النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
ج - ١٢
باب لا عشر فى الخارج من أرض الخراج ولا زكاة
٤١٢١- حدثنا يحيى بن بكير عن الليث بن سعد عن عبيد الله بن أبى جعفر،
قال: قال ابن عباس: ما أحب أن يجمع أو قال يجتمع على المسلم صدقة المسلم وجزية
الكافر". رواه أبو عبيد، وهو مرسل صحيح، وعبيد الله بن أبى جعفر من رجال الجماعة
ثقة فقيه وهو مثل يزيد بن حبيب من الخامسة (تقريب ص ١٣٥).
قلت: فإن هدم أحد داره، وجعله مزرعة أو بستانا فعليه العشر، إلا أن يسقى بماء الخراج،
فالخراج، والله أعلم.
باب لا عشر فى الخارج من أرض الخراج ولا زكاة
قوله: " حدثنا يحيى بن بكير إلخ" قلت: هذه مسألة قد أنكرها الناس من أبى حنيفة وطعنوا
عليه لأجلها وسيرى الفقيه الناظر فى كتابنا أنه لم ينفرد بذلك بل له سلف فيه من أجلة الصحابة
والتابعين، فقد قال ابن عباس: ما أحب يجمع أو قال: يجتمع على المسلم صدقة المسلم، وجزية
الكافر. وهذا هو الذى قاله أبو حنيفة رحمه الله تعالى لأن الخراج يجبى كرها والعشر طوعًا، وهما
متنافيان فلا يجتمعان فى أرض واحدة وسبب الحقين واحد، وهو الأرض النامية فى العشر تحقيقا،
وفى الخراج تقديرًا. ولهذا يضافان إلى الأرض. وأوله أبو عبيد رحمه الله على أن ابن عباس إنما كره
للمسلم أن يدخل فى الخراج فيجتمع عليه الحقان اهـ. قلنا: محتمل بعيد والمعنى الذى ذهبنا إليه
أولى لكون عكرمة مولاه قائلا بأن لا يجتمع الخراج والعشر فى مال. والظاهر أنه أخذ ذلك عن ابن
عباس رضى الله عنهما.
والعجب من أبى عبيد كيف يقول بالجمع بين الخراج والعشر على المسلم وهو القائل: "إن
أهل الذمة إذا أسلموا ردت أحكامهم إلى أحكام المسلمين، فكانت أرضوهم أرض عشر، لأنه شرط
رسول الله عَّ وعهده أنه من أسلم فله ما للمسلمين وعليه ما عليهم فإن الإسلام يهدم ما كان
قبله، فكذلك بلادهم إنما يكون عليهم الخراج ما كانوا أهل ذمة فإذا أسلموا وجب عليهم فرض الله
تعالى فى الزكاة، وكانوا كسائر المسلمين اهـ" (ص١٥٦). فكان عليه أن يقول بسقوط الخراج عن
أرض أهل الذمة إذا أسلموا أو ورثها المسلم عن أبيه الكافر أو انتقلت إلى مسلم بالشراء ونحوه،
ولكنه يقول مرة باجتماع الحقين على المسلم، ومرة بوجوب سقوط الخراج عنه. وهل هذا إلا
تهافت. فلا ينبغى حمل كلام ابن عباس إلا على مثل ما حملناه عليه. والله تعالى أعلم.

٤٤٢
لا عشر فى الخارج من أرض الخراج ولا زكاة
إعلاء السنن
٤١٢٢- حدثنى حسن بن ثابت عن أبى طلق عن أبيه عن على رضى الله عنه:
قوله: "حدثنا حسن بن ثابت إلخ".
ترجمة أبى طلق على بن حنظلة:
قلت: أبو طلق هذا هو على بن حنظلة حدث عنه أبو أسامة عند أبى بشر الدولابی فی
الكنى (١٨:٢). وكناه بأبى طلق وروى عنه شرقى بن قطامى وعيسى بن يونس، وقال: أبو طلق
شيخ من عائذ وذكر البخارى فى اسمه اختلافا كثيرا ومال إلى أنه عدى بن حنظلة. قال ابن معين:
إنه مشهور روى له الطيرانى والبزار كذا فى "كشف الأستار" نقلا عن المغانى وجهله ابن
حبان (ص١٢٧). قلت: وكذا سماه السمعانى فى الأنساب عدى بن حنظلة فى نسبة
العائذى (ص٣٧٩). ولم يجرحه بشىء ولكن أبا بشر سماه "على بن حنظلة" بالعين واللام وكذا
ذكره الحافظ فى "الإصابة" فى ترجمة أبيه حنظلة. فقال(١): والد على له إدراك. قال عبد الواحد
ابن زياد الشيبانى عن جبلة بن سحيم عن على بن حنظلة (عن أبيه(٢)) قال: كنا بالمدينة فى شهر
رمضان فظننا أن الشمس غابت فأفطر بعض الناس، ثم طلعت فأمر عمر من كان أفطر أن يقضى
يوما مكانه اهـ" (٦٦:٢). وقال أبو بشر الدولابى: حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة حدثنا أبو أسامة
حدثنا أبو طلق على بن حنظلة قال: حدثنى أبى عن أوس بن ثريب ((قال: أكريت جرير بن عبد الله
فى الحج بعيرًا فقدم على عمر فذكر حديثا طويلا)). والحديث رواه البخارى فى "تاريخه" من
طريقه قال: اكترى منى جرير بن عبد الله بعيرًا فى الحج، فركبه إلى عمر بن الخطاب، كذا فى
"الإصابة" (١١٨:١).
وظن محشی اخراج لابن آدم أن أبا طلق هذا هو عمرو بن حسان التمیمی کوفی یروی عن
وبرة والمغيرة بن عبد الله اليشكرى، وعنه وكيع وأبو نعيم وعبد الله بن داود وغيرهم. وثقه ابن
معين كما فى "تعجيل المنفعة". ولا يصح ذلك عندى لوجهين: الأول ما اعترف به المحشى نفسه أن
الحافظ لم يكنه بأبى طلق، ولا ندرى أن عمرو بن حسان الذى كناه أبو بشر الدولابی بأبى طلق
هو هذا أم غيره.
والثانى: أنه لم يثبت لنا رواية عمرو بن حسان، هذا عن أبيه ولا ندرى أن أباه قد أدرك عليا
(١) وليس هو "حنظلة الأنصارى" إمام مسجد قباء، بل هو آخر غيره، فإن الأنصارى ذكره الحافظ فى القسم الأول من الصحابة
الذين صحبوا النبى معٍَّ. وذكر حنظلة والد على فى القسم الثالث وجبلة يروى عن الأنصارى وعن على بن حنظلة كليهما.
(٢) سقطت هذه اللفظة من نسخة "الإصابة" ولا بد عنها، وإلا لم يثبت إدراك ابنه على وليس ذلك بمراد المؤلف، فافهم.

ج - ١٢
لا عشر فى الخارج من أرض الخراج ولا زكاة
٤٤٣
"أنه كان لا يأخذ من أرض الخراج إلا الخراج". هذا معنى ما أخرجه يحيى بن آدم فى
رضى الله عنه أم لا، بخلاف على بن حنظلة فقد وجدنا ما يدل على رواية أبيه عن الصحابة. فإنه
یروی عن عمرو عن أوس بن ثریب، وله إدراك، کما قدمناه.
(والعجب من محشى الخراج كيف لم يعرف أوس بن ثريب هذا وهو مذكور فى
"الإصابة") والحديث الذى ذكره الدولابى لأبى طلق هذا قد أخرجه البخارى فى "تاريخه"،
ولم يجرحه بشىء، وقد تبين بما ذكرنا صحة قول ابن معين: إن أبا طلق هذا مشهور، وليس
بمجهول. كما قال ابن حبان فقد وجدنا من الرواة عنه جبلة بن سحيم كما فى "الإصابة" وأبا
أسامة، كما فى "الكنى" للدولابى، وأبو أسامة هو حماد بن أسامة الكوفى ثقة، ثبت من التاسعة.
و حسن بن ثابت عند يحيى بن آدم وهو من التاسعة أيضا. وعيسى بن يونس عند الطحاوى، وهو
ثقة مأمون من الثامنة، ومن يروى عنه مثل هؤلاء لا يكون مجهولا قط، وأبوه حنظلة له إدراك،
كما ذكره الحافظ فى "الإصابة"، فالحديث حسن الإسناد صالح للاحتجاج به.
قال يحيى بن آدم: وقال جماعة من أصحابنا(١): ليس على ما أخرجت أرض الخراج العشر،
إنما على الأرض الخراج، وليس فى زرعها، ولا فى ثمارها شىء لمسلم كان أو لغيره قال يحيى:
وحجتهم فى هذا القول أن عتبة بن فرقد قال لعمر رضى الله عنه: ((ضع عن أرضى الصدقة فقال له
عمر: أدّ عنها ما كانت تؤدى أو ارددها إلى أهلها، وأن رجلا قال لعمر: إنى قد أسلمت فضع عن
أرضى الخراج، فقال: إن أرضك أخذت عنوة.
وقول عمر رضى الله عنه فى التى أسلمت من نهر الملك: "إن أدت ما على أرضها،
وإلا فخلوا بين المسلمين وبين أرضهم". وقول على فيمن أسلم من أهل السواد: "إن أقمت بأرضك
تؤدى عنها ما كنت تؤدى وإلا قبضناها منك" وإن الرفيل أسلم فأعطاه عمر أرضه بخراجها،
(قلت: وقد تقدمت الآثار كلها فى المتن فى الأبواب التى تلی هذا الباب)، وليس فى شىء من هذه
الأحاديث إلا الخراج وحده اهـ (ص١٦٨ رقم ٢١٢).
وقال أبو عبيد فى "الأموال"، بعد ما ذكر شيئا من هذه الآثار "فتأول قوم بهذه الأحاديث
أن لا عشر على المسلمين فى أرض الخراج يقولون: لأن عمر وعليا رضى الله عنهما لم يشترطاه
(١) هو أبو حنيفة وأصحابه، وفی قول ابن آدم هذا دلیل علی کونه حنفيًا، ولذا أدرج ووضع کتاب یحیی "اخراج" فى فهرس دار
الكتب المصرية فى فقه الحنفية، ووصف یحیی بأنه حنفی کما ذكره المحشی. قال: ولم نجد أحدا وصفه به. ولا نعلم له دليلا
اهـ. قلت: ولو تأمل وأمعن النظر فى كلامه فى "الخراج" لوجده كما قال القائل: سبوح لها منها عليها شواهد.

٤٤٤
لا عشر فى الخارج من أرض الخراج ولا زكاة
إعلاء السنن
"الخراج" له. وحسن بن ثابت شيخ يحيى من رجال "التهذيب" ثقة.
على الذين أسلموا من الدهاقين، وبهذا كان يفتى أبو حنيفة وأصحابه، ثم أورد عليه وقال: وليس
فى ترك ذكر عمر وعلى العشر دليل على سقوطه عنهم لأن العشر حق واجب على المسلمين فى
أراضيهم لأهل الصدقة لا يحتاج إلى اشتراطها عليهم عند دخولهم فى الأرضين إلى آخر ما قال
وأطال (ص٨٧). ورده المحقق فى "الفتح" بما نصه: فالذى يغلب على الظن، أن الراشدين من عمر
وعثمان وعلى رضوان الله عليهم أجمعين لم يأخذوا العشر من أرض الخراج، وإلا لنقل كما نقل
تفاصيل أخذهم الخراج، بهذا تقضى العادة. وكونهم فوضوا الدفع إلى الملاك فى غاية البعد، أرأيت
إذا كان العشر وظيفة فى الأرض التى وظف فيها الخراج على أهل الكفر هل يقرب أن يتولوا أخذ
وظيفة ويكلوا أخرى إليهم؟ ليس لهذا معنى وكيف وهم كفار لا يؤمنون على أدائه من طيب
أنفسهم وإذا كان الظن عدم أخذ الثلاثة صح دليلا بفعل الصحابة خصوصًا الخلفاء الراشدين
ويكون إجماعاً اهـ (٢٨٧:٥).
وبهذا ظهر الجواب عن قول أبى عبيد: "ألا ترى أن رسول الله عَ لّه قال: من أحيا أرض
ميتة فهى له، ولم يقل على أن يؤدى عنها العشر، وكذلك إقطاعه الأرضين التى أقطعها هو والخلفاء
بعده، لم يأت عنهم ذكر شىء من العشر عند الإقطاع فهل لأحد أن يقول: لا عشر عليه فيها اهـ"
(ص٨٨). فإن الإقطاعات والموات المحياة قد ثبت فيها عن الخلفاء أخذ العشر عملا كما مر فى
إقطاعات أهل الشام عن الأحوص بن حكيم عند ابن عائذ أنها كانت تؤدى العشر وكذا فى
إقطاعات أهل البصرة أن الصحابة وضعوا عليها العشر، وروى مالك عن ربيعة بن أبى عبد الرحمن
عن غير واحد من علمائهم أن رسول الله مرّه قطع لبلال بن الحارث معادن القبلية -وهى فى
ناحية الفرع- قال: فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم أخرجه أبو عبيد نفسه
(ص٣٣٨). وأبو داود ومالك فى "الموطأ" ووصله البزار من طريق الدراوردى عن ربيعة عن
الحارث بن بلال بن الحارث عن أبيه قال محشى "الأموال" (ص٢٧٣). ولم يثبت عنهم أحد
العشر من أرض الخراج لا قولا ولا عملا وإلا لنقل كما تقضى العادة. فالظاهر أنهم لم يأخذوه،
ويؤيد ذلك ما ذكرناه فى المتن من الآثار وأثر على رضى الله عنه هذا الذى نحن بصدده أصرح
شىء فى الباب، والله تعالى أعلم بالصواب.
قال الموفق فى "المغنى": "ما فتح عنوة ووقف على المسلمين، وضرب عليهم خراج معلوم،
فإنه يؤدى الخراج من غلته، وينظر فى باقيها. فإن كان نصابًا ففيه الزكاة إذا كان المسلم، وإن

ج - ١٢
لا عشر فى الخارج من أرض الخراج ولا زكاة
٤٤٥
لم يبلغ نصابا أو بلغ ولم يكن لمسلم فلا زكاة فيه. فإن الزكاة لا تجب على غير المسلمين، وكذلك
الحكم فى كل أرض خراجية. وهذا قول عمر بن عبد العزيز والزهرى ويحيى الأنصارى وربيعة
والأوزاعى ومالك والثورى ومغيرة والليث والحسن بن صالح وابن أبى ليلى وابن المبارك والشافعى
وإسحاق وأبى عبيد. وقال أصحاب الرأى: لا عشر فى الأرض الخراجية. قلت: وبه قال ابن عباس
وعلى رضى الله عنهم، وعكرمة والشعبى والحسن البصرى رحمة الله عليهم وهؤلاء أجل ممن
ذكرهم الموفق). قال: ولنا قول الله تعالى: ﴿ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ وقول النبى عد له:
((فيما سقت السماء العشر)) وغيره من عمومات الأخبار قال ابن مبارك: يقول الله: ﴿و مما
أخرجنا لكم من الأرض﴾ ثم قال: نترك القرآن لقول أبى حنيفة إلخ (٢: ٥٩١).
قلنا: أبو حنيفة أول عامل بتلك العمومات، فإنه أوجب العشر ونصفه فى كل ما أخرجته
الأرض قليلا كان أو كثيرا، وأوجب الصدقة فى الخضروات والبقول والعسل والزيت والزيتون
وتركتم تلك العمومات حيث لم توجبوها فى ما كان أقل من خمسة أوسق أو خضروات ونحوها.
فالعمل بالعموم إنما هو فى ما قاله أبو حنيفة دون ما قلتم. فإنه لفظة ما فى قوله تعالى: ﴿و مما
أخرجنا﴾ وقوله عليه السلام: ((ما سقت السماء)) موضوعة للعموم لغةً وقد قال بوجوب العشر فى
كل ذلك قليلا كان أو كثيرا، ولم تقولوا به وليس قولكم بأن الأرض عامة للعشرية والخراجية من
العمل بالعموم فى الشىء، فإن لفظة الأرض ليست عامة لا لغة ولا شرعًا، وإن سلمنا فهى
مخصوصة إجماعًا بأرض أخرجت الزرع والثمار بعمل صاحبها، أو بعمل غيره فيها فلو كان
الرجل أجمة أو صحرا وقد عطلها، ولم يعمل فيها فعملت الأرض وأنبتت نبتا أو عنبا أو شيئا من
المباح الذى لا يملك إلا بأخذه كالبطم والعفص، والزعبل وهو شعير الجبل وبزر قطونا وبزر البقلة
وحب الثمام والقت وهو بزر الأشنان وأشباهها فلا عشر عليه كما نص عليه الموفق نفسه فى
"المغنى" (٥٥١:٢). ولم يذكر فيه خلافًا فما على أبى حنيفة لو خصصها بالأراضى العشرية دون
الخراجية بقرينة الخطاب للمسلمين؟ وأراضى المسلمين عشرية غالبًا. وأيضا فله أن يقول: إن
الآية آمرة بمطلق الإنفاق لا بخصوص العشر، وإذا كان لمسلم أرض خراجية وأخذ منه الخراج
فقد أنفق مما أخرجت الأرض فمن ادعى وجوب العشر عليه ثانيا فعليه البيان، فإن العشر
وتفاصيله وكذلك الخراج وأحكامه لم يأخذها إلا من السنة ولم يرد فى السنة الجمع بين العشر
والخراج فى أرض واحدة.

٤٤٦
لا عشر فى الخارج من أرض الخراج ولا زكاة
إعلاء السنن
وأما ما احتج به الجمهور من قول عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه: إنه قال فى المسلم
تكون فى يده أرض خراج فيطلب منه العشر فيقول: إنما على الخراج، فقال: الخراج على الأرض
والعشر على الحب رواه أبو عبيد فى "الأموال" عن قبيصة عن سفيان عن عمرو بن ميمون عنه
قال: وحدثنى هشام بن عمار عن يحيى بن حمزة عن إبراهيم بن عبلة العقيلى قال: كتب عمر بن
عبد العزيز إلى عامله على فلسطين فيمن كانت بيده أرض بجزيتها من المسلمين أن يقبض منها
جزيتها، ثم يؤخذ منهما زكاة ما بقى بعد الجزية (ص٨٨). فهذا قول لم نعرفه عن أحد غيره من
الخلفاء ولعله رأى قد رآه، كما هو ظاهر قوله: الخراج على الأرض، والعشر على الحب. والعشر
والخراج كلاهما وظيفة الأرض، ولهذا يضافان إليها. فإن قيل: قد أخرج البيهقى عن يحيى (بن
آدم) ثنا ابن المبارك عن يونس قال: سألت الزهرى عن زكاة الأرض التى عليها الجزية فقال: لم يزل
المسلمون على عهد رسول الله مّ له وبعده يعاملون على الأرض ويستكرونها ويؤدون الزكاة مما
خرج منها فترى هذه الأرض على نحو ذلك. قال الشيخ تقي الدين فى "الإمام" الأول فتوى عمر
ابن عبد العزيز، والثانى فيه إرسال عن النبى معَّ له (زيلعى ٢: ١٥٠). قلنا: ليس فيه إرسال عن
النبى معَّه بل فيه قياس الزهرى أرض الخراج على أرض العشر يدل على ذلك قوله: فنرى هذه
الأرض على نحو ذلك. ولو كان عنده أن الصحابة فى عهد رسول الله معرّ له كانوا يؤدون العشر
من أرض الخراج لم يكن لقوله فنرى إلخ معنى.
وقال صاحب "الهداية": ولأن أحداً من أئمة العدل والجور لم يجمع بينهما وكفى
بإجماعهم حجة. قال الحافظ فى "الدراية": كذا قال: ولا إجماع مع خلاف عمر بن عبد العزيز
والزهرى بل لم يثبت عن غيرهما التصريح بخلافهما اهـ (ص٢٦٨).
قلت: إنما أراد بأئمة العدل والجور من كان قبل عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه من الأئمة
والخلفاء، ولا ريب أنه لم ينقل عنهم الجمع بينهما قط. ولو كان لنقل، كما تقضى العادة، فكان
إجماعًا والإجماع السابق لا يرتفع بخلاف لاحق. وكيف يقول الحافظ: لم يثبت عن غيرهما
التصريح بخلافه؟ وهو القائل قبل ذلك بأسطر فى حديث ابن مسعود عند ابن عدى رفعه بلفظ:
((لا يجتمع على مسلم خراج وعشر)): فيه يحيى بن عنبسة وهو واه، وقال الدارقطنى: كذاب،
وصح هذا الكلام عن الشعبى، وعن عكرمة أخرجها ابن أبى شيبة اهـ (ص٢٦٨)، فإذا صح هذا
الكلام عن الشعبى عكرمة، فقد ثبت عن غيرهما التصريح بخلافهما، والله تعالى أعلم.

ج - ١٢
لا عشر فى الخارج من أرض الخراج ولا زكاة
٤٤٧
٤١٢٣- حدثنا إبراهيم بن المغيرة، ختن لعبد الله بن المبارك عن أبى حمزة
السكرى، عن الشعبى "قال: لا يجتمع خراج وعشر فى أرض". أخرجه ابن أبى شيبة
فى "المصنف" (ص٥٣) وصححه الحافظ فى "الدراية" (ص٢٦٨).
وأصرح منه قول الحسن البصرى وهو مذ کور فی المتن بسند صحيح وقال أبو عبيد: حدثنا
عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح ((أن عمر بن عبد العزيز قال: من أخذ أرضا بجزيتها لم يمنعه
أن يؤدى عشر ما يزرع وإن أعطى الجزية)) (ص٨٩) وهذا بظاهره يدل على الاستحباب دون
الوجوب. وأما ما رواه هشام بن عمارة من أمره عامله بأخذ العشر مع الخراج من المسلم فهشام،
وإن كان من رجال البخارى ولكنه كان يلقن فيتلقن ولا يحدث إلا بأجرة وترجمته مستوفاة فى
"التهذيب" (٥٢:١١ و ٥٣). والذی ثبت عنه وصح إنما هو ما رواه یحیی بن آدم حدثنا هشیم عن
يونس بن عبيد («قال: کتب میمون بن مهران إلی عمر بن عبد العزیز فی مسلم زرع فى أرض ذمی
فكتب إليه عمر خذ من الذمى ما عليه أو قال ما على أرضه وخذ من المسلم مما حصل فى يديه
العشراهـ) (ص١٦٦ رقم ٦٠٩). وهذا ليس مما نحن بسبيله وإنما هو من باب الإجازة إذا استأجر
الرجل أرض غيره وزرعها فالعشر على مالك الأرض أو على المستأجر. فقال أبو حنيفة: على
المالك، وقال صاحباه: على المستأجر وممن كان يذهب إلى استحباب العشر من غير الوجوب الليث
ابن سعد الإمام المصرى. قال أبو عبيد: قال ابن بكير: وكان الليث بن سعد لا يرى العشر واجبا
وكان هو يخرج العشر من أرضه مع الخراج، "كتاب الأموال" (ص٨٩) فقدثبت والحمد لله أن
الإمام أبا حنيفة لم ينفرد بهذا القول بل له سلف فى ذلك، ووافقه عليه أجلة العلماء وممن ذهب إلى
عدم الجمع بين العشر والخراج إبراهيم النخعى فقيه العراق ولسان أصحاب عبد الله. ذكر ابن عدى
فى "الكامل" عن يحيى بن عنبسة حدثنا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله
ابن مسعود رضى الله عنه ((قال: قال رسول الله مرّ له: لا يجتمع على مسلم خراج وعشر)). قال ابن
عدى: يحيى بن عنبسة منكر الحديث وإنما يروى هذا من قول إبراهيم. وقد رواه أبو حنيفة عن
حماد عن إبراهيم قوله، فجاء يحيى بن عنبسة فأبطل فيه، ووصله إلى النبى مرّ لّه ويحيى بن عنبسة
مكشوف الأمر فى ضعفه لروايته عن الثقات الموضوعات "زيلعى" (ص١٤٩).
قوله: "حدثنا إبراهيم بن المغيرة إلخ". قلت: إبراهيم هذا لم أعرف من ترجمه ولكن الحافظ
قد صحح الأثر فى "الدراية" فأغنانا عن الاشتغال به، وأبو حمزة السكرى محمد بن ميمون
المروزى ثقة فاضل من السابعة من رجال الجماعة (ص١٩٧ تق). وصحفه الكاتبون ففى "الزيلعي"

٤٤٨
لا عشر فى الخارج من أرض الخراج ولا زكاة
إعلاء السنن
٤١٢٤- حدثنا أبو تميلة يحيى بن واضح عن أبى المنيب عن عكرمة، قال:
"لا يجتمع خراج وعشر فى مال"، أخرجه أبو بكر بن أبى شيبة فى "المصنف"
(ص٥٣)، وصححه الحافظ فى "الدراية" (ص٢٦٨).
٤١٢٥- وكيع قال: كان أبو حنيفة يقول: "لا يجتمع خراج وزكاة على
رجل"، أخرجه ابن أبى شيبة فى "المصنف" (ص٥٣).
٤١٢٦- قال يحيى بن آدم: وسألت أبا بكر بن عياش عن مسلم استأجر أرضا
بيضاء من أرض الخراج فقال: الخراج على رب الأرض وليس على المسلم المستأجر شىء
فى زرعه، ثم قال: قال الحسن: إنما المستأجر تاجر، فليس عليه عشر. قلت لأبى بكر: من
ذكره عن الحسن؟ قال: بعض أصحابنا من البصريين (الخراج لابن آدم ص١٦٧).
أبو حمزة السكونى (١٤٩:٢). وفى فتح القدير السلولى (٢٧٦:٥)، والصحيح ما فى "المصنف"،
کما ذکرنا.
قوله: "حدثنا أبو تميلة إلخ". أبو تميلة يحيى بن واضح الأنصارى مولاهم المروزى ثقة من
رجال الجماعة من كبار التاسعة (تقريب ص٢٣٧). وأبو المنيب عبيد الله بن عبد الله العتكى
المروزى وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: صالح. وقال عباس بن مصعب: رأى أنسًا وروى عن
جماعة من التابعين وهو ثقة. وقال ابن عدی: لا بأس به، وقال أبو داود: ليس به بأس، وقال
الحاكم: أبو عبد الله مروزى ثقة، يجمع حديثه. ولينه البخارى وابن حبان والبيهقى، كما فى
"التهذيب" (٢٧:٧) وفيه أيضا: قال أبو قدامة السرخسى: أراد ابن المبارك أن يأتيه بأخبر أنه يروى
عن عكرمة "لا يجتمع الخراج والعشر" فلم يأته. وقال حامد بن آدم: روى عنه ابن المبارك أحاديث
فى السنن اهـ. أى فلم يستطع أن يتركه ودلالة الأثرين على معنى الباب ظاهرة.
قوله: "وسألت أبا بكر بن عياش إلخ". قلت: وهذا قول الحسن البصرى إمام الحديث
والفقه فى زمانه، وهو رأس أهل الطبقة الثالثة ووافقه على ذلك الشعبى وعكرمة وهما من هذه
الطبقة أيضا وخالفهم الزهرى، والإمام عمر بن عبد العزيز وهما من الرابعة. فقد وجدنا التصريح
بخلاف قولهما ممن هو أقدم منهما ولا يضرنا جهالة بعض أصحاب أبى بكر بن عياش من
البصريين فإنه عزاه إلى الحسن جاز ما به وجزم مثله بشىء حجة. والظاهر أن بعض الأصحاب هو
أشعث، كما يدل عليه ما ذكرنا بعده.

ج - ١٢
لا عشر فى الخارج من أرض الخراج ولا زكاة
٤٤٩
٤١٢٧- أبو أسامة عن الشعث عن الحسن، "قال: كان يقول: ليس فى التمر
قوله: "حدثنا أبو أسامة إلخ". فيه دليل للجزء الثانى من الباب قال فى "الهداية": "وكذا
الزكاة مع أحدهما أى العشر والخراج". قال المحقق فى "الفتح": "خلافا للشافعى وصورته إذا
اشترى أرض عشر أو خراج بقصد التجارة عليه العشر أو الخراج وليس عليه زكاة التجارة عندنا
وإنما لم يعكس لأن العشر والخراج ألزم للأرض بخلاف الزكاة فإنه يشترط فيها ما لا يشترط
فيهما اهـ (٢٨٧:٥). قلت: ولنا سلف فى ذلك من قول الحسن البصرى رضى الله عنه أيضًا،
وكفى به قدوة.
فائدة فى حكم أرض الحرب اشتراها مسلم أو أسلم عليها هل هى خراجية أو عشرية؟
فائدة: صرح فى "الشامية" عن القهستانى " وشرح الشيخ إسماعيل" وغيرهما بأن أرض
الحرب ليست أرض خراج وعشراهـ (٧٢:٢) "فصل الركاز" وفى "شرح السير الكبير": ولو أن
عسكر المسلمين لهم منعة وعزة دخلوا أرض الحرب فأقاموا فيها حينا حتى زرع ناس منهم زروعا،
فإن کان البذر الذی بذروه من بذر لهم أدخلوه من أرض الإسلام، فذلك الزرع کله لهم،
ولا خمس فيه ولا عشر ولا خراج، لأن العشر والخراج إنما يجب فى أراضى المسلمين وهذه
أراضى أهل الحرب وأراضى أهل الحرب ليست بعشرية ولا خراجية اهـ (٣٠٣:٤). وفيه أيضا فى
باب "متى يصير الحربى ذميا": فإذا أخذ منه خراج أرض صار ذميا يوضع عليه خراج رأسه، ولم
يترك أن يخرج إلى داره لأن خراج الأرض لا يجب إلا على من هو من أهل دار الإسلام لأنه حكم
من أحكام المسلمين، وحكم المسلمين لا يجرى إلا على من هو من أهل دار الإسلام اهـ (٣٥٣:٤).
وفيه أيضا فى باب "العقار يملك فى دار الحرب" قال محمد رحمه الله تعالى: قال أبو حنيفة رحمه
الله: إذا دخل الرجل المسلم دار الحرب بأمان فاکتسب مالا واشترى وباع فملك خيلا وسلاحا
ودورا وغير ذلك، ثم ظهر المسلون على تلك الدار فله جميع ما اكستب من ذلك إلا العقار من
الدور، والأرضين فإن ذلك يكون فيئا للمسلمين، أما ما يسوى العقار لا يكون فيئا لأن ما سوى
العقار من منقول هو فى يده ويده غير مغنوم فما فى يده كذلك، وأما السقار فهو تحت يد ملكهم
وملكهم مغنوم، فما فى يده مغنوم. وروى عن أبى يوسف رحمه الله تعالى فى الرجل أسلم فى
دار الحرب وله عقار فظفر المسلمون على الدار أن عقاره لا يكون فيئا فعلى قياس تلك الرواية عقار
هذا المسلم المستأمن لا يكون فيها، كما لا يكون منقوله فيها اهـ (٢٣٨:٤).
قلت: والظاهر أن القول بكون أرض الحرب ليست بعشرية ولا خراجية مبنى على القول

٤٥٠
لا عشر فى الخارج من أرض الخراج ولا زكاة
إعلاء السنن
زكاة إذا كان يؤخذ منه العشر، وإن كان بمائة ألف"، أخرجه ابن أبى شيبة فى
"المصنف" (ص٥٢)، وسنده صحيح.
بأن العقار لا تثبت فيه يد المالك حقيقةً بل اليد للملك فأرض أهل الحرب لا عشر فيها لكونها بيد
ملكهم وملكهم مغنوم فما فى يده مغنوم أيضا، والعشر إنما يوظف على ما هو بيد المسلم ولا خراج
لأن خراج الأرض لا يجب إلا على من هو من أهل دار الإسلام، لأنه حكم من أحكام المسلمين
وحكم المسلمين لا يجرى إلا على من هو من أهل دار الإسلام، فعلى قياس قول أبى يوسف ينبغى
وجوب العشر فى أرض المسلم فى أرض الحرب إذا أسلم عليها، لأنه لا يقول بكون أرضه وداره
فيئا للمسلمين إذا ظهروا على الدار بل يقول بثبوت يد المالك عليهما حقيقةً والعشر زكاة الأرض
فيجب عليهما كوجوب الزكاة فى ما بيده من النقود المنقولة. وقد عرفت فى باب "من أسلم على
شىء فهو له أن قول أبى يوسف هو الصحيح الراجح عندنا لقوة دليله، وكونه أرفق بالناس
فكذلك وجوب العشر فى أرض من أسلم فى أرض الحرب هو الراجح. وبالأولى يجب فى أرض
من كان فيها من أبناء الفاتحين الذين فتحوها عنوة أو من أبناء من أسلم هناك والدار دار الإسلام ثم
استولى الكفار على الدار ولم يتعرضوا لما بأيديهم من الدور والعقارات لم أره صريحا، ولكنه
مقتضى قول أبى يوسف رحمه الله الراجح عندنا فى الباب، ولعل الله يحدث بعد ذلك أمرا وهو
أعلم بالصواب. ثم اطلعت على قول أبى يوسف صريحا فى "كتاب الخراج" له، ونصه: قال أبو
يوسف: وسئلت يا أمير المؤمنين! عن قوم من أهل الحرب أسلموا على أنفسهم وأرضهم ما الحكم
فى ذلك؟ فإن دماءهم حرام وما أسلموا عليه من أموالهم فلهم، وكذلك أرضهم لهم وهى أرض
عشر بمنزلة المدينة حيث أسلم أهلها مع رسول الله مري، وكانت أرضهم أرض عشر، وكذلك الطائف
والبحران كذلك (يريد البحرين من اليمن)، وكذلك أهل البادية إذا أسلموا على مياههم وبلادهم،
فلهم ما أسلموا عليه، وهو فى أيديهم وأرضهم أرض عشر لا يخرجون عنها فيما بعد ويتوارثونها
ويتبايعونها، وكذلك كل بلاد أسلم عليها أهلها فهى لهم وما فيها اهـ ملخصا (ص٧٤، ٧٥).
قلت: وقد نص علماؤنا بترجيح قول أبى يوسف والإفتاء به فى باب القضاء والأوقاف
لكونه قد ابتلى بالقضاء وجرب الأمور فينبغى كذلك أن يرجح فى أحكام الأراضى من العشر
والخراج، لكونها متعلقة بالأرض كتعلق الأوقاف بها، والله تعالى أعلم.
حكم أرض سقيت بالعين أو بماء السماء نصف عام وبالدلو نصف عام
فائدة: روى ابن حزم فى "المحلى" من طريق ابن أبى شيبة: ثنا محمد بن بكر عن ابن جريج

٤٥١
ج - ١٢
باب لا يؤخذ الخراج فى السنة إلا مرة وإن تكرر الخارج
٤١٢٨- حدثنا معن بن عيسى عن ابن أبى ذئب عن الزهرى "قال: لم يبلغنا أن
أحدا من ولاة هذه الأمة الذين كانوا بالمدينة أبو بكر وعمر وعثمان أنهم كانوا يثنون
العشور، ولكن يبعثون عليها كل عام فى الخصب والجدب. لأن أخذها سنة من رسول
الله عَّ ◌ُّه". رواه ابن أبى شيبة فى "المصنف" (ص٦٢). وهو مرسل صحيح، وسقط
اسم الزهرى عن نسخة المصنف الموجودة عندنا، وهو ثابت عند الزيلعى فى "نصب
الراية" (٢٥٠:٢)، وأخرج أبو عبيد معناه عن عبد الله بن صالح عن الليث بن سعد عن
يونس عن ابن شهاب مختصرًا (كتاب الأموال ص٣٧٥ رقم ٩٨٢).
((قال: قلت لعطاء فى المال يكون على العين أو بعلا عامة الزمان ثم يحتاج إلى البئر يسقى بها،
فقال: إن كان يسقى بالعين أو البعل أكثر مما يسقى بالدلو ففيه العشر، وإن كان يسقى بالدلو أكثر
مما يسقى بالبعل ففيه نصف العشر، قال أبو الزبير: سمعت جابر بن عبد الله وعبيد بن عمير يقولان
هذا القول اهـ (٢٦٠:٥) وفى "المصنف" نحوه، إلا أن فيه: قال أبو الزبير: سمعت ابن عمر يقول
هذا القول، ثم سألت سالم بن عبد الله فقال مثل قول عبد الله اهـ (ص٢٣). قال ابن حزم: وإن
كان زرع، أو نخل يسقى بعض العام بعين، أو ساقية من نهر، أو بماء السماء، وبعض العام بنضح،
أو سانية أو خطارة أو دلو قال أبو حنيفة وأصحابه: يزكى على الأغلب من ذلك، وهو قول رويناه
عن بعض السلف، فذكر الأثر المذكور قال: وهذا مما ترك فيه الشافعيون صاحبا لا يعرف له
مخالف منهم اهـ (٢٦١:٥)، قلت: وهذا مما قد فاتنى ذكره فى أبواب الزكاة، فألحقته ههنا
لمناسبته بباب العشر واخراج، فتنبه له.
باب لا يؤخذ الخراج فى السنة إلا مرةً وإن تكرر الخارج
قوله: "حدثنا معن بن عيسى إلخ" قلت: لفظ العشور يعم العشر والخراج كليهما، وقد فرق
الإمام أبو حنيفة بينهما فقال: يتكرر العشر بتكرر الخارج، ولا يتكرر الخراج. قال فى "درر
الحكام": " ويتكرر العشر بتكرر الخارج، لأن العشر لا يتحقق عشرا إلا بوجوبه فى كل الخارج، لا
الخراج الموظف، فإنه لا يتكرر بتكرر الخارج فى سنة. لأن عمر رضى الله عنه لم يوظفه مكرراً وإنما
قيد الخراج بالموظف، لأن خراج المقاسمة يتكرر بتكرر الخارج اهـ" (٢٩٧:١). فالأثر محمول
على الخراج دون العشر ويمكن إجراؤه على العموم أيضًا والمعنى أن الخلفاء كانوا لا يبعثون الجباة
إلا مرة فى السنة وإن تكرر الخارج فى أرض بعضهم لأن مثل ذلك نادر فلم يأخذوا منهم العشر،

٤٥٢
لا يؤخذ الخراج فى السنة إلا مرة وإن تكرر الخارج
إعلاء السنن
باب يسقط اخراج بالتداخل دون العشر
٤١٢٩- ثنا محمد بن بكر عن ابن جريج، أخبرنى سليمان الأحول عن طاوس
أنه قال: إذا تداركت الصدقتان، فلا تؤخذ الأولى كالجزية. رواه ابن أبى شيبة فى
"المصنف" (ص٦٢) ورجاله ثقات.
٤١٣٠- حدثنا عباد بن العوام عن محمد بن إسحاق عن يزيد بن أبى حبيب،
أو يعقوب بن عتبة (قال أبو عبيد: والمحفوظ عندى أنه يعقوب بن عتبة) عن یزید بن
هرمز عن ابن أبى ذباب "أن عمر رضى الله عنه أخر الصدقة عام الرمادة قال: فلما أحيا
الناس بعثنى، فقال: اعقل عليهم عقالين فاقسم فيهم عقالا وائتنى بالآخر ". رواه أبو
عبيد فى "الأموال" (ص٣٧٤ رقم ٩٨٠)، ورجاله ثقات وفى ابن إسحاق مقال،
ولكنه حسن الحديث.
ولا الخراج مرتين، إلا أن يخبر أحدهم المصدق بتكرر الخارج من أرض العشر فيأخذه منه
من غير استكراه.
باب يسقط الخراج بالتداخل دون العشر
قوله: "حدثنا محمد بن بكر إلخ". قال الشرنبلالى فى "غنية ذوى الأحكام" وهى حاشية
"درر الحكام": قال فى "البحر": واختلف فى سقوط الخراج بالتداخل فعند الإمام يسقط وعندهما
لا، وقيل: لا تداخل فيه بالاتفاق كالعشر اهـ (٢٩٩:١). قلت: فقول طاوس محمول عندنا على
الخراج بدليل التشبيه بالجزية فإن الخراج هو المشابه لها وأما العشر فإنما يشبه الزكاة دون الجزية كما
لا يخفى وفى الأثر دليل على سقوط الجزية بالتداخل أيضا وهو قول الإمام كما فى "غنية ذوى
الأحكام" أيضا (ص مذكور).
قوله: "حدثنا عباد بن العوام إلخ". قلت: أما يعقوب بن عتبة فئقة من السادسة (تقريب
ص٢٤٢)، ويزيد بن هرمز ثقة من الثالثة (تقريب ص٢٤١)، وابن أبى ذباب هو عبد الله بن عبد
الرحمن بن الحارث بن سعد ثقة من الثالثة (تق ص١٠٦)، وهو يروى عن أبيه وعن أبى هريرة
وسهل بن سعد، كما فى "التهذيب" (٢٩٢:٥)، فلا يبعد سماعه عن عمر رضى الله عنه ولا أقل
من أن يكون سمع ذلك من عماله، وكان عام الرمادة سنة ثامن عشر من الهجرة قحط فيه أهل
الحجاز وبلغت القلوب الحناجر وفى هذه السنة كان طاعون عمواس بالشام وفيها هلك الناس
والأموال وقوله: "وأخيا الناس" أى نزل عليهم الحيا وهو المطر، والعقال صدقة العام، يقال: أخذ

ج - ١٢
٤٥٣
باب وقت أخذ العشر والخراج الذى لا يؤخر عنه
٤١٣١- حدثنا أبو مسهر حدثنا سعيد بن عبد العزيز قال: قدم سعيد بن عامر بن
خذيم على عمر بن الخطاب رضى الله عنه فلما أتاه علاه بالدرة، فقال سعيد: سبق
سيلك مطرك. إن تعاقب نصبر، وإتعف نشكر، وإن تستعتب نعتب. فقال: ما على
المسلم إلا هذا، مالك تبطئ بالخراج؟ قال: أمرتنا أن لا نزيد الفلاحين على أربعة دينار،
أربعة دينار، فلسنا نزيدهم على ذلك ولكنا نؤخرهم إلى غلاتهم، فقال عمر: لأعزلتك
ما حييت أخرجه أبو عبيد فى الأموال (ص٤٤ رقم ١١٥)، وقال: وقال أبو مسهر: ليس
لأهل الشام حديث الخراج غير هذا". وهذا مرسل صحيح فإن أبا مسهر عبد الأعلى بن
مسهر الغسانى الدمشقى، ثقة فاضل من كبار العاشرة روى له الجماعة". (تقريب
ص٧١)، وسعید بن عامر بن خذيم صحابی قرشی شهد خیبر، ومات سنة عشرین فی
خلافة عمر وكان واليًا على حمص، وكان مشهورا بالزهد والخبر (الإصابة ٩٩:٣).
المصدق عقال هذا العام، أى صدقته كذا فى حاشية "الأموال" (ص٣٧٤). وفيه دليل على أن
العشر لا يسقط بالتداخل.
باب وقت أخذ العشر واخراج الذی لا یؤخر عنه
قوله: "حدثنا أبو مسهر إلخ" قال فى "درر الحكام": ووقته أى وقت أخذ العشر عند ظهور
الثمر، هذا عند أبى حنيفة، وأما عند أبی یوسف فوقته وقت إدرا که وعند محمد حصوله فى
الحظيرة، وثمرة الخلاف تظهر فى وجوب الضمان بإتلاف كذا قال الزيلعى اهـ. قال الشرنبلالى
فى الحاشية: " وقال فى البرهان: ووجوب العشر باشتداد الحب، وبدو صلاح الثمرة عند أبى
حنيفة، لأن الخارج بلغ حدا ينتفع به. وأبو يوسف يرى الوجوب بالحصاد والجداد، لا وقت جمع
الخارج فى الحرن كما قال محمد اهـ. ففيه نوع مخالفة اهـ"، (١٨٨:١). ولم أقف على أقوالهم
فى وقت الخراج غير ما فى الشامية، وهذا الكلام فى العشر مثله فيما يظهر خراج المقاسمة لأنه
جزء من الخارج. أما خراج الوظيفة فهو فى الذمة لا فى الخارج فلا يختلف حكمه بالأكل وعدمه،
تأمل اهـ، (٨٥:٢). أى فلا وقت له معينًا فإنه يجب بتعطيل الأرض فبالإتلاف أولى، وأما إذا هلك
الزرع بآفة سماوية فلا عشر ولا خراج. والبسط فى كتب الفروع من الفقه وسيأتى فى باب الجزية
أن خراج الرأس يؤخذ فى كل شهر هكذا وضعه عثمان بن حنيف وحذيفة بن اليمان وهو المذهب

٤٥٤
إعلاء السنن
باب الجزية
باب الجزية التى توضع بالتراضى والصلح تتقدر بما يقع عليه الاتفاق
٤١٣٢- حدثنا محمد بن كثير عن زائدة بن قدامة عن منصور بن المعتمر عن
هلال بن يساف عن رجل من ثقيف عن رجل من جهينة من أصحاب النبي صَ لّه قال:
قال رسول الله عرّ له: ((إنكم لعلكم تقاتلون قوما فيتقونكم بأموالهم دون أنفسهم
وأبناءهم، ويصالحونكم على صلح فلا تأخذوا منهم فوق ذلك، فإنه لا يحل لكم)).
قال: وحدثنا يزيد عن شعبة عن منصور عن هلال عن رجل من ثقيف عن رجل من
جهينة عن النبى معَّ رواه أبو عبيد فى "الأموال" (ص١٤٥ رقم ٣٢٨). وفيه من
لم يسم وجهالة الصحابى لا تضر، وكذا المجهول فى القرون الفاضلة، لا سيما وشعبة
لا يحمل عن مشايخه إلا ما صح من حديثهم كما مر فى "المقدمة". والحديث أخرجه
أبو داود (٣: ١٣٦ مع " العون") فى "سننه"، وسكت عنه، فهو صالح عنده.
٤١٣٣- حدثنی سعید بن عفیر حدثنى يحيى بن أيوب عن يونس بن يزيد الأیلی
عن ابن شهاب أن عمر بن الخطاب كان يأخذ ممن صالحه من أهل العهد ما صالحهم
وعلى هذا فما فى الأثر من تأخيره إلى وقت الغلة إنما كان للرفق بأهل الذمة بدليل حمل عمر رضى
الله عنه ذلك على الإبطاء، ولو كان التأخير إلى الغلة واجبا لما علاه بالدرة، ولم يقل مالك تبطى
بالخراج قال أبو عبيد: وإنما وجه التأخير إلى الغلة للرفق بهم (لا لأن وجوب الخراج وأدائه يتوقف
على الغلة)، ولم نسمع فى استئداء الخراج والجزية وقتا من الزمان يجتبى فيه غير هذا اهـ. قلت:
ولذا أوردته ههنا وإن لم يكن فيه حجة على وقت الوجوب -فافهم- والله تعالى أعلم.
باب الجزية التى توضع بالتراضى تتقدر بما يقع عليه الاتفاق
قوله: "حدثنا محمد بن كثير إلخ" الحديث نص فى الباب فلا يجوز الزيادة على ما وقع
عليه الاتفاق. قال فى "الهداية": "ولأن الموجب هو التراضى فلا يجوز التعدى إلى غير ما وقع
عليه الاتفاق اهـ". قال المحقق فى "الفتح": "فلا يزاد عليه تحرزا عن العذر، وأصله صلح رسول
الله عَّ أهل نجران، وهم قوم نصارى بقرب اليمن على ألفى حلة فى العام، فذكره اهـ"
(ص٢٨٨). قلت: ولا نعلم خلافًا فى عدم جواز الزيادة على ما وضع بالتراضى والاتفاق.
قوله: "حدثنى سعيد بن عفير إلخ" قلت: دلالته على أن لا يزاد على أهل الصلح فوق

ج - ١٢
الجزية التى توضع بالتراضى تتقدر بما يقع عليه الاتفاق
٤٥٥
عليه، لا يضع عنهم شيئا ولا يزيد عليهم، ومن نزل منهم على الجزية ولم يسم شيئا نظر
عمر فى أمورهم فإن احتاجوا خفف عنهم، وإن استغنوا زاد عليهم بقدر استغناءهم".
رواه أبو عبيد فى "الأموال" (ص٤٤ رقم ٣٩). ورجاله ثقات من رجال الصحيح، إلا
أنه منقطع، وسعيد هو ابن كثير بن عفير قد ينسب إلى جده قال الحاكم: يقال: إن مصر
لم تخرج أجمع للعلوم منه (تقريب ص ٧٢). ويحيى بن أيوب: هو الغافقى المصرى من
رجال الجماعة، صدوق. والباقون لا يسأل عنهم.
٤١٣٤- عن ابن عباس ((قال: صالح رسول الله عّ لّ أهل نجران على ألفى حلة،
النصف فى صفر والبقية فى رجب يؤدونها إلى المسلمين وعارية ثلاثين درعا، وثلاثين
فرسا، وثلاثين بعيراً، وثلاثين من كل صنف من أصناف السلاح يغزون بها، والمسلمون
ما صولحوا عليه ظاهرة. قال أبو عبيد: أما حديث عمر فى أهل الصلح أنه لا يضع عنهم شيئا،
فلا أراه أراد إلا ما داموا مطيقين، ولو عجزوا لخفف عنهم بقدر طاقتهم لأن رسول الله عَ لّه إنما
اشترط أن لا يزاد عليهم، ولم يشترط أن لا ينقصوا إذا كانوا عاجزين عن الوظيفة، قال وحدثنا
سعيد بن أبى مريم عن يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن أبى جعفر قال حدثنى شيخ من أهل مصر
قديم ((أن معاوية كتب إلى وردان أن زد على القبط قيراطًا قيراطًا على كل إنسان فكتب إليه وردان
كيف أزيد عليهم؟ وفى عهدهم أن لا يزاد عليهم)) اهـ" (ص١٤٤).
قوله: "عن ابن عباس إلخ" قلت: هذا هو الأصل فى عقد الجزية بالصلح وأخرج أبو عبيد
فى "الأموال" كتاب رسول الله ◌ّ لأهل نجران مفصلا حدثنى أيوب الدمشقى حدثنى سعدان
ابن أبى يحيى عن عبيد الله بن أبى حميد (متروك الحديث تق ص ١٣٥) عن أبى مليح الهذلى (ثقة
من الثالثة تق ص٢٦٧) ((أن رسول الله عرّ- صالح أهل نجران وكتب لهم كتابًا -فذكره وفيه- أن
فى كل سوداء وبيضاء وحمراء وصفراء ألفى حلة فى كل صفر ألف حلة وفى كل رجب ألف حلة
كل حلة أوقية ما زاد الخراج أو نقص فعلى الأواقى فليحسب، وما قضوا من ركاب أو خيل أو
دروع أخذ منهم بحساب)) إلى آخره قال أبو عبيد: حدثنا عثمان بن صالح عن عبد الله بن لهيعة
عن أبى الأسود عن عروة بن الزبير ((أن رسول الله مَُّلّه كتب لأهل نجران من محمد النبى رسول
الله، ثم ذكر نحو هذه النسخة)) إلا أنهما اختلفا فى حروف فذكره (ص١٨٨ و ١٨٩).
قال أبو عبيد: قوله: "كل حلة أوقية"، يقول قيمتها أوقية وقوله: "فما زاد الخراج أو نقص
فعلى الأواقى"، يعنى بالخراج الحلل. يقول: إن نقصت من الألفين أو زادت فى العدد أخذت قيمة

٤٥٦
الجزية التى توضع بالتراضى تتقدر بما يقع عليه الاتفاق
إعلاء السنن
ضامنون لها حتى يردوها عليهم، إن كان باليمن كيد ذات غدر، على أن لا يهدم لهم
بيعة ولا يخرج لهم قس ولا يفتنوا عن دينهم، ما لم يحدثوا حدثا أو يأكلوا الربا)».
أخرجه أبو داود وسكت عنه وهو من رواية السدى عن ابن عباس. قال المنذرى: فى
سماعه منه نظرٍ، وإنما قيل: إنه رآه ورأى ابن عمر وسمع من أنس بن مالك، ولكن له
شواهد، ذكرها فى "النيل" (٢٨٦:٧).
ألفى أوقية، فكان الخراج إنما وقع على الأواقى ولكنه جعلها حللا لأنها أسهل عليهم من المال.
وقوله "ما قضوا من ركاب أو خيل". يقول: إن لم تمكنهم الحلل أيضا فى الخراج فأعطوا الخيل
والركاب والدروع أخذ منهم بحساب الأواقى حتى تبلغ ألفين. وقوله: "ومن أكلّ منهم الربا من
ذى عقل، فذمتى منه بريئة". ألا تراه غلظ عليهم أكل الربا خاصة من بين المعاصى كلها،
ولم يجعله لهم مباحًا، وهو يعلم أنهم يركبون من المعاصى ما هو أعظم من ذلك من الشرك،
وشرب الخمر وغيره إلا دفعًا عن المسلمين، (كيلا يتسلطوا على أموالهم من الدور والأرضين)، وأن
لا يبايعوهم به فيأكل المسلمون الربا، ولولا المسلمون ما كان أكل أولئك الربا إلا كسائر ما هم فيه
من المعاصى، بل الشرك أعظم.
سبب إجلاء عمر رضى الله عنه أهل نجران من نجران ولهم عهد وصلح
وإنما أجلاهم عمر عن بلادهم وقد علم أن لهم عهدا مؤكدا من رسول الله عّ لّه بتركهم ما
شرط عليهم رسول الله عَّه من أكل الربا اهـ (ص ١٩٠). يدل على ذلك ما رواه أبو عبيد نفسه
قال أبو أيوب (هو أيوب الدمشقى المذكور فى أول حديث) وحدثنى عيسى بن يونس عن عبيد الله
ابن أبى حميد عن أبى المليح عن النبى مرّه مثل ذلك -وفيه- فلما ولى عمر بن الخطاب أصابوا
الربا فى زمانه فأجلاهم عمر قال: فأتوا العراق فاتخذوا النجرانية، وهى قرية بالكوفة اهـ (ص١٨٩)
قلت: ومع ذلك فلم يجلهم عمر من نجران إلا بطلبهم ذلك منه كما رواه ابن أبى شيبة عن الشعبى
قال: كتب رسول الله مآ آ إلى أهل نجران -وهم نصارى- أن من بايع منكم بالربا فلا ذمة له
وأخرج أيضا عن سالم قال: إن أهل نجران قد بلغوا أربعين ألفا وكان عمر يخافهم أن يميلوا على
المسلمين فتحاسدوا بينهم فأتوا عمر فقالوا: أجلنا قال: وكان رسول الله عَ لّه قد كتب لهم كتابا أن
لا يجلوا فاغتنمها عمر فأجلاهم فندموا، فأتوه فقالوا: أقلنا فأبى أن يقيلهم فلما قدم على (الكوفة)
أتوه فقالوا: إنا نسألك بحظ يمينك وشفاعتك عند نبيك إلا ما أقلتنا فأبى وقال: إن عمر كان رشيد
الأمر اهـ، كذا فى "النيل" (٧٦٨:٧)، قلت: فهذه شواهد متعددة لما رواه السدى عن ابن عباس.

ج - ١٢
٤٥٧
باب مقدار الجزية التى يضعها على الكفار ابتداء
أنها تؤخذ منهم على الطبقات
٤١٣٥- حدثنا على بن مسهر عن الشيبانى عن أبى عون محمد بن عبيد الله
الثقفى، "قال: وضع عمر بن الخطاب رضى الله عنه فى الجزية على رؤوس الرجال على
فائدة فى سماع السدى من ابن عباس:
ومع ذلك كله فنظر المنذرى فى سماعه منه وكذا نظر الحافظ ابن حجر فى ذلك إنما هو
مبنى على مذهب البخارى، وأما على مذهب الجمهور وهو القول المنصور أن عنعنة المعاصر الممكن
اللقاء محمولة على السماع، فلا نظر فيه فقد قال فى "التهذيب": إسماعيل بن عبد الرحمن ابن
أبى كريمة السدى، أبو محمد القرشى، وهو السدى الكبير روى عن أنس وابن عباس، ورأى ابن
عمر والحسن بن على وأبا هريرة وأبا سعيد اهـ فتراه جعله راويا عن ابن باس، كما جعله راويا عن
أنس ولم يفرق، وفيه أيضًا: قال أبو العباس بن الأخرم: لا ينكر له ابن عباس قد رأى سعد بن أبى
وقاص اهـ (٣١٤:١)، فمن رأى سعدا والحسن بن على وأبا هريرة لا يبعد سماعه من ابن عباس،
ولا من ابن عمر رضى الله عنهم فالأثر صحيح السند موصول عندنا، والله تعالى أعلم. قال أبو
يوسف (فى "الخراج" له) ألفا حلة على أراضيها وعلى جزية رؤوسهم تقسم على الرجال الذين لم
يسلموا وعلى كل أرض من أراضى نجران، وإن كان بعضهم قد باع أرضه، أو بعضها من مسلم،
أو ذمى، أو تغلبى، والمرأة والصبى فى ذلك سواء فى أراضيهم، وأما جزية رؤوسهم فليس على
النساء والصبيان اهـ" يعنى أن ما وقع عليه الصلح ويؤخذ سواء باع بعضهم أرضه أو لم يبع، ثم إذا
باع أرضه يؤخذ ما وقع عليه الصلح على حاله، ويؤخذ الخراج من المشترى المسلم وعشران من
التغلبى المشترى، ذكره المحقق فى "الفتح". قال: "وقول المصنف أى صاحب "الهداية" على ألف
ومائتی حلة غیر صحیح " اهـ (٢٨٩:٥).
باب مقدار الجزية التى يضعها الإمام على الكفار ابتداء
وأنها تؤخذ منهم على الطبقات
قوله: "حدثنا على بن مسهر إلخ". الجزية هى الوظيفة المأخوذة من الكافر لإقامته
بدار الإسلام فى كل عام والأصل فيها الكتاب والسنة. أما الكتاب: فقول الله تعالى: ﴿قاتلوا الذين
لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذین
أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾.

٤٥٨
مقدار الجزية التى يضعها الإمام على الكفار ابتداء
إعلاء السنن
الغنى ثمانية وأربعين درهما، وعلى المتوسط أربعة وعشرين درهما، وعلى الفقير
وأما السنة فما روى المغيرة بن شعبة ((أنه قال لجند كسرى يوم "نهاوند": أمرنا نبينا رسول
ربنا أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده أو تؤدوا الجزية)) أخرجه البخارى (كما سيأتى).
وعن بريدة ((أنه قال: كان رسول الله عَّ إذا بعث أميرا على سرية أو جيش أوصاه بتقوى
الله تعالى فى خاصة نفسه، وبمن معه من المسلمين خيرا وقال له: إذا لقيت عدوك من المشركين،
فادعهم إلى إحدى خصال ثلاث: أدعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم. فإن
أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم. فإن أبوا فاستعن بالله، وقاتلهم.
(وقد تقدم فى باب الدعوة قبل القتال) فى أخبار كثيرة، وأجمع المسلمون على جواز أخذ الجزية
فى الجملة قاله الموفق فى "المغنى" (٥٦٧:١٠).
الجواب عن شبهة الملحدين فى الجزية:
فإن قال قائل من الملحدين: كيف جاز إقرار الكفار على كفرهم بأداء الجزية بدلا من
الإسلام؟ قيل له: ليست الجزية بدلا من الإسلام ولا ثمنه، وإنما جاز لنا إقرارهم بدار الإسلام على
كفرهم لالتزامهم حكم الإسلام فيما يرجع إلى المعاملات ويحملهم ذلك على الدخول فى الإسلام
لأن الناس على دين ملوكهم مع ما فى مخالطة المسلمين من الإطلاع على محاسن الإسلام،
والجزية من الجزاء سميت بها لأنها جزاء تركهم ببلاد الإسلام منقادين لأحكامه، وعوض عن
نصرة المقاتلة للدفاع عنها. وليس أخذ الجزية منهم رضا بكفرهم ولا إباحة لبقائهم على شركهم،
وإنما هى عقوبة لهم فى الدنيا يعطونها عن يد وهم صاغرون وتبقيتهم على كفرهم بالجزية كما لو
تركناهم بغير جزية تؤخذ منهم؛ إذ ليس فى العقل إيجاب قتلهم، لأنه لو كان كذلك لما جاز أن
يبقى الله كافرا طرفة عين. فإذا أبقاهم لعقوبة يعاقبهم بها استدعاء لهم إلى التوبة من كفرهم
واستمالة لهم إلى الإيمان لم يكن ممتنعا إمهاله إياهم، إذ كان فى علم الله أن منهم من يؤمن ومنهم
من يكون من نسله من يؤمن بالله فكان فى ذلك أعظم المصلحة مع ما للمسلمين فيها من المرفق
والمنفعة (فلو قتلوا أهل الذمة لم يكن لهم من يقوم بزرع الأراضى وخذمة المقاتلة، ولا من يجبوا
منه الخراج لأرزاق العساكر، وبناء القناطر وتشييد الحصون ونحوها)، فليس إذا فى إقرارهم وما
يدينون بغير جزية ما يوجب الرضا بكفرهم، فكذلك إمهالهم بالجزية جائز عقلا؛ إذ ليس فيه أكثر
من تعجيل بعض عقابهم المستحق بكفرهم، وهو ما يلحقهم من الصغار والذل بأدائها (ولذلك لم
يرض به كثير من المتمردين المتكبرين ورأوا الموت أهون عليهم دونه)، كذا فى "أحكام القرآن".
للرازى (١٠٣:٣) بتغير يسير فى التعبير.

ج - ١٢
مقدار الجزية التى يضعها الإمام على الكفار ابتداء
٤٥٩
اثنى عشر درهما". رواه ابن أبى شيبة فى "المصنف"، وهو مرسل، ورواه ابن زنجويه
بيان اختلاف المذاهب فى مقدار الجزية
والمأخوذ منهم الجزية على ثلاث طبقات، والكلام فى هذه المسألة فى فصلين: أحدهما: فى
تقدير الجزية والثانى فى كمية مقدارها. فأما الأول ففيه ثلاثة مذاهب: أحدها: أنها مقدرة بمقدار
لا يزاد عليه، ولا ينقص منه، وهذا قول أبى حنيفة والشافعى (ومالك) ورواية عن أحمد.
والثانى: أنها غير مقدرة بل يرجع فيها إلى اجتهاد الإمام فى الزيادة والنقصان. وهذا قول
الثوری وأبی عبيد ورواية عن أحمد.
والثالث: أن أقلها مقدر بدينار وأكثرها غير مقدر وهو اختيار أبى بكر من الحنابلة، ورواية
عن أحمد ذكره الموفق فى "المغنى" (٥٧٦:١٠).
ثم اختلف أهل المذهب الأول فقال أصحابنا: على الموسر منهم ثمانية وأربعون درهماً،
وعلى الفقير المعتمل اثنا عشر درهما - وهو قول الحسن بن صالح -. وقال مالك: أربعة دنانير على
أهل الذهب وأربعون درهما على أهل الورق، الغنى والفقير سواء لا يزاد ولا ينقص. وقال
الشافعى: دينار على الغنى والفقير، قاله الجصاص فى "أحكام القرآن" له (٩٦:٣).
واحتج مالك بما رواه فى "الموطأ": عن نافع عن أسلم مولى عمر بن الخطاب ((أن عمر بن
الخطاب ضرب الجزية على أهل الذهب أربعة دنانير وعلى أهل الورق أربعين درهما مع ذلك أرزاق
المسلمين، وضيافة ثلاثة أيام)) (ص١٢٢). واحتج الشافعى رحمه الله بحديث معاذ (أنه عرض له أمره
أن يأخذ من كل حالم دينارا أو عدله معافرًا)). رواه أحمد وأبو داود والنسائى والترمذى
والدار قطنى وابن حبان والحاكم والبيهقى من حديث مسروق عن معاذ قال أبو داود: وهو حديث
منكر. قال: وبلغنى عن أحمد أنه كان ينكره وذكر البيهقى الاختلاف فيه فبعضهم رواه عن
الأعمش عن أبى وائل عن مسروق، أن النبى معَّ له، وأعله اس حزم بالانقطاع وأن مسروقا لم يلق
معاذا وفيه نظر. وقال الترمذى: "حديث حسن" وذكر أن بعضهم رواه مرسلا وهو أصح، كذا
فى "التلخيص الحبير" (٣٧٨:٢). وقد اختلفت الرواة فى لفظ الحديث أيضا فرواه عبد الرزاق عن
معمر وسفيان الثورى عن الأعمش عن أبى وائل عن مسروق عن معاذ به وفيه: ((ومن حالم أو
حالمة دينار أو عدله معافر)). ورواه إسحاق بن راهويه فى مسنده من ثلاث طرق دائرة على الأعمش
به، ورواه عبد الرزاق أيضًا عن معمر عن الزعمش عن مسروق مرسلا وفيه: "فأمره أن يأخذ من
كل حالم أو حالمة من أهل الذمة دينار؛ أو عدله معافرًا"، قال: وكان معمر يقول: هذا قوله: حالمة،

٤٦٠
مقدار الجزية التى يضعها الإمام على الكفار ابتداء
إعلاء السنن
فى "كتاب الأموال": حدثنا أبو نعيم ثنا مندل عن الشيبانى عن أبى عون عن المغيرة بن
غلط ليس على النساء شىء، كذا فى "نصب الراية"، (١٥١:٢). واحتج أصحابنا بحديث عمر
الذى ذكرناه فى المتن من طرق عديدة مرسلة وموصولة قال الموفق فى "المغنى" (٥٧٦:١٠).
حديث عمر فى مقدار الجزية وتقسيمها على الطبقات صحيح مشهور
ولنا حديث عمر رضى الله عنه وهو حديث لا شك فى صحته وشهرته بين الصحابة رضى
الله عنهم وغيرهم ولم ينكره منكر ولا خلاف فيه، وعمل به من بعده من الخلفاء رضى الله عنهم
فصار إجماعًا لا يجوز الخطأ عليه، وقد وافق الشافعى على استحباب العمل به. وأما حديث معاذ
فلا يخلو من وجهين أحدهما "أنه فعل ذلك لغلبة الفقر عليهم بدليل قول مجاهد رواه البخارى فى
الصحيح معلقًا قال ابن عيينة عن ابن أبى نجيح: قلت: لمجاهد: ما شأن أهل الشام عليهم أربعة دنانير
وأهل اليمن عليهم دينار؟ قال: جعل ذلك من قبل اليسار" اهـ. قال الحافظ فى "الفتح": "وصله
عبد الرزاق عنه به اهـ" (١٨٤:٦). قال: والوجه الثانى: أن يكون التقدير غير واجب إلخ: وقال
الجصاص: "وهذا أى حديث معاذ عندنا فيما كان منه على وجه الصلح أو يكون ذلك جزية
الفقراء منهم (أو كانوا كلهم فقراء بدليل أثر مجاهد المذكور). والدليل عليه ما روى فى بعض
أخبار معاذ أن النبى معَ ◌ّ أمره أن يأخذ من كل حالم أو حالمة دينارا ولا خلاف أن المرأة لا تؤخذ
منها الجزية إلا أن يقع الصلح عليه اهـ" (٩٧:٣). وقد نقل ابن رشد وغيره الاتفاق على أنه ليس
على النساء جزية (حاشية الخراج لابن آدم ص٧٤). قال فى "الهداية": وما رواه محمول على أنه
كان ذلك صلحا (فإن اليمن لم تفتح عنوة بل صلحا فوقع على ذلك). ولهذا أمره بالأخذ من
الحالمة، وإن كانت لا يؤخذ منها الجزية اهـ (٥: ٢٩١ مع "الفتح"). والجواب عن حجة مالك أن
أرزاق المسلمين وضيافة ثلاثة أيام مع الأربعين يفى ثمانية وأربعين درهما فإن الضيافة تقسم بينهم
على قدر جزيتهم نص عليه الموفق فى "المغنى" (٥٨٠:١٠).
واحتج من قال: بأنها غير مقدرة بل يرجع إلى اجتهاد الإمام فى الزيادة والنقصان، بأن
النبى معَّه أمر معاذا أن يأخذ من كل حالم دينارًا وصالح أهل نجران على ألفى حلة)). رواهما أبو
داود، وعمر جعل الجزية على ثلاث طبقات. وفى رواية عمرو بن ميمون عنه وجعل على كل رأس
ثمانية وأربعين درهمًا رواه أبو يوسف فى "الخراج" (ص٤٥) وفى رواية له عند أبى عبيد فى
"الأموال" قال: فكانت ثمانية وأربعين فجعلها خمسين (ص٤٠). وفى رواية أبى مجلز عند أبى
عبيد أيضا: فوضع على كل رجل أربعة وعشرين درهمًا كل سنة، قال أبو عبيد: وحدثنا أبو اليمان