النص المفهرس

صفحات 1-20

د
مجلس
لِ الشَّيْن
تأليف
الحَّ النَّائِ العَلامِ مُولاَناظّفَرَ اجِدَ اء اجتما ◌ِ التَّهَانُوِيَّاللّ
على ضوء ما أفاده
جَِّ الأُمِ الأَعِالقِةِ الدّاعَةِ كَبِيرَإِنَا الشَّيعَ الثُّفِّ ◌َعلى التّهارِ
أول طبعة على الكمبيوتر مزينة بترقيم الأحاديث، وعنوان البحث فى
أعلى كل صفحة، مع تصحيح الأخطاء المطبعية الواقعة فى الطبعة السابقة
الجزء الثانى عشر
الكرةُ القُر وَالخَاوِ الإِسْلامِيَةَ
أشرف منزل د/ ٤٣٧، كاردن الست ، كراتشى، باكستان

إدارة القرآن
باكستان
جميع الحقوق محفوظة لإدارة القرآن
منع طبع هذا الكتاب أو جزء منه بكل طرق الطبع
والتصوير والنقل والتسجيل الفرنى وغيرها.
MA KIGHISIRISERVED FOR IDARAFUL QURAN
No part of this book may be reproduced or
ahlived in any form or by any means
الطبعة الأولى.
١٤٠١ هـ.
الطبعة الثانية :
١٤١٥ هـ
١٤٠٥ هـ
الطبعة الثالثة بالصف على الكمبيوتر:
.....
بإدارة القرآن كراتشى
الصف والطبع:
نال شرف تصميمه على الكمبيوتر ووضع العناوين
نعيم أشرف نور أحمد.
على رأس الصفحات والإشراف على تصحيح نصوصه : ............
فھیم اشرف نور احمد
أشرف على طباعته :
من منشورات
إدارة القرآن والعلوم الإسلامية
٤٣٧/٢ گارڈن ایست کراتشي ٥ باکستان
الهاتف: ٧٢١٦٤٨٨ = ٧٢٢٣٦٨٨
ويطلب أيضاً من :
باب العمرة مكة المكرمة
.....
.......
المكتبة الإمدادية
السمانية المدينة المنورة
مكتبة الإيمان
الرياض - السعودية
مكتبة الرشد.
١٩٠ انار كلى لاهور
إداره اسلاميات

٣
ج- ١٢
بسم الله الرحمن الرحيم
كتاب السيو
باب فرضية الجهاد ودوامه مع كل أمير بر أو فاجر
٣٧٧٨* عن أنس قال: قال رسول الله عَ له: ((ثلاثمن أصل الإيمان، الكف
عمن قال: لا إله إلا الله لا تكفره بذنب ولا تخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد ماض
منذ بعثجى الله إلى أن يقاتل آخر أمتى الدجال، لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل،
والإيمان بالأقدار)) رواه أبو داود وسكت عنه هو المنذرى، وله شواهد، كذا فى
"النيل" -١١٨:٧) قلت: فالحديث حسن صالح للاحتجاج به.
٣٧٧٩- عن عروة بن الجعد البارقى عن النبى عن ٣ قال: ((الخيل معقود فى
نواصيها الأجر والمغنم إلى يوم القيامة)) متفق عليه (نيل ١١٧:٧).
٣٧٨٠- عن جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله مَ ◌ّه يقول: ((لا تزال
طائفة من أمتى يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة)) رواه مسلم (١٤٣:٢) ..
٣٧٨١- عن معاوية يقول: سمعت رسول الله معد له يقول: ((لا تزال طائفة من
أمتى قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم، حتى يأتى أمر اللهوهم ظاهرون.
على الناس)) رواه مسلم (١٤٣:٢) ..
باب فرضية الجهاد ودوامه مع كل أمير بر أو فاجر.
قوله: عن أنس إلى قوله: عن معاوية إلخ، دلالة الأحاديث على الجزء الثانى من الباب ظاهرة.
وفى قوله عرّ: ((لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل)) دليل على أن لا فرق فى حصول فضيلة
الجهاد بين أن يكون الغزو مع الإمام العادل أو الجائر، ويشترط أن لا يكون كافرا بدليل ما سيأتى،
وفى سنة الحديث الأول يزيد بن أبى نشبة (بضم النون فى أوله وسكون الشين للمعجمة) مجهول، .
ولكن بيكوت أبى داود والمنذرى عنديدل على كون الحديث صالحا لا سيما وله شواهد كما قاله
الشوكاني.
وفيه دليل على أن الجهاد لا يزال ماضيا ما دام الإسلام والمسلمون إلى ظهور
الدجال، وأما بعد ظهوره وقتل المسيح عليه السلام إياه وغلبة المسلمين على الكافرين فلا يبقى

٤
فرضية الجهاد ودوامه مع كل أمیر بر أو فاجر
إعلاء السنن
٣٧٨٢- عن مكحول عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عَ له: ((الجهاد واجب
عليكم مع كل أمير برا كان أو فاجرا، والصلاة واجبة عليكم خلف كل مسلم برا كان
أو فاجرا وإن عمل الكبائر، والصلاة واجبة على مسلم برا كان أو فاجرا وإن عمل
فى العالم إلا الإسلام(١). وترتفع الجزيقيه فلا يقيل من الكفار اللثام إلا الإسلام أو السيف، ثم يرتد
بعض القبائل بعد مدة إلى الكفر، فيقبض الله المسلمين كلهم ويميتهم عن آخرهم، فلا يبقى على
وجه الأرض إلا شرار الخلق، يتحرشون على الطرقات كتحارش البهائم فتقوم عليهم القيامة، ورد.
ذلك فى أحاديث صحيحة فى أحوال الساعة، وفيه ما يدل على عدم بقاء الحاجة إلى الجهاد بعد
استئصال الدجال وجماعته الكفرة الفجرة، وظهور الدجال هو المراد بالقيامة فى قوله عروسه
صلى اللّهِ
((لا يزال طائفة من أمتى يقاتلون على الحق إلى يوم القيامة)) لكونه من أعظم أشراطها وأماراتها.
اشتراط الإمام للجهاد والأمر بالعزلة إذا لم يكن للمسلمين إمام
فائدة: عن أبى هريرة مرفوعا: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنى رسول
الله، فإذا قالوها عصموا دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله)) أخرجه الستة وهو
متواتر، انتهى من "كنز العمال" (٢٣:١) قلت: ومعنى الحديث " أنه أمر بالجهاد ما بقى الكفر فى
العالم، وإذا أُسُلِمَ الناس كلهم انقطع الجهاد"، والله تعالى أعلم.
قوله: عن مكحول إلخ. دلالته على وجوب الجهاد ظاهرة، ولا حاجة للاستدلال عليه إلى
الأخبار فإن القرّان ناطق به صريحا:
على له: «الجهاد
وفى الحديث دلالة على اشتراط الأمير للجهاد وأنه لا يصح بدونه لقوله عنّ.
واجب عليكم مع كل أمير إلخ)). فإذا لم يكن للمسلمين إمام فلا جهاد. نعم يجب على المسلمين
أن يلتمسوا لهم أميرا. ويدل على أن الجهاد لا يصح إلا بأمير ما رواه البخارى عن حذيفة فى
حديث طويل ((قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: (نعم! دعاة إلى أبواب جهنم من أجابهم
إليها قذفوه فيها)) قلت: فما تأمرنى إن أدر كنى ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم! قلت:
فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: ((فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى
يدركك الموت وأنت على ذلك)).
أقال الحافظ فى"الفتح": قال الطبرى: والصواب أن المراد من الخبر لزوم الجماعة الذين فى
طاعة من اجتمعوا على تأميره. قال: وفى الحديث أنه متى لم يكن للناس إمام فافترق الناس أحزابا
(١) ذكر نحوه النووى فى شرح مسلم (١٤٣:٢ و١٤٤) فليراجع.

٥
ج - ١٢
فرضية الجهاد ودوامه مع كل أمير بر أو فاجر
الكبائر)) رواه أبو داود (٢٥٠:١) وسكتّ عنه، وفى النيل (١١٨:٧): أخرج أبو
داود وأبو يعلى مرفوعًا وموقوفًا من حديث أبى هريرة (الجهاد ماض مع البر والفاجر))
ولا بأس بإسناده إلا أنه من رواية مكحول عن أبى هريرة ولم يسمع منه اهـ. وفى
فلا يتبع فى الفرقة أحدا ويعتزل الجميع إن استطاع ذلك خشية من الوقوع فى الشر، وأخرج
الطبرى وصححه ابن حبان عن أبى هريرة: قال: قال رسول الله عَّ له: " كيف بك يا عبد الله بن
عمرو؟ إذا بقيت فى حثالة من الناس، وقد مرجت عهودهم وأماناتهم، واختلفوا فصاروا هكذا
وشبك بين أصابعه)) قال: فما تأمرنى؟ قال: ((عليك بخاصتك، ودع عنك عوامهم أهـ)). (فتح
البارى ٣١:١١ و٣٢). فتلخص منه أن المسلم إذا كان فى جماعة ليس لهم إمام وأمير فهو مأمور
بالاعتزال واللزوم بخاصة نفسه، وليس بمأمور بالجهاد وما يشبهه من الأمور مما لا يتم بدون
الجماعة فافهم.
ولا يخفى أن الأمير الذى يجب الجهاد معه كما صرح به حديث مكحول إنما هو من كان
مسلما ثبتت له الإمارة بالتقليد إما باستخلاف الخليفة إياه كما نقل أبو بكر رضى الله عنه، وإما
بيعة من العلماء أو جماعة من أهل الرأى والتدبير، بشرط أن يكون من أهل الولاية المطلقة الكاملة،
: أى مسلما حرا ذكرا عاقلا بالغاءسائسا أى مالكا للتصرف فى أمور المسلمين بقوة رأيه ورويته
ومعونة بأسه وشوكته قادرا بعلمه وعدله وكفايته وشجاعته على تنفيذ الأحكام، وحفظ حدود دار
الإسلام وإنصاف المظلوم من الظالم، إذ الإخلال بهذه الأمور مخل بالغرض من نصب الإمام كذا
فى "شرح العقائد" (ص: ١٨٠). وفى"الدر" فى باب الإمامة هى صغيري وكبري، فالكبرى
استحقاق تصرف عام على الأنام ونصبه من أهم الواجبات، ويشترط كونه مسلما حرا ذكرا عاقلا
بالغا قادرا قرشيا، لا هاشميا علويا معصوما وتصح سلطنة متغلب للضرورة اهـ. قال ابن عابدين:
قوله: "قادرا" أى على تنفيذ الأحكام وإنصاف المظلوم من الظالم، وسد الثغور، وحماية البيضة
وحفظ حدود الإسلام وجر العساكر اهـ (٥٧٢:١).
قلت: فلو بايع العلماء أو جماعة من المسلمين رجلا لا يقدر على سد الثغور وحماية البيضة
وجر العساكر وتنفيذ الأحكام بشوكته وبأسه ولا على إنصاف المظلوم من الظالم بقدرته وسطوته
لا يكون ذلك أميرا ولا إمامًا، وإنما هو بمنزلة الحكم ومبايعة الناس له منزلة التحكيم ولا يجدى
تسميته إماما أو أميرا فى القراطيس وأفواه الناس فإن مدار الإمارة والإمامة على القوة والقدرة دون
التسمية والشهرة فقط، فلا يجب على عامة المسلمين مبايعته ولا إطاعة أحكامه، ولا الجهاد معه.

٦٠
فرضية الجهاد ودوامه مع كل أمير بر أو فاجر
إعلاء السنن
"العزيزى (٢٠٠:٢): رواته ثقات لكن فيه انقطاع اهـ. قلت: ولكن سكوت أبى داود
عنه يشعر بصلاحيته للاحتجاج. فلعله عرف بأن الواسطة بينهما ثقة.
٣٧٨٣- ويؤيده حديث عمرو بن النعمان عند الشيخين ((إن الله ليؤيد هذا الدين
بالرجل الفاجر)» العزيزى (٣٧٣٠١).
ولا يسقط بمبايعة مثله واجب نصب الإمام عن ذمة المسلمين، بل عليهم أن يلتمسوالمهم واليا قادرا
بالقدرة التى مر ذكرها.
قال الموفق فى "المغنى": وأمر الجهاد موكول إلى الإمام واجتهاده، ويلزم الرعية طاعته فيما
يراه من ذلك، وينبغى أن يبتدئ بترتيب قوم فى أطراف البلاد يكفون من بازاءهم من المشركين،
ويأمر بعمل حصونهم وحفر خنادقهم، وجميع مصالحهم، ويؤمر فى كل ناحية أميرا يقلده أمر
الجروب، وتدبير الجهاد، ويكون ممن له رأى وعقل ونجدة وبصر بالحرب وسكليدة العدو، ويكون
فيه أمانة ورفق ونصح للمسلمين، وإنما يبدأ بذلك لأنه لا يأمن عليها من المشركين، ويغزو كل قوم
من يليهم إلا أن يكون فى بعض الجهات من لا يفئ به من يليه فينقل إليهم قوم من آخرين، ويتقدم
إلى من يؤمره أن لا يحسل المسلمين على مهلكة ولا يأمرهم بدخول مطمورة يخاف أن يقتلوا تحتها
فإن فعل ذلك فقد أساء، ويستغفر الله تعالى، فإن عدم الإمام (أى مات) لم يؤخر الجهاد، لأن
مصلحته: تفوت بتأخيره، وإن حصلت غنيمة قسمها أهلها على موجب الشرع، قال القاضى:
ويؤخر قسمة الإماء حتى يظهر إمام احتياطا للفروج، فإن بحث الإمام جيشا وأمر عليهم أميرا فقتل
أومات فللجيش أن يؤمروالأحدهم، كما فعل أصحاب للنبى مح طه فى جيش موقة، لماقتل، أمراؤهم
الذين أمرهم النبى : أمر وا عليهم خالد بن الوليد، فبلغ النبى مثله فرضى أمزهم وصوب رأيهم
وسمى خالدا يومئذ سيف الله اهد (٣٨٤:١٠).
ونفيه أيضا: ويغزى مع كل بر وفاجر يعنى مع كل إمام تقال أبو عبد الله: وسئل عن الرجل
يقول: أنا لا أغزو ويأخذه ولد العباس إنديوفر الفيئ عليهم فقال: سبحان الله } هؤلاء قوم سوء
هؤلاء القعدة منبطون جهال فيقال: أرأيتم لو أن الناس كلهم قعدوا كمما قعدتم من كان يغزو؟ أ
ليس كان قد ذهب الإسلام؟ ما كانت تصنع الروم؟ قال أحمد: فإن كان القائديعزف بشرب
الخمر والغلول يغزى معه، إنما ذلك فى نفسه، ويروى عن النبى من له: ((إن الله ليؤيد هذا الدين
بالرجل الفاجرة اهـ (٣٧١:٤).

٧
ج - ١٢
فرضية الجهاد ودوامه مع كل أمير بر أو فاجر
٣٧٨٤٠- عن أبى هريرة مرفوعًا: ((من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات
على شعبة من نفاق)) أخرجه الحاكم فى "مستدركه" (٧٩:٢) وصححه على شرط
مسلم وأقره عليه الذهبى فى "تلخيصه".
٣٧٨٥- وفى رواية له- وفى سنده إسماعيل بن رافع مختلف فيه -: قال رسول
اللّه عَ لَله: «من لقى الله بغير أثر من الجهاد لقيه وفيه ثلمة)).
٣٧٨٦- عن أنس مرفوعًا: ((جاهدوا المشركين بأموالكم وأيديكم وألسنتكم))
رواه أحمد وأبو داود والنسائى، وفى "النيل" (١١٥:٧ و١١٦): سكت عنه أبو داود
والمنذری، ورجاله رجال الصحيح، وصححه النسائی اهـ.
قوله: "عن أبى هريرة إلخ" قلت: دلالته على ما فيه ظاهرة وليتنبه المؤمن لهذا فلا يترك نفسه
عن التحديث بالغزو والجهاد فى سبيل الله.
قوله: "عن أنس رضى الله عنه إلخ" قال فى "النيل" نقلا عن الحافظ فى "الفتح": الجهاد
بالكسر أصله لغة: المشقة يقال: جناهدت جهادا أى بلغت المشقة. وشرعا: بذل الجهد فى قتال
الكفار. ويطلق أيضا على مجاهدة النفس والشبطان والفساق. فأما مجاهدة النفس فعلى تعلم أمور
الدين، ثم على العمل بها ثم على تعليمها وأما مجاهدة الشيطان فعلى دفع ما يأتى به من الشبهات
وما يزينه من الشهوات، وأما مجاهدة الكفار فتقع باليد والمال واللسان والقلب، وأما الفساق فباليد
.ثم اللسان ثم القلب.
افتراض الجهاد عينا أو كفاية:
ثم قال: واختلف فى جهاد الكفار هل كان أولا فرض عين أو كفاية؟ ثم قال فى باب
وجوب النفير: فيه قولان مشهوران للعلماء، وهما فى مذهب الشافعى وقال الماوردى: كان عينا
على المهاجرين دون غيرهم، ويؤيده وجوب الهجرة قبل الفتح فى حق كل من أسلم إلى المدينة
لنصر الإسلام. وقال السهلى: كان عينا على الأنصار دون غيرهم، ويؤيده مبايعتهم النبى معَ له ليلة
العقبة على أن يؤووا رسول الله مع له وينصروه فيخرج من قولهما أنه كان عينا على الطائفتين كفاية
فى حق غيرهم، ومع ذلك فليس فى حق الطائفتين على التعميم بل فى حق الأنصار إذا طرق المدينة
طارق، وفى حق المهاجرين إذا أريد قتال أحد من الكفار ابتداء، وقيل: كان عينا فى الغزوة التى
يخرج فيها النبى عَ لِّ دون غيرها.
والتحقيق: أنه كان عينا على من عينه النبى معَّه فى حقه وإن لم يخرج، وأما بعده ما له

٨
فرضية الجهاد ودوامه مع كل أميز بر أو فاجر
إعلاء السنن
٣٧٨٧٠ عن أبى سعيد مرفوعًا: ((من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم
يستطع فباستانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)) رواه مسلم وغيره
العزيزى (٣٣٤:٣)
فهو فرض كفاية على المشهور، إلا أن تدعو الحاجة كأن يدهم العدو، ويتعين (١) على من عينه
الإمام. ويتأدى فرض الكفاية بفعله فى السنة مرة عند الجمهور. ومن حججهم أن الجزية تجب بدلا
عنه ولا تجب فى السنة أكثر من مرة اتفاقا، فليكن بدلها كذلك، وقيل: يجب كلما أمر وهو قوى.
قال: والتحقيق أن جنس جهاد الكفار متعين على كل مسلم، إما بيده وإما بلسانه وإما بماله وإما
بقلبه انتهى (١٤:٧). قلت: ولم يقل أحد إنه أى قتال الكفار يجب بدون الإمام، فثبت أن وجوب
الجهاد باليد مشروط بوجوده فافهم.
قوله: "عن أبى سعيد رضى الله عنه إلخ" قلت: والمراد بالاستطاعة الشرعية دون اللغوية،
ويتضح الفرق بينهما بمثال: مريض قد أجنب وهو واجد الماء قادر على الاغتسال، ولكنه يخاف
على نفسه الهلاك أو ازدياد المرض بالاغتسال، فهو مستطيع للغسل لغة غير مستطيع له شرعا،
ويجوز بل يجب عليه الترخص بالتيمم، فالاستطاعة الشرعية هى القدرة على الفعل مع الأمن
عن ترتب فتنة وخطر لا يتمكن من مقاومتهما ومدافعتهما عليه عادة ودليل ذلك قوله عبد له. فإن
لم يستطع فبقلبه بعد قوله: فإن لم يستطع فبلسانه. فإن الاستطاعة اللغوية باللسان حاصلة لكل
متكلم فى كل وقت فلا يصح نفيها لما لا يخفى أن إطلاق اللسان لا يعجز عنه متكلم قط فعلم به
أن المراد الاستطاعة الشرعية دون اللغوية.
وأما قوله: فبقلبه، فمعناه إن لم يستطع التغيير بلسانه بأن خاف ضررا فليغيره بقلبه، أى
فالواجب إنكاره بقلبه بأن يكرهه به ويعزم على تغييره إن قدر، كذا فى "العزيزى" (٣٣٤:٣).
وإن كان صاحب همة وتصرف بالقلب كبعض الصوفية من أصحاب النفوس القدسية فهل عليه
أن يغير المنكر بهمته؟ والظاهر أن لا، لعدم دليل عليه وسكوت الفقهاء عنه، والله تعالى أعلم.
ولا يذهب عليك أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إنما هو من باب مجاهدة الفساق من
المسلمين لأ من باب مجاهدة الكفار والمشركين(٢) بدليل ما رواه مسلم عن ابن مسعود أن رسول
(١) فلو عين على جميع أهل الإسلام لزمهم شرقا وغربا كما ذكره الفقهاء.
٢١٠) وسيأتى ما يدل على ذلك من كلام الفقهاء.

٩
فرضية الجهاد ودوامه مع كل أمير بر أو فاجر
ج - ١٢
اللّهَ عَ ◌ّ قال: ((ما من نبى بعثه الله تعالى فى أمة قبلى إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب
يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما
لا يؤمرون، قمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه
فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل الهـ)) (٥٢:١).
وأما الكفار المعاهدون وغيرهم بالأولى، فلا يدعون إلا إلى الإسلام وحده، ولا يجب علينا
نهيهم عن المنكرات إذا لم يخالفوا العهد الذى بيننا وبينهم، فإن الكفر والشرك فوق كل منكر،
وإذا أقررناهم على ما يدينون فقد أقررناهم على كل منكر ما لم يخالفوا العهد، فإن الكفار ليسوا
بمخاطبين بالشرائع ما داموا على كفرهم، وقد زل فى هذا المقام أقدام بعض العلماء من المعاصرين؛
فقاموا يأمرون الكفار بالمعروف وينهونهم عن المنكر من غير أن يدعوهم إلى الإسلام، وجعلوه من
الواجبات على المسلمين واستدلوا بحديث أبى سعيد هذا ونحوه من قوله معد لة: ((أفضل الجهاد
كلمة حق عند سلطان أو أمير جائر)) (١) وقوله عّ ل: ((سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل
قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله)) رواه الحاكم وصححه اهـ. فجعلوا لفظ السلطان والإمام عاما
للكافر والمسلم، وإلى الله المشتكى من التحريف الذى ارتكبوه، فإن وصف الجائر ينادى بكون
المراد منه الإمام المسلم الحائد عن الطريق المستقيم، والكافر لا يوصف بالإمام والسلطان على لسان
الشارع عَ لّ أبدا. والجهاد اللسانى على الكفار ليس إلا بإدخاض حججهم الباطلة ورد إيراداتهم
الزائلة عامة أو يهجوهم وهجو دينهم إن كانوا من أهل الحرب خاصة أو بالدعاء عليهم بالقنوت
فى الصلوات وبإقناع اليدين دبر المكتوبات.
هذا؛ ولنذكر بعض ما يتعلق من الأمر بالمعروف من القوائد قال النووى فى شرح مسم
(٥١:١). ثم إنه إنما يأمر وينهى من كان عالما بما يأمر به وينهى عنه، وذلك يختلف باختلاف
الشىء فإن كان من الواجبات الظاهرة والمحرمات المشهورة كالصلاة والصيام والزنا والخمر ونحوها
فكل المسلمين علماء بها، وإن كان من دقائق الأفعال والأقوال ومما يتعلق بالاجتهاد ولم يكن للعوام
مدخل فيه ولا لهم إنكاره بل ذلك للعلماء، ثم العلماء إنما ينكرون ما أجمع عليه. أما المختلف فيه
فلا إنكار فيه، لأن على أحد المذهبين كلّ مجتهد مصيب. وهذا هو المختار عند كثير من المحققين
(١) رواه أبو داود والترمذى، وحسنه كما فى الترغيب (ص: ٤٠٥).

١
فرضية الجهاد ودوامه مع كل أمير بر أو فاجر
إعلاء السنن
أو أكثرهم. وعلى المذهب الآخر المصيب واحد، والمخطئ غير متعين لنا، والإثم مرفوع عنه، لكن
إن ندبه على جهة النصحية إلى الخروج من الخلاف فهو حسن محبوب مندوب إلى فعله، فإن
العلماء متفقون على الحث على الخروج من الخلاف إذا لم يلزم منه إخلال بسنة، أو وقوع فى
خلاف آخر، وينبغى للآمر بالمعروف والناهى عن المنكر أن يرفق ليكون أقرب إلى تحصيل المطلوب.
فقد قال الإمام الشافعى رحمه الله تعالى: "من وعظ أخاه سرا فقد نصحه وزانه، ومن وعظه
علانية فقد فضحه وشانه". وقال القاضى عياض: "هذا الحديث (أى حديث أبى سعيد) أصل فى
صفة التغيير فحق المغير أن يغيره بكل وجه أمكنه زواله به قولا كان أو فعلا فيكسر آلات الباطل
ويريق المسكر بنفسه، أو يأمر من يفعله، وينزع الغصوب ويردها إلى أصحابها بنفسه، أو بأمره إذا
أمكنه. ويرفق فى التغيير جهده بالجاهل وبذى العزة الظالم الخوف شره، إذ ذلك أدعى إلى قبول
قوله كما يستحب أن يكون متولى ذلك من أهل الصلاح والفضل لهذا المعنى، ويغلظ على
المتمادى فى غيه والمسرف فى بطالته إذا أمن أن يؤثر إغلاظه أشد مما غيره. فإن غلب على ظنه أن
تغييره يسبب منكرا أشد منه من قتله، أو قتل غيره بسببه كف يده، واقتصر على القول باللسان
والوعظ والتخويف. فإن خاف أن يسبب قوله مثل ذلك غير بقلبه، وكان فى سعة. وهذا هو المراد
بالحديث إن شاء الله تعالى. وهذا هو فقه المسألة وصواب العمل فيها عند العلماء المحققين خلافا لمن
رأى الإنكار بالتصريح بكل حال وإن قتل ونيل منه بكل أذى هذا آخر كلام القاضى. قال النووى:
وأما حديث ابن مسعود: ((فاصبروا حتى تلقونى على الحوض)). فقوله: "اصبروا" أى حيث يلزم
من ذلك سفك الدماء، أو إثارة الفتنة، ونحو ذلك. وما ورد فى هذا الحديث من الحث على جهاد
المبطلين باليد واللسان، فذلك حيث لا يلزم منه إثارة فتنة. قال إمام الحرمين: ويسوغ لآحاد الرعية
أن يصد مرتكب الكبيرة إن لم يندفع عنها بقوله، ما لم ينته العمل إلى نصب قتال وشهر سلاح.
فإن انتهى الأمر إلى ذلك ربط الأمر بالسلطان. قال: وإذا جار والى الوقت وظهر ظلمه وغثمه
ولم ينزجر عن سوء صنيعه بالقول، فلأهل الحل والعقد التواطؤ على خلعه ولو بشهر الأسلحة
ونصب الحروب" هذا كلام إمام الحرمين. وهذا الذى ذكره من خلعه غريب ومع هذا فهو محمول
على ما إذا لم يخف منه إثارة مفسدة أعظم منه. قال: وليس للآمر بالمعروف بالبحث والتنقير
والتجسس واقتحام الدور بالظنون، بل إن عثر على منكر غيره قال الماوردى: إلا أن يغلب على ظنه
استسرار قوم بالمحرمات، ويكون فى ذلك انتهاك حرمة يفوت استدراكها مثل أن يخبره من يثق

١١٠٠
ج - ١٢
٣٧٨٨- عن سهل بن أبى أمامة بن سهل عن أبيه عن جده مرفوعًا: ((من سأل الله
الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه)) أخرجه الحاكم وصححه
على شرط الشيخين وأقره عليه الذهبى.
٣٧٨٩ - وفى لفظ له عن أنس مرفوعًا -وصححه الذهبى على شرطه ما: ((من
سأل الله القتل فى سبيل الله صادقًا ثم مات أعطاه الله أجر شهيد)) اهـ.
باب وجوب الجهاد عينا على من استنفرهم الإمام فإن كان
نفير العامة وجب على جميع أهل الإسلام
٣٧٩٠٠ - عن ابن عباس رضى الله عنهما أن النبى عّ لّه قال يوم الفتح: ((لا هجرة
: بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا)) رواه البخارى (٣١٦:١).
بصدقه أن رجلا خلا برجل ليقتله، أو بامرأة ليزنى بها، فيجوز له فى مثل هذا الحال أن يتجسس،
ويقدم على الكشف والبحث حذرا من فوات ما لا يستدرك. وكذا لو عرف ذلك غير المحتسب من
المتطوعة جاز لهم الإقدام على الكشف والإنكار اهـ"، وبسطت الكلام فى هذا المقام لعظم فائدته
وكثرة الحاجة إليه، وكونه من أعظم قواعد الإسلام والعلم عند الله الملك العلام.
قوله: "عن سهل إلخ" قلت: فيه ما يبلغ به الضعفاء العلاء، وينالون به منازل الشهداء فلا
ينبغى لمؤمن أن يغفل عنه. اللهم ارزقنى شهادة فى سبيلك، واجعل موتى ببلد رسولك صلى الله
عليه وآله وأصحابه وسلم آمين آمين آمين.
باب وجوب الجهاد عينا على من استنفرهم الإمام فإن كان
نفير العامة وجب على جميع أهل الإسلام
قوله: "عن ابن عباس إلخ". قال فى "الجامع الصغير": الجهاد واجب، إلا أن المسلمين فى
(سعة حتى يحتاج إليهم": قال صاحب الهداية: "فأول هذا الكلام إشارة إلى الوجوب على
الكفاية، وآخره إلى النفير العام. وهذا لأن المقصود عند ذلك لا يتحصل إلا بإقامة الكل فيفترض
على الكل انتهى. (٥٣٩:٢).
قلت: وفى قوله عَّه: ((ولكن جهادونية)) دلالة على وجوب الجهاد، وإرادته على الكفاية.
وفى قوله: ((وإذا استنفرتم فانفروا)) على وجوبه عينا وقت النفير، ولكن لا يكون فرض عين إلا على
من استنفرهم الإمام، وإن استنفر جميع أهل الإسلام وجب على جميعهم شرقاً وغربا. وكذا لو

١٢
و جوب الجهاد عينا
إعلاء السنن
٣٧٩١- عن عكرمة عن ابن عباس قال: ﴿إِلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما وما كان
لأهل المدينة) إلى قوله- ﴿يعملون﴾ نسختها الآية التى تليها: ﴿وما كان
المؤمنون لينفروا كافة﴾ رواه أبو داود وسكت عنه هو والمنذرى وإسناده ثقات إلا على
ابن الحسين بن واقد، وفيه مقال وهو صدوق وحسنه الحافظ فى "الفتح اهـ (نيل
الأوطار ١١/٠٧)
عجز من استنفرهم الإمام أو تكاسلوا، ولم يجاهدوا فإنه يفترض على من يليهم فرض عين. وهكذا
إلى أن يفترض على جميع أهل الإسلام كذا فى "حاشية الهداية" نقلا عن " الكفاية" (٥٣٩:٢)
ودليل ذلك كله قوله عَ ◌ّة: ((وإذا استنفرتم فأنفروا)) فإنه يدل على أن مدار الوجوب عينا على
النفير، إن خاصا فخاص، وإن عاما فعام.
بقى أن النفير إذا كان عاماً فهل يجب الجهاد عينا على المسلمين المقيمين بدار الحرب أيضا أم
لا؟ والظاهر أن المخاطب بقوله عّ لّه: ((وإذا استنفرتم فانفروا)) أهل دار الإسلام لا غيرهم، وهذا هو
المراد يقول الفقهاء: وهكذا إلى أن يفترض على جميع أهل الإسلام شرفا وغربا فتأمل! وحرر فإنى
لم أره صريحا. نعم إذا طلب الإمام منهم الهجرة إلى دار الإسلام لتقوية سلطانه وجبت عليهم
الهجرة إذا قدروا عليها وسيأتى بيان ذلك فى باب الهجرة إن شاء الله تعالى.
قوله: "عن عكرمة إلخ". وبيان ذلك أن قوله تعالى: ﴿إِلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما﴾
وقوله: ﴿انفروا خفافا وثقالا﴾ وقوله: ﴿ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا
عن رسول الله﴾، الآية يفيد بظاهر عمومه وجوب الجهاد عينا على جميع المسلمين كلما خرج
الإمام له، فنسخته الآية التى تليها ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة، فلولا نفر من كل فرقة مشهم
طائفة ليتفقهوا فى الدين﴾ فبينت أنه لا يجب الخروج للجهاد على جميع المسلمين إذا خرج الإمام
له، بل إنما يجب على من استنفرهم خاصة، لأن فى اشتغال الكل به قطع مادة الجهاد من الكراع
والسلاح، وإعداد القوة فيجب على الكفاية إذا قام به فريق من الناس سقط عن الباقين. قال الحافظ
فى الفتح: وقد روى الطبرى من رواية أبى الضحى قال: أول ما نزل من براءة ﴿انفروا خفافا
وثقالا﴾، وقد فهم بعض الصحابة من هذا الأمر العموم، فلم يكونوا يتخلفون عن الغزو حتى ماتوا،
منهم أبو أيوب الأنصارى، والمقداد بن الأسود، وغيرهم. قال الطبرى: يجوز أن يكون قوله تعالى:
﴿إِلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما﴾ خاصا والمراد به من استنفره رسول الله عَ ◌ّ فامتنع. وأخرج عن
الحسن البصرى وعكرمة أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾. ثم تعقب

١٣
ج - ١٢
باب وجوب الاستئذان من الموالى والأبوين إذا لم يتعين عليه الجهاد
٣٧٩٢ - عن الحارث بن عبد الله بن أبى ربيعة أن رسول الله عرب: كان فى بعض
مغازيه فمر بأناس من مزينة، فاتبعه عبد لامرأة منهم، فلما كان فى بعض الطريق سلم
دك؟ قال: أجاهد معك. قال: أذنت لك
عليه فقال: فلان؟ قال: نعم! قال:
سيدتك؟ قال: لا! قال: ارجع إليها فأخبرها فإن مثلك مثل عبد لا يصلى إن مت قبل أن
ترجع إليها، واقرأ عليها السلام، فرجع إليها فأخبرها الخبر فقالت: الله هو أمرك أن تقرأ
على السلام؟ قال نعم! قالت: ارجع فجاهد معه. أخرجه الحاكم فى مستدر كه وقال
صحيح الإسناد، وأقره الذهبى (:١١٥).
٣٧٩٣ - عن جابر أن عبدا قدم على النبى عيّة، فبايعه على الجهاد والإسلام،
فقدم صاحبه فأخبره أنه مملوك، فاشتراه (النبى) عَ ◌ّ منه بعبدين، فكان بعد ذلك إذا
أتاه من لا يعرفه ليبايعه سأله أخر هو أم عبد؟ فإن قال: حر بايعه على الإسلام والجهاد،
وإن قال: مملوك بايعه على الإسلام دون الجهاد)). رواه النسائي كذا فى التلخيص
الجبير (٣٦٦:٢)
٣٧٩٤ - عن عبد الله بن عمرو يقول: جاء رجل إلى النبى عد ◌ّ فاستأذنه فى
ذلك، والذى يظهر أنها مخصوصة وليست بمنسوخة والله أعلم انتهى. (٢٨٠٦). قلت: وقد مر
غير مرة أن النسخ فى اصطلاح السلف ليس بمختص ببيان التبديل كما هو فى مصطلح المتأخرين،
بل يعمه وبيان التغيير والتفسير وغيره. وحينئذ فلا إشكال فى قول ابن عباس والحسن وعكرمة
جميع المسلمين ظاهرة، بل إنما يكون
فافهم، ودلالة الحديث على أن الجهاد ليس بواجب عينا
كذلك إذا جاء النفير من الإمام (أو هجم العدو على بلد) كما مر فى الحديث الأول والله أعلم.
باب وجوب الاستيذان من الموالى والأبوين إذا لم يتعين عليه الجهاد
قوله: "عن الحارث وقوله:" عن جابر إلخ قلت: دلالتهما على أن العبد لا يستبد بالجهاد
من غير إذن مولاه ظاهرة. وهذا إذا كان الجهاد فرضا على الكفاية وأما إذا كان فرضا على العين فلا
حاجة إلى ذلك بدليل ما سيأتى.
قوله: عن عبد الله بن عمرو إلخ، دلالته على اشتراط إذن الأبوين ظاهرة ويؤخذ منه أن كل
شىء يتعب النفس يسمى جهاداً. وفى الحديث ((المجاهد من جاهد نفسه والمهاجر من هجر ما نهى

١٤
وجوب الاستيذان من الموالى والأبوين إذا لم يتعين عليه الجهاد
إعلاء السنن ...
الجهاد فقال: أحى والداك؟ قال: نعم، قال: ففيهما (١) فجاهد! رواه البخارى (٤٦١:١).
٣٧٩٥ - وفى حديث أبى سعيد عند أبى داود وصححه ابن حبان: ((ارجع
فاستأذنهما، فإن أذنا لك فجاهد وإلا فبرهما)» (فتح البارى ٩٨:٦).
٣٧٩٦- عن عبد الله بن عمرو أيضا: جاء رجل إلى النبى معَّ له فسأله عن أفضل
الأعمال قال: ((الصلاة)) قال: ثم مه؟ قال: ((الجهاد)) قال: فإن لى والدين، فقال: ((آمرك.
بوالديك خيرا، فقال: والذى بعثك بالحق نبيا لأجاهدن، ولأتر كنهما، قال: ((فأنت
أعلم)). أخرجه ابن حبان وسكت عنه الحافظ فى الفتح (٩٨:٦) فهو حسن أو صحيح.
الله عنه)) الحديث. وقد تقدم فى أبواب الإمامة قال الحافظ فى "الفتح": واستدل به على تحريم
السفر بغير إذن، لأن الجهاد إذا منع مع فضيلته فالسفر المباح أولى، نعم! إن كان سفره لتعلم فرض.
عين حيث يتعين السفر طريقا إليه بلا منع، وإن كان فرض كفاية ففيه خلاف. وفى الحديث فضل
بر الوالدين وتعظيم حقهما، وكثرة الثواب على برهما.
قوله: عن عبد الله بن عمرو أيضا إلخ. قال الحافظ فى "الفتح": قال جمهور العلماء: يحرم
الجهاد إذا منع الأبوان، أو أحدهما بشرط أن يكونا مسلمين، لأن برهما فرض عين، والجهاد فرض
كفاية فإذا تعين الجهاد فلا إذن. ويشهد له ما أخرجه ابن حبان، فذكر حديث المتن. ثم قال: وهو
محمول على جهاد فرض العين توفيقا بين الحديثين، وهل يلحق الجد والجدة بالأبوين فى ذلك؟
الأصح عند الشافعية نعم اهـ (٩٨:٦) قلت: وكذا عند الحنفية، وقد خالفوا الشافعية فى اشتراط
الإسلام فى الأبوين، بل الحكم عام للكافر أيضا إذا كره خروجه مخافة ومشقة، وإلا بل لكراهة
قتال أهل دينه، فلا يطيعه ما لم يخف علیه الضيعة، إذ لو کان معسرا محتاجا إلى خدمته فرضت ..
عليه ولو كان كافرا. وليس من الصواب ترك فرض عين ليتواصل إلى فرض كفاية اهمن "رد.
المحتار" (٣٣٩:٣). قلت: ودليلهم عموم قوله عّ لّه: أحى والداك؟ وكثير من النصوص الآمرة بين
الوالدين عام المسلمين والكافرين جمعا، قال فى الهداية: "ولا يجب الجهاد على الصبى لأنه مظنة
المرحمة، ولا عبد ولا امرأة لتقدم حق المولى والزوج، ولا أعمى ولا مقعد ولا أقطع لعجزهم. فإن
(١) قال العينى: الجار والمجرور متعلق بمقدر، وهو جاهد، ولفظ جاهد المذكور مفسر له، لأن ما بعد الغاء الجزائية لا يعمل
فيما قبلها اهـ. قلت: وليس فيه التعبير عن الشىء بضده، كما فهمه الحافظ، فإن الجهاد إذا كان صلته"فى" لا يستعمل فى.
إيصال الضرر. فقد قال تعالى: ﴿وجاهدوا فى الله حق جهاده﴾، فافهم.

١٥
ج - ١٢
٣٧٩٧- عن عمران وعن الحكم بن عمرو الغفارى مرفوعًا: ((لا طاعة لمخلوق فى
معصية الخالق)) رواه الإمام أحمد فى "مسنده" والحاكم فى "مستدركه" وإسناده
حسن، العزيزى (٤٣٨:٣).
باب جواز الجعل عند الضرورة
٣٧٩٨- حدثنا حفص بن غياث عن عاصم عن أبى مجلز قال: كان عمر يغزى
العوب ويأخذ فرس المقيم فيعطيه المسافر، رواه ابن أبى شيبة فى "مصنفه" (زيلعى
١١٣:٢). قلت: رجاله كلهم ثقات إلا أنه منقطع فإن أبا مجلز لم يسمع من عمر
والانقطاع لا يضرنا ..
هجم العدو على بلد وجب على جميع الناس الدفع، تخرج المراءة بغير إذن زوجها، والعبد بغير
إذن المولى لأنه صار فرض عين وملك اليمين ورق النكاح لا يظهر فى حق فروض الأعيان، كما
فى الصلاة والصوم. بخلاف ما قبل النفير لأن بغيرهما مقنعا اهـ. (٥٣٩:٢).
قوله: "عن عمران إلخ" فيه دلالة على أنه لا حاجة إلى إذن الوالدين، إذا كان الجهاد فرض
عين، وإن منعاه عنه فلا طاعة لهما، وهو ظاهر.
باب جواز الجعل عند الضرورة
قال فى "الهداية" (٥٣٩:٢): ويكره ما دام للمسلمين فىء لأنه يشبه الأجر، ولا ضرورة
إليه، لأن بيت المال معد لنوائب المسلمين، فإذا لم يكن، فلا بأس بأن يقوى بعضهم بعضا، لأن فيه
دفع الضرر الأعلى بإلحاق الأدنى. يؤيده ((أن النبى معَّ لّ أخذ دروعا من صفوان)) اهـ.
وفى الحاشية عن العينى: "الجعل" بضم الجيم وسكون العين، هو ما جعل من شىء للإنسان
على شىءٍ يفعله، والمراد ههنا ما ضربه الإمام على الناس للغزاة فى ما يحصل به التقوى، للخروج
إلى أن قال: ويكره مع ذلك أى ما دام فيئ للمسلمين، لأن الجهاد حق الله تعالى، ولا يجوز أخذ
الأجرة عليه، فإذا تمحض أجرة كان حراما، وإذا أشبه الأجرة كان إلى الحرام أقرب اهـ. قلت:
ويتمحض حراما فى مثل أن يقول الرجل من يشترى منى الغزو بكذا؟ أو يقول من يعطينى كذا
وأجاهد عنه؟ والجعل الذى يضربه الإمام على الناس.
إنما يشبه الأجرة إذا كان معناه: أن من أراد الخروج إلى الجهاد فليخرج، ومن أراد القعود
فليعط كذا وكذا لإعانة الغزاة، وإذا لم يكن كذلك بل بعث الإمام جماعة للجهاد من العساكر
والأفواج التى هى متعينة للقتال والدفاع من قبل، وألزم سائر الناس إعانتهم وتقويتهم بالمال من غير

١٦
جواز الجعل عند الضرورة
إعلاء السنن
٣٧٩٩- أخبرنا محمد بن عمر الواقدى ثنا قيس بن الربيع عن عاصم الأحول عن
أبى عثمان النهدى عن عمر بن الخطاب: ((أنه كان يغزى الأعزب عن ذى الجليلة ويغزى
الفارس عن القاعدة)). رواه ابن سعد فى "الطبقات" (زيلعى ١١٣:٢) قلت: الواقدى
مختلف فى الاحتجاج به فى الأحكام، وأما فى المغازى والسير فهو حجة. وقيس هذا
حسن الحديث كما مر غير مرة فالحديث حسن.
٣٨٠٠- عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله عبد الله قال: ((للغازى أجره، وللجاعل
أجره وأجر الغازى)). رواه أبو داود وسكت عنه هو والمنذرى، (عون المعبود ٣٢٣:٢).
جبر، بل ترغيبا محضا فليس ذلك من الأجرة فى شىء، بل هو من باب تجهيز الغازى كما حرض
رسول الله عّ لّ الأغنياء من الصحابة على تجهيز العسكر فى غزوة تبوك، وفى غيرها من الغزوات.
وقصة أخذ النبى عبّ دروعاً من صفوان أخرجها أبو داود فى البيوع، والنسائى فى العارية
(أن النبى عَبّة استعار منه دروعا يوم حنين، فقال: أغصب يا محمد؟ قال: بل عارية مضمونة)).
ورواه ابن حبان فى صحيحه عن قتادة عن عطاء عن صفوان بن يعلى بن أمية عن أبيه يعلى بن أمية
قال: قال رسول الله عَ له: ((إذا أتتك رسلى فأعطهم ثلاثين بعيرا، وثلاثين درعا. قال: قلت: أعارية
موداة يا رسول الله؟ قال: نعم): كذا فى "الزيلعي". (١١٢:٢). قلت: ودلالة أثر عمر رضى الله
عنه على الباب ظاهرة، لأن معنى يغزيه عنه ليس إلا أنه يأخذ الجهاز منه، وإلا فهو غاز عن نفسه
وإن أعطاه من بيت المال، كذا فى "فتح القدير" (١٩٥:٥). وقوله: "ويأخذ فرس المقيم، فيعطيه
"المسافر" فظاهر فى المسألة. والأثران عن عمر محمولان على الضرورة
قوله: عن عبد الله بن عمرو إلخ. قلت: قال ابن الملك: الجاعل من يدفع جعلا أى أجرة إلى
غاز ليغزو. وهذا عندنا صحيح، فيكون للغازى أجر سعيه وللجاعل أجران، أجر إعطاء المال فى
سبيل الله وأجر كونه سببا لغزو ذلك الغازى. ومنعه الشافعى وأوجب رده إن أخذه، ذكره القارئ،
كذا فى "عون المعبود" (٣٢٣:٢) قلت: ودلالته على جواز أخذ الجعل وإعطائه ظاهرة، من حيث
أن النبى معَّة مدح الجاعل ورغبه فيه، وذلك لا يكون إلا فيما كان جائزا لكن الجواز مقيد
بالضرورة كأن يكون الغازى معسرا محتاجا إلى نفقة أهله يخاف عليهم الضياع بخروجه إلى
الغزو فيقول له آخر: أعطيك كذا وكذا، فجاهد فى سبيل الله، أو ينادى منادٍ بأن من خرج إلى
الجهاد أعطيه كذا فيأخذه من كان محتاجا إليه لنفقة أهله من بعده أو للزاد والراحلة فلا بأس، ومن
كان غنياً فليستعفف، لأنه يشبه الأجرة. ويؤيد ما قلنا ما أخرجه أبو داود فى"مراسيله" والبيهقى

ج - ١٢
جواز الجعل عند الضرورة
١٧
2
٣٨٠١- عن ابن سيرين عن ابن عمر قال: ((يمنع القاعد الغازى بما شاء، فأما إنه
يبيع غزوه فلا))، ومن وجه آخر عن ابن سيرين سئل ابن عمر عن الجعائل فكره هوقال:
((أرى الغازى يبيع غزوه، والجاعل يفر من غزوه)). رواه عبد الرزاق قاله الحافظ فى
"الفتح" (٨٧:٦). وهو حسن أو صحيح على قاعدته.
٣٨٠٢- سحنون عن الوليد أخبرنى أبو بكر عن عبد الله ابن أبى مريم عن عطية
ابن قيس الكلابى، قال: ((خرج على الناس بعث فى زمن عمر بن الخطاب، غرم فيه
القاعدة مائة دينار)). "المدونة" لمالك (٤٠٥:١). قلت: وهذا سند حسن وأبو بكر
أحسبه ابن عباس.
فى "سننه"، عن جبير بن نفير قال: قال رسول الله عَّ له، مثل الذين يغزون من أمتى ويأخذون(١)
الجعل يتقوون به على عدوهم، مثل أم موسى ترضع ولدها وتأخذ أجرها)). كذا فى "العزيزى"
(٢٧٧:١). فقوله "يتقوون به على عدوهم" يشعر بأخذهم الجعل للحاجة لا لطمع فى المال
وجمعه وتكثيره، والفارق أن من يأخذ للحاجة يشتاق قلبه إلى الجهاد أولا وإلى الجعل ثانيا، لعدم
وصوله إلى الجهاد بدونه، ومن يأخذه للطمع يشتاق إلى المال أو لا ويريد الغزو ثانيا، فافهم.
قوله: عن ابن سيرين إلخ. قلت: فيه كراهة أخذ الجعل على غزو، إذا كان على وجه البيع
والشراء، وأما إن كان على وجه الإعانة والاستعانة فلا كراهة. ودلالة الأثر على ذلك كله ظاهرة،
وهذا هو مذهب الحنفية فى الباب كما مر. قال الحافظ فى "الفتح": الجعائل جمع جعيلة. وهى ما
يجعله القاعدة من الأجرة لمن يغزو عنه، قال ابن بطال: إن أخرج الرجل من ماله شيئًا فتطوع به، أو
أعان الغازى على غزوة بفرس ونحوها فلا نزاع فيه. وإنما اختلفوا فيما إذا آجر نفسه أو فرسه فى
الغزو فكره ذلك مالك، وكره أن يأخذ جعلا على أن يتقدم إلى الحصن وكره أصحاب أبى حنيفة
الجعائل إلا أن كان بالمسلمين ضعف وليس فى بيت المال شىء وقالوا: إن أعان بعضهم بعضا جاز
لا على وجه البدل اهـ (٨٧:٦).
قلت: واستدل بعض الناس على كراهة الجعل من غير حاجة بحديث يعلى بن أمية قال:
((أذن رسول الله عَّ ◌ُلّ بالغزو وأنا شيخ كبير، ليس لى خادم فالتمست أجيرا يكفينى، وأجرى له
سهمه فوجدت رجلا، فلما دنا الرحيل أتانى فقال: ما أدرى ماالسهمان؟ وما يبلغ سهمى؟ فسم لى
(١) قال المناوى: فالاستيجار على الغزو صحيح، وللغازى أجرته وثوابه اهـ. كذا فى العزيزى.

١٨
إعلاء السنن
كيفية القتال
باب الدعوة قبل القتال
٣٨٠٣- حدثنا سفيان الثورى عن ابن أبى نجيح عن أبيه عن ابن عباس قال: ((ما
قاتل رسول الله عَّ له قومًا حتى دعاهم)). رواه عبد الرزاق فى "مصنفه"، وكذلك رواه
شيئا كان السهم أو لم يكن؟ فسميت له ثلاثة دنانير، فلما حضرت غنيمة أردت أن أجرى له
سهمه فذكرت الدنانير، فجئت النبى معَّ فذكرت له أمره، فقال: ((ما أجد فى غزوته هذه فى
الدنيا والآخرة إلا دنانیرہ التى سمى)) رواه أبو داود وسكت عنه هو والمنذرى، كما فى "عون
المعبود" (٣٢٤:٢). وأخرجه الحاكم فى المستدرك أيضا قال: وفيه إنكار على أخذ الأجرة على
إعانة الغازى من حيث أنه لا جزاء له فى الآخرة، فيكون هذا حكم الغازى نفسه بالأولى اهـ.
قلت: ليس هذا من باب الجعل فى شىء بل هو من باب الإجارة على الخدمة، ولا شك أن
الإجارة والاستيجار على الخدمة جائز، سواء كانت خدمة الغازى أو غيره. وإنما قال عَ له: ((ما أجد
فى غزوته هذه فى الدنيا والآخرة إلا دنانيره التى سمى)) لأن الرجل لم يرد الغزو ولا الإعانة فيه،
وإنما أراد المال فقط، والأعمال بالنيات (وإنما لكل امرئ ما نوى) وفى الحديث دليل على أن أجير
الغازى لا يسهم له من الغنيمة إذا لم يقاتل وإذا قاتل يسهم له، لحديث سلمة: ((كنت أجيرا لطلحة
أسوس فرسه، أخرجه مسلم - وفيه- ((أن النبى معَّ أسهم له)) كذا فى "فتح البارى". (٨٨:٦).
-وفيه أيضا- وقال الثورى(١): "لا يسهم للأجير إلا أن قاتل. وأما الأجير إذا استوجر ليقاتل، فقال
المالكية والحنفية: "لا يسهم له" وقال الأكثر: "له سهمه". وقال أحمد: "لو استأجر الإمام قوما
على الغزو ولم يسهم لهم سوى الأجرة" وقال الشافعى: هذا فيمن لم يجب(٢) عليه الجهاد، أما
الحر البالغ المسلم إذا حضر الصف فإنه يتعين عليه الجهاد فيسهم له ولا يستحق الأجرة اهـ. قلت:
وقول الحنفية فى الأجير إذا استوجر ليقاتل كقول الشافعى. وفى المسألة كلام أبسط من هذا
موضعه باب الإسهام للأجير والتاجر، فانتظر.
باب الدعوة قبل القتال
قال المؤلف: دلالة الأحاديث الثلاثة الأول على وجوب الدعوة قبل القتال ظاهرة، لكن
(١) هو قول الحنفية أيضا كما فى "رد المحتار" (٣٦٣:٣).
(٢) كأهل الذمة.

١٩
الدعوة قبل القتال
الحاكم فى "المستدرك" فى كتاب الإيمان وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه
(زيلعى ١١٣:٢). وأخرجه الإمام أحمد وأبو يعلى والطبرانى ورجاله رجال الصحيح
كذا فى "النيل" (١٣٣:٧ و١٣٤).
٣٨٠٤ - أخبرنا عمر بن ذر عن يحيى بن إسحاق بن عبد الله بن أبى طلحة عن
على: ((أن النبى عَّه قاله حين بعثه ((لا تقاتل قوما حتى تدعوهم)). رواه عبد الرزاق فى
"مصنفه" (زيلعى ١٣٣:٢). ورجاله ثقات لكنه منقطع فإن يحبى لم يسمع عليا.
٣٨٠٥- عن فروة بن مسيك قال: ((قلت: يا رسول الله! أقاتل بمقبل قومى
مدبرهم؟ قال: نعم! فلما وليت دعانى فقال: لا تقاتلهم حتى تدعوهم إلى الإسلام)) رواه
أحمد وأخرجه أبو داود والترمذى وحسنه، "نيل الأوطار" (١٣٥:٧).
٣٨٠٦) عن ابن عوف قال: كتبت إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال، فكتب
إلى إنما كان ذلك فى أول الإسلام، وقد أغار رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم
على بنى المصطلق وهم غارون، وأنعامهم تسقى على الماء، فقتل مقاتلتهم وسبى
ذراريهم، وأصاب يومئذ(١) جويرية ابنة الحارث)) حدثنى به عبد الله بن عمر وكان فى
ذلك الجيش، متفق عليه، كذا فى "النيل" (١٣٥:٧).
الوجوب مقيد بما إذا لم تبلغهم الدعوة. أما إذا بلغتهم فلا وجوب حينئذ، وعليه يحمل الحديث
الرابع من الباب. ومعناه أن وجوب الدعوة كان فى أول الإسلام لعدم بلوغها الناس كلهم فإذا
بلغت قوما جاز قتاله قبل الدعوة كما فعله رسول الله عّ لّ يبنى المصطلق.
وفى "فتح القدير" (١٩٦:٥): عن المحيط بلوغ الدعوة حقيقة أو حكما بأن استفاض شرقا
وغربا أنهم إلى ماذا يدعون وعلى ماذا يقاتلون فأقيم ظهورها مقامها انتهى. ولا شك أن فى بلاد
الله تعالى من لا شعور له بهذا الأمر، فيجب أن المدار غلبة ظن أن هؤلاء لم تبلغهم الدعوة، فإذا
كانت بلغتهم لا تجب ولكن يستحب إلى أن قال - وأما الاستحباب فلأن التكرار قد يجدى،
المقصود فينعدم الضرر الأعلى، وقيد هذا الاستحباب بأن لا يتضمن ضررا، بأن يعلم بأنهم بالدعوة
يستعدون أو يحتالون أو يتحصنون. وغلبة الظن فى ذلك بما يظهر من أحوالهم كالعلم، بل هو
المراد وإذاً فحقيقته يتعذر الوقوف عليها اهـ". وقال الحافظ فى "الفتح": وهو أى حديث ابن عون
(١) قال فى "المنتقى": "وهو دليل على استرقاق العرب" اهـ. قلت: سيأتى الجواب عنه فى بابه، فانتظر.

٢٠
إعلاء السنن
باب ما يفعل بالعدو بعد الدعوة والنهى عن الغلول والغدر والمثلة
وقتل النساء والصبيان والشيوخ الفانية ونحوهم
٣٨٠٧- عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: ((كان رسول الله ◌َّه إذا أمر أميرًا
على جيش أو سرية أوصاه فى خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا ثم قال:
اغزوا بسم الله فى سبيل الله قاتلوا من كفر بالله اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا
تقتلوا وليدا وإذا لقيت عدوك من المشر کین، فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال، فأيتهن
محمول عند من يقول باشتراط الدعاء قبل القتال، على أنه بلغتهم الدعوة، وهى مسألة خلافية
فذهب طائفة منهم عمر بن عبد العزيز إلى اشتراط الدعاء إلى الإسلام قبل القتال، وذهب الأكثر
إلى أن ذلك كان فى بدأ الأمر قبل انتشار دعوة الإسلام، فإن وجد من لم تبلغه الدعوة لم يقاتل
حتى يدعى، نص عليه الشافعى. وقال مالك: من قربت داره قوتل بغير دعوة لاشتهار الإسلام،
ومن بعدت داره فالدعوة أقطع للشك. وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن أبى عثمان
النهدى أحد كبار التابعين قال: ((كنا ندعو وندع)). قلت: وهو منزل على الحالين المتقدمين اهـ
(٧٨:٦). قلت: وقد روى الشيخان عن على رضى الله عنه لما أعطاه النبى معَ ◌ّ الراية يوم خيبر
قال: ((نقاتلهم حتى يكونوا مثلنا، قال: على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام
وأخبرهم بما يجب عليهم، فو الله لأن يهدى بك رجل واحد خير لك من حمر النعم اهـ).
وفيه استحباب دعوة من بلغته الدعوة، فإن يهود خيبر كانوا أعرف الناس بنبينا عّ لّه وفى
"الدر": ((بقى لو بلغه الإسلام لا الجزية، ففى التاتر خانية لا ينبغى قتالهم حتى يدعوهم إلى الجزية،
نهر، خلافا لما نقله المصنف قال الشامى: أى لا يحل فى زماننا أيضا (حتى يدعوهم إلى الجزية)
خلافا لما نقله المصنف عن "الينابيع" من أن ذلك فى ابتداء الإسلام، وأما الآن فقد فاض واشتهر
فيكون الإمام مخيرا بين البعث إليهم وتركه اهـ". قال فى "الفتح": "ويجب أن المدار غلبة ظن أن
هؤلاء لم تبلغهم الدعوة اهـ" (٣٤٤:٣). قلت: وسيأتى فى الأحاديث ما يدل على وجوب الدعوة
إلى الجزية أيضا فانتظر.
باب ما يفعل بالعدو بعد الدعوة والنهى عن الغلول والغدر والمثلة
وقتل النساء والولدان والشيوخ الفانية ونحوهم
قوله: "عن سليمان بن بريدة إلخ" قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة، وفيه دلالة على
وجوب الدعوة إلى الجزية أيضا. وهو مقيد بما إذا لم تبلغهم إننا ندعو إلى الجزية بعد الدعاء إلى