النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
للفارس سهمان وللراجل سهم
ج - ١٢
والمحدث لا يحذف من أول الإسناد إلا ما هو سالم عن العلة والإسناد المذكور حسن
الفارس، وبالرجل الراجل. وهو الظاهر من مقابلة الفرس بالرجل فيوافقٍ ما ذكرنا فى المتن
من الأحاديث.
واحتجوا أيضا بما أخرجه إسحاق بن راهويه من طريق الحجاج عن أبى صالح ومن طريق
ابن أبى ليلى عن الحكم كلاهما عن ابن عباس: ((أن رسول الله عز له أسهم للفارس ثلاثة أسهم
وللراجل سهما)) قال الحافظ فى "الدراية": "وفى كل من الطريقين ضعف" اهـ (ص ٢٦١). أى لما
فى الحجاج بن أرطاة وابن أبى ليلى من المقال.
قلت: وأيضا فالحديث مضطرب المتن، فإن الدارقطنى أخرجه من طريق عطاء عن ابن عباس
"أن رسول الله عَ له قسم لمائتى فرس بحنين سهمين سهمين" اهـ (الصفحة السابقة) لم يذكر ثلاثة
أسهم ولا الراجل، وهو يحتمل ما ذكرنا غير مرة من كون الفرس بمعنى الفارس، يؤيده ما ذكره
سحنون فى "المدونة" عن ابن وهب عن يحيى بن أيوب عن يحيى بن سعيد وصالح بن كيسان
"أن رسول الله عَ ليه قسم للفارس يوم حنين سهمين سهمين" اهـ (٣٩٢:١). وهذا مرسل صحيح
ولعل هذا هو ما عزاه صاحب "الهداية" إلى ابن عباس بلفظ "أن النبى عّ لّ أعطى الفارس سهمين
والراجل سهما" رواية بالمعنى، فإن قوله: قسم لمائتى فرس سهمين، محتمل لهذا المعنى كما هو
محتمل للمعنى الذى أخرجه ابن راهويه بطريق الحجاج، وابن أبى ليلى، وتأيد ما قلنا بالمرسل
الصحيح الذى أخرجه سحنون فى "المدونة"، والله أعلم.
صاحب "الهداية" طويل الباع فى الحديث:
ثم اطلعت على أثر ابن عباس صريح فيما عزاه صاحب "الهداية" إليه فى " كتاب الخراج"
لأبى يوسف قال: حدثنا الحسن بن على بن عمارة عن الحكم بن عتيبة عن مقسم عن ابن عباس
رضى الله عنهما "أن رسول الله عَ لّ قسم غنائم بدر للفارس سهمين وللراجل سهما" اهـ
(ص٢١). وهذا سند حسن لما فى ابن عمارة من المقال، وظهر بهذا سعة نظر صاحب الهداية فى
الحديث، وقصور نظر الزيلعى والحافظ ابن حجر حيث قالا: غريب من حديث ابن عباس خلافا
أخرجه إسحاق، كذا فى "الدراية" (ص ٢٦١)، قلت: وليس ما رواه إسحاق بأحسن سندا مما
رواه أبو يوسف عنه، فلم يأت صاحب "الهداية" بغريب.
واحتجوا أيضا بما رواه أحمد فى "مسنده" من طريق ابن المبارك ثنا فليح بن محمد عن
المنذر بن الزبير عن أبيه "أن النبى عَّ ◌ُل أعطى الزبير سهما وفرسه سهمين" قال فى "التنقيح":

١٨٢
للفارس سهمان وللراجل سهم
إعلاء السنن
وقد أخرج النسائى عن أبى إسحاق عن القثم فى مجتباه وليس له راوٍ غيره كذا فى
"التهذيب" (٣٦٢:٨).
وفليح والمنذر ليسا بمشهورين (زيلعى ١٣٤:١). وأخرجه الدارقطنى فى "سننه" عن إسماعيل بن
عياش عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير عن الزبير قال "أعطانى رسول الله عَ ظله يوم
بدر أربعة أسهم، سهمين لفرسى وسهما لى وسهما لأمى من ذوى القربى" (زيلعى ص ١٣٤).
ولا حجة لهم فيه لما قد عرفت من قولهم فى غنائم بدر: إنها كانت لرسول الله عَّ خاصة يفعل
بها ما يشاء، وأيضا فليس فيه إلا أنه معّ أعطى الزبير كذلك فيحتمل التنفيل.
وبما أخرجه الدارقطنى عن محمد بن يزيد بن سنان عن أبيه حدثنى هشام بن عروة عن أبى
صالح عن جابر قال: "شهدت مع رسول الله عَّ غزاة فأعطى الفارس منا ثلاثة أسهم وأعطى
الراجل سهما" ومحمد بن يزيد بن سنان وأبوه ضعيفان (زيلعى ١٣٤:٢). على أنه حجة لأبى
حنيفة لا عليه فإن ظاهره أنه ليس من أمره المستمر. ألا ترى أنه قال: شهدت مع رسول الله عَ ليه
غزاة وقد علمنا أنه شهد مع رسول الله مَّ ◌ُلِّ غزوات، فلما خص هذا الفعل بغزاة منها كان ظاهرا
فى أن غيرها لم يكن كذلك، فافهم.
وبالجملة فهذه الآثار مع أنها لم تسلم من المقال فيها لا ينافى قول أبى حنيفة لما قد عرفت أن
رواية السهمان الثلاثة محمولة عنده على التنفيل فى تلك الوقعة بعينها، ولو ذهب الخصم إلى
الاحتجاج بأمثال هذه الآثار، قلنا: أن نحتج بما رواه الطبرانى فى "معجمه" عن سليمان ابن داود
الشاذكونى ثنا محمد بن عمر الواقدى ثنا موسى بن يعقوب عن عمته قريبة بنت عبد الله بن وهب
عن أمها كريمة بنت المقداد عن ضباعة بنت الزبير عن المقداد بن عمرو أنه کان یوم بدر علی فرس
يقال له سبحة فأسهم له النبی مێ سهمین، لفرسه سهم، وله سهم.
قال الحافظ: وفيه الشاذكونى عن الواقدى (دراية ص ٢٦٢). قلت: فما له وقد قال أحمد
ابن حنبل: أعلمنا بالرجال يحيى بن معين وأحفظنا للأبواب الشاذ كونى وقال صالح بن محمد
الحافظ: ما رأيت أحفظ من الشاذكونى. فإن قيل: اتهم ابن معين وصالح بن محمد وغيرهما
بالكذب فى الحديث. قلنا: قال عبدان الأهوازى: معاذ الله أن يتهم، إنما كانت کتبه قد ضاعت
فکان یحدث من حفظه، وساق له ابن عدى أحاديث خولف فيها، ثم قال: وللشاذ کونی حدیث
كثير مستقيم، وهو من الحفاظ المعدودين. وما أشبه أمره بما قال عبدان: يحدث حفظا فيغلط اهـ
من اللسان (٨٤:٣ و ٨٥)، وهذا تعدیل مفسر قد عرف قائله بالجرح فرده ولم یبال به، وقد مر

ج - ١٢
للفارس سهمان وللراجل سهم
١٨٣
أن الحافظ جعل (١) الواقدى مقبولا فى المغازى. وبما روى الواقدى فى "المغازى": حدثنى المغيرة بن
عبد الرحمن الخرامى عن جعفر بن خارجة، قال: قال الزبير بن العوام: "شهدت بنى قريظة فارسا
فضرب لی بسهم ولفرسی بسهم"، وفيه الواقدی (زیلعی).
وبما أخرجه ابن مردويه من طريق ابن إسحاق ثنى محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة عن
عائشة: "قالت: أصاب رسول الله عَُّلَّه سبايا بنى المصطلق فأخرج الخميس منها ثم قسم بين
المسلمين فأعطى الفارس سهمين والراجل سهما" اهـ وبهذا ظهر الجواب عما احتج به البيهقى فى
"دلائل النبوة" بسنده عن ابن إسحاق قال: حدثنى عبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن
حزم قال: "لم تقع القسمة ولا السهم إلا فى غزوة بنى قريظة كانت الخيل يومئذ ستة وثلاثين فرسا
ففيها أعلم رسول الله عّ لّه سهمان الخيل وسهمان الرجال فعلى سننها جرت المقاسم فجعل رسول
الله عَ ◌ّم يومئذ للفارس وفرسه ثلاثة أسهم له سهم ولفرسه سهمان وللراجل سهما" قال البيهقى:
هذا هو الصحيح المعروف بين أهل المغازى. (زيلعى ١٣٥:٢)
ومحصل الجواب أن الخيل كانت قليلة عند المسلمين فجرت المقاسم فى غزوة بنى قريظة
على ثلاثة أسهم للفارس وسهم للراجل أى ترغيبا للمسلمين على اقتناء الخيل وارتباطها وقد ورد
فى أثر الزبير "أنه أسهم فى غزوة بنى قريظة أيضًا سهمين للفارس، وسهما للراجل، فلما كثرت
عندهم، وحصل المقصود أسهم للفارس فى غزوة بنى المصطلق بعدها سهمين وللراجل سهما،
وواظب على مثل ذلك فى غزوة خيبر وحنين وغيرهما كما دلت عليه الآثار التى مر ذكرها، فافهم.
واحتجوا أيضا بما رواه البيهقى عن الشافعى من حديث شاذان عن زهير عن أبى إسحاق
"غزوت مع معبد بن عثمان فأسهم لفرسى سهمين ولی سهما" اهـ. (قلت: لا دليل فيه على
الوجوب بل يحتمل التنفيل). قال أبو إسحاق: "وبذلك حدثنى هانئ بن هانئ عن على اهـ" قال
صاحب الجواهر النقى: قد اختلف فيه فذكر عبد الرزاق عن الثورى عن أبى إسحاق عن هانئ بن
هانئ قال: "أسهم له فى إمارة سعيد بن عثمان لفرسين لهما أربعة أسهم وله سهم" وقال ابن أبى
شيبة: ثنا غندر عن شعبة عن أبى إسحاق عن هانئ بن هانئ، عن على قال: "للفارس سهمان" اهـ
(٦٠:٢) زاد فى "عقود الجواهر" نقلا عن ابن أبى شيبة وللراجل سهم اهـ (١: ٢٢٠). قال فى
(١) قال العينى فى "العمدة": فإن قلت: الواقدى فيه مقال. قلت: ما للواقدى وقد قال إبراهيم الحربى: فسمعت مصعبا الزبيرى،
وسئل عن الواقدى فقال: ثقة مامون وكذلك قال المسىء، وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: "الواقدى ثقة". وعن الداودى
قال: الواقدى أمير المؤمنين فى الحديث. ولئن سلمنا أن فيه مقالا ففى أكثر أحاديث هؤلاء أيضا مقال (٦٠٦:٥).

١٨٤
للفارس سهمان وللراجل سهم
إعلاء السنن
"شرح السير الكبير": وإذا أصاب المسلمون الغنائم فأحرزوها وأرادوا قسمتها فعلى قول أبى
حنيفة رضى الله عنه: يعطى الفارس سهمين سهما له وسهما لفرسه، وللراجل سهما. وقال:
لا أجعل سهم الفرس أفضل من سهم الرجل المسلم، وهو قول أهل العراق من أهل الكوفة
والبصرة، لأن تفضيل البهيمة فيما يستحق بطريق الكرامة لا وجه له والاستحقاق باعتبار إرهاب
العدو وذلك بالرجل أظهر منه بالفرس (قال تعالى: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط
الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم﴾ الآية نسب الإرهاب إلى المسلمين لا إلى الخيل وإنما جعلها
والقوة آلة للإرهاب فقط. وبهذا ظهر الجواب عن إيراد سحنون والحافظ ابن حجر على الحنفية
وسيأتى فانتظر. مؤلف) ألا ترى أن الفرس لا يقاتل بدون الرجل، والرجل يقاتل بدون الفرس
وكذلك مؤنة الرجل قد تزداد على مؤنة الفرس، فالفرس قد يغتذى بالحشيش وما لا قيمة له،
ومطعوم الآدمى لا يوجد إلا بالثمن مع أنه لا معتبر بالمؤنة فإن السهم لا يستحق بابغل والحمير
والبعير، وصاحبه يلتزم مؤنة مثل مؤونة الفرس، أو أكثر، وبالفيل لا يستحق السهم ومؤنته أكثر من
مؤنة الفرس وبهذا تبين أن استحقاق السهم بالفرس ثابت بخلاف القياس بالنص؛ فإن الفرس آلة
للحرب وبالآلة لا يستحق السهم ومجرد حصول إرهاب العدو به لا يوجب استحقاق السهم به
كالفيل، ولكن تركنا القياس فى الفرس بالسنة، وإنما اتفقت الآثار على استحقاق سهم واحد
بالفرس، فيترك القياس فيه لكونه متفقا. وفيما تعارض فيه الأثر يؤخذ بأصل القياس، وعلى قول
أبى يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى للفارس ثلاثة أسهم: سهم له وسهمان لفرسه، وهو قول
أهل الحجاز وأهل الشام قال محمد: طمأنينة القلب إلى ما اجتمع عليه الفريقان أظهر ثم بين أن
الآثار جاءت صحيحة مشهورة لكل قول، وروى الأخبار بالأسانيد (فليت الشارح ذكرها برمتها
ولم يحذف من الشرح متون الأحاديث وأسانيدها، ولكنه ظن أن كتب محمد لا تضيع، وتبقى
فى أيدى الناس أبدا كما كانت فى زمنه، فلم ير فى حذفها مضرة لسهولة مراجعة معاصريه إلى
الأصول، ولكنا فى زمان قد ضاع فيه من كتب السلف أكثرها ولم يبق عندنا إلا كتب المتأخرين
الذين لا يتكلمون فى متون الآثار وأسانيدها ولا يبحثون عنها كبحث السلف الصالح رضى الله
عنهم، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. مؤلف). فالحاجة إلى التوفيق والترجيح لكل واحد
من الفريقين فأما أبو حنيفة رضى الله عنه قال: أوفق بين الأخبار فأحمل ما روى أنه أعطى الفرس
سهمين على أن أحد السهمين للفارس لفرسه، والآخر كان من الخمس لحاجته، أو كان نفل له ذلك
قبل الإصابة (ويتمشى هذا التأويل فى الروايات التى على تفسير نافع. مؤلف). أو المراد بذكر

ج - ١٢
للفارس سهمان وللراجل سهم
١٨٥
الفرس الفارس لعلمنا أنه إنما أعطى الفارس (حقيقة وهذا فيما ورد على لفظ ابن عمر فتذكر). وعليه
حمل حديث خيبر فى قوله (أى قول الراوى): وكانت الرجال ألفا وأربع مائة، والخيل مائتى فرس
فقال: المراد بالرجال الرجالة وبالخيل الفرسان قال الله تعالى: ﴿وأجلب عليهم بخيلك ورجلك﴾ أى
بفرسانك ورجالتك ووجه الترجيح أن السهمين للفارس متيقن به لاتفاق الآثار عليه، وفيما يكون
مستحقا بخلاف القياس لا يثبت إلا المتيقن به (هذا هو الدليل وعلة الجواب فى هذا الباب وأما قوله:
لا أفضل الفرس على الرجل المسلم فليس بدليل بل تأييد له، فافهم)، وهما قالا: "المثبت للزيادة من
الأخبار أولى من النافى" اهـ (١٧٦:٢). قلت: وسيأتى جوابه، إن شاء الله تعالى، فانتظر.
قال الجصاص فى "أحكام القرآن" له: قال الله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شىء فأن لله
خمسه﴾ (أى والباقى لكم) قال أبو بكر: ظاهره يقتضى المساواة بين الفارس والراجل وهو خطاب
لجميع الغانمين وقد شملهم هذا الاسم ألا ترى أن قوله تعالى: ﴿فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا
ما ترك﴾ قد عقل من ظاهره استحقاقهن للثلثين على المساواة، وكذلك مقتضى قوله تعالى
"غنمتم" أن يكونوا متساويين لأن قوله: غنمتم عبارة عن ملكهم له، وقد اختلف فى سهم الفارس:
قال أبو حنيفة: "للفارس سهمان وللراجل سهم"، وقال صاحباه وابن أبى ليلى ومالك والثورى
والليث والأوزاعى والشافعى: "للفارس ثلاثة أسهم، وللراجل سهم"، وروى مثل قول أبى حنيفة
عن المنذر بن أبى حمصة عامل عمر فرضيه عمر، ومثله عن الحسن البصرى وعن قثم بن العباس
(صحابى صغير ولاه على مكة ثم المدينة كذا فى "التهذيب" قال أبو بكر: قد بينا أن ظاهر الآية
يقتضى المساواة بين الفارس والراجل فلما اتفق الجميع على تفضيل الفارس بسهم فضلناه وخصصنا
به الظاهر وبقى حكم اللفظ فيما عداه، ثم ذكر الجصاص بطريق عبد الباقى حديث عبيد الله بن
عمر عن نافع عن ابن عمر بأسانيد عديدة ((أن رسول الله عَ ليه جعل للفارس سهمين وللراجل
سهما))، ثم رواه بلفظ ((للفارس ثلاثة أسهم سهم له وسهمان لفرسه))، ثم قال: واختلف حديث
عبيد الله بن عمر فى ذلك وجائز أن يكونا صحيحين بأن يكون أعطاه بديا سهمين وهو المستحق
ثم أعطاه فى غنيمة أخرى ثلاثة أسهم، وكان السهم الزائد على وجه النفل، ومعلوم أن النبى عَ له
لا يمنع المستحق وجائز أن يتبرع بما ليس بمستحق على وجه النفل، كما ذكره ابن عمر فى
حديث: "أنه كان فى سرية فبلغت سهماننا اثنى عشر بعيرا، ونفلنا رسول الله عَ ليه بعيرا بعيرا"،
قال: وقد روى مجمع بن جارية ((أن النبى عّ لّه قسم غنائم خيبر فجعل للفارس سهمين والراجل
سهما)). وروى ابن الفضل عن الحجاج عن أبى صالح عن ابن عباس ((قسم رسول الله عَ ليه

١٨٦
للفارس سهمان وللراجل سهم
إعلاء السنن
يوم خيبر للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهما)) (قلت: أخرجه إسحاق بن راهويه كما تقدم وليس
فيه يوم خيبر. مؤلف) وهذا خلاف رواية مجمع بن جارية (قلت: نعم إن صح فيه لفظ خيبر،
وإلا فلا لاحتمال أن يكون قبل غزوة بنى المصطلق لو كانت الخيل قليلة عند المسلمين فجعل
للفارس ثلاثة أسهم تحريضا لهم على اقتناءها ثم أسهم فى بنى المصطلق للفارس سهمين وللراجل
سهما کما تقدم. مولف) وقد یجمع بينهما بأن یکون قسم لبعض الفرسان سهمین (کما رواه
مجمع) وهو المستحق وقسم لبعضهم ثلاثة أسهم (كما رواه ابن عباس) وكان السهم الزائد على
وجه (١) النفل كما روى سلمة بن الأكوع، أن النبى معَّ أعطاه فى غزوة ذى قرد سهمين سهم
الفارس والراجل وكان راجلا يومئذ)، رواه مسلم وأحمد وأبو داود، كما فى "النيل" (١٧٢:٧)،
وكما روى سفيان بن عيينة عن هشام بن عروة عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير" أن الزبير
كان يضرب له فى المغنم بأربعة أسهم". وهذه الزيادة كانت على وجه النفل تحريضا لهم على
إيجاف الخيل كما كان ينفل سلب القتيل فإن قيل: لما اختلفت الأخبار كان خبر الزائد أولى، قيل
له: هذا إذا ثبت أن الزيادة كانت على وجه الاستحقاق، فأما إذا احتمل أن تكون على وجه النفل
فلم تثبت هذه الزيادة مستحقة وأيضا فإن فى خبرنا زيادة لسهم الراجل لأنه كلما نقص نصيب
الفارس زاد نصيب الراجل (فاستوى الخبران فى كونهما مثبتين للزيادة فافهم)! ويدل على ما ذكرنا
من طريق النظر أن الفرس لما كان آلة كان القياس أن لا يسهم كسائر الآلات فتركنا القياس فى
السهم الواحد (للإجماع على تفضيل الفارس)، والباقى محمول على القياس وأيضا الرجل أكد
أمرا فى استحقاق السهم من الفرس بدلالة أن الرجال، وإن كثروا استحقوا سهامهم. ولو حضرت
جماعة أفراس لرجل واحد لم يستحق إلا بفرس واحد، فلما كان الرجل آكد أمرا من الفرس،
ولم يستحق أكثر من سهم فالفرس أحرى بذلك اهـ (٥٩:٣) ملخصا ..
.(١) قلت: ويؤيده ما رواه سعيد بن منصور فى "السنن"، وأبو داود فى "المراسيل" عن مكحول: ((أن النبى عّلّ هجن الهجين يوم
خيبر وعرب العراب فجعل للعربى سهمين، وللهجين سهما))، ذكره الحافظ فى "الفتح"، ولم يعله إلا بانقطاع أى الإرسال
(٥١:٦). ولا يخفى أن الخيل عرابها وبراذينها كلها سواء فى السهمان إجماعا إلا ما روى عن أحمد فى رواية، كما سيأتى،
فلما جعل للهجين سهما دل على أنه هو السهم المستحق للفرس مطلقا، وإنما جعل للعربى سهمين على وجه النفل دون
الاستحقاق. والظاهر أنه لم يعط كل فرس عربى سهمين، بل للبعض منها الذى كان له فى الحرب نكاية زائدة على نكاية
الهجين، فإن العراب تصلح لمناهضة الحصون أكثر مما تصلح لها الهجان والبراذين. وعلى هذا فما رواه ابن عمر وابن عباس من
السهمان الثلاثة للفارس محمول على أنه نفل للعراب بسهم زائد على سهم غير العراب.

ج - ١٢
للفارس سهمان وللراجل سهم
١٨٧
فإن قيل: قد روى الجصاص: حدثنا عبد الباقى، حدثنا بشر بن موسى، حدثنا الحميدى،
حدثنا أبو أسامة عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله عَ لّه: (للفارس ثلاثة أسهم
سهم له وسهمان لفرسه)) (٥٨:٣)، وهذا قول، والقول مقدم على الفعل.
قلنا: لا حجة فيه فإنه شاذ بل منكر، فإن أصحاب أبى أسامة كعبيد بن إسماعيل عند
البخارى، وأبو بكر بن أبى شيبة فى "مصنفه" وأحمد فى "مسنده"، وابن كرامة وغيره عند
الدارقطنى وسليم بن الأخضر عند مسلم والترمذى وغيرهما كلهم يروونه عن أبى أسامة حكاية
عن فعله معَّه. وكذا أصحاب عبيد الله أبو أسامة وابن نمير وابن المبارك وحماد بن سلمة وسفيان
الثورى وعفيف بن سالم وأبو معاوية وغيرهم، وكذا أصحاب نافع عبيد الله وعبد الله وعبد
الرحمن بن آمين كلهم رووه حكاية عن الفعل دون القول، فما فى رواية ابن القانع هذه من حكاية
القول شاذ بالمرة وابن القانع ثقة فى نفسه، ولكن شيخه بشر بن موسى لم أعرف من ترجمه غير أن
الحافظ ذكره فى "التهذيب" فى الرواة عن الحميدى، والله تعالى أعلم.
وإن سلم فنقول: إنما قال النبى معَّ ذلك مرة تحريضا للمسلمين على اقتناء الخيل وارتباطها،
كقوله: "من قتل قتيلا فله سلبه" إغراء على الحرب والقتال لا تشريعا بدليل ما ذكرناه مفصلا،
والقول: إنما يقدم على الفعل إذا كان تشريعا ويدل على شذوذ هذه الرواية ونكرتها ما رواه سعيد
ابن منصور، والأثرم عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن أما بعد: فإن
سهمان الخيل مما فرض رسول الله عَ ليه سهمين للفرس(١) وسهما للراجل ولعمرى لقد كان حديثا
ما أشعر أن أحدا من المسلمين هم بانتقاض ذلك فمن هم بانتقاض ذلك فعاقبه، والسلام عليك
ذكره الموفق فى "المغنى" (٤٤٤:١٠).
فهذا يدل على أنه معّ فرض للفارس سهمين لا ثلاثة أسهم فإنه هو المراد بالفرس بدليل
(١) حمله الموفق على الظاهر، ولكن مقابلته بالراجل تؤيد ما قلنا. وهكذا أخرجه سحنون فى "المدونة" عن ابن وهب عن مخرمة
ابن بكير عن أبيه عن عمر بن عبد العزيز أن السهمين فريضة فرضها رسول الله عَّ سهمين للفرس وسهما للراجل أهـ
(٣٩٢:١). فاندفع ما عسى أن يتوهم من وقوع التصحيف فى الراجل عن الرجل، فافهم. وعليه يحمل ما رواه مسلم عن
سليم بن أخضر عن عبيد الله بن عمر قال: نا نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله عر بيه قسم فى النفل للفرس سهمين
وللرجل سهما اهـ. فإن المراد بالفرس الفارس، وبالرجل الراجل بدليل ما ذكره النووى أن فى بعض الروايات للفرس سهمين،
وللراجل سهما بالألف وفى بعضها للفارس سهمين اهـ (٩٢:٢). والروايات يفسر بعضها بعضا، والله تعالى أعلم.

١٨٨
للفارس سهمان وللراجل سهم
إعلاء السنن
مقابلته بالراجل، والخيل بمعنى الفرسان كما فى قوله تعالى ﴿وأجلب عليهم بخيلك﴾ وقولهم: يا
خيل الله! اركبى ومراد عمر بن عبد العزيز إنما هو تفضيل الفارس على الراجل دون إثبات ثلاثة
أسهم له بدليل ما ذكره الوليد بن مسلم سألت الأوزاعى عن أسهام الخيل من غنائم الحصون،
فقال: كانت الولاة قبل عمر بن عبد العزيز الوليد وسليمان لا يسهمون الخيل من الحصون
ويجعلون الناس كلهم رجالة حتى ولى عمر بن عبد العزيز فأنكر ذلك وأمر بإسهامها من فتح
الحصون والمدائن ذكره الموفق فى "المغنى" (٤٥١:١٠). وذلك لأن النبى معَّه فضل الفارس
على الراجل فى غنائم خيبر وهى حصون ولأن الخيل ربما احتيج إليها بأن ينزل أهل الحصن
فيقاتلوا خارجا منه فأمر عمر بتفضيل الفارس على الراجل فى فتح الحصون وأنكر على من جعلها
رجالة، فافهم.
وفيه دلالة على ثبوت سنة رسول الله عّ لّه بهذا، وأنه مما قد أجمع عليه فلا يجوز لأحد أن
ينقص الفارس عن سهمين، فقلنا به، وتركنا القياس فيه وأبقينا الزيادة على السهمين على القياس
المتأيد بظاهر قوله تعالى ﴿واعلموا أنما غنمتم﴾ كما تقدم. قال الحافظ فى "الفتح" قال محمد بن
سحنون: انفرد أبو حنيفة بذلك (أى بقوله للفارس سهمان) دون فقهاء الأمصار ونقل عنه أنه قال:
أكره أن أفضل بهيمة على مسلم وهى شبهة ضعيفة لأن السهام فى الحقيقة كلها للرجل. قلت: لو
لم يثبت الخبر لكانت الشبهة قوية لأن المراد المفاضلة بين الراجل والفارس فلو لا الفرس ما ازداد
الفارس سهمين عن الراجل، فمن جعل للفارس سهمين، فقد سوى بين الفرس وبين الرجل. وقد
تعقب هذا أيضا لأن الأصل عدم المساواة بين البهيمة والإنسان فلما خرج هذا عن الأصل بالمساواة
فلتكن المفاضلة كذلك.
قلت: الذى جعل للفارس سهمين لم يسو بين الفرس وبين الرجل، بل قد فضل الفارس على
الراجل ولا يخفى ما فى اللزوم والالتزام من الفرق بخلاف من جعل للفارس ثلاثة أسهم، فإنه
يقول: سهمان للفرس وسهم للفارس وهو بعبارته يدل على تفضيل البهيمة على الإنسان، فافهم.
قال: وقد فضلت الحنفية الدابة على الإنسان فى بعض الأحكام فقالوا: لو قتل كلب صيد
قيمته أكثر من عشرة آلاف أداها، فإن قتل عبدا مسلما لم يؤد فيه، إلا دون عشرة آلاف درهم.
(قلت: هذا ليس من باب المفاضلة بل من باب الضمان والمعاوضة وقد أجمعوا على أنه لو أتلف
رجل جوهرة نفيسة لآخر قيمتها مائة ألف درهم أداها ولو قتل حرا مسلما لم يؤد إلا عشرة آلاف

ج - ١٢
للفارس سهمان وللراجل سهم
١٨٩
٣٩٢٥- حدثنا: غندر عن شعبة عن أبى إسحاق عن هانئ بن هانئ عن على قال:
(للفارس سهمان وللراجل سهم))، أخرجه ابن أبى شيبة (عقود الجواهر ٢٢:١)، وهذا
سند حسن صحيح وهانئ بن هانئ وثقه ابن حبان والنسائى (تهذيب. ٢٢:١٩).
درهم فهل تراهم قد فضلوا الجماد على الإنسان كلا! قال: ولم ينفرد أبو حنيفة بما قال فقد جاء
عن عمر وعلى وأبى موسى رضى الله عنهم لكن الثابت عن عمرو على كالجمهور اهـ (٥٢:٦).
قلت: قد مر اختلاف الروايات فيه عن على رضى الله عنه وما يوافق منها قول أبى حنيفة صريح
فى الدلالة عليه، بخلاف ما يوافق الجمهور فإنه ليس بصريح كما سيأتى وكذا قول عمر رضى الله
عنه وأبى موسى الأشعرى فقد وجدنا منهما ما يؤيد أبا حنيفة صريحا بخلاف ما يؤيد الجمهو والله
تعالى أعلم. قال الحافظ: واستدل للجمهور من حيث المعنى بأن الفرس يحتاج إلى مؤنة خدمتها
وعلفها (لكن ليس مؤنته بأزيد من مؤنة الرجل ولو كان السهم بالمؤنة لكان الفيل أحق به من
الفرس لزيادة مؤنته وقد مر الجواب عن قياس الجمهور فى كلام شارح "السير" والجصاص
مفصلا، فتذكر).
قال: وبأنه يحصل بها من الغنى فى الحرب ما لا يخفى اهـ. (قلت: وليس غناها بأكثر من
غنا الرجل ومنفعته فى الحرب، وهو ظاهر فينبغى أن لا يزاد سهمها من سهمه، فافهم).
قوله: "عن أبى موسى وعن شريك إلخ" قلت: دلالتهما على قول أبى حنيفة ظاهرة.
قوله: "حدثنا غندر إلخ" دلالته على ما دل عليه ما قبله ظاهرة. فإن قيل: ويعارضه ما ذكره
البيهقى عن زهير عن أبى إسحاق غزوت مع معبد بن عثمان فأسهم لفرسى سهمين ولی سهما قال
أبو إسحاق: وبذلك حدثنى هانئ بن هانئ عن على، وذكر عبد الرزاق عن الثورى عن أبى إسحاق
عن هانئ بن هانئ، قال: "أسهم له فى إمارة سعيد بن عثمان لفرسين لهما أربعة أسهم وله سهم
اهـ" من "الجوهر النقى" (٦٠:٢) قلت: لا يعارض شىء من ذلك لما ذكرناه فى المتن فإن حديث
الثورى ليس فيه ذكر على رضى الله عنه أصلا وهو يخالف الخصم أيضا فإنه لا يقول بأن يسهم
لأزيد من فرس واحد كما سيأتى. ولو سلم فهو محمول على التنفيل ألا ترى أنه أى سعيد بن
عثمان أراد أن يضرب لقثم بن العباس بألف سهم فنهاه وأبى إلا أن يضرب له بسهم ولفرسه بسهم
أو أما حديث زهير فليس فيه إلا حكاية عن فعل معبد بن عثمان وقول أبى إسحاق بعده بذلك
حدثنى هانئ عن على والظاهر منه أن هانئ بن هانئ أخبره عن فعل على موافقا لفعل معبد بن
عثمان ولا حجة فى حكاية الفعل لاحتمال كونه على سبيل التنفيل.

١٩٠
إعلاء السنن
باب الخيل العراب والبراذين سواء ولا يسهم إلا لفرس واحد
٣٩٢٦- ابن وهب قال: أخبرنى سفيان بن سعيد الثورى عن عمرو بن ميمون
وحديث غندر عن شعبة عن أبى إسحاق صريح فى الحكاية عن قول على رضى الله عنه فى
الباب، فهو المعول عليه لا سيما وفيه شعبة وقد كفانا تدليس المدلسين وقال الحافظ فى "الفتح": إن
شعبة لا يحمل عن مشايخه إلا صحيح حديثهم اهـ (١: ٢٦٠)، وقال ابن القيم: "قال بعض أئمة
الحديث: إذا رأيت شعبة فى إسناد حديث فاشدد يديك به اهـ" "إعلام الموقعين" (٧٣:١)، فدليل
أبى حنيفة فى الباب أرجح من دليل الجمهور كما لا يخفى على من آتاه الله الحكمة والانصاف
والمعرفة التامة بالمأثور وصلى الله تعالى وسلم على عبده المؤيد المنصور سيدنا محمد وعلى آله
وأصحابه مدی الأيام والدهور.
باب الخيل العراب والبراذين سواء ولا يسهم إلا لفرس واحد
قوله: "ابن وهب أولا إلخ" قلت: ومعنى قوله: إذا بلغت البراذين إلخ" أى كانت صالحة
للقتال به لا مما يعد لحمل الأمتعة عليه، وقد نقل ذلك مفسرا عن عمر بن عبد العزيز رضى الله
عنهما قال: "ما كان من فرس ضرع أو بغل فاجعلوا صاحبه بمنزلة الراجل" ذكره محمد فى
"السير الكبير" (١٨٠:٢ مع "الشرح").
قال فى "شرح السير": "قال علماءنا رحمهم الله: البرذون فى استحقاق السهم به
كالفرس. وكذلك الهجين والمقرف، وهو قول أهل العراق وأهل الحجاز. فالفرس اسم للفرس
العربى، والبرذون للفرس العجمى، والهجين ما يكون الفحل عربيا، والأم من أفراس العجم،
والمقرف عكس هذا. ثم فى استحقاق السهم العجمى والعربى (من الرجال) سواء، فكذلك فى
الاستحقاق بالخيل. وهذا لأن الاستحقاق بالخيل لإرهاب العدو به قال تعالى: ﴿ومن رباط الخيل
ترهبون به عدو الله وعدوكم﴾ واسم الخيل يتناول البراذين على ما روى عن سعيد بن المسيب أنه
سئل عن صدقة البراذين فقال: أو فى الخيل صدقة؟ وقال ابن عباس رضى الله تعالى عنهما: الفرس
والبراذين سواء اهـ إذا الاستحقاق بالقتال على الفرس. وأهل العلم بالحرب يقولون: البراذين أفضل
فى القتال عند اللقاء من الفرس فإنه ألين عطفا وأشد متابعة لصاحبه على ما يريد وأصبر فى القتال
وما يفضلها العراب إلا للطلب والهرب ففى كل واحد منهما نوع زيادة فيما هو من أمر القتان
فیستویان اهـ (١٧٩:٢).
ولا يعارضه ما وقع عنه لسعيد بن منصور وفى "المراسيل" لأبى داود عن مكحول: "أن

ج - ١٢
الخيل العراب والبراذين سواء ولا يسهم إلا لفرس واحد
١٩١
عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: إذا بلغت البراذين مبلغ الخيل فألحقها بالخيل، أخرجه
النبى عَّ ◌ُلّهِ هجن الهجين يوم خيبر، وعرب العراب فجعل للعربى سهمين وللهجين سهما" وهذا
منقطع ويؤيده ما روى الشافعى فى "الأم" وسعيد بن منصور من طريق على بن الأقمر قال:
أغارت الخيل فأدركت العراب وتأخرت البراذين فقام ابن المنذر الوادعى(١) (وفى "المغنى: وعلى
الخيل رجل من همدان يقال له: المنذر بن أبى حمصة) فقال: لا أجعل ما أدرك لمن لم يدرك (وفى
"المغنى" ففضل الخيل)، فبلغ ذلك عمر فقال: هبلت الوادعى أمه لقد أذكرت به (أى أتت به ذكرا.
مؤلف) امضوها على ما قال، فكان أول من أسهم للبراذين دون سهام العراب اهـ من "فتح البارى"
(٥١:٦). قال الحافظ: وهذا منقطع أيضا وقال محمد فى "السير": ثم قال بعض أهل الشام:
ويسهم للبرذون سهما، وللفرس سهمين وهكذا ذكر مفسرا فى حديث المنذر اهـ (٢: ١٨٠) فإنه(٢)
ليس فى شىء منهما نقصان سهم البرذون عن سهم الفرس لما فيه من التصريح بأنه جعل للهجين
سهما، وكذلك المنذر أعطى البرذون سهما وهذا هو سهم الفرس عندنا، كما تقدم من أنه يسهم
للفارس بسهمين سهم له، وسهم لفرسه، وللراجل بسهم. وغاية ما فيه أنه فضل الفرس على
الهجين أو البرذون بسهم أحيانا على طريق التنفيل ولا نزاع فيه فللإمام أن ينفل من شاء بما شاء إذا
رآه أنظر للمسلمين وأصلح لهم، ولعلك قد تفطنت بذلك لرزانة قول أبى حنيفة فى الباب ومتانته
حيث لم يحتج إلى رد شىء من الآثار الصحيحة وجمع بينها كلها من غير تكلف وتعسف. قال
فى "شرح السير": ثم فى حديث المنذر ما يدل على أن الإسهام للبراذين (مثل سهام العراب) كان
معروفا بينهم(٣) فإن عمر رضى الله عنه تعجب من صنيعه (حين زاد سهام العراب على سهامها)
وما تعجب إلا لأنه لم يكن يصنع ذلك قبل هذا. ثم إن المنذر كان عاملا (جواب ثان بعد تسليم أنه
نقص سهام البراذين عن سهام الخيل كما هو ظاهر على رأى الجمهور) فحكم فيما هو المجتهد فيه
وامضى عمر رضى الله تعالى عنه حكمه لهذا، لا لأن رأيه كان موافقا لذلك ونحن هكذا نقول:
(١) علة لقوله ولا يعارضه.
(٢) يدل على ذلك ما فى لفظ سعيد بن منصور فكان أول من أسهم للبرازين دون سهام العراب، وفى ذلك يقول شاعرهم.
(٣) ومنا الذى قد سن فى الخيل سنة وكانت سواء قبل ذاك سهامها. ذكره الحافظ فى "الفتح" (٥١:٦)، أى كان قبل ذلك لكل
فرس سهم برذونا كان أو عربيا فجعل الوادعى للعراب سهمين وفضلها على البراذين لا يقال: بل كان قبل ذلك للكل سهمان
فنقص الوادعى من سهمان البراذين، لأنه لو كان كذلك لم يجزه عمر رضى الله عنه، ولأنكره الصحابة فإن للإمام أن ينفل
ويزيد فى الحق المعلوم، وليس له أن ينقص وإلا لكان له أن ينقص من سهم العراب أيضا ولا قائل به، فافهم.

١٩٢
الخيل العراب والبراذين سواء ولا يسهم إلا لفرس واحد
إعلاء السنن
سحنون فى "المدونة" (ص ٩٢) لمالك، وهذا سند صحيح.
إن الحاكم إذا قضى فى المجتهد (فيه) بشىء فليس لمن بعده من الحكام أن يبطل ذلك اهـ (٢: ١٨٠).
وفى "عمدة القارى" قال مالك: يسهم للخيل والبراذين منها، وبقول مالك قال أبو حنيفة
والثورى والشافعى وأبو ثور، وقال الليث: للهجين والبرذون سهم دون سهم الفرس ولا يلحقان
بالعراب اهـ (٦٠٧:٦). قلت: واختلفت الرواية عن أحمد فى سهمانها (أى البراذين) فقال
الخلال: "تواترت الروايات عن أبى عبد الله فى سهام البرذون أنه سهم واحد واختاره أبو بكر
والخرقى وهو قول الحسن. قال الخلال: وروى عنه ثلاثة متيقظون أنه يسهم للبرذون مثل سهم
العربى، واختاره الخلال، وبه قال عمر بن عبد العزيز ومالك (وأبو حنيفة وأصحابه)، والشافعى
والثورى لأن الله تعالى قال: ﴿والخيل والبغال والحمير﴾ وكان الآية استوعبت مايركب من هذا
الجنس لما يقتضيه الامتنان فلما لم ينص على البرذون والهجين فيها دل على دخولها فى الخيل.
وهذه من الخيل، ولأن الرواة رووا أن النبى معَّ أسهم للفرس سهمين ولصاحبه سهما، وهذا عام
فى كل فرس وحكى أبو بكر عن أحمد رواية ثالثة أن البراذين إن أدركت إدراك العراب أسهم لها
مثل العربى وإلا فلا، وحكى القاضى رواية رابعة أنه لا يسهم لها إلخ، كذا فى "المغنى" (٤٤٥:١٠).
وقال الجصاص فى "أحكام القرآن" له (٥٩:٣): "قال الله تعالى: ﴿ومن رباط الخيل
ترهبون به عدو الله وعدوكم﴾ وقال: ﴿فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب﴾ وقال ﴿والخيل
والبغال والحمير﴾ فعقل باسم الخيل فى هذه الآيات البراذين كما عقل منها العراب فلما شملها
اسم الخيل وجب أن يستويا فى السهمان ويدل عليه أن راكب البرذون يسمى فارسا كما يسمى به
راكب الفرس العربى فلما أجرى عليه أسم الفارس (إجماعا) وقال النبى عّ لّه (للفارس سهمان
وللراجل سهم)) عم ذلك فارس البرذون كما عم فارس العراب، وأيضا إن كان من الخيل فواجب
أن لا يختلف سهمه وسهم العربى وإن لم يكن من الخيل فواجب أن لا يستحق شيئا فلما وافقنا
الليث، ومن قال بقوله فى أنه يسهم له دل على أنه من الخيل، وأنه لا فرق بينه وبين العربى، وأيضا
لا يختلف الفقهاء فى أنه بمنزلة الفرس العربى فى جواز أكله وحظره على اختلافهم فيه، فدل على
أنهما جنس واحد فصار فرق ما بينهما كفرق ما بين الذكر والأنثى، والهزيل والسمين والجواد،
وما دونه، وأن اختلافهما فى هذه الوجوه لم يوجب اختلاف سهامهما إلخ.
قلت: واندحض بذلك ما قاله الموفق فى "المغنى": "إن نفع العربى وأثره فى الحرب أفضل
فيكون سهمه أرجح اهـ" فقد عرفت أن العربى وإن كان أجرى فالبرذون أقوى منه وأطوع لراكبه.

ج - ١٢
الخيل العراب والبراذين سواء ولا يسهم إلا لفرس واحد
١٩٣
قال: وأما قولهم إنه من الخيل. قلنا: والخيل فى نفسها تتفاضل فتتفاضل سهمانها اهـ قلنا: فهل
تقول بتفاضل سهمان الفحولة والمخصية من العراب، وكذلك بتفاضل الفحول والإناث منها؟
فقد علق البخارى عن راشد بن سعد قال: كان السلف يستحبون الفحولة، لأنها أجزأ وأجرى،
قال الحافظ فى "الفتح": وروى (الوليد بن مسلم فى "كتاب الجهاد" له) عن خالد بن الوليد أنه
کان لا یقاتل إلا علی اثنی، لأنها تدفع البول وهی أقل صهيلا والفحل یحبسه فی جریه حتى ينفتق
ويؤذى بصهيله اهـ (٦: ٥٠). فإذا لم تقل بتفاضل سهمان العراب مع تفاضل ما بينها لكونها من
الخيل فكذلك البراذين والعراب سواء لهذه العلة.
قال: وأما قولهم: إن النبى معَّ له قسم للفرس سهمين من غير تفريق. قلنا: هذه قضية فى عين
لا عموم لها (قلت: وكذلك ما ورد أنه عّ لِّ قسم للفارس ثلاثة أسهم سهمان لفرسه وسهم له
قضية فى عين لا عموم لها، فهل لك أن تعترف بأن ما روى عبيد الله عن نافع عن ابن عمر "أن
رسول الله (َ ◌ّ أسهم يوم خيبر للفارس ثلاثة أسهم" محمول على بعض الفرسان دون جميعهم
لما روى مجمع بن جارية ((إنه مّ ◌ُّ أسهم للفارس سهمين وللراجل سهما))، ولأنه قضية فى عين
.لا عموم لها فلا دلالة فيه على أنه أعطى جميع الفرسان ثلاثة أسهم بل أعطى بعضهم سهمين وهو
المستحق وبعضهم ثلاثة أسهم تنفيلا، وإلا فمن أين لك أن تجعله حكما عاما وقسمته عيَّةٍ للفرس.
سهمين من غير تفريق بين العراب والهجين قضية فى عين وهل هذا إلا تحكم).
قال: فيحتمل أنه لم يكن فيها برذون وهو الظاهر، فإنها من خيل العرب، ولا براذين لها.
ودل على صحة هذا أنهم لما وجدوا البراذين بالعراق أشكل عليهم أمرها وإن عمر فرض لها سهما
واحدا وأمضى ما قال المنذر بن أبى حمصة فى تفضيل العراب عليها. (قلت: فما بالهم لم يشكل
عليهم أمر الصدقة فى البراذين ولا أمر حلها وحرمتها؟ ولم لم يحملوا قوله عليه السلام. "ليس
على المسلم فى فرسه وغلامه صدقة" متفق عليه وقول أسماء "نحرنا على عهد رسول الله عَ ليه
فرسا فأكلناه" (رواه البخارى) على الفرس العربى)؟ مؤلف.
قال: ولو كان النبى معَّ سوى بينهما لم يخف ذلك على عمر، ولا خالفه، ولو خالفه
لم يسكت الصحابة عن إنكاره علیه سيما وابنه هو راوى الخبر فكيف يخفى عليه (قلت: لم يخف
عليه، ولم يخالف النبى معَّ لّ، ولذا وافقه الصحابة رضى الله عنهم، فإنه فرض للبرذون سهما
واحدا، وهو سهم الفرس عندنا، كما حققناه وإنما فضل العراب علينا بسهم تنفيلا فى بعض المغازى

١٩٤
الخيل العراب والبراذين سواء ولا يسهم إلا لفرس واحد
إعلاء السنن
٣٩٢٧ - ابن وهب عن سفيان الثورى عن هشام بن حسان عن الحسن "أنه قال:
الخيل والبراذين سواء فى السهمين" أخرجه سحنون أيضا فى "المدونة" (٣٩٢:١)،
وسنده صحيح.
٣٩٢٨- ورواه محمد عن ابن عباس بلفظ "الفرس والبزاذين سواء" (شرح
السیر الكبير ١٧٩:٢)، واحتج به.
ولا نزاع فى جوازه وإنما يلزم المخالفة أو الخفاء على قول الجمهور القاتلين بأن للفرس سهمين
ولصاحبه سهما ولعل أثر أبى موسى عن عمر لم يثبت عندهم أو حملوه على قضية فى عين لا عموم
لها وتحتمل الوجوه. مؤلف. قال: ويحتمل أنه فضل العراب أيضا فلم يذكره الراوى لغلبة العراب
وقلة البراذين، ويدل على صحة هذا التأويل خبر مكحول الذى رويناه (قلت: وإذا أبطلت عموم
قول الراوى: "جعل للفارس ثلاثة أسهم سهمين لفرسه وسهما له" بخبر مكحول هذا مع كونه
مرسلا منقطعا فحمله على بعض الفرسان بدليل حديث مجمع بن جارية، كما قال أبو حنيفة أولى
فالحق أنه عّ لّه جعل للفارس سهمين وللراجل سهما وأعصى بعضهم ثلاثة أسهم تنفيلا، فافهم.
قال: وقياسها على الآدمى لا يصح لأن العربى لا أثر له فى الحرب زيادة على غيره بخلاف
العربى من الخيل على غيره، والله أعلم (٤٤٧:١٠).
قلت: وكيف لا يكون للعربى من الرجال أثر فى الحرب زائد على غيره وهم الذين نزل
القرآن بلغتهم وهم أعرف الناس بفهم معانيه وأعلمهم ببلاغته وإعجازه والنبى معَّ نشأ بين
أظهرهم وهم أعرف الناس بأحواله وأعلمهم بنسبه ومولده ومنشأه ومشاهده سمعوا كل ذلك فى
بيوتهم من آباءهم وأمهاتهم وحكوا سيرته وهديه فى مجامعهم عن أجدادهم، فالمعجزة فى حقهم
أظهر والحجة عليهم ألزم لا سيما والنبى عب له عربى مثلهم من قومهم وأنفسهم فهم أنشط الناس
قلبا فى الجهاد لدينه وأزيدهم انشراحا فى الذب عن شريعته، وأشدهم غضبا على من انتهك
حرمات الله وحرمة رسوله ،فافهم. ومن ثم قال النبى معَّ له: ((الأئمة من قريش)) وقال: «قدموا قريشا
ولا تقدموها)) وقال: ((فضل الله قريشا بسبع خصال لم يعطها أحد قبلهم ولا يعطاها أحد بعدهم))
الحديث قال العزيزى: حديث صحيح (٢١:٣). ومع ذلك كله قد سوى الشارع بين سهم العربى
والعجمى فى الغنيمة فلأن يستوى سهمان العراب والبراذين أولى.
قوله: "ابن وهب ثانيا إلخ" دلالته على الجزء الأول من الباب ظاهرة وكذا دلالة أثر سعيد
بعده على كون البراذين داخلة فى الخيل شملها أسهم الخيل كشموله الفرس، فافهم.

ج - ١٢
الخيل العراب والبراذين سواء ولا يسهم إلا لفرس واحد
١٩٥
٣٩٢٩- عن سعيد بن المسيب "وسئل عن البراذين هل فيها من صدقة، قال:
وهل فى الخيل من صدقة؟". أخرجه مالك فى "الموطأ" (ص١٢١) عن عبد الله بن دينار
عنه وسنده صحيح.
٣٩٣٠- عن أبى موسى أنه كتب إلى عمر بن الخطاب إنا وجدنا بالعراق خيلا
عراضًا دكنا فما ترى يا أمير المؤمنين فى سهمانها؟ فكتب إليه تلك البراذين فما قارب
العتاق منها فاجعل له سهما واحدا وألغ ما سوى ذلك رواه الجوز جاني بإسناده "المغنى"
(٤٤٦:١) وذكره محمد فى السير الكبير وقال: احتج به أهل الشام (شرح السير ج٢).
٣٩٣١- مالك قال: بلغنى "أن الزبير بن العوام شهد مع رسول الله عَ ◌ّه بفرسين
يوم خيبر فلم يسهم له إلا بسهم فرس واحد" أخرجه سحنون فى" المدونة"
(٣٩٢:١٠). وبلاغات مالك لا يكاد يسقط منها شىء. وفى "الموطأ" (ص١٧١):
وسئل مالك عمن حضر بأفراس كثيرة، هل يقسم لها كلها؟ فقال: لم أسمع بذلك،
ولا أرى أن يقسم إلا لفرس واحد الذى يقاتل عليه اهـ.
٣٩٣٢- عن إبراهيم التيمى عن أبيه ((أن النبى عدٍّ لم يسهم لصاحب الأفراس
قوله: "عن أبى موسى إلخ". قلت: هكذا فى "المغنى" خيلا عراضا دكنا بالنون بعد الكاف
جميع أدكن وهو المائل إلى السواد وفى "شرح السير الكبير": دكا بدون النون وهو الصحيح
عندى، جمع أدك للفرس العريض الظهر، كما فى "القاموس" (٦٧٩:٢) ومعنى قوله: ما قارب
العتاق منها أى ما كان نظيرها فى الصلاحية للقتال به دون الحمل عليه كما مر فى قول عمر بن
عبد العزيز. وإنما أشكل على أبى موسى أمر البراذين لأن أكثرها تصلح للحمل عليه دون القتال به
بخلاف العراب، فإن غالبها يصلح للحرب والطلب فاستفسر عنه عمر رضى الله عنه و کتب إليه
لأجل ذلك لا لأن إسهام النبى مرّ له للفرس لم يكن دالا على الإسهام للبراكين كما زعمه الموفق فى
"المغنى". وأما قول عمر رضى الله عنه فاجعل له سهما إلخ" فلا يدل على نقصان سهمان البراذين
عن سهام العراب بل على مساواتهما فإن للعربى سهما واحدا أيضا كمأمر فى الباب المتقدم ومن
ادعى غير ذلك فليأت ببرهان على أن عمر نقص سهامها عن سهام العراب، والله تعالى أعلم.
قوله: "مالك قال: بلغنى وقوله عن إبراهيم التيمى إلخ": دلالتهما على الجزء الثانى من
الباب ظاهرة. قال الحافظ فى "الفتح": قوله: "ولا يسهم لأكثر من فرس" هو بقية كلام مالك،

١٩٦
الخيل العراب والبراذين سواء ولا يسهم إلا لفرس واحد
إعلاء السنن
إلا لفرس واحد يوم حنين))، ذكره فى "المبسوط" (٤٦:١)، وقال: استدل به أبو حنيفة
وهو قول الجمهور، وقال الليث وأبو يوسف وأحمد وإسحاق: یسهم لفرسین لا لأکثر وفى ذلك
حديث أخرجه الدار قطنى بإسناد ضعيف عن أبى عمرة قال: أسهم لى رسول الله مرّه لفرسى
أربعة أسهم ولى سهما فأخذت خمسة أسهم (قلت: قد مر ما فى هذا الحديث من الكلام فتذكر)،
قال القرطبى: ولم يقل أحد: إنه يسهم لأكثر من فرسين إلا ما روى عن سليمان بن موسى أنه
يسهم لكل فرس سهمان بالغا ما بلغت ولصاحبه سهما أى غير سهمى الفرس اهـ (٥١:٦).
قلت: واحتج أبو يوسف رحمة الله عليه فى "كتاب الخراج" لقوله بما حدثه يحيى بن سعيد
عن الحسن "فى الرجل يكون فى الغزو ومعه الأفراس قال: لا يقسم له من الغنيمة لأكثر من
فرسين" قال: وحدثنا محمد بن إسحاق عن يزيد بن جابر عن مكحول قال: "لا يقسم لأكثر من
فرسين" اهـ. (٢٢ و٢٣) ولا يخفى أنه لا حجة فى قول التابعى بعد ما ثبت عن رسول الله عرّ له أنه
لم يسهم يوم حنين إلا لفرس واحد. قال الجصاص فى "أحكام القرآن" له: واختلف فى من يغزو
بأفراس فقال أبو حنيفة ومحمد ومالك والشافعى: لا يسهم إلا لفرس واحد، وقال أبو يوسف
والثورى والأوزاعى والليث: يسهم لفرسين، والذى يدل على صحة القول الأول أنه معلوم أن
الجيش قد كانوا يغزون مع رسول الله مرّ له بعد ما ظهر الإسلام بفتح خيبر ومكة وحنين وغيرها
من المغازى ولم يكن يخلو الجماعة منهم من أن يكون معه فرسان أو أكثر ولم ينقل أن النبى معَّ له.
ضرب لأكثر من فرس واحد وأيضا فإن الفرس آلة وكان القياس أن لا يضرب له بسهم كسائر
الآلات فلما ثبت بالسنة والاتفاق سهم الفرس الواحد أثبتناه ولم نثبت الزيادة إذ كان القياس يمنعه
اهـ (٦٠:٣). لكن يؤيد أبا يوسف ومن وافقه ما أخرجه سعيد بن منصور ثنا فرج بن فضالة ثنا
محمد بن الوليد الزبيدى عن الزهرى أن عمر بن الخطاب كتب إلى أبى عبيدة بن الجراح أن أسهم
للفرس سهمين وللفرسين أربعة أسهم ولصاحبها سهما فذلك خمسة أسهم، وما كان فوق الفرسين
فهو جنائب (زيلعى ١٣٦:٢) وذكره الموفق فى "المغنى" أيضا (٤٤٧:١٠) وفيه فرج بن فضالة
مختلف فيه وهو فى أحاديث الشاميين(١) صالح وهذا منها وهو مع ذلك مرسل ومراسيل الزهرى
ضعاف عند المحدثين وهو عندنا محمول على وقعة بعينها تحارب فيها المسلمون والمشركون ليالى
(١) قال أبو داود عن أحمد: إذا حدث عن الشاميين، فليس به بأس، ولكنه حدث عن يحيى بن سعيد مناكير اهـ (تهذيب
٢٩:٨). قلت: ومحمد بن الوليد الزبيدى هو الحمصى، كان أعلم أهل الشام بالفتوى والحديث، كما فى "التهذيب"
(٥٠٣:٩) أيضا.

ج - ١٢
الخيل العراب والبراذين سواء ولا يسهم إلا لفرس واحد
١٩٧
ومحمد واحتجاج المجتهد بحديث تصحيح له وأيده ما ذكره مالك بلاغا، وإبراهيم
وأياما متتابعة كوقعة اليرموك ونحوها فاحتاجوا إلى الركوب على الفرسين فصاعدا وإذا امتدت
الحرب أياما لا يكتفى الفارس بفرس واحد البتة كما هو ظاهر وإذا كان كذلك وتحققت الحاجة
إلى فرسين فللإمام أن يسهم لفرسين على وجه النفل كما له أن يسهم للفرس سهمين سوى سهم
صاحبه تنفيلا كما فعل عمر بن الخطاب رضى الله عنه فى هذا الأثر مع أن مذهبه أن للفارس
سهمين وللراجل سهما كما تقدم. وأما ما رواه سعيد بن منصور عن ابن عياش عن الأوزاعى أن
رسول الله عَّ ◌ُلّهِ كان يسهم للخيل وكان لا يسهم للرجل فوق فرسين وإن كان معه عشرة أفراس
"زيلعى" فهو معضلَ وإنما أخذه الأوزاعى عن مكحول كما أشار إليه الشافعى رحمه الله ذكره
البيهقى عنه فى "كتاب المعرفة" قال: قال الشافعى: وروى مكحول أن الزبير حضر خيبر فأسهم له
عليه الصلاة والسلام خمسة أسهم له، وأربعة أسهم لفرسيه، فذهب الأوزاعى إلى قبول هذا عن
مكحول منقطعا، وهشام أثبت فى حديث أبيه، وأحرص لو زيد أن يقول به، وأهل المغازى
لم يرووا أنه عليه السلام أسهم لفرسين ولم يختلفوا أنه حضر خبير يثلاثة أفراس لنفسه السكب،
والضرب، والمرتجز، ولم يأخذ إلا لفرس واحد (زيلعى ١٣٦:٢)، وحديث هشام الذى أشار إليه
رواه البيهقى فى أبواب السير من "سننه" من حديث الشافعى (أخبرنا ابن عيينة) عن هشام بن
عروة عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير أن الزبير كان يضرب له بأربعة أسهم سهم له
وسهمين لفرسه وسهم أمه يعنى يوم خيبر، كذا فى "الجوهر النقى" (٦١:٢). وقال الإمام الشافعى
فى "الأم": وليس فيما قلت من أن لا يسهم إلا لفرس واحد ولا فى خلافه خبر يثبت مثله والله
تعالى أعلم. وفيه أحاديث منقطعة أشبهها أن يكون ثابتا أخبرنا ابن عيينة عن هشام فذكره، وقال
مكان قوله وسهم أمه وسهما فى ذى القربى قال الشافعى: وحديث مكحول عن النبى معَّه مرسل
فذكره، ثم قال: ولو كان كما حدث مكحول أن الزبير حضر خيبر بفرسين فأخذ خمسة أسهم
كان ولده أعرف بحديثه وأحرص على ما فيه زيادة من غيرهم، إن شاء الله تعالى اهـ (٦٩:٤).
قال الشافعى: لكنا ذهبنا إلى (قول) أهل المغازى فقلنا: إنهم لم يرووا أنه عليه السلام أسهم
لفرسين ذكره البيهقى (الجوهر النقى ٦١:٢). قال المحقق فى "الفتح" بعد حكاية كلام الإمام
الشافعى ما نصه: وهذا أحسن إلا أن قوله: أهل المغازى لم يرووا أنه أسهم لفرسين ليس كذلك.
قال الواقدى فى المغازى: حدثنا عبد الملك بن يحيى عن عيسى بن معمر قال: " كان مع الزبير يوم
خيبر فرسان فأسهم له النبى معَّ ◌ُلِّ خمسة أسهم، وقال أيضا: حدثنى يعقوب بن محمد عن

١٩٨
الخيل العراب والبراذين سواء ولا يسهم إلا لفرس واحد
إعلاء السنن
التيمى هو ابن يزيد بن شريك بن طارق ثقة من رجال الجماعة، وكذا أبوه وهو تابعی
مخضرم، وإرسال مثله مقبول عندنا، وعند الأكثرين.
عبد الرحمن بن عبد الله بن أبى صعصة عن الحرث بن عبد الله بن كعب "أن النبى عدّ له قاد فى
خيبر ثلاثة أفراس لزاز والضرب والسكب وقاد الزبير بن العوام أفراسا وقاد خراش بن الصمة
فرسين، وقاد البراء بن أوس فرسين وقاد أبو عمرة الأنصارى فرسين فأسهم عليه السلام لكل من
كان له فرسان خمسة أسهم أربعة لفرسيه وسهما له وما كان أكثر من فرسين لم يسهم له" ويقال:
إنه لم يسهم إلا لفرس واحد وأثبت ذلك أنه أسهم لفرس واحد ولم يسمع أنه مُ لّ أسهم لنفسه إلا
الفرس واحد إلى هنا كلام الواقدى مع اختصاره اهـ (٢٣٨:٥). قلت: وكيف يرد على الشافعى ما
رواه الواقدى وقد صرح هو بنفسه أن أثبت ذلك أنه أسهم لفرس واحد ورد ما رواه قبل من
الإسهام لفرسين، فافهم - والله تعالى أعلم -.
وبالجملة فما رواه عبد الرزاق وغيره من طريق مكحول معارض بما رواه هشام بن عروة عن
أبيه عن عبد الله بن الزبير عن الزبير "أعطانى النبى معَّ له يوم بدر أربعة أسهم سهمين لفرسى وسهما
لى وسهما لأمى" أخرجه الدار قطنى هكذا موصولا (٤٧١:٢). وبما رواه الإمام الشافعى، وقد
تقدم، والحديث مضطرب الإسناد، كما أشار إليه الدار قطنى فرواه إسحاق بن إدريس عن إسماعيل
ابن عياش عن هشام، كما مر، وخالفه هيثم بن خارجة فرواه عن إسماعيل بن عياش عن هشام عن
یحیی بن عباد عن الزبير بن العوام وخالفه سعيد بن عبد الرحمن فرواه عن هشام عن يحيى بن عباد
عن عبد الله ابن الزبير عن جده، ورواه محاضر عن هشام عن يحيى بن عباد عن عبد الله بن الزبير
(أن النبى معَّ)) إلخ، ورواه محمد بن بشر عن هشام عن يحيى بن عباد "أن رسول الله عَ ليه
نحوه" اهـ. وهو مضطرب المتن أيضا ففى بعض ألفاظه أنه مَّ أعطاه يوم بدر أربعة أسهم وفى
بعضها أنه مَّهِ ضرب له عام خيبر بأربعة أسهم وروى مكحول أنه ضرب له خمسة أسهم أربعة
لفرسيه وسهما له وهذا إضطراب شديد يقتضّى طرح الروايات كلها لو لا ما حسن الشافعى طريق
هشام عن يحيى بن عباد مرسلا "أن الزبير كان يضرب له بأربعة أسهم" إلخ، وهو محمول عندنا
على أنه أعطى سهمين له ولفرسه من الغنيمة وسهما لأمه وسهما لنفسه من الخمس من سهم ذى
القربى كما وقع التصريح به فى لفظ الشافعى. وإن سلمنا أنه أعطى ثلاثة أسهم من الغنيمة فكان
السهمان له على وجه الاستحقاق والثالث على وجه النفل كما أشرنا إلى ذلك سابقا.
فائدة: وما عدا الخيل من الإبل والبغال والحمير والفيلة لا يسهم لها بغير خلاف وإن عظم

١٩٩
ج - ١٢
باب من دخل دار الحرب فارسا فهو فارس
إلا إذا باع فرسه قبل القتال ومن دخل راجلا فهو راجل
٣٩٣٣- عن: عمر رضى الله عنه قال: "إذا جاوز الفرس الدرب ثم نفق أسهم
غناءها، وقامت مقام الخيل لأن النبى عّ لّه لم يسهم لها ولا أحد من خلفاءه وقال أحمد: من غزا
على بعير وهو لا يقدر على غيره قسم له ولبعيره سهمان نص أحمد على هذا، وظاهره أنه لا يسهم
للبعير مع إمكان الغزو على فرس، وعنه أنه يسهم للبعير سهم، ولم يشترط عجز صاحبه عن غيره،
وحكى نحو هذا عن الحسن واحتجا بقوله تعالى ﴿فما أوجفتم عليه من خيل(١) ولا ركاب﴾،
واختار أبو الخطاب من الحنابلة أنه لا يسهم له بحال وهو قول أكثر الفقهاء. قال ابن المنذر: أجمع
كل من أحفظ عنه من أهل العلم أن من غزا على بعير فله سهم راجل كذلك قال الحسن ومكحول
والثورى والشافعى وأصحاب الرأى وهذا هو الصحيح إن شاء الله تعالى لأن النبى عّ لّه لم ينقل
عنه أنه أسهم بغير الخيل من البهائم وقد كان معه يوم بدر سبعون بعيرا ولم تخل غزاة من الإبل بل
هى كانت غالب دوابهم فلم ينقل عنه أنه أسهم ولو أسهم لها لنقل وكذلك من بعد النبى عدّ له
من خلفاءه وغيرهم مع كثرة غزواتهم لم ينقل عن أحد منهم فيما علمناه أنه أسهم لبعير لم يخف
ذلك ولأنه لا يتمكن صاحبه من الكر والفر فلم يسهم له كالبغل والحمير اهـ من المغنى
ملخصا (٤٤٨:١٠).
باب من دخل دار الحرب فارسا فهو فارس إلا إذا باع فرسه قبل القتال
ومن دحل راجلا فهو راجل
قوله: "عن عمر إلخ" قلت: دلالته على الجزء والأول من الباب ظاهرة وقد اختلفت
الروايات عن الإمام فى الجزء الثانى كما سنبينه، والدرب الطريق ومنه أدربنا أى دخلنا الدرب،
وكل مدخل إلى الروم درب، كذا فى "مجمع البحار" (٤٠٣:١). وإذا جاوز الفرس الدرب، فقد
دخل دار الحرب، كما لا يخفى وقوله: "ثم نفق" أى هلك وهو احتراز عما إذا باع فرسه بعد
مجاوزة الدرب قال فى "الهداية": ومن دخل دار الحرب فارسا فنفق فرسه استحق سهم الفرسان
ومن دخل راجلا فاشترى فرسا استحق سهم الراجل. وجواب الشافعى على عكسه فى الفصلين
وهكذا روى ابن المبارك عن أبى حنيفة فى الفصل الثانى (أى فيما إذا دخل راجلا فاشترى فرسما
(١) ووجه الاستدلال به أن الله تعالى ذكر الركاب وهى الإبل مع الخيل وجعلها صالحة للإيجاف على العدو كمثلها.

٢٠٠
من دخل دار الحرب فارسا فهو فارس
إعلاء السنن
ـه" ذكره محمد فى "السير الكبير" (٢: ١٨٠)، واحتج به، واحتجاج المجتهد بحديث
تصحیح له.
وقاتل عليه) أنه يستحق سهم الفرسان.
والحاصل: أن المعتبر عندنا حالة المجاوزة وعنده حالة القضاء الحرب. له أن السبب هو القهر
القتال فيعتبر حال الشخص عنده والمجاوزة وسيلة إلى السبب كالخروج من البيت، وتعليق
لأحكام بالقتال يدل على إمكان الوقوف عليه ولو تعذر أو تعسر تعلق بشهود الوقعة لأنه أقرب إلى
لقتال. ولنا أن المجاوزة نفسها قتال لأنه يلحقهم الخوف بها والحال بعدها حالة الدوام ولا معتبر بها
(لأن الفارس لا يمكنه أن يقاتل فارسا دائما فلا بد له أن ينزل فى بعض المضائق خصوصا فى
المشجرة أو فى الحصن أو فى الماء). ولأن الوقوف على حقيقة القتال متعذر وكذا على شهود
لوقعة لأنه حال التقاء الصفين (وأمير العسكر وأتباعه مشتغلون بتعبية الحرب وتسوية الصفوف
وتحريض المؤمنين على القتال لا يمكنهم كتابة الفرسان والرجالة فى هذه الحال، كما لا يخفى)،
فتقام المجاوزة مقامه إذ هو السبب المفضى إليه ظاهرا إذا كان على قصد القتال (احتراز عما إذا
دخل دار الحرب بقصد التجارة أو خدمة الغازى بأجر ولم يقاتل فلا سهم له، كما مر وسيأتى).
ولو دخل فارسا وقاتل راجلا لضيق المكان (ونحوه) يستحق سهم الفرسان بالاتفاق ولو دخل
فارسا ثم باع فرسه أو وهب أو آجر أو رهن ففى رواية الحسن عن أبي حنيفة يستحق سهم الفرسان
اعتبارا للمجاوزة وفى ظاهر الرواية يستحق سهم الرجالة (وهو الحق) لأن الإقدام على هذه
التصرفات يدل على أنه لم يكن من قصده بالمجاوزة القتال فارسا ولو باعه بعد القتال لم يسقط سهم
الفرسان (وهو ظاهر)، وكذا إذا باعه فى حالة القتال عند البعض، والأصح أنه يسقط لأن البيع يدل
على أنه غرضه التجارة فيه إلا أنه ينتظر عزته اهـ (٢٤٠:٥ و٢٤١). وفى "شرح السير": "وبه أى
بأثر عمر (المذكور فى المتن) أخذ علماءنا فقالوا: معنى إرهاب العدو يحصل بمجاوزة الدرب فارسا
فإن الدواوين إنما تدون والأسامى إنما تكتب عند مجاوزة الدرب ثم ينتشر الخبر فى دار الحرب
بأنه جاوز كذا وكذا فارس، وكذا وكذا راجل، فلحصول معنى الإرهاب به يستحق
السهم اهـ (٢: ١٨٠).
وقال الموفق فى "المغنى": قال أحمد: أنا أرى أن كل من شهد الوقعة على أى حالة كان
يعطى إن كان فارسا ففارس وإن كان راجلا فراجل لأن عمر قال: "الغنيمة لمن شهد الوقعة" وبهذا
قال الأوزاعى والشافعى وإسحاق وأبو ثور ونحوه قال ابن عمر (قلت: لم نقف عليه ولم يعزه