاهم قبل نزوله وبعده اهـ من "الجوهر النقى" (٣٠٨:٢ و٣٠٩). قلت: وقد ذكر الطبرانى رحمه الله فى تفسيره حجة الشافعى رحمه الله تعالى -ثم بين ضعفها- وقال: فأما قول الذى قال عنى بذلك نساء بنى إسرائيل الكتابيات منهن خاصة، فقول لا يوجب التشاغل بالبيان عنه لشذوذه والخروج عما عليه علماء الأمة من تحليل نساء جميع اليهود والنصارى، وكان إجماعًا من الحجة إحلال ذبيحة كل نصرانى ويهودبى، إن انتحل دين النصارى ج - ١٢ بيان من توضع عليه الجزية ٤٧٧ ٤١٥٧- حدثنا سعد بن عفير حدثنا ابن أيوب عن يونس بن يزيد الأيلى، قال: سألت ابن شهاب هل قبل رسول الله عّ لّه من أحد من أهل الأوثان من العرب الجزية؟ فقال: مضت السنة أن يقبل ممن كان من أهل الكتاب من اليهود والنصارى من العرب أو اليهود فأحل ما أحلوا وحرم ما حرموا من بنى إسرائيل كان أو من غيرهم اهـ ملخصا (٦٦:٦ و٦٩). ويطلب البسط فى "كتاب النكاح والذبائح". وعندى أن حجة الشافعى فى ذلك كون الأنبياء قبل نبينا مَّه يبعثون إلى أقوام معلومة، . ولم تكن بعثتهم عامة كبعثة نبينا مَّ، فأهل التوراة وأهل الإنجيل هم بنو إسرائيل خاصة دون من انتحل دين اليهود والنصارى من غيرهم، ولكن ثبت عن النبى مرّ لله أنه عد النجاشى وهرقل والمقوقس، ومن تبعهم من أهل الكتاب، ولم يكونوا من بنى إسرائيل، وإذا كان كذلك فكل من انتحل دين اليهود والنصارى، فله حكمهم، كما قاله الجمهور، والله تعالى أعلم. وكذلك قال لعدى بن حاتم: ألست ركوسيا وهم صنف من النصارى، ولم يسأله عما انتحل من دينهم قبل نزول الفرقان أو بعده ونسبه إلى فرقة منهم من غير مسألة، وكذلك أخذ الجزية من نصارى العرب كأهل نجران ودومة فرقة منهم من غير مسألة، عما انتحلوه من دين النصارى، أ كان قبل نزول الفرقان أو بعده فدل على أن لا فرق فى ذلك بين من انتحل ذلك قبله، أو بعده. وسيأتى ما يدل على ما ذهبنا إليه فى الباب الآتى. قوله: "حدثنا سعد بن عفير إلخ" دلالته على قبول الجزية من نصارى العرب ويهودهم ظاهرة. وفيه دليل على عدم قبولها من عبدة الأوثان من العرب، فإن السؤال كان عنهم فأجاب الزهرى بأن قد مضت السنة بقبولها من نصارى العرب ويهودها أى ولا يقبل من عبدة الأوثان منهم، وسيأتى ما يدل على ذلك صريحا فانتظر. وبعد ذلك فلنذكر مذاهب العلماء فى الباب. قال فى "الهداية": "وتوضع الجزية على أهل الكتاب والمجوس وعبدة الأوثان من العجم، ولا توضع على عبدة الأوثان من العرب ولا المرتدين اهـ". وأطلق فى أهل الكتاب فشمل أهل الكتاب من العرب، والعجم وكذلك المجوس، كذا يظهر من كلام المحقق فى "الفتح" (٢٩١:٥). وأصرح منه ما فى "الدر المختار" " وتوضع على كتابى ومجوسى ولو عربيا لوضعه عليه السلام على مجوس هجر، ووثنی عجمی لجواز استرقاقه فجاز ضرب الجزیة علیه، لا على وثنی عربی ومرتد، فلا يقبل منهما إلا الإسلام أو السيف" اهـ (٤١٤:٣ مع الشامية)، وقال الإمام أبو يوسف فى "الخراج" له: وجميع أهل الشرك من المجوس وعبدة الأوثان وعبدة النيران والصائبين والسامرة تؤخذ منهم الجزية ٤٧٨ بيان من توضع علیه الجزية إعلاء السنن الجزية، وذلك لأنهم منهم وإليهم)). رواه أبو عبيد فى "الأموال" (ص٢٦ رقم ٢٣)، وهو مرسل صحيح. ما خلا أهل الردة من أهل الإسلام وأهل الأوثان من العرب، فإن الحكم فيهم أن يعرض عليهم الإسلام فإن أسلموا وإلا قتل الرجال منهم وسبى النساء والصبيان (ص١٥٤). وهذا كله صريح فى أنه لا يستثنى من الجزية غير أهل الأوثان من العرب وأهل الردة. وأما أهل الكتاب من العرب، وكذا المجوس منهم فلا بل تقبل منهم، كما تقبل من أهل الكتاب، والمجوس من العجم. وقال الموفق فى "المغنى": "إن أخذ الجزية من أهل الكتاب والمجوس ثابت بالإجماع لا نعلم فى هذا خلافا فإن الصحابة رضى الله عنهم أجمعوا على ذلك وعمل به الخلفاء الراشدون ومن بعدهم إلى زمننا هذا من غير نكير ولا مخالف وبه يقول أهل العلم من أهل الحجاز والعراق، والشام، ومصر وغيرهم مع دلالة الكتاب على أخذ الجزية من المجوس بما روينا (فذكر بعض ما ذكرناه فى المتن) ولا فرق بين كونهم عجما أو عربا، وبهذا قال مالك والشافعى وأبو ثور وابن المنذر، وقال أبو يوسف: لا تؤخذ الجزية من العرب لأنهم شرفوا بكونهم من رهط النبى (عَ ليهاهـ". (٥٧١:١٠). وقال الحافظ فى "الفتح": "وفرق الحنفية فقالوا: تؤخذ من مجوس العجم دون مجوس العرب، وحكى الطحاوى عنهم تقبل الجزية من أهل الكتاب من جميع كفار العجم، ولا يقبل من مشر كى العرب (أى عبدة الأوثان منهم) إلا الإسلام أو السيف، وعن مالك تقبل من جميع الكفار إلا من ارتد، وبه قال الأوزاعى وفقهاء الشام اهـ (١٨٤:٦). قلت: مذهب الحنفية فى الباب ما نبهتك عليه أولا وما عزاه الموفق إلى أبى يوسف والحافظ إلى الحنفية لعله رواية فى المذهب والله تعالى أعلم. وقال الشافعى: لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب والمجوس أى ولا تقبل من غيرهم من المشركين عربا كانوا أو عجما. وهو ظاهر مذهبه. وروى عنه الحسن بن ثواب مثل قولنا: إنها تقبل من جميع الكفار، إلا عبدة الأوثان من العرب، کذا فى "المغنى" (٥٧٣:١٠). واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ وقول النبى عرّ له: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله)). وهذا عام خص منه أهل الكتاب بالآية والمجوس بالسنة فمن عداهم من الكفار يبقى على قضية العموم. قلنا: فهل تقولون بوجوب قتل المشركين كافة، عربا كانوا أو عجما أو يسلموا؟ كلا والله لن تقولوا بذلك أبدًا فالآية خاصة بالمشرك الذى يتحتم قتله ولا يسقط إلا بعلة واحدة - وهى ج - ١٢ ٤٧٩ باب لا توضع الجزية على عبدة الأوثان من العرب ولا على أهل الردة ولا يسترقون إلا الذرارى والنساء ولا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف قال الله تعالى: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم، فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم، إن الله غفور رحيم﴾ (سورة البراءة). الإسلام- بخلاف الوثنى العجمى فلا يتحتم قتله اتفاقًا بيننا وبينكم بل يجوز استرقاقه ويسقط قتله بعلة أخرى سوى الإسلام -وهى الاسترقاق- وعليه يحمل قوله عّ له: ((أمرت أن أقاتل الناس إلى آخره)) وقد تقدم فى باب الدعوة قبل القتال حديث بريدة ((إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال -وفيه- فإن هم أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية)) ولفظ المشركين عام لكل مشرك فدل على جواز أخذ الجزية من كل كافر، وخصصناه بغير الوثنى العربى بدليل ما سيأتى. قال النووى فى شرح مسلم: هذا مما يستدل به مالك والأوزاعى وموافقهما فى جواز أخذ الجزية من كل كافر عربيا كان أو عجميا كتابيا أو مجوسيا وغيرهما. وذكر الخطابى هذا الحديث فى المعالم ثم قال: ظاهره موجب قبول الجزية من كل مشرك كتابى أو غير كتابى من عبدة الشمس والنيران والأوثان انتهى كلامه. وقوله عرّ ◌ُلّه فى المجوس: ((سنوا بهم سنة أهل الكتاب)) نص فى أنهم ليسوا أهل كتاب، ويدل على أن الجزية تؤخذ من غير أهل الكتاب لكونهم فى معناهم، كذا فى "الجوهر النقي" (٢٠٨:٢) ملخصا. باب لا توضع الجزية على عبدة الأوثان من العرب ولا علی أهل الردة ولا يسترقون إلا الذرارى والنساء ولا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف قوله: "قال الله تعالى: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم) الآية. هذا ما احتج به الشافعى رحمه الله، ومن وافقه على عدم قبول الجزية من عبدة الأوثان مطلقا عربا كانوا أو عجما. وخصصناه بأهل الأوثان من العرب لكون الله تعالى أمرنا فى هذه الآية بقتل المشركين حتى يتوبوا والأمر للوجوب، فلا بد من حملها على المشرك الذى يتحتم قتله أو يسلم وليس الوثنى العجمى، كذلك لجواز استرقاقه إجماعًا فإذن ليس المشرك الذى يتحتم علينا قتله ولا يسقط إلا بالإسلام غير الوثنى العربى، ولو قلنا: بجواز استرقاقه أيضا، لزم إبطال مقتضى الأمر الذى هو الوجوب، ونسخ قوله: فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ رأسًا ولا قائل بنسخه، وتذكر ما أسلفناه عن "الجوهر 1 ٤٨٠ حكم عبدة الأوثان من العرب وأهل الردّة إعلاء السنن ٤١٥٨- عن أبى هريرة عن رسول الله عّ لّه قال: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بى وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقه وحسابهم على الله))، رواه مسلم فى "صحيحه" (١٣٧:١). ٤١٥٩- حدثنا هشيم حدثنا يونس بن عبيد عن الحسن، قال: ((أمر رسول الله عَ لّه أن يقاتل العرب على الإسلام ولا يقبل منهم غيره وأمر أن يقاتل أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون))، رواه أبو عبيد فى "الأموال" (ص٢٦ رقم ٦٢)، وهو مرسل صحيح. ٤١٦٠- حدثنا عمرو الناقد أخبرنا عن عبد الله بن وهب المصرى عن يونس بن يزيد عن ابن شهاب الزهرى قال: أنزلت فى كفار قريش والعرب ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله﴾ وأن لت فى أهل الكتاب ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾ -إلى قوله :- ﴿صاغرون﴾ الحديث، رواه البلاذرى فى "فتوح البلدان " (ص٧٥)، وهذا مرسل صحيح. ٤١٦١٠- حدثنا حجاج عن ابن جريج، فى قوله تعالى: ﴿فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب)، قال: مشركى العرب، يقول: فضرب الرقاب حتى يقولوا: لا إله إلا النقى" فى آخر الباب السابق. قوله: "عن أبى هريرة إلخ". دل الحديث على أن من الناس من لا يعصم دمه وماله إلا الإسلام، وليس الوثنى العجمى لجواز استرقاقه بالإجماع، فليس هو إلا العربى الوثنى لأن رسول الله عَ لّه يأخذ من أهل الأوثان من العرب جزية قط مع قبوله إياها من أهل الأوثان غيرهم سيأتى. قوله: "حدثنا هشيم، وحدثنا عمرو الناقد إلخ". قلت: هذا كالتفسير للحديث الذى مر ذكره آنفا، وبه تبين أن الذين أمر النبى عّ لّه بقتالهم حتى يقولوا: لا إله إلا الله ويسلموا، لا يعصم دماءهم وأموالهم إلا ذلك هم أهل الأوثان من العرب، وأما أهل الكتاب عربا كانوا أو عجما، فأمر بقتالهم حتى يعطوا الجزية صاغرين وبتخصيص العرب خرج أهل الأوثان من العجم، فحكمهم كحكم أهل الكتاب. قوله: " حدثنا حجاج إلخ". دل الأثر على إجماع أهل التفسير على نزول قوله تعالى: ﴿فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب) الآية فى مشركى العرب خاصةً، ثم اختلف فى حكم الفداء جـ غـ نـ غـ