النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
إعلاء السنن
الرجل، فجئتك فى ذلك. فقال: إنى لفى ذلك فمشيت معه ساعة حتى إذا أمكننى علوته
بسیفی حتی برد)». رواه أحمد وأبو داود، وسكت عنه هو، والمنذرى وحسن إسناده
الحافظ فى "الفتح" (نيل الأوطار ٢١٣:٣).
باب إذا استحلف أهل الحرب الأسير وأطلقوه على أن لا يقاتلهم
٤٠٤٤- عن حذيفة بن اليمان قال: " ما منعنى أن أشهد بدرا إلا أنى خرجت أنا
وأبى الحسين فأخذنا كفار قريش، فقالوا: إنكم تريدون محمد؟ فقلنا: ما نريده وما نريد
إلا المدينة. قال: فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننطلق إلى المدينة، ولا نقاتل معه، فأتينا
الأموال لأن ما أظهروا لو كان حقيقة لم يكن بينهم وبين أهل الحرب أمان، فإن بعضهم ليس فى
أمان من البعض حتى لو استولى عليه أو على ماله يملك وإذا أسلم عليه كان سالما له، يوضحه أنهم
ما خلوا سبيلهم بناء على استئمان منهم صورة أو معنى وإنما خلوا سبيلهم بناء على أنهم منهم فهذا
وقولهم: "نحن منكم" سواء وكذلك لو أخبروهم أنهم قوم من أهل الذمة أتوهم ناقضين للعهد مع
المسلمين فاذنوا لهم فى الدخول فهذا والأول سواء، لأنهم خلوا سبيلهم على أنهم منهم، وإن الدار
تجمعهم والإنسان فى دار نفسه لا يكون مستأمنا واستدل عليه بحديث عبد الله بن أنيس حين قال
لسفيان بن عبد الله (الصحيح خالد بن سفيان): جئت لأنصرك، وأكون معك ثم قتله، فدل أن
مثل هذا لا يكون أمانا اهـ (٣١٦:١)، والظاهر أن ذلك بلغ النبى معَّ ◌ُّه فلم ينكر عليه، وإلا نقل،
ولم يتركه المحدثون، والله تعالى أعلم.
باب إذا استحلف أهل الحرب الأسير وأطلقوه على أن لا يقاتلهم
قوله: "عن حذيفة بن اليمان إلخ" قال فى شرح السير: وإن كانوا قالوا أى أهل الحرب لهم
أى الأسراء نخلى سبيلكم إلى بلادكم على أن لا تأخذوا من أموالنا شيئا فأجابوهم إلى ذلك فليس
ينبغى لهم أن يأخذوا من أموالهم شيئا، لأنهم شرطوهم ترك التعرض لهم فى أموالهم والمسلمون
عند شروطهم كما قال رسول الله عّ لّه اهـ (٢٤٤:٣) قلت: وفى قصة حذيفة ما يدل على ما قاله
محمد فإن المشركين خلوه وأباه على أن الا يقاتلاهم مع النبى معَ ◌ّ ببدر، فأمرهم النبى عرّ له
بالإيفاء، فافهم، قال فى "شرح السير": لأنهم أى الأسراء فيما التزموا بالشرط نصا بمنزلة
المستأمنین فیہم (٣: ٢٤٥).
قال الموفق فى "المغنى": إن الأسير إذا خلاه الكفار، واستحلفوه على أن يبعث إليهم بفداءه
أو يعود إليهم نظرت، فإن أكرهوه بالعذاب لم يلزمه الوفاء لهم برجوع، ولا فداء لأنه مکره،

ج - ١٢
إذا استحلف أهل الحرب الأسير وأطلقوه على أن لا يقاتلهم
٣٦٢
رسول الله مَّ له فأخبرناه الخبر، فقال: انصرفا نفى لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم
رواه أحمد ومسلم (نيل الأوطار ٢٣٧:٧).
بيب
فلم يلزمه ما أكره عليه لقول النبى مه له ((عفى لأمتى عن الخطاء والنسيان وما استكرهوا عليه)).
وإن لم يكره عليه، وقدر على الفداء الذى التزمه لزمه أداءه. وبهذا قال عطاء والحسن والزهرى
والنخعى والثورى والأوزاعى.
وقال الشافعى: لا يلزمه لأنه حر لا يستحقون بدله. ولنا قول الله تعالى: ﴿وأوفوا بعهد الله
إذا عاهدتم﴾ وقال ◌َ : ((إنا لا يصلح فى ديننا الغدر)) ولأن فى الوفاء مصلحة للأساری، وفى
الغدر مفسدة فى حقهم، لأنهم لا يأمنون بعده (فلا يطلقون أسيرا مسلما قط) والحاجة داعية إليه»
فأما إن عجز عن الفداء نظرنا، فإن كان المفادى امرأة لم ترجع إليهم ولم يحل لها ذلك، لقول الله:
تعالى: ﴿فلا ترجعوهن إلى الكفار﴾ ولأن فى رجوعها تسليطا لهم على وطئها حرام وقد منع الله
تعالى رسوله رد النساء إلى الكفار بعد صلحه على ردهن فى قصة الحديبية رواه أبو داود وغيره، م
وإن كان رجلا ففيه روايتان: إحداهما: لا يرجع أيضا - وهو قول الحسن والنخعى والثورى
والشافعى - لأن الرجوع إليهم معصية، فلم يلزم بالشرط، كما لو كان امرأة، وكما شرط قتل:
مسلم، أو شرب الخمر.
شجاع حالة انالباشا
والثانية: يلزمه وهو قول عثمان والزهرى والأوزاعى ومحمد بن سوقة لما ذكرنا فى بعث
الفداء، ولأن النبى ◌ّ ◌ُّه قد عاهد قريشا على رد من جاءه مسلما ورد أبا بصير، وقال: إنا لا يصلح
فى ديننا الغدر وفارق رد المرأة من ثلاثة أوجه تقدمت. فإن الله تعالى فرق بينهما فى هذا الحكم اهـ
ملخصا (٥٤٨:١٠) ..
قلت: ومقتضى قواعدنا لزوم بعث الفداء وحرمة الرجوع. فإن ما فعله رسول الله فى قصة:
الحديبية من التزامه رد المسلم إلى الكفار منسوخ عندنا، كما تقدم، وإذا عجز عن الفداء بعث الإمام
فداوه من بيت مال المسلمين لما فيه من مصلحة الأسارى عامة. ولما منع الله تعالى رد النساء إلى
الكفار مع أن الرد كان مشروطا فى الصلح أمر برد ما أعطاها الزوج، كما قال ﴿وآتوهم ما
انفقوا﴾ للوفاء بذلك الشرط قاله فى "شرح السير" (٦٤:٣).
ربع دالة صيفله منفي ال
الرد على ابن حزم:
وقال ابن حزم فى "المحلى": وإن كان أسيرا عند الكفار فعاهدوه على الفداء وأطلقوه،
فلا يحل له أن يرجع إليهم، ولا أن يعطيهم شيئا، ولا يحل للإمام أن يجبره على أن يعطيهم شيئا،

/ ٢ ٣٦٣
إذا استحلف أهل الحرب الأسير وأطلقوه على أن لا يقاتلهم
إعلاء السنن
٤٠٤٥- عن: أبى هريرة رضى الله عنه مرفوعًا: (المسلمون على شروطهم))، رواه
أبو داود والحاكم وزاد الترمذى: (إلا شرطا حرم حلالا أو حلل حراما)) العزيزى
(٣٧٨:٣)، وقال الترمذى (١٢١:١)، هذا حديث حسن صحيح . .
٢٤
فإن لم يقدر على الانطلاق(1) إلا بالفداء ففرض على المسلمين أن يفدوه إن لم يكن له مال يفى
بفدائه قال الله عز وجل: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾، وأسار المسلم أبطل الباطل، وأخذ.
الكافر والظالم ما له فداءٍ من أيطل الباطل، فلا يحل إعطاء الباطل ولا العون عليه. (قلت: كل ذلك:
مسلم إذا كانوا أكرهوا الأسير بالعذاب وأما إذا لم يكره عليه بل عرضوا عليه أن يخلص نفسه من
الأسير بفداء يبعثه إليهم فرضى بذلك، والتزمه فليس ذلك من الباطل، ألا ترى أنه تعرّ ه كان بعث
إلى قائدى غطفان فى غزوة الأحزاب فأعطاهما ثلث تمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما، فجرى
بينه وبينهما الصلح، ولم تقع الشهادة، فأرسل إلى السعدين يستشيرهما فأبيا ذلك، فلم يتم الصلح
كما مر كل ذلك فى باب الموادعة مع الكفار باعطاءهم المال إلخ. فهل ترى أنه مُ لّه رضى باعطاء
الباطل؟ كلا حاشاه عن ذلك، فكذلك الأسير إذا التزم الفداء لخلاص، نفسه لم يكن ذلك باطلا، بل
هو عقد موادعة، واستئمان منه لنفسه ببذل شىء من المال، وفى الوفاء مصلحة للأسارى عامة وفى
الغدر مفسدة فى حقهم جمعيا لأنهم لا يأمنون بعده أحدا فالحاجة داعية إليه فلزمه الوفاء كما.
يلزمه الوفاء يعقد الهادئة، لأنه عاهدهم على أداء مال، وكان ابن حزم لا يحفظ من كتاب الله إلا
قوله: ﴿لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾، فما أكثر ما يحتج به فى "المحلى"، فهل نسى قوله
تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ وقوله: ﴿وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا﴾ وقوله:"
﴿وَأوفوا بعهد الله إذا عاهدثم﴾ وقوله علّ: (المسلمون على شروطهم) وقوله لحذيفة وأبيه :.
(أنصرفًا نفى لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم)) مؤلف).
قال ابن حزم: وتلك العهود والأيمان التى أعطاهم لا شىء عليه فيها لأنه مكره عليه؛ إذ
لا سبيل له إلى الخلاص ولا يحل له البقاء فى أرض الكفر وهو قادر على الخروج وقد قال رسول
اللّه ◌َ له: ((رفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)) (٣٠٨:٧).
قلنا: تأويله ما استكرهوا عليه بالعذاب وأما إذا أعرض أهل الحرب على الأسير أن يخلص
نفسه من الأسر بفداء يبعثه إليهم فرضى بذلك، والتزمه فليس هذا من الإكراه فى شىء بل هو عقد
(١) أى الخلاص من أطلقته فانطلق.

٣٦٤
.ج - ١٢
باب يجوز للأسير أن يقتل من قدر عليه من أهل الحرب
ويأخذ من أموالهم ما لم يؤتمن عليه
٤٠٤٦- ابن وهب عن عقبة بن نافع عن يحيى بن سعيد "أنه قال: من أسره
العدو، فأتمنوه على شىء من أموالهم فليؤد أمانته إلى من أتمنه، وإن كان مرسلا يقدر
هدنة وموادعة واستئمان كمثل فئتين تلتقيان فئة تقاتل فى سبيل الله وأخرى كافرة فغلبت الكافرة
على المسلمة وقهرتها، ثم عرضت على المسلمة أن تصالحها على مال تبذله لها. فهل يقول ابن حزم
ببطلان هذا الصلح وعدم وجوب المال وأن لا شىء على المسلمين فى تلك العهود والأيمان التى
أعطوها؛ لأنهم مكرهون عليها، إذا لا سبيل إلى الخلاص إلا بها، فإن قال بذلك فليبين لنا الفرق بين
الغدر، وبين هذا الفعل، وإن لم يقل به، فما الفرق بين الأسير وبين هذه الطائفة المقهورة حيث
لا يلزمه الوفاء بعهده ويلزمها؟
باب يجوز للأسير أن يقتل من قدر عليه من أهل الحرب
ويأخذ من أموالهم ما لم يؤتمن عليه
قوله: "ابن وهب إلخ" قلت: دلالته على معنى الباب ظاهرة. قال فى "شرح السير": إن
للمستأمن فى دار الحرب أن يأخذ مالهم بأى وجه يقدر عليه بعد أن يتحرز عن الغدر وليس لهم
العيب فيما يبيعه منهم مما يجوز مثله فى دار الإسلام أو لا يجوز لأن فيه معنى الغرور ولا بأس
للأسير والمسلم من أهل الحرب أن يدلس لهم العيب فيما يبيعه منهم، لأن لهما أن يأخذا أموالهم
بغير طيبة أنفسهم (٣: ٢٢٤) (لكونهم محاربين لا مستأمنين)، وفيه أيضا: ولو قالوا أى أهل الحرب
للأسراء أخرجوا إلى بلادكم فأنتم آمنون ولم يقل لهم الأسراء شيئا فلا بأس بأن يقاتلهم الأسراء
بعد هذا القول، ويأخذوا أموالهم لأن الأسراء ما التزموا لهم شيئا بالشرط واشتراط أهل الحرب
عليهم لا يلزمهم شيئا مما لم يلتزموه. وهذا بخلاف ما إذا جاءهم قوم من المسلمين ليدخلوا
دار الحرب، فقال لهم أهل الحرب: ادخلوا وأنتم آمنون فدخلوا ولم يشترطوا لهم شيئا لأن هناك
مجيئهم على سبيل الاستئمان بمنزلة التصريح بالاشتراط على أنفسهم أن لا يغدروا بهم ولا يوجد
هذا المعنى فى حق الأسراء لأنهم كانوا مقهورين فى أيديهم لا مستأمنين اهـ (٣: ٢٤٥).
قلت: لله دره من فقيه قد آتاه الله الحكمة وفهما فى الكتاب! فهل يستطيع أحد من أهل
الظاهر أن يفرق بين المثالين بمثل ما ذكره محمد رحمه الله؟ كلا لن يجدوا إلى ذلك سبيلا، وقال
أيضا: وكذلك لو قالوا أى أهل الحرب لهم أى للأسراء قد آمناكم فاذهبوا حيث شئتم، ولم يقل

٣٦٥
يجوز للأسير أن يقتل من قدر عليه من أهل الحرب ويأخذ مالهم
إعلاء السنن
على أن يتخلص منهم ويأخذ من أموالهم ما قدر عليه ما لم يؤتمن عليه فليفعل" (المدونة
لمالك ٣٨٣:١)، وسنده صحيح.
الأسراء شيئا (لم أر بأسا) أن يقتلوا من أحبوا منهم، ويأخذوا الأموال وييهربوا إن قدروا على ذلك،
لأنه إنما يحرم عليهم التعرض لهم بالاستئمان صورة أو معنى فيه يلزمون الوفاء ولم يوجد منهم
ذلك، وقول أهل الحرب لا يلزمهم شيئا لم يلتزموه اهـ (٣١٧:١).
وقال الموفق فى "المغنى": فإن أطلقوه -أى الأسير- وآمنوه صاروا فى أمان منه، لأن أمانهم
له يقتضی سلامتهم منه فإن أمكنه المضى إلى دار الإسلام لزمه، وإن تعذر عليه أقام وحكمه حكم
من أسلم فى دار الحرب. فأما إن أطلقوه ولم يؤمنوه فله أن يأخذ منهم ما قدر عليه ويسرق
ويهرب، لأنه لم يؤمنهم ولم يؤمنوه، وإن أطلقوه وشرطوا عليه المقام عندهم لزمه ما شرطوا عليه
لقول النبى معَّ له: ((المؤمنون عند شروطهم) وقال أصحاب الشافعى: لا يلزمه فأما إن أطلقوه على
أنه رقيق لهم، فقال أبو الخطاب: له أن يسرق ويهرب ويقتل لأن كونه رقيقا حكم شرعى لا يثبت
عليه بقوله ولو ثبت لم يقض أمانا له منهم ولا لهم منه هذا مذهب الشافعى، وإن احلفوه على
هذا فإن كان مكرها على اليمين (بالعذاب) لم تنعقد يمينه وإن كان مختارا فحنث كفر يمينه
ويحتمل أن تلزمه الإقامة على الرواية التى تلزمه إليهم فى المسألة الأولى وهو قول الليث اهـ
(٥٤٩:١٠ و ٥٥٠).
وقال محمد فى "السير الكبير": وإن كانوا أسراء فى أيديهم فقال: لو كانوا فى سجن من
سجونهم فقالوا: نؤمنكم على أن نخرجكم فتكونون فى بلادنا على أن لا ندعكم ترجعون إلى
بلاد كم، ولا تقتلوا منا أحدا ولا تأخذوا منا ما لا سرا ولا علانية، فرضى الأسراء بذلك فينبغى لهم
أن يفوا بهذا الشرط (أى عدم التعرض لنفوسهم وأموالهم) لأنهم فيما التزموا بالشرط نصا بمنزلة
المستأمنين فيهم، ألا ترى أنهم أمنوا بقبول ذلك من القتل والحبس، والعذاب. فإن وجدوا بعد هذا
عبدا أصابوه من المسلمين لم يسع لهم أن يأخذوه لأن ذا مال لهم لو أسلموا عليه كان لهم، ولو .
وجدوا حرة مأسورة أو مدبرة لم أر بأسا أن يأخذوها فيخرجوها، لأن أهل الحرب لم يملكوها، وإنما
شرطوا عليهم ترك التعرض لهم فى أموالهم اهـ (٢٤٥:٣). وفيه دلالة على عدم وجوب المقام
بأرض الحرب وأن كانوا شرطوا عليهم المقام، وإنما يجب عليهم ترك التعرض لنفوسهم وأموالهم
إذا أطلقوهم، وشرطوا عليهم ترك التعرض لها، ورضى الأسراء بذلك، وأما إذا أطلقوهم، وقالوا:
قد آمناكم، فاذهبوا حيث شئتم ولم يقل الأسراء شيئا فلا يحرم عليهم التعرض لنفوسهم، وأموالهم

ج - ١٢
٣٫٦٦٠
زم" .. إذا غدر أهل الحرب أو أهل الصلح أو ملكهم بالمستأمنين .....
٤٠٤٧- حدثنا يزيد بن هارون عن هشام بن حسان عن ابن سيرين "أن عمر بن
الخطاب استعمل عمير بن سعيد أو سعد غلى طائفة من الشام، فقدم عليه قدمة فقال:
يا أمير المؤمَّنين! إن بيننا وبين الروم مدينةً يقال لها: عرب السوس، وإنّهم لا يخفون على
لأن الأسراء لم يقولوا شيئا. ولا بد للاستئمان من قول أو فعل يدل عليه، وقول أهل الحرب لا
يلزمهم شيئا لم يلتزموه، كما تقدم، وأما إن أمانهم يقتضى سلامتهم من الأسراء كما قاله الموفق،
ففيه أن مقتضى كلامهم لا يكون حجة على الأسير مالم يلتزمه، فافهم . ..
رجوعيلباب إذا غدر أهل الحرب أو أهل الصلح أو ملكهم بالمستأمنين.
هيئه بقوله: "حدثنا يزيد بن هارون إلخ" قال أبو عبيد: وإنما نرى عمر رضى الله عنه عرض عليهم
منا عرض من الجلاء وإن يعطوا الضعف من أموالهم لأنه لم يتحقق ذلك عنده من أمرهم، أو أن
النكت كان من طوائف منهم دون إجماعهم، ولو أطبقت جماعتهم عليه ما أعطاهم من ذلك
شيئا إلا القتال والمحاربة اهـ (ص١٧٠) . خ يا كا) مين ما لمالعقد منصبا بلغ ما يقر فيك
قلت: فهذا حكم ما إذا لم يتحقق عند المستأمن أن أهل الحرب الذين كانوا قد آحتون غدروا
به فعليه أن لا يعجل بمحاربتهم إلا بعد أن ينبذ إليهم على سواء، وأما إذا تحقق عنده غدرهم
فحکمه ما سیأتی فانتظر.
قال محمد فى "السير الكبير": فلو أن قوما من أهل الحرب لقوا الأسراء فقالوا: نحن قوم
تجار، دخلنا بأمان أصحابكم أو قالوا: نحن رسل الخليفة فليس ينبغى لهم بعد هذا أن يقتلوا أحدا
- منهم لأنهم أظهروا ما هو دليل الاستئمان فيجعل ذلك استئماناً منهم، فلا يحل لهم أن يغدروا بهم
بعد ذلك ما لم يتعرض لهم أهل. فإن علم أهل الحرب أنهم أسراء فأخذوهم ثم انفلتوا منهم حل
لهم قتلهم، وأخذ أموالهم لأن حكم الاستئمان إليهم يرتفع بما فعلوا. ألا ترى أن المستأمنين لو غدر
بهم ملك أهل الجرب، فأخذ أموالهم وحسبيهم ثم انفلتوا حل لهم قتل أهل الحرب، وأخذ أموالهم
باعتبار أن ذلك نقض للعهد من ملكهم، وكذلك لو فعل ذلك بهم رجل بأمر ملكهم أو بعلمه ولم
يمنعه من ذلك فإن السفيه إذا لم ينه مأمور، فأما إذا فعلوا بغير علمٍ الأمير وعلم جماعتهم، لم يحل
المستأمنين أن يستحلوا حريم القوم بما صنع هذا يهم، لأن فعل الواحد من عرضهم لا يكون نقضا
المعهد بينهم وبين المستأمنين، فإنه لا يملك ذلك وإنما هذا ظلم منه إياهم فيحل لهم أن ينتصفوا
منه باسترداد عين ما أخذ منهم أو مثله إن قدروا على ذلك ولا يحل لهم أن يتعرضوا له بشىء

٢٠ ٣٦٧
إذا غدر أهل الحرب أو أهل الصلح أو ملكهم بالمستأمنين
إعلاء السنن
عدونا من عوراتنا شيئا، ولا يظهروننا على عوراتهم فقال له عمر: فإذا قدمت فخيرهم
بين أن تعطيهم مكان كل شاة شاتين، ومكان كل بعير بعيرين، ومكان كل شىء
شيئين، فإن ريضوا بذلك فأعطهم وخربها فإن أبوا فانبذ إليهم وأجلهم سنة ثم خربها
فقال: اکتب له عهدا، فلما قدم عمير عليهم ذلك فأبوا فأجلهم ستةً ثم أخر بها" . رواه
أبو عبيد فى "الأموال" (ص ١٦٩). وسنده مرسل صحيح فإن مراسيل ابن سيرين
صحاح، كما تقدم غير مرة.
سوى هذا لأن(١) الظالم لا يظلم، ولكن ينتصف منه بالمثل فقط. لو كان الأسراء قالوا لهم حين
أخذوهم: نحن قوم منكم فخلوا سبيلهم حل لهم قتلهم وأخذ أموالهم لما بينا أن ما أظهروه ليس
باستعمان، وكذلك لو كانوا أسلموا فى دار الحرب فهم بمنزلة الأسراء فى جميع ما ذكرنا لأن
حصولهم فى دار الحرب لم يكن على وجه الاستثمان اهـ (٣١٨:١). ل ملء رسالةونوالتاريخ .
منه. قلت: قيد فرق الموفق فى المغنى بين نقض أهل الذمة حيث يحاربون إذا انقضوا وتقتل
رجالهم ولا تسبى ذراريهم الموجودون قبل النقض ولا تسترق وبين نقض أهل الهدنة فتحل دماءهم
وأموالهم وتسبى ذراريهم، قال أحمد: قالت امرأة علقمة لما ارته: إن كان علقمة ارتد فأنا لم أرتد،
وقال الحسن فيمن نقض العهد (من أهل الذمة): ليس على الذرية شىء اهـ (٥١٦:١٠) .. ..
وقال فى نقض البعض دون بعض: وإن نقض بعضهم دون بعض فسكت باقيهم عن
الناقض؛ ولم يوجد منهم إنكار ولا مراسلة الإمام ولا تبرد، فالكل ناقضون لأن النبى يسر له لما هادن
قريش وسكت الباقون فكان ذلك نقض عهدهم وسار إليهم رسول الله مر به فقاتلهم، ولأن
سکوتهم يدل على رضاهم كذا إن عقد الهدنة مع بعضهم يدخل فيه جميعهم لدلالة سكوتهم
على رضاهم كذلك فى النقض. وإن أنكر من لم ينقض على الناقض بقول أو فعل ظاهرا، أو اعتزال
أو راسل الإمام بأنى منكر لما فعله الناقض مقيم على العهد لم ينتقض فى حقه، ويأمره الإمام بالتميز
ليأخذ الناقص وحده، فإن امتنع عن التميز أو إسلام الناقض صار ناقضا لأنه منع من أخذ الناقض
فصار بمنزلته وإن لم يمكنه التميز لم ينتقض عهده؛ لأنه كالأسير إلى أن قال: عقد الذمة آكد؛ لأنه
يجب على الإمام إجابتهم إليه، وهو نوع معاوضة وعقد مؤبد، بخلاف الهدنة والأمان ولهذا لو
(١) هذا حقيق بأن يكتب بماء الذهب على سويداء القلوب، فهذه أصول القتال فى الإسلام لو تأملها المخالفون بالإنصاف لاعترفوا
بأن الناس كانوا قبل الإسلام فى جهالة عمياء لا يعلمون شيئا يقتلون ولا يعرفون القتال فعلمهم الإسلام كل شىء حتى القتال
أيضًا.

ج - ١٢
إذا غدر أهل الحرب أو أهل الصلح أو ملكهم بالمستأمنين
٣٦٨
٤٠٤٨- حدثنا يزيد عن هشام الحسن قال: "عاهد حيى بن أخطب رسول
الله عَّ ◌ُله على أن لا يظاهر عليه أحدا وجعل الله عليه كفيلا، قال: فلما كان يوم قريظة
أتى به رسول الله عَّ له وبابنه سلما فقال رسول الله عَّ ◌ُله: أو فى الكفيل ثم أمر به
فضرب عنقه، وعنق ابنه" رواه أبو عبيد فى "الأموال" (ص١٦٨)، وسنده مرسل
صحيح. فإن مراسيل الحسن لا يكاد يسقط منها شىء، كما ذكرناه فى "المقدمة".
نقض بعض أهل الذمة لم ينتقض عهد الباقين، بخلاف الهدنة ولأن أهل الذمة فى قبضة الإمام
وتحت ولايته فلا يخشى الضرر كثيرا من نقضهم، بخلاف أهل الهدنة، فإنه يخاف منهم الغارة
على المسلمين (٥٢٢:١٠).
قلت: والمراد بالبعض الذين تنتقض الهدنة بغدرهم أهل الحل والعقد منهم دون البعض من
عرض الناس وعلى هذا فلا مخالفة بين ما ذكره محمد فى السير الكبير، والموفق فى المغنى فإن
البعض من عرض الناس لا يعبأ به ولا يستند فعله إلى الجماعة أصلا، وأما أهل الحل والعقد منهم
ففعله ينسب إلى الجماعة فيكون نقضهم كنقضها إلا من تبرأ منهم وراسل الإمام وأنكر على
الناقضين وقد تقدم شىء من الكلام مثل هذا فى باب "إذا نقض العدو العهد فى المدة جاز القتال
بغير النبذ إليه"، فتذكر.
قوله: "حدثنا يزيد إلخ". قلت: دلالته على جواز قتل أهل العهد إذا انقضوا أو تحقق
ذلك منهم ظاهرة فإن حيى بن أخطب وأصحابه من بنى قريظة غدروا بالنبى مّ لّه وظاهروا
الأحزاب عليه فحاصرهم النبى ◌ّ لّ أياما ثم نزلوا على حكم سعد بن معاذ فحكم بقتل مقاتلتهم
وسبى ذراريهم، كما تقدم فى أول الكتاب. وهذا هو حكم أهل الحرب إذا غدروا بالمستأمنين،
والله تعالى أعلم.
***

٣٦٩
إعلاء السنن
أبواب العشر والخراج
باب جواز أخذ العشر وكون الرجل عاشرا وكراهته
٤٠٤٩- عن عقبة بن عامر رضى الله عنه ((أنه سمع رسول الله عَ ليه يقول:
لا يدخل الجنة صاحب مكس)). رواه أبو عبيد فى "الأموال" (ص٥٢٦). وفى الحاشية:
رواه الإمام أحمد وأبو داود والحاكم، وصححه على شرط مسلم، وفى "المقاصد
الحسنة": صححه ابن خزيمة أيضا اهـ.
باب جواز أخذ العشر وكون الرجل عاشرا وكراهته
قوله: "عن عقبة بن عامر إلخ" قلت: المكس الذى ورد فيه الوعيد غير العشر الذى وضعه
عمر بن الخطاب رضى الله عنه، فإن المكس النقصان والماكس من العمال من ينقص من حقوق
المساكين، ولا يعطيها بتمامها، قاله البيهقى، أو من يأخذ من التجار إذا مروا مكسا أى ضريبة
(بالجبر والإكراه سواء بلغ ما لهم نصابا أو لم يبلغ) فأما الساعى الذى يأخذ الصدقة وعشر أهل
الذمة الذين صولحوا عليه فهو محتسب ما لم يتوفيه كذا فى "مجمع البحار" (٣٠٩:٢). وأما
حديث ((إن لقيتم عاشرا فاقتلوه)) فمعناه: إن وجدتم من يأخذ العشر على عادة الجاهلية مقيما على
دينه فاقتلوه لكفره، أو لاستحلاله إن كان مسلما وأخذ مستحلا له تاركا لفرض الله ربع العشر،
لا من يأخذه على فرض الله تعالى كذا فى "مجمع البحار" أيضا (ص٣٨٧). والحديث أخرجه أبو
عبيد فى "الأموالى" حدثنا ابن أبى مريم عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبى حبيب عن مخيس بن ظبيان
عن عبد الرحمن بن حسان، قال: أخبرنى رجل من جذام قال: سمع فلان بن عتاهية، يقول:
سمعت رسول الله مرّه يقول: (إذا لقيتم عاشرا فاقتلوه)) قال: يعنى بذلك الصدقة يأخذها على غير
حقها اهـ. قلت: مخیس وشیخه مجهولان، و کذا رجل من جذام ومخیس ذکره ابن يونس فى
تاریخ مصر فقال: روی عن عمرو بن العاص، روى عنه یزید بن أبى حبيب، ولم يذكر فيه جرحا
ولا تعديلا، كما فى "تعجيل المنفعة" (ص٣٩٦).
قال أبو عبيد: " وجوه هذه الأحاديث التى ذكرنا فيها العاشر وكراهة المكس والتغليظ فيه،
أنه قد كان له أصل فى الجاهلية يفعله ملوك العرب والعجم جميعا فكانت سنتهم أن يأخذوا من
التجار عشر أموالهم إذا مروا بها عليهم يبين ذلك ما ذكرنا من كتب النبى معد ◌ّ لمن كتب من أهل
الأمصار مثل ثقيف والبحرين، ودومة الجندل وغيرهم ممن أسلم، أنهم لا يحشرون ولا يعشرون.
فعلمنا بهذا أنه قد كان من سنة الجاهلية مع أحاديث كثيرة فيه (منها ما رواه ابن أبى شيبة عن

ج - ١٢
جواز أخذ العشر وكون الرجل عاشرا وكراهته
٣٧٠
٤٠٥٠- عن أبى الخير قال: سمعت رويفع بن ثابت يقول: "إن صاحب المكس
فى النار قال: يعنى العاشر". أخرجه أبو عبيد بإسناد حسن (كتاب الأموال ٦٢٥).
٤٠٥١- عن عبد الله بن عمرو قال: "إن صاحب المكس لا يسأل عن شىء يؤخذ
كما هو فیرمی به فى النار". أخرجه أبو عبيد بسند صحيح على شرط مسلم (كتاب
الأموال ٥٢٦).
٤٠٥٢- عن كريز بن سليمان قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عَبد الله بن
عوف القارى، أن اركب إلى البيت الذى برفح الذى يقال له: "بيت المكس" فاهدمه،
ثم احمله إلى البحر فانسفه فيه نسفًا. رواه أبو عبيد فى "الأموال" (ص ٥٢٧)، وفيه
كريز هذا لم أعرف من ترجمه، والباقون كلهم ثقات.
الفضل بن دكين عن إسرائيل عن إبراهيم بن المهاجر حدثنى من سمع عمرو بن حريث عن سعيد
ابن زيد قال: ((سمعت رسول الله عَ لّه يقول: يا معشر العرب احمدوا الله الذى وضع عنكم
العشور)) (٥٠)، وفيه مجهول، کما ترى).
قال أبو عبيد: فأبطل الله ذلك (أى عشور الجاهلية) برسوله عّ لّه وبالإسلام وجاءت فريضة
الزكاة بربع العشر من كل مأتى درهم خمسة، فمن أخذها منهم على فرضها، فليس بعاشر لأنه
لم يأخذ العشر إنما أخذ ربعه وهو مفسر فى الحديث الذی یحدثونه عن عطاء بن السائب عن حرب
ابن عبيد الله الثقفى عن جده أبى أمه ((أن رسول الله عَ لّه قال: ليس على المسلمين عشور إنما
العشور على اليهود والنصارى)). (قلت: رواه ابن أبى شيبة فى "المصنف" عن أبى الأحوص عنه
ص٥٠). وكذلك الحديث الذى ذكرناه مرفوعا، حين ذكر العاشر فقال: هو الذى يأخذ الصدقة
بغير حقها. قال أبو عبيد: فإذا زاد فى الأخذ على أصل الزكاة فقد أخذها بغير حقها، وكذلك
وجه حديث ابن عمر حين سئل هل علمت عمر أخذ العشر من المسلمين؟ فقال: لا لم أعلمه
(أخرجه أبو عبيد نفسه عن حجاج عن ابن جريج أخبرنى عمرو بن دينار أخبرنى مسلم بن شكرة
وقال غير حجاج: مسلم بن المصبح، وفى "المشتبه" للذهبى (ص٢٦٨): شكرة مسلم بن يسار
يعرف بابن شكرة عن ابن عمر وعنه عمرو بن ديناراهـ وفى "التهذيب": مسلم بن يسار الأموى
مولاهم شكرة بفتحات ويقال له: مسلم المصبح كان يسرج مصابيح المسجد أهــ وفى
"التقريب": ثقة عابد من الرابعة (ص٢٠٧) أنه سأل ابن عمر فذكره (ص٥٢٨).

٣٧١
جواز أخذ العشر وكون الرجل عاشرا وكراهته
إعلاء السنن
٤٠٥٣- عن يعقوب بن عبد الرحمن القارى عن أبيه قال: كتب عمر بن عبد
العزيز إلى عدى بن أرطاة أن ضع عن الناس الفدية، وضع عن الناس المائدة، وضع عن
الناس المكس، وليس بالمكس ولكنه بالبخس الذى قال الله تعالى: ﴿ولا تبخسوا الناس
أشياءهم ولا تعثوا فى الأرض مفسدين﴾ فمن جاءك بصدقة فاقبلها منه، ومن لم يأتك
بها فالله حسيبه". رواه أبو عبيد أيضا بسند حسن (كتاب الأموال ٥٢٧).
٤٠٥٤- و کیع عن إسماعيل بن إبراهيم بن المهاجر عن أبيه عن زیاد بن حدیر
"قال: بعثنى عمر على العشور وأمرنى أن لا أفتش أحدًا" رواه ابن أبى شيبة فى
"المصنف" (ص ٥٠)، وفيه إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر، فيه مقال والباقون ثقات.
قال أبو عبيد: إنما نراه أراد هذا ولم يرد الزكاة، و کیف ینکر ذلك وقد كان عمر وغيره من
الخلفاء يأخذونها عند الأعطية، و کان رأی ابن عمر دفعها إليهم، و کذلك حدیث زياد بن حدیر
حين قال: ما كنا نعشر مسلما ولا معاهدا (ذكره أبو عبيد بسند صحيح (ص٥٢٩) إنما أراد إنا كنا
نأخذ من المسلمين(١) ربع العشر ومن أهل الذمة نصف العشر، فإذا كان العاشر يأخذ الزكاة من
المسلمين إذا أتوه بها طائعين غير مكرهين، فليس بداخل فى هذه الأحاديث، فإن استكرههم عليها
لم آمن أن يكون داخلا فيها وإن لم يزد على ربع العشر لأن سنة الصامت خاصة أن يكون الناس
فيه مؤتمنين عليه، من ذلك حديث مسروق الذى ذكرناه قوله: لا أدرى ما هذا الحبل الذى
لم يسنه رسول الله مَّ ◌ُّه ولا أبو بكر ولا عمر وكان حبلا يعترض به النهر يمنع السفن من المضى
حتى تؤخذ منهم الصدقة فأنكر مسروق أن تؤخذ منهم على استكراه.
(قلت: ولكن للعاشر أن يكره الذمى والحربى على نصف العشر والعشر مؤلف). وقد فسره.
حديث عمر بن عبد العزيز الذى ذكرناه قوله: "من جاءك بصدقة فاقبلها، ومن لم يأت بها فالله
حسيبه" وكذلك حديث عثمان قوله: "ومن أخذنا منه لم نأخذ منه حتى يأتينا به طوعا". (قلت:
هذا خاص بالمسلمين كما هو ظاهر مؤلف). فهذه هى سنة زكاة العين والورق، وأما الصدقة التى
يكره الناس عليها ويجاهدون على منعها فصدقة الماشية والحرث والنخل فإذا كان العاشر يعمل
(١) وفسره يحيى بن آدم بعد ما أخرجه بلفظ: يعثنى عمر بن الخطاب إلى نصارى بنى تغلب وأمرنى أن آخذ نصف عشر أموالهم،
ونهانى أن أعشر مسلما أو ذا ذمة يؤدى الخراج، بما نصه، قال يحيى: يعنى فيما أظن بقوله مسلما يقول: من أسلم منهم، لأنه
أرسل إلى نصارى بنى تغلب، وقوله: أو ذا ذمة يؤدى الخراج، بقول: إن أهل الذمة لا يعرض لهم فى مواشيهم ولا فى عشور
زروعهم وثمارهم، إلا بنى تغلب لأنهم صولحوا على ذلك اهـ (ص ٦٥).

ج - ١٢
جواز أخذ العشر وكون الرجل عاشرا وكراهته
٣٧٢
٤٠٥٥- وكيع عن ليث عن طاوس قال: "إنما كان العاشر يرشد ابن السعبيل ومن
أتاه بشىء قبله"، رواه ابن أبى شيبة فى "مصنفه" (ص ٥٠) أيضا، وسنده حسن.
٤٠٥٦- حدثنا محمد بن عبد الله عن أنس بن سيرين: "أرادوا أن يستعملونى
على عشور الأيلة، فأبيت فلقينى أنس بن مالك فقال: ما يمنعك؟ فقلت: العشور أخبث
ما عمل عليه الناس، قال: فقال لى: لا تفعل، عمر صنعه فجعل على أهل الإسلام ربع
العشر، وعلى أهل الذمة نصف العشر، وعلى المشركين ممن ليس له ذمة العشر". رواه
الإمام أبو يوسف فى " كتاب الخراج" له (ص١٦٤)، وسنده صحيح ومحمد بن عبد
الله هو ابن المثنى القاضى ثقة من رجال الجماعة (تقريب ص ١٨٧).
بهذا لم يلزمه شىء من هذا التغليظ (ولكنه اليوم كالكبريت الأحمر بل هو أندر مؤلف) وكيف
يكون هذا مكروها وقد فعله عمر بن الخطاب والأئمة بعده، ثم لا نعلم أحدا من علماء أهل الحجاز
والعراق والشام ولا غير ذلك كرههه، ولا ترك الأخذ به وكانوا يرون ما أخذه العاشر مجزيا من
الزكوة، منهم أنس بن مالك، والحسن، وإبراهيم، وكان مذهب عمر فيما وضع من ذلك أنه كان
يأخذ من المسلمين الزكوة، ومن أهل الحرب العشر تاما لأنهم كانوا يأخذون من تجار المسلمين مثله
(ربع العشر) إذا قدموا بلادهم فكان سبيله فى هذين الصنفين بينا واضحا.
وجه أخذ عمر نصف العشر من أموال أهل الذمة إذا اختلفوا بها للتجارة
قال أبو عبيد: وكان الذى يشكل على وجهه أخذه من أهل الذمة فجعلت أقول: ليسوا
بمسلمين فتؤخذ منهم الصدقة، ولا من أهل الحرب فيؤخذ منهم مثل ما أخذوا منا، فلم أدر ما هو؟
حتى تدبرت حديثا له فوجدته أنه صالحهم على ذلك صلحا سوى جزية الرؤوس وخراج
الأرضين. حدثنا الأنصارى عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن أبى مجلز قال: بعث عمر عمارا
وابن مسعود وعثمان بن حنيف، إلى الكوفة ثم ذكر حديثا فيه طول قال: فمسح الأرض فوضع
عليها كذا وكذا قال: وجعل فى أموال أهل الذمة التى يختلفون بها من كل عشرين درهما درهما
وجعل على رؤوسهم وعطل من ذلك النساء والصبيان أربعة وعشرين ثم كتب بذلك إلى عمر
فأجازه. قال أبو عبيد: فأرى الأخذ من تجارهم فى أصل الصلح فهو الآن حق للمسلمین علیهم،
وكذلك كان مالك بن أنس يقول: حدثنا عنه ابن بكير قال: إنما صولحوا على أن يقروا ببلادهم فإذا
مروا بها للتجارة أخذ منهم كلما مروا (قلت: فالعاشر أن يكرههم والحربيين على أداء نصف العشر
والعشر، ولعل الحبل الذى كان يعترض به على النهر كان لأجل هؤلاء فتمنع سفنهم من المضى

٣٧٣
إعلاء السنن
باب لا يأخذ العاشر من الذمى والحربى شيئًا إذا كان ما معه أقل
من مائتى درهم أو عشرين مثقالا.
٤٠٥٧- حدثنا عبد الرحيم عن عاصم عن الحسن قال: "كتب عمر بن
حتى يؤخذ منهم لا لأخذ الصدقة من المسلمين، ثم تعدى العاشرون فجعلوا يأخذون الصدقة من
المسلمين على استكراه مؤلف)، قال: فهذا ما فى أهل الذمة وأهل الحرب، فأما مصالحته بنى تغلب
فأمر مشهور وسیأتی فی موضعه، إن شاء الله تعالى اهـ (ص٥٣١-٥٣٢)
وقال الإمام أبو يوسف: فإن عمر بن الخطاب وضع العشور فلا بأس بأخذها إذا لم يتعد
فيهما على الناس ويؤخذ بأكثر مما يجب عليهم. وكل ما أخذ من المسلمين من العشور (أى ربع
العشر) فسبيله سبيل الصدقة وسبيل ما يؤخذ من أهل الذمة جميعًا، وأهل الحرب سبيل
الخراج، وكذلك ما يؤخذ من أهل الذمة جميعاً من جزية رؤوسهم وما يؤخذ من مواشى
بنى تغلب، فإن سبيل كل ذلك سبيل الخراج يقسم فيما يقسم فيه الخراج، وليس هو كالصدقة
قد حكم الله فى الصدقة حکما قد قسمها علیه، فھی علی ذلك حكم فى الخمس حكما، فهو
على ذلك اهـ(ص ١٦٠). قلت: ودلالة بقية الآثار على معنى الباب ظاهرة.
باب لا يأخذ العاشر من الذمى والحربى شيئًا إذا كان ما معه أقل
من مائتى درهم أو عشرين مثقالا
قوله: "حدثنا عبد الرحيم إلخ". قلت: دلالته على معنى الباب ظاهرة لأن قوله: خمسة
دراهم، ونصف العشر والعشر، كله راجع إلى المائتين، هذا هو المتبادر من الكلام ومن ادعى غير
ذلك فعليه البيان. قال أبو يوسف فى "الخراج" له: ثم يؤخذ من المسلمين ربع العشر ومن أهل
الذمة نصف العشر، ومن أهل الحرب العشر من كل ما مر به على العاشر، وكان للتجارة، وبلغ
قيمة ذلك مائتى درهم فصاعدًا، أخذ منه العشر. وإن كانت قيمة ذلك أقل من مائتى درهم لم
يؤخذ منه شىء. وكذلك إذا بلغت القيمة عشرين مثقالا أخذ منها العشر، فإن كانت قيمة ذلك
أقل لم يؤخذ منه شىء - إلى أن قال :- فأما الحربى خاصة فإذا أخذ منه العشر وعاد ودخل فى دار .
الحرب ثم خرج بعد شهر أخذ منه العشر فمر على العاشر فإنه یأخذ منه إذا كان ما معه يساوى
مائتى درهم أو عشرين مثقالا من قبل أنه حيث عاد إلى دار الحرب فقد سقطت عنه أحكام
الإسلام، وإن كان معه أقل من مائتى درهم أو عشرين مثقالا لم يؤخذ منه شىء، إنما السنة فى
مائتى درهم أو عشرين مثقالا - إلى أن قال- حدثنا عاصم بن سليمان عن الحسن قال: كتب أبو

٣٧٤
ج - ١٢ لا يأخذ العاشر من الذمى والحربى شيئًا إذا كان ما معه أقل من النصاب
الخطاب رضى الله عنه إلى أبى موسى الأشعرى أن خذ من تجار المسلمين من كل مائتين
موسى الأشعرى إلى عمر بن الخطاب (رضى الله عنهما) إن تجارا من قبلنا من المسلمين يأتون أرض
الحرب فيأخذون منهم العشر، قال: فكتب إليه خذ أنت منهم كما يأخذون من تجار المسلمين،
وخذ من أهل الذمة نصف العشر ومن المسلمين من كل أربعين درهمًا درهمًا، وليس فيما دون
المائتين شىء الحديث (ص٥٨ و٦١). وقال أبو حنيفة: يؤخذ من أهل الذمة إذا سافروا نصف العشر
فى الحول مرة فقط ولا يؤخذ منهم من أقل من مائتى درهم شىء، وكذلك يؤخذ من الحربى إذا
بلغ مائتى درهم، وإلا فلا إلا أن كانوا لا يأخذون من تجارنا شيئا، فلا نأخذ من تجارهم شيئا، كذا
فى "المحلى" (٦-١١٤)
الرد على ابن حزم فى إنكاره وجوب الزكاة فى عروض التجارة
وقال ابن حزم "لا يجوز أخذ زكاة ولا تعشير مما يتجر به تجار المسلمين ولا من كافر أصلا
تجر فى بلاده أو فى غير بلاده إلا أن يكونوا صولحوا على ذلك مع الجزية فى أصل عقدهم فتؤخذ
حينئذ منهم وإلا فلا. أما المسلمون فقد ذكرنا قبل أنه لا زكاة عليهم فى العروض لتجارة كانت أو
لغير تجارة. وأما الكفار فإنما أوجب الله عليهم الجزية فقط إلخ (٦ - ١١٤)".
قلت: أما وجوب الزكاة على المسلمين فى عروض التجارة فقد ذكرنا فى الجزء التاسع من
الكتاب عن سمرة بن جندب قال: أما يعد فإن رسول الله عزٍّ كان يأمرنا أن نخرج الصدق من
الذی یعد للبیع وقال ابن عبد البر: وقد ذکر هذا الحديث رواه أبو داود وغيره بإسناد حسن اهـ.
وتأويله: بأن المراد بالصدقة غير الزكاة باطل، لأن غير الزكاة من الصدقات لا يؤمر به. وأما
إنه عَِّ لم يبين كم هى؟ وكيف تخرج أمن أعيانها أو بتقويم وبماذا تقوم؟ ولو راد الزكاة
المفروضة لبين وقتها ومقدارها وكيف تخرج، كما قاله ابن حزم فى "المحلى" (٥-٢٣٤). قلنا: قد
بينه النبى معَّ فى قوله: ((إنا قد وضعنا عنكم صدقة الخيل والرقيق ولكن هاتوا ربع العشر)) رواه
على عنه وصححه ابن جرير فى "تهذيبه" فعلم أن الواجب فى أموال الزكاة ربع العشر وهو مخير
بين أن يخرج ربع عشر أعيان الأموال أو ربع عشر قيمتها. هذا هو قول أبى حنيفة كما فى
"المغنى" (٢-٦٢٣). وأخرج أحمد والدار قطنى والحاكم عن أبى ذر رفعه ((فى الإيل صدقتها))
فذكر الحديث وفيه ((وفى البر صدقة)) وحسن الحافظ إسناده فى "الدراية" ولم يتعرض ابن حزم له
ولم يذكره أصلا. وعن حماس ((قال: كنت أبيع الأدم والجعاب فمر بى عمر بن الخطاب، فقال: أو
صدقة مالك؟ فقلت: يا أمير المؤمنين! إنما هو الأدم. قال: قومه وأخرج صدقته)) أخرجه الشافعى

٣٧٥
إعلاء السنن لا يأخذ العاشر من الذمى والحربى شيئًا إذا كان ما معه أقل من النصاب
خمسة دراهم وما زاد على المائتين فمن كل أربعين درهما درهم، ومن تجار أهل الخراج
وعبد الرزاق وأبو عبيد وصححه الدارقطنى والبيهقى. ولكن ابن حزم جهل أبا عمرو بن حماس،
وأباه وكم من معروف قد جهله وقد قدمنا مرارا أن العارف مقدم على من لم يعرف. وقال ابن
قدامة: قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن فى العروض التى يراد بها التجارة الزكاة إذا حال
عليها الحول إلخ". وقال أبو عبيد: "والذى عندنا فى ذلك ما قال سفيان وأهل العراق: إنه ليس بين
ما ينض وما لا ينض فرق، على ذلك تواترت الأحاديث كلها عمن ذكرنا من الصحابة والتابعين،
إنما أجمعوا على ضم ما فى يديه من مال التجارة إلى سائر ماله النقد فإذا بلغ ذلك ما تجب فى مثله
الزكاة زكاه، وما علمنا أحدا فرق ما بين الناض وغيره فى الزكاة قبل مالك إلى أن قال: بعد إثبات
التقويم عن النبى عّ لّه وعن عمر وعلى ومعاذ بن جبل وابن مسعود وغيرهم، فعلى هذا أموال
التجار عندنا وعليه أجمع المسلمون أن الزكاة فرض واجب فيها اهـ ملخصا (ص٤٢٧ و٤٢٩).
فابن حزم وإمامه داود بن على الظاهرى محجوجان بإجماع من قبلهما، قال ابن حزم: وقد
جاء خلاف ما روى عن عمر وابنه عن غيرهما من الصحابة فذكر بإسناده عن عبد الرزاق عن ابن
جريج أخبرنى نافع بن الخوزى: ((قال: كنت جالسا عند عبد الرحمن بن نافع إذ جاءه زياد البواب
فقال له: إن أمير المؤمنين - يعنى ابن الزبير- يقول: أرسل زكاة مالك فقام فأخرج مائة درهم. وقال
له: اقرأ عليه السلام وقل له: إنما الزكاة فى الناض، قال نافع: فلقيت زيادا فقلت له: أبلغته؟ قال:
نعم. قلت: فماذا قال ابن الزبير؟ فقال: ((قال: صدق)) اهـ (٢٣٦:٥).
قلت: أو لا يستحبى ابن حزم حيث يجهل المعروفين من الرجال ويحتج بالمجهولين؟ فإن نافع
ابن الخوزى هذا لم نعرفه ولم نجد له ترجمة فى شىء من كتب الرجال، وأيضًا فمن أين عرف أن
ابن الزبير كان طلب منه زكاة عروض التجارة، وأنه أنكر ذلك عليه؟ فإن قوله: إنما الزكاة فى
الناض يحتمل أن يكون فى مقابلة الدين لا فى مقابلة العروض. ومعناه: إنما الزكاة فى النقد لا فى
الدين حتى يستوفى، فلعل أموال عبد الرحمن بن نافع كانت ديونا على الناس لم يستوفها بعد. لو
کان کما فهمه ابن حزم لرد ابن الزبير مائة درهم التى أخذها من غير حقها ولم یکن کذلك؛
فالحق ما قلنا: إنه أراد بالناض ما يقابل الدين لا ما يقابل العرض. ومن كان له دين على الناس،
ولم يكن ضمارًا توجه إليه نفس الوجوب وإن لم يكن الأداء واجبًا قبل أن يستوفيه، فإن زكاه قبل
الاستيفاء صح الأداء كما هو ظاهر. واحتج أيضا بما رواه من طريق أبى عبيد عن أسماعيل بن
إبراهيم عن قطن)) قال: مررت بواسط زمن عمر بن عبد العزيز فقالوا: قرئ علينا كتاب أمير
المؤمنين أن لا تأخذوا من أرباح التجار شيئا حتى يحول عليها الحول)) اهـ. وهذا لا حجة له فيه بل

٣٧٦
ج - ١٢ لا يأخذ العاشر من الذمى والحربى شيئًا إذا كان ما معه أقل من النصاب
نصف العشر، ومن تجار المشركين ممن لا يؤدى الخراج العشر قال: يعنى أهل الحرب".
هو حجة عليه فإنه هو أوجب الزكاة فى أموال التجارة بعد أن يحول عليها الحول. وبه قالت
الأئمة، فهل فيه أن لا تأخذوا من أرباح التجا شيئا وإن حال عليها الحول؟
والعجب من ابن حزم أنه يحتج بما لا حجة له فيه ويرد ما هو حجة عليه بتجهيل المعروفين
من الرجال حيث قال: وذكروا فى ذلك (أى فى تعشير الذمى والحربى إذا مرا بالعاشر) خبرًاً فاسداً
من طريق ابن أبى ذئب عن عبد الرحمن بن مهران ((أن عمر كتب إلى أيوب بن شرحبيل خذ من
من المسلمين من كل أربعين دينارًا دينارًا، ومن أهل الكتاب من عشرين ديناراً دينارًا إذا كانوا
يديرونها ثم لا تأخذ منهم شيئا حتى رأس الحول، فإنى سمعت ذلك ممن سمعه من النبى عليه):
قال ابن حزم: وهذا عن مجهولين وليس أيضا فيه أنه سمع من النبى معَ له اهـ (١١٥:٦) قلت:
فكان ماذا؟ فهل ترى أن عمر سمعه ممن هو متهم على دينه؟ كلا! فقد صرح بأنه سمع ممن سمع
من النبى معَّةٍ وجهالة الصحابى لا تضر لا سيما وقد اعتمده عمر، وأما قوله: وهذا عن مجهولين،
فنقول: إن عبد الرحمن بن مهران هذا ذكره ابن حبان فى الثقات، وعلق له البخارى فى أوائل
النكاح أثرا، كما فى "التهذيب" (٢٨٢:٦) وأيوب بن شرحبيل ذكره ابن حبان فى "الثقات"
أيضا. وقال الإصبعى: عامل عمر بن عبد العزيز يروى عن عمر بن عبد العزيز ويروى عنه الشاميون
اهـ من "كشف الأستار" (ص١٤). ومثله لا يكون مجهولا. وقال ابن قدامة: "إن عمر رضى الله
عنه أخذ منهم العشر واشتهر ذلك فيما بين الصحابة وعمل به الخلفاء الراشدون بعده والأئمة
بعدهم فى كل عصر من غير نكير فأى إجماع يكون أقوى من هذا؟ ولم ينقل أنه شرط ذلك
عليهم عند دخولهم ولا يثبت ذلك بالتخمين من غير نقل، ولأن مطلق الأمر يحمل على المعهود
فى الشرع، وقد استمر أخذ العشر منهم فى زمن الخلفاء الراشدين فيجب أخذه إلى أن قال: وليس
هذا بجزية وإنما هو حق يختص بمال التجارة لتوسعه (أى الحربى أو الذمى. مؤلف) فى دار الإسلام
وانتفاعه بالتجارة فيها؛ فيستوى فيه الرجل والمرأة كالزكاة فى حق المسلمين اهـ (٦٠٣:١٠ و٦٠٤)".
قلت وفيه جواب عن قول أبى عبيد: فجعلت أقول ليسوا بمسلمين فتؤخذ منهم الصدقة
ولا من أهل الحرب فيؤخذ منهم مثل ما أخذوا منا فلم أدر ما هو؟ اهـ. وحاصل الجواب: أن نصف
العشر إنما يؤخذ من الذمى لتوسعه فى دار الإسلام وانتفاعه بالتجارة فيها، وعقد الذمة إنما يستدعى
أن نقرهم بديارهم وما يدينون ولا يستلزم أن نطلق لهم التوسع فى دار الإسلام. وبه اندحض ما
قاله ابن حزم: "فإن كان ذلك صلحا مع الجزية، فهو حق وعهد صحيح، وإلا فلا يحل أخذ شىء
:

٣٧٧
إعلاء السنن لا يأخذ العاشر من الذمى والحربى شيئًا إذا كان ما معه أقل من النصاب
رواه يحيى بن آدم فى "الخراج" له (ص ١٧٣)، وسنده صحيح مرسل، وحراسيل
من أموالهم بعد صحة عقد الذمة بالجزية والصغار إلخ (١١٤:٦)". فإن عقد الذمة بالجزية والصغار
لا يستدعى جواز توسعهم فى دار الإسلام وانتفاعهم بالتجارة فيها، فمتى توسعوا وانتفعوا بها أخذ
من أموالهم التى يختلفون بها نصف العشر. فإن ذلك ينافى الصغار فى قرارهم بديارهم، فإن إدارة
الأموال فى البلاد واختلافهم بها للتجارة سبب للغنى كما هو ظاهر فلا بد من أن يؤخذ منهم
نصف العشر إبقاء للصغار الذى أقررناهم عليه ببلادنا، وقد وجدنا عن عمر رضى الله عنه ما يفيد
أنه أخذ نصف العشر من أهل الذمة كما قلنا، لا لأنه كان شرطه عليهم عند عقد الذمة.
أخرج سحنون فى "المدونة" لمالك عن ابن وهب عن ابن لهيعة ويحيى بن أيوب (المصرى
صدوق من رجال الجماعة) عن عمارة بن غزية (صدوق من رجال مسلم) عن ربيعة (الرأى شيخ
مالك ثقة ثبت من رجال الجماعة) ((أن عمر بن الخطاب قال لأهل الذمة الذين كانوا يتجرون إلى
المدينة: إن اتجرتم فى بلاد كم، فليس عليكم فى أموالكم زكاة، وليس عليكم إلا جزیتكم التى
فرضنا عليكم، وإن ضربتم وخرجتم فى البلاد، وأدرتم أموالكم أخذنا منكم وفرضنا عليكم كما
فرضنا جزيتكم، فكان يأخذ منهم من كل ما جلبوا من الطعام نصف العشر)) (٢٤١:١). وهذا
مرسل حسن وفى قوله: "أخذنا منكم وفرضنا عليكم كما فرضنا جزيتكم" دليل على أن ذلك لم
يكن مشروطا عليهم عند عقد الذمة كما لا يخفى. وأيضا فإنا عقدنا لهم الذمة بأن نمنعهم ممن
يعاديهم أو يتعدى على أموالهم، وذلك فى قرارهم ببلادهم أهون علينا مما إذا اختلفوا بأموالهم إلى
البلاد وأداروها. فإن رعاية الطرق، وحفظ السبل مما لا يتيسر إلا بجماعة عظيمة من الحرسة لابد
من الإنفاق عليهم وأدرار العطايا فلما كان أموال التجار فى حماية الإمام ورعايته صار هذا المال
آمنا برعاية الإمام وحماية الإمام وحمايته فثبت حق الأخذ منها للإمام كالسوائم التى تكون فى
مفاوز كان أخذ زكاتها إلى الإمام لما أنها فى حماية الإمام ورعايته، فكذلك هاهنا قاله السرخسی
فی "شرح السير" (٢٨٢:٤).
وأما ما احتج به ابن حزم وأبو عبيد ثنا الأنصارى (هو القاضى محمد بن عبد الله بن المثنى)
عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن أبى مجلز ((قال: بعث عمر عمارا وابن مسعود وعثمان بن
حنيف الكوفة فذكر الحديث -وفيه- أن عثمان بن حنيف مسح الأرض فوضع عليها كذا وكذا.
وجعل فى أموال أهل الذمة الذين يختلفون بها من كل عشرين درهمًا درهمًا)) إلخ (١١٦:٦).
قالا: فصح أن هذا كان فى أصل العهد والعقد وذمتهم. فلا أدرى متى يصير المرسل حجة عند ابن

٣٧٨
ج - ١٢ لا يأخذ العاشر من الذمى والحربى شيئًا إذا كان ما معه أقل من النصاب
الحسن صحاح لا يكاد يسقط منها بشىء، كما مر غير مرة.
حزم ومتى هو ليس بحجة؛ فإن أبا مجلز عن عمر منقطع. فإن قال: ألزمنا کم به وإن لم يكن حجة
عندنا.
قلنا: ليس هو بحجة علينا فإن ذلك لم يذكره فى حديث عثمان بن حنيف غير سعيد بن
أبى عروبة فيما علمنا، وسعيد اختلط بآخره، ومحمد بن عبد الله بن المثنى سمع منه بعد الاختلاط
كما صرح به الحافظ فى "مقدمة الفتح" (ص٤٠٤). وحديث من سمع منه بعد الاختلاط لا يقبل
ما لم يوافقه غيره. وإن سلمنا فإنما كان ما فعله عثمان بن حنيف فى أهل السواد خاصة دون غيرهم
من أنباط الشام وأمثالهم من أهل الذمة. فهل يقدر ابن حزم ومن وافقه على أن يثبت كون ذلك فى
عهودهم جميعاً عند عقد الذمة كلا. وأيضا ففعل عثمان لا يدل على الوجوب، فنقول: لو شرط
الإمام ذلك على أهل الذمة فى أصل العقد كان حسنا، وإن لم يشرطه عليهم، فله أن يأخذ منهم
نصف عشر الأموال إذا اختلفوا بها للتجارة. ومن حرم ذلك فعليه أن يقيم على حرمته دليلا
ناهضا. وما ذكره ابن حزم لا ينتهض دليلا على الحرمة كما بيناه، وسيأتى بقيته، إن شاء الله تعالى،
فانتظر هذا.
وقال مالك: "يؤخذ من أهل الذمة العشر إذا تجروا إلى غير بلادهم مما قل أو كثر إذا باعوا
ويؤخذ منهم فى كل سفرة كذلك ولو مرارًا فى السنة، فإن تجروا فى بلادهم لم يؤخذ من الحربيين
كذلك إلا فيما حملوا إلى المدينة خاصة من الحنطة والزبيب خاصة. فإنه لا يؤخذ منهم إلا نصف
العشر فقط، كذا فى "المحلى" (١١٥:٦)".
وأما سفيان الثورى فكان يقول: لا يأخذ من الذمى شيئا حتى يبلغ مائة درهم أخذ منه
نصف العشر. واحتج بما رواه أبو عبيد حدثنی ابن عفیر عن مالك عن یحیی بن سعید عن رزيق بن
حيان الدمشقى وكان على جواز مصر (أى طريقها) أن عمر بن عبد العزيز(١) كتب إليه: من مر
بك من أهل الذمة فخذ مما يديرون فى التجارات من أموالهم من كل عشرين دينارا دينارا فما نقص
فبحساب ذلك حتى تبلغ عشرة دنانیر، فإن نقصت ثلث دينار فلا تأخذ منها شيئا واکتب لهم بما
تأخذ كتابا إلى مثله من الحول)) اهـ (ص٥٣٤).
(١) وفى "مصنف ابن شيبة" المطبوع بملتان الهند ((أن عمر بن الخطاب كتب إليه إلخ)) وهو من غلط الناسخين والأثر إنما هو عن
عمر بن عبد العزيز، فإن زريق بن حيان من الطبقة السادسة مات سنة خمس ومائة وله ثمانون سنة، كما فى "التقريب"
(ص٥٩) فكانت ولادته سنة خمس وعشرين ومثله لا يكون عاملا لعمر بن الخطاب البتة.

٣٧٩
إعلاء السنن لا يأخذ العاشر من الذمى والحربى شيئًا إذا كان ما معه أقل من النصاب
قال أبو عبيد: "وقول سفيان هو عندى أعدل هذه الأقوال وأشبهها بالذى أراد عمر بن
الخطاب مع أن عمر بن عبد العزيز قد فسر ذلك فى كتابه إلى زريق بن حيان اهـ" (ص٣٧).
قلنا: فينبغى أن يكون قوله فى الحربيين: "إذا مر أحدهم بخمسين درهمًا وجب عليه فيها
( العشر" ولم يقل بذلك أحد من الخلفاء ولا واحد من العلماء، والذى رواه زريق بن حيان قد تفرد
- به هو، لم نعرفه عن غيره ولا يقبل خبر الواحد فيما تعم به البلوى. والظاهر من صنيع عمر رضى
الله عنه أنه وقت للمسلمين وأهل الذمة وأهل الحرب جميعًا مائتين أو عشرين مثقالا. وأيضا فإنه
عشر أو نصف عشر وجب بالشرع فاعتب له نصاب كزكاة الزرع وغيره. ولأنه حق يتقدر
بالحول فاعتبر له النصاب كالزكاة. وأما قول عمر (بن عبد العزيز) فالمراد به، والله أعلم بيان قدر
المأخوذ وأنه نصف العشر. ومعناه: إذا كان معه عشرة دنانير فخذ من كل عشرين درهمًا درهمًا
لأن فى صدر الحديث أن عمر بعث مصدقا وأمره أن يأخذ من المسلمين من كل أربعين درهمًا
درهمًا، ومن أهل الذمة من كل عشرين درهمًا درهمًا، ومن أهل الحرب من كل عشرة واحدا.
وإنما يؤخذ ذلك من المسلم إذا كان معه نصاب فكذلك من غيره قاله ابن قدامة فى "المغنى"
(٦٠٠:١٠). أى وقول عمر بن الخطاب هذا محمول على بيان قدر المأخوذ حتماً دون بيان
النصاب. فكذلك قول عمر بن عبد العزيز بدليل ما أخرجه الطحاوى فى "معثانى الآثار" له:
"حدثنا أبو بكرة وإبراهيم بن مرزوق قالا: حدثنا أبو عامر ثنا ابن أبى ذئب عن عبد الرحمن بن
مهران ((أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أيوب بن شرحبيل: أن خذ من المسلمين من كل أربعين
دينارا دينارا ومن أهل الكتاب من كل عشرين دينارا دينارا إذا كانوا يديرونها ثم لا تأخذ منهم
شيئا حتى رأس الحول، فإنى سمعت ذلك ممن سمع النبى معَ لّ- يقول ذلك))" اهـ (٣١٣:١). وهذا
سند حسن وتبين بذلك أن الأثر إنما هو عن عمر بن عبد العزيز لا عن عمر بن الخطاب كما توهمه
ابن حزم، وقد أمر ابن عبد العزيز فيه أن يؤخذ من أهل الذمة من كل عشرين واحدا وهو الموافق لما
روى عن عمر بن الخطاب واشتهر عنه فهو المعتمد لا ما رواه زريق بن حيان أن يؤخذ منهم من
کل عشرة نصف دینار.
والعجب من ابن حزم أنه كيف أنكر التعشير رأسًا وقد فعله عمر رضى الله عنه والأئمة
بعده، ثم لا نعلم أحدا من علماء الحجاز والعراق والشام ولا غير ذلك كرهه ولا ترك الأخذ به.
وكم من إجماع قد خالفه ابن حزم وأتباعه من أهل الظاهر فإلى الله المشتكى. وقال الطحاوى:

٣٨٠
ج - ١٢
باب يعشر من الذمى والحربى فى السنة مرة إلا بعد رجوعهما
إلى دار الإسلام مرة أخرى
٤٠٥٨- حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبى حصين عن زياد بن حدير قال:
استعملنى عمر على المارة فكنت أعشر من أقبل وأدبر، فخرج إليه رجل فأعلمه فكتب
إلى لا تعشر إلا مرة واحدة يعنى فى السنة"، رواه ابن أبى شيبة (ص٥١)، وسنده
صحيح، وأبو حصين بفتح الحاء اسمه عثمان بن عاصم، ثقة ثبت من رجال الجماعة
"حدثنا أبو بشر الرقى ثنا معاذ بن معاذ العنبرى عن ابن عون عن أنس بن سيرين ((قال: أرسل إلى
أنس بن مالك فأبطأت عليه ثم أرسل إلى فأتيته فقال: إن كنت أرى أنى لو أمرتك أن تعض على
كذا وكذا ابتغاء مرضاتی لفعلت. اخترت لك عملا فكرهته أو أكتب لك سنة عمر. قال: قلت له:
ا کتب لی سنة عمر قال: فکتب خذ من المسلمین من کل أربعین درهما درهمًا وممن لا ذمة له من
كل عشرة دراهم درهما. قال: قلت: من لا ذمة له؟ قال: الروم كانوا يقدمون من الشام فلما فعل
عمر رضى الله عنه هذا بحضرة أصحاب النبی مګّ فلم ینکره علیه أحد منهم، كان ذلك حجة
وإجماعًا منهم عليه" اهـ (٣١٣:١). قلت: بل فيه إنكار أنس بن مالك رضى الله عنه على من أنكر
سنة عمر هذه. وقد قدمنا ما يدل على أن عمر رضى الله عنه لم یسنه من قبل نفسه، بل رواه من
سمعه من النبى معَّ فتذكر، وسند الطحاوى سند صحيح والأثر أخرجه أبو يوسف فى "الخراج"
له كما تقدم وأبو عبيد فى "الأموال"، وابن أبى شيبة وعبد الرزاق فى "مصنفيهما" وأخرجه
الطبرانى فى "معجمه الوسط" عن أنس بن مالك مرفوعًا، كما فى "الزيلعي" (٤٠٥:١) وحققنا
فى الجزء التاسع من الكتاب كون المرفوع حسن الإسناد (ص٣٧ و٣٨).
باب يعشر من الذمى والحربى فى السنة مرة إلا بعد رجوعهما إلى دار الإسلام مرة أخرى
قوله: "حدثنا أبو بكر بن عياش إلى آخر الباب". دلالته على معنى الباب ظاهرة غير الجزء
الأخير وهو المستثنى وسنذكر حجته من الإجماع فانتظر، قال أبو عبيد: وأما اختلافهم فى ممره
على العاشر مرارًا فى السنة، وقول سفيان وأهل العراق فيه إنه لا يؤخذ منه كلما مر وإن كان ذلك
فى السنة مرارا، إذا كان اختلافه من مصر إلى مصر آخر سواه، فإن الرواية فى هذا عن الإمامين
-عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز - قد كفتنا النظر فيه، فذكر الروايتين المذكورتين فى المتن،
ثم قال: فحديث عمر (أى ابن عبد العزيز) هذا هو الذى عدل بين قول أهل الحجاز وأهل العراق أنه
إن كان المال الثانى هو الذى مر به بعينه فى المرة الأولى لم يؤخذ منه فى تلك السنة، ولا من ربحه