النص المفهرس

صفحات 681-700

٦٨١
إعلاء السنن
باب من قذف الجلود فی حد فلا حد علیه ولکن یعزر
عبد الرزاق: عن معمر عن الزهرى عن ابن شعيب قال: إذا جلد الرجل فى حد ثم أونس
عنه نزله فعیره به إنسان نکل.
عبد الرزاق: عن ابن جريج عن عطاء قال: "على من أشاع الفاحشة نكل وإن صدق" وعن
الزهرى قال: "لو أن رجلا أصاب حدا فى الشرك ثم أسلم فعيره به رجل فى الإسلام نكل".
وعن يحيى بن سعيد الأنصارى قال: دخل رجلان على عمر بن عبد العزيز، فقال أحدهما:
إنه ولد زنا، فطأطأ الآخر رأسه، فقال عمر: ما يقول هذا؟ فسكت واعترف، فأمر عمر بالقائل له
ذلك، فلم یزل یجأ عنقه حتى خرج من الدار".
وقال ابن شهاب فى رجل قال لآخر: يا ابن الزانية. وكانت جدته قد زنت: أنه يحلف بالله
الذى لا إله إلا هو أنه لم يرد إلا جدته قد زنت أحدثت، ثم لا يكون عليه شىء. كله فى "المحلى"
(٢٨١:١١). أى وإن أراد أمه وهى محصنة لم تحدث جلد حد الفرية.
أخرج ابن حزم من طريق الحجاج بن المنهال: نا حماد بن سلمة عن يونس بن عبيد عن
حميد بن هلال: "أن رجلا شاتم رجلا، فقال: يا ابن شامة الوذر! يعنى ذكور الرجال فرفعه إلى
عمر، فسأل عن أم الرجل، فإذا هى قد تزوجت أزواجا، فدرأ عنها الحد" (المحلى ٢٧٧:١١).
باب من انتفی عن أبیه یعزرہ لا حد علیه
أخرج: ابن حزم من طريق موسى بن معاوية: نا وكيع نا المسعودى عن القاسم بن عبد
الرحمن: "أن أبا بكر الصديق رضى الله عنه أتى برجل انتفى عن أبيه، فقال أبو بكر: أضرب الرأس
فإن الشيطان فى الرأس" (المحلى ٢٨٢:١١). قلت: ضربه تعزيرا.
باب من قال لآخر: یا لو طى! فلا حد عليه
أخرج ابن حزم من طريق موسى بن معاوية: نا وكيع نا أبو هلال عن قتادة: أن رجلا قال
لأبى الأسود الدؤلى: يا لوطى! قال: يرحم الله لوطا".
وبه إلى أبى هلال عن عكرمة فى رجل قال لآخر: يا لوطى! قال عكرمة: "ليس عليه حد".
وعن: الزهرى وقتادة أنهما قالا جميعا فى رجل قال الرجل: يا لوطى !: "أنه لا يحد وبه
يقول أبو حنيفة (المحلى ٢٨٤:١١).

٦٨٢
ج - ١١
وبه إلى عبد الرزاق عن سفيان الثورى عن حماد بن أبى سليمان عن إبراهيم النخعى، أنه
قال فى رجل قال لآخر يا لوطى! قال: "نيته يسأل عما أراد بذلك".
ومن طريق موسى بن معاوية: نا وكيع نا سعيد بن حسان عن عبد الحميد بن جبير بن شيبة:
أن رجلا قال لرجل: يا لوطى! فرفع إلى عمر بن عبد العزيز، فجعل عمر يقول: يا لوطى!
يا محمدى، فكأنه لم ير عليه الحد، وضربه بضعة عشر سوطا ثم أرسل إليه من الغد، فأكمل له الحد.
وبه إلى وكيع: نا أبو هلال عن الحسن البصرى فى الرجل يقول للرجل: يا لوطى! قال:
"عليه الحد".
وبه إلى وكيع عن الحسن بن صالح بن حى عن منصور عن إبراهيم النخعى، فى فعل قوم
لوط، قال: "یجلد من فعله ومن رمی به".
وبه إلى وكيع عن إسرائيل عن جابر عن عامر الشعبى فى الرجل يقول للرجل: يا لوطى!
قال: "يجلد" (الكل فى المحلى ٢٨٤:١١).
•• أخبرنا: أبو حنيفة عن حماد قال: "من قذف باللوطية جلد الحد". أخرجه محمد فى
"الآثار" (٩١) وقال: "هو قولنا إذا بين فلم يكن فأما إذا قال: يا لوطى! فهذه لها مصدر غير
القذف، فلا نحده حتی یبین" اهـ.
باب من قال لامرأته: لم أجدك عذراء فلا حد علیه لکونه قذفا غیر صريح
أبو حنيفة: عن حماد عن إبراهيم عن عمر بن الخطاب، أنه قال: "ادرؤوا الحدود عن
المسلمين ما استطعتم، فإن الإمام أن يخطئ فى العفو خير من أن يخطئ فى العقوبة، فإذا وجدتم
للمسلم مخرجا فادرأوا عنه" (محمد فى الآثار ٩١).
أبو حنيفة: عن حماد عن إبراهيم: "إذا قال الرجل لامرأته أنه قد تزوجها: لم أجدها عذراء
فلا حد عليه " (الآثار ٩١).
أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم، قال: وإذا قال لرجل: "لست لفلانة فليس بشئ" (محمد
فى الآثار ٩١). وقال: "هذا قول أبى حنيفة وقولنا، لأنه لم ينفه عن أبيه، إنما قال: لم تلده أمه، وإنما
النفى الذى يحد فيه الذى يقول: لست لأبيك".

ج - ١١
تتمة الأبواب السابقة
٦٨٣
باب القذف بالبهيمة ولا حد فيه
أخرج ابن حزم من طريق ابن وهب: نا ابن أبى ذئب عن الزهرى أنه قال: من رمى إنسانا
بیهیمة فعلیه الحد".
وعن: ابن وهب عن ابن سمعان عن الزهرى، قال: من رمى بذلك يعنى ببهيمة جلد ثمانين.
ومن: طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهرى، قال: من قذف رجلا ببهيمة جلد حد
الفرية" (الكل فى "المحلى" ٢٨٥:١١). ولسنا نأخذ بهذا.
وعن: طريق عبد الرزاق عن سفيان الثورى عن جابر الجعفى، قال: "سألت الشعبى عن
رجل قذف ببہیمة أو وجد علیها، قال: لیس علیه حد" .
ومن طريق ابن وهب، أخبرنى يونس بن يزيد عن ربيعة أنه قال فيمن يقذف ببهيمة، قال:
"قد قذف بقول كبير، والقائل أهل للنكال الشديد، ورأى السلطان فيه" (المحلى ٢٨٥:١١). وهو
قولنا، ولا تناقض كما زعم ابن حزم، فلم يثبت عندنا الحد على من أتى البهيمة بل ثبت خلافه.
إخبرنا: أبو حنيفة عن عاصم بن أبى النجود عن أبى رزين عن ابن عباس، قال: "من أتى
بهيمة فلا حد عليه" (محمد فى الآثار ٩٢).
أبو حنيفة: عن الهيثم بن الهيثم عن رجل يحدثه عن عمر بن الخطاب: "أنه أتى برجل وقع
على بهيمة، فدرأ عنه الحد، وأمر بالبهيمة فأحرقت" (محمد فى الآثار أيضا ٩٢).
باب إذا قذف الأب ابنه فلا حد عليه
أخرج ابن حزم من طريق ابن وهب: حدثنى مالك بن أنس أن زريق بن حكيم حدثه قال:
افترى رجل يقال له: مصباح على ابنه، فقال له: يا زانى! فرفع ذلك إلى، فأمرت بجلده، فقال:
والله لئن جلدته لأقرن على نفسى بالزنا، فلما قال ذلك أشكل على، فكتبت إلى عمر بن عبد العزيز
أذكر ذلك له، فكتب عمر إلى أن أجز عفوه فى نفسه" (المحلى ٢٨٥:١١). قلت: إنما درأ عنه الحد
لكونه أبا، ولكون الحد صار مشتبها بقوله: "لأقرن على نفسى بالزنا".
ومن: طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء، قال: "افترى الأب على الإبن فلا يحد".
وعن سفيان الثورى عمن سمع الحسن يقول: ليس على الأب لابنه حد وبه يقول أبو حنيفة
والثورى والحسن بن حى وإسحاق بن راهويه والشافعى وأحمد بن حنبل وأصحابهم
(المحلى ٢٩٥:١١).

٦٨٤
إعلاء السنن
باب إذا قذفت امرأة رجلا بأنه استكرهها ولا بينة لها فعليها الحد
أخرج ابن حزم من طريق عبد الرزاق نا معمر عن الزهرى وقتادة قالا جميعا فى امرأة قذفت
رجلا بنفسها أنه غلبها على نفسها، والرجل ينكر ذلك، وليس لها بينة: "فإنها تضرب حد الفرية"
(المحلى ٢٩١:١١).
ومن: طريق الحجاج بن المنهال: نا حماد بن سلمة أنا قتادة: "أن رجلا استكره امرأة،
فصاحت، فجاء موذن، فشهد لها عند عمر بن عبد العزير أنه سمع صياحها، فلم يجلدها"
(المحلى). قلت: درأ عنها الحد للشبهة أو لأنها لم تصرح بالقذف، وقالت: "إنه استكرهنى على
نفسى" أو لأن الرجل لم يطالب بموجب القذف.
ومن: طريق ابن وهب: أخبرنى عميرة بن أبى ناجية عن يزيد بن أبى حبيبة عن عمر بن عبد
العزيز: "أنه أتته امرأة، فقالت: إن فلانا استكرهنى على نفسى، فقال: هل سمعك أحد أو رآك؟
قالت: لا، فجلد بالرجل" (المحلى أيضا ٢٩١:١١).
باب إذا قذف الجلود المقذوف مکررا فلا یجلد ثانیا
أخرج: ابن حزم من طريق الحجاج بن المنهال: نا حماد بن سلمة أنا على بن زيد بن جدعان
عن عبد الرحمن بن أبى بكرة فى قصة شهادته على المغيرة بن شعبة وقال زياد: "رأيت ورأيت
ولكن لا أدرى أنكحها أم لا، فجلدهم عمر إلا زيادا، فقال أبو بكرة: ألستم قد جلد تمونى؟ قالوا:
بلى! قال: فأشهد بالله ألف مرة لقد فعل، فأراد عمر بن الخطاب أن يجلده الثانية، فقال على بن أبى
طالب: إن كانت شهادة أبى بكر شهادة رجلين فارجم صاحبك وإلا فقد جلد تموه" (المحلى
٢٥٩:١١). وهذا سند حسن صحيح، ودلالته على الباب ظاهرة.
باب حد المحارب إلى الإمام فلا يسقط بعفو أولياء المقتول عنه
أخرج: ابن حزم من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرنى عبد العزيز بن عمر بن عبد
العزيز، قال: "إن فى كتاب لعمر بن الخطاب: والسلطان ولى من حارب الدين وإن قتل أباه
أو أخاه، فليس إلى طالب الدم من أمر من حارب الدين وسعى فى الأرض فسادا شىء".
ومن: طريقه عن معمر عن الزهرى قال: "عقوبة المحارب إلى السلطان، لا تجوز عقوبة ولى
الدم ذلك إلى الإمام"، قال: وهو قول أبى حنيفة ومالك والشافعى وأحمد (المحلى ٣١٢:١١).
باب هل يقتل اللص إذا دخل الدار
أخرج: ابن حزم من طريق ابن جرير الطبرى: نا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى قالا:

٦٨٥
ج - ١١
تتمة الأبواب السابقة
نا أبو عامر العقدى نا عبد العزيز بن المطلب عن أخيه الحكم بن المطلب عن أبيه هو المطلب بن
حنطب: ((أن النبى معَّ سأله سائل: إن عدا على عاد؟ فأمره أن ينهاه ثلاث مرات، قال: فإن أبى
على؟ فأمره بقتاله، وقال عليه السلام: إن قتلك فأنت فى الجنة، وإن قتلته فهو فى النار"
(المحلى ٣١٣:١١).
ومن طريق محمد بن كثير السلمى هو القصاب عن يونس بن عبيد عن محمد ابن سيرين
عن عبادة بن الصامت مرفوعا: "الدار حرم، فمن دخل عليك حرمك فاقتله" (المحلى ٣١٤:١١).
وقال: "الحكم بن المطلب لا يعرف حاله، ومحمد بن كثير القصاب ذاهب الحديث ليس بشىء".
ومن: طريق محمد بن المثنى: نا موسى بن إسماعيل نا سفيان الثورى عن مسلم الضبى،
قال: "قال إبراهيم النخعى: إن خشيت أن يبتدرك اللص فأبدره" (المحلى أيضا ٣١٤:١١) وقال:
"إن كان على المدخول عليه منزله فى المصر ليلا أو نهارا فى أخذ ماله أو فى طلب زنا أو غير ذلك
مهلة، فالمناشدة فعل حسن، لقول الله تعالى: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة. الآية، فإن لم يكن فى
الأمر مهلة، ففرض على المظلوم أن يبادر إلی کل ما يمكنه به الدفاع عن نفسه وإن كان فى ذلك
إتلاف نفس اللص من أول وهلة، فإن كان على يقين من أنه إن ضربه ولم يقتله ارتدع، فحرام عليه
یقتله، فإن لم یکن علی یقین من هذا فقد صح اليقين بأن مباحا له الدفع والمقاتلة، فلا شىء علیه إن
قتله من أول ضربة أو بعدها، قصدا إلى مقتله أو إلى غير مقتله، لأن الله تعالى قد أباح له المقاتلة
والمدافعة قاتلا ومقتولا، وبالله تعالى التوفيق". قلت: والأصل فيه قوله عّ لّهِ: ((من قتل دون ماله فهو
شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد". رواه أحمد وابن حبان عن سعيد بن زيد، وهو متواتر،
کما فى العزیزی (٣٥٣:٣).
وهل إذا كان لا يرجو الغلبة على اللص وكان على يقين من أنه يقتله إن لم يدفع المال إليه،
أو لم يدله عليه، يجب على صاحب الدار صيانة نفسه ببذل المال أو لا يجب ذلك عليه، ويجوز له
مقاتلته مطلقا؟ والذى يظهر من قواعد المذهب الثانى، وهو مدلول ما فى "الهندية" (٣٣٧:٥).
ونصه: "ولو قيل لرجل: دلنا على مالك أو لنقتلتك، فلم يفعل حتى قتل لم يكن آثما،
وإن دلهم حتى أخذوه ضمنوا له"، كذا فى "المبسوط" اهـ. وفيه أيضا: " ولو أكره بوعيد قتل على
أن يقتل عبده أو يتلف ماله فلم يفعل واحدا منهما حتى قتل كان فى سعة من ذلك، وإن استهلك
ماله ولم يقتل عبده فهو أحسن، وإن قتل العبد ولم يستهلك المال فهو آثم، لأنه كان يتخلص
باستهلاك المال وهو مباح له شرعا، كذا فى "المبسوط" (٢٨:٥).

٦٨٦
إعلاء السنن
باب لا قطع على السارق حتى يخرج المتاع من الدار
أخرج: ابن حزم من طريق موسى بن معاوية: نا وكيع نا ابن جريج عن سليمان بن موسى
وعمرو بن شعيب قال سليمان: "إن عثمان، وقال عمرو بن شعيب: إن ابن عمر، ثم اتفقا: لا قطع
على سارق حتى يخرج المتاع".
ومن: طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن سليمان بن موسى أن عثمان قضى أنه لا قطع
علی سارق وإن كان قد جمع المتاع فأراد أن يسرق حتى يحمله ويخرج به.
وبه: إلى ابن جريج عن عمرو بن شعيب: "أن سارقا نقب خزانة المطلب بن وداعة، فوجد
فيها قد جمع المتاع ولم يخرج به، فأتى به إلى ابن الزبير، فجلده، وأمر به أن يقطع فمر بابن عمر،
فسأل، فأخبر، فأتى ابن الزبير، فقال: أمرت به أن يقطع؟ فقال: نعم! قال: فما شأن الجلد؟ قال:
غصبت، فقال ابن عمر: ليس عليه قطع حتى يخرج به من البيت، أرأيت لو رأيت رجلا بين رجلى .
مرأة لم يصبها أ كنت حادة؟ قال: لا! قال: لعله قد كان نازعا تائبا وتاركا للمتاع" (الكل من
المحلى ٣٢٠:١١). قلت: فما روى عن ابن الزبير مما يخالفه يحمل على رأيه الأول، وقد رجع عنه.
إلى رأى ابن عمر فلا حجة فيه، ولا يخفى أن قول ابن عمر أقوى وأحوط.
ومن: طريق ابن وهب عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبى حبيب عن على بن سليمان عن
مكحول عن عثمان بن عفان، قال: "لا تقطع يد السارق وإن وجد معه المتاع ما لم يخرج به عن
الدار" (المحلى ٣٢٠:١١). على بن سليمان ذكره ابن حبان فى الثقات وابن يونس فى الغرباء،
وقال: "صاحب مكحول قدم مصر، حدث عنه يزيد بن أبى حبيب" (التهذيب ٣٢٨:٧).
ومن: طريق ابن وهب أيضا، سمعت الشمر بن نمير يحدث عن الحسين بن عبد الله بن
ضميرة عن أبيه عن جده عن على بن أبى طالب، قال فى الرجل يوجد فى البيت وقد نقبه معه
المتاع: "أنه لا يقطع حتى يحمل المتاع فيخرج به عن الدار" (المحلى أيضا ٣٢٠:١١). وشمر بن
نمير غير ثقة، وشیخه لا يساوى شيئا (اللسان ١٥٣:١).
وهو قول الشعبى وعطاء وعمر بن عبد العزيز وابن شهاب، وبه يقول الثورى وأبو حنيفة
ومالك والشافعى وأحمد بن حنبل وأصحابهم، وإسحاق بن راهويه (المحلى أيضا ٣٢٠:١١).
وأخرج ابن حزم من طريق ابن أبى شيبة: نا أبو خالد عن يحيى بن سعيد الأنصارى عن عبد
رحمن بن القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق، قال: بلغ عائشة أم المؤمنين أنهم يقولون: إذا لم
خرج السارق المتاع لم يقطع، فقالت عائشة: لو لم أجد إلا سكينا لقطعته" (المحلى ٣٢١:١١).

ج - ١١
تتمة الأبواب السابقة
٦٨٧
وهذا منقطع، فإن عبد الرحمن لم يسمع من عائشة، فما روى عن عثمان وابن عمر وابن الزبير
أولی وأقدم.
باب لا قطع علی المختلس
أخرج ابن حزم من طريق محمد بن المثنى: نا عبد الرحمن بن مهدى نا سفيان الثورى عن
سماك بن حرب عن دثار بن يزيد عن عبيد بن الأبرص: أن على بن أبى طالب أتى برجل اختلس
من رجل ثوبا، فقال: إنما كنت ألعب معه، قال: تعرفه؟ قال: نعم! فلم يقطعه" (المحلى ٣٢٢:١١).
أعله ابن حزم بسماك، وقال: "يقبل التلقين". قلت: ولكنه من رواية سفيان عنه، وحديث القدماء
مثل سفيان وشعبة عنه صحيح، فالأثر حجة.
ومن: طريق عبد الرزاق عن سفيان الثورى عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن عن على بن
أبى طالب: "أنه سئل عن الخلسة، فقال: تلك الدعرة المقلة لا قطع فيها". وهو قول الحسن البصرى
(المحلى ٣٢٢:١١). قلت: وهذا سند حسن، وقد أثبتنا سماع الحسن من على كرم الله تعالى وجهه.
ومن طريق موسى بن معاوية: نا وكيع نا مالك بن أنس عن الزهرى: "أن رجلا اختلس
طوقا، فسأل عنها مروان زيد بن ثابت، فقال: ليس عليه قطع".
وعن: معمر عن الزهرى، قال: "اختلس رجل متاعا، فأراد مروان أن يقطع يده، فقال له زيد
ابن ثابت: تلك الخلسة الظاهرة، لا قطع فيها، لكن نكال وعقوبة".
وعن: الشعبى: "أن رجلا اختلس طوقا، فأخذوه وهو فى حجرته، فرفع إلى عمار بن يسار
وهو على الكوفة، فكتب إلى عمر بن الخطاب، فكتب إليه أنه عادى الظهيرة، ولا قطع عليه "
(المحلى ٣٢٢:١١).
وعن عمر بن عبد العزيز: "أنه كتب إلى عدى بن أرطاة فى رجل اختلس طوقا من ذهب
كان فى عنق جارية نهارا: إن ذلك عادى ظهر، ليس عليه قطع، فعاقبه". وعن الحسن البصرى فى
الخلسة: "لا قطع فيها". وعن قتادة: "لا قطع على المختلس، ولكن يسجن ويعاقب". وهو قول
النخعى وأبى حنيفة ومالك والشافعى وأحمد وأصحابهم، وبه يقول إسحاق بن راهوية
(المحلى ٣٢٢:١١).
ومن: طريق ابن وهب عن قباث بن رزين أنه سمع على بن رباح اللخمى يقول: "السنة أن
يقطع اليد المستخفية ولا تقطع اليد المعلنة". وعن عطاء بن أبى رباح أنه قال: "تقطع يد السارق
المستخفى المستتر، ولا تقطع يد المختلس المعلن" (المحلى ٢٢٢:١١).

٦٨٨
إعلاء السنن
قلت: وهذا راجع إلى الأول، فإن المختلس لا يختلس إلا نهارا علنا.
باب التعزير بالمال
أخرج ابن حزم من طريق يحيى بن بكير: نا مالك بن أنس عن هشام بن عروة عن أبيه عن
يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب: "أن رقيقا لحاطب سرقوا ناقة للمزنى رجل من مزينة فانتحروها،
فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب، فأمر عمر لكثير بن الصلت أن يقطع أيديهم، قال عمر: إنى أراك
تجيعهم، والله لأغرمنك غرما يشق عليك، ثم قال للمزنى: كم ثمن ناقتك؟ قال: أربعمائة درهم،
قال عمر: فأعطه ثمان مائة درهم" (المحلى ٣٢٥:١١). وليس فيه الجمع بين القطع والغرامة، فإنه
لم يغرم السارق، بل أغرم المولى وعزره بالمال. والتعزير بالمال جائز عند أبى يوسف، وعندهما وعند
الأئمة الثلاثة لا يجوز (فتح القدير ١١٣:٥). وتركه الجمهور للقرآن والسنة. أما القرآن فقوله
تعالى: ﴿فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم، وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾. وأما السنة
فإنه عليه السلام قضى بالضمان بالمثل، ولأنه خبر يدفعه الأصول، فقد أجمع العلماء على أن من
استهلك شيئا لا يغرم إلا مثله أو قيمته، وأنه لا يعطى أحد بدعواه، وفى هذا الحديث تصديق المزنى
فيما ذكر من ثمن ناقته، وفيه أيضا: أنه غرمه باعتراف عبيده، وقد أجمعوا على أن إقرار العبد على
سيده فى ماله لا يلزمه، وأيضا: فإن يحيى بن عبد الرحمن لم يلق عمر، ولا سمع منه، وذكر ابن
وهب فی موطأه من روایة یحیی بن عبد الرحمن عن أبيه، وأبوه سمع عمر وروی عنه، ولیس عند
جمهور رواة الموطأ عن أبيه، قال أبو عمر: "أظن ابن وهب وهم فيه، وذكر أيضا أن القصة كانت
بعد موت حاطب". وهو غلط، فإن حاطبا مات سنة ثلاثين فى خلافة عثمان، فهذه أوجه عديدة
علل بها هذا الحديث، كذا فى "الجوهر النقى" (١٨٧:٢).
وأما حديث بهز عن أبيه عن جده فى مانع الزكاة من قوله عّ لّه: ((فأنا آخذوه وشطر ماله".
رواه أحمد وأبو داود والنسائى والحاكم. فقال إبراهيم الحربى فى سياق المتن لفظه: "وهم فيها
الراوى، وإنما هو: فأنا آخذوه من شطر ماله، أى نجعل ماله شطرين، فيتخير عليه المصدق، ويأخذ
من خير الشطرين، فأما ما لا يلزمه فلا نقله ابن الجوزى فى جامع المسانيد عن الجزئى، والله الموفق
كذا فى "التلخيص الحبير" (١٧٧:٢). ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهرى عن أبان بن
عثمان: "أن أباه عثمان بن عفان أغرم فى ناقة رجل أهلكها رجل، فأغرمه الثلث زيادة على ثمنها"،
(المحلى ٣٢٥:١١). وقال: "فهذا أثر فى غاية الصحة عن عثمان، ولا يعرف له مخالف من
الصحابة، وقال به الزهرى بعد ذلك" اهـ. قلت: محمول على أنه كان قد أهلك الناقة مع متاع

ج - ١١
تتمة الأبواب السابقة
٦٨٩
عليها يساوى ثلث قيمتها.
باب لا قطع على السارق من بيت المال
: أخرج: ابن حزم من طريق موسى بن معاوية: نا وكيع نا المسعودى عن القاسم بن عبد
الرحمن قال: "إن رجلا سرق من بيت المال، فكتب فيه سعد بن أبى وقاص إلى عمر ابن الخطاب،
فكتب عمر إليه أن لا قطع عليه، لأن له فيه نصيبا". (المحلى ٣٢٧:١١). وهذا مرسل صحيح.
ومن: طريقه عن وكيع: نا سفيان - هو الثورى- عن سماك بن حرب عن عبيد بن الأبرص:
"أن على بن أبى طالب أتى برجل قد سرق من الخمس مغفرا فلم يقطعه على. وقال: إن له فيه
نصيبا". (وهذا سند حسن صحيح) وبه يقول إبراهيم النخعى والحكم بن عتيبة وأبو حنيفة
والشافعى وأصحابهما. وقال مالك وأبو ثور وأبو سليمان وأصحابهم: "عليه القطع" (المحلى
٣٢٨:١١). قلت: وفى حكمه سرقة مال مشترك بينه وبين آخرين، وقولنا مؤيد بقول صاحبين لم
يعرف لهما مخالف من الصحابة رضى الله عنهم.
باب لا حد على السارق من الحمام
· أخرج: ابن حزم من طريق موسى بن معاوية: نا وكيع نا سعيد بن عبد العزيز التنوخى عن
بلال بن سعد: "أن رجلا سرق برنسا من الحمام، فرفع إلى أبى الدرداء، فلم ير عليه قطعا". (وهذا
مرسل صحيح، فإن بلال بن سعد لم يسمع من أبى الدرداء، كما فى التهذيب، وهو ثقة عابد) وبه
يقول أبو حنيفة وأصحابه. وقال مالك وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو سليمان وأصحابهم: "عليه
القطع إذا كان هنالك حافظ" (المحلى ٣٢٩:١١).
قلت: الحمام محل يرده العامة فلا يكون حرزا ما لم يكن حافظ، ولذا لم ير أبو الدرداء فيه
القطع، ولم يعرف له مخالف من الصحابة، ومثله السرقة من المسجد، فلا قطع فيه عندنا، إلا إذا
كان سرقة من عند حافظ، كما فى أثر صفوان والله تعالى أعلم.
صنايع ويين .
باب لا یقطع سارق الطير
أخرج: ابن حزم من طريق موسى بن معاوية: نا سفيان الثورى عن جابر بن يزيد الجعفى عن
عبد الله بن يسار قال: "أتى عمر بن عبد العزيز برجل قد سرق دجاجا، فأراد أن يقطعه، فقال أبو
سلمة بن عبد الرحمن بن عوف: كان عثمان يقول: لا قطع فى طير: فخلى عمر سبيله". (وهذا
سند حسن).
ومن طريق عبد الرزاق عن عبد الله بن المبارك عن سفيان به نحوه.

٦٩٠
إعلاء السنن
وعن: أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف: "أن عثمان بن عفان قال: لا قطع فى طير"،
(المحلى ٣٣٣:١١). قال: "وبه يقول أبو حنيفة وأحمد بن حنبل وأصحابهما وإسحاق بن راهويه.
وقالت طائفة: القطع فيه إذا سرق من حرز، وهو قول مالك والشافعى وأصحابهما، وإبطال القطع
فيه قد روى عن عثمان بن عفان، ولا يعرف له مخالف من الصحابة" اهـ.
باب لا يقطع بائع الحر
أخرج: ابن حزم من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج: "أن عليا قطع البائع بائع الحر، وقال:
لا يكون الحر عبدا". وقال ابن عباس: "ليس عليه قطع، وعليه شبيه بالقطع الحبس". وقال أبو
حنيفة وسفيان وأحمد وأبو ثور: "لا قطع على من سرق حرا صغيرا كان أو كبيراً". قلت: فما
رواه عبد الرزاق عن ابن جريج: "أخبرت أن عمر بن الخطاب قطع رجلا فى غلام سرقه"، (المحلى
٢٣٦:١١). محمول على العبد الصغير الذى لا يفهم، فيكون كالدابة، وأما الصغير العاقل فلا
يتأتى سرقته، فإنه ليس كالمال، وأما الحر فليس بمال أصلا صغيرا كان أو كبيرا، فقول ابن عباس
أرجح لموافقته الأصل الصحيح. والله تعالى أعلم.
وأما ما رواه ابن حزم بسند فيه عبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة عن هشام عن أبيه عن
عائشة مرفوعا: "أنه مَّ لل أتى برجل كان يسرق الصبيان، فأمر به فقطع". فمع ضعفه محمول على
الصبيان العبيد، وروى الإمام أبو يوسف فى الخراج له (٢١٣): حدثنا سعيد (هو ابن أبى عروبة)
عن قتادة عن عبد الله بن عباس فى الحر يبيع الحر، قال: "يعاقبان ولا قطع عليهما" اهـ. وهذا سند"
صحيح، وهو الحجة فى الباب، وما رواه عبد الرزاق عن ابن جريج عن على منقطع، فلا يصلح
معارضا له.
باب إذا اختلف الشهود فى مكان السرقة يدرأ الحد عن المشهود عليه
أخرج: ابن حزم من طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة فى رجل شهد عليه رجل أنه
سرق بأرض وشهد عليه آخر بأنه سرق بأرض أخرى، قال: "لا قطع عليه" (المحلى ٣٤٣:١١).
قلت: وهو قول أبى حنيفة والجمهور.
باب لا يقطع سارق الطعام فى عام السنة
وأخرج: من طريق عبد الرزاق عن معمر عن يحيى بن أبى كثير، قال: قال عمر بن
الخطاب: "لا تقطع فى غدق ولا فى عام السنة". وبه إلى معمر عن أبان: "أن رجلا جاء إلى عمر
بن الخطاب فى ناقة نحرت، فقال له عمر: هل لك فى ناقتين عشراوين مرتعتين سمينين بناقتك؟ فإنا

٦٩١٠
ج - ١١
تتمة الأبواب السابقة
لا نقطع فى عام السنة"، والمرتعتان الموطأتان. (المحلى).
باب لا يقطع أحد الزوجين إذا سرق من الآخر وكذا كل
ذى رحم محرم سرق من ذى رحمه القريب
أخرج: ابن حزم من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج قال: بلغنى عن الشعبى قال: "ليس
على زوج المرأة فى سرقة متاعها قطع". وقال أبو حنيفة وأصحابه: "لا قطع على الرجل فيما سرق
من مال امرأته، ولا على المرأة فيما سرقت من مال زوجها" . وقال مالك وأحمد بن حنبل وإسحاق
وأبو ثور: "على كل واحد منهما القطع فيما سرق من مال الآخر من حرز". وعن الشافعى
كالقولين، والقول الثالث: "أن الزوج إذا سرق من مالها قطعت يداه، وإن سرقت هى من مالها
فلا قطع عليها". (المحلى ٣٤٧:١١).
عن: ابن عمر عن النبى معَّ ◌ِلّه أنه قال: ((كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته))، فالأمير
الذى على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عنهم،
والمرأة راعية على بيت بعلها وولدها وهى مسؤولة عنهم، والعبد راع على مال سيده وهو
مسؤول عنه، ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)). رواه مسلم وفى لفظ له: والرجل راع
فى مال أبيه وهو مسؤول عن رعيته"، (المحلى ٣٤٨:١١). فكل واحد من هؤلاء أمين فى مال
الآخر فلا قطع عليه كالمودع، ولأنهم للانبساط بينهم لا يحرزون أموالهم ممن له ذكر فى الحديث،
فلا يوجد معنى السرقة.
عن عائشة قالت: "جاءت هند بنت عتبة، فقالت: يا رسول الله! إن أبا سفيان رجل مسيك،
فهل على من حرج أن أطعم من الذى له عيالنا؟ فقال لها: خذى ما يكفيك وولدك بالمعروف".
متفق عليه، فقد أطلق رسول الله عّ لّ يدها على مال زوجها تأخذ منه ما يكفيها وولدها، فهى
مؤتمنة عليه كالمودع ولا فرق، ولا يحرز الزوج ما له عنها عادة فلا قطع.
حدثنا؛ یونس ثنا یحیی بن عبد الله بن بکیر ثنی الليث بن سعد عن عبد الله بن یحیی
الأنصارى عن أبيه عن جده: أن جدته أتت إلى رسول الله مطآه تجلى لها، فقال: إنى تصدقت بهذا،
فقال رسول الله عَّ: إنه لا يجوز للمرأة فى مالها أمر إلا بإذن زوجها، فهل استاذنت زوجك؟
قالت: نعم!" الحديث، رواه الطحاوى (٤٠٣:٢). وعبد الله بن يحيى ذكره ابن حبان فى
"الثقات"، وأما يحيى الأنصارى والده فمجهول، كما فى التهذيب، ولكن المجهول فى القرون
الفاضلة لا يضرنا، فالحديث دال على أن للزوج حقا فى مال المرأة، فلا يقطع بأخذه خفية، ولا يعد

٦٩٢
إعلاء السنن
به سارقا. والله تعالى أعلم.
باب التعزير وأن مقداره إلى الإمام يبلغه به ما رأی
أخرج ابن حزم من طريق عبد الرزاق: نا داود بن قيس أخبرنى خالد بن أبى ربيعة: "أن ابن
الزبير حين قدم مكة وجد رجلا يقرض الدراهم فقطع يده".
... قال: ورؤينا عن سعيد بن المسيب أنه قال: "وددت أنى رأيت الأيدى تقطع فى قرض
الدنانير والدراهم". قال ابن حزم: "معنى هذا أنه كانت الدنانير والدراهم يتعامل بها عددا دون
وزن، فكأن. من عليه دراهم أو دنانير يقرض بالجلم (أى المقراض) من تدويرها، ثم يعطيها عددا،
ويستفضل الذى قطع من ذلك". (المحلى ٣٦٣:١١). وهو محمول عندنا على التعزير، فإنه ليس
بسارق لغة ولا شرعا، وإنما هو خائن.
ومن: طريق عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرنى هشام بن عروة عن أبيه أن يحيى بن عبد
الرحمن بن حاطب حدثه قال: "توفى عبد الرحمن بن حاطب، وأعتق من صلى من رقيقه وصام،
وكانت له نوبية قد صلت وصامت وهى أعجمية لم تفقه، فلم يرعه إلا حملها، وكانت ثيبا،
فذهب إلى عمر فزعا فسألها، أحبلت؟ قالت: نعم! من مرعوش بدرهمين، فقال عثمان: أراها
تستهل به، كأنها لا نعرفه، فليس الحد إلا على من علمه، فأمر بها عمر فجلدت مائة ثم غربها،
ثم قال: صدقت والذى نفسى بيده ما الحد إلا على من علمه". الحديث مختصر (من المحلى
٤٠٢:١١). وهذا سند صحيح، وفيه حجة لمن رأى التعزير بالغا ما بلغ به الإمام (فإن عمر لم يضر
بنها مائة إلا تعزيراً لقوله: "والذى نفسى بيده ما الحد إلا على من علمه" وهو قول مالك وأحد
أقوال أبى يوسف، وهو قول أبى ثور والطحاوى من أصحاب أبى حنيفة، (المحلى أيضا ١١: ٤٠١).
ومن: طريقه عن محمد بن راشد قال: سمعت مكحولا يحدث: "أن رجلا وجد فى بيت
رجل بعد العتمة ملففا فی حصیر، فضربه عمر مائة" ، (مرسل صحیح).
ومن طريقه: نا ابن جريج نا جعفر بن محمد عن أبيه عن على: أنه كان إذا وجد الرجل مع
المرأة فى لحاف واحد جلدهما مائة كل إنسان منهما (المحلى ٤٠٣:١١). وهذا مرسل صحيح أيضًا.
سكر ومن طريقه عن سفيان بن عيينة عن الأعمش عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن
مسعود عن أبيه، قال: "أتی ابن مسعود برجل وجد مع امرأة فى لحاف فضربهما لكل واحد منهما
أربعين سوطا، فذهب أهل المرأة وأهل الرجل فشكوا ذلك إلى عمر بن الخطاب، فقال عمر لابن
مسعود! ما يقول هؤلاء؟ قال: قد فعلت ذلك" (وهذا سند صحيح).

ج - ١١
تتمة الأبواب السابقة
٦٩٣
وروينا: عن سعيد بن المسيب، ورويناه أيضا عن ابن شهاب، قال: "إن عمر بن الخطاب
ضرب رجلا دون المائة وجد مع امرأة فى العتمة". (مرسل حسن).
وروينا: عن سفيان بن عيينة عن جامع عن شقيق، قال: "كان لرجل على أم سلمة أم
المؤمنين حق، فكتب إليها يخرج عليها، فأمر عمر بأن يجلد ثلاثين جلدة". (الكل من المحلى
٤٠٣:١١). وهذا سند صحيح، وفى كل ذلك حجة لمن قال: إن التعزير ليس له مقدار محدود،
وجائز أن يبلغ به الإمام ما رآه، وأن يجاوز به الحدود.
روينا: عن وكيع وعبد الرحمن كلاهما عن سفيان الثورى عن حميد الأعرج عن يحيى بن
عبد الله بن صيفى: "أن عمر بن الخطاب كتب إلى أبى موسى: لا يجلد فى تعزير أكثر من عشرين
سوطا". (المحلى ٤٠٣:١١) وهذا معضل، فإن يحيى بن عبد الله بن صيفى من صغار الخامسة
لم يدرك عمر بن الخطاب، وإن صح فمحمول على أن لا يجلد أكثر من عشرين من غير حاجة،
وهو محمل ما رواه البخارى عن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله عن أبى بردة: " كان رسول
الله مَّ يقول: لا يجلد فوق عشر جلدات إلا فى حد من حدود الله تعالى". بدليل ما روى عن
الصحابة وهم أعرف الناس بمراد رسول الله عَ ليه، فلو كان المعنى أن لا تعزروا فوق عشرة
أسواط لم يخالفوه إلى غيره، والله تعالى أعلم. وذكر بعض المتأخرين أن الحديث محمول
على التأديب الصادر من غير الولاة. كالسيد يضرب عبده، والزوج امرأته، والأب ولده،
كذا فى "التلخيص الحبير" (٢٦١:٢).
باب إذا شهد أربعة بالزنا ولم يفسره واحد منهم
لا یحد المشهود علیه ويحد الثلاثة الشهود
حدثنا: فهد ثنا إبراهيم ثنا الوليد بن عبد الله بن جميع حدثنى أبو الطفيل قال: "أقبل رهط
معهم امرأة حتى نزلوا فتفرقوا فى حوائجهم، فتخلف رجل مع امرأة، فرجعوا وهو بین رجليها،
فشهد ثلاثة منهم أنهم رأوه يهب فيها، كما يهب المرود فى المكحلة، وقال الرابع: أحمى سمعى
وبصرى، لم أره يهب فيها، رأيت يعنى خصيتيه يضربان استنها ورجليها مثل أذنى حمار، وعلى
مكة يومئذ نافع بن عبد الحارث الخزاعى، وكتب إلى عمر، فكتب عمر: إن شهد رابع بمثل ما شهد
الثلاثة فقد مهما أجلدهما، وإن كانا محصنین فارجمهما، وإِن لم یشهد إلا بما کتبت به إلى فاجلد
الثلاثة وخل سبيل الرجل، قال: فجلد الثلاثة وخلى سبيل الرجل والمرأة"، رواه الطحاوى
(٢٨٧:٢). ورجاله ثقات ما خلا إبراهيم هذا، فلم أعرفه، وقد تقدم الحديث فى أبواب الشهادة

٦٩٤
إعلاء السنن
على الزنا بلا سند.
وأخرج: ابن حزم من طريق عبد الرزاق عن معمر عن بديل المقبلى عن أبى الوضاح، قال:
"شهد ثلاثة نفر على رجل وامرأة بالزنا، وقال الرابع: رأيتهما فی ثوب واحد، فإن كان هذا زنا
فهو ذاك، فجلد على الثلاثة، وعزر الرجل والمرأة". (المحلى ٢٥٩:١١) ولم يعله بشئ، ورجاله
ثقات، وأبو الوضاح اسمه بهدل من أصحاب على، وليس بمجهول، فقد روی منه يونس بن أبی
إسحاق، كما فى "اللسان" (٤٥١:٦) و"الكنى" للدولابى (١٤٧:٢)، وبديل العقيلى عند عبد
الرزاق، وليس بمجهول من روى عنه ثقتان، فافهم.
باب لا يقطع فى أقل من عشرة دراهم
أبو حنيفة: عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة المسعودى عن القاسم بن عبد الرحمن عن
أبيه عن عبد الله بن مسعود، قال: "كان قطع اليد على عهد رسول الله عرّ فى عشرة دراهم".
كذا رواه الحارثى من طريق أبى مقاتل ونصر الصنعانى عنه، ورواه من طريق خلف بن يسين عنه
بلفظ: ((إنما كان القطع فى عشرة دراهم)). ورواه ابن خسرو من طريق محمد بن الحسن عنه بلفظ:
"قال رسول الله مرُّله: لا تقطع اليد فى أقل من عشرة دراهم". وتابعه وكيع والثورى وابن المبارك
وغيرهم، والمسعودى ثقة، روى له أصحاب السنن الأربعة، واستشهد به البخارى، وهو وإن اختلط
فقد ذكر أحمد بن حنبل أن سماع وكيع منه قديم، وأن من سمع منه بالكوفة والبصرة فسماعه
جيد، ذكره صاحب الكمال، كذا فى "الجوهر النقى" (١٨١:٢) و "عقود الجواهر المنيفة"
(٢٠٢:١). فإن حكمنا لرواية الإمام باعتبار الزيادة زال الانقطاع.
قال المحقق فى "الفتح": "رواه عبد الرزاق ومن طريقه الطبرانى فى "معجمه"، وأشار إليه
الترمذى فى كتابه الجامع، فقال: وقد روى عن ابن مسعود أنه قال: لا قطع إلا فى دينار أو عشرة
دراهم. وهو مرسل، رواه القاسم بن عبد الرحمن عن ابن مسعود، والقاسم لم يسمع من ابن
مسعود انتهى، وهو صحيح، لأن الكل ما رووه إلا عن القاسم، لكن فى مسند أبى حنيفة من رواية
أبى مقاتل عنه عن القاسم عن أبيه عن ابن مسعود، وهذا موصول، وأخرجه ابن حرب من حديث
محمد بن الحسن عن أبى حنيفة يرفعه: لا تقطع اليد فى أقل من عشرة دراهم. فهذا موصول
مرفوع، ولو كان موقوفا لكان له حكم الرفع، لأن المقدرات الشرعية لا دخل للعقل فيها". انتهى
ملخصا، (١٢٣:٥). ولا يعارضه ما رواه الثورى عن عيسى ابن أبى غرة عن الشعبى عن ابن
مسعود، انه مطلآ قطع سارقا فى خمسة دراهم، كما زعمه البيهقى، فإن فيه ثلاث علل، الثوری

٦٩٥
ج - ١١
تتمة الأبواب السابقة
مدلس وقد عنعن، وابن أبى غرة ضعفه القطان، وذكره الذهبى فى "كتاب الضعفاء"، والشعبى عن
ابن مسعود منقطع، ذکره البيهقى فى "باب الزنا لا يحرم الحلال" وسكت عنه ههنا، وظهر بهذا
أن هذا السند أضعف من سند رواية المسعودى خلافا لقول البيهقى، وأن سند رواية المسعودى
أقرب أن يكون صحيحا خلافا لما قاله الإمام الشافعى. كذا فى "الجوهر النقى" (١٨٢:٢).
أبو حنيفة: عن حماد عن إبراهيم: "أن النبى معَ ◌ّ قطع فى ثمن مجن". قال إبراهيم:
"وكان ثمن المجن عشرة دراهم". كذا رواه ابن خسرو من طريق محمد بن الحسن، ورواه الحارثى
من طريق أبى مقاتل وخلف بن ياسين الزيات، والطبرانى فى "الأوسط" من طريق أبى مطيع قاضى
بلخ أربعتهم عنه، وقال الطيرانى: "لم يرد هذا الحديث عن أبى حنيفة إلا أبو مطيع البلخى"، ويرده
ما ذكرنا من رواية محمد بن الحسن والاثنين المذكورين، وقد روى ذلك عن الإمام حمزة بن
حبيب وأبو يوسف وعبد الله بن الزبير والحسن بن زياد وأسد بن عمرو وأيوب بن موسى،
فلا عبرة بقول الطبرانى: أنه تفرد به أبو مطيع، كذا فى "عقود الجواهر" (٢٠٣:١). قلت:
وقد تقدم أن النسائى والحاكم أخرجاه من حديث ابن عباس بلفظ: " كان ثمن المجن يقوم فى عهد
رسول الله عَّ عشرة دراهم". وأخرجه النسائى من طريق العزرمى عن عطاء بلفظ: أدنى ما تقطع
فيه يد السارق ثمن المجن عشرة دراهم". ورجحه، وأخرجه هو وابن أبى شيبة من طريق عمرو بن
شعيب عن أبيه عن جده، وأخرجه ابن أبى شيبة أيضا من هذا الوجه عن عمرو بن شعيب عن
سعيد بن المسيب عن رجل من مزينة يرفعه: "ما بلغ ثمن المجن قطعت يد صاحبه، وكان ثمن المجن
عشرة دراهم". وقال الحاكم بعد أن أخرج حديث ابن عباس: "إنه صحيح على شرط مسلم". ثم
قال: "وشاهده حديث أيمن". وقال صاحب التمهيد: حدثنا عبد الوارث حدثنا قاسم بن محمد
حدثنا يوسف حدثنا ابن إدريس حدثنا محمد بن إسحاق عن عطاء عن ابن عباس، قال: "قوم المحن
الذى قطع فيه النبى مر ◌ّ عشرة دراهم". وهو كذلك عند أبى داود من حديث ابن عباس، ولما نقل
البيهقى من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: "أنه كان ثمن المجن على رسول الله شجّ
عشرة دراهم". قال: قال الشافعى: "هذا رأى من عبد الله بن عمرو". قلت: إذا ذكر الصحابى
شيئا وأضافه إلى زمن النبی مګ كان مرفوعا عندهم، وقد روى عن على مثل ذلك، أخرجه عبد
الرزاق عن الحسن بن عمارة عن الحكم بن عتيبة عن يحيى الجزار عنه، قال: "لا يقطع الكف فى
أقل من دينار أو عشرة دراهم" اهـ من "عقود الجواهر" (١٠٤:١١). والحسن بن عمارة مختلف
فيه، فحديثه حسن، ولا أقل من أن يعتبر به، والله تعالى أعلم.

٦٩٦
إعلاء السنن
وعن: عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله عَ ليه: ((لا قطع فيما دون عشرة دراهم))
رواه أحمد وفيه نصر بن باب ضعفه الجمهور، وقال أحمد: ما كان به بأس. (مجمع
الزوائد ٢٧٣:٦). قلت: فالإسناد حسن، وقد رد أحمد على من كذبه وضعفه، كما فى "تعجيل
المنفعة" (٤٢١) ..
وعن: زجر بن ربيعة أن عبد الله بن مسعود أخبره أن رسول الله عّ لّه قال: ((القطع فى دينار
أو عشرة دراهم)) رواه الطبرانى، وفيه سليمان داود الشاذكونى وهو ضعيف، (مجمع
الزوائد ٢٧٤:٦). قلت: كان من أفراد الحافظين اتفق الأئمة على حفظه، وقال ابن عدى:
"سألت عبدان عنه، فقال: معاذ الله أن یتهم، إنما كانت کتبه قد ذهبت، فکان یحدث حفظا"
(تذكرة الحفاظ، ٦٦:٢).
وعن: أم أيمن قالت: قال رسول الله سرّ له: (لا يقطع السارق إلا فى حجفة، وقومت على
عهد رسول الله عَّ ◌ُلّه دينار أو عشرة دراهم" رواه الطبرانى، وفيه يحيى بن عبد الحميد الحمانى
وهو ضعيف، (مجمع الزوائد ٢٧٤:٦). قلت: كلا! فإنه من أحفظ الناس لحديث شريك، وثقه
ابن معين وابن نمير، وصرح ابن معين بأن ما يقال فيه من حسد، وقال الخليلى: يحيى بن عبد الحميد
حافظ رضيه ابن معين وضعفه غيره، وهو مخرج فى الصحيح، ووثقه محمد بن إبراهيم
البوشنجى. وأبو حاتم وابن أبى خيثمة، وهو من رجال مسلم كما فى "التهذيب" (٢٤٩:١١).
لا يضمن السارق المتاع إذا قطعت يده
أبو حنيفة: عن الهيثم بن حبيب الصيرفى عن عامر الشعبى عن على بن أبى طالب رضى الله
عنه أنه قال: "لا يضمن السارق ما ذهب من المتاع". أخرجه الحافظ طلحة بن محمد وابن خسرو
من طريق أبى عبد الرحمن المقرى عن الإمام، كما فى "جامع المسانيد"، وسند الإمام صحيح.
أبو حنيفة: عن حماد عن إبراهيم، قال: يقطع السارق ويضمن الهالك". رواه الإمام محمد
ابن الحسن فى الآثار، وقال: "ولسنا نأخذ بهذا، بل يقطع السارق ولا يضمن المتاع الهالك، وإذا
وجدناه رد على صاحبه، وهو قول عامر الشعبى وأبى حنيفة" (جامع المسانيد ٢٣٣:٢). وقد تقدم
الحديث المرفوع فى الباب.
وهذا آخر ما أردنا إيراده فى هذا الجزء الحادى عشر من إعلاء السنن، أسبل الله به علينا
لطائف المنن، وتقبله منا وجعله شائعا ذائعا فى الأقطار والمدن، متداولا بأيدى القبول بالطبع الحسن،
ثم يجعله وسيلة لرضاه ورضا رسوله عنا يوم القيامة، وذريعة النجاة من جميع المحن فى الدنيا

٦٩٧
-ج - ١١
تتمة الأبواب السابقة
٢٠٠٠
والآخرة مع السلامة والكرامة، ويرحم الله عبدا قال آمينا.
وقع الفراغ منه ضحوة الخميس لعاشر ذى القعدة الحرام، وقد مضى ثمانية وأربعون
وثلاثمائة وألف عام من هجرة سيد الخلائق أفضل الأنام، عليه صلاة الله وسلامه الأتمان الأكملان
على الدوام، وعلى آله وأصحابه الأخيار البررة الكرام، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
ويبشره إن شاء الله الجزء الثانى عشر .. أو له كتاب الجهاد والسير، وأنا العبد المفتقر إلى رحمة ربه
الصمد، عبده المذنب ظفر أحمد، وفقه الله للتزود لغد، كتبته متشبثا بأذيال سيدى مجدد الملة
حكيم الأمة كاشف الغمة، متظللا بأظلال نعمته ورأفته الجمة، أطال الله بقاءه فينا، ومتعنا وجميع
المسلمین بفیوضه وبر كاته أبدا آبدينا.
(والحمد لله الذى بعزته وجلاله تتم الصالحات)

٦٩٨
إعلاء السنن
تتمة الرسالة المسماة
"بالإنقاذ من الشبهات فى إنفاذ المكروه من الطلقات"
وهى جزء من المجلد الحادى عشر من إعلاء السنن
فى باب الطلاق
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين
والصلاة والسلام على سيد الخلق محمد وآله وصحبه أجمعين
وبعد! فلما كان وقوع الطلاق فى الحيض، ووقوع الطلقات الثلاث بلفظ واحد جملة
واحدة مما قد كثر فيه الشغب، واعتنى بالبحث عنه كثير من أهل العلم أصحاب المعالى والرتب،
وكان من أحسن ما صنف فى الباب كتاب "الإشفاق على أحكام الطلاق" للعلامة محمد زاهد
الكوثرى المصرى أطال الله بقاءه، ومتع المسلمين ببركات أنفاسه القدسية، أحببت أن أذكر ههنا
ما ذكره مما لم أذكره فى الإعلاء، ولا الحبيب فى الإنقاذ، والله ولى التوفيق، وهو المستغاث والمستعاذ.
قال: إن المرأة حينما قبلت الزواج من غير أن تشترط الخيار لنفسها، وهى تعلم أن الزوج له
حق طلاقها متى شاء، فقد التزمت إيقاع الزوج طلاقها متى شاء، فإذن يكون إلزام الطلاق على
المرأة بالتزامها، وليس فى ذلك إلزام تا لم تلتزمه، فاندحض ما قاله بعض الموسوسين: إن القاعدة
العامة فى العقود أنها تلزم كلا من الطرفين ما التزم به من حقوق فى العقد، وأراد إن يفرع على
تلك القاعدة عدم جواز انفراد الرجل بالطلاق لو لا إذن الشارع، فتتقيد صحة طلاقه بالإذن، حتى
إنه لو طلق على صورة تخالف الوجه المأذون به يكون طلاقه باطلا، لأنه لا يملكه وحده بطبيعة
العقد اهـ. قلنا: لا قيمة لهذا الرأى، فلا يمكن له أن يبنى على هذه القاعدة المستقعدة ما أراد أن يبنيه
عليها، لأنها على جرف هار والعجب ممن يدعى الأخذ بالكتاب والسنة فقط أن يفتتح اقتراحه
برأى فج فى مورد النص. قال: وأما قوله: إن الطلاق يزيل عقد النكاح سواء الرجعى وغيره، فإنه
رأى باطل مخالف لكتاب الله وسنة رسوله مرّه. وخارج عما يفقهه أئمة الدين، فالله سبحانه
وتعالى يقول فى حق المطلقات رجعيا: "وبعولتهن أحق بردهن". فقد عد الله رجالهن أزواجا لهن
ما دامت العدة قائمة، وجعل لهن حق إعادتهن إلى الحالة الأولى، ومن حاول أن يتمسك بالرد
فسيفاجئه من الرد ما يفهمه أنه كغريق يتمسك بكل حشيش، وكذلك يقول الله جل شأنه:
﴿الطلاق مرتان، فإمساك بمعروف﴾. فالإمساك هو استدامة القائم لا إعادة الزائل فدلت الآيتان
على أن النكاح باق بعد الطلاق الرجعى إلى أن تنقضى العدة، وكذلك يدل على ما ذكرنا

٦٩٩
ج - ١١
تتمة الرسالة فى الطلقات الثلاث بلفظ واحد
الأحاديث الواردة فى طلاق ابن عمر، ولا سيما رواية جابر فى مسند أحمد بلفظ: "ليراجعها فإنها
امرأته"، على تقدير صحة هذه الرواية كما يدعى الموسوس، لأنه نص فى أنها لم تزل امرأة له بعد
إيقاع الطلاق الرجعى عليها، والمراجعة إعادة المرأة إلى حالتها الأولى من المعاشرة الزوجية، بعد
جعلها بحيث تبين على تقدير انقضاء العدة قبل العود إلى المباشرة. وهذا معنى شرعى لها منذ عهد
النبى معَّهِ، ومن حاول أن يشاغب بالمعنى اللغوى لها فقد نطق خلفا، لأنه إذا كلم الرجل المرأة فى
شىء يقال: إنه راجعها فيه لغة، والأحاديث التى وردت المراجعة فيها لا يصح أن يراد منها غير
العود إلى المعاشرة الزوجية فلا إمكان للمشاغبة فى ذلك.
على أن العود إلى معاشرتها بدون عقد جديد يؤدى إلى أن تكون المعاشرة بينهما غير
شرعية لو لم يكن العقد قائما، وقول ابن السمعانى فى القواطع: الحق أن القياس يقتضى أن الطلاق
إذا وقع زال النكاح كالعتق، لكن الشرع أثبت الرجعة فى النكاح دون العتق فافترقا، ولا معناه أنه
لو لا الصوارف من الكتاب والسنة وإجماع الأمة لاعتبر زوال النكاح مقتضى القياس، فمن الذى
يقول بالقياس مع الاعتراف بقيام النصوص ضده بل مع الإقرار بوجود فارق بين المقيس والمقيس
عليه. (وهو كون الطلاق إلى عدد من الواحد إلى الثلاث، بخلاف العتق فلا عدد له أصلا).
قال ردا على من زعم: إن الآيات والأحاديث لم تدل على طلاق مسنون وطلاق غير
مسنون، وإنما دلت على طلاق بأوصاف خاصة، وشروط معينة أذن به الشارع، فمن أوقعه على
غیر هذه الشرائط والأوصاف كان قد تجاوز ما أذن له فیه، وأتی بعمل لا يملكه، إذ لم يؤذن به من
الشارع فكان لغوا إلخ: إنه عجيب ممن تعود تقليب أوراق كتب الحديث أن يزعم هذا، وقد ذكر
مالك فى الموطأ ما هو طلاق السنة، وكذلك البخارى فى صحيحه، وباقى أصحاب الصحاح
والسنن. وفقهاء هذه الأمة من كل طائفة، حتى ابن حزم فى "المحلى" وأدلة ذلك كثيرة جدا. منها:
ما رواه شعيب بن رزيق وعطاء الخراسانى عن الحسن، قال " حدثنا عبد الله بن عمر أنه طلق امرأته
وهى حائض، ثم أراد أن يتبعها بطلقتين أخريين عند القرائن، فبلغ ذلك رسول الله معد له. فقال:
يا ابن عمر! ما هكذا أمرك الله، قد أخطأت السنة، السنة أن تستقبل الطهر، فتطلق لكل قرء، فأمرنى
فراجعتها، فقال: إذا هى طهرت فطلق عند ذلك أو أمسك، فقلت: يا رسول الله! رأيت لو طلقتها
ثلاثا أكان يحل لى أن أراجعها؟ قال: لا، كانت تبين منك، وكانت معصية". رواه الطبرانى، قال:
حدثنا على بن سعيد الرازى حدثنا يحيى بن عثمان بن سعيد بن كثير الحمصى حدثنا أبى
ثنا شعيب بن رزيق قال: حدثنا الحسن، الحديث. وأخرجه الدار قطنى بطريق معلى بن منصور

٧٠٠
إعلاء السنن
وحاول عبد الحق إعلاله بمعلى، وليس بذاك، فقد روى عنه الجماعة، ووثقه ابن معين ويعقوب بن
شيبة، وأخرجه البيهقى بطريق شعيب عن عطاء الخراسانى، ولم يعله إلا بالخراسانى، وهو من
رجال مسلم والأربعة، وما يرمى به من الوهم فى بعض حديثه يزول بوجود متابع له، وقد تابعه
شعيب عند الطبرانى، وشعيب يرويه مرة عن عطاء الخراسانى عن الحسن، وأخرى عن الحسن
مباشرة. وهو ممن لقيهما جميعا، وروى عنهما سماعا، وأما محاولة الشوكانى لتضعيف شعيب بن
رزيق فبتقليد منه لا بن حزم، وهو هجام جاهل بالرجال كما يظهر من "القدح المعلى فى الكلام
على بعض أحاديث المحلى"، للحافظ قطب الدين الحلبى، وشعيب قد وثقه الدار قطنى وابن حبان،
وأما رزيق وهو الدمشقى، كما وقع فى بعض الروايات (صريحا)، فمن رجال مسلم، وأما على بن
سعيد الرازى فقد عظمه جماعة، منهم الذهبى، وقد صرح الحسن بسماعه من ابن عمر، وقيل
لأبى زرعة: الحسن لقى ابن عمر؟ قال: نعم.
وبالجملة: أن هذا الحديث لن ينزل عن مرتبة الاحتجاج به، والأدلة فى هذا الباب كثرة
جدا فى الأصول الستة(١) فضلا عن باقى كتب الحديث، فعلم من ذلك أن من خالف السنة يقع
طلاقه مع مخالفته للأمر، لأن النهى الطارئ لا ينافى المشروعية الأصلية، كما تقرر فى الأصول،
كالصلاة فى الأرض المغصوبة، والبيع عند النداء لصلاة الجمعة، ولا يمنع الإثم الطارئ ترتب أثره
عليه، كالظهار، فإنه منكر من القول وزور، ولم يمنع ذلك من ترتب أثره عليه، ولسنا فى حاجة إلى
قياس مع وجود النص فى الكتاب والسنة على ما قلنا، وإنما ذكرنا الظهار تنظيرا لا قياسا.
قال: ومن زعم أن الطلاق فى الحيض غير صحيح لا أثر له، فهذا متابعة منه للروافض ومن
سار سيرهم، وتلاعب بما صح من الأخبار فى الصحيحين وغيرهما بشهادة الحفاظ الأثبات،
ودعوى الاضطراب فى الأحاديث التى خرجها أصحاب الصحاح تدل على وقاحة بالغة،
واضطراب فى عقل مدعيه، وقد بوب البخارى فى "صحيحه" على وقوع طلاق الحائض،
حيث قال: "باب إذا طلقت الحائض يعتد بذلك الطلاق" بدون أى إشارة إلى خلاف فى ذلك،
وساق حديث ابن عمر فى طلاق امرأته وهى حائض، ولفظه: "مره فليراجعها". (والمراجعة
تقتضى سبق الطلاق) ونص مسلم أيضا على احتساب تلك التطليقة حيث قال: "وحسبت لها
التطليقة التى طلقها". وكذلك حديث الحسن عن ابن عمر وقد سبق ذكره مع إسناده، وفن
استعرض الأحاديث التى ورد فيها لفظ المراجعة فى الصحيحين وغيرهما لا يشك أن هذا اللفظ من
الأوضاع الشرعية فى عهد النبى معَّ كالطلاق وغيره، ولم يحدث فيه اصطلاح مستحدث بعد
عهد النبوة أصلا، وكل ما وقع فى أحاديث الطلاق من الارتجاع والرجعة والمراجعة فهى بالمعنى