النص المفهرس
صفحات 401-420
، ج - ١٢ أرض العرب كلها عشرية لا خراجية ٤٠١ ٤٠٧٤- وقال الإمام أبو يوسف: قد بلغنا: أن رسول الله عَ ليه افتتح فتوحا من الأرض العربية فوضع عليها العشر، ولم يجعل على شىء منها خراجا (كتاب الخراج ص ٦٩٨). قلت: وبلاغاته حجة عندنا، كما مر فى الأصول. فهذا حكم أمصار العرب وإنما نوى أصل هذا من قول رسول الله عرّ ◌ُله: ((أخرجوا المشركين فى جزيرة العرب)) اهـ (ص٩٧). قوله: "وقال الإمام أبو يوسف: إلخ". وتمام كلامه فى "الخراج" ما نصه: وأما أرض الحجاز ومكة والمدينة واليمن وأرض العرب التى افتتحها رسول الله عّ لّه فلا يزاد عليها ولا ينقص منها لأنه شىء قد جری علیه أمر رسول الله ماګ، وحکمه فلا یحل للإمام أن یحوله إلى غير ذلك، وقد بلغنا أن رسول الله عَ ليه افتتح فتوحا من الأرض العربية فوضع عليها العشر ولم يجعل على شىء منها خراجا، وكذلك قول أصحابنا فى تلك الأرضين. ألا ترى أن مكة والحرم لم يكن فيها خراج فأجروا الأرض العربية كلها هذا المجرى، وأجرى النجران والطائف كذلك، أو لا ترى أن العرب من عبدة الأوثان حكمهم القتل أو الإسلام ولا تقبل منهم الجزية، وهذا خلاف الحكم فى غيرهم، فكذلك أرض العرب اهـ إلى أن قال : وأما الخوارج فإنهم أخطئوا المحجة (حيث أجازوا وضع الخراج على الأراضى العربية)، وجعلوا قرى عربية بمنزلة قرى عجمية، ولم يأخذوا بما اجتمع عليه أصحاب رسول الله عَّةٍ وقول عمر وعلى ومن اجتمع من أصحاب رسول الله عَ ليه هم أحسن تأويلاً وتوفيقا من الخوارج والحمد لله رب العالمين اهـ (ص٧٠). قلت: وفى كلامه دلالة صريحة على أن كون الأراضى العربية عشرية مما أجمع عليه الصحابة رضى الله عنهم وكفى به حجة. وقال الإمام المجتهد حسن بن صالح: كل أرض كانت للعرب الذين لا تقبل منهم الجزية ولا يقبل منهم إلا الإسلام أو القتل فإن أرضهم أرض عشر، وكذلك صنع رسول الله مرّة بكل أرض ظهر عليها من أرض العرب فإنه لم يضع عليها الخراج ولكنها صارت أرض عشراهـ من "كتاب الخراج" ليحيى بن آدم (ص٢٦). ٤٠٢ إعلاء السنن باب أرض السواد وأرض الشام ومصر کلها خراجية دون ما اختطه المسلمون أو أقطعه الإمام أحدا منهم ٤٠٧٥- عن مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: قال عمر رضى الله عنه: "لولا آخر المسلمين ما فتحت قرية إلا قسمتها بين أهلها كما قسم النبى معَّه خيبر". رواه البخارى ولفظ ابن إدريس عن مالك عند الإسماعيلى: " ما افتح المسلمون قرية من قرى الكفار إلا قسمتها سهمانا لكن أردت أن تكون جزية تجرى عليهم" وروى البيهقى من وجه آخر عن ابن وهب عن مالك فى هذه القصة بلفظ: لما افتتح عمر الشام قام إليه بلال فقال: لتقسمنها أو لنضاربن عليها بالسيف فقال عمر: فذكره (فتح البارى ١٤:٥). باب أرض السواد وأرض الشام ومصر كلها خراجية دون ما اختطه المسلمون أو اقطعه الإمام أحدا منهم قوله: "عن مالك إلخ" دلالته على أن أرض الشام خراجية ظاهرة لقول عمر رضى الله عنه: لكن أردت أن تكون جزية تجرى عليهم. قال أبو عبيد: وجدنا الآثار عن رسول الله عَّه والخلفاء بعده قد جاءت فى افتتاح الأرضين بثلاثة أحكام: أرض أسلم عليها أهلها فهى لهم ملك أيمانهم، وهى أرض عشر لا شىء عليهم فيها غيره، وأرض افتتحت صلحا على خراج معلوم فهم على ما صولحوا عليه لا يلزمهم أكثر منه، وأرض أخذت عنوة، فهى التى اختلف فيها المسلمون. فقال بعضهم: سبيلها سبيل الغنيمة فتخمس وتقسم وقال بعضهم: بل حكمها والنظر فيها إلى الإمام، إن رأى أن يجعلها غنيمة فيخمسها ويقسمها كما فعل رسول الله عّ لّه بخيير، فذلك له. وإن رأى أن يجعلها فيئا فلا يخمسها ولا يقسمها ولكن تكون موقوفة على المسلمين عامة ما بقوا، كما صنع عمر بالسواد فعل ذلك، فأما الأرض التى يقطعها الإمام إقطاعا، أو يستخرجها المسلمون بالإحياء، أو يحتجزها بعضهم دون بعض بالحمى، فليست من الفتوح، ولها أحكام سوى تلك. وبكل هذا قد جاءت الأخبار عن النبى معَّه وأصحابه، (فذكرها بمثل ما ذكرناه فى المتن) ثم قال: وقد زعم بعض من يقول بالرأى أن للإمام فى العنوة حكما ثالثا قال: إن شاء لم يجعلها غنيمة ولا فيئا وردها على أهلها الذين أخذت منهم. واحتج بما فعل رسول الله مَّه بأهل مكة حين افتتحها ثم ردها عليهم ومن عليهم بها، وقد جاءت الأخبار بذلك فذكرها ثم قال: وليست تخلو بلاد العنوة سوى مكة من أن تكون غنيمة كما فعل رسول الله عَّ ◌ُّه بخيبر أو تكون فيئا (أى خراجية). كما فعل عمر بالسواد وغيره من أرض الشام ومصر اهـ (ص ٥٥ و٦٧). قلت: وسيأتى لك ما احتج به ج - ١٢ بيان الأراضى الخراجية ٤٠٣ ٤٠٧٦- قال محمد بن إسحاق عن الزهرى، "قال: افتتح عمر بن الخطاب رضى الله عنه العراق كلها إلا خراسان والسند، وافتتح الشام كلها ومصر إلا أفريقية فافتتحتا فى زمن عثمان بن عفان رضى الله عنه، وافتتح عمر السواد والأهواز فأشار عليه المسلمون أن يقسم السواد وأهل الأهواز وما افتتح من المدن فقال لهم: فما يكون لمن جاء من المسلمين؟ فترك الأرض وأهلها وضرب عليهم الجزية وأخذ الخراج من الأرض، رواه الإمام أبو يوسف فى "الخراج" له (ص ٣٣)، وهو مرسل حسن وله شواهد. ٤٠٧٧- حدثنى محمد بن إسحاق عن حارثة بن مضرب عن عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه أنه أراد أن يقسم السواد بين المسلمين، وفيه: فقال على رضى الله تعالى عنه: دعهم يكونوا مادة للمسلمين. أخرجه الإمام أبو يوسف فى "الخراج" له (ص ٤٣٠)، وأبو عبيد فى "الأموال" (ص ٥٩) عن إسماعيل بن جعفر عن إسرائيل عن أبى إسحاق عن حارثة عن عمر. وهذا سند صحيح موصول، وإسماعيل ابن جعفر هو الأنصارى الزرقى من رجال الجماعة ثقة (تهذيب ٢٨٧:١). ٤٠٧٨- حدثنى المجالد بن سعيد عن عامر الشعبى أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه بعث عتبة بن غزوان إلى البصرة، وكانت تسمى أرض الهند فدخلها ونزلها قبل أن ينزل سعد بن أبى وقاص الكوفة، وأن زياد ابن أبيه هو الذى بنى مسجدها وقصرها، الحنفية وغيرهم من أهل العراق على كون أرص الخراج مملوكة لأهلها الذين تركت بأيديهم. قوله: "قال محمد بن إسحاق إلخ" قلت: فيه دلالة على كون أرض العراق والسواد والأهواز خراجية، وقوله: فترك الأرض وأهلها، يدل على كون الأراضى الخراجية مملوكة لأهلها الذين تركها لهم هذا هو المتبادر منه، ومن ادعى غير ذلك فعليه البيان. قوله: "حدثنى محمد بن إسحاق إلخ" دلالته على ما دل عليه ما قبله ظاهرة. قوله: "حدثنى مجالد بن سعيد إلخ" قال الإمام أبو يوسف فى "الخراج" وأما أرض البصرة وخراسان فإنهما عندى بمنزلة السواد، وما افتتح من ذلك عنوة فهو أرض خراج وما صولح عليه أهله فعلى ما صولحوا ولا يزاد عليهم، وما أسلم عليه أهله فهو عشر ولست أفرق بين السواد وبين هذه فى شىء من أمرها ولكن جرت عليها سنة (وهى وضع العشر عليها وأمضى ذلك من كان من الخلفاء، فرأيت أن تقرها على حالها، وذلك الأمر، وعليه العمل اهـ (ص ٧٠)، قال فى "الهداية": ٤٠٤ بيان الأراضى الخراجية إعلاء السنن وهو اليوم فى موضعه، وأن أبا موسى الأشعری افتتح تستر وأصبهان، ومهرجان قذق، وماه ذبيان(١)، وسعد بن أبى وقاص محاصر المدائن، أخرجه الإمام أبو يوسف (ص٧١)، وهو مرسل حسن ومجالد فیه مقال. ٤٠٧٩٠- عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: ((قال رسول الله عَّ له: منعت العراق درهمها وقفيزها، ومنعت الشام مديها(٢) ودينارها، ومنعت مصر أردبها ودينارها، وعدتم من حيث بدأتم وعدتم من حيث بدأتم وعدتم من حيث بدأتم. شهد على ذلك لحم أبى هريرة ودمه)). رواه أحمد ومسلم وأبو داود (نيل الأوطار ٢١٨:٧). وأخرجه يحيى ابن آدم فى "الخراج" له ثم قال: يريد من هذا الحديث أن رسول الله عّ لّه ذكر القفيز والدرهم قبل أن يضعه عمر على الأرض اهـ. والبصرة عنده - أى- عند أبى يوسف عشرية. وكان القياس أن تكون خراجية إلا أن الصحابة وضعوا عليها العشر فترك القياس لإجماعهم اهـ وفى "فتح القدير" لإجماع الصحابة على جعلها عشرية كما ذكره أبو عمر بن عبد البر وغيره اهـ وفى "فتح القدير": لإجماع الصحابة على جعلها عشرية كما ذكره أبو عمر بن عبد البر وغيره اهـ (٢٨١:٥). وقال الحافظ فى "الدراية": "قوله: روى أن الصحابة وضعوا العشر على أرض البصرة، قلت: قد أخرجه عمر بن شبة فى "تاريخ البصرة"، ويحيى بن آدم فى " كتاب الخراج" مبنيا مفسرا اهـ (ص٢٦٧). وقال يحيى بن آدم: وقد قال بعض أصحابنا فى أرض البصرة: أرضها أرض عشر لأنها استخرجت من أنهار الخراج لأن البطائح تقطع ما بينها وبين دجلة. وشربها من البطائح ومن البحر، والبطائح والبحر ليسا من أنهار الخراج اهـ (ص٢٩). وفى التلخيص الحبير: اشتهر أن أرض البصرة كانت سبخة، فأحياها عثمان ابن أبى العاص وعتبة بن غزوان بعد الفتح، قلت: هو كما قال، رواه عمر بن شبة فى أخبار البصرة، وكان ذلك سنة أربع عشرة، وكان السابق إلى ذلك عتبة بن غزوان اهـ (٣٧٥:٢) قلت: وكل أرض أحياها مسلم بغير ماء الخراج، فهى عشرية، فلذا وضع الصحابة على أرض البصرة العشر، والله أعلم. قوله: "عن أبى هريرة إلخ" قال: فى "النيل": وفيه من أعلام النبوة (آية كبرى) لإخباره عَّه بما سيكون من ملك المسلمين هذه الأقاليم ووضعهم الجزية والخراج، ووجه (١) الأشبه أن تكون ماه دینار وهی مدینة نهاوند. (٢) المدى بوزن قفل مكيال لأهل الشام قاله محشى " كتاب الأموال" (ص٧١). ج - ١٢ بيان الأراضى الخراجية ٤٠٥ ٤٠٨٠- حدثنى أبو النضر عن شعبة، ولا أعلم الحجاج إلا قد حدثنيه أيضًا عن شعبة قال: أنبأنى الحكم قال: سمعت عمرو بن ميمون يقول: شهدت عمر بن الخطاب وأتاه ابن حنيف فجعل يكلمه فسمعته يقول له: والله لئن وضعت على كل جريب من الأرض درهما وقفيزا من طعام لا يشق ذلك عليهم ولا يجهدهم"، رواه أبو عبيد فى "الأموال" (ص٧١)، وسنده صحيح حسن. ٤٠٨١- حدثنا الصلت بن عبد الرحمن الزبيدى عن محمد بن قيس الأسدى عن الشعبى "أنه سئل فى زمن عمر بن عبد العزيز عن أهل السواد ألهم عهد؟ فقال: لم يكن لهم عهد، فلما رضى منهم بالخراج صار لهم عهد" وحدثنا حاتم بن إسماعيل وغيره من أصحابنا عن محمد بن قيس عن الشعبى مثله. رواه يحيى بن آدم فى "الخراج ت الاستدلال منه لحكم الأراضى المغنومة أن النبى معَّظله ولم ير الصحابة يضعون الخراج على الأرض ولم ير شدهم إلى خلاف ذلك بل قرره وحكاه لهم اهـ (٢١٨:٧). قلت: وفيه دليل على كون هذه الأراضى خراجية لا عشرية على لسان رسول الله مد خله. قوله: "حدثنى أبو النضر عن شعبة إلخ". فيه دليل على أن عمر رضى الله عنه وضع الخراج على تلك الأراضى كما أخبر به النبى مرّ له. قوله: "حدثنا الصلت بن عبد الرحمن إلخ". فيه دليل على أن أهل السواد كانوا أحرارا ذمة للمسلمين ولم يكونوا عبيدا لهم، كما توهمه بعض العلماء، فإن الجزية لا يؤخذ من العبيد، وأصرح منه ما أخرجه الطبرى فى "تاريخه" عن سيف عن عمرو بن محمد عن الشعبى قال: قلت: له: إن ناسا يزعمون أن أهل السواد عبيد فقال: فعلامَ يؤخذ الجزاء (الجزية) من العبيد؟ أخذ السواد عنوة وكل أرض علمتها إلا حصنا فى جبل أو نحوه فدعوا إلى الرجوع فرجعو أو قبل منهم الجزاء وصاروا ذمة، وإنما يقسم من الغنائم ما تغنم، فأما ما لم يغنم وأجاب أهله إلى الجزاء قبل أن يتغنم فلهم (أى فهو لهم). جرت السنة بذلك اهـ (١٤٧:٤). وفيه - أيضا- كتب إلى السرى عن شعيب عن سيف عن أبى ضمرة عن عبد الله بن المستورد عن محمد بن سيرين ((قال: البلدان كلها أخذت عنوة إلا حصونا قليلة عاهدوا قبل أن ينزلوا ثم دعوا يعنى الذين أخذوا عنوة إلى الرجوع والجزاء فصاروا ذمة أهل السواد الجبل كله، أمر لم يزل يصنع فى أهل الفىء. وإنما عمل عمرو المسلمون فى هذا الجزاء والذمة على آخر ما عمل به رسول الله مآ فى ذلك، وقد كان بعث خالد ابن الوليد إلى دومة الجندل فأخذها عنوة، وأخذ ملكها أكيدر بن عبد الملك أسيرا فدعاه إلى الذمة ٤٠٦ بيان الأراضى الخراجية إعلاء السنن (ص٤٩). والإسناد الثانى صحيح إلى الشعبى ومراسيله حجة كما مر فى الأصول، وقال يحيى بن آدم: قال شريك: وكان عامر من أخبر الناس بتلك الأمور" اهـ. ورواه أبو عبيد فى الأموال (ص ١٤٠) حدثنا هشيم عن محمد بن قيس عن الشعبى: قال: لم یکن لأهل السواد عهد فلما أخذت منهم الجزیة صار لهم عهد اهـ. وهذا سند صحيح. والجزاء، وقد أخذت بلاده عنوة وأخذ أسيرا، وكذلك فعل بابنى عريض، وقيد أخذا فادعيا أنهما أوداه فعقد لهما على الجزاء والذمة، وكذلك كان أمر بحنة بن رؤية صاحب أيلة وليس المعمول به من الأشياء كرواية الخاصة، ومن روى غير ما عمل به أئمة العدل والمسلمون فقد كذب وطعن علیهم)). وفيه أيضا: كتب إلى السرى عن شعيب عن سيف عن ممحمد وطلحة والمهلب وزياد فذكر حديثا طويلا، وفيه: فلما قدمت كتب عمر على سعد بن مالك والمسلمين عرضوا على من يليهم ممن جلا وتنحى عن السواد أن يترجعوا ولهم الذمة وعليهم الجزية فتراجعوا وصاروا ذمةً كمن تم ولزم عهده إلا أن خراجهم أثقل فأنزلوا من ادعى الاستكراه وهرب منزلتهم وعقدوا لهم، وأنزلوا من أقام منزله ذى العهد وكذلك الفلاحين، ولم يدخلوا فى الصلح ما كان لآل كسرى ولا ما كان لمن خرج معهم (أى مع آل كسرى) ولم يجبهم إلى واحدة من اثنتين الإسلام أو الجزاء. فصارت فيئا لمن أفاء الله عليه فهى والصوافى الأولى ملك لمن أفاء الله عليه وسائر السواد ذمة وأخذوهم بخراج كسرى وكان مما أفاء الله عليهم ما كان لآل كسرى ومن صوب معهم وعيال من قاتل معهم وماله وما كان لبيوت النيران، والآجام ومستنقع المياه، وما كان للسك وما كان لآل كسرى فلم يتأت قسم ذلك الفىء الذى كان لآل كسرى ومن صوب معهم لأنه كان متفرقًا فى كل السواد فكان يليه لأهل الفىء من وثقوا به وترضوا عليه فهو الذى يتداعاه أهل الفىء لأعظم السواد، كانت الولاة عند تنازعهم فيها تهادن بقسمه بينهم، فذلك الذى شبه على الجهلة أمر السواد، ولو أن الحلماء جامعوا السفهاء (ووافقوا) الذين سألوا الولاة قسمه بينهم لقسموه بينهم ولكن الحلماء أبوا فتابع الولاة الحلماء وترك قول السفهاء. كذلك صنع على وكل من طلب إليه. قسم ذلك وقالوا: لئلا یضرب بعضهم وجوه بعض اه، ملخصًا (١٤٦:٤). قال أبو عبيد: وقد قال قوم آخرون: بل السواد ملك لأهله لأنه حين رده عليهم عمر صارت لهم رقاب الأرض. قال أبو عبيد: ونحن نروى عن عمر غير هذا، ألا تراه قال لعتبة بن فرقد حين اشترى أرضا على شاطئ الفرات: ممن اشتريتها؟ قال: هؤلاء أهلها وأشار إلى المهاجرين والأنصار حدثنيه: أبو نعيم عن بكير ج - ١٢ بيان الأراضى الخراجية ٤٠٧ ٤٠٨٢- حدثنا حسن بن صالح عن ابن أبى ليلى "قال: قد رد إليهم عمر بن الخطاب رضى الله عنه أراضيهم وصالحهم على الخراج" رواه يحيى بن آدم فى "الخراج" (٤٩). ٤٠٨٣- حدثنا عبد الله بن صالح عن عبد الله بن لهيعة عن الحارث بن يزيد - هو ثقة من رجال المسلم، تق- الحضرمى عن على بن رباح أن أبا بكر الصديق بعث حاطب ابن أبى بلتعة إلى المقوقس بمصر، فمر على ناحية قرن الشرقية فهادنهم، وأعطوه فلم يزالوا على ذلك حتى دخلها عمرو بن العاص فقاتلهم، وأنتقض ذلك الصلح". رواه أبو عبيد فی "الأموال" (٤٢)، وهو مرسل حسن. ٤٠٨٤- حدثنا عبد الله بن صالح عن الليث بن سعد عن يزيد بن أبى حبيب: "أن المقوقس الذى كان على مصر كان صالح عمرو بن العاص على أن يفرض على ابن عامر عن الشعبی عن عمر اهـ (ص ٧٤). قلت: ولا حجة له فیه، لأنا نری أن ما علی شاطئ الفرات کان من صوافی آل کسری ولم يكن لأحد من أهل السواد فأصفاه عمر رضى الله عنه وجعله فيئًا لمن أفاء الله عليه، فخدع عتبة فيه وظنه ملكا لمن ادعاه فاشتراه منه ولم يكن ملكا له بدليل ما ثبت عن عمر أنه قال لعتبة، وقد اشترى أرضا من أرض السواد: أنت فيها مثل صاحبها أخرجه أبو يوسف وسيأتى ولا سبيل إلى الجمع بين الروايتين إلا بما قلنا: إنه اشترى أولا أرضا من الصوافى وخدع فيه، ثم اشترى ثانيا أرضا من أراضى أهل السواد فجعله عمر فيها مثل صاحبها، والله تعالى أعلم. قوله: "حدثنا حسن بن صالح إلخ". قلت: دلالته على أن أرض السواد خراجية وأنها ملك لأهلها ظاهرة وهو قول سفيان الثورى وأبى حنيفة وأصحابه وعامة فقهاء العراق قال يحيى بن آدم: حدثنا ابن مبارك عن سفيان بن سعيد ((قال: إذا ظهر على بلاد العدو فالإمام بالخيار إن شاء قسم البلاد والأموال والسبى بعد ما يخرج الخمس من ذلك، وإن شاء من عليهم فترك الأرض والأموال، وكانوا ذمة للمسلمين كما صنع عمر بن الخطاب رضى الله عنه بأهل السواد، فإن تركهم صاروا عهدًا يتوارثون وباعوا أراضيهم)) قال يحيى: وسمعت حفص بن غياث يقول: تباع وتقسم فى المواريث ويقضى بها الدين قال يحيى: وحدثنا ابن مبارك عن أبى حنيفة مثل معنى حديث سفیان اهـ (ص ٤٧). قوله: "حدثنا عبد الله بن صالح "مرتين" إلخ" دلالة الأثرين على أن مصر فتحت عنوة نـ ٤٠٨ بيان الأراضى الخراجية إعلاء السنن القبط دينارين دينارين، فبلغ ذلك هرقل صاحب الروم فتسخطه أشد التسخط، وبعث الجيوش، فأغلقوا الإسكندرية، وأذنوا عمرو بن العاص بالحرب فقاتلهم، وكتب إلى عمر بن الخطاب أما بعد! فإن الله تعالى فتح علينا الإسكندرية عنوة قسرا بلا عهد ولا عقد"، أخرجه أبو عبيد فی "الأموال" (ص٧٤٢)، وهو مرسل حسن. ٤٠٨٥- حدثنا ابن أبى مريم (هو سعيد بن أبى مريم المصرى) عن ابن لهيعة أخبرنى يزيد بن أبى حبيب عمن سمع عبد الله بن المغيرة بن أبى بردة يقول: "سمعت سفيان بن وهب الخولاني يقول: لما افتتحت مصر بغير عهد قام الزبير فقال: يا عمرو بن العاص! اقسمنها فقال عمرو: لا أقسمها فقال الزبير: لتقسمنها كما قسم رسول الله عّ لّهِ خيبر فقال عمرو: لا أقسمها حتى أكتب إلى أمير المؤمنين، فكتب إلى عمر فكتب إليه عمر أن دعها حتى يغزو منها حبل الحبلة"، رواه أبو عبيد فى "الأموال". (ص٥٨) أيضا ورجاله ثقات إلا أنه منقطع. ظاهرة، قال الحافظ فى "الدراية": "وأما مصر فروى ابن سعد عن الواقدى بأسانيده أن عمرو بن العاص، افتتح مصر عنوة واستباح ما فيها ثم صالحهم بعد على الجزية فى رقابهم، ووضع الخراج على أرضهم وكتب بذلك إلى عمر، وفى لفظ: كان يبعث بجزية أهل مصر وخراجها إلى عمر بعد حبس ما يحتاج إليه اهـ" (ص٢٦٧). قال المحقق فى "الفتح": " وهذا يخالف ما ذكر بعض الشارحين من أن مصر فتحت صلحا على يدى عمرو بن العاص اهـ (٢٧٩:٥)". قلت: إن الأمرين جميعًا قد كان، وقد صدق الخبران كلاهما؛ لأنها افتتحت مرتين فكانت المرة الأولى صلحًا ثم انتكثت الروم عليهم ففتحت الثانية عنوة، ولم تقسم أرضها بين الغانمين بل تركت بأيدى أهلها كأرض السواد ضربت على رؤوسهم الجزية وعلى أرضهم الخراج كما دل عليه ما أخرجه أبو عبيد عن سعيد ابن أبى مريم، وسيأتى. قوله: "حدثنا ابن أبى مريم إلخ" قلت: عبد الله بن المغيرة بن أبى بردة، ذكره الحافظ فى "تعجيل المنفعة" فقال الكنانى: حجازى أرسل عن النبى مێے، و عنه یحیی بن سعيد ذكره ابن حبان فى الثقات، وقال: روى عنه أهل المدينة اهـ (ص٢٣٧). وسفيان بن وهب الخولانى له صحبة ورواية عنه مرّ له، وعن عمر بن الخطاب والزبير بن العوام وعمرو بن العاص وأبى أيوب الأنصارى وغيرهم رضى الله عنهم، وكانت له وفادة وصحبة عين ج - ١٢ بيان الأراضى الخراجية ٤٠٩ ٤٠٨٦- حدثنا هشيم بن بشير قال: أخبرنا العوام بن حوشب عن إبراهيم التيمى قال: " لما افتتح المسلمون السواد قالوا لعمر: اقسمه بيننا فإنا افتتحناه عنوة قال: فأبى وقال: فما لمن جاء بعدكم من المسلمين؟ وأخاف إن قسمته أن تفاسدوا بينكم فى المياه. قال: فأقر أهل السواد فى أراضيهم وضرب على رؤوسهم الجزية وعلى أراضيهم الطسق ولم يقسم بينهم"، رواه أبو عبيد فى "الأموال" (ص٥٧)، وهذا مرسل صحيح قال أبو عبيد: يعنى الخراج. ٤٠٨٧- حدثنا أبو الأسود (المصرى) عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبى حبيب أن عمر كتب إلى سعد بن أبى وقاص يوم افتتح العراق أما بعد! فقد بلغنى كتابك، أن الناس قد سألوا أن تقسم بينهم غنائمهم وما أفاء الله عليهم، فانظر ما أجلبوا به عليك فى العسكر من كراع أو مال فاقسمه بين من حضر من المسلمين واترك الأرضين والأنهار لعمالها ليكون ذلك فى أعطيات المسلمين فإنا لو قسمناها بين من حضر لم يكن لمن بعدهم شىء " رواه أبو عبيد أيضًا فى "الأموال" (ص١٥٩)، وهو مرسل صحيح. وشهد فتح مصر، وقال البخارى: يعد فى الشاميين، وقال غيره: شهد حجة الوداع، ثم شهد فتح مصر واستوطنها، ثم تحول إلى أفريقية فسكنها، قال ابن يونس: عاش حتى ولى الأمرة لعبد الله العزيز بن مروان على الغزو إلى أفريقية سنة ثمان وسبعين، فبقى لها إلى أن مات سنة اثنتين وثمانين اهـ. ملخصا من "تعجيل المنفعة" (ص١٥٦)، وفى "الإصابة" روى عنه بكر بن سوادة وعبيد الله ابن المغيرة وأبو غسانة وغيرهم اهـ (٣: ١٠٨) وقوله: "دعها حتى يغزو منها حبل الحبلة" قال أبو عبيد: أراه أن تكون فيئًا للمسلمين ما تناسلوا اهـ (ص٥٨). قلت: معناه: دعها حتى تكون فى أعطيات المسلمين قرنًا بعد قرن، كما قال ذلك فى أرض الشام، وأرض السواد، وسيأتى مثل ذلك فى حديث أبى الأسود عن قريب. قوله: "حدثنا هشيم بن بشير إلخ" قلت: دلالة قوله: فأقر أهل السواد فى أراضيهم على أنه تركها بأيديهم كما كانت من قبل ظاهرة، وهذا هو ما ذهبنا إليه أن أرض السواد مملوكة لأهلها. قوله: "حدثنا أبو الأسود المصرى إلخ". قلت: دلالة قوله: واترك الأراضين والأنهار لعمالها، على أنه رد الأرض على أهلها ملكا لهم ظاهرة ومن ادعى غير ذلك فعليه البيان وقوله : . ليكون ذلك فى أعطيات المسلمين تفسير لقوله فى رواية: أن دعها حتى يغزو منها حبل الحبلة. ١٠ ٤ بيان الأراضى الخراجية إعلاء السنن ٤٠٨٨- حدثنا قيس بن الربيع عن إبراهيم بن مهاجر عن شيخ من بني زهرة عن عمر رضى الله عنه: أنه كتب إلى سعد يقطع سعيد بن زيد أرضا فأقطعه أرضا لبنى الرفيل فأتى ابن الرفيل عمر، فقال: يا أمير المؤمنين! على ما صالحتمونا؟ قال: على أن تؤدوا إلينا الجزية، ولكم أرضكم وأموالكم وأولاد كم قال: يا أمير المؤمنين! أ قطعت أرضى لسعيد بن زيد؟ قال: فكتب إلى سعد ترد عليه أرضه ثم دعاه إلى الإسلام، فأسلم قوله: "حدثنا قيس بن الربيع إلخ" قلت: دلالة قول عمر رضى الله عنه: علی أن تؤدوا إلينا الجزية، ولكم أرضكم وأموالكم وأولادكم على أن أرض السواد ملك لأهلها ظاهرة: وقوله: "إن أقمت فى أرضك أديت عنها ما كنت تؤدى" دليل على أن خراج الأرض يسقط عنها بإسلام صاحبها، وسيأتى بسط ذلك، إن شاء الله تعالى. وأما إن الرفيل وأبناؤه كانوا من أهل الذمة من أهل السواد، فدلیل ذلك ما رواه یحیی بن آدم وأبو عبيد وغيرهما عن محمد بن طلحة قال یحیی فی اخراج له: حدثنا محمد بن طلحة بن مصرف الیامی (من رجال الصحيحین صدوق له أوهام) عن محمد بن الماور(١) (لم أجد له ترجمة) عن شيخ من قريش عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، أنه أتاه رؤساء السواد فيهم ابن الرفيل، فقالوا: يا أمير المؤمنين! إنا قوم من أهل السواد وكان أهل فارس قد ظهروا علينا وأضربوا بنا ففعلوا وفعلوا حتى ذكروا النساء فلما سمعنا بكم فرحنا بكم وأعجبنا ذلك، فلم نرد كفكم عن شىء حتى أخرجتموهم عنا فبغلنا أنكم تريدون أن تسترقونا فقال عمر: فالآن إن شئتم فالإسلام، وإن شئتم فالجزية، فاختاروا الجزية اهـ (ص٥٠)، وهذا کما ترى سند لا تقوم به حجة، ولكنا ذكرناه لبيان أن الرفيل وابنه كانوا من أهل السواد من أهل الذمة، والضعیف یکتفی به لمثل هذا. إن أسلاف المسلمين إنما قهروا البلاد بعفتهم وأمانتهم وصدقهم وفى أثر ابن الرفيل هذا دليل على أن المسلمين من السلف إنما قهروا البلاد بعفتهم وحسن طويتهم، وصدق عملهم ونيتهم، وشهد بذلك عظيم من عظماء فارس حيث أسلم وقال: والله لا تنهزمون ما دمتم على ما أرى من الوفاء والصدق والإصلاح والمؤاساة، لا حاجة لى فى أهل فارس. ذكره الطبری فی "تاريخه" (١٠٣:٤)-وفيه أيضا- قالوا: ولما عبر خاقان النهر (نهر بلخ) وعبرت (١) وظنى أنه محمد بن المساحق، ذكره البخارى وقال: سمع منه فليح، ولم يذكر فيه جرحا وذكره ابن حبان فى "الثقات"، كدا فى "تعجيل المنفعة" (ص٢٧٧) وهو يروى عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أنس فلا يبعد وقوع التصحيف فى اسمه من الناسخين، والله تعالى أعلم. ٤١١ بيان الأراضى الخراجية ج - ١٢ ففرض له عمر سبعمائة وجعل عطائه فى خثعم (ص٥٩)، وقال: إن أقمت فى أرضك أدیت عنها ما کنت تؤدی". رواه یحیی بن آدم فى "الخراج" له (٦٨)، وسنده حسن إلا أن فيه رجلا لم يسم قال يحيى: وحدثنا شريك وقيس عن جابر عن عامر قال: "أسلم الرفيل فأعطاه عمر أرضه بخراجها وفرض له ألفین". وهذا شاهد حسن، وللأثر طرق عديدة عند یحیی وعند أبى عبيد فى "الأموال"، وعند أبی یوسف فى الخراج له. معه حاشيته آل كسرى أو من أخذ نحو بلخ منهم مع يزدجرد، لقوا رسول يزدجرد الذى كان بعث إلى ملك الصين وأهدى إليه معه. ومعه جواب كتابه من ملك الصين. فسألوه عما ورائه فقال: لما قدمت عليه بالكتاب والهدايا كافأنا بما ترون، وأراهم هديته، وأجاب يزدجرد: فكتب إليه بهذا الكتاب بعد ما كان، قال لى: قد عرفت أن حقا على الملوك إنجاد الملوك على من غلبهم، فصف لى صفة هؤلاء القوم الذين أخرجوكم من بلاد كم، فإنى أراك تذكر قلة منهم وكثرة منكم ولا يبلغ أمثال هؤلاء القليل منكم إلا بخير عندهم وشر عندكم. فقلت: سلنى عما شئت فقال: أيوفون بالعهد؟ قلت: نعم قال: وما يقولون لكم قبل أن يقاتلونكم؟ قلت: يدعوننا إلى واحدة من ثلاث إما دينهم، فإن أجنباهم أجرونا مجراهم، أو الجزية. والمنعة، أو المنابذة، قال: فكيف طاعتهم لأمرائهم؟ قلت: أطوع قوم لمرشدهم. قال: فما يحلون وما يحرمون؟ فأخبرته، فقال: أ يحرمون ما حلل لهم أو يحلون ما حرم عليهم؟ قلت: لا قال: فإن هؤلاء القوم لا يهلكون أبدا حتى يحلوا حرامهم ويحرموا حلالهم وكتب معه إلى يزدجرد: أنه لم يمنعنى أن أبعث إليك بجيش أوله بمرو وآخره بالصين الجهالة بما يحق على، ولكن هؤلاء القوم الذين وصف لى رسولك صفتهم لو يحاولون الجبال لهدوها. ولو خلى لهم سربهم أزالونى ما داموا على ما وصف، فسالمهم وارض منهم بالمساكنة ولا تهجهم ما لم يهيجوك، ولما وصل الرسول بالفتح والوفد بالخبر، ومعهم الغنائم بعمر بن الخطاب رضى الله عنه خطب الناس، وقال فى خطبته: ألا إن الله قد أهلك ملك المجوسية فليسوا يملكون من بلادهم شبرا يضر بمسلم، ألا وإن الله قد أورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأبناءهم لينظر كيف تعملون؟ والله بالغ أمره ومنجز وعده، ومتبع آخر ذلك أوله، فقوموا فى أمره على رجل يوفّى لكم بعهده، ويؤتيكم وعده، ولا تبدلوا ولا تغيروا، فيستبدل الله بكم غيركم، فإنى لا أخاف على هذه الأمة أن تؤتى إلا من قبلكم اهـ (٢٦٧:٤). قلت: وهذا وإن لم یکن مما نحن بصدده فى هذا الكتاب، فلا بد من التنبیه علیه فى باب ٤١٢ بيان الأراضى الخراجية إعلاء السنن ٤٠٨٩- عن الأحوص بن حكيم "أن المسلمين الذين فتحوا حمص لم يدخلوها بل عسكروا على نهر الأربد فأحيوه فأمضاه لهم عمر وعثمان، وقد كان منهم ناس تعدوا إذ ذاك إلى جسر الأربد الذى على باب الرستن فعسكروا فى مرجه مسلحة لمن حلفهم من المسلمين، فلما بلغهم ما أمضاه عمر للعسكرين على نهر الأربد سألوا أن يشركوهم فى تلك القطائع، وكتبوا إلى عمر فيه، فكتب أن يعوضوا مثله من المروج التى كانوا عسكروا فيها على باب الرستن، فلم تزل تلك القطائع على شاطئ الأربد، وعلى باب حمص، وعلى باب الرستن ماضية لأهلها لا خراج عليها تؤدى العشر"، رواه ابن عائد فى " كتابه" بإسناده قاله الموفق فى "المغنى" (ص٥٨٩). الجهاد، ليعلم القوم طريق فلاحه وسبيل نجاته وعاقبة أمره، وإن الله لا يغير ما بقوم حتى غير وإما بأنفسهم، فأحلوا حرامه وحرموا حلاله، وإن الأمة لم تؤت إلا من قبلها، فطوبى لهم إن انتبهوا. وهنيئا لهم لو تفقهوا ﴿وإن هذا صراطى مستقيما فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله﴾. اللهم لا تهلكنا بذنوبنا ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا، واغفر اللهم لنا ذنوبنا ووفقنا لما تحب وترضى، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، واخذل الكفرة والمشركين، اللهم وأصلح ذات بيننا وألف بين قلوبنا وانصرنا على عدوك وعدونا إله الحق، آمين، وصلى الله على سيد المرسلین سیدنا محمد، وآله وأصحابه أجمعين. قوله: "عن الأحوص بن حكيم إلخ". فيه دلالة على الجزء الآخر من الباب أن ما يختطه. المسلمون من أرض العنوة أو يقطعه الإمام أحدا لا يؤخذ منه الخراج، بل يؤخذ منها العشر فإن الإقطاع بمنزلة التقسيم ولو قسمت الأرض على المسلمين صارت عشرية، فكذا هذا، ولأن ابتداء التوظيف على المسلم لا يكون إلا بالعشر وإنما يوظف الخراج على الكافرين. قال الإمام أبو يوسف فى "الخراج" له: حدثنى بعض أهل المدينة من المشيخة القدماء قال: وجد فى ديوان عمر رضى الله عنه أنه أصفى أموال كسرى وآل كسرى، وكل من فر عن أرضه وقتل فى المعركة، وكل مغيض ماء أو أجمة فكان عمر رضى الله عنه عنه يقطع من هذه لمن أقطع. قال أبو يوسف: وذلك بمنزلة المال الذی لم یکن لأحد ولا فی ید وارث، فللإمام العادل أن یجیز منه، ویعطی من کان له غناء فى الإسلام ويضع ذلك موضعه، ولا يجابى به وإنما صارت القطائع يؤخذ منها العشر لأنها بمنزلة الصدقة، (فينبغى أن يؤخذ منها الصدقة)، وإنما ذلك إلى الإمام إن رأى أن يصير عليها عشرا فعل، وإن رأى أن يصير عليها عشرين فعل، وإن رأى أن يصيرها خراجًا إذا كانت تسقى من أنهار ج - ١٢ بيان الأراضى الخراجية ٤١٣ ٤٠٩٠- حدثنا الحسين بن جنيد الدامغانى ثنا عتاب بن زياد المروزى ثنا أبو حمزة (السکری ثقة. مؤلف)، سمعت مغیرة الأزدی یحدث عن محمد بن زید عن حيان الأعرج عن العلاء بن الحضرمى "قال: بعثنى رسول الله مّه إلى البحرين أو إلى هجر فكنت آتى الحائط يكون بين الإخوة يسلم أحدهم فأخذ من المسلم العشر، الخراج فعل ذلك موسعا عليه فى أرض العراق خاصة، وإنما يؤخذ منها العشر لما يلزم صاحب الأقطاع من المؤنة فى حفر الأنهار وبناء البيوت وعمل الأرض، فمن ثم صار عليه العشر لما يلزم من المؤنة اهـ ملخصا (ص٦٩) قلت: وأما قطائع الشام فلم يضرب عليها إلا العشر كما فى حديث المتن. قوله: "حدثنا الحسين بن جنيد إلخ". فيه دليل على أن أرض من أسلم طوعًا من غير عنوة عشرية لا خراجية، فإن أهل البحرين أو هجر أسلموا على أراضيهم طوعًا من غير قتال، ومن بقى على مجوسية أو نصرانية ضرب النبى معَ ◌ّ عليهم الجزية، كما سيأتى. فلذا كان العلاء يأخذ من مسلمهم العشر ومن كافرهم الخراج، وفيه دليل على ما قاله أصحابنا: إن وظيفة المسلم فى أرضه العشر ووظيفة الكافر فى أرضه الخراج. قال فى "الهداية": وكل أرض أسلم أهلها أو فتحت عنوة، وقسمت بين الغانمين فهى أرض عشر، لأن الحاجة إلى ابتداء التوظيف على المسلم، والعشر أليق به، وكل أرض فتحت عنوة وأقر أهلها عليها، فهى أرض خراج. وكذا إذا صالحهم لأن الحاجة إلى ابتداء التوظيف على الكافر، والخراج أليق به. ومكة مخصوصة من هذا فإن رسول الله عَ لّم فتحها عنوة، وتركها لأهلها ولم يوظف الخراج اهـ (٢٧٩:٢). بيان الأنواع الأربعة للأراضى العشرية فائدة: قال الإمام أبو عبيد فى "الأموال" له: "ولا تكون الأرض عشرية إلا من أنواع أربعة، أحدها: كل أرض أسلم عليها أهلها فهم مالكون لرقابها، كالمدينة والطائف واليمن والبحرين، وكذلك مكة، إلا أنها كانت افتتحت بعد القتال، ولكن رسول الله م ظلّ من عليهم، فلم يعرض لهم فى أنفسهم، ولم يغنم أموالهم (قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل، العلم على أن كل أرض أسلم أهلها عليها قبل قهرهم عليها، أنها لهم وأن أحكامهم أحكام المسلمين، وأن عليهم فيما زرعوا فيها الزكاة، ذكره الموفق فى "المغنى" (٥٩٠:٢). والنوع الثانى: كل أرض أخذت عونةً، ثم إن الإمام لم ير أن يجعلها فيئا موقوفًا، ولكنه رأى أن يجعلها غنيمة فخمسها، وقسم أربعة أخماسها بين الذين افتتحوها خاصة، كفعل رسول الله عَزِّ بأرض خيبر، فهذه أيضا ملك أيمانهم ليس فيها غير العشر، وكذلك الثغور كلها إذا ٤١٤ بيان الأراضى الخراجية إعلاء السنن والمشرك الخراج". رواه ابن ماجه (ص١٣٣)، وفيه انقطاع بين حيان الأعرج وبين العلاء، فإن الأعرج هذا من أتباع التابعين، كما فى "التهذيب" (٦٨:٣)، وهذا مرسل . لا بأس به، فإنه ليس فيه من أجمع علی تر که. قسمت بين الذين افتتحوها خاصة، وعزل عنها الخمس لمن سمى الله تبارك وتعالى (قلت: ولم يثبت أن رسول الله عَّ قسم خيبر بعد أن خمسها(١). ومن ادعى فعليه البيان، وإنما قسم نصفها بين المسلمين، وحبس نصفها للنوائب. وقال الموفق فى "المغنى": " ولم نعلم أن شيئا مما فتح عنوة قسم بين المسلمين إلا خيبر، فإن رسول الله عَّظلم قسم نصفها فصار ذلك لأهله لا خراج عليه، وسائر ما فتح عنوة مما فتحه عمر بن الخطاب رضى الله عنه ومن بعده كأرض الشام والعراق ومصر وغيرها لم يقسم منه شىء" اهـ (٢: ٥٨٠). والنوع الثالث: كل أرض عادية لا رب لها، ولا عامر أقطعها الإمام رجلا أقطاعا من جزيرة العرب أو غيرها كفعل رسول الله عَّه والخلفاء بعده فيما أقطعوا من بلاد اليمن واليمامة والبصرة وما أشبهها. والنوع الرابع: كل أرض ميتة استحياها رجل من المسلمين، فأحياها بالماء والنبات. فهذه الأرضون التى جاءت فيها السنة بالعشر، أو نصف العشر. وكلها موجودة فى الأحاديث. وما سوى هذه من البلاد، فلا تخلو من أن تكون أرض عنوة صيرت فيئا كأرض السواد والجبال والأهواز، وفارس وكرمان وإصبهان، والرى، وأرض الشام سوى مدنها ومصر، ومغرب، أو تكون أرض صلح مثل نجران، وأيلة وأذرح. ودومة الجندل وفدك، وما أشبهها مما صالحهم (١) ثم اطلعت على أثر عند يحيى بن آدم قال: حدثنا زياد بن عبد الله بن طفيل عن محمد بن إسحاق، قال: سألت ابن شهاب عن خيبر فأخبرنى أنه بلغه ((أن رسول الله مرّل افتتح خيبر عنوة بعد القتال، فخمسها رسول الله مَّه وقسمها بين المسلمين)) إلخ (كتاب الخراج ص٢٠). وذكره ابن هشام فى "تلخيصه لسيرة ابن إسحاق" بأطول من هذا (٢: ١٩٤). وأبو داود فى "سنته" بطريق يونس عن ابن شهاب مرسلا، قال: ((خمس رسول الله مرِّ خير، ثم قسم سائرها على من شهدها، ومن غاب عنها من أهل الحديبية)) اهـ (١٢٢:٣ مع "العون"). والصحيح أن الأرض لم تخمس بل قسم نصفها بين المسلمين وحبس نصفها للنوائب، وكان رسول الله عَّ ي يأخذ الخمس من تمر النصف، فيطعم منها أهله ويصرف الأصناف الأربعة الباقية إلى الأصناف الأربعة الباقين. يدل على ذلك ما رواه أبو داود بطريق ابن وهب عن أسامة بن زيد الليثى، عن نافع عن ابن عمر (١١٨:٣ مع "العون"). وهذا سند متصل صحيح، فيترجح على مرسل الزهرى، لا سيما وقد توافقت روايات السنن والمستدرك -على أنه مَّ قسم نصف خبير خاصة، ولو كان حكمها حكم الغنيمة نقسمها كلها بعد الخمس - قاله ابن القيم فى "الهدى" (٣٢٥:١). ج - ١٢ ٤١٥ باب من أحيا أرضا مواتا بماء الخراج فخراجية وإلا فعشرية ٤٠٩١- حدثنا أبو معاوية عن الشيبانى، عن محمد بن عبيد الله الثقفى، قال: خرج رجل من أهل البصرة من ثقيف يقال له: نافع أبو عبيد الله، وكان أول من افتلا الفلا، فقال لعمر بن الخطاب: "إن قبلنا أرضا بالبصرة، ليست من أرض الخراج، رسول الله ◌ّ صلحا، أو فعلته الأئمة بعده كبلاد الجزيرة، وبعض بلاد آرمينية وكثير من كور خراسان، فهذان النوعان من الأرضين الصلح والعنوة، التى تصير فيئا تكون عاما للناس فى الأعطية، وأرزاق الذرية، وما ينوب الإمام من أمور العامة اهـ (ص٥١٤). وقال الإمام المجتهد حسن ابن صالح: وأما سوادنا هذا، فإنا سمعنا أنه كان فى أيدى النبط فظهر عليهم أهل فارس، فكانوا يؤدون إليهم الخراج، فلما ظهر المسلمون على أهل فارس تركوا السواد ومن يقاتلهم من النبط والدها قین علی حالهم ووضعوا الجزیة علی رؤوس الرجال، ومسحوا عليهم ما کان فی أیدیهم من الأرض ووضعوا عليها الخراج، وقبضوا على كل أرض ليست فى يد أحد، فكانت صوافى إلى الإمام (كتاب الخراج لابن آدم ص٢٢). باب من أحيا أرضا مواتا بماء الخراج فخراجية وإلا فعشرية قوله: "حدثنا أبو معاوية إلخ". قلت: مرسل صحيح؛ فإن الشيبانى هو أبو إسحاق ومحمد ابن عبيد الله هو أبو عون الثقفى من رجال الصحيحين، ثقة من الرابعة (تقريب ص١٩٢). ثم اعلم أنه قد توهم بعضهم أن أرض الخراج عند الحنفية هى كل أرض بلغها ماء الخراج، قال أبو عبيد: وسمعت محمدا یحدثه عنه كذا فى "كتاب الأموال" (ص٧٢) وليس هذا تعريف أرض الخراج مطلقا، بل فى إحياء الموات خاصة، وإلا فكل أرض فتحت عنوة وأقر أهلها عليها، فهى خراجية، وإن سقيت بعين أو بماء السماء، لأن أهلها كفار والكفار لا يوظف عليهم إلا الخراج. وإن قسمت بين المسلمين لا يوظف إلا العشر وإن سقيت بماء الخراج فبالضرورة لا يتوقف كون الأرض عشرية ولا خراجية على ما تسقى به من الماء، إلا إذا كانت مواتا أحياها أحد بالماء والزرع. نبه علی ذلك المحقق فى "الفتح" (٢٨٠:٥). وقال الإمام أبو يوسف فى "الخراج" له: "ومن أحيا أرضًا مواتًا مما كان المسلمون افتتحوها، وقد كان الإمام قسمها بين الجند الذين افتتحوها وخمسها فهى أرض عشر لأنه حين قسمها بين المسلمين صارت أرضٍ عشر فيؤدى عنها الذى أحيا منها شيئا العشر، كما يؤدى هؤلاء الذين قسمها الإمام بينهم. وإن كان الإمام حين افتتحها تركها فى أيدى أهلها، ولم يكن قسمها بين من ٤١٦ من أحيا أرضا مواتا بماء الخراج فخراجية وإلا فعشرية إعلاء السنن ولا تضر بأحد من المسلمين، فإن رأيت أن تقطعنيها أتخذ فيها قضبا لخيلى فافعل. قال: فكتب عمر إلى أبى موسى الأشعرى: إن كانت كما يقول فأقطعها إياه". قال: وحدثنا افتتحها كما كان عمر بن الخطاب رضى الله عنه ترك السواد فى أيدى أهله فهى أرض خراج يؤدى عنها الذى أحيا منها شيئا الخراج ، كما يؤدى الذى كان الإمام أقرها فى أيديهم، وأيما رجل أحيا أرضًا من أرض الموات من أرض الحجاز أو أرض العرب التى أسلم عليها أهلها، وهى أرض عشر فهى له. وإن كانت من الأرضين التى افتتحها المسلمون مما فى أيدى أهل الشرك. فإن أحياها وساق إليها الماء من المياه التى كانت فى أيدى أهل الشرك فهى أرض خراج، وإن أحياها بغير ذلك الماء ببئر احتفرها أو عين استخرجها منها فهى أرض عشر، وإن كان يستطيع أن يسوقٍ إليها الماء من الأنهار التى كانت فى أيدى الأعاجم فهى أرض خراج ساقه أو لم يسقه، وأرض العرب مخالفة لأرض العجم فإن عفى لهم عن بلادهم فهى أرض عشر، وإن قسمها الإمام ولم يدعها لهم (أى للمشركين) فهى أرض عشر، وليس بشبه الحكم فى العجم، لأن العجم يقاتلون على الإسلام وعلى إعطاء الجزية والعرب لا يقاتلون إلا على الإسلام اهـ ملخصا (ص٧٨ و ٧٩). وبه تبين أن أبا يوسف لا يخالف محمدا فى اعتبار الماء بل وافقه إذا لم تكن الأرض التى أحياها المحبى فى حيز أرض الخراج أو العشر - أى بقرب منهما- فحينئذ يكون لها حكم ما هو فى حيزها، فافهم، فإنه من مزال الأقدام. وفى الحديث الذى أودعناه فى المتن دلالة على اعتبار الماء فإن نافعا أبا عبد الله كان قد ادعى فى الأرض التى استقطعها من عمر رضى الله عنه أنها ليست من أرض الخراج. فکتب عمر رضى الله عنه إلى أبى موسى أن يقطعها إياه إن لم تكن أرض جزية ولا أرضا يجرى إليها ماء جزية، فدل على أن ما يجرى إليها ماء الجزية أرض خراج عنده، وإلا لم يكن لقوله: ولا يجرى إليها ماء جزية معنًى. والأثر رواه البلاذرى (ص٣٤٦). وزاد فيه: قال عباد (بن العوام): بلغنى أنه نافع بن الحارث ابن كلدة طبيب العرب، وقال الوليد بن هشام بن مخذوم: ((وجدت كتابا عندنا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى المغيرة بن شعبة(١) سلام عليك فأنا أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو أما بعد! فإن أبا عبد الله ذكر أنه زرع بالبصرة فى إمارة ابن غزوان، وافتلى (١) ولى أمرة البصرة بعد عتبة بن غزوان، ثم وليبها أبو موسى الأشعرى. فلعل عمر رضى الله عنه كتب أولا إلى المغيرة فلم ينفذ ما أمره به، حتى عزله عنها، ووليبها أبو موسى فكتب إليه ثانيًا، فافهم. 2.7 ج - ١٢ من أحيا أرضا مواتا بماء الخراج فخراجية وإلا فعشرية ٤١٧ عباد بن العوام عن عوف بن أبى جميلة، قال: قرأت كتاب عمر إلى أبى موسى "أن أبا أولاد الخيل حين لم يفتلها أحد من أهل البصرة، وأنه نعم ما رأى فأعنه على زرعه، وعلى خيله، فإنى قد أذنت له أن يزرع وآته أرضه التى زرع إلا أن تكون أرضًا عليها الجزية من أرض الأعاجم أو يصرف إليها ماء أرض عليها الجزية، ولا تعرض له إلا بخير والسلام عليك ورحمة الله)). وكتب معيقيب ابن أبى فاطمة فى صفر سنة سبع عشر كذا فى هامش "كتاب الأموال" (ص٢٧٨). دليل الإمام أبى حنيفة فى مسألة إحياء الموات واحتج الطحاوى بهذا الأثر لأبى حنيفة الإمام فى قوله: لا يكون الأرض التى تحمى لمن أحياها إلا بأمر الإمام وإذنه فى ذلك. فقال: أ فلا ترى أن عمر لم يجعل له أخذها ولا جعل له ملكها، إلا بإقطاع خليفة ذلك الرجل إياها، ولولا ذلك لكان يقول له: وما حاجتك إلى إقطاعى إياك لأن لك أن تحييها دونى، وتعمرها فتملكها فدل ذلك أن الإحياء عند عمر، هو ما أذن الإمام فيه للذى يتولاه وملكه إياه. وقد دل على ذلك أيضًا ما حدثنا ابن مرزوق ثنا أزهر السمان عن ابن عون عن محمد (هو ابن سيرين) قال: قال عمر: ((لنا رقاب الأرض)) قال: فدل ذلك أن رقاب الأرضين كلها إلى أئمة المسلمين، وأنها لا تخرج من أيديهم إلا بإخراجهم إياها اهـ (١٥٨:٢). وبالجملة فقد اختلفت العلماء فى معنى قوله معرّه: ((من أحبى أرضا مواتا فهى له)) فقال قوم: خرج التشريع العام، فمن أحيا أرضا ملكه سواء أذن له الإمام أو لم يأذن وبه قال أبو يوسف ومحمد والجمهور. وقال أبو حنيفة رحمه الله: إنه ليس على وجه التشريع، بل على وجه التحريض على إحياء الموات، كقوله: ((من قتل قتيلا فله سلبه)) وكل ما خرج مخرج التحريض لا يكون شرعًا عامًا، بل يختص بمكان كالثانى، أو بزمان حياته معَّه كما نحن بصدده، فإن قيل: الظاهر المتبادر من أقواله عَّه إنما هو التشريع قلنا: نعم، ولكن قد يدل دليل على كون بعض أقواله على وجه التحريض، منه ما ذكرنا، ومنه قوله فى واقعة الفتح: ((من أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن)) فإنه خرج مخرج التحريض على الاستثمان. ومما يدل على أن قوله: "من أحبى أرضا مواتًا فهى له". لم يخرج مخرج التشريع ما رواه أبو عبيد فى "الأموال" حدثنا أحمد بن عثمان(١) المروزى عن عبد الله بن المبارك عن معمر عن ابن (١) قلت: هو أحمد بن محمد بن ثابت بن عثمان الخزاعى أبو الحسن بن شبويه المروزى، نسب إلى جده الأعلى كان حافظا فاضلا ثقة ثبتا متقنا فى الحديث كما فى "تهذيب التهذيب" (٧:١). وعادى الأرض هى التى كان بها ساكن فى آباد الدهر فانقرضوا فلم يبق منهم أنيس وإنما نسبها إلى عاد لأنهم كانوا مع تقدمهم ذوى قوة وبطش، وآثار كثيرة فنسب كل أثر قديم إليهم قاله أبو عبيد كما فى "المغنى" (١٤٩:٦). وباقى رجال الإسناد لا يسأل عنهم فالأثر مرسل صحيح. ٤١٨ من أحيا أرضا مواتا بماء الخراج فخراجية وإلا فعشرية إعلاء السنن عبد الله سألنى أرضا على شاطىء دجلة، فإن لم تكن أرض جزية ولا أرضا يجرى إليها ماء جزية فأعطها إياه". رواه أبو عبيد فى "الأموال" (ص٢٧٧). ورجاله ثقات. طاوس عن أبيه قال: قال رسول الله عَّه: ((عادى الأرض لله ولرسوله ثم هى لكم، قال: قلت: ((أى ابن طاوس! وما يعنى؟ قال: تقطعونها للناس)) اهـ (ص٢٧٢) وهذا تفسير من الراوى وهو أعرف بما رواه من غيره وقد فسر قوله: ثم هى لكم بقوله: ((تقطعونها للناس)) ولا يخفى أن الإقطاع إلى الإمام لا إلى أحد غيره، وأيضا فما كان لله ولرسوله فهو خليفته من بعده لا يخرج من يده إلا بإخراجه إياه إلى ما رأى على حسن النظر منه للمسلمين كقوله عّ لّهِ: ((لا حمى إلا لله ولرسوله). أخرجه الطحاوى بسند صحيح (١٥٧:٢). وقد اتفقوا على أن الحمى إلى الإمام، والخليفة بعده لا يجوز لأحد غيره أن يحمى من الأرض شيئا. قال الموفق فى "المغنى": "وليس لأحد من الناس سوى الأئمة أن يحمى لما ذكرنا من الخبر والمعنى. قال: وبهذا قال أبو حنيفة ومالك والشافعى فى صحيح قوليه اهـ" (١٦٦:٦). فدل ذلك أن حكم الأرضين إلى الأئمة لا إلى غيرهم، وإن حكم ذلك غير حكم الصيد وماء الأنهار، فإنه أى الصيد وماء الأنهار من المباحات التى لا يجوز للإمام تمليكها أحدا. ورأيناه لو ملك رجلا أرضًا ميتة، ثم ملكها لرجل آخر جاز، وكذلك لو احتاج الإمام إلى بيعها فى نائبة للمسلمين جاز بيعه لها، ولا يجوز له ذلك فى ماء نهر ولا صيد بر ولا بحر. وإذا كان كذلك دل ذلك على أن حکم الموات من الأرض إلى الإمام، وأنها فى يده كسائر الأموال التى فى يده للمسلمين، لا يملكها أحد بأخذه إياها حتى يكون الإمام يملكها إياه على حسن النظر منه للمسلمين. وبهذا تبين بطلان قياس من قاسها على الصيد وماء الأنهار، والحديث الذى فتحناه به الباب أصرح دليل على أن أمر الموات إلى الإمام لا يملكها أحد إلا بإذنه وتمليكه إياه، وإنما تكلمت على مسألة إحياء الموات ههنا لكون الحبيب قد اقتصر على الأدلة القياسية فى بابها، ولم يشد قول الإمام بالأحاديث، ومما يدل على اشتراط إذن الإمام فى الإحياء ما مر ذكره فى باب "لا يستحق القاتل سلب القتيل، إلا إذا سبق من الإمام أو نائبه تنفيل إلخ من حديث معاذ رضى الله عنه مرفوعًا: ليس للمرء إلا ما طابت به نفس إمامه، وقد ذكرنا هناك فى المتن والحاشية صلاحية الأثر للاحتجاج فيحمل المطلق أى - من أحيا أرضا مواتًا فهى له- على هذا المقيد لكونهما واردين فى حادثة واحدة. لأن الموات غنيمة أيضا فلا بد للاختصاص بها من إذن الإمام كسائر الغنائم، وقد بسط صاحب "البدائع" الكلام فى الباب، فليراجع. جز غير فار .7 B D ج - ١٢ ٤١٩ باب الخراج الذى وضعه عمر رضى الله عنه على أرض السواد ٤٠٩٢- حدثنى السرى بن إسماعيل عن عامر الشعبى "أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه مسح السواد فبلغ ستة وثلاثين ألف ألف جريب وأنه وضع على جريب الزرع درهما وقفيزا وعلى الكرم عشرة دراهم، وعلى الرطبة خمسة دراهم وعلى الرجل اثنى عشر درهما، وأربعة وعشرين درهمًا، وثمانية وأربعين درهما". أخرجه الإمام أبو يوسف فى "الخراج" له (ص٤٢)، ثم أخرجه ثانيا (ص٤٤) بهذا السند بعينه بلفظ: وعلى كل أرض يبلغها الماء عملت، أو لم تعمل درهمًا، ومختوما قال عامر (هو الشعبى) هو الحجاجى وهو الصاع اهـ. قلت: "السرى" ضعيف عند المحدثين، ولكن أبا يوسف احتج به، واحتجاج مثله بحديث تصحيح له، ومراسيل الشعبى صحاح، کما مر غير مرة وله شاهد. باب الخراج الذى وضعه عمر رضى الله عنه على أرض السواد قوله: "حدثنى السرى إلخ". دلالته على الباب ظاهرة وفى "الهداية": والخراج الذى وضعه عمر على أهل السواد من كل جريب يبلغه الماء قفيز هاشمى وهو الصاع ودرهم ومن جريب الرطبة خمسة دراهم، ومن جريب الكرم المتصل والنخيل المتصل عشرة دراهم. هذا هو المنقول عن عمر، فإنه بعث عثمان بن حنيف فمسح فبلغ ستا وثلاثين ألف ألف جريب ووضع على ذلك ما قلنا، وكان ذلك بمحضر من الصحابة من غير نكير، فكان إجماعًا منهم اهـ (٢٨٢:٥ مع "الفتح"). قلت: وإنما قيد النخيل، والكرم بالمتصل احترازًا عما إذا نبت شىء منهما بعمل الأرض لا بعمل صاحبها، ومساقاته ومثله أكثر ما يكون متفرقًا غير متصل فلا شىء عليه لكونه تبعا للأرض غير مقصود بذاته فيكتفى بخراج الأرض ولا يؤخذ من خراج الشجر شىء وهذا هو محمل ما رواه أبو يوسف حدثنى الحسن بن عمارة عن الحكم عن عمرو بن ميمون وحارثة بن مضرب ((قال: بعث عمر بن الخطاب رضى الله عنه عثمان بن حنيف على السواد، وأمره أن يمسحه، فوضع على كل جريب عامر أو غامر مما يعمل مثله درهمًا وقفيزا وألغى الكرم والنخل والرطاب، وكل شىء من الأرض)) (كتاب الخراج ص٤٥)، فإنما ألغى من الكرم والنخل والرطاب ما كان متفرقًا نبت بعمل الأرض لا بعمل صاحبها، بدليل ما رواه أبو يوسف أيضا عن السرى عن الشعبى -وفيه- وعلى ما سقت السماء من النخل العشر، وعلى ما سقى بالدلو نصف العشر، ٤٢٠ الخراج الذى وضعه عمر رضى الله عنه على أرض السواد إعلاء السنن ٤٠٩٣- عن وكيع عن ابن أبى ليلى عن الحكم عن عمر: "أنه بعث عثمان بن حنيف على السواد فوضع على كل جريب عامر أو غامر يناله الماء درهما وقفيزا يعنى الحنطة والشعير، وعلى كل جريب الكرم عشرة وعلى كل جريب الرطبة خمسة". أخرجه ابن أُبی شیبة فی "مصنفه" (ص٦٢)، وهو مرسل حسن. ٤٠٩٤- حدثنا المجالد بن سعيد عن عامر الشعبى "قال: لما أراد عمر بن الخطاب أن يمسح السواد فذكر حديثا طويلا - وفيه- ووضع على كل جريب عامر أو غامر يناله وما كان من نخل عملت أرضه فليس شىء اهـ ( ص٤٤). فاندحض ما قاله أبو عبيد ونصه: فأرى حديث الشعبى (وهو ما رواه مجالد عنه أن عثمان بن حنيف مسح السواد فوجده ستة وثلاثين ألف ألف جريب فوضع على كل جريب درهماً وقفيزا) غير تلك الأحاديث التى ذكر فيها وضع الخراج على الكروم والنخل والرطاب، ألا ترى أن عمر رضى الله عنه إنما أوجب الخراج على الأرض خاصة بأجرة مسماة فى حديث مجالد، وإنما مذهب الخراج مذهب الكراء فكأنه أکری كل جريب بدرهم وقفيز فى السنة وألغى من ذلك النخل والشجر فلم يجعل لها أجرة. وهذا حجة لمن قال: إن السواد فىء للمسلمين، وإنما أهلها فيها عمال لهم بکراء معلوم يؤدونه ویکون باقی ما تخرج الأرض لهم. وهذا لا يجوز إلا فى الأرض البيضاء، ولا يكون فى النخل والشجر لأن قبالتهما لا تطيب بشىء مسمى فيكون بيع الثمر قبل أن يبدو صلاحه، وقبل أن يخلق وهذا الذى كرهت الفقهاء من القبالة اهـ (ص٦٩ و ٧٠). قلت: وكيف يكون ذلك حجة لمن ذکرته؟ ومجالد ليس بأقوى ممن ذكروا وضع الخراج على الكروم والنخيل والرطاب، كما سنذكره، فكيف يكون عدم ذكره بشىء دليلا على خطأ من ذكره من الثقات؟ ولو سلم فقد بينا لك معنى قوله: وألغى من ذلك النخل والشجر أى ألغى ما كان قد نبت منها ولم يلغ ما كان منها فى الحوائط والبساتين، وإنما اضطر أبو عبيد إلى كل ذلك تمشية لمذهبه أن أرض السواد فى مملوكة للمسلمين وليست بمملوكة لأهلها من أهل الذمة، فلزمه القول بكون الخراج أجرة الأرض وكراءها ونحن نقول: إن عمر رضى الله عنه كان قد رد الأرض إلى أهلها ملكا لهم، وصالحهم على خراج مسمى وليس هو بكراء وأجرة بل هو جزية الأرض، كما ضرب على رؤوسهم جزية من الدراهم والدنانير، وإذا لم يكن أجرة لم يكن قبالة، فافهم. قوله: حدثنا المجالد بن سعيد إلخ. قلت وتمامه: لما أراد عمر بن الخطاب رضى الله عنه أن يمسح السواد أرسل إلى حذيفة أن أبعث إلى هدهقان من خوجى، وبعث إلى عثمان بن حنيف أن