النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١ ج - ١٢ باب لا يسهم للأجير والتاجر إذا لم يقاتلا ٣٩٤٦- عن عبد الله بن الديلمى أن يعلى بن منية قال: ((أذن رسول الله عّ لّه بالغزو وأنا شيخ كبير ليس لى خادم، فالتمست أجيرًا يكفينى وأجرى له سهمه فوجدت رجلا. فلما دنا الرحيل أتانى فقال: ما أدرى ما السهمان وما يبلغ سهمى؟ فسم لی شیئا کان السهم أو لم يكن فسميت له ثلاثة دنانير. فلما حضرت غنيمته أردت أن أجرى له سهمه فذكرت الدنانير، فجئت النبى ◌ّ ◌ُّ فذكرت له أمره. فقال: ما أجد فى غزوته هذه فى الدنيا والآخرة إلا دنانیره التی سمی))، أخرجه أبو داود وسكت عنه هو والمنذرى (عون المعبود ٣٢٣:٣-٣٢٤). قلت: ورجاله كلهم ثقات معروفون، وجهل ابن حزم بعضا منهم، ولكن العارف مقدم على من لم يعرف. باب لا يسهم للأجير والتاجر إذا لم يقاتلا قوله: "عن عبد الله بن الديلمى إلخ". قلت: دلالته على أن الأجير لا يستحق السهم ظاهرة" وإنما له أجره الذى سمى وفى "المحلى" لابن حزم: قال الحسن وابن سيرين والأوزاعى والليث: لا يسهم للأجير وقال أبو حنيفة ومالك: لا يسهم لهما إلا أن يقاتلا، وقال سفيان الثورى: يسهم للتاجر وقال الحسن بن حى: يسهم للأجير اهـ (٣٣٣:١١). جهل ابن حزم من هو معروف من الرواة: وقد أعل ابن حزم حديث يعلى بن منيه هذا: بأن عاصم بن حكيم وعبد الله بن الديلمى مجهولان اهـ. قلت: ليت شعرى ما معنى المجهول عنده؟ ومتى يكون الرجل معروفا حتى يعرفه العلامة فخر الأندلس ابن حزم؟ وعاصم بن حكيم أبو محمد هو ابن أخت عبد الله (١) بن شوذب روى عن يحيى بن أبى عمرو الشيبانى، وموسى بن على بن رباح، وعنه ضمرة بن ربيعة وابن وهب وأيوب بن سويد ورحل إلى مصر فروى عنه عبد العزيز بن منصور الحيصبى ويحيى بن سلام، قال أبو حاتم: ما أرى بحديثه بأسا. وذكره ابن حبان فى "الثقات"، وعرفه ابن يونس فذكره فى "تاريخ الغرباء"، كما فى "التهذيب" (٤٠:٥)، وعبد الله بن الديلمى هو ابن فيروز أخو (١) وابن شوذب هذا من رجال الأربعة والبخارى فى الأدب. محدث فقيه مصنف صاحب "كتاب". قال سفيان: كان ابن شوذب من ثقات مشايخنا، ووثقه أحمد وابن معين وأبو زرعة وابن عمار والنسائى وأبو حاتم وابن حبان، روى عنه الأجلة مثل ابن المبارك وأبى إسحاق الفرازى أجمع ذلك فقد جهله ابن حزم أيضا تكرمك يرانى معرفة ابن أخته، والله المستعان. ٢٢٢ لا يسهم للأجير والتاجر إذا لم يقاتلا إعلاء السنن ٣٩٤٧- قال الوليد: حدثنى ابن لهيعة عن ابن ميسرة عن على بن أبى طالب أنه قال فى جعلية الغازى: إذا جعل رجل على نفسه غزوا فجعل له فيه جعل فلا بأس به، وإن كان إنما يغزو من أجل الجعل فليس له أجر. أخرجه سحنون فى المدونة (١: ٤٠٥) وسنده حسن وابن ميسرة فيه تصحيف وإنما هو ابن هبيرة عبد الله أبو هبيرة المصرى ثقة من الثالثة (تقريب ١١٤)، وحديثه عن على مرسل، وهو لا يضرنا فى القرون الفاضلة. ٣٩٤٨- ابن وهب عن الليث بن سعد أن قيس بن خالد المدلجی يحدث عن عبد الضحاك بن فيروز، وعم العريف بن عياش بن فيروز - كان يسكن بيت المقدس- روى عن أبيه وأبى بن كعب وزيد بن ثابت وابن مسعود وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن عمرو بن العاص ويعلى بن أمية وغيرهم، وعنه ربيعة بن يزيد على خلاف فيه، وأبو إدريس الخولانى وعروة بن رويم، ووهب بن خالد الحمصى ويحيى بن أبى عمرو الشيبانى، وإبراهيم بن عبلة إن كان محفوظا وغيرهم قال ابن معين: ثقة. وقال العجلى: "شامى تابعى ثقة"، وذكره ابن حبان فى "الثقات"، وابن قانع فى " معجم الصحابة" ، وأبو زرعة الدمشقى فى تابعى أهل الشام، ومسلم والبخارى فى كتاب الكنى كذا فى "التهذيب" (٣٥٨:٥). فهل كفاك أو أزيدك؟ ذكره الدولابى فى "الكنى" قال: أخبرنى أحمد بن شعيب أنا أحمد بن الفرج - يعنى أبا عتبة- ثنا ضمرة بن ربيعة ثنا عبد الرحمن بن عبد الأعلى، قال: خرج عمی عبد الله بن الدیلمی ابو بشر فشیعه وهب بن منبه اهـ (١٢٩:١)، وقد تبين بما ذكرنا أن الذين قالوا: لا يسهم للأجير لم يخصصوا النص بالظن الكاذب - كما زعمه ابن حزم- بل بالقياس الصحيح، وبقول النبى الصادق عّ لّ فإن قوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شىء﴾ الآية خطاب للمجاهدين الغانمين وليس الأجير منهم كما لا يخفى، وقد نص عليه النبى معَّ عليه فى حديث يعلى بن منية هذا، فافهم. قوله: قال الوليد، وقوله ابن وهب عن الليث إلخ" دلالتهما على أن الأجير الذى يقاتل للدراهم ليس بمجاهد ظاهرة. والظاهر أن من كان كذلك لا يستحق السهم. فإن الغنيمة لأهل الجهاد وهم المخاطبون لقوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم﴾، ويحتمل أن يراد نفى الأجر فى الآخرة دون نفى السهم فى العاجلة قال الحافظ فى "الفتح": وأما الأجير إذا استؤجر ليقاتل فقال المالكية والحنفية: لا يسهم له، وقال الأكثر: له سهمه. وقال أحمد: لو استأجر الإمام قوما على الغزو لم يسهم لهم سوى الأجرة اهـ (٨٨:٦). قلت: وحديث يعلى بن أمية، وظاهر قول على وابن ج - ١٢ لا يسهم للأجير والتاجر إذا لم يقاتلا ٢٢٣ الرحمن بن وعلة الشيبانى "أنه قال: قلت لعبد الله بن عمر: إنا نتجاعل فى الغزو فكيف ترى؟ قال عبد الله بن عمر: أما أحدكم إذا أجمع على الغزو فعوضه الله رزقًا فلا بأس بذلك. وأما أحدكم إن أعطى درهما غزا وإن منع درهما مكث، فلا خير فى ذلك". أخرجه سحنون فى "المدونة" (١٠٥) أيضا، ورجاله كلهم ثقات معروفون إلا ابن خالد عمر رضى الله عنهما حجة لأبى حنيفة ومالك رحمهما الله. وسیأتی ما احتج به الأكثرون وتبین لك أنه لا حجة لهم فيه. قال الموفق فى "المغنى": فأما الأجير للخدمة فى الغزو، أو الذى يكرى دابته ويخرج معها ويشهد الوقعة، فعن أحمد فيه روايتان أحدهما لا سهم له، وهو قول الأوزاعى وإسحاق، وقالا: المستأجر على خدمة القوم لا سهم له، ووجهه حديث يعلى بن منيه والثانية يسهم لهما إذا شهدا القتال مع الناس، وهو قول مالك وابن المنذر وبه. قال الليث: إذا قاتل (وهو قول أبى حنيفة والثورى كما مر) وإن اشتغل بالخدمة (عن القتال) فلا سهم له. وقال القاضى: يسهم له إذا كان مع المجاهدين، وقصده الجهاد، فأما لغير ذلك فلا. وقال الثورى: يسهم له إذا قاتل ويرفع عمن استأجره نفقة ما اشتغل عنه. فأما التأجر والصانع كالخياط والخباز والحداد والبيطار والأسكاف فقال أحمد: يسهم لهم إذا حضروا. قال أصحابنا: قاتلوا أو لم يقاتلوا. وبه قال فى التاجر الحسن وابن سيرين والثورى والأوزاعى والشافعى. وقال مالك وأبو حنيفة: لا يسهم لهم، إلا أن يقاتلوا. وعن الشافعى كقولنا، وعنه لا يسهم له بحال. وقال القاضى فى التاجر مثل قوله فى الأجير إذا كان من قصده الجهاد، وكان مستعدا له ومعه السلاح. فمتى عرض اشتغل به أسهم له، لأنه فى الجهاد بمنزلة غيره، وإنما يشتغل بغيره عند فراغه منه أهـ (٥٣٠:١٠). ثم اعلم أن ما عزاه الحافظ فى "الفتح" إلى الحنفية من أن الأجير إذا استؤجر ليقاتل فلا يسهم له خلاف ما ذكره محمد فى "السير الكبير" فإنه قال: إن رجلا لو خرج بآخر يجاهد فى سبيل الله بدلا عن إنسان لم يكن له أجر، لأنه يتقرب إلى الله تعالى، فأجره على الله تعالى، والمتقرب إلى الله تعالى عامل لنفسه فكيف يكون له الأجر على غيره. وعند إصابة الغنيمة السهم يكون له دون من استأجره. ثم بين أن الاستئجار على الجهاد بمنزلة الاستئجار على الحج، وعلى الأذان والإقامة. قال: وإن استأجر قوما من أهل الذمة على ذلك جاز لأن عملهم ليس بجهاد لانعدام الأهلیة فیہم اهـ (١٦٦:٢). فالحق أن قول أبى حنيفة فى هذه المسألة موافق لما ذكره الحافظ من قول الشافعى ونصه: ٢٢٤ لا يسهم للأجير والتاجر إذا لم يقاتلا إعلاء السنن المدلجى، فلم أر فيه جرحا ولا تعديلا، ذكره السمعانى فى "الأنساب" (١٥٥)، ولم يجرحه بشىء. "وقال الشافعى: هذا أى استحقاق الأجرة دون السهم فيمن لم يجب عليه الجهاد. أما الحر البالغ المسلم إذا حضر الصف فإنه تعين عليه الجهاد فيسهم له ولا يستحق الأجرة اهـ" (٨٨:٦). قلت: وكذا لو استأجر الأمير عبيدا للمسلمين كفارا أو مسلمين للجهاد، فلا أجر لهم بل يرضخون، لأن المعتبر فيه دين المولى لا دين العبد. والمسلم يكون مجاهدا بعبيده كما يكون مجاهدا بفرسه. واستئجار المسلم على الجهاد باطل صرح به محمد فى "السير الكبير" أيضا (١٦٠:٢ و١٦٢) فما اشتهر عن أبى حنيفة من أن الأجير لا يسهم له معناه الأجير لخدمة الغازى، إذا لم يقاتل بدليل ما ذكرناه من حديث يعلى بن أمية. وأما الأجير الذى استؤجر ليقاتل فإنه يسهم له إذا كان مسلما ولا يسهم له إذا كان ذميا، وإنما له الأجرة فقط، فافهم. فقول على بن طالب وابن عمر رضى الله عنهم محمول عندنا على نفى الأجر فى الآخرة دون نفى الإسهام فى العاجلة. حکم من طلب على الجهاد أجرا: وهذا كما رواه أبو هريرة رضى الله عنه ((أن رجلا سأل النبى عَّ فقال رجل يريد الجهاد فى سبيل الله وهو يريد عرض الدنيا فقال عليه الصلاة والسلام: ((لا أجر له)) (أخرجه البخارى عن أبى موسى، أبو داود والنسائى عن أبى أمامة بسند جيد (فتح البارى ٢٢:٦) قال السرخسى فى "شرح السير الكبير": ثم تأويله من وجهين أحدهما أنه يريد الجهاد ومراده فى الحقيقة المال، فهذا كان حال المنافقين، ولا أجر له أو يكون معظم مقصوده المال، وفى مثله قال عليه الصلاة والسلام للذى استؤجر على الجهاد بدينارين: إنما لك ديناراك فى الدنيا والآخرة، وإما إذا كان معظم مقصوده الجهاد، ويرغب معه فى الغنيمة (أو الأجرة أو ربح التجارة ونحوهما)، فهو داخل فى قوله تعالى: ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم﴾ يعنى التجارة فى طريق الحج. فكما أنه لا يحرم ثواب الحج فكذا الجهاد اهـ من "رد المحتار" (٣٣٥:٣). قال الحافظ فى "الفتح" فى شرح قبوله معَّ ◌ُله: ((من قاتل لتكون كلمة الله هى العليا، فهو فى سبيل الله)، يحتمل أن يكون المراد أنه لا يكون فى سبيل الله إلا من كان سبب قتاله إعلاء كلمة الله فقط، بمعنى أنه لو أضاف إلى ذلك سببا من الأسباب المذكورة (من طلب الذكر والغنيمة) أخل بذلك، ويحتمل أن لا يخل إذا حصل ضمنا لا أصلا ومقصودا. وبذلك صرح الطبرى فقال: إذا كان أصل الباعث هو الأول لا يضره ما عرض له بعد ذلك وبذلك قال الجمهور اهـ ملخصا (٢٢:٦). ثم ذكر الحافظ تفصيلا حسنا 15 ج - ١٢ لا يسهم للأجير والتاجر إذا لم يقاتلا ٢٢٥ ٣٩٤٩- عن سلمة بن الأكوع فى حديث طويل قال: "وكنت تبيعا لطلحة بن عبيد الله أسقى فرسه وأحسه وأخدمه وآكل طعامه فذكر قصة الحديبية ثم غزوة ذى قرد قال: فلما أصبحنا قال رسول الله عَّ ليه: كان خير فرساننا اليوم أبو قتادة، وخير رجالتنا سلمة. قال: ثم أعطانى رسول الله عَ ليه سهمين سهم الفارس وسهم الراجل فجمعهما جميعا" الحديث أخرجه مسلم ١١٥:٢. للمسألة من شاء، فليراجعه. قوله: "عن سلمة بن الأكوع إلخ": قلت: احتج به الجمهور على أن الأجير يسهم له. قال · الحافظ: فى "الفتح": للأجير فى الغزو حالان: إما أن يكون استؤجر للخدمة أو استؤجر ليقاتل، فالأول قال الأوزاعى وأحمد وإسحاق: لا يسهم له وقال الأكثر: يسهم له لحديث سلمة "كنت أجيرا لطلحة أسوس فرسه". أخرجه مسلم - وفيه- أن النبى مَ ◌ّ أسهم له اهـّ (٨٨:٦). قلت: ولا يخفى على من تأمل فى ألفاظ الحديث أن قول سلمة: "كنت تبيعا لطلحة بن عبيد الله أسقى فرسه وأحسه وأخدمه" إنما وقع حكاية عن حالة فى غزوة الحديبية، ولم يكن فيها غنيمة ولا سهم. وأما غزوة ذى قرد فلم يكن سلمة فيها تبيعا لطلحة ولا سائسا لفرسه، بل كان غازيا وحده مجاهدا مستبدا بنفسه، فإنه قال: "ثم قدمنا المدينة فبعث رسول الله عدّ له بظهره مع رباح غلام رسول الله عَّه وأنا معه وخرجت معه بفرس طلحة أندية مع الظهر فلما أصبحنا إذا عبد الرحمن الفرازى قد أغار على ظهر رسول الله عَّ له فاستاقه أجمع وقتل راعيه قال: فقلت: يا رباح! خذ هذا الفرس فأبلغه طلحة بن عبيد الله وأخبر رسول الله عَّ أن المشركين قد أغاروا على سرحه، ثم قمت على أكمة فاستقبلت المدينة فناديت ثلاثا يا صباحاه! ثم خرجت فى آثار القوم أرميهم بالنبل اليوم يوم الرضع)). الحديث، وفيه دلالة صريحة ـل وارتجز أقول: ((أنا ابن الاكوع ما قلنا: إنه لم يخرج فى غزوة ذى قرد تبيعا لطلحة ولا سائسا لفرسه، بل خرج فى آثار العدو وحده وطلحة فى المدينة وقد رد فرسه إليه فلا دلالة فيه على الإسهام للأجير مطقا بل على أن الأجير إذا غزا وحده مستبدا بنفسه غير مشتغل بخدمة صاحبه ولا تبیعا له قد رد إليه عمله يسهم له. وهذا لا نزاع فيه، وإنما النزاع فى الأجير، إذا خرج مع القوم تبيعا لصاحبه مشتغلا بخدمته، أو خدمة فرسه فافهم! فإن قيل: فما دليل أبى حنيفة لإسهام الأجير والتاجر إذا قاتلا؟ قلنا: حديث عمر رضى الله عنه "الغنيمة لمن شهد الوقعة" كما أشرنا إليه سابقا فى باب إذا لحق العسکر مدد فی دار الحرب، فتذکر. ٢٢٦ . إعلاء السنن باب أربعة أخماس الغنيمة للغانمين ويقسم الخمس على ثلاثة أسهم ويقدم فقراء ذى القربى على غيرهم من الأصناف الثلاثة ٣٩٥٠ - نا دعلج بن أحمد ثنا العباس بن الفضل ثنا أحمد بن يونس ثنا أبو شهاب عن ورقاء عن نهشل عن الضحاك عن ابن عباس رضى الله عنهما: ((كان رسول باب أربعة أخماس الغنيمة للغانمين ويقسم الخمس على ثلاثة أسهم ويقدم فقراء ذى القربى على غيرهم من الأصناف الثلاثة قوله: "نا دعلج بن أحمد إلخ" قلت: فيه نهشل والضحاك ضعيفان. ولكن للحديث طرق عديدة يقوى بعضها بعضا فصح الاحتجاج به ودلالته على الجزء الأول من الباب ظاهرة. والأصل فيه قوله تعالى ﴿واعلموا أنما غنمتم من شىء فأن لله خمسه﴾ فإنه يدل على أن أربعة أخماسه للغانمین وهذا مجمع علیه لا نعلم خلافا لأن قوله: "غنمتم" عبارة عن ملکهم له سوى ما استثنى منه وهو الخمس. قال الموفق فى "المغنى": إن الغنيمة مخموسة ولا اختلاف فى هذا بين أهل العلم بحمد الله، وقد نطق به الكتاب العزيز إلى أن قال - أجمع أهل العلم على أن أربعة أخماس الغنيمة للغانمين وقوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شىء فأن لله خمسه﴾ يفهم منه أن أربعة أخماسها لهم لأنه أضافها إليهم ثم أخذ منها سهما لغيرهم فبقى سائرها لهم كقوله تعالى ﴿وورثه أبواه فلأمه الثلث﴾ اهـ (٣١٢:١٠). ولكن اختلف فى قسمة الخمس فى مواقع أحدها هل يقسم على خمسة أسهم أو ستة أو ثلاثة؟ ثانيها هل اللام فى قوله تعالى: ﴿فأن لله خمسه وللرسول ولذى القربى﴾ . الآية للاستحقاق والملك أو لبيان المصرف؟ ثالثها هل يجوز للإمام صرفه إلى صنف واحد وإلى الغانمين إذا كانوا محتاجين، أم لا بد من الصرف إلى جميع الأصناف؟ فنقول: قال الموفق فى "المغنى": إن الخمس يقسم على خمسة أسهم، وبهذا قال عطاء ومجاهد والشعبى والنخعى وقتادة وابن جريج والشافعى. وقيل: يقسم على ستة، سهم لله وسهم لرسوله فعد ستة وجعل لله تعالى سهما سادسا، وهو مردود على عباد الله أهل الحاجة وقال أبو العالية: "سهم الله عز وجل هو أنه إذا عزل الخمس ضرب بيده فما قبض عليه من شىء جعله للكعبة فهو الذى سمى الله لا تجعلوا له نصيبا فإن الله الدنيا والآخرة، ثم يقسم بقية السهم الذى عزله على خمسة أسهم. قال الموفق: "وما ذكره أبو العالية، فشىء لا يدل عليه رأى، ولا يقتضيه قياس، ولا يصار إليه إلا بنص صريح يجب التسلیم له، ولا نعلم فى ذلك أثرا صحيحا سوى قوله، فلا يترك ظاهر النص، وقول رسول ج - ١٢ بیان تقسیم الغنائم وسهامها ٢٢٧ الله عَّ له إذا بعث سرية فغنموا خمس الغنيمة، فضرب ذلك الخمس فى خمسة ثم قرأ ﴿واعلموا أنما غنمتم من شىء﴾ الآية. قال: فإن الله مِفتاح كلام الله وما فى السماوات الله عَّ ◌ُلّه، وفعله من أجل قول أبى العالية" اهـ (٣٠١:١٠). قلت: لم يقل أبو العالية ما قال بمحض الرأى بل إنه روى ذلك عن رسول الله معرّ له مرسلا قال أبو عبيد فى "الأموال": حدثنا حجاج عن أبى جعفر الرازى عن الربيع بن أنس عن أبى العالية قال: "كان رسول الله عَّ ◌ُلّه يؤتى بالغنيمة فيضرب بيده فما وقع فيها من شىء جعله للكعبة، وهو سهم بيت الله عز وجل ثم يقسم ما بقى على خمسة، فيكون للنبى معَّه سهم ولذى القربى سهم ولليتامى سهم وللمساكين سهم ولابن السبيل سهم. قال: والذى جعله للكعبة هو السهم الذى لله" اهـ (ص ١٤). وهذا سند كما تراه حسن، وقد تابع حجاجا على ذلك وكيع بن الجراح وأحمد بن إسحاق، فروياه عن أبى جعفر الرازى نحوه سواء عند الطبرى فى "تفسيره" (٤:١٠). وكان يلزم القائلين بالمرسل ومنهم مالك وأحمد ولكنهم لم يقولوا به وكذلك نحن معشر الحنفية · لكونه شاذا فيما تعم به البلوى قال الجصاص: "وأما قول من قال: إن القسمة فى الأصل كانت على ستة، وسهم الله كان مصروفا إلى الكعبة فلا معنى له. لأنه لو كان ثابتا لورود النقل به متواترًا، ولكانت الخلفاء بعد النبى عرّ أولى الناس باستعمال ذلك فلما لم يثبت ذلك عنهم علم أنه غير ثابت" اهـ (٦١:٣). وقال الطبرى: وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب قول من قال: قوله: "فإن الله مفتاح كلام" وذلك لإجماع الحجة على أن الخمس غير جائز قسمه على ستة أسهم. ولو كان لله فيه سهم كما قال أبو العالية لوجب أن يكون خمس الغنيمة مقسوما على ستة أسهم، وإنما اختلف أهل العلم فى قسمه على خمسة فما دونه فأما على أكثر من ذلك فما لا نعلم قائلا غير الذی ذکرنا من الخبر عن أبى العالية اهـ (٤:١٠). فإن قيل: وكيف ينعقد الإجماع فى عصر التابعين مع خلاف أبى العالية؟ قلنا: قد سبقه ابن عباس وابن عمر وجبير بن مطعم وعلى بن أبى طالب وجابر رضى الله عنهم وغيرهم من الصحابة. فرووا أن الخمس كان يقسم فى عهد رسول الله مَّ ◌ُلّ على خمسة أسهم أو أربعة لم يقل أحد على ستة، ولم يعرف لهم فى الصحابة مخالف فكان إجماعا فلا ينتقض بما رواه أبو العالية وحد، بعدهم. فإن الإجماع السابق لا يرتفع بالخلاف اللاحق كما تقرر فى الأصول. ثم اختلفوا فى قسمة الخمس بعد ما توفى رسول الله عّ لّه، فذهب قوم إلى أن سهم رسول الله عَ ◌ّه باق وأنه يصرف فى مصالح المسلمين والإمام يقوم مقام النبى معٍَّ فى صرفه، وقالت ٢٢٨ بیان تقسیم الغنائم وسهامها إعلاء السنن وما فى الأرض لله فجعل سهم الله وسهم رسوله واحدًا وسهم ذى القربى بينهم فجعل هذين السهمين قوة فى الخيل والسلاح وجعل سهم اليتامى وسهم المساكين وسهم ابن طائفة: هو للخليفة بعده لأن أبا بكر روى عن النبى معَّه أنه قال: "إذا أطعم الله نبيا طعمة ثم قبضه، فهو للذى يقوم بها من بعده، وقد رأيت أن أرده على المسلمين" وإلى الأول ذهب الشافعى وأحمد ذكره الموفق فى "المغنى" (٣٠٢:١٠) والحديث أخرجه أحمد وأبو داود من طريق أبى الطفيل قال: أرسلت فاطمة إلى أبى بكر: "أنت ورثت رسول الله عَّه أم أهله؟ قال: لا بل أهله قالت: فأين سهم رسول الله عَّهِ؟ قال: سمعت رسول الله عَّه يقول: إن الله إذا أطعم نبيا طعمة، ثم قبضه جعلها للذى يقوم من بعده، فرأيت أن أرده على المسلمين قالت: فأنت وما سمعته ذكره الحافظ فى "الفتح"، وقال: فيه لفظة منكرة وهى قول أبى بكر "بل أهله" فإنه معارض للحديث الصحيح: ((أن النبى لا يورث)) اهـ (١٣٩:٦)، قال المنذرى: فى إسناده الوليد بن جميع، وقد أخرج له مسلم، وفيه مقال اهـ. قال العزيزى: قوله: فهى للذى يقوم من بعده أى يعمل فيها ما كان النبى معَّ يعمل لا أنها تكون له ملكا اهـ (عون المعبود ١٠٥:٣) ويؤيده ما أخرجه الطحاوى من طريق الكلبى عن أبى صالح عن أم هانئ بلفظ: فقال (أبو بكر): سمعت رسول الله عَ ليه يقول: إنما هى طعمة أطعمنيها الله عز وجل، فإذا مت كانت بين المسلمين " قال الطحاوى: أُ فلا یری أن أبا بكر رضى الله عنه قد أخبر فى هذا الحديث عن النبى عّ لّ أن ما كان يعطيه ذوى قرباه فإِنما كان من طعمة أطعمها الله إياه وملكه إياها حياته، وقطعها عن ذوى قرابته بموته اهـ (١٨٢:٢ و ١٨٣). قلت: وفيه تصريح بأن سهم النبى ◌ّ له وسهم ذى قرباه لا يكونان للخليفة بعده بل بين المسلمين ويؤيده ما فى حديث عائشة عند البخارى قالت: "وكانت فاطمة تسأل أبا بكر نصيبها مما ترك رسول الله عَّه من خيبر وفدك، وصدقته بالمدينة، فأبى أبو بكر عليها ذلك وقال: لست تار كا شيئا كان رسول الله عَّ يعمل به إلا عملت به فإنى أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ اهـ. ووقع فى حديث أبى سلمة عند الترمذى: "جاءت فاطمة إلى أبى بكر فقالت: من يرتك؟ قال: أهلى وولدى قالت: فما لى لا أرث أبى؟ قال أبو بكر: سمعت رسول الله مَّه يقول: ((لا نورث))، ولكنى أعول من كان رسول الله عَّه يعوله ذكره الحافظ فى "الفتح" (١٤٠:٦). فقوله: "ولكنى أعول من كان رسول الله عَّ يعوله" صريح فى أن القائم بعده لا يملك سهم النبى ءێ، بل يعمل فيه بمثل ما كان ◌َّ يعمل به، وأيم الله لو كان أبو بكر، قد ملك سهم النبى معد له ج - ١٢ بیان تقسیم الغنائم وسهامها . ٢٢٩ السبيل لا يعطيه غيرهم ثم جعل الأربعة أسهم الباقية، للفرس سهمان)) الحديث رواه ابن مردويه فى "تفسيره" (زيلعى ١٣٣:٢)، وقال الحافظ: رواه الطبرانى فى "الأوسط" ، لآثر (١) فاطمة بضعة الرسول على نفسه وعلى جميع المسلمين به، ووهبها إياه ولكنه لم يكن مالكا له بل عاملا محضا، فكان ينفق منه على من كان رسول الله عَّه يعوله ويرد ما بقى فى مصالح المسلمين كما كان عّ لّه يفعل. قال الموفق: "وروى ابن عباس أن أبا بكر وعمر قسما الخمس على ثلاثة أسهم ونحوه حكى عن الحسن بن محمد بن الحنفية، وهو قول أصحاب الرأى قالوا: يقسم الخمس على ثلاثة: اليتامى والمساكين وابن السبيل وأسقطوا سهم رسول الله مَّ له بموته وسهم قرابته أيضا وقال مالك: الفىء والخمس واحد يجعلان فى بيت المال قال ابن القاسم: وبلغنى عمن أثق به أن مالكا قال: يعطى الإمام أقرباء رسول الله عّ لّ على ما يرى، وقال الثورى والحسن: يضعه الإمام حيث أراه الله عز وجل (٣٠١:١٠). قال ابن حزم فى "المحلى": وخمس الغنيمة يقسم على خمسة أسهم، فسهم يضعه الإمام حيث يرى من كل ما فيه صلاح وبر للمسلمين، وسهم ثان لبنى هاشم وبنى المطلب، غنيهم وفقيرهم وذكرهم وأنثاهم، وصغيرهم وكبيرهم وصالحهم وطالحهم فيه سواء - إلى أن قال: وهو قول الأوزاعى والثورى والشافعى وأبى ثور وإسحاق وأبى سليمان والنسائى وجمهور أصحاب الحديث، وآخر قولى أبى يوسف القاضى الذى رجع إليه، إلا أن الشافعى قال: للذكر من ذوى القربى مثل حظ الأنثيين، وهذا خطأ لأنه لم يأت به نص أصلا. وليس ميراثا فيقسم كذلك، وإنما هى عطية من الله تعالى فهم فيها سواء. وقال مالك: يجعل الخمس كله فى بيت المال، ويعطى أقرباء رسول الله عَُّّ على ما يرى الإمام ليس فى ذلك حد محدود. وقال اصبغ: أقرباءه عليه (١) أخرج ابن شاهين فى "كتاب الخمس" له عن الشعبى أن أبا بكر قال لفاطمة: يا بنت رسول الله! ما خير عيش حياة أعيشها وأنت على ساخطة، فإن كان عندك من رسول الله ◌َّ له فى ذلك عهد، فأنت الصادقة المصدقة المأمونة على ما قلت. قال: فما قام أبو بكر حتى رضيت ورضى كذا فى "عمدة القارى" (١٢٢:٧)- وفيه أيضا، وروى البيهقى عن الشعبى قال: لما مرضت رضى الله عنها أتاه أبو بكر رضى الله عنه، فاستأذن عليها فقال على رضى الله عنه: يا فاطمة هذا أبو بكر يستأذن عليك. فقالت: أ تحب أن آذن له؟ وإنما سألته عن ذلك لأن من حق الزوج على الزوجة أن لا يدخل عليها إلا من رضى بدخوله عليها) فأذنت له فدخل عليها يتراضاها، فقال: والله ما تركت الدار والمال والأهل والعشيرة إلا ابتغاء مرضاة الله ومرضاة رسوله ومرضاتكم أهل البيت، ثم تراضاها حتى رضيت وهذا قوى جيداهـ. وقال الحافظ فى "الفتح": إسناده إلى الشعبى صحيح، وبه يزول الإشكال فى جواز تمادى فاطمة رضى الله عنها على هجر أبى بكر (١٣٩:٦). ٢٣٠ بيان تقسيم الغنائم وسهامها إعلاء السنن وابن مردويه فى "التفسير" وروى أبو عبيد فى "الأموال" نحوه (التلخيص الحبير ٢٧١:٢)، وسكت عنه، وسكوته فيه دليل صحة الحديث، أو حسنه عنده. السلام هم جميع قريش، وقال أبو حنيفة: يقسم الخمس على ثلاثة أسهم الفقراء والمساكين وابن السبيل، قال: وهذه أقوال فى غاية الفساد لأنها خلاف القرآن نصا، وخلاف السنن الثابتة، ولا يعرف قول أبى حنيفة عن أحد من أهل الإسلام قبله اهـ" (٣٢٩:١١ و٣٣٠). قلت: كبرت كلمة تخرج من أفواههم، تكاد السموات يتفطرين منها وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا، فهل فى أهل الإسلام من يسامى أبا بكر وعمر وعثمان وعليا رضى الله عنهم وهل يستطيع أحد أن يدعى أنهم كانوا يقسمون خمس الغنيمة بعد رسول الله عّ لّ على أزيد من ثلاثة أسهم؟ كلا لن يجدوا إلى ذلك سبيلا وسيعرف الناظر فى كتابنا هذا أن كل ما زعمه ابن حزم حجة لما ذهب إليه، فهو حجة عليه لا له. قال الموفق فى "المغنى": وما قاله أبو حنيفة فمخالف لظاهر الآية، فإن الله تعالى سمى لرسوله، وقرابته شيئا وجعل لهما فى الخمس حقا كما سمى للثلاثة الأصناف الباقية فمن خالف ذلك، فقد خالف نص الكتاب. قلت: فإن الله سمى لنفسه شيئا أيضا وقال: فأن لله خمسه، كما سمى لرسوله ولذى القربى فما ذا تقول لمن أسقط سهم الله من الخمس؟ ومنهم الشافعى وأحمد وجمهور أصحاب الحديث هل وافق نص الكتاب أم خالفه؟ لا سبيل إلى الأول فإن أسعد الناس بموافقة هذا النص إنما هو أبو العالية وحده. فإن قيل: إن سهم الله وسهم الرسول واحد. قلنا: هذا خلاف ظاهر النص ومنطوق الكتاب فلا بد له من دليل. فإن قيل: دليله قول ابن عباس: إن الله مفتاح كلام وجعل سهم الله وسهم رسوله واحدا، ونحوه قول الحسن بن محمد وقتادة وعطاء وإبراهيم وغيرهم قلنا: يا للعجب أسقطتم سهم الله بقول ابن عباس. ومن وافقه من التابعين ولم تسقطوا سهم الرسول وسهم ذى القربى بقول أبى بكر وعمر وعثمان وعلى رضى الله عنهم ، حيث، قسموا خمس الغنيمة على ثلاثة أسهم وجعلوا سهم الرسول وسهم ذى القربى فى الكراع والسلاح. قال الموفق: وأما حمل أبى بكر وعمر رضى الله عنهما سهم ذى القربى فى سبيل الله، فقد ذكر لأحمد فسكت وحرك رأسه ولم يذهب إليه. (قلت: وسكوته دليل صحة الرواية عنها، ولو لم تصح کما زعمه الموفق ومن وافقه کابن حزم وغیرہ لصاح وأفصح بالعلة فافهم) ورأى أن قول ابن عباس ومن وافقه أولى لموافقته كتاب الله وسنة رسول الله عَ ليه (قلت: يا للعجب أيكون قول ٢٣١ بيان تقسيم الغنائم وسهامها ج - ١٢ ٣٩٥١- قلت: قال أبو عبيد: حدثنا عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن ابن عباس موافقا لكتاب الله وسنة رسوله وقول أبى بكر وعمر مخالفا لهما، وهل يجترئ على القول بمثل ذلك إلا من لم يعرف منزلة الشيخين وغزارة علمها؟ وإنهما أعلم الناس، وأعمقهم علما بكتاب الله، بعد نبيهم معَّ. وهل كان ابن عباس فى زمن النبى عَّبيّ إلا صبيا ناهض الحلم، والشيخان سيدا كهول أهل الجنة. وأيضا فكيف يكون قول ابن عباس موافقا لكتاب الله عندكم وهو يقول: إن سهم الله وسهم رسوله وسهم ذى القربى واحدا، ويقسم الخمس عنده على أربعة أسهم. كما رواه عنه الضحاك بن مزاحم، وعلى بن طلحة ذكرنا كل ذلك فى المتن، وأنتم تجعلون للرسول سهما ولذى القربى سهما آخر. وأيضا فإن كان سهم الرسول باقيا فأسعد الناس به أهله وولده دون مصالح المسلمين، بقوله تعالى: ﴿يوصيكم الله فى أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ الآية فإن قلتم: إنما جعلناه فى مصالح المسلمين بقوله عّ له: ((لا نورث ما تركنا صدقة)) قلنا: هذا حديث قد تفرد بروايته وإظهاره للناس أبو بكر رضى الله عنه أولا، كما قد عرفه من له ممارسة بالحديث فكيف ساغ لكم أن تتركوا العمل بآية الميراث من كتاب الله بحديث أبى بكر هذا، ولم يجز لكم الأخذ بقوله، وفعله فى سهم ذى القربى وقد نص ابن عباس رضى الله عنهما: أن أبا بكر إنما رد نصيب القرابة فى المسلمين، فجعل يحمل به فى سبيل الله لأن رسول الله عَ لّم قال: ((لا نورث ما تركنا صدقة)) أخرجه الطبرى عنه بسند حسن وصرح قتادة بأن أبا بكر وعمر رضى الله عنهما جعلا سهم الله وسهم رسوله وسهم قرابته فى سبيل الله صدقة عن رسول الله مَ له أخرجه الطبرى بسند صحيح ومنشأ الاختلاف بين رأى الخلفاء ورأى ابن عباس رضى الله عنهما بعد اتفاقهم على أن سهم الله، وسهم الرسول، وسهم ذى القربى واحد أن الأصل فيه عندهم رسول الله عَّه، وعنده ذو القربى فإن كان السهم فى الأصل والحقيقة لرسول الله عَّ له فسبيله بعد وفاته سبيل الصدقة، كما فعل الشيخان والخلفاء بعدهما بسهمه الذى كان بخيبر، ولما كان له من أموال بنی النضیر وفدك ونحوها. وإن كان لذى القربى فهو لهم بعد وفاته كما كان فى حياته مرّ اللّه كالأسهم الثلاثة الباقية. فذهب الشيخان والخلفاء بعدهما وجمهور الصحابة إلى أن السهم فى الأصل كان لرسول الله مرّ له دون ذى القربى، وإنما كان رسول الله يع بّ يعطيهم من سهمه وطعمته التى أطعمه الله تعالى، فجعلوه بعد وفاته فى سبيل الله فى اليتامى والمساكين وابن السبيل، وقدموا فقراء ذى القربى على غيرهم من فقراء الأصناف الثلاثة، وذهب ابن عباس إلى أن هذا السهم فى الأصل کان لذى القربى ٢٣٢ بیان تقسیم الغنائم و سهامها إعلاء السنن على بن أبى طلحة عنه قال: " كانت الغنيمة تقسم على خمسة أخماس، فأربعة منها لمن يدل عليه قوله: "فما كان الله والرسول فهو لقرابة النبى معَّه ولم يأخذ النبى معَّ له من الخمس شيئا" أخرجه الطبرى بسند حسن من رواية على بن طلحة عنه فلم يكن عنده سبيل هذا السهم. سبيل الصدقة بعد وفاته مرّ بل هو لذى القربى غنيهم وفقيرهم. ولا يخفى على من أمعن النظر فى الأحاديث وأخبار النبى عّ لّه أن الحق قول الشيخين ومن وافقهم، لأنه ◌َّه كان يأخذ من الخمس وينفق منه على نفسه وأهله. وقد قال مرّ له: ((لا يحل لى من غنائمكم مثل هذا إلا الخمس والخمس مردود فيكم" رواه أبو داود وسكت عنه هو والمنذرى (٣٦:٣). وقد كان للنبى عّ لّه من المغنم الصفى يختاره من المغنم قبل القسمة، وقد أجمعوا على أن ذلك سقط بموته مّ له فكذلك سهمه من الغنيمة وسهم ذی قرباه، فإنهما فى الأصل واحد فافهم! ولا تغتر بكلام ابن حزم فإن فى لسانه دهقا، يتكلم فى أبى حنيفة رضى الله عنه بما لا يليق أن يتكلم به عالم فى عالم فضلا عن متأخر فى إمام متقدم أذعنت الأمة لإمامته واعترفت الأجلة بجلالته. ولعمرى أنه لسيرد الأدلة ليرد بها على الإمام، وهو يشد بها مذهبه ولا يشعر، فإنه لا يعرف إلا الرواية والإسناد وأما الدراية وفقه الحديث فقد ألانهما الله لأبى حنيفة وأصحابه كما ألان لداود الحديد (على نبينا وعليه الصلاة والسلام) هذا .. وقد دل حديث ابن عباس الذى بدأنا به الباب على أن سهم الله وسهم رسوله واحد. والسهم الثانى لذى القربى وأنه مَّ ◌ُّ كان يجعل هذين السهمين قوة فى سبيل الله فى الخيل والسلاح والثلاثة الأسهم الباقية يجعلها لأهلها الذين سماهم الله لا يعطيبها غيرهم. وفيه دليل لأبى حنيفة أن سهم ذى القربى ليس حقا مستحقا لهم، ولم يقسمه رسول الله عَ ليه فيهم من حيث أنهم يملكونه بل من حيث أنهم مصارف له وإلا لم يصرفه إلى غيرهم أصلا. واعلم أن ما ذكره ابن حزم من آخر قولى أبى يوسف وادعى أنه الذى رجع هو إليه رواه بشر بن الوليد عن أبى يوسف عن أبى حنيفة قال: خمس الله والرسول واحد وخمس ذوى القربى لكل صنف سماه الله تعالى فى هذه الآية خمس الخمس، ذكره الجصاص فى "أحكام القرآن" له (٦٢٠:٣)، والطحاوى فى "معانى الآثار" (١٨٤:٢). وفى "الحاوى القدسى": وعن أبى يوسف الخمس يصرف إلى ذوى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل وبه نأخذ اهـ. قال الشامى: لكن أنت خبير بأن هذه رواية عن أبى يوسف، وهى خلاف المشهور عنه والمتون والشروح أيضا على خلافها. فالواجب اتباع المذهب فى هذه المسألة الذى اعتنى الشراح وغيرهم ج - ١٢ بيان تقسيم الغنائم وسهامها ٢٣٣ قاتل عليها وخمس واحد يقسم على أربعة، فربع لله وللرسول ولذى القربى يعنى قرابة بتأييد أدلته. والجواب: عما ينافيه فهذا أقوى ترجيح ولا يعارضه ترجيح الحاوى، ثم رأيت العلامة الشيخ إسماعيل النابلسى نبه على نحو ما قلته فى شرحه على "الدرر والغرر" اهـ من "رد المحتار" (٥٦٥:٣). قلت: والمذهب ما ذكره فى "الهداية" عن "الجامع الصغير، والقدورى" وأخذه أصحاب المتون أن الخمس يقسم ثلاثة أسهم سهم لليتامى وسهم للمساكين وسهم لإبن السبيل، يدخل فقراء ذى القربى فيهم، ويقدمون ولا يدفع لأغنياءهم شىء، كذا فى "رد المحتار" أيضا، وما روى : أنه مَّ ◌ُلِّ كان يعطى العباس رضى الله عنه والزبير بن العوام - وهما غنيان- فمحمول على أنه كان يعطيهما من الفىء، أو من سهمه الذى هو له. وسيأتى ما يدل على ذلك إن شاء الله تعالى، أو أنه مَّ ◌ُّ كان يعطى ذوى القربى فى حياته، لنصرتهم له سواء كانوا فقراء أو أغنياء وانقطع بموته سهم ذى القربى فلم يستحقوه إلا بالفقر، فافهم. قلت: وذكر الإمام أبو يوسف فى "كتاب الخراج" له: "وأما الخمس الذى يخرج من الغنيمة، فإن محمد بن السائب الكلبى حدثنى فذكر ما ذكرناه فى المتن وفيه: ثم قسمه أبو بكر وعمر وعثمان علی ثلاثة أُسهم وسقط سھم الرسول وسهم ذی القربی ثم قسمہ علی بن أبی طالب على ما قسمه عليه أبو بكر وعمر وعثمان رضى الله تعالى عنهم إلى أن قال أبو يوسف: وكان أبو حنيفة رحمه الله وأكثر فقهائنا يرون أن يقسمه الخليفة على ما قسمه عليه أبو بكر وعمر وعثمان وعلى رضى الله تعالى عنهم" اهـ (ص٢٣ و٢٥). فهذا هو قول أبى يوسف المشهور عنه عندنا، وأما ما ذكره ابن حزم فرواية عنه شاذة، وليس هو بآخر قوليه الذى رجع إليه، فإن الحنفية أعرف منه بأقوال أبى حنيفة وأصحابه، قال الطحاوى: فأما أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن رحمة الله عليهم، فإن المشهور عنهم فى سهم ذوى القربى أنه قد ارتفع بوفاة النبى عدّ له، وأن الخمس من الغنائم وجميع الفىء يقسمان فى ثلاثة أسهم لليتامى والمساكين وابن السبيل، کذلك حدثنى محمد بن العباس بن الربیع اللؤلؤی ثنا محمد بن معبد ثنا محمد بن الحسن أخبرنا يعقوب بن إبراهيم عن أبى حنيفة، وهكذا يعرف عن محمد بن الحسن فى جميع ما روى عنه فى ذلك من رأيه، ومما حكاه عن أبى حنيفة وأبى يوسف رحمة الله عليهما، فأما أصحاب الإملاء فإن جعفر بن أحمد حدثنا قال: ثنا بشر بن الوليد قال: أملاً علینا أبو يوسف فى رمضان سنة إحدى وثمانين ومائة فى قوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شىءٍ﴾، والخمس يقسم على خمسة أسهم ٢٣٤ بيان تقسيم الغنائم وسهامها إعلاء السنن النبى عَ ◌ّم" الحديث (كتاب الأموال ص٣٢٥)، وهذا سند كما تراه حسن. خمس الله والرسول واحد وخمس ذوى القربى لكل صنف سماه الله عز وجل فى هذه الآية خمس الخمس، قالوا: وأملى علينا أبو يوسف فى مسألة قال أبو حنيفة: ويقسم الخمس على ثلاثة أسهم للفقراء والمساكين وابن السبيل. قال الطحاوى: وهذا القول المشهور عنهم اهـ ملخصا (١٨٤:٢). قلت: ولا منافاة بين الروايتين فإن الأولى مفسرة للآية ولقسمة الخمس حين نزلت والثانية مبينة للمذهب وللقسمة التى أجمع عليها الخلفاء الراشدون بعد النبى عّ لّه فافهم! وتبين بذلك أى بقول أبى يوسف فى "الخراج": إن مذهب الحنيفة فى الباب على وفق ما عمل به الخلفاء الراشدون، وهو قول أكثر فقهاء الكوفة فبطل ما قاله ابن حزم: إن قول أبى حنيفة لا يعرف عن أحد من أهل الإسلام قبله. فليعلم هذا القائل أن أبا حنيفة أعلم منه بأهل الإسلام وأقوالهم وأزيد معرفة منه ومن ألوف من أمثاله بأقوال النبی مێ وأصحابه وبمعانی کتاب الله ومقاصد سنة رسوله، فإنه كان فى عصر التابعين ولد فى زمن الصحابة رضى الله عنهم، وأنت ولدت فى القرن الخامس بعد أربعمائة سنة من هجرة النبى معَّ ◌ُلّه، تأخذ العلم بوسائط كثيرة، وليس بين أبى حنيفة وبين النبى عّ لّه إلا واحد، أو اثنان فأنى لك أن تذكره بألفاظ شنيعة، وترد عليه بكلمات فظيعة؟ شتان بين مشرق ومغرب. قال صاحب "البدائع": ولنا ما رواه محمد فى "كتاب السير" أن سيدنا أبا بكر وسيدنا عمر وسيدنا عليا رضى الله عنهم قسموا الغنائم على ثلثة أسهم بمحضر من الصحابة الكرام، ولم ينكر : عليهم أحد، فيكون إجماعا منهم على ذلك، ولم يخص عليه الصلاة والسلام القرابة بشىء من الخمس بل عم المسلمين جميعا بقوله: ((ما يحل لى من غنائمكم إلا الخمس والخمس مردود فيكم)) فدل أن سبيلهم سبيل سائر فقراء المسلمين (قلت: والحديث أخرجه أحمد وأبو داود والنسائى ومالك والشافعى، وحسنه الحافظ فى "الفتح" (نيل ١٦٠:٧). ولو أعطى (الإمام) أى فريق اتفق ممن سماهم الله تعالى جاز؛ لأن ذكر هؤلاء الأصناف لبيان المصارف، لا لإيجاب الصرف إلى كل صنف منهم شيئا، بل لتعين المصرف حتى لا يجوز الصرف إلى غيرهم، كما فى الصدقات، والله تعالى أعلم اهـ ملخصا (٧: ١٢٥ و١٢٦). قلت: ولا يخفى أن اللام فى قوله: ﴿فأن لله خمسه ولذى القربى واليتامى﴾ الآية كمثلها فى قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها﴾ الآية وقد ثبت عن عمر وابن عباس وحذيفة وسعيد بن جبير وعطاء والنخعى وأبى العالية عند ابن أبى شيبة والطبرانى والبيهقى 4 اخطاء على ٦٠. ج - ١٢ بيان تقسيم الغنائم وسهامها ٢٣٥ ٣٩٥٢- حدثنا سعيد بن عفير المصرى عن عبد الله بن لهيعة عن عبيد الله بن أبى جعفر عن نافع عن ابن عمر قال: رأيت المغانم تجزأ خمسة أجزاء ثم يسهم عليها فما صار لرسول الله عّ لّ فهو له لا يختار. رواه أبو عبيد فى الأموال (ص١٣) وسنده حسن وسعيد هو ابن كثير بن عفير من رجال الشيخين صدوق عالم بالأنساب وغيرها، وعبيد الله بن أبى جعفر المصرى أبو بكر الفقيه ثقة من رجال الجماعة (تقريب ٧٣ و ١٣٥). ٣٩٥٣- عن قيس بن محمد(١) سألت الحسن بن محمد عن قوله تعالى: ﴿فأن الله بأسانيد حسنة أنهم قالوا فى الصدقات: فى أى صنف وضعته أجزأك، كما مر فى الجزء التاسع من هذا الكتاب (ص ٥٠) فليكن الخمس كذلك لو وضعه الإمام فى أى صنف شاء أجزأه وسيأتيك ما يدل على جواز ذلك فى الخمس صريحا، إن شاء الله تعالى. قوله: حدثنا سعيد بن عفير إلخ" فيه دلالة على قسمة الغنائم على خمسة أسهم وهو الجزء الأول من الباب - وفيه - أنه لا ينبغى للأمير أن يتخير إذا ميز الخمس من الأربعة الأخماس، ولكنه يميز بالقرعة، قاله محمد فى "السير الكبير"، واستدل بحديث ابن عمر هذا، وبما رواه عن مالك ابن عبد الله الخثعمى قال: "كنت بالمدينة، فقام عثمان بن عفان رضى الله عنه فقال: هل ههنا من أهل الشام أحد؟ فقلت: نعم يا أمير المؤمين! قال: فإذا أتيت معاوية فأمره إن فتح الله عليه أن يأخذ خمسة أسهم، ثم يكتب فى أحدها "الله" ثم يقرع فحيث ما وقع فليأخذه أهـ" فكان المعنى فيه أن كل أمير مندوب إلى مراعاة قلوب الرعية، وإلى نفى تهمة الميل والأثرة عنه. وذلك إنما يحصل باستعمال القرعة. والأصل فيه ما روى أن النبى معَّم كان إذا أراد سفرا أقرع بين نساءه، وقد كان له أن يسافر بمن شاء منهم بغير إقراع؛ فإنه لا حق للمرأة فى القسم عند سفر الزوج، ومع هذا كان يقرع تطبيبا لقلوبهن ونفيا لتهمة الميل عن نفسه. فكذا ينبغى للأمير أن يفعله فى القسمة أيضا، والله الموفق (١٧٨:٢). وبالجملة فالقرعة لا تثبت حقا غير ثابت وإنما تستعمل فى الحقوق الثابتة نفيا لتهمة الميل، والأثرة استحبابا لا وجوبا، فافهم. قوله: "عن قيس بن محمد إلخ". قد نبهناك على أن الصحيح قيس بن مسلم، وقد وقع (١) فيه تصحيف، والصحيح قيس بن مسلم كما ستعرفه وقال الزيلعى: حديث الحسن بن محمد ابن الحنفية، رواه الحاكم فى "المستدرك" عن سفيان الثورى عن قيس بن مسلم الجدلى قال: سألت الحسن إلخ (١٤١:٢). قال: وكذلك رواه عبد الرزاق فی "مصنفه" حدثنا سفيان الثوری به. ٢٣٦ بیان تقسیم الغنائم وسهامها إعلاء السنن خمسه وللرسول﴾ الآية فقال: هذا مفتاح كلام، لله تعالى ما فى الدنيا والآخرة. قال: اختلف الناس فى هذين السهمين بعد وفاة رسول الله عَ ليه فقال قائلون: سهم القربى لقرابة النبى معَّ له وقال قائلون لقرابة الخليفة، وقال قائلون: سهم النبى عدّ للخليفة من بعده. فاجتمع رأيهم على أن يجعلوا هذين السهمين فى الخيل والعدة فى سبيل الله فكانا على ذلك فى خلافة أبى بكر وعمر رضى الله عنهما" أخرجه الحاكم فى "المستدرك" (١٢٨:٢)، وسكت عنه هو والذهبى ورجاله ثقات. وقيس هذا هو قيس بن مسلم هناك تصحيف فى الكتابة من الناسخين. وفى الأثر دلالة صريحة على أن الإجماع قد قام على سقوط سهم النبى عَّ له، وسهم ذوى القربى بعد وفاة النبى عّ لّ يدل عليه قول الحسن بن محمد،: فاجتمع رأيهم على أن يجعلوا هذين السهمين فى الخيل والعدة فى سبيل الله. ترجمة الحسن بن محمد بن الحنفية: والحسن بن محمد هذا من رجال الجماعة، ثقة ثبت روی عن أبيه، وابن عباس وسلمة بن الأکوع وأبى هريرة وأبی سعید وعائشة، وجابر بن عبد الله، وعنه عمرو بن دینار والزهری وقیس ابن مسلم وعاصم بن عمر بن قتادة. قال سفيان عن عمرو بن دينار: ما كان الزهرى إلا من غلمان الحسن بن محمد، وقال ابن حبان: كان من علماء الناس بالاختلاف قال الحافظ: قد وقفت على كتابة فى الإرجاء -وفيه- ونوالى أبا بكر وعمر رضى الله عنهما، ونجاهد فيهما، لأنهما لم تقتل عليهما الأمة، ولم تشك فى أمرهما، ونرجئ من بعدهما ممن دخل فى الفتنة فنكل أمرهم إلى الله إلى آخره. ومعناه أنه كان يرى عدم القطع على إحدى الطائفتين المقتتلتين فى الفتنة، بكونها مخطئا أو مصيبا وكان يرى أنه يرجئ الأمر فيهما، وأما الإرجاء الذى يتعلق بالإيمان فلم يعرج عليه فلا يلحقه بذلك عاب، والله أعلم، كذا فى "التهذيب" (٣٢٠:٢ و٣٢١). وبالجملة فالحسن هذا من أجلة العلماء وأفاضل التابعين ومن أئمة أهل البيت فحكايته للإجماع على جعل السهمين سهم النبى معَّه وسهم ذوى القربى فى الخيل والعدة فى سبيل الله حجة، وتحمل على أنه عرف ذلك بالسماع من الصحابة، ومن أهل بيته رضى الله تعالى عنهم، ولا ريب أن أهل بيت النبی أعرف الناس بسهمه وسهم ذوی قرباه، وقد ذکر الحسن بن محمد بن الحنفية إجماع الناس على جعلهما فى سبيل الله لم يستثن منهم أحدا فثبت إجماع أهل البيت على ذلك أيضا، ولا يقدح فيه ما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما كما سنبينه فى موضعه إن شاء الله تعالى. وبهذا الأثر ظهر بطلان قول ابن حزم: إن ما قاله أبو حنيفة لم يقل به أحد من أهل ج - ١٢ بيان تقسيم الغنائم وسهامها ٢٣٧ الجدلى العدوانى من رجال الجماعة، ثقة ثبت (تهذيب ٣٠٣:٨). والحديث رواه أبو يوسف الإمام فى "كتاب الخراج" له (٢٤) عن قيس بن مسلم قال: سألت الحسن بن الإسلام قبله، فماذا يقول هذا القائل فى الحسن بن محمد ابن الحنفية؟ وهو يحكى إجماع الصحابة على مثل ما قاله أبو حنيفة رحمه الله. ودل أثره هذا على أن قوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شىء فأن لله خمسه وللرسول ولذى القربى﴾ ليس بنص فى بقاء سهمه له وسهم ذی قرباه بعد وفاته وإنما هو نص فى أن له سهما فى الخمس ولذى قرباه فى حياته وساكت عن بقاءهما بعد وفاته وإلا لم يختلف الناس فى حكمها فى زمن أبى بكر وعمر رضى الله عنهما، فمن جعل النص ناطقا ببقاء هذین السهمین للأبد فكأنه یعرض بجهل الصحابة بمعانی کتاب الله وبکونه أعرف بها منهم، ولا يخفى سخافة رأى من ادعى ذلك، والله المستعان. وأما قياسهم إياهما على الأسهم الثلاثة الباقية ففاسد لكون اليتامى والمساكين وأبناء السبيل غير مختصة بأقوام بعينها وهذه جهات لا تنقطع بل تبقى ببقاء الزمان بخلاف سهم الرسول، فإنه خاص به مَّ ◌ُّ فيبقى ببقائه وينقطع بوفاته وكذا سهم ذى القربى لأن ذا القربى لفظ مجمل مفتقر إلی البیان، ولیس بعموم ولا يختص لغة بقرابة النبی مڅے دون غيره من الناس ومعلوم أنه لم يرد بها أقرباء سائر الناس، فصار مجملا مفتقرا إلى البيان، وقد اتفق السلف على أنه قد أريد به أقرباء النبى عَّهِ، فمنهم من قال: إن المستحقين له من الأقرباءهم الذين كان لهم نصرة، وأن السهم كان مستحقا بالأمرين من القرابة والنصرة دون القرابة وحدها. ويستدلون على ذلك بحديث الزهرى عن سعيد بن المسيب عن جبير بن مطعم "قال: لما قسم رسول الله عّ لّه سهم ذوى القربى بين بنى هاشم وبنى المطلب أتيته أنا وعثمان فقلنا: يا رسول الله! هؤلاء بنو هاشم لا ننكر فضلهم بمكانك الذى وضعك الله فيهم، أرأيت بنى المطلب أعطيتهم ومنعتنا؟ وإنما هم ونحن منك بمنزلة فقال ◌َ له: إنهم لم يفارقونى فى جاهلية ولا إسلام، وإنما بنو هاشم وبنو المطلب شىء واحد، وشبك بين أصابعه" أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائى وغيرهم، فهذا يدل من وجهين على أنه غير مستحق بالقرابة فحسب أحدهما: أن بنى المطلب وبنى عبد شمس فى القرب من النبى معَ ◌ّ سواء ولم يعط بنى عبد شمس ولو كان مستحقا بالقرابة لساوى بينهم. والثانى: أن فعل النبى عّ لّه ذلك خرج مخرج البيان، لما أجمل فى الكتاب من ذكر ذى القربى، وفعل النبى مَّ ◌ُّه إذا ورد على وجه البيان فهو ملحق بالكتابة فلما ذكر النبى عد اله النصرة مع القرابة دل على أن ذلك مراد الله تعالى. ولا يخفى أن المراد بالنصرة نصرة الاجتماع فى ٢٣٨ بيان تقسيم الغنائم وسهامها إعلاء السنن محمد نحوه، وهذا سند صحيح والحديث عند النسائى فى "المجتبى" له (١٧٨:٢). الشعب لا نصرة القتال، فإن المسلمة من بنى عبد شمس وبنى نوفل أيضا لم يتخلفوا عن نصرة رسول الله فى موطن قط، فثبت أن قوله مَّه: أنا وبنى المطلب لم نفترق فى جاهلية ولا إسلام، إشارة إلى موازرة بنى المطلب لبنى هاشم حين دخلوا معهم فى الشعب مسلمهم وكافرهم، غضبا لرسول الله عَّ وحماية له وحمية للعشيرة وأنفة وطاعة لأبى طالب، عم رسول الله عَ ◌ّه. وأما بنو عبد شمس وبنو نوفل وإن كانو أبناء عمهم فلم يوافقوهم على ذلك غير من كان قد أسلم منهم بل حاربوهم ونابذوهم، وأمالوا بطون قريش على حرب الرسول، ولهذا كان أبو طالب قد ذمهم فى قصيدته اللامية قاله ابن كثير (عمدة القارئ ١٦٩:٧). ولا ريب أن هذه النصرة التى كان منشأها العصبية، وحمية العشيرة مختصة بحياة النبى معَِّ غير دائمة بعده. والنصرة الدائمة الباقية إنما هى نصرة الجهاد فى سبيل الله وليست بمرادة ههنا، لأنه لم يكن بمكة جهاد، ولا قتال، ولو كان المراد نصرة القتال لكان سهم ذى القربى مختصا بالمقاتلة منهم، ولم يصرف للنساء ولا للذراوى. وإذا ثبت أن النبى معَّ له إنما أعطاهم لنصرة العصبية والحمية لا للقرابة ونصرة القتال، وقد انتهت النصرة المذكورة بوفاة النبى عدّ له انتهى الإعطاء، لأن الحكم ينتهى بانتهاء علته فلم يبق إلا الاستحقاق بالحاجة، وبه نقول فبطل ما قاله الموفق ووافقه عليه ابن حزم وغيره: إن ما قاله أبو حنيفة مخالف لظاهر الآية. فإن الله تعالى سمى لرسوله، وقرابته وجعل لهما فى الخمس حقا، كما سمى للثلاثة الأصناف الباقية؛ لأن أبا حنيفة لم يقل: إنه لم يكن للنبى معَّه فى الخمس قط بل قال: إنه كان له فى حياته وانقطع بموته معرّه. ألا ترى أن من يوجب قسم الزكاة بين جميع الأصناف، يقول: إن فقد صنف منها رد سهمه على الباقين، فكذلك يقول أبو حنيفة: يرد سهم النبى معَّم على الأصناف الثلاثة الباقية، وهذا ليس بمخالف لظاهر الكتاب أصلا لكون الكتاب ناطقا بعدم خلود النبى معَّ ه، فكيف لا يكون ناطقا بعدم خلود سهمه من الدنيا. وأما سهم ذى القربى فإن خلينا الكتاب وظاهره، فلا وجه لما يقوله الشافعى وأحمد وابن حزم وغيرهم: إنه مقسوم فى صلبية(١) بنى هاشم وبنى المطلب خاصة، فهؤلاء أول من خالف ظاهر (١) قال الطحاوى: وقد أعطى رسول الله عَّ أيضا من سهم ذوى القربى من ليس من بنى هاشم، ولا من بنى المطلب وهو الزبير ابن العوام، ثم أسنده بسند حسن عن عبد الله بن الزبير، أنه كان يقول: ((ضرب رسول الله عليه للزبير بن العوام عام خيبر ج - ١١ بيان تقسيم الغنائم وسهامها ٢٣٩ ٣٩٥٤- حدثنى: محمد بن السائب الكلبى عن أبى صالح عن عبد الله بن عباس "أن الخمس كان فى عهد رسول الله عّ لّره على خمسة أسهم لله وللرسول سهم، ولذى القربى سهم ولليتامى والمساكين وابن السبيل ثلاثة أسهم، ثم قسمه أبو بكر وعمر الآية، لكونه عموما فى سائر ذى القربى وإن خصصناه بهما لحديث جبير بن مطعم، الذى ذكرناه فهو بعينه يدل على استحقاق هؤلاء لهذا السهم ما دام النبى عَ لّ حيا فحسب كما فصلناه لك آنفا، ولا دلالة فیه علی استحقاقهم له دائما لکونه معللا بعلة لا دوام لھا، والحکم ینتہی یانتهاء علته، وبالجملة فلو كان قوله: "ولذى القربى" عموما فى أقرباء سائر الناس، أو فى أقرباء النبى ◌ّ له كلهم من غير تخصيص بطن دون بطن لصح قياس سهمهم على الأسهم الثلاثة الباقية، وأما وهو مختص بصلبیة بنی هاشم وبنی المطلب والمخصص حديث جبير بن مطعم المذکور، فلا بد من القول بأنهم إنما كانوا يستحقونه فى حياة النبى عّلّه ويرد سهمهم إلى الأصناف الثلاثة الباقية بعد وفاته لانقطاع العلة التی بها كانوا يستحقونه. ونظيره سهم المؤلفة قلوبهم فى الصدقات، فالمشهور من مذهب مالك وهو قول أبى حنيفة وأحد قولى أحمد والشافعى إن سهمهم قد انقطع وليس اليوم مؤلفة لعزة الإسلام وعدم احتياجه إلى أحد من الناس، ولم يقولوا بذلك إلا لأجل انتهاء الحكم بانتهاء علته فافهم. ولا تعجل فى الإنكار على أئمة الإسلام المجتهدين العظام بأقوال أهل الظاهر من العلماء فإنهم بالنسبة إليهم کالعوام من الأنام، والله ولی الهداية وهو أعلم من جاء بالهدى. قوله: "حدثنى محمد بن السائب إلخ" قلت: دلالته على معنى الباب وعلى الجزء الثانى منه بخصوصه ظاهرة. ولقد نعلم أن أهل الظاهر من المحدثين يصيحون علينا إذا عرضنا عليهم سندا فيه محمد بن السائب الكلبی ونحوه ممن تكلموا فيه. بأربعة أسهم، سهم الزبير وسهم لذى القربى لأمه صفية بنت عبد المطلب، وسهمين لفرسه فإن قيل: إن الزبير وإن لم يكن من بنى هاشم، فإن أمه منهم، فقام عنده بأمه مقام غيره من بنى هاشم. قيل له: لو كان كما ذكرت إذا لأعطى من سواه من غير بنى هاشم ممن أمه من بنى هاشم، وقد كان بحضرته من غير بنى هاشم ممن أمهاتهم هاشميات، ممن هو أمس برسول الله منه. بنسب أمه رحما من الزبير منهم، أمامة ابنة أبى العاص بن الربيع، وقد حرمها رسول الله مێ إذ حرم بنى أمية، وهی من بنى أمية ولم يعطها رسول الله مَّ بأمها الهاشمية، وهى زينب بنت رسول الله مَّله، ورضى عنها من سهم ذوى القربى شيئًا وحرم أيضا جعدة بن الزبير المخزومى، فلم يعطه شيئا وأمه أم هانئ ابنة أبى طالب بن عبد المطلب، فلم يعطه بأمه شيئا إذا كانت من بنى هاشم، فدل ذلك أنه مَ ◌ّ أعطى الزبير بن العوام من سهم ذوى القربى لمعنى غير ذلك لا لقرابته لأمه اهـ (٦٧:٢). ٢٤٠ بیان تقسیم الغنائم و سهامها إعلاء السنن وعثمان رضى الله عنهم على ثلاثة أسهم، وسقط سهم الرسول وسهم ذوى القربى وقسم على الثلاثة الباقى، ثم قسمه على بن أبى طالب كرم الله وجهه على ما قسمه عليه أبو بكر وعثمان رضى الله تعالى عنهم". أخرجه الإمام أبو يوسف فى "كتاب الخراج" له (ص٣٣)، وسنده حسن فإن الكلبى له أحاديث صالحة وخاصة عن أبى صالح حدث عنه ثقات من الناس ورضوه فى "التفسير" قاله ابن عدى (تهذيب ١٨٠:١)، ولحديثه هذا شواهد كثيرة قد سبق بعضها، ويأتى بعض. توثيق الرجال وتضعيفهم مبنى على الظن: ولكنا نقول لهم: إن الذين تحتجون بأحاديثهم من الرواة هل نزل عليكم وحى من السماء بأنهم ثقات أثبات، أو تعولون فى ذلك على قول ابن معين والقطان وأبى حاتم والنسائى وأمثالهم؟ لا سبيل إلى الأول فلا بد من القول بأن مدار التوثيق والتضعيف إنما هو على أقوال المعدلين والجارحين، وهى مبنية على الظنون دون القطع واليقين، فإن كان من أخرج له مالك فى "الموطأ"، ومسلم والبخاری فی "صحیحهما" حجة عند کم، وإن تكلم فيه غیرهم، فكذلك من حدث عنه مجتهد من الفقهاء واحتج به هو حجة عندنا لكون المجتهد أعلى درجة من المحدث بل فوقه بدرجات، هذا مع ما ذكرناه من قول ابن عدى، "إن الكلبى له أحاديث صالحة وخاصة عن أبى صالح حدث عنه ثقات من الناس ورضوه فى التفسير اهـ". فهذا محدث منقد يعول عليه فى الجرح والتعديل، قد وافق المجتهد فى الاحتجاج بحديث الكلبی لا سيما فى التفسير والحديث الذى ذكرناه فى المتن منه. هذا، و کم من ثقة احتج به المحدثون ضعفه و جهله ابن حزم، و کم من ضعيف طرحه بعض المحدثين واحتج به غيرهم وهذا مما لا ينكره منكر ولا يجحده جاحد مكابر. قال الإمام الترمذى فى "العلل" له: وقد اختلف الأئمة من أهل العلم فى تضعيف الرجال كما اختلفوا فيما سوى ذلك من العلم. ذكر عن شعبة أنه ضعف أبا الزبير المكى وعبد الملك بن أبى سليمان، وحكيم بن جبير وترك الرواية عنهم ثم حدث شعبة عمن دون هؤلاء فى الحفظ والعدالة، حدث عن جابر الجعفى وإبراهيم بن مسلم الهجرى ومحمد بن عبيد الله العرزمى وغير واحد ممن يضعفون فى الحديث، ثم أسند عن أمية بن خالد قلت لشعبة: تدع عبد الملك بن أبى سليمان وتحدث عن العرزمى؟ قال: نعم قال أبو عيسى: وقد ثبت غير واحد من الأئمة وحدثوا عن أبى الزبير وعبد الملك بن أبى سليمان وحكيم بن جبير اهـ (٢٤٠:٢). وقس على شعبة غيره من المحدثین فلم یزالوا مختلفین فی توثیق الرجال وتضعیفهم لا یکادون يتفقون على توثیق أحد منهم،