النص المفهرس
صفحات 281-300
ج - ١٢ التنفيل للجهاد والتحريض إليه ٢٨١ بطوله، وصححه أيضا أبو الفتح فى الاقتراح على شرط البخارى (التلخيص عشرة، ولو جاء اثنان أو ثلاثة بعشرة استحقوا واحدا منها، ويشتركون فيه هذا محصل ما ذكره فى "شرح السير الكبير" (٥٢:٢ و٥٤). قيل له: أى لأحمد، إذا قال: من جاء بعلج فله كذا وكذا، فجاء بعلج يطيب له ما يعطى؟ قال: نعم، وكره مالك هذا القسم ولم يره. وقال: قتالهم على هذا الوجه إنما هو للدنيا، وقال هو وأصحابه: لا نفل إلا بعد إحراز الغنيمة. قال مالك: ولم يقل رسول الله عَّ ◌ُله: ((من قتل قتيلا فله سلبه)) إلا بعد أن برد القتال. ولنا ما تقدم من حديث حبيب (وسيأتى) وعبادة وما شرطه عمر لجرير ابن عبد الله (وسيأتى) ولأن فيه مصلحة وتحريضا على القتال فجاز كاستحقاق الغنيمة وزيادة السهم للفارس واستحقاق السلب (على مذهب الجمهور خلافا لأبى حنيفة فى السلب كما سيأتى). وقوله: إن النبى معَّه إنما جعل السلب للقاتل بعد أن برد القتال. قلنا: قوله ذلك ثابت الحكم فيما يأتى من الغزوات بعد قوله فهو بالنسبة إليها كالمشروط فى أول الغزاة اهـ (٤١٣:١٠). قلت: هذا الجواب إنما يتمشى على مذهب الجمهور، إن قوله عَ ليه: ((من قتل قتيلا فله سلبه)) كان بطريق نصب الشرع. وأما على قولنا: إنه كان بطريق التنفيل فى هذه الغزوة بعينها فلا. والجواب بمنع قوله: إن رسول الله عّ لّه لم يقل ذلك إلا بعد أن برد القتال. لما فى حديث عبادة أنه عَِّ حين التقى الصفان ببدر نفل كل امرأ ما أصاب، وفيه رد لما قاله فى "الموطأ": "لم يبلغنى أن النبى معَّم قال: من قتل قتيلا فله سلبه إلا يوم حنين" اهـ فقد صح أنه قال بمثله يوم بدر(١) أيضا (١) وأورد عليه الجصاص، بأنه قد ثبت أنه معبّ قسم غنائم بدر بين الغانمين لسوية، وغير جائز على النبى معَ ◌ّ خلف الوعد ولا استرجاع ما جعله لإنسان وأخذه منه، وإعطاءه غيره. فالصحيح أنه لم يتقدم من النبى ◌ّ له قول فى الغنائم قبل القتال إلخ (ص٤٥). والجواب أنه عَّ لم يخلف وعده، ولا استرجع شيئا مما جعله لإنسان، لما فى حديث عبادة عند الطحاوى (١٣٢:٢) وعند أبى عبيد (ص٣١٦) وعند أحمد (نيل ٧: ١٧٠): فقسمه بينهم على فواق، وفسره أبو عبيد بالتفضيل -أى- جعل بعضهم أفوق من بعض، فما فى بعض الروايات قسمه بينهم بالسواء أو على بواء من تصرف الرواة رواية بالمعنى. وإن سلمنا أنه قسمه بينهم على سواء فلم يكن ذلك إلا بعد ما تنازعوا وساءت أخلاقهم كما صرح به عبادة بن الصامت رضى الله عنه فى حديثه. فعوقبوا بالحرمان لأجل المنازعة، وكان كل ذلك بأمر الله تعالى فلا إشكال على أنه قد ثبت أن النبى معَّخّ نفل يوم بدر سعد بن أبى وقاص سيفا، وقضى بسلب أبى جهل لقاتله، ونفل ابن مسعود سيفه، فيحمل التسوية على ما سوى الأنفال والأسلاب. وقال الطحاوى: فإن قال قائل: فما وجه منعه مرّ إياهم ما كان جعل لهم؟ قيل له: لأن ما كان جعله لهم، فإنما كان لأن يفعلوا ما هو صلاح لسائر المسلمين، وليس من صلاح المسلمين تركهم الرايات والخروج عنها، وإضاعة الحافظين لها. فلما خرجوا عن ذلك كانوا قد خرجوا عن المعنى الذى به يستحقون ما جعل لهم، فمنعهم رسول الله عَ ليه لذلك والله تعالى أعلم (١٣٤:٢). ٢٨٢ التنفيل للجهاد والتحريض إليه إعلاء السنن الحبير ٢٠٣:٢). قلت: حديث عبادة صححه الحاكم على شرط مسلم، وأقره عليه الذهبى فى "تلخيص المستدرك" (٣٢٦:٢)، وصححا حديث ابن عباس أيضا. وفى حديث عبادة دلالة على جواز التنفيل بلفظ "من أصاب شيئا فهو له" " ومن أخذ شيئا فهو له"، وهو عند الشافعية على قولين: أحدهما أنه يصح لحديث عبادة هذا، وأصحهما المنع، والحديث تكلموا فى ثبوته وبتقدير ثبوته فإن غنائم بدر كانت لرسول الله عّ لّ. خاصة يضعها حيث يشاء، كذا فى "التلخيص الحبير" (٢٧٣:٢). وقد عرفت أن الحديث قد صح، وأما الجواب الثانى فدليله: ما رواه البيهقى من طريق معاوية بن صالح عن على بن أبى طلحة عن ابن عباس " كانت الأنفال لرسول الله مَ ◌ّه ليس لأحد فيها شىء، ما أصابت سرايا المسلمين أتوه به فمن حبس منه شيئا فهو غلول، فسألوا رسول الله عَ ليه أن يعطيهم منها فنزلت ﴿يسئلونك عن الأنفال﴾ اهـ كذا فى "التلخيص الحبير" (٢٧٢:٢). والاستدلال به على هذا المعنى مبنى على أن قوله تعالى: ﴿يسئلونك عن الأنقال﴾ منسوخ بقوله: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شىء فأن لله خمسه﴾ الآية وأكثر الناس على أنها محكمة، وقال ابن عباس أيضا فى رواية أخرى عنه: هى محكمة وللإمام أن ينفل من الغنائم ما شاء لبلاء أبلاه، وأن يرضخ لمن يقاتل إذا كان فيه صلاح للمسلمين وظاهر(١) حديث عبادة وابن عباس يدل على أن الآية نزلت فى تنفيل رسول الله عَّ لا فى أهل الغنيمة، وهذا هو الحقيقة المفهومة من قوله تعالى: ﴿يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال الله والرسول﴾ الآية، فظهر بهذا أن الغنيمة كانت للمسلمين وأنه عليه السلام كان ينفل منها، وأن ذلك محكم ثابت لم ينسخ(٢)، كذا فى "الجوهر النقى" (٥٦:٢). نعم لو قال الأمير لأهل العسكر جميعا: ما أصبتم فهو لكم فإن ذلك لا يجوز، لأن المقصود بالتنفيل التحريض على القتال، وإنما يحصل ذلك إذا أخص البعض بالتنفيل، فأما إذا عمهم فلا يحصل به ما هو المقصود، ولأن فيه إبطال الخمس الذي جعله الله فى الغنيمة، كذا فى "شرح السير الكبير" (١٧:٢). وقال الجصاص فى "أحكام القرآن" له: " وهو أى النفل عندنا إنما يكون قبل إحراز الغنيمة، فأما بعده فلا يجوز إلا من الخمس، وذلك بأن يقول للسرية: لكم الربع بعد الخمس أو الربع حيز من الجميع قبل الخمس، أو يقول: من أصاب (١) يدل عليه سياقهما عند الحاكم وعند أبى داود فى حديث عبادة خاصة. (٢) لا يقال: إنه قد نسخ، لما ثبت فى حديث عبادة هذا. وفى غيره من الأحاديث (أنه مر ◌ّ قسم غنائم بدر بينهم بالسوية)) لأنا نقول: إن الحرمان لأجل المنازعة ليس من النسخ فى شىء، وإنما هو من باب المعاقبة، ولو كان حكم التنفيل قد نسخ لم ينفل فی غزوة حنين. وقد ثبت أنه مێ نفل فيها، فافهم. ٢٨٣ ج - ١٢ التنفيل للجهاد والتحريض إليه ٣٩٨٣ - عن أنس بن مالك قال: ((قال رسول الله عَّ له يومئذ يعنى يوم حنين: من قتل كافراً فله سلبه، فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلا وأخذ أسلابهم، ولقى أبو طلحة أم سليم ومعها خنجر فقال: يا أم سليم! ما هذا معك؟ قالت: أردت والله إن دنا منى بعضهم أبعج به بطنه، فأخبر بذلك أبو طلحة رسول الله عّ لّه) أخرجه أبو داود (وقال: هذا حديث حسن (عون ٢٣:٣). وابن حبان والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يذكرا قصة أم سليم (زيلعى ١٤٢:٢). ٣٩٨٤- عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده فى قصة حنين ((ثم دنا يعنى شيئا فهو له على وجه التحريض على القتال، أو التفرية على العدو، أو يقول: "من قتل قتيلا فله سلبه" وأما بعد إحراز الغنيمة فغير جائز أن ينفل من نصيب الجيش. ويجوز له أن ينفل من الخمس" اهـ (٣: ٤٥). قوله: "عن أنس بن مالك إلخ". فيه دلالة على أن التنفيل يوم حنين كان من النبى عَّ ◌ُلّه قبل القتال، كما تقتضيه كلمة الفاء الدالة على التعقيب فى قوله: فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلا - بعد قوله- قال رسول الله عّ لّه يوم حنين: ((من قتل كافرا فله سلبه)) وأما ما رواه البخارى وغيره من أبى قتادة فى قصة حنين فى حديث طويل "ثم أن الناس رجعوا وجلس النبى معَ ◌ّه فقال: ((من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه)) فقمت فقلت: من يشهد لى؟ ثم جلس)) الحديث فهو وإن كان صريحا فى أنه مَّه قال ذلك بعد أن فرغ القتال، فليس فيه ما ينفى أن يكون قاله قبل القتال أيضا. فلا بد للجمع بين الروايات من القول بأنه مَّ له كان قد قال يومئذ قبل القتال "من قتل كافرا فله سلبه" ثم قال بعد انقضاء الحرب: "من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه" إنجازا لما وعده من قبل، فلا حجة فيه لمن أجاز التنفيل بعد إحراز الغنائم من جميع الغنيمة، ولا لمن قال باستحقاق القاتل السلب سواء كان أمير الجيش قال قبل ذلك من قتل قتيلا فله سلبه أو لم يقل ذلك، ولا لمن استدل به على كراهة التنفيل قبل القتال لئلا تضعف نيات المجاهدين وادعى أن النبى عّ لّه لم يقل ذلك إلا بعد . انقضاء الحرب، كما ذكره الحافظ فى "الفتح" (١٧٦:٦). وفى حديث أنس بن مالك هذا دلالة على أن التنفيل إن كان قبل إحراز الغنائم نفذت فى جميع الغنيمة، لإطلاق قوله فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلا وأخذ أسلابهم، ولم يذكر التخميس. وسيأتى ما يدل على أن النفل بعد إحراز الغنيمة لا يجوز إلا من الخمس. قوله "عن عمرو بن شعيب إلخ" قلت: قد أخبر النبى مرّ ◌ُِّ أنه لم يكن جائز التصرف إلا فى الخمس من الغنائم، وأن الأربعة الأخماس للغانمين، وفى ذلك دليل على أن ما أحرز من الغنائم فهو ٢٨٤ التنفيل للجهاد والتحريض إليه إعلاء السنن النبى عٍَّ من بعير فأخذ وبرة من سنامه ثم قال: أيها الناس إنه ليس لى من هذا الفىء شىء، ولا هذا، ورفع أصبعيه إلا الخمس والخمس مردود عليكم فأدوا الخياط، والمخيط. فقام رجل فى يده كبة من شعر فقال: أخذت هذه الأصلح بنها برذعة لى، فقال رسول الله عَّه: أما ما كان لى ولبنى عبد المطلب فهو لك، فقال: أما إذا بلغت ما أرى فلا إرب لى فيها، رواه أبو داود وسكت عنه هو والمنذرى وقال: وأخرجه النسائى (عون المعبود ١٥:٣). لأهلها لا يجوز التنفيل منه. ألا ترى أنه عّ لّه لم ينفل الرجل كبة من الشعر ليصلح بها برذعة له. بل قال له: أما ما كان لى ولبنى المطلب منه فهو لك، فلو كان النفل بعد إحراز الغنيمة جائزا لنفل له هذه الكبة البتة، لصدق حاجته. فإن قيل: يجوز ذلك عندكم من الخمس فلم لم ينفله النبى معَ ◌ّه منه؟ قلنا: التنفيل من الخمس يختص بأهل الصدقات من الفقراء، فلعل الرجل لم يكن فقيرا مستحقا للخمس، فإن قيل قد أعطى النبى معَّ من غنائم حنين صناديد العرب عطايا نحو الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن والزبرقان بن بدر وأبى سفيان بن حرب وصفوان بن أمية: ومعلوم أنه لم يعطهم ذلك من سهمه إذ لم يكن سهمه من الخمس يتسع لهذه العطايا (لا سيما وقد بلغ عدة المؤلفة قلوبهم ما تنيف على الأربعين كما قاله الحافظ فى "الفتح" فى غزوة الطائف (٣٨:٨ و٣٩). ونصه: فهؤلاء زيادة على أربعين نفسا، مؤلف) لأنه أعطى كل واحد من هؤلاء وغيرهم مائة من الإبل ولم يكن ليعطيهم من بقية سهام الخمس سوى سهمه، لأنها للفقراء، ولم يكونوا هؤلاء فقراء، فثبت أنه أعطاهم من جملة الغنيمة، ولما لم يستأذنهم فيه دل على أنه أعطاهم على وجه النفل وأنه قد كان له أن ينفل (من جملة الغنيمة). قيل له: إن هؤلاء القوم كانوا من المؤلفة قلوبهم، وقد جعل الله تعالى للمؤلفة سهما من الصدقات. وسبيل الخمس سبيل الصدقة لأنه مصروف إلى الفقراء كالصدقات المصروفة إليهم. فجائز أن يكون النبى معَّ له أعطاهم من جملة الخمس كما يعطيهم من الصدقات، قاله الجصاص فى "أحكام القرآن" له (٥٣:٣). وقد أجبت بمثل ذلك فيما تقدم قبل الاطلاع على قوله، فللّه الحمد على الموافقة. قال فى "شرح السير": وقال أبو حنيفة: لا نفل بعد إحراز الغنيمة، وهذا مذهب أهل العراق والحجاز، وأهل الشام يجوزون التنفيل بعد الإحراز، وممن قال به الأوزاعى رحمة الله عليه، ج - ١٢ التنفيل للجهاد والتحريض إليه ٢٨٥ ٣٩٨٥- عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: ((جئت إلى النبى عٍَّ يوم بدر بسيف، فقلت: يا رسول الله! إن الله قد شفى صدرى اليوم من العدو فهب لى هذا السيف! قال: إن هذا السيف ليس لى ولا لك فذهبت وأنا أقول: يعطاه اليوم من لم يبل بلاى، فبينا أنا إذ جاءنى الرسول فقال: أجب، فظننت أنه نزل فى شىء بكلامى، فجئت فقال لى النبى معَّهِ: إنك سألتنى هذا السيف وليس هو لى ولا لك وإن الله قد جعله لى م.ولك ثم قرأ ﴿يسألونك عن الأنفال قل الأنفال الله والرسول﴾ أخرجه أبو داود وسكت عنه، وقال المنذرى: أخرجه مسلم مطولا بنحوه وأخرجه الترمذى والنسائى (عون المعبود ٣: ٣١)، وصححه الحاكم فى "المستدرك" (نيل ١٧٢:٧). وما قلنا دليل على فساد قولهم، لأن التنفيل للتحريض على القتال، وذلك قبل الإصابة لا بعدها. ولأن التنفيل لإثبات الاختصاص ابتداء لا لإبطال حق ثابت فى الخمس لأربابها، وفى التنفيل بعد الإصابة إبطال الحق (إلا أن يكون من الخمس لأهل البلاء من الغانمين لكونهم من أبناء السبيل) والدليل على أنه لا يجوز ذلك حديث الحسن "بأن رجلا سأل النبى عّ لّ زماما من شعر من المغنم، فقال: ويلك سألتنى زماما من نار مرتين أو ثلاثا، والله ما كان لك أن تسألنيه وما كان لى أن أعطيك)) وعن مجاهد "أن رجلا جاء إلى رسول الله عَ ليه بكتبة من شعر. فقال: هب لى هذه. فقال: أما نصيبى منها فلك" ولو جاز التنفيل بعد الإصابة لما أحرمه رسول الله عّ لّ ذلك مع صدق حاجته، والذى روى أن النبى معَّ ◌ُلِّ نفل بعد الإحراز فإنما يحمل على أنه أعطى ذلك من الخمس بعض المحتاجين باعتبار أنه من المساكين، أو أعطى ذلك من سهم نفسه من الخمس أو من الصفى الذی کان له إلخ (٥:٢). قوله: "عن مصعب بن سعد إلخ". قلت: فيه دلالة على عدم جواز التنفيل بعد الإحراز، وأما قوله: إن الله قد جعله لى فهو لك، فلا يدل على جواز تنفيل غيره عّ لّه بعد الإحراز مطلقا، بل من الخمس أو من سهمه من الغنيمة. ولیس معی قوله: إن الله قد جعله لی أنه جعله ملکا له، بل معناه: إن الله قد جعل قسمته إلى، أو أحل لى سهما منه. ولعله عّ لّ. كان يحترز عن سهم الغنيمة قياسا على الصدقة، والله تعالى أعلم. فإن الغنيمة لم تحل لأحد قبله مني، كما تقدم. ثم اعلم أن الحديث رواه أبو عبيد فى "الأموال": "حدثنا أبو معاوية حدثنا الشيبانى عن أبى عون الثقفى عن سعد بن أبى وقاص "قال: لما كان يوم بدر قتلت سعيد بن العاص، وقال غيره: العاص بن سعيد وهو المحفوظ، قال: وأخذت سيفه. وكان يسمى ذا الكتيفة. فأتيت به رسول الله عزُّّد، وقد قتل ٢٨٦ التنفيل للجهاد والتحريض إليه إعلاء السنن ٣٩٨٦- عن حبيب بن مسلمة الفهرى يقول: ((شهدت النبى عدٍّ نفل الربع فى البداءة والثلث فى الرجعة)) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة، وصححه ابن الجارود وابن حبان والحاكم، (نيل الأوطار ٧٣:٧). وفى لفط لأبى داود ((أن رسول الله عَّ له كان ينفل الربع بعد الخمس والثلث بعد الخمس إذا قفل)) (عون ٣٣:٣)، سكت عنه هو والمنذرى. أخى عمير قبل ذلك. فقال لى رسول الله عَّله: اذهب به فألقه فى القبض فرجعت وبى ما لا يعلمه إلا الله من قتل أخى وأحد سلبى، فما جاوزت إلا قريبا حتى نزلت سورة الأنفال، فقال رسول الله عَ له: اذهب فخذ سيفك" اهـ (ص٣٠٣). وفيه أن السيف الذی أخذه سعد کان من سلب قتيله، فيشكل حرمانه من سلب القتيل وقد قضى عّ لّه لابن عفراء بسلب أبى جهل ونفل ابن مسعود سيفه، كما سيأتى. فلم لم ينفل سعدا سيف قتيله؟ وقد ثبت أنه حين التقى الناس ببدر كان قد نفل كل امرأ ما أصاب. والجواب أن هذا الأثر برواية أبى عبيد، مرسل فإن أبا عون الثقفى لم يسمع من سعد بن أبى وقاص ولم يدركه، وفى "التقريب": "محمد بن عبيد الله بن أبى سعيد أبو عون الثقفى ثقة من الرابعة" (١٩٠)، ومن كان من الرابعة لا يدرك سعد بن أبى وقاص، فإنه قد توفى سنة خمس وخمسين على المشهور فلا يقاوم ما رواه مصعب بن سعد عن أبيه عند مسلم بلفظ: أخذ أبى من الخمسَ شيئا، فأتى به النبى معَّهِ. فقال: هب لى هذا. فأبى فأنزل الله ﴿يسئلونك عن الأنفال﴾. وفى رواية له أصبت سيفا وأخرج عبد بن حميد عن سعد، "قال أصاب رسول الله عَّه غنيمة عظيمة فإذا فيها سيف فأخذته فأتيت به رسول الله عَ لّه. فقلت: نفلنى هذا السيف فأنا من علمت. فقال: رده من حيث أخذته"، كذا فى "عون المعبود" (٣: ٣١). وسياق هذه الروايات ظاهر فى أن هذا السيف لم يكن من سلب القتيل بل من الغنيمة أو الخمس، وإن سلمنا فيحمل على أنه لم يشهد له أحد بكونه قاتلا لصاحب السيف. كما وقع مثل ذلك لأبى قتادة فى حنين، وإنما يستحق القاتل سلب قتيله إذا كان له عليه بينة. كما سيأتى، والله تعالى أعلم، وهذا الإشكال والجواب لم أر أحدا من الشراح تنبه له. قوله: "عن حبيب بن مسلمة إلخ". فيه دلالة على تنفيل السرية الربع فى البدأة قبل القتال، والثلث فى الرجعة قبله أيضا، ولا حجة فيه لمن استدل بقوله فى الرجعة على جواز التنفيل بعد الإصابة، لاختلاف شراح الحديث فى تفسير الرجعة اختلافا كثيرا كما يظهر لك من مراجعة "عون المعبود" (٣٣:٣). قال أبو عبيد: "وتأويل نفل السرايا أن يدخل الجيش أرض العدو، فيوجه ج - ١٢ التنفيل للجهاد والتحريض إليه ٢٨٧ ٣٩٨٧- عن معن بن يزيد فى حديث ((سمعت رسول الله عّ لّه يقول: لا نفل إلا بعد الخمس)) رواه أبو داود (عون ٣٦:٣) وأحمد وصححه الطحاوى (نيل ١٧٢:٧). ٣٩٨٨- عن عوف وخالد ((أن النبى عّ لّ لم يخمس السلب)) رواه أحمد وأبو داود، وابن حبان فى "صحيحه" (نيل ١١١:٧). الإمام منها سراياه فى بدأته، فيضرب يمينا وشمالا، ويمضى هو فى بقية جيشه أمامه وقد واعد أسراء السرايا أن يوافوه فى منزل قد سماه لهم يكون به مقامه إلى أن يأتوه ووقت لهم فى ذلك أجلا معلوما. فإذا وافته السرايا هناك بالغنائم بدأ فعزل الخمس من جملتها، ثم جعل لهم الربع مما بقى نفلا خاصا لهم. ثم يصير ما فضل بعد الربع لسائر الجيش وتكون السرايا شركاءهم فى الباقى أيضا بالسوية، ثم يفعل بهم بعد القفول مثل ذلك، إلا أنه يزيدهم فى الانصراف فيعطيهم الثلث بعد الخمس. وإنما جاءت الزيادة فى المنصرف لأنهم يبدأون إذا غزوا نشاطا متسرعين إلى العدو، ويقفلون كسالى بطاء قد ملوا السفر وأحبوا الإياب إهـ" (ص ٣١٦). فليس معنى البدأة والرجعة ابتداء القتال وانقضاءه، بل ابتداء السفر للغزو والقفول منه. يؤيده ما فى حديث عبادة عند أحمد: كان إذا غاب فى أرض العدو نفل الربع، وإذا أقبل راجعا وكل الناس نفل الثلاث، كذا فى "النيل" (١٧٣:٧). قال الجصاص: فأما التنفيل فى البدأة فقد ذكرنا اتفاق الفقهاء عليه (قلت: فيه خلاف مالك، كما تقدم)، وأما قوله: "فى الرجعة الثلث"، فإنه يحتمل وجهين: أحدهما: ما يصيب السرية فى الرجعة بأن يقول لهم: "ما أصبتم من شىء فلكم الثلث بعد الخمس" ومعلوم أن ذلك ليس بعموم فى سائر الغنائم، وإنما هى حكاية فعل النبى عَّه فى شىء بعينه لم يبين كيفيته، وجائز أن يكون معناه ما ذكرنا من قوله للسرية فى الرجعة، وجعل لهم فى الرجعة أكثر مما جعله فى البداءة، لأن فى الرجعة يحتاج إلى حفظ الغنائم وإحرازها، ويكون من حواليهم من الكفار متأهبين مستعدين للقتال. لانتشار الخبر بوقوع الجيش إلى أرضهم اهـ (٣: ٥١). قلت: وفيه رد على من كره التنفيل قبل القتال، وعلى من كره أن يكون النفل زيادة على مقدار الخمس. وعلى من قال: لا يصح التنفيل إلا من الخمس أو خمس الخمس مطلقا. قوله: "عن معن بن يزيد وعن عوف وخالد إلخ" قلت: حدیث معن يدل على عدم جواز التنفيل قبل التخميس، وحديث عوف وخالد على جواز تنفيل الأسلاب قبله، فجمعنا بينهما بأنه إذا سبق من الإمام التنفيل قبل إصابة الغنائم بأن قال: من قتل قتيلا فله سلبه، أو من أصاب شيئا، 12 ٢٨٨ التنفيل للجهاد والتحريض إليه إعلاء السنن ٣٩٨٩- حدثنى عفان عن مسلمة بن علقمة حدثنا داود بن أبى هند عن عامر الشعبى "أن عمر كان أول من وجه جرير بن عبد الله إلى الكوفة بعد قتل أبى عبيد. فقال: هل لك فى الكوفة، وأنفلك الثلث بعد الخمس؟ قال: نعم! فبعثه))، أخرجه أبو عبيد فى "الأموال" (ص ٦٢). وسنده صحيح مرسل، ومراسيل الشعبی جياد. ٣٩٩٠- عن ابن عمر ((أن رسول الله عَ ليه بعث سرية فيها عبد الله بن عمر فهو له، لم يخمس السلب ولا المصاب. وعليه يحمل حديث عوف وخالد، وإذا لم يسبق منه نحو هذا القول وأراد أن ينفل البعض بعد إحراز الغنائم لم ينفل إلا من الخمس، وهو محمل حديث معن بن يزيد، وقرينة هذا الحمل أما فى حديث عوف وخالد فلما فيه من ذكر السلب، وقد قدمنا ما يدل على أنه معَّه كان ينفل السلب قبل القتال أو فى أثنائه، وأما فی حدیث معن بن يزيد فلأنه ذكره حين جاءه أبو الجويرية الجرمى بجرة حمراء فيها دنانير أصابها بأرض الروم فقسمها(١) بين المسلمين، وأعطاه منها مثل ما أعطى رجلا منهم، ثم قال: لو لا أنى سمعت رسول الله عَ له يقول: ((لا نفل إلا بعد الخمس)) لأعطيتك أى فى مثل هذه الغنيمة التى لم يسبق فيها تنفيل من الإمام. وسيأتى ذكر الاختلاف فى المسألة إن شاء الله تعالى، ودلالة الحديثين على الجزئين الأخيرين من الباب ظاهرة. قوله: "حدثنى عفان إلخ" فيه دلالة على جواز التنفيل قبل القتال فإن عمر رضى الله عنه نفل جرير بن عبد الله وقومه الثلاث بعد الخمس قبل أن يأتى الكوفة، وهى معسكر الإسلام حينئذ، وقبل أن يشهد القتال، فلا وجه لما قاله مالك من كراهة التنفيل قبل انقضاء الحرب كيلا تضعف نيات المجاهدين، فافهم. قوله: "عن ابن عمر إلخ" فيه دلالة على جواز كون النفل زيادة على خمس الخمس، فقد مر أن السریة کانت قد نفلت ثلث الخمس، ففیه رد علی من خصه بخمس الخمس فافهم، قال فی "البدائع": "أما النفل لغة فعبارة عن الزيادة ومنه سمى ولد الولد نافلة، وسميت نوافل العبادات، (١) أى بعد ما أخرج الخمس منه، فإن قيل: فلم لم ينفل أبا الجويرية من الخمس؟ قلنا: لعله لم يكن من مصارفه فافهم. وأما ما قاله فى "فتح الودود" و "أشعة اللمعات" و"المرقاة" فى معناه، إن النفل إنما يكون من الغنيمة التى هى محل الخمس. وهذا ليس بغنيمة بل فيئا لكونه قد أخذ بغير عنوة (٣: ٣٦). فلم أعرف له وجها، فإن الجيش إذا دخل أرض العدو بمنعة فكل ما حصل له فهو غنيمة. سواء حصل بعد القتال أو قبله أو بعده، وإلا لزم أن يكون ما أخذه بعد انهزام العدو فیئا لكونه حاصلا بلا تعب وعنوة. ولا قائل به، فافهم. ٠ ج - ١٢ التنفيل للجهاد والتحريض إليه ٢٨٩ فغنموا إبلا كثيرة، فكانت سهمانهم اثنى عشر بعيرًا ونفلوا بعيرا بعيرا)) متفق عليه (المغنى لابن قدامة (٤٠٩:١٠٠). وفى الشريعة عبارة عما خصه الإمام لبعض الغزاة تحريضا لهم على القتال، سمى نفلا لكونه زيادة على ما يسهم لهم من الغنيمة، والتنفيل هو تخصيص بعض الغزاة بالزيادة نحو أن يقول: من أصاب شيئا، فله ربعه أو ثلثه. أو من أصاب شيئا فهو له، أو قال لسرية: ما أصبتم فلكم ربعه، أو ثلثه، أو قال: فهو لكم. وذلك جائز، لأنه تحريض على القتال إلا أنه لا ينبغى للإمام أن ينفل بكل المأخوذ، لأنه بكل المأخوذ قطع حق الغانمين عن النفل أصلا، لكن مع هذا لو رأى الإمام المصلحة فى ذلك، ففعله مع سرية (احتراز عن الجيش) جاز، لأن المصلحة قد تكون فيه فى الجملة، قال: وأما شرط جوازه فهو أن يكون قبل حصول الغنيمة فى يد الغانمين، وما روى أن رسول الله عّ لّ نفل بعد إحراز الغنيمة فمحمول على أنه إنما نفل من الخمس، أو من الصفى الذى كان له (أو من سهمه الذى هو خمس الخمس) ويحتمل أنه كان مما أفاء الله تعالى عليه، فسماه الراوى غنيمة. وأما حكم التنفيل فنوعان: أحدهما اختصاص النفل بالمنفل له حتى لا يشاركه فيه غيره، وهل يثبت الملك فيه قبل الإحراز؟ ففيه كلام نذكره فى موضعه إن شاء الله تعالى. والثانى: أنه لا خمس فى النفل لأن الخمس إنما يجب فى غنيمة مشتركة بين الغانمين، والنفل ما أخلصه الإمام لصاحبه وقطع شركة الأغيار عنه فلا يجب فيه الخمس، ويشارك المنفل له الغزاة فى أربعة أخماس ما أصابوا، والله تعالى أعلم اه ملخصا (١١٥:٧). وقال الموفق فى "المغنى": "والنفل فى الغزو ينقسم ثلاثة أقسام: أحدها: هذا الذى ذكره الخرقى، وهو أن الإمام أو نائبه إذا دخل دار الحرب غازيا بعث بين يديه سرية تغير على العدو (وترعبه) ويجعل لهم الربع بعد الخمس. فإذا قفل بعث سرية يغير وجعل لهم الثلث بعد الخمس وبهذا قال حبيب بن مسلمة والحسن والأوزاعى وجماعة، إذا ثبت هذا فظاهر كلام أحمد أنهم إنما يستحقون هذا النفل بالشرط السابق (وهو قول أبي حنيفة وأصحابه). فإن لم يكن شرطه لهم فلا، فإنه قيل له: أليس قد نفل رسول الله عّ لّه فى البدأة وفى الرجعة الثلث؟ قال: نعم ذاك إذا نفل وتقدم القول فيه. فعلى هذا إن رأى الإمام أن لا ينفلهم شيئا فله ذلك، وإن رأى أن ينفلهم دون الثلث والربع فله ذلك، لأنه إذا جاز أن لا يجعل لهم شيئا جاز أن يجعل لهم شيئا يسيرا، ولا يجوز أن ينفل أكثر من الثلث نص عليه أحمد، وهو قول مكحول والأوزاعى والمهور من العلماء وقال. الشافعى: لا حد للنفل بل هو موكول إلى اجتهاد الإمام (وهذا مع قوله: إن النفل من خمس ٢٩٠ التنفيل للجهاد والتحريض إليه إعلاء السنن الخمس تناقض) لأن النبى عّ لّه نفل مرة الثلث، وأخرى الربع، وفى حديث ابن عمر نصف السدس (بل ثلث الخمس كما مر)، فهذا يدل على أنه ليس للنفل حد لا يتجاوزه الإمام فينبغى أن يكون موكولا إلى اجتهاده (وهذا هو قولنا ولكن لا يجوز التنفيل بكل المأخوذ إلا فى نفل السرايا دون نفل الجيش كما مر. مؤلف) وقال الأوزاعى: لا ينبغى أن يشترط النصف، فإن زادهم على ذلك فليف لهم به. ويجعل ذلك من الخمس اهـ ملخصا (٤٠٩:١٠ و٤١٠). قال الموفق: ويروى عن عمرو بن شعيب أنه قال: لا نفل بعد رسول الله عنفي (ويروى نحوه عن سعيد بن المسيب، أخرجه أبو عبيد فى "الأموال": حدثنا يحيى بن سعيد عن محمد بن عمرو: "قال: كنا عند أبى سلمة بن عبد الرحمن فأرسل إلى سعيد بن المسيب يسأله عن النفل، فقال: لا نفل بعد رسول الله عَ ل" اهـ (ص٣٢٣ وهذا سند صحيح) وكان سعيد ابن المسيب ومالك يقولان: لا نفل إلا من الخمس (أخرجه أبو عبيد فى "الأموال": حدثنا أبو معاوية عن يحيى بن سعيد عن ابن المسيب قال: ما كانوا ينفلون إلا من الخمس (ص٣١٨) "وهذا سند صحيح". قال الجصاص - رحمه الله -: "يجوز أن يريد به -أى بقوله- لا نفل بعد النبى عرّ الآ من جملة الغنيمة، لأن النبى مُّه قد كانت له الأنفال ثم نسخ بآية القسمة، وهذا مما يحتج به لصحة مذهبنا. لأن ظاهره يقتضى أن لا يكون لأحد نفل بعد النبى معَّطِّ فى عموم الأحوال، إلا أنه قد قامت الدلالة فى أن الإمام إذا قال: من قتل قتيلا فله سلبه، أنه يصير بذلك له بالاتفاق، فخصصناه، وبقى الباقى على مقتضاه فى أنه إذا لم يقل ذلك الإمام فلا شىء له، وقد روى عن سعيد بن المسيب "قال: كان الناس يعطون النفل من الخمس اهـ" (ص ٥٣). قال الموفق: ولعله أى عمرو بن شعيب يحتج بقوله تعالى: ﴿يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول﴾ فخصه بها، وقال الشافعى: يخرج من خمس الخمس ولو أعطاهم من أربعة الأخماس التى هى لهم لم يكن نفلا، وكان من سهامهم، ولنا ما روى حبيب بن مسلمة الفهرى -فذكر ما ذكرناه فى المتن- وعن عبادة بن الصامت: ((أن النبى معَّه كان ينفل فى البداءة الربع وفى القفول الثلث». رواه الترمذى وقال: حسن غريب، وروى الأثرم بإسناده عن جرير بن عبد الله البجلى أنه لما قدم على عمر فى قومه قال له عمر: هل لك أن تأتى الكوفة ولك الثلث بعد الخمس من كل أرض وشىء؟ ذكره ابن المنذر أيضا عن عمر، وقال إبراهيم النخعى: ينفل السرية الثلث والربع يغريهم بذلك، فأما قول عمرو بن شعيب: فإن مكحولا قال له حين قال: لا نفل بعد رسول ج - ١٢ التنفيل للجهاد والتحريض إليه ٢٩١ الله عَّه، وذكر له حديث حبيب بن مسلمة: شغلك أكل الزبيب بالطائف. وما ثبت للنبى عَ ليه ثبت للأئمة بعده ما لم يقم على تخصيصه به دليل اهـ. قال: وإذا ثبت هذا فإن النفل لا يختص بنوع من المال. وذكر الخلال أنه لا نفل فى الدراهم والدنانير، وهو قول الأوزاعى لأن القاتل لا يستحق شيئا منها فكذلك غيره. ولنا حديث حبيب بن مسلمة وعبادة وجرير، فإن النبى معَّ جعل لهم الثلث والربع، (وكذا عمر رضى الله عنه) وهو عام فى كل ما غنموه، ولأنه نوع مال فجاز النفل فيه كسائر الأموال، وأما القاتل فإنما نفل السلب وليست الدراهم والدنانير من السلب، فلم يستحق غير ما جعل له اهـ. قال الموفق: قال أحمد: والنفل من أربعة أخماس الغنيمة، هذا قول أنس بن مالك، وفقهاء الشام، منهم رجاء بن حيوة وعبادة بن نسی، وعدی بن عدی ومکحول والقاسم بن عبد الرحمن ويزيد بن أبى مالك، ويحيى بن جابر والأوزاعى. وبه قال إسحاق وأبو عبيد، وقال أبو عبيد: والناس اليوم على هذا. قال أحمد: وكان سعيد بن المسيب ومالك بن أنس يقولان: لا نفل إلا من الخمس فكيف خفى عليهما هذا مع علمهما؟ وقال النخعى وطائفة: إن شاء الإمام نفلهم قبل الخمس، أو بعده، وقال أبو ثور: إنما النفل قبل الخمس، واحتج من ذهب إلى هذا بحديث ابن عمر الذى أوردناه. ولنا ما روى معن بن يزيد السلمى: "سمعت رسول الله عَّ لا نفل إلا بعد الخمس" رواه أبو داود وابن عبد البر. وهذا صريح، وحديث حبيب بن مسلمة "أن النبى معَّ ر كان ينفل الربع بعد الخمس والثلث بعد الخمس" وحديث جرير " حين قال له عمر ولك الثلث بعد الخمس" ولأن الله تعالى قال: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شىء فأن لله خمسه﴾ وهو يقتضى أن يكون الخمس خارجا من الغنيمة كلها، وأما حديث ابن عمر فقد رواه شعيب عن نافع عن ابن عمر: بعثنا رسول الله عّ لّ فى جيش قبل نجد، واتبعت سرية من الجيش، فكان سهمان الجيش اثنى عشر بعيرا، ونفل أهل السرية بعيرا بعيرا. فكانت سهمانهم ثلاثة عشر بعيرا، فهذا يمكن أن يكون نفلهم من أربعة أخماس الغنيمة دون بقية الجيش، كما ينفل السرايا، ويتعين حمل الخبر على هذا لأنه لو أعطى جميع الجيش لم يكن ذلك نفلا، وكان قد قسم لهم أكثر من أربعة الأخماس وهو خلاف الآية والآثار اهـ (٤١٧:١٠). قلت: ومذهب الحنفية فى الباب: "أن الإمام إن كان قد سبق منه التنفيل قبل إحراز الغنائم ٢٩٢ ديا التنفيل للجهاد والتحريض إليه - إعلاء السنن ٣٩٩١- حدثنا محمد بن خزيمة ثنا يوسف بن عدى ثنا ابن المبارك عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين "أن أنس بن مالك كان مع عبيد الله بن أبى بكرة فى غزاة غزاها قبل القتال، أو فى أثناءه فهو من جملة الغنيمة، وإلا فمن الخمس كما ذكره صاحب "الهداية" و"شرح السير الكبير" و "البدائع"، فتذكر. وأما احتجاج من قال: لا نفل إلا بعد الخمس، وأطلق بقوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شىء فأن لله خمسه﴾ أنه يقتضى أن يكون الخمس خارجا من الغنيمةُ كلها، فيرد عليه أنه كذلك يقتضى أن تكون الأربعة الأخماس خارجة من الغنيمة كلها ويستحقها الغانمون على السواء، فلا يجوز النفل من الخمس ولا من الأربعة الأخماس. والحق أن الإمام إذا سبق منه التنفيل بقوله: من أصاب شيئا فهو له، فما أصابه من أصابه منهم لم ينتظمه قوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شىء﴾ إذ لم يحصل ذلك غنيمة لغير آخذه كما إذا قال: من قتل قتيلا فله سلبه، كأن للقاتل وحده ولم يكن غنيمة لغيره ولم يخمس، ومن ادعى الفرق فى نفل السلب وغيره فليأت ببرهان وليس معنى حديث معن بن يزيد ما ذهبتم إليه، بل معناه لا نقل إلا بعد الخمس من الخمس لأ من الأربعة الأخماس، وهو محمول على ما إذا لم يسبق من الإمام تنفيل كما مر. وكذا حديث حبيب بن مسلمة وقول عمر لجرير فلا يرد على ما قلنا، فنحن نقول بأن الإمام إذا شرط للسرية الربع أو الثلث بعد الخمس، ينفلون من الأربعة الأخماس. وإنما النزاع فيما إذا لم يشترط ذلك وأراد أن ينفلهم بعد الإحراز، على أنه يحتمل الفى الذى احتمله حديث معن ابن يزيد، أى أنه ◌ّظّ كان ينفلهم فى البدأة الربع بعد الخمس من الخمس، وفى الرجعة الثلث بعد الخمس منه، ذكره الطحاوى رحمه الله (١٣٩:٢). وكذلك جعل عمر لجرير وقومه الربع من الخمس بعد عزل الخمس، فافهم. قال الطحاوى: "وقد يجوز أن يكون عنى بقوله وينفلهم إذا قفلوا الثلث، فيكون ذلك على قفول من قتال إلى قتال، فإن كان ذلك كذلك، وكان الثلث المنفل هو الثلث قبل الخمس، فذلك جائز عندنا أيضا، لأنه يرجى بذلك صلاح القوم وتحريضهم على قتال عدوهم، فأما إذا كان القتال قَد إرتفع، فلا يجوز النقل (إلا من الخمس) لأنه لا منفعة للمسلمين فى ذلك، وقد ملكت المقاتلة ما سوى الخمس فلا سبيل للإمام علية اه ملخصا بمعناه (١٤٠:٢). قوله: " حدثنا محمد بن خزيمة إلخ" فيه دلالة على جواز التنفيل من الخمس وعدم جوازه من جملة الغنيمة قبل الخمس، إذا لم يسبق من الأمير تنفيل وكان ههنا كذلك، فإن النفل الذى أراد عبيد الله أن يعطيه أنسا لم يكن من أُسلاب من قتله، ولا مما اشترطه له من قبل، فلم يكن يجوز له ج - ١٢ التنفيل للجهاد والتحريض إليه ٢٩٣٠ فأصابوا سبيا، فأراد عبيد الله أن يعطى أنسا من السبى قبل أن يقسم، فقال أتس: لا، ولكن اقسم ثم أعطنى من الخمس! قال: فقال عبيد الله، لا إلا من جميع الغنائم فأبى أنس أن يقبل منه وأبى عبيد الله أن يعطيه من الخمس شيئًا" أخرجه الطحاوى فى "معانى الآثار" (١٤١:٢). وهذا سند كما تراه صحيح. وأخرجه أبو عبيد فى "الأموال" (٣١٩:٢) عن يحيى بن سعيد عن كهمس بن الحسن عن ابن سيرين عنه "أنه غزا مع ابن زياد فأعطاه ثلاثين رأسا من سبى العامة" فذكر نحوه، وهذا أيضا سند صحيح.ساد. ٢ ٣٩٩٢- حدثنا محمد بن خزيمة ثنا يوسف بن عدى ثنا ابن المبارك عن ابن لهيعة عن بكير بن الأشج عن سليمان بن يسار "أنهم كانوا مع معاوية بن خديج فى غزوة المغرب، فنفل الناس ومعنا أصحاب رسول الله عَ ليه، فلم يردوا ذلك غير جبلة بن عمرو" أخرجه الطحاوى (٢: ١٤١) وفى لفظ له بطريق خالد بن أبى عمران: سألت سليمان بن يسار عن النفل فى الغزو فقال: لم أر أحدا صنعه غير ابن خديج نفلنا بأفريقية النصف بعد الخمس ومعنا من أصحاب رسول الله عَّ له من المهاجرين الأولين أناس كثير، فأبى جبلة بن عمرو أن يأخذ منها شيئا" وسنده حسن. إلا من الخمس، فأبى أنس أن يأخذه قبل القسمة، وفيه رد على من قال: "إن النفل من أربعة أخماس الغنيمة" وعزاه إلى أنس بن مالك، فإن قول أنس على خلاف ذلك. ألا ترى أنه قال للأمير: "ولكن أقسم الغنيمة ثم أعطى من الخمس" ودلالة الأثر على الجزء الأخير من الباب ظاهرة. قوله: "حدثنا محمد بن خزيمة ثانيا إلخ" قلت: الظاهر المتبادر منه أن التنفيل كان من الأربعة الأخماس بعد عزل الخمس. فالأثر حجة للفريقين. أما للجمهور فلأن كثيراً من الصحابة غير جبلة ابن عمرو قد قبلوا. وأما لنا معشر الحنيفة فلأن جبلة بن عمرو أبى أن يأخذ منه شيئا، فدل على عدم جواز النفل بعد إحراز الغنيمة إلا من الخمس. وجبلة هذا هو أخو أبى مسعود الأنصارى البدرى. ذكره الطبرانى عن مطين بسنده إلى عبيد الله بن أبى رافع فيمن شهد صفين مع على رضى الله عنه من الصحابة. وروى ابن السكن من طريق هارون الهمدانى عن ثابت بن عبيد قال: دخلت على جبلة بن عمرو أخى أبى مسعود الأنصارى وهو يقطع البسر من التمر، وروى البخارى فى "تاريخه" وابن السكن قصة غزوه بالمغرب مع معاوية بن خديج، كذا فى "الإصابة" (٢٣٤:١). وبالجملة فهو صحابي جليل وفى إباءه من قبول النفل من الأربعة الأخماس حجة لأبى حنيفة ٢٩٤ التنفيل للجهاد والتحريض إليه إعلاء السنن ٣٩٩٣- عن ابن المبارك عن شعبة عن أبى الفيض عن عمر أبى حفص الحمصى "أن معاوية أعطى المقداد حمارا فقبله فقال له العرباض: ما كان لك أن تأخذه، وما كان له أن يعطيك فكأنى بك قد جئت به يوم القيامة تحمله، قال: فرده المقداد، قال شعبة: فذكرت ذلك ليزيد بن خمير فعرفه، وقال: كان أعطاه إياه من الخمس" أخرجه أبو عبيد فى "الأموال" (ص٣٢٧)، والدولابى فى "الكنى" (١٥٣:٢) حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة فذكره، وأبو الفيض هو موسى بن أيوب المهرى الحمصى وثقه ابن معين والعجلى وأبو حاتم وابن حبان (تهذيب التهذيب ٣٣٧:١٠) دون يوسف بن السفر كما توهمه محشى "كتاب الأموال"، فإنه ضعيف جدا لم ير وعنه شعبة، ولا يروى إلا عن ثقة، وأبو حفص الحمصی اسمه عمر ذكره الدولابی فی الكنى ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلا. والحديث عرفه يزيد بن خمير فدل على كونه معروفا بينهم. ظاهرة. كيف؟ وقد وافقه على ذلك أنس بن مالك رضى الله عنه كما مر. ويحتمل أن يكون معاوية بن خديج قد نفلهم النصف من الخمس بعد عزل الخمس، وهو على هذا حجة للفريقين أيضا. أما لنا فلأن كثيرا من الصحابة قد قبلوا، وأما للجمهور فلأن جبلة بن عمرو لم يقبل. ولنا أن نقول: لعله أبى عن ذلك بعدم كونه من مصارف الخمس. والله تعالى أعلم، وإنما ذكرت الأثر فى المتن ليتبين للعالم أنه يحتمل حجة للحنيفة، وليس بحجة للجمهور فقط. قوله: "عن ابن المبارك إلخ" ظاهره حجة للجمهور فى عدم جواز النفل من الخمس بل من الأربعة الأخماس، وليس كذلك. ومعنى قول عرباض بن سارية أن الخمس إنما يوضع فى أهله المسلمين فى التنزيل لا يعدى به غيرهم. وإنما يجوز صرفه إلى نفل المقاتلة إذا كان ذلك خيرا للمسلمين، من أن يوضع فى الأصناف المسماة فى التنزيل، فيصرف حينئذ إليهم لكونهم من أبناء السبيل المنقطعة عن بلادهم. ولم يكن المقداد من مصارف الخمس. ولا من منقطع الغزاة عند العرباض، فلذا أنكر عليه قبول الحمار من الخمس، وعلى معاوية إعطاءه إياه منه، ولعله كان عند معاوية من مصارف الخمس. فلا يجوز لأحد إساءة الظن به رضى الله عنه فافهم. وكن على بصيرة. والله يتولى هداك وهداى هذا، وقد أخرج أبو عبيد فى "الأموال" حدثنا عبد الرحمن (هو ابن مهدى) عن سفيان (هو الثوری) عن منصور قال: سألت إبراهيم (النخعى) عن الإمام يبعث السرية قال: إن شاء خمس وإن شاء نفلهم إياه كله (قلت: وهو قولنا فى نفل السرايا دون نفل الجيش) قال أبو عبيد: وكذلك يروى عن يونس بن أبى إسحاق عن أبيه عن المهلب بن أبى صفرة ٢٩٥ ج - ١٢ باب لا يستحق القاتل سلب القتيل إلا إذا سبق من الإمام أو نائبه تنفیل بقوله: من قتل قتیلا فله سلبه و کان له عليه بينة وإذا کان کذلك فلا یخمس الأسلاب ٣٩٩٤- حدثنا عبد الرحمن بن مهدی عن مالك بن أنس عن ابن شهاب عن قال: كنت على سرية فى زمن عمر فنفلت الخمس (ص٣٢١) (قلت: وهو محمول على أنه كان قد نفله إياه قبل القتال) قال: حدثنا حفص بن غياث عن عاصم الأحول عن الحسن فى قوله تعالى ﴿يسئلونك عن الأنفال﴾ قال: ذلك إلى الإمام (ص٣١٨)، وهو محمول أيضا على ما إذا نفل قبل الإحراز ورأى المصلحة فيه. وإلا فلا نفل إلا من الخمس. باب لا يستحق القاتل سلب القتيل إلا إذا سبق من الإمام تنفيل بقوله: ((من قتل قتیلا فله سلبه» و کان له علیه بینة وإذا کان کذلك فلا یخمس الأسلاب قوله: "حدثنا عبد الرحمن بن مهدى إلخ" قال أبو عبيد فى "الأموال": فأما أهل العراق فيقولون: لا يكون السلب للقاتل دون سائر أهل العسكر، وهم فيه أسوة يذهبون إلى أنه إنما قتله بقوتهم، قالوا: إلا أن يكون الإمام نفلهم ذلك قبل القتال، فقال: ((من قتل قتيلا فله سلبه)) قالوا: فإذا قال ذلك كانوا على ما جعل لهم. ويحتجون فيه بحديث ابن عباس قوله: "السلب من النفل" قالوا: فلم يسمه ابن عباس نفلا إلا وهو كسائر الغنيمة. قال أبو عبيد: وهذا معروف من رأى ابن عباس. قال: وحدثنا الحسين بن الحسن الخراسانى عن شريك عن أبى الجويرية أنه سأل ابن عباس عن ذلك (أى عن السلب) فقال: "لا مغنم حتى يؤخذ الخمس، ولا نفل حتى يقسم جفة"، قال أبو عبيد: يعنى بجفة كله اهـ. "قال أبو عبيد" : وكذلك رأى مالك بن أنس على مذهب أهل العراق، وكقول ابن عباس اهـ (ص٣١٢) وقال الطحاوى: فهذا ابن عباس قد جعل فى السلب الخمس، وجعله من الأنفال. و کان قد علم من رسول الله عَِّ ما قد ذكرناه فى أول هذا الباب من تسليمه إلى الزبير سلب القتيل الذى كان قتله. فدل ذلك أن ما تقدم من رسول الله مرّ ◌ُلّه يوم بدر (أنه لم يعط القاتل سلب القتيل عموما بل أعطى بعضهم وحرم بعضهم) لم يكن عند ابن عباس منسوخا. وأن ما قضى به من سلب القتيل الذى قتله الزبير إنما كان لقول كان قد تقدم منه أو غير ذلك اهـ (١٣٣:٢). فاندحض به ما ادعاه ابن حزم وغيره: "أن ما فعله رسول الله مرّ له يوم بدر فى سلب القتيل قد نسخ بقوله یوم حنین: من قتل قتیلا فله سلبه " قال: وأین یوم بدر من یوم حنین، وما نزل حكم ٢٩٦ هل يستحق القاتل سلب القتيل إعلاء السنن القاسم بن محمد عن ابن عباس قال: "السلب من النفل والفرس من النفل وفى النفل الغنائم إلا بعد يوم بدر اهـ (٣٣٨:٧). قلنا: فهل أنت أعرف بالناسخ والمنسوخ من أفعال النبى مَّه وأقواله أم أصحابه؟ لا سبيل إلى الأول ولا يذهب إليه إلا جاهل مغفل، وأما أصحاب النبى معَّ فلم يروا فعله فى البدر منسوخا بقوله بيوم حنين، فهذا ابن عباس يقول فى السلب: إنه من النفل، ويقول: ولا نفل حتى يقسم، جفة. وسيأتى مثل ذلك عن عمر بن الخطاب وسعد بن أبى وقاص رضى الله عنها، أنهما لم يريا القاتل مستحقا لسلب القتيل، إلا أن ينفله الإمام إياه، ويأذن له فيه، فأنشد كم بالله هل عندكم حجة واضحة فى أن ما عمل به رسول الله مێ فى الأسلاب يوم بدر وبعده، وما قضى به فى ذلك يوم وادى القرى وفى غزوة موتة قد نسخ كله بقوله يوم حنين؟ وهل خفى النسخ على ابن عباس وعمر وسعد رضی الله عنهم وتبین لكم؟ كلا لن تجدوا إلى ذلك سبيلا، ودونه خرط القتاد .. قال الطبرى فى "تفسيره": "والصواب من القول فى ذلك أن يقال: إن الله جل ثناءه أخبر أنه جعل الأنفال لنبيه معرّ له ينقل من شاء، فنفل القاتل السلب، وجعل للجيش فى البدأة الربع، وفى الرجعة الثلث بعد الخمس. (ولم يكن ذلك على وجه الاستحقاق والوجوب بل كان موكولا إلى رأيه معَّ ◌ُّه، فقد ورد فى الصحيحين من حديث ابن عمر ((أنه مُّه كان ينفل بعض من يبعث من السرايا)) -أى لا ينفل كلها وقال الترمذى: قال مالك "بلغنى أن النبى معّ نفل فى بعض مغازيه، ولم ينفل فى مغازيه كلها" اهـ من "التلخيص الحبير" (٢٧٣:٢) قال: ونفل قوما بعد سهمانهم بعيراً بعيرا فى بعض المغازى، فجعل الله تعالى ذكره حكم الأنفال إلى نبيه مدّ له ينفل على ما يرى مما فيه صلاح المسلمين، وعلى من بعده من الأئمة أن يستنوا بسنته فى ذلك، وليس فى الآية دليل على أن حكمها منسوخ إلا بحجة يجب التسليم لها. فقد دللنا فى غير موضع من كتبنا على أن لا منسوخ إلا ما أبطل حكمه حادث حكم ينفيه من كل معانيه، أو يأتى خبر يوجب الحجة أن أحدهما ناسخ الآخر، وقد بينا أن للأئمة أن يتأسوا برسول الله عّ ◌ُه فى مغازيهم بفعله، فينفلوا على نحو ما كان ينفل، إذا كان التنفيل صلاخا للمسلمين اهـ ملخصا (١١٩:٩). قلت: ولا يتم كون قوله عَ ◌ّه يوم حنين ناسخا لما تقدمه من فعل أو قول إلا إذا ثبت أنه قاله نصبا للشرع لا بطريق التنفيل لتحريض المجاهدين، وهو محل النزاع. قال فى شرح "السير الكبير": ولا يستحق القاتل السلب بدون تنفيل الإمام عندنا، وعلى قول الشافعى رحمة الله عليه (و من وافقه من أهل الحديث) من قتل مشر کا على وجه المبارزة وهو مقبل غیر مدبر، (لا دليل فى ج - ١٢ هل يستحق القاتل سلب القتيل ،٢٩٧ الخمس". رواه أبو عبيد فى "الأموال" (ص٣٠٤)، وسنده صحيح والطحاوى فى "معانى الآثار" له (١٣٣:٢). السنة على هذه القيود، فقد نفل رسول الله عَّه سلمة بن الأكوع سلب رجل كان عينا للمشركين قتله، وهو مدبر، كما سيأتى)، استحق سلبه، وإن لم يسبق التنفيل من الإمام، لأن قول رسول الله ◌ُ له: (من قتل قتيلا فله سلبه)) لنصب الشرع كقوله عليه الصلاة والسلام: ((من بدل دينه فاقتلوه)) ولكنا نقول: هذا أن لو قال رسول الله عَّ في هذه الكلمة بالمدينة بين يدى أصحابه، ولم ينقل أنه قال هذا إلا بعد تحقق الحاجة إلى التحريض، فإن مالك بن أنس رحمه الله قال: لم يبلغنا أن النبى معَّ ◌ُلِّ قال فى شىء من مغازيه: من قتل قتيلا فله سلبه إلا يوم حنين وذلك بعد ما انهزم المسلمون ووقعت الحاجة إلى تحريضهم ليكروا، كما قال الله تعالى ﴿ثم ولّيتم مدبرين﴾ وذكر محمد بن إبراهيم التيمى أنه: قال ذلك يوم بدر وحنين (قد قدمناه فى الباب السابق موصولا عن ابن عباس) وقد كانت الحاجة إلى التحريض يوم بدر معلومة فإنهم كانوا كما وصفهم الله تعالى به، فى قوله: ﴿وأنتم أذلة﴾ فعرفنا أنه قال ذلك بطريق التنفيل للتحريض لا بطريق نصب الشرع اهـ (٤:٢). وقال العلامة ابن القيم فى "زاد المعاد": اختلف الفقهاء هل هذا السلب مستحق بالشرع أو بالشرط على قولين، هما روايتان عن أحمد: أحدهما: أنه له بالشرع شرطه الإمام أو لم يشرطه، وهو قول الشافعی. والثانى: أنه لا يستحق إلا بشرط الإمام، وهو قول أبى حنيفة ومالك رحمهما الله، وقال مالك: لا يستحق إلا بشرط الإمام بعد القتال، فلو نص قبله لم يجز، ومأخذ النزاع أن النبى معد له. كان هو الإمام والحاكم والمفتى، وهو الرسول، فقد يقول القول بمنصب الرسالة، فيكون شرعا عاما إلى يوم القيمة، كقوله: من أحدث فى أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد، وقد يقول بمنصب الفتوى كقوله لهند بنت عتبة امرأة أبى سفيان وقد شكت إليه شح زوجها: "خذى ما يكفيك وولدك بالمعروف"، فھذہ فتیا لا حکم إذ لم يدع بأبى سفيان، ولم يسأله عن جواب الدعوى ولا سألها البينة، وقد يقوله بمنصب الإمامة (والسلطان)، فيكون مصلحة للأمة فى ذلك، وذلك المكان وعلى تلك الحال، فيلزم من بعده من الأئمة مراعاة ذلك على حسب المصلحة التى راعاها النبى معَ له زمانا ومكانا وحالا. ومن ههنا تختلف الأئمة (المجتهدون) فى كثير من المواضع التى فيها أثر عنه عَ ليه كقوله: ((من قتل قتيلا فله سلبه))، هل قاله بمنصب الإمامة فيكون متعلقا بالأئمة، أو بمنصب النبوة فيكون شرعا عاما، وكذلك قوله: ((من أحيا أرضا ميتة فهى له"، هل هو شرع عام أو راجع إلى ٢٩٨ هل يستحق القاتل سلب القتيل إعلاء السنن الأئمة اهـ ملخصا (١: ٤٥٥). قلت: وأما أهل الظاهر كابن حزم ونحوه، فلم ينظروا النبى معَُّلّه إلا من حيث أنه بنى فقط، ونسوا أنه كان مع ذلك إماما وسلطانا، وقد يقول القول بمنصب الإمامة والسلطان ولا يكون ذلك شرعا عاما، كقوله فى المصراة ونحوها، ومن لم يتنبه لذلك لم يدرك مآخذ الأئمة ولم يعرف مداركهم، وإن كان قد حرم مع ذلك الأدب أقذع فى الكلام، ولم يراع منازل العلماء الكرام وقال ما شاء فيمن شاء كما هو دأب ابن حزم علانية من غير خفاء، فالله المستعان. قلت: فقوله عَّه ((من قتل قتيلا)) إلخ كقوله يوم الفتح: ((من أغلق بابه فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن))، فهل لأحد أن يجعله شرعا عاما، ويحكم بأن كل من أغلق بابه وألقى سلاحه فهو آمن أبدا إلى يوم القيامة، لقول النبى عّ لّ هذا؟ كلا لن يقول به أحد ممن له مسكة من العلم والعقل، بل لا بد من جعله خاصا بتلك الحرب دون غيرها من الحروب، فكذلك قوله معد له: ((من قتل قتيلا فله سلبه)) خاص بتلك الحرب التى قاله فيها لا يعم غيرها، لكونه لم يقل ذلك بالمدينة بل فى موضع الحرب عند تحقق الحاجة إلى التحريض كما تقدم، ولم يدرك ابن حزم رحمه الله معنى كلام الحنفية والمالكية هذا فجعل ينثر من دقله ويطعن عليهم بدهقه حيث قال: وقال بعضهم: لم يقل ذلك رسول الله ◌ّ إلا يوم حنين، فكان هذا عجبا نعم فهمك أنه لم يقله عليه السلام قط إلا يومئذ أو قاله قبل وبعد، أ تری یجدون فى أنفسهم حرجا مما قضى به مرة، أو يرونه باطلا حتى يكرر القضاء به، حاشا لله من هذا الضلال، ولا فرق بين ما قاله مرة، أو ألف ألف مرة، كله دين وكله حق وكله حكم الله تعالى إلخ (المحلى ٣٣٧:٧). فهل رأيت أو سمعت بأعجب من هذا الكلام أو أشد سخافة منه فى الملام، وأى موضع لذكر حرج النضح من قضاء الرسول بين يدى الأعلام من الأئمة العظام أعمدة الدين وأركان الإسلام، ولا يجد أدنى مؤمن قد آمن بالله ورسوله واليوم الآخر حرجا فى نفسه مما قضى الله ورسوله، ولكن ابن حزم فى لسانه دهق يتكلم فى الأئمة بكلام فظيع ليغرر به الجاهلين، ويظهر لهم قوة رأيه بتقريع يقول فى غيره، وليس ذلك من ديدن المحققين، بل من طريقة المجادلين. وليت شعرى من أين فهم ودرى أن قول الرسول مرّظله مرة لا يكفى للحكم والقضاء عند خصمه، وإنما النزاع فى أن قوله ذلك هل كان بطريق نصب الشرع حكما عاما، أو بطريق التنفيل للتحريض على القتال خاصا بالموضع الذى قاله فيه؟ فذهب بعض العلماء إلى الأول وجعلوا قوله: "من قتل قتيلا فله ج - ١٢ هل يستحق القاتل سلب القتيل ٢٩٩ سلبه" نظير قوله: "من بدل دينه فاقتلوه" وذهب بعض الأئمة إلى الثانى، وجعلوه نظير قوله يوم الفتح: ((من أغلق بابه فهو آمن) ((ومن ألقى السلاح فهو آمن))، وذكروا فى قرينة ذلك أنه معد له. لم يقل ذلك بالمدينة، بل فى مواضع الحرب كنظيره. فأنشدكم بالله هل فى ذلك أن قوله عز له مرة واحدة لا يكفى، وهل يتبادر هذا المعنى من هذا الكلام عند أحد من أهل العلم غير ابن حزم؟ فإن ادعى أن قول الرسول لا يكون إلا لنصب الشرع، ولا يكون إلا عاما للأبد، فليجعل قوله: " من أغلق بابه فهو آمن" ومن ألقى السلاح فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، عاما كذلك للأبد، ولا أظنه ولا أحدا من العقلاء فضلا من العلماء أئمة الهدى قائلا بذلك أبدا، كيف؟ وقد أجمعوا على أن فى كلام الله وكلام رسوله عاما وخاصا، ومقيدا ومطلقا ومجملا ومفسرا، ولم يزل رأى العلماء يختلف فى إجراء بعض العام على عمومه، وقول بعضهم بخصوصه، ولم يطعن بعضهم على بعض بمثل ما يتكلم ابن حزم من دهق لسانه، بل إنما يبدى كل من الفريقين حجته ببيانه وسيرى الواقف على دلائل الباب أن ابن حزم مرمى بسهامه ومجروح فى معركة الاستدلال بسنانه. وهكذا كل من يعرف الرواية وليس له حظ فى الدراية، ولقد صدق النبى معَ ◌ّه ((فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)). بقى إثبات أنه عليه السلام قال: من قتل قتيلا فله سلبه قبل القتال أو فى أثنائه أو بعده، فادعى بعض العلماء أنه قاله بعد انقضاء الحرب، وهو قول مالك كما مر. واحتجوا بما رواه مالك عن يحيى بن سعيد الأنصارى عن ابن أفلح هو عمر بن كثير بن أفلح عن أبى محمد مولى أبي قتادة عن أبى قتادة ((أن رسول الله عَ لّه قال بعد انقضاء القتال: ((من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه)) الحديث، ذكره ابن حزم فى "المحلى" (٣٣٥:٧). ونحن نقول: إنه مّ ◌ُلّه قال ذلك يوم بدر حين التقى الناس قبل القتال كما هو فى حديث عبادة عند الحاكم وصححه، وقال يوم حنين مرتين مرة قبل القتال أو فى أثنائه، كما هو فى حديث أنس ابن مالك عند "أبى داود" "أن رسول الله عَُّلّه قال يوم حنين: من قتل كافرا فله سلبه. فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلا وأخذ أسلابهم" كما تقدم فى الباب السابق، ثم أعاده بعد انقضاء القتال بلفظ: "من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه" كما فى حديث أبى قتادة عند مالك، فالأثر الذى فيه أنه قاله بعد انقضاء القتال لا ينفى أن يكون قاله قبل القتال أيضا، وقد اعترف أبو عبيد فى "الأموال" بكون حديث أبى طلحة هذا لا على التنفيل قيل القتال (ص ٣١٣). إلا أنه قال: ليس ٣٠٠ هل يستحق القاتل سلب القتيل. إعلاء السنن. ٣٩٩٥- حدثنا فهد ثنا حجاج بن المنهال ثنا حماد بن سلمة عن بديل بن ميسرة العقيلى عن عبد الله بن شقيق عن رجل من بلقين "قال: أتيت النبى عَّه وهو بوادى القرى فقلت: يا رسول الله! لمن المغنم؟ قال: لله سهم ولهؤلاء أربعة أسهم فقلت: فهل أحد أحق بشىء من المغنم من أحد؟ قال: لا حتى السهم يأخذه أحدكم من جنبه فليس هو بأحق به من أخيه" أخرجه الطحاوى (٢: ١٣٢) وسنده صحيح وأخرجه أبو عبيد فى "الأموال" (ص ٣٠٥) أطول منه، وقال المحشى: وذكره ابن كثير فى "تفسيره"، فى هدا دليل على أنه إن لم ينفلهم قبل ذلك لم يكن للقاتل السلب إلخ، قلنا: وكذا لا دليل فى قوله: ((من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه)) فى حديث سعد أنه حق له للأبد، لم لا يجوز أن يكون مختصا بهذه الحرب كقوله: ((من ألقى السلاح فهو آمن))، ونحوه فالدليل الدليل والجواب الجواب، على أن عندنا دلائل عديدة تدل على أن قوله مع طلّ هذا لم يكن بطريق نصب الشرع وإيجاب حق القاتل للأبد، بل بطريق التنفيل للتحريض على القتال، فانتظر. تناقض ابن حزم فی تجهیل الصحابی وتعریفه قوله: "حدثنا فهد إلخ" قال فى "شرح السير": "فهذا دليل ظاهر على أن القاتل لا يستحق السلب بدون التنفيل" اهـ (٤:٢). وتعلل ابن حزم إذ رآه حجة عليه بقوله: هذا عن رجل مجهول لا يدرى أصدق فى ادعائه الصحبة أم لا (٣٣٨:٧). وهذا خلاف ما عليه أئمة الحديث، قال الحافظ فى "الإصابة"، "ثم من لم يعرف حاله إلا من جهة نفسه، فمقتضى كلام الآمدى الذى سبق ومن تبعه أن لا تثبت صحبته، ونقل أبو الحسن بن القطان فيه الخلاف، ورجح عدم الثبوت، وأما ابن عبد البر فجزم بالقبول بناء على أن الظاهر سلامته من الجرح، وقوى ذلك بتصرف أئمة الحديث (منهم أحمد بن حنبل) فى تخريجهم أحاديث هذا الضرب فى مسانيدهم، ومن صور هذا الضرب أن يقول التابعى: أخبرنى فلان مثلا أنه سمع النبى معَّ ◌ُلّه يقول سواء سماه أم لا" اهـ ملخصا (٦:١). قلت: وعبد الله بن شقيق من الطبقة الأولى من تابعى أهل البصرة، روى عن عمر وعثمان وعلى وأبى ذر وأبى هريرة وعائشة وابن عباس وابن عمر، جل روايته عن الصحابة، وكان ثقة فى الحديث مجاب الدعوة كما فى "التهذيب" (٤٥٤:٥) ومثله لا يروى إلا عن الصحابة، فلا يضرنا كون الصحابى الذى حدثه هذا الحديث مجهولا عند ابن حزم إذا كان هو يعرفه بالصحبة، فافهم. ولقد تحيرت حين اطلعت على مناقضة ابن حزم لقوله ههنا بما ذكره فى أواخر "المحلى" فى باب من سب الله ورسوله" حيث اعتمد على ما رواه من طريق محمد بن عبد الملك بن أيمن عن