النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ حكم استيلاء الكفار على أموال المسلمين والعياذ بالله إعلاء السنن ٤٠٢٣- عن قتادة أن مكاتبا أسره العدو فاشتراه رجل فسأل بكر بن قرواش عنه على بن أبى طالب، فقال له على: "إن أفتکه سیده، فهو علی کتابته، وإن أُبی ان یفتكه فهو للذى اشتراه" أخرجه ابن أبى شيبة، كما فى "المحلى" (٧: ٣٠٠) أيضا، وأعله ابن حزم بأن قتادة لم يدرك عليا اهـ. قلت: ولكن بكر بن قرواش أدركه وهو من كبار التابعين الثقات من أصحاب على (تعجيل المنفعة ص٥٤)، وسماع قتادة منه ممكن لكونه من الطبقة الرابعة التى جل روايتهم عن كبار التابعين (تقريب ص ٣). ٤٠٢٤- عن معمر عن الزهرى "ما أحرزه المشركون ثم أصابه المسلمون فهو ـهم، ما لم يكن حرا أو معاهدا"، أخرجه ابن أبى شيبة (المحلى ٧: ٣٠٠). ٤٠٢٥- ومن طريق هشيم عن المغيرة ويونس قال المغيرة: عن إبراهيم، وقال يونس: عن الحسن قالا جميعا: ما غنمه العدو من مال المسلمين فغنمه المسلمون فصاحبه أحق به، فإن قسم فقد مضى (المحلى ٧: ٣٠١ أيضا). قوله: "عن قتادة إلخ" دلالته على ما دل عليه ما قبله ظاهرة، وفيه حجة لمن جعل المكاتب والمدبر وأم الولد والرقيق كلهم سواء فى حكم الاستيلاء، وهو محمول عندنا على أن مولاه إن ثم يفتكه، فللذى اشتراه أن يحبسه عنده حتى يستوفى ثمنه بدليل ما سيأتى عن عمر أن الحر لا يباع ولا يشترى، والمكاتب والمدبر وأم الولد فى حكم الحر، لا يباع أحد منهم،. ولا يشترى. والله تعالى أعلم. قوله: "عن معمر عن الزهرى إلخ" فيه دلالة على أن أهل الحرب لا يملكون الأحرار من المسلمين ومن أهل ذمتنا بالاستيلاء عليهم. قال الموفق فى "المغنى": إن أهل الحرب إذا استولوا على أهل ذمتنا فسبوهم، وأخذوا أموالهم ثم قدر علیهم وجب ردهم إلى ذمتهم، ولم يجز استرقاقهم فى قول عامة أهل العلم ولا نعلم لهم مخالفا، وذلك لأن ذمتهم باقية ولم يوجد منهم ما يوجب نقضها، وحكم أموالهم حكم أموال المسلمين فى حرمتها اهـ" (٤٩٧:١٠). وليس معنى قوله: فإن قسم فقد مضى أن صاحبه ليس بأحق به بعد القسمة بالثمن فقد وجدنا التصريح بكونه أحق به بالثمن عند إبراهيم فيما رواه محمد أخبرنا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم قال: "ما أحرز أهل الحرب من أموال المسلمين ثم أصابه المسلمون فهو رده على صاحبه إن أصابه قبل أن يقسم الفيء، وإن أصابه بعد ما قسم فهو أحق به بثمنه قال محمد: وبه نأخذ وإنما يعنى بالثمن القيمة، وهو قول أبى حنيفة رحمة الله عليه اهـ من "الآثار" (ص ١٢٢)، ودلالة الآثار على حكم الاستيلاء ظاهرة. ج - ١٢ حكم استيلاء الكفار على أموال المسلمين والعياذ بالله ٣٤٢ ٤٠٢٦- حدثنا عثمان بن مطر الشيبانى حدثنا أبو حريز عن الشعبى قال: "أغار أهل "ماه" وأهل " حلولاء" على العرب فأصابوا سبايا من العرب ورقيقا ومتاعًا ثم إن السائب بن الأقرع عامل عمر غزاهم ففتح ماه وكتب إلى عمر فى سبايا المسلمين، ورقيقهم ومتاعهم قد اشتراه التجار من أهل ماه، فكتب إليه عمر أن المسلم أخو المسلم لا یخونه ولا یخذله، فأيما رجل من المسلمين أصاب رقیقه ومتاعه بعينه فهو أحق به، وإن أصابه فى أيدى التجار بعد ما اقتسم فلا سبيل إليه. وأيما حر اشتراه التجار فإنه يرد عليهم رؤوس أموالهم فإن الحر لا يباع ولا يشترى" أخرجه سعيد بن منصور (المغنى لابن قدامة ٤٨١:١٠)، وعثمان بن مطر ضعفه غير واحد، وقال عبد الله بن سالم: كان حافظا للحديث (التهذيب ١٥٥:٧). وأبو حريز قاضى سجستان مختلف فيه، وثقه ابن معين فى رواية وأبو زرعة وأبو حاتم وابن حبان والدار قطنى، وتكلم فيه آخرون (التهذيب ١٨٥:٥)، وإنما ذكرناه اعتضادا به لا احتجاجا. قوله: "حدثنا عثمان بن مطر إلخ". قلت: دلالة على حكم الاستيلاء ومعنى الباب ظاهرة وقوله: إن أصابه فى أيدى التجار بعد ما اقتسم فلا سبيل إليه أى لا سبيل إليه مجانا وهو أحق به بالقيمة إن شاه بدليل ما صرح به مکحول، وغيره عن عمر رضى الله عنه وقوله: أيما حر اشتراه التجار، فإنه يرد عليهم رؤوس أموالهم أى من بيت مال المسلمين. وقوله: "فإن الحر لا يباع ولا يشترى" دليل على كون المكاتب والمدبر وأم الولد كذلك لاشتراك العلة، فإن أحدا منهم لا يجوز بيعه ولا شراءه كما سيأتى فى أبواب البيوع وإذا اتحدت العلة اتحد الحکم، کما لا يخفى على من له مسكة بالعلم، وقیه رد على ابن حزم حيث قال: وقد أجمع الحاضرون من المخالفين على أنهم أى أهل الحرب لا يملكون أحرارنا أصلا، وإنهم مسرحون قبل القسمة، وبعدها بلا تكليف ثمن فأى فرق بين تملك الحر وبين تملك المال بالظلم والباطل لو أنصفوا أنفسهم اهـ (٣٠٥:٧) فالفرق بينه وبينه أن الحر لا يباع ولا يشترى بخلاف المال، وقد صرح بهذا الفرق عمر الفاروق رضى الله عنه وهو هو، فافهم وانصف. دليل أبى حنيفة فى العبد الآبق حيث لا يملكه الفار بالاستيلاء عليه وبعد ذلك فلنقم الدليل على أن العبد إذا أبق إلى العدو لم يملكه بالاستيلاء عليه بخلاف ما إذا أخذه العدو من دار الإسلام، وهو ما روى أبو داود والترمذى، وقال: حديث حسن صحيح غريب عن ربعى بن حراش عن على بن أبى طالب رضى الله عنه ((قال: خرج عبدان إلى رسول ٣٤٣ حكم استيلاء الكفار على أموال المسلمين والعياذ بالله إعلاء السنن الله عَّهِ -يعنى يوم الحديبية قبل الصلح - فكتب إليه مواليهم فقالوا: يا محمد! والله ما خرجوا إليك رغبة فى دنك، وإنما خرجوا هربا من الرق فقال ناس: صدقوا يا رسول الله! ردهم إليهم، فغضب رسول الله مَّ وأبى أن يردهم، وقال: هم عتقاء الله عز وجل اهـ (عون المعبود ١٨:٣). وفيه: أن عبد الحربى إذا خرج إلينا مسلما بنفسه لم يبق لمولاه يد عليه فيحرز نفسه بالخروج إلينا مراغما لمولاه، وهو فى يد نفسه لا يد للمسلمين عليه يشير إليه قوله معرّ له: ((هم عنقاء الله عز وجل))، فلما لم يملك المسلمون مثل هذا العبد المراغم لمولاه فلأن لا يملك الكفار عبدا لمسلم خرج إليهم مراغما أولى. والفقه أنه صار فى يد نفسه، وهى يد محترمة فتكون دافعة لإحراز المشركين إياه، فلما لم يحرزوه لم يملكوه، فإن ظهر المسلمون عليه بعد ذلك رد إلى مولاه المسلم قبل القسمة، وبعدها بلا شىء، وبهذا علم حكم عبد الحربى إذا أبق إلينا كافرا حيث نملكه باستيلاء عليه لأن يده فى نفسه ليست بمحترمة فيتم إحراز المسلمين إياه، ذكر ملخصه فى "المبسوط" (٥٦:١٠). ولم يتنبه ابن حزم لدليل المسألة من السنة والفقه، فقال ما قال، وأقذع فى الكلام وأطال. واحتج ابن حزم على أن الكفار لا يملكون أموال المسلمين بالاستيلاء عليها بما رواه ابن أبى شيبة نا شريك عن الوكين عن أبيه أو عمه، "قال: حبس لى فرس فأخذه العدو فظهر عليه المسلمون فوجدته فى مربط سعد فقلت: فرسى! فقال بينتك؟ فقلت: أنا أدعوه فيحمحم فقال سعد: إن أجابك فإنا لا نريد منك بينة" اهـ. قال ابن حزم: فهذا ليس إلا بعد القسمة فهذا فعل المسلمين (٣٠٦:٧). قلت: وأى دليل فيه على كونه بعد القسمة وهل هذا إلا تحكم بالرأى المحض؟ وهل مجرد كونه فى مربط سعد دليل على القسمة؟ فإن كان ابن حزم يتمسك بأمثال هذه الدلائل التى لا رأس لها ولا رجل فقد ضاع اسم الدليل وارتفع الأمان عن الصحيح والعليل. وأيضا ففى سنده شريك الكوفى صدوق سىء الحفظ فعجيب ممن لا يحتج بسماك وعكرمة بن خالد المخزومى، أن يحتج بمثل شريك هذا، ولكن أهل الظاهر لا أصل لهم ولا أساس وإنما يتبعون آراءهم فى الحديث ويطيلون ألسنتهم فى أهل التحقيق بذم الرأى والقياس. ٣٤٤ ج - ١٢ باب إذا أسلم عبد الحربى ثم خرج إلينا أو ظهر على الدار أو خرج إلى عسکر المسلمین فهو حر ٤٠٢٧- عن ربعى بن حراش عن على رضى الله عنه "قال: خرج عبدان إلى النبى عّلّه يوم الحديبية قبل الصلح، فقال مواليهم: يا محمد! والله ما خرجوا إليك رغبةً فى دينك وإنما خرجوا هربا من الرق، فقال ناس: صدقوا يا رسول الله! درهم إليهم فغضب رسول الله عّ لّه وأبى أن يردهم، وقال: هم عتقاء الله سبحانه" رواه أبو داود وسكت عنه واللفظ له والترمذى وقال: حسن صحيح غريب، والحاكم فى "المستدرك"، وقال: صحيح على شرط مسلم (زيلعى ٢: ٦٠). ٤٠٢٨- عن الحجاج بن أرطاة عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس "أن عبدين باب إذا أسلم عبد الحربى ثم خرج إلينا أو ظهر على الدار أو خرج إلى عسکر المسلمین فهو حر قوله: "عن ربعى بن حراش إلخ". فيه دلالة على أن العبد إذا يخرج إلى عسكر الإسلام مسلما فهو حر وإن كان العسكر فى دار الحرب، فإن مكة لم تكن فتحت إذ ذاك وكانت الحديبية دار الحرب، ولكن العبد إنما يراغم مولاه ويكفى لمراغمته اللحوق بمنعة العسكر أو الخروج من أرض الحرب إلى أرض الإسلام بخلاف جيش الإسلام إذا دخل أرض الحرب فإنه يراغم أهلها جميعا فلا يكون غلبة على طائفة منهم وهزيمته عسكرا من عساكرهم كافيا لمراغمة الجميع، ولذا لو لحقه مدد قبل قسمة الغنائم أو قبل الخروج من أرض الحرب شاركه فيها وإلا فلا، كما تقدم، وفى قولة مَّه: ((هم مختقاء الله عز وجل)) تنصيص على أنه لا ولاء عليهم لأحد، والذى روى أن النبى معَّ ◌ُّه رد ولاءهم إلى مواليهم فالمراد ولاء الموالاة لهم أن يوالوا من أحبوا، كذا فى "شرح السير الكبير" (١٩٨:٤)، والرواية التى أشار إليها أخرجها أبو داود فى المراسيل عن عبد ربه بن الحكم (قال ابن القطان: "لا يعرف حاله")، وفيه: فلما أسلم مواليهم بعد ذلك رد النبى مع ظهورله الولاء عليهم، وكذا هو فى مرسل عبد الله بن مكرم الثقفى رواه البيهقى، كما فى "نصب الراية" (١٤٦:٣). قوله: "عن الحجاج" دلالته على ما دل عليه ما قبله ظاهرة. قال الموفق فى المغنى وإذا أسلم عبد الحربى أو أمته وخرج إلينا فهو حر وإن أسر سيده وأولاده وأخذ ماله وخرج إلينا فهو حر، والمال له والسبى رقيقه وإن أسلم وأقام بدار الحرب فهو على رقه (إلا إذا ظهر على الدار فيصير حرا) وإن أسلمت أم ولد الحربى وخرجت إلينا عتقت وابيهتبرأت نفسها. وهذا قول أكثر أهل العلم ٣٤٥ إذا أسلم عبد الحربی ثم خرج إلینا فهو حر إعلاء السنن خرجا من الطائف فأسلما فأعتقها النبى مّ لّ أحدهما أبو بكرة"، أخرجه أحمد وإسحاق بن راهويه وابن أبى شيبة والطبرانى (زيلعى ٢: ٦٠)، فهذا سند حسن، وفى لفظ لابن أبى شيبة بهذا الإسناد: إن النبى معَّ ◌ُلّه كان يعتق من أتاه من العبد إذا أسلموا وقد أعتق يوم الطائف رجلين أحدهما أبو بكرة (زيلغى ١٤٦:١٢) أيضا، وروى الواقدى فى المغازى: حدثنى موسى بن محمد بن إبراهيم التيمى عن أبيه فذكره، وقال: "ونادى منادى رسول الله عَّ ◌ُّه يومئذ أيما عبد نزل من الحصن إلينا فهو حر فنزل أبو بكرة" الحديث (زيلعى ٦٠:٢). ٤٠٢٩- عن معمر عن عاصم عن أبى عثمان عن أبى بكرة أنه خرج إلى رسول الله عَّه وهو محاصر أهل الطائف بثلاثة وعشرين عبدًا فأعتقهم فهم يقال لهم: العتقاء) رواه عبد الرزاق (درایة ص٢٣٧) وسنده حسن. ٤٠٣٠- عن خالد بن الوليد أنه كتب لأهل الحيرة كتابا وفيه: وأيما عبد من عبيدهم أسلم أقيم فى أسواق المسلمين، فبيع بأعلى ما يقدر عليهم فى غير الوكس، ولا تعجيل ودفع ثمنه إلى صاحبه)»، أخرجه الإمام أبو يوسف فى "الخراج" (ص١٧٢)، واحتج به فهو حجة. قال ابن المنذر: وقال به كل من نحفظ عنه من أهل العلم إلا أن أبا حنيفة قال فى أم الولد تزوج إن شاءت من غير استبراء، وأهل العلم على خلافه لأنها أم ولد عتقت فلم يجز أن تتزوج بغير استبراء كما لو كانت لذمى. (قلت: حجة أبى حنيفة قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن﴾ - إلى قوله- ﴿ولا جناخ عليكم أن تنكحوهن) الآية، ظم يوجب العدة على الحرائر المهاجرات، ولا استبراء على الآماء منهن، وليست أم ولد الحربی بأولى من زوجته، فلما لم تجب العدة على الزوجة لم يجب الاستبراء على أم ولده، وبهذا افترق حكم أم ولد الذمى، فافهم. والله تعالى أعلم. وروى سعيد بن منصور حدثنا يزيد بن هارون عن الحجاج عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس ((قال: كان رسول الله عَّ لله يعتق العبيد إذا جاؤوا قبل مواليهم)) وعن أبى سعيد الأعصم قال: ((قضى رسول الله عَّ له فى العبد وسيده قضيتين، قضى أن العبد إذا خرج من دار الحرب قبل سيده أنه حر)) الحديث (وقد ذكرناه فى المتن) اهـ (٤٧٧:١٠). قوله: "عن معمر عن عاصم إلخ" دلالته على ما دل عليه ما قبله ظاهرة. ٣٤٦ إذا أسلم عبد الحربى ثم خرج إلينا فهو حر ج - ١٢ ٤٠٣١- عن معمر عن عمرو بن ميمون "قال: كتب عمر بن عبد العزيز فيمن أسلم من رقيق أهل الذمة أن يباعوا ولا يتركون يسترقونهم، ويدفع أثمانهم إليهم، قوله: "عن معمر عن عمرو بن ميمون إلخ" فيه دلالة على أن رقيق الذمى إذا أسلم لا يكون حرا بل يجبر على بيعه، وإن استرق ذمى رقيقا مسلما بعد ما تقدم من الإمام النهى عن ذلك يجبر على إعتاقه أو يعتق عليه. دليل الأول قوله فيمن أسلم من رقيق أهل الذمة: أن يباعوا ويدفع أثمانهم إليهم. ودليل الثانى قوله: "فمن قدرت عليه بعد تقدمك إليه فأعتقه والأول منصوص مذهب الحنفية قال فى "شرح السير": والذمى يجبر على بيع العبد المسلم إذا حصل فى ملكه (١٠٣:٤). والثانى من باب التعزير. وقواعدنا لا تأباه، وفى "البدائع": "لو أسلم عبد الحربى فى دار الحرب لا يعتق، وهو عبد على حاله بالإجماع اهـ" (١٣٠:٧) أى إلا إذا أخرج إلينا مراغما لمولاه أو امتنع بمنعة العسكر الذى دخل فى دار الحرب أو ظهر على الدار. وقيد "المراغمة" يحترز به عما لو خرج بإذن مولاه أو بأمره لحاجته فإنه إذا خرج كذلك، فأسلم فى دارنا حكمه أن يبيعه الإمام ويحفظ ثمنه لمولاه الحربى، كذا فى "فتح القدير" (٢٦٥:٥). الرد على ابن حزم: وقال ابن حزم: "إن كل عبد أو أمة كانا لكافرين أو أحدهما أسلما فى دار الحرب أو فى غير دار الحرب فهما حران، فلو كانا كذلك لذمى فأسلما فهما حران ساعة إسلامهما، وكذلك مدبر الذمى أو الحربى، مكاتبهما أو أم ولدهما أيهم أسلم، فهو حر ساعة إسلامه، وتبطل الكتابة، أو ما بقى منها، ولا يرجع الذى أسلم بشىء مما كان أعطى منها قبل إسلامه، ويرجع بما أعطى منها بعد إسلامه فيأخذه. واحتج بقول الله عز وجل: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا﴾ قال: وإنما عنى تعالى بهذا إحكام الدين بلا شك، وأما تسلط الدنيا بالظلم فلا. والرق أعظم السبيل وقد أسقطه الله تعالى بالإسلام اهـ ملخصًا (٣١٨:٧). وهذا كما ترى استدلال عجيب لا يقوم على رجليه فلقائل أن يقول: إنما عنى تعالى بهذا إحكام دار الجزاء بدليل قوله: ﴿فالله يحكم بينكم يوم القيمة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا﴾ أى فى الآخرة وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال. ثم احتج بقوله تعالى ﴿إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار، لاهن حل لهم ولا هم يحلون لهن، وآتوهم ما انفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آنيتموهن أجورهن﴾ الآية قال: وهذا برهان قاطع فى ٣٤٧ إذا أسلم عبد الحربی ثم خرج إلینا فهو حر إعلاء السنن فمن قدرت عليه بعد تقدمك إليه استرق شيئا من سبى المسلمين ممن قد أسلم وصلى فأعتقه" رواه عبد الرزاق (المحلى لابن حزم (٣٢١:٧). وفى الباب قصة إسلام سلمان الفارسى بالمدينة وكان عبداليهودى فأمره مرّ له أن يكاتبه، أخرجها الشيخان وغيرهما. وجوب عتق أمة الذمى أو الحربى إذا أسلمت، لأنه تعالى أمر أن لا نرجعها إلى الكفار وأنهن لا يحللن لهم، وأباح لنا نكاحهن. وهذا عموم يوجب الحرية هـ) (٣٢٠:٧). وهذا أيضا كما ترى استدلال لا ينهض على شىء فإن الأمر بعدم إرجاعهن إلى الكفار. وعدم حلهن لهم، وإباحة نكاحهن لنا لا يوجب الحرية أصلا لإمكان كل ذلك مع بقاءهن على الرق، كما لا يخفى. وليس فى نص الآية وفى مفهومها وإشارتها ما يدل على الحرية فهل هذا إلا تفسير القرآن بالرأى، والزيادة عليه من غير دليل؟ وإن سلمنا فغاية ما فيها حرية أمة الحربى إذا أسلمت وخرجت من دار الحرب إلى دار الإسلام، بدليل كون الكلام مقيدا بالمهاجرات. وأما حرية أمة الذمى فلا دلالة للآية على ذلك أصلا لكونها غير مهاجرة، وقياسها على أمة الحربى المهاجرة إلينا فاسد الاعتبار للفرق الظاهر بين الحربى والذمى. فأموال أهل الحرب لا عصمة لها بخلاف أموال أهل الذمة فإنهم قد عصموا منا دماءهم وأموالهم يبذل الجزية فتعتق أمة الحربى عليه بلا عوض إذا أسلمت وهاجرت بخلاف أمة الذمى فإنها لا تعتق عليه بل تباع لمسلم ويدفع إليه ثمنها مراعاة لعهده الذى له علينا. ألا ترى أن الله تعالى مع أمره بعدم إرجاع المهاجرات إلى الكفار، ونصه على أنهن لا يحللن لهم، وإن نكاحهم قد بطل، ولم يبق له أثر أمرنا بأن نؤتيهم ما أنفقوا وذلك لأجل العهد الذى وقع بينهم وبين النبى معَّه يوم الحدبية، فكذلك يجب علينا أن ندفع إلى أهل الذمة أثمان إماءهم إذا أسلمن ولا نعتقهن عليهم بلا شىء مراعاة لعهدهم بل هم أولى بذلك من الحربيين المعاهدین. ولو تأمل ابن حزم فى معنى الآية حق التأمل لوجدنا أقرب الناس إلى العمل بهذه الآية، ووجده أبعدهم منها لإبطاله قيد الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام، وهو نص الآية وإعتاقه أمة الذمى عليه بلا شىء. والآية نص فى وجوب مراعاة أهل العهد فى عهدهم، قال ابن حزم: ونسأل من باعهما عليه (أى على الذمى مؤلف) لم تبيعهما؟ أهما مملوكات كان له أم غير مملوكين؟ ولابد من أحدهما فإن قال: ليسا مملوكين له صدق، وهو قولنا، وإذ لم يكونا مملوكين له فهما حران. وإن قال: هما مملو كان له قلنا: فلم تبطل ملكه الذى أنت تصححه بلا نص، ولا إجماع إلى آخر ما قال ٣٤٨ إذا أسلم عبد الحربی ثم خرج إلینا فهو حر ج - ١٢ ٤٠٣٢- عن أبى سعيد الأعسم قال: ((قضى رسول الله عَّه فى العبد وسيده قضيتين قضى أن العبد إذا خرج من دار الحرب قبل سيده أنه حر فإن خرج سيده بعد وأطال (٣١٨:٧)، قلنا: ولم لم تسأل نفسك حين احتججت لما ذهبت إليه بقوله تعالى: ﴿إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن﴾ - فيه ﴿وآتوهم ما أنفقوا﴾ إن تلك المهاجرات إما أن يكن فى نكاح الكفار بعد ما أسلمن وهاجرن وإما أن يكون نكاحهم قد بطل بذلك ولا بد من أحدهما. فإن قلت: هن فى نكاحهم فكيف جاز لنا أن ننكحهن؟ وإن قلت: قد بطل نكاحهم منقول: فلم وجب علينا أن نؤتيهم ما أنفقوا؟ فإن قلت: مراعاة للعهد الذى كان بيننا وبينهم. قلنا: كذلك لا نترك أمة الذمى فى يده بعد ما أسلمت لما نهى الله عن إرجاع المسلمة إلى الكافر لأنها لا تحل له، ونؤتیه ثمنها مراعاة للعهد الذی بيننا وبينه. ولنا سلف فى ذلك من کتاب خالد بن الوليد إلى أهل الحيرة ومن قول عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد حيث كتب فيمن أسلم من رقيق أهل الذمة أن يباعوا ويدفع إليهم أثمانهم ولم يعرف لهم مخالف فى عصرهم فكان إجماعا. فبطل قولك لم تبطل ملكه بلا نص، ولا إجماع، فافهم. وليس لك سلف فى ما ذهبت إليه من نص ولا إجماع والنصوص التى احتججت بها لا تدل على ما ذهبت إليه أصلا كما قدمنا الإشارة إليه. قوله "عن أبى سعيد الأعسم إلخ". فيه دلالة ظاهرة على كون حكم الحرية مقيدا بخروج العبد من دار الحرب قبل سيده مسلما، والحديث رواه أحمد، واحتج به وقال: اذهب إليه، وكفى به حجة. الرد على ابن حزم: وبه ظهر سخافة رأى ابن حزم حيث قال فإن قالوا: هذا حكم من خرج من دار الحرب إلى دار الإسلام. قلنا: ما الفرق بينكم وبين من قال: بل هذا حكم من خرج من الطائف خاصة؟ وهل بين الحكمين فرق؟ ثم نقول لهم: وما دليلكم على هذا؟ وإنما جاء (أى أبو بكرة مؤلف) مسلما إلى رسول الله عَ ◌ّه ولم يقل عليه السلام: إنى إنما أعتقته لأنه خرج من دار الحرب، فمن نسب هذا إلى رسول الله عَّه فقد كذب عليه، وقال عليه بلا برهان إلخ (٣٢:٧). قلنا: ليس الكاذب إلا من قصر نظره على حديث أو حديثين أو أول نصوص القرآن برأيه كيف ما شاء. وأما الأئمة المجتهدون المقتدى بهم فى الدين، فحاشاهم أن يكذبوا على رسول الله عَّ أو يقولوا عليه بلا برهان. لو تأملت لوجدت الحجة التى احتججت بها دالة على قيد ٣٤٩ إذا أسلم عبد الحربی ثم خرج إلینا فهو حر إعلاء السنن لم يرد عليه وقضى أن السيد إذا خرج قبل العبد ثم خرج العبد رد على سيده)). رواه الخروج من دار الحرب، فإن قوله تعالى: ﴿إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن﴾ الآية إن كان دالا على حرية أمة الحربى كما قد زعمته فهو دال على كون الحرية مقيدة بالهجرة أيضا، كما سبقت الإشارة إليه. "والهجرة" الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام. وحديث أبى سعيد الأعسم نص فى ذلك ((أنه مّآ قضى فى العبد إذا خرج من دار الحرب قبل سيده أنه حر» وأی نص أصرح من ذلك فى كون الحرية مقيدة بالخروج من دار الحرب. وأيده ما جاء فى رواية الواقدى ((نادى منادى النبى منّ يّ يومئذ - أى يوم الطائف- أيما عبد نزل من الحصن إلينا فهو حر)) اهـ. علق الحرية "بالنزول" ولم يقل: أيما عبد أسلم فهو حر نزل أو لم ينزل. ولكن ابن حزم وأمثاله من أهل الظاهر لا يدرون ما يخرج من رؤوسهم والله المستعان. وبهذا القيد خرج حكم عبد الحربى إذا أسلم فى دار الحرب ولم يهاجر وكذا عبد الذمى إذا أسلم فى دار الإسلام فلا يكون حرا بل يباع عليه وعبد الحربى يبقى رقيقا له ما لم يخرج من دار الحرب أو يلحق بعسكر الإسلام الداخل هناك فيصير حرا، وكذا إذا ظهر على الدار. وفى "المدونة": قلت لابن القاسم: أرأيت لو أن عبيدا لأهل الحرب أسلموا فى دار الحرب أ يسقط عنهم ملك ساداتهم أم لا فى قول مالك؟ قال: لا أحفظ عن مالك فيه شيئا. ولا أرى أن يسقط ملك ساداتهم عنهم إلا أن يخرجوا إلينا إلى بلاد الإسلام، فإن خرجوا سقط عنهم ملك ساداتهم. ولو دخل المسلمون دار الحرب فأصابوا عبيدا مسلمين وساداتهم مشركون كانوا أحرارا، ولا يردون إلى ساداتهم وإن أسلم ساداتهم بعد ذلك لأنهم حين دخل إليهم أهل الإسلام فكأنهم خرجوا إليهم، ألا ترى أن بلالا أسلم قبل مولاه، فاشتراه أبو بكر فأعتقه، وكانت الدار يومئذ دار الحرب لأن أحكام الجاهلية كانت ظاهرة يومئذ، فلو كان إسلام بلال أسقط ملك سيده عنه لم يكن ولاءه لأبى بكر، ولكان إذا ما صنع فى اشتراءه إياه إنما هو فداء فليس هو هكذا، ولكنه مولاه، وأما الذين خرجوا إلى دار الإسلام (أو عسكر المسلمين) بعد ما أسلموا وتركوا ساداتهم فى دار الشرك، فهؤلاء قد أعتقهم النبى معظّ بخروجهم إلى دار الإسلام وهم عبيد لأهل الطائف الذين نزلوا على النبى عليه السلام فأسلموا وساداتهم فى حصن الطائف على الشرك فأعتقهم الإسلام وخروجهم إلى دار الإسلام وكذلك فعل النبى معَّه. قلت: أما بلال فإنما أعتقه أبو بكر قبل الهجرة قبل أن تظهر أحكام النبى معَّ فليس لك فى هذا حجة وإنما تكون لك حجة على من خالفك أن لو كان هذا بعد هجرة النبى مّ وظهور أحكامه قال هى حجة حتى يأتى ما ينقضها ٣٥٠ إذا أسلم عبد الحربی ثم خرج إلينا فهو حر ج - ١٢ سعید بن منصور (المغنی ٤٧٧:١٠)، ورواه أحمد، وقال: أذهب إليه، وهو مرسل (نيل الأوطار ٢١٣:٧). ولا نعرف أنه جاء ما ينقض ذلك اهـ (٣٨٣:١). وبهذا اندحض ما قاله ابن حزم: إن أمر بلال كان فى أول الإسلام بلا خلاف، وقبل نزول الآية التى ذكرنا ببضع عشرة سنة لأن الآية مدنية فى سورة النساء إلخ (٣٢٠:٧). فقد بينا أن قوله تعالى: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا﴾ لا يدل على حرية رقيق الكافر أصلا لا بعبارته، ولا إشارته بل هو وارد فى حكم المجازاة فى الآخرة بدلالة السباق. وإن سلمنا أنه تعالى عنى بهذا أحكام الدين فلا نسلم كون الرق منها وإنما هو من جنس التملك بالاستيلاء، وهو من أحكام الدنيا (١) كالبيع والشراء، فافهم. وأما إن عبد الذمى إذا أسلم فى دار الإسلام فلا يكون حرا بل يباع عليه، فدليله إسلام سلمان الفارسى رضى الله عنه بالمدينة، وكاتب سيده بأمر النبى معَّ لل فلو كان حرا بنفس الإسلام لم يكن للمكاتبة معنى. الجواب عن إيراد ابن حزم: وأورد عليه ابن حزم "إن أمر سلمان كان بالمدينة، وكان مملوكا لرجل من بنى قريظة، وهم ممتنعون لا يجرى عليهم حكم رسول الله مد ظله بل هم فى حصونهم مالكون لأنفسهم، وكان إسلام سلمان رضى الله عنه بلا خلاف قبل الخندق. وهو أول مشاهده ومن البرهان القاطع على أن ملك سيده له بطل عنه بإسلامه أنه كان مكاتبا له بلا شك. وما انتمى قط إلى ولاء ذلك القرظى بل انتمی مولی لله تعالى ورسوله. وهذا كله متفق علیه من المؤلف والمخالف فلو کان ملکه له صحیحا وكتابته له صحيحة بحق الملك لكان ولاءه له. ولو كان ولاءه له لما تركه النبى عّ لّه ينتفى عن ولاءه اهـ (٣٢١:٧). وهذا كله كلام من لا دراية له ولا فقه فإن المدينة كانت قد صارت دار الإسلام بقدوم النبى معَّ ◌ُلّه، واجتماع قبائل الأوس والخزرج وبنى النجار وغيرها عليه. ومن كان بها من المشركين أو اليهود كانوا كلهم تحت حكم النبى مّ لّه وعهده، ولم يغدر قبيلة منهم لعهده إلا وقد أجليت أو أخزيت وصار كل ما بيدها فيئا لله ولرسوله. وهذه قريظة حين غدرت بالعهد، ونصرت (١) يدل عليه ما قدمناه عن "المبسوط" فى باب الاستيلاء من قوله: إن الاستيلاء من سبب يملك به المسلم مال الكافر فيملك به الكافر مال المسلم كالبيع والهبة وبيننا وبينهم مساواة فى أسباب إصابة الدنيا بل حظهم أو فر من حظنا لأن الدنيا لهم. ٣٥١ إذا أسلم عبد الحربی ثم خرج إلینا فهو حر إعلاء السنن الأحزاب حاصرها النبى معَّ له، وقتل مقاتلتها وسبى ذريتها. فقوله: "إن بنى قريظة كانوا ممتنعين لا يجرى عليهم حكم رسول الله عدّ له " غير مسلم البتة. كيف وقد كان مطلّ كتب كتابا بين المؤمنين وأهل يثرب ويهودها مقدمه المدينة وفيه: إن يهود بنى فلان أمة من المؤمنين (ومعاونتهم إياهم على عدوهم بالنفقة التى شرطها عليهم قاله أبو عبيد مؤلف) وشرط عليهم أنه لا يخرج أحد منهم إلا بإذن محمد عَّه، وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة وأن بينهم النصيحة والنصر للمظلوم وإن المدينة(١) جوفها حرم لأهل هذه الصحيفة، وأنه ما كان بين أهل الصحيفة من حدث يخاف فساده فإن أمره إلى الله وإلى محمد النبى عدّ له وإن بينهم النصر على من وهم يثرب، وعلى كل أناس حصتهم من النفقة إلى آخره ذكر الكتاب بطوله أبو عبيد فى "الأموال": عن یحیی بن عبد الله بن بکیر، وعبد الله بن صالح قالا: حدثنا الليث بن سعد حدثنى عقيل بن خالد عن ابن شهاب (ص ٢٠٢ و ٢٠٣)، وهو مرسل صحيح وفيه ما يدل صريحا على أن اليهود كلها كانت تحت حكم النبى مّ وعهده ولم يكونوا ممتنعين مالكين لأنفسهم كما قاله ابن حزم. نعم لم تؤخذ منهم الجزية ولم تضرب عليهم لتأخر نزول حكم الجزية ولم يكن بالمدينة أحد من اليهود حين نزول حكمها. وأما إن سلمان لم ينتم قط إلى ولاء ذلك القرظى، فلأن قريظة لما حاربت الله ورسوله لم يبق من مقاتلتهم عین تطرف، ولا من ذریتهم ونساءهم نفس إلا وقد سبیت، واستعبدت فإلى من كان ينتمى؟ والذمى إذا عاد حربا على المؤمنين لا يبقى له ولاء، ولا حق على مسلم، بل كل ما كان له يصير فيئا للمسلمين فلذلك كان سلمان ينتمى مولى لله ولرسوله، فافهم. فائدة: إذا أسلم عبد الحربى فى دار الحرب، ولم يخرج إلى دار الإسلام، ولم يلتحق بجيش. المسلمين، ولا ظهر على الدار فهو عبد لمولاه إلا إذا باعه من مسلم أو ذمى وسلمه إلى المشترى، فحينئذ يعتق عند أبى حنيفة وهو الصحيح. وقد أبهم الجواب فى "السير الصغير" وفسره فى "السیر الكبير"، فقال: بمجرد البيع لا یعتق بل إذا قبضه المشترى وهو مسلم أو ذمی لا حربی، فإن المسلم أو الذمى من أهل دارنا فإذا أصاب العبد المسلم فى يد من هو من أهل دارنا فكأنه خرج إلى دار الإسلام فيكون حرا بمنزلة المراغم. وإذا كان المشترى حربيا فهو بمنزلة البائع، وقد كان هو مملو کا فی ملك البائع، فكذلك فى ملك المشترى. (١) فيه دليل لما قدمنا فى كتاب الحج أن حرم المدينة ليس كحرم مكة، ومعنى كونه حرما أنه بلد آمن لا يجوز إخافة أهله ولا تشهير السلاح عليهم نحوه وموضع الاستشهاد قوله مَّ ◌ُله: ((إن جوف المدينة حرم لأهل هذه الصحيفة)) أى دون سائر الناس، فافهم. ٣٥٢ ج - ١٢ باب الحربى يسلم فى دار الإسلام ثم يرجع إلى دار الحرب بلا أمان کاتما إسلامه لجمع ماله بها من الأموال فھو له کله ولا یخمس ٤٠٣٣- حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح ثنا نعيم بن حماد ثنا ابن المبارك، ومحمد بن ثور عن معمر عن ثابت عن أنس بن مالك: "أن الحجاج بن علاط السلمى قال: يا رسول الله! إن لى بمكة أهلا ومالا وقد أردت إتيانهم فإن أذنت لى أن أقول فيك فعلت، فأذن له رسول الله عَّ ◌ُّ أن يقول ما شاء، فلما قدم مكة قال لامرأته: إن أصحاب محمد قد استبيحوا وإنما جئت لآخذ أهلى ومالى فأشترى من غنائهم وفشا ذلك فى أهل مكة فبلغ ذلك العباس، ففتن به واختفى من كان فيها من المسلمين وأظهر المشركون الفرح بذلك، فكان العباس لا يمر بمجلس من مجالسهم إلا قالوا: يا أبا الفضل! لا يسؤك الله. قال: فبعث غلاما له إلى الحجاج بن علاط، فقال: ويلك ما هذا كذا فى "شرح السير الكبير" (١٩٨:٤). وقالا: لا يكون حرا بالبيع والهبة، بل بالخروج إلى دار الإسلام أو الالتحاق بعسكر المسلمين، أو ظهورهم على الدار. قلت: وإذا اشتراه مسلم قد أسلم فى دار الحرب فهو بمنزلة ما اشتراه الحربى سواء، لأن إصابة العبد المسلم فى حكم الخروج إلى دار الإسلام، وهو ظاهر فلا يرد على أبى حنيفة اشتراء أبى بكر بلالا رضى الله عنهما، وإعتاقه إياه و کونه مولی لأبى بكر رضى الله عنه، فافهم. فإن ابن حزم لم يتنبه للمعنى الذى علل به أبو حنيفة الجواب، ولم يدر أن بيع الحربى عبده المسلم أو هبته من مسلم أو ذمی هو من أهل دارنا بمنزلة خروجه من دار الحرب إلى عسكر المسلمين النازل بدار الحرب، وفى حكم خروجه إلى دار الإسلام فيكون حرا كالمراغم. ومن حرم الدراية والفقه لا يكون حظه غير التوحش من أخوية الفقهاء أئمة الدراية والهدى. وإذا قرعت سمعه كلماتهم انطلق لسانه بما لا يليق، وقال: فهل سمع بأوحش، وأفحش من هذا التخليط؟ وهل يعرف أن أحدا قاله قبله؟ ماذا على الفقيه أن قال ما لم يقله أحد قبله إذا كان متمسكا بحجة من السنة لا تخالف نصا ولا إجماعا، والله تعالى أعلم. باب الحربى يسلم فى دار الإسلام ثم يرجع إلى دار الحرب بلا أمان كاتما إسلامه لجمع ماله بها من الأموال فهو له کله ولا یخمس قوله: "حدثنا يحيى بن عثمان إلخ" قلت: وفى "شرح السير الكبير" ولو أسلم الحربى فى دار الحرب ثم خرج إلى دار الإسلام وخلف ثقله فى دار الحرب ثم رجع إليه ولم يتعرض أهل ٣٥٣ إعلاء السنن لا خمس فى مال الحربى إذا أسلم فى دار الإسلام ورجع لجمع ماله الذى جئت به؟ فالذى وعد الله ورسوله خير مما جئت به فقال الحجاج لغلامه: "اقرأ على أبى الفضل السلام، وقل له ليتخلى فى بعض بيوته، فإن الخبر على ما يسره فلما أتاه الغلام فأخبره فأقام إليه فقبل ما بين عينيه، وأعتقه ثم أتاه الحجاج بن علاط فخلابه فى بعض بيوته، وقال له: إن الله قد فتح على رسوله خيبر وجرت فيها سهام المسلمين واصطفى رسول الله عَّ له صفية لنفسه. وإنى استأذنت رسول الله عَّ له أن أقول فيه ما شئت فإن لى مالا بمكة آخذه، فأذن لى أن أقول ما شئت فاكتم على ثلاثا ثم قل ما بدا لك. ثم أتى الحجاج أهله فأخذ ماله ثم انشمر إلى المدينة" الحديث، رواه الطحاوى فى "مشكله" (٢٤٢:٤)، ورجال سنده ثقات غير ما فى يحيى بن عثمان من المقال، وقال الحافظ فى "الفتح" (١١١:٦): قصة الحجاجة بن علاط من حديث أنس رواه أحمد وابن حبان والنسائى، وصححه الحاكم اهـ. وقال ابن سعد: قدم على النبى مدِّ، وهو بخيير فأسلم وسكن المدينة، وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن ثابت عن أنس ((لما افتتح رسول الله عَّه خيبر، قال الحجاج بن علاط: يا رسول الله إن لى بمكة أهلا ومالا وإنى أريد أن آتيهم فأنا فى حل إن قلت فيك شيئا؟ فأذن له)) الحديث بطوله، رواه أحمد وإسحاق عن عبد الرزاق ورواه النسائى عن إسحاق، كذا فى "الإصابة" (٣٢٧:١) قلت: وهذا سند صحيح على شرط الشيخين. الحرب بشىء من ذلك حتى صارت تلك الأشياء بيده فأخرجها معه فجميع ذلك کله له، لا خمس فيه سواء كان خروجه إلى دار الحرب بإذن الإمام أو بغير إذنه، لأن المال باقٍ على ملکه ما لم يتعرض له أهل الحرب فيكون هو مستديما ملكه فحاله كحال من أسلم وخرج بماله فإن الخمس إنما يجب فيما يثبت فيه الملك ابتداء بالإحراز بالدار لمن كان خارجاً بإذن الإمام؛ لأن ذلك فى حكم الغنيمة فيه، فأما ما استدام ملكه فيه، وأكده بالإحراز لا يكون فى معنى الغنيمة، فلا يجب فيه الخمس. ولو أسلم الحربى بعد ما دخل إلينا بأمان ثم رجع إلى ماله وولده فأخرجهم معه فإن كان دخل إليهم بأمان فولده حر مسلم لا سبيل عليه لأنه لما حصل فى دار الحرب مسلما كان ولده الصغير مسلما تبعا له وما خرج به من مال فهو له وهذا غير مشكل، فالمستأمن فيهم إذا تملك ما لا عليهم بسبب من الأسباب، وخرج به كان له خاصة. فهذا الذى قرر ملكه فى ماله أولى أن يكون له خاصة وأولاده الكبار، وزوجته فى أمانه لا سبيل عليهم؛ لأنهم خرجوا معه، فقد صار معطيا ١٢ توجهم وكلي الورع بلة التاريخ هان العربية . ٤ بسمخلفا ويخطا بالقي ح أبواب الاستعمان) لما تم زيتالك ؟ ه شب داً لملة في باب لا يجوز لمسلم دخل دار الحرب بأمان أن يقدر بهم. فإن أخذ ما لهم غدرًا وأحرزه بداونا فهو له ولا یخمس ولا يجبره على رده. :٠مل: ٤٠٣٤- عن ابن عباس قال: ((كان رسول اللهل ◌َ ◌ّه إذا بعث جيوشه قال - فذكر الحديث وفيه: لاتغلوا ولا تمثلوا)) الحديث رواه أحمد، وهو حديث حسن، وله شواهد، كما تقدم فى باب من لا يجوز قتله من هذا الكتاب له مائة عام ٠١٧ ٥اله جمة :رد: ٣٤٣٥- عن ابن عمر (أن رسول الله له قال: إن الغادر يتحب له لواء يوم القيامة فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان)) رواه أبو داود (بسند صحيح)، وقال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائى (عون المعبود ٣٩٧:٣).١٢ /٣٠) جنتا موافقة ل ١ الآمان لهم، وإن كأن دخل إليهم بغير أمان، فكذلك الجواب إن كان دخوله بغير إذن الإمام، وإن كان دخل بإذن الإمام فكذلك الجواب فيما أخذ من ماله فأخرجه لأنه قرر ملكه فى ذلك المال ولم يملكه أبتداء بهذا الإخراج قلم يكن فى حكم الغنيمة، فأما ما أخرجه من مال أخذه منهم فقيه الخمس لأنه تملك هذا المال ابتداء بالإحراز بدار الإسلام، وقد كان دخوله بإذن الإمام، فكان لهذا المال حكم الغنيمة. ثم استالى أى محمد بحديث الحجاج بن علاط السلمى، فإنه أسلم بخيبر وكانت له أموال بمكة فاستأذن رسول الله عرّ جله أن يأتى مكة حتى سيأ محذ ماله، فأذن له فيأتى مكة وأخذ ماله، ولحق برسول الله معرّ فلم يبلغنا أن رسول الله مَّ ◌ُله خمس ماله، ولا عرض له بشىء،. ثم ذكر الشارح تمام القصة من طريق الواقدى فى مغازيه، وقال: قد ثبين بهذه القصة أن الحجاج ما دخل إليهم بأمان وإنما دخل إليهم على أنه منهم كما كان، وهذا لا يكون استثمانا، ومع ذلك قد سلم رسول الله مَ ي ماله فعرفنا أنّه لا خمس فى مال يخرجه صاحبه بهذا الطريق، وإن كان لأخل إليهم بغير أمان يأذن الإمام، والله تعالى الموفق (٣٨٣:٤ و٣٨٦). منع لحبا بجي لة بعد ماه جلب لا يجوز لمسلم دخل دار الحرب بأمان أن يغدر بهم فإن أخذ مالهم بها). غدير! أو أحرزه بدارنا فهو له ولا يخمس ولا يجبر على وده: نسبة فيه ٥ماتقوله بشعمن ابن عباس إلخ "دلالته على الجزء الأول من الباب ظاهرة، فإنه إذا لم يجز المسلم المحارب أن يغدر بأهل الحرب، فالمسلم المستأمن إليهم أولى بحرمة الغار بتهم، لكونه قد آمنبهم على أنفسهم وأموالهم، وهذا كله ظاهربا الها العلم نا تلا في ريض ديالسكانية بس مبللة ليبيعه) قوله:عن ابن عمر إلخ دلالته على حرمة الغدر مطلقا ظاهرة.فدخل المسلم المستأمن فى ٣٥٥ لا يجوز لمسلم دخل دار الحرب بأمان أن يغدر بهم إعلاء السنن ٤٠٣٦- عن المسور بن مخرمة ومروان فى قصة الحديبية: وكان المغيرة بن شعبة صحب قوما فى الجاهلية فقتلهم، وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم، فقال النبى عد له: أما الإسلام فأقبل وأما المال فلست منه فى شىء)) الحديث بطوله أخرجه البخارى (فتح البارى ٢٤٨:٥). ولفظ أبى داود ((أما الإسلام فقد قبلنا وأما المال فإنه مال غدر لا حاجة لنا فيه))، فذكر الحديث (عون المعبود ٤٠:٣). ٤٠٣٧- ابن وهب عن ابن لهيعة عن عقيل عن ابن شهاب "أن المغيرة بن شعبة نزل وأصحاب له بأيلة قشربوا خمرا حتى سكروا وناموا وهم يومئذ كفار قبل أن يسلم "المغيرة بن شعبة، فقام إليهم المغيرة فذبحهم جميعاً، ثم أخذ ما كان لهم من شىء، فسار ثابخ به حتى قدم على رسول الله عَّ ه فأسلم المغيرة ودفع المال إلى رسول الله عَ ظله وأخبره الخبر فقال رسول الله عَ له: إنا لا نخمس مال أحد غصبا، فترك رسول الله عَّ له ذلك "المال فى يد المغيرة بن شعبة، أخرجه سحنون فى المدونة (٣٨٢:١) وهو مرسل حسن. حمومه. قال المحقق فى "الفتح": " وإذا دخل المسلم دار الحرب تاجرا فلا يحل له أن يتعرض لشىء من أموالهم ودمائهم لأنه بالاستيمان ضمن لهم أن لا يتعرض لهم فإخلافه غدر والغدر حرام بالإجماع. ثم ذكر حديث ابن عمر هذا، ووصيته عليه لأمراء الجيوش والشرايا ((لا تغدروا شي فية عائلة (٥:٠٥٢)"باشا ولا تغلوا)) (٢٦٦:٥). وأقره قوله: "عن المسور بن مخرمة، ومروان إلى آخر الباب" قال الحافظ فى "الفتح": وقد ساق ابن الكلبى والواقدى القصة وحاصلها؛ أنهم كانوا خرجوا زائرين المقوقس بمصر، فأحسن إليهم وأعطاهم، وقصر بالمغيرة فحصلت له الغيرة منهم، فلما كانوا بالطريق شربوا الخمر، فلما سكروا ونامواً وثب المغيرة فقتلهم، ولحق بالمدينة فأسلم قال: وقوله: وأما المال فليست منه فى شىء أى لا أتعرض له لكونه أخذه غدرا ويستفاد منه أنه لا يحل أخذ أموال الكفار فى حال الأمن غدرا لأن الرفقة يصطحبون على الأمانة والأمانة تؤدى إلى أهلها مسلما كان أو كافرا وأن أموال الكفار إنما تحل بالمحاربة والمغالبة، ولعل النبى معَّ ه ترك المال فى يده لإمكان أن يسلم قومه فيرد إليهم أموالهم. قلت: تأويل بعيد وأيضا فلا معنى لتوقف الرد على إسلام قومه، فإنه إن كان قد ملك تلك خ الأموال، وطابت له بالإحراز بدار الإسلام، فلاحظ لقومه فيها، وإن أسلموا وإن كان لم يملكها، · أو لم تطب له، فهى لورثة المقتولين، وإن لم يسلموا، فكان عليه قضاء أو ديانة أن يردها إليهم، ولا ينتظر إسلامهم، لأن الأمانة تؤدى إلى أهلها مسلما كان أو كافرا كما قاله الحافظ نفسه. 2. ج - ١٢ لا يجوز لمسلم دخل دار الحرب بأمان أن یغدر بهم ٣٥٦ ٤٠٣٨- ابن وهب عن عمر بن الحارث والليث بن سعد عن بكير بن الأشج "أن المغيرة بن شعبة أتى إلى رسول الله عَّ له وقد قتل أصحابه وجاء بغنائمهم فترك رسول الله عَّ ذلك المال للمغيرة وهو كافر وهم كفار" (أى حين قتلهم هو)، أخرجه سحنون فى "المدونة" (٣٨٢:١)، وهو مرسل صحيح شاهد للمرسل قبله. ومرسلا ابن شهاب وبكير بن لأشج يدلان على أنه ترك المال للمغيرة أى لكونه قد ملکه بالإحراز بدار الإسلام ومن أسلم على شىء فهو له ألا ترى أن الحربى لو أخذ مال المسلم غصبا وأحرزه بدار الحرب ثم أسلم فهو له. قال الموفق فى "المغنى": ولا أعلم خلافا فى أن الكافر الحربى إذا أسلم أو دخل إلينا بأمان بعد أن استولى على مال مسلم فأتلفه أنه لا يلزمه ضمانه وإن أسلم، وهو فى يده فهو له بغير خلاف فى المذهب لقول رسول الله عَّه: من أسلم على شىء فهو له، وإن كان أخذه من المستولى عليه بهبة أو سرقة أو شراء فكذلك لأنه استولى عليه فى حال كفره فأشبه ما استولى عليه لفهره للمسلم اهـ (٤٨٣:١٠). فإن استولى الحربى على أموال الكفار بسرقة أو غدر، ثم أسلم، وهى فى يده فهى له بالأولى ولا تخمس لكونها غير مأخوذة بالمحاربة والمغالبة، بل بالغدر والغصب، فافهم. قال الحافظ: "ويستفاد منه أن بالحربى إذا أتلف مال الحربى (ثم أسلم) لم يكن عليه ضمان وهذا أحد الوجهين للشافعية" اهـ (٢٥٠:٥). قلت: وكيف يستفاد منه ذلك؟ والمغيرة لم يتلف أموالهم بل جاء النبى معَّ له وهى فى يده، وإنما يستفاد منه أن الحربى إذا أسلم بعد ما استولى على أموال الكفار غدرا وهى فى يده فهى له، ولا يؤمر بردها إليهم لأن النبى معَّ لم يأمر المغيرة بالرد مع كونه قد بين له أن ذلك مال غدر لا حاجة لنا فيه. نعم قد كان أتلف نفوسهم تمدرا ولم يأمره النبى معَّ ◌ُّه بأن يديهم أو يستعفى من ورثتهم ولا بالكفارة لكونه قتلهم وهو كافر والكافر غير مخاطب بالكفارة والإسلام يجب ما قبله من الآثام، والله تعالى أعلم. وفى "الهداية": فإن غدر بهم أعنى التأجر (المستأمن) فأخذ شيئا، وخرج به ملكه ملكا محظورا لورود الاستيلاء على مال مباح إلا أنه حصل بسبب الغدر فأوجب ذلك خبثا فيه، فيؤمر بالتصدق به اهـ" (٢٦٧:٥ مع "الفتح"). وفى "شرح السير الكبير": "إن المستأمن إذا أخذ شيئا من مالهم بغير طيب أنفسهم فأخرجه إلى دارنا أمر برده ولا يجبر عليه فى الحكم، لأنه أخسر ذمة نفسه لا ذمة الإمام والمسلمين واستدل عليه بحديث المغيرة بن شعبة رضى الله تعالى عنه: أنه صحب قوما من المشركين فوجد منهم غفلة فقتلهم وأخذ أموالهم فجاء بها إلى رسول الله عَّ خله ٣٥٧ لا يجوز لمسلم دخل دار الحرب بأمان أن يغدر بهم إعلاء السنن ٤٠٣٩- عن عبد الملك بن عمير ثنا عامر بن شداد تنا عمرو بن الحمق رضى الله عنه قال: ((سمعت رسول الله عّ لّه إذا اطمأن الرجل إلى الرجل ثم قتله بعد ما اطمأن إليه نصب له يوم القيامة لواء غدر))، أخرجه الحاكم فى "المستدرك" (٣٥٣:٤)، وصححه وأقره عليه الذهبى ورواه النسائي وابن ماجة من رواية رفاعة بن سواد عنه مرفوعا بلفظ: من أمن رجلا على دمه فقتله، فأنا برىء من القاتل، وإن كان المقتول كافرا، كذا فى "الإصابة" (٢٩٤:٤). وطلب منه أن يخمس فأبى أن يفعل ذلك، ولم يجبره على رد ذلك إلى ورثتهم فهو الأصل فى هذا .. الجنس فإن جاء صاحب المتاع مسلما أو معاهدا بأمان وأقام على ذلك بينة عد ولا من المسلمين، أو أقرذ واليد بذلك فإن الإمام يفتيه بالرد ولا يجبر على ذلك لأنه حين أخذ المال لم يكن لصاحب المتاع أمان فى نفسه ولا فى ماله، وإنما كان على ذلك الرجل أن لا يغدر بهم حين دخل إليهم بأمان وذك غير داخل تحت حكم الإمام فلا يجبره الرد بذلك القدر من السبب اهـ" (٣: ٩٥). فإن قيل: كيف يصح الاحتجاج بحديث المغيرة، ولم يأمره النبى معَّ له برد منا أخذه من أموال رفقته إلى ورثتهم، ولم يفته بذلك؟ قلنا: قوله عدّ له: ((وأما المال فإنه مال غدر لا حاجة لنا فيه)) أمر بالرد إلى المقتولين، فإن حرمة ما أخذ بالغدر مما لا تكاد تخفى على مسلم، فإن قيل: حديث المغيرة إنما هو فى كافر أخذ أموال الكفار قبل إسلامه غدرا، ثم أسلم وهی فی یده، فکیف يؤخذ منه حكم مسلم دخل دار الحرب بأمان، وأخذ أموال الكفار غدرا، وأحرزها بدارنا؟ قلنا: لما لم يجز للحربى ما أخذه من الحربيين بالغدر فالمسلم أولى بأن لا يجوز له ما أخذه منهم بالغدر فإن المسلم كان مكلفا بالأحكام حين أخذه ذلك إجماعا بخلاف الكافر فإن كونه مكلفا بالأحكام قبل إسلامه مختلف فيه فصح الاحتجاج به على أحكام المستأمنين على أنا قد روينا فى "دلائل النبوة" لأبي نعيم ما يدل على أن إسلام المغيرة كان بمصر حين سمع من المقوقس وأساقفة مصر نعت النبى معَّه وما يجدونه عندهم من صفاته وصفات أصحابه فى كتبهم فعند ذلك وقر الإسلام فى قلب المغيرة. قال: فقمنا من عنده وقد سمعنا كلاما ذللنا لمحمد عّ لّه وخضعنا وقلنا: ملوك العجم يصدقونه ويخافونه فی بعد أرحامهم منه، ونحن أقرباءه وجیرانه لم ندخل معه وقد جاءنا داعيا إلى منازلنا الحديث بطوله -وفيه- قال المغيرة: فوعيت ذلك كله من قوله وقول غيره فرجعت إلى النبى معَّه فأسلمت (أى أظهرت إسلامى وبايعته عليه) وأخبرته بما قال الملك وقالت الأساقفة الذين كنت أسائلهم وأسمع منهم، وأعجب ذلك رسول الله عَ ليه، وأحب أن يسمعه أصحابه، ج - ١٢ ٣٥٨٨ باب لا يمكن الحربى المستأمن من الإقامة فى دارنا سنة فإن أقام تمام السنة وضعت عليه الجزية بعد التقدم إليه وكذا إذا اشترى أرضا خراجية. خنة ٤٠٤٠- حدثنا قيس بن الربيع عن مغلس عن مقاتل بن حيان عن أبى مجلز عن زياد بن حدير قال: "كتبت إلى عمر رضى الله عنه فى أناس من أهل الحرب يدخلون أرضنا أرض الإسلام فيقيمون. قال: فكتب إلى عمر إن أقاموا ستة أشهر فخذ منهم العشر، وإن أقاموا سنة فخذ منهم نصف العشر"، أخرجه يحيى بن آدم فى "الخراج ،، (ص١٧٢) له، وفيه مغلس لم أعرف من هو ولم أجد له ترجمة. قال المحشى (ص ٢٥): وإنما وجدت فى "فهرس تاريخ الطبرئ" مغلس بن زياد العامرى ومغلس بن عبد الرحمن ولا أدرى هل هو أحدهما أولا أهـ قلت: والأثر احتج به يحيى بن آدم واحتجاج مثله بشىء حجة. فكنت أحدثهم ذلك فى اليومين والثلاثة اهـ ملخصا (ص٢٢)، فقصته فى ذلك شبيهة بقصة عمرو بن العاص فإنه أسلم عند النجاشى أولا ثم جاء المدينة وبايع النبى مب لله على الإسلام. واختلف قول أصحابنا بعد ما اتفقوا على أن المسلم المستأمن إذا أخذ أموال الحربين بالغدر ملكها فى أنه يؤمر بالتصدق بها، كما فى "الهداية"، أو يؤمر بردها إلى أصحابها من غير أن يجبر عليه، كما فى "شرح السير". وعندى أن ذلك ليس باختلاف فى الحقيقة ويجمع بينهما بأنه يؤمر بالرد إذا" أمكن وعرف أصحابها وبالتصدق إذا تعذر ذلك، والله تعالى أعلم . . باب لا يمكن الحربى المستأمن من الإقامة فى دارنا سنة فإن أقام تمام ماركة السنة وضعت عليه الجزية وكذا إذا اشترى أرضاً خراجية ... قوله: "حدثنا قيس بن الربيع إلخ" قلت: قيس هذا حسن الحديث على الأصل الذى ذكرناه غير مرة فقد روى عنه شعبة ووثقه هو وغیر واحد وتكلم فیه آخرون، كما فى "التهذيب"، قال يحيى بن آدم بعد ذكره الأثر المذكور: إذا دخل الحربى أرض الإسلام فإنه يؤخذ منه العشر (أى عشر ماله) فإن رجع بماله قبل الحول لم يؤخذ منه شىء فى الحول بعد المرة الأولى، وإن قام بأرض الإسلام حولا فإنه يعرض عليه إما أن يرجع إلى أرضه وإما أن يوضع عليه الجزية على رأسه، ويكون ذميا لا يقبل منه إلا ذلك اهـ. وهذا كما ترى احتجاج بالأثر، واحتجاج الحافظ المنقد مثل يحيى حجة على ما ذكرناه فى "المقدمة"، فتذكر. إعلاء السنن لا يمكن الحربى المستأمن من الإقامة فى دارنا سنة وحكمه لوأقام / ٢ ٣٥٩ (٣ / ٤١ ٤٠= أخبرنا إسماعيل بن عياش عن عبد الله بن یسار السلمى، قال: سبى ناس من أشراف الروم فخرج معهم ناس من قراباتهم بأمان فلما وقفوا بالشام تفرقوا مع قراباتهم، فمكثوا على ذلك لا يؤدون الخراج فكتب إلى عمر بن عبد العزيز فيهم، فكتب أن أخبروهم، فإن أحبوا أن يقيموا مع أهل ذمتنا بمثل ما يعطى مثلهم من الخراج فذلك لهم، وإن أبوا فسير وهم إلى بلادهم بأمانفهم أخر جه محتملو فى "السير الكبير" (٢٣٧٠٤) ، وعبد الله بن يسار هو عبد الله بن أبى نجيح من رجال الجماعة ثقة (تهذيب ٦-٥٤)، والآخر استج فه محمد ، فهو حاجةمعنية من الام بريالها اتالقسن طاله مالك ٠٫٠ قوله: "أخبرنا إسماعيل بن عياش إلخ" قلت: إسماعيل مختلف فيه والاختلاف لا يضر فالأثر إن لم يكن صحيحاً لم ينزل عن الحسن لا سيما وقد احتج به مجتهد إمام وفيه دليل على أنه لا يضرب الخراج على الحربى المستأمن، إلا بعد التقدم إليه الخطابالا فيه تاريخ ٠ ١٠١٧ بر وفى "الهداية":" إذا دخل الحربى إلينا مستأمنا لم يمكن أن يقيم فى دارنا سنة ويقول له الإمام إن أقمت تمام السنة وضعت عليك الجزية والأصل أن الحربى لا يمكن: من إقامة دائمة فى دارنا إلا بالاسترقاق أو الجزية لأنه يضير عونا عليها وعينة لهم ويمكن من الإقامة اليسيرة لأن فى منعها قطع الميرة، والجلب وسد باب التجارة ففصلنا بينهما بسنة لأنها مدة تجب فيها الجزية فإذا أقام سنة: بعد تقدم الإمام إليه صار ملتزماً للجزية فيصير ذميا أم ملخصًاه(٤٥ ١٧٠ مع فتح القدير) . . . قلت: ولم تفصل بينهما بسنة بمجرد القياس، بل بأثر عمر رضى الله عنه فإن قوله: "وإن أقاموا سنة فخذ منهم نصف العشر" معناه: اضرب عليهم الجزية واجعلهم من أهل الذمة، فإن" نصف العشر، إنما تؤخذ منبهم لا من أهل الحرب بدليل ما أخرجه يحيى بن آدم فى "الخراج" له أيضًا: عن قيس بن الربيع عن عاصم الأحول عن الحسن قال: كتب عمر إلى أبى موسى خدّ منهم (أى من أهل الحرب). إذا دخلوا إلينا مثل ذلك العشر، وخذ من تجار أهل الذمة نصف العشر وخذ من المسلمين من مأتين خمسة فما زاد فمن كل أربعين درهما درهم قال: وحدثنا عبد الرحيم عن عاصم عن الحسن فذكر نحوه اهـ) (ص١٧٣). قال فى "الهداية"، وللإمام أن يوقت فى ذلك أى فى ضرب الجزية على المستأمن الحربى ما دون السنة كالشهر والشهرين اهـ يعنى أن تقدير الحول ليس بلازم بل هو على رأى الإمام لكن إن لم يقدر له مدة فالمعتبر هو الحول، والله تعالى أعلم. جلية الباخرة القلب ٣٦٠ ج - ١٢ ٤٠٤٢- عن أبى الدرداء قال: قال رسول الله عَّ ◌ُله: ((من أخذ أرضا بجزيتها فقد استقال هجرته ومن نزع صغار كافر من عنقه فقد ولى الإسلام ظهره»، أخرجه أبو داود وسكت عنه وقال المنذرى: فى إسناده بقية بن الوليد وفيه مقال اهـ (عون المعبود ١٤٨:٣). قلت: ولكنه صرح بالتحديث وقال حدثنى سنان بن قيس، فالحديث حسن. باب ليس من الاستئمان أن يقول المسلم لأهل الحرب: أنا رجل منكم ٤٠٤٣- عن عبد الله بن أنيس رضى الله عنه قال: ((بعثنى رسول الله عَّه إلى خالد بن سفيان الهذلى، وكان نحو عرنة وعرفات فقال: اذهب فاقتله)) فذكر الحديث -وفيه- «فلما دنوت منه قال لى: من أنت؟ قلت: رجل من العرب بلغنى أنك تجمع لهذا قوله: "عن أبى الدرداء إلخ" وفى "عون المعبود" قوله: "بجزيتها" أى بخراجها لأن الخراج يلزم بشراء الأرض الخراجية. قال الخطابي: معنى الجزية ههنا الخراج. ودلالة الحديث أن المسلم إذا اشترى أرضا خراجية من كافر، فإن الخراج لا يسقط عنه (بل يلزمه) وإلى هذا ذهب أصحاب الرأى اهـ" (ص١٤٥). وفيه أيضا: روى البيهقى بإسناده عن عتبة بن فرقد السلمى أنه قال لعمر بن الخطاب: إنى اشتريت أرضا من أرض السواد فقال عمر: أنت فيها مثل صاحبها اهـ" (١٤٦:٣). وإذا ثبت أن الخراج لا يسقط عن المسلم إذا اشترى الأرض الخراجية من ذمى مع أنه ليس من أهل الخراج، بل من أهل الصدقة فبالأولى لا يسقط عن المستأمن الحربى إذا اشتراها منه بل يلزمه، وكان فيها مثل صاحبها، فإن الكافر من أهل الخراج حقا وإذا لزمه الخراج والتزمه صار ذميا، فلا يمكن من الرجوع إلى دار الحرب. ولذا قال فى "الهداية": فإن دخل الحربى دارنا بأمان واشترى أرض خراج، فإذا وضع عليه الخراج فهو ذمى. لأن خراج الأرض بمنزلة خراج الرأس (إذ كل واحد منهما من أحكام دارنا فى الكفار، فلما رضى بوجوب الخراج رضى أن يكون من أهل دارنا) فإذا التزمه صار ملتزما المقام فى دارنا. أما بمجرد الشراء لا يصير ذميا، لأنه قد يشتريها للتجارة اهـ ملخصا (٢٧١:٥). قلت: ويتخرج عليه ما إذا دخلت حربية دارنا بأمان فتزوجت ذميا صارت ذمية لأنها التزمت المقام تبعا للزوج وبالأولى إذا تزوجت مسلما، والمسألة مصرحة فى "الهداية". باب ليس من الاستئمان أن يقول المسلم لأهل الحرب "أنا رجل منكم" قوله: "عن عبد الله بن أنيس إلخ". قال محمد فى "السير الكبير": ولو كانوا أى المسلمون الداخلون دار الحرب تشبهوا بالروم أو لبسوا لباسهم فلما قالوا لهم: من أنتم؟ قالوا: نحن من الروم كنا فى دار الإسلام بأمان فخلوا سبيلهم، فلا بأس بأن يقتلوا من يقدرون عليه منهم، ويأخذون