النص المفهرس

صفحات 621-640

٦٢١
إعلاء السنن لا يقيم الإمام الحد بعلمه ما لم يكن معه غيره ويكمل نصاب البينة
٣٦٩٩- عن ابن شهاب عن زبيد بن الصلت أن أبا بكر الصديق قال: "لو
وجدت رجلا على حد ما أقمته عليه حتى يكون معى غيرى". رواه الكرابيسى معلقا،
ثم ساقه بسند صحيح عن ابن شهاب، كذا فى "فتح البارى (١٣: ١٤١).
٣٧٠٠ - عن أم كلثوم بنت أبى بكر: "أن عمر بن الخطاب كان يعس بالمدينة
ذات ليلة، فرأى رجلا وامرأة على فاحشة، فلما أصبح قال للناس: أرأيتم أن إماما رأى
رجلا وامرأة على فاحشة فأقام عليهما الحد، ما كنتم فاعلين؟ قالوا: إنما أنت إمام. فقال
على بن أبى طالب: ليس ذلك لك، إذن يقام عليك الحد، إن الله لم يأمن على هذا الأمر
أقل من أربعة شهداء، ثم تركهم ما شاء الله أن يتركهم، ثم سألهم، فقال القوم مثل
مقالتهم الأولى، وقال على مثل مقالته". أخرجه الخرائطى فى مكارم الأخلاق. (كنز
(العمال)، ولم أقف له على سند، وذكرته اعتضادا.
جاز لك استيفاءه مع الإمكان. قاله ابن المنير، كما فى "فتح البارى" أيضا (١٢٣:١٢).
فالحق ما قاله أبو حنيفة: لا يقضى القاضى بعلمه فى الحدود مطلقا، ويقضى فى الأموال بما
علمه فى مجلس القضاء، أما عدم قضائه بعلمه فى الحدود فلقوله تعالى: ﴿فاستشهدوا عليهن أربعة
منكم﴾. وقال تعالى: ﴿فإذا لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون﴾. ولأنه لا يجوز له أن
يتكلم به، ولو رماه بما علمه منه لكان قاذفا يلزمه حد القذف، فلم تجز إقامة الحد به، كقول غيره،
ولأنه إذا حرم النطق به فالعمل به أولى، وهذا هو قول مالك وأحمد وأحد قولى الشافعى. وقال فى
الآخر: له إقامته بعلمه، وهو قول أبى ثور كذا فى "المغنى" (١٩١:١٠). وقد عرفت فى كلام
الحافظ أن الراجح الأصح عند الشافعية أن لا يقضى بعلمه فى الحدود.
الرد على ابن حزم:
وأما ابن حزم فقد حفظ قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء
الله﴾. ونسى قوله: ﴿والذين يرمون المحصنت، ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة".
فلما لم يجز للحاكم أن يرمى أحدا بالفاحشة بعلمه وحده دون أن يكون معه ثلاثة فكيف يجوز
له إقامة الحد به وهى فوق الرمى بالقول؟ وهكذا أهل الظاهر وقياسهم واستنباطهم الأحكام من
القرآن والسنة فافهم والله يتولى هداك، ودلالة الآثار على معنى الباب ظاهرة.

٦٢٢
ج - ١١
باب إذا شهد أربعة بالزنا على امرأة أحدهم زوجها فالشهادة تامة
٣٧٠١- عن الحسن البصرى فى أربعة شهدوا على امرأة بالزنا أحدهم زوجها
قال: "إذا جاءوا مجتمعين الزوج أجوزهم شهادة".
٣٧٠٢- وعن الشعبى أنه قال فى أربعة شهدوا على امرأة بالزنا أحدهم زوجها:
إنه قد جازت شهادتهم، وأحرزوا ظهورهم. وقال الحكم بن عتيبة نحوه، وبهذا يأخذ
أبو حنيفة والأوزاعى فى أحد قوليه، ذكر الآثار كلها ابن حزم فى "المحلى"
(٣٦٢:١١). وجزم بنها ولم يعلها بشىء.
باب إذا شهد أربعة بالزنا على امرأة أحدهم زوجها فالشهادة تامة
قوله: "عن الحسن" إلخ. دلالة الآثار على معنى الباب ظاهرة. وقال مالك والشافعى: "لا
تتم الشهادة بأربعة أحدهم زوجها. وبه قال الأوزاعى فى أحد قوليه، واحتجوا بما روى عن ابن
عباس فى أربعة شهداء شهدوا بالزنا على امرأة وأحدهم زوجها، قال: "يلاعن الزوج ويحد
الآخرون". ذكره ابن حزم فى "المحلى" (٢٦١:١١) قلنا: محمول على ما إذا جاءوا متفرقين،
فيكون الزوج مدعيا، والثلاثة شاهدين، وإذا جاؤوا مجتمعين فالكل شهود. والفرق بين الشاهد
والقاذف قد ذكرناه فيما مضى أن القاذف من جاء القاضى وحده أو مع نفر لم يتموا أربعة،
والشاهد من جاءه مع غيره وقد تموا أربعة، فقول رسول الله عَّه لهلال بن أمية: ((البينة أو حد فى
ظهرك". وقوله تعالى: ﴿واللذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم﴾ محمول على
المدعى القاذف دون الشاهد قال تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنت ثم لم يأتوا بأربعة شهداء
فاجلدوهم﴾. ولم يخص الله تعالى أولئك الأربعة الشهداء أن لا يكون منهم زوجها.
قال الجصاص: فى "أحكام القرآن" له: "لا خلاف أن شهادة الزوج جائزة على امرأته فى
سائر الحقوق، وفى القصاص، وفى سائر الحدود، من السرقة والقذف والشرب، فكذلك يجب أن
تكون فى الزنا، ولو قذف الأجنبى امرأة وجاء بأربعة أحدهم زوجها اقتضى الظاهر جواز
شهادتهم، وسقوط الحد عن القاذف وإيجابه عليها. فإن قيل: الزوج يجب عليه اللعان إذا قذف
امرأته فلا يجوز أن يكون شاهدا؟ قيل له: إذا جاء مجىء الشهود مع ثلاثة غيره فليس بقاذف
ولا لعان عليه، وإنما يجب اللعان عليه إذا قذفها ثم لم يأت بأربعة شهداء، كالأجنبى إذا قذف
وجب عليه الحد، إلا أن يأتى بأربعة غيره يشهدون بالزنا، ولو جاء مع ثلاثة فشهدوا بالزنا لم يكن

٦٢٣
إعلاء السنن
باب إذا أحبلت امرأة لا زوج لها ولا سيد
لم يلزمه الحد بذلك ما لم تعترف أو تشهد عليها أربعة بالزنا
٣٧٠٣- حدثنا خلف بن خليفة ثنا هاشم: "أن امرأة رفعت إلى عمر بن الخطاب
ليس لها زوج وقد حملت. فسألها عمر، فقالت: إنى امرأة ثقيلة الرأس، وقع على رجل
وأنا نائمة، فما استيقظت حتى فرغ، فدرأ عنها الحد". رواه سعيد بن منصور كما فى
"المغنى" (١٩٣:١٠). وهذا مرسل صحيح، فخلف من رجال مسلم والأربعة، وهاشم
من رجال الجماعة ثقة.
قاذفا وكان شاهدا، فكذلك الزوج" اهـ (٢٩٥:٣).
وقال ابن قدامة فى "الشرح الكبير": "وإن كان أحدهم زوجا حد الثلاثة، ولا عن الزوج
إن شاء لأن الزوج لا تقبل شهادته على امرأته، لأنه بشهادته مقر بعداوته لها، فلا تقبل شهادته
عليها، فيبقى الشهود ثلاثة فيحدون " اهـ (٢٠١:١٠). قلنا: ذلك منقوض بشهادته عليها
بالقصاص وسائر الجدود من السرقة والقذف والشرب، فإنها مقبولة اتفاقا، ولا يكون بشهادته فى
ذلك مقرا بعداوته لها، فما الفرق بينها وبين الشهادة عليها بالزنا؟ حتى صار مقرا بعداوته لها فى
هذه دون غيرها، والمفروض أنه لم يكن عدوا لها ولا عداوة لها ثابتة قبل الشهادة، وأنه عدل
قد زكاه المزكون بالعدالة والصيانة، فمثله لا يكون مقرا بعداوته لها بمجرد الشهادة عليها فافهم.
باب إذا أحبلت امرأة لا زوج لها ولا سيد
لم يلزمه الحد بذلك ما لم تعترف أو تشهد عليها أربعة بالزنا
قوله: "حدثنا خلف بن خليفة" إلخ. قال الموفق فى "المغنى": "وتسأل المرأة، فإن ادعت أنها
أكرهت أو وطئت بشبهة، أو لم تعترف بالزنا لم تحد، وهذا قول أبى حنيفة والشافعى. وقال مالك:
عليها الحد إذا كانت مقيمة غير غريبة، إلا أن تظهر أمارات الإكراه، بأن تأتى مستغيثة أو صارخة
(قبل ظهور الحمل) لقول عمر رضى الله عنه: والرجم واجب على كل من زنى من الرجال والنساء
إذا كان محصنا إذا قامت به بينة، أو كان الحبل أو الاعتراف (قاله فى خطبته بالمدينة على منبر
النبى معَّ بمحضر من الصحابة ولم ينكرها أحد). وروى أن عثمان أتى بامرأة ولدت لستة أشهر،
فأمر بها عثمان أن ترجم، فقال على: ليس لك عليها سبيل، قال الله تعالى: وحمله وفصاله ثلاثون
شهرا. وقال: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين﴾، فالحمل يكون ستة أشهر، فلا رجم

١١
إذا أحبلت امرأة لا زوج لها ولا سيد
٦٢٤
٣٧٠٤ - ساق ابن عبد البر من طريق شعبة عن عبد الملك بن ميسرة عن النزال بن
سبرة، قال: "أنا لمع عمر بمنى، فإذا بامرأة حبلى ضخمة تبكى، فسألها، فقالت: إنى ثقيلة
الرأس فقمت بالليل أصلى ثم نمت، فما استيقظت إلا ورجل قد ركبنى ومضى، فما
أدرى من هو؟ قال: فدرأ عنها الحد". كذا فى "فتح البارى" (١٣٧:١٢) وهذا سند
عليها، فأمر عثمان بردها. رواه مالك فى الموطأ بلاغا، كذا فى "جمع الفوائد" (٢٨٦:١)، وهذا
يدل على أنه کان یرجمها بحملها، وعن عمر نحو من هذا (رواه عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن
المنذر وابن حاتم والبيهقى عن الأسود الدئلى: أن عمر بن الخطاب رفعت إليه امرأة ولدت لستة
أشهر، فهم برجمها، فبلغ ذلك عليا، فقال: ليس عليها رجم. الحديث، بمعنى ما تقدم. "كنز
العمال" (٩٦:٣) وأما قصة عثمان فالظاهر من رواية عبد الرزاق وو کیع وابن جرير وابن أبى حاتم
أن المتكلم فيها كان ابن عباس، فقال لعثمان مثل مقالة على لعمر، كذا فى "كنز العمال" عن أبى
الضحى عن قائد لابن عباس، قال: كنت معه فأتى عثمان بامرأة. الحديث (٨٧:٣). وروى عن
على رضى الله عنه أنه قال: يا أيها الناس إن الزنا زناءان زنا سر، وزنا علانية، فزنا السر أن يشهد
الشهود، وزنا العلانية أن يظهر الجبل أو الاعتراف. (رواه ابن أبى شيبة: حدثنا أبو خالد الأحمر عن
حجاج عن الحسن بن سعيد عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن على، فذكر نحوه، كذا
فى "نصب الراية" (٨٠:٢).
قال الموفق: ولنا أنه يحتمل أنه من وطئ إكراه أو شبهة، والحد يسقط بالشبهات، وقد قيل:
إن المرأة تحمل من غير وطئ، بأن يدخل ماء الرجل فى فرجها إما بفعلها أو فعل غيرها، ولهذا تصور
حمل البكر، فقد وجد ذلك، وأما قول الصحابة فقد اختلف الرواية عنهم، فروى سعيد فذكر ما
ذكرناه فى المتن، وروى البراء بن صبرة (الصحيح النزال بن سبرة کما ذكرناه فى المتن)، وروی
عن على وابن عباس أنهما قالا: إذا كان فى الحد لعل وعسى فهو معطل. (رواه عبد الرزاق عن
على كما مر)، وروى الدارقطنى بإسناده عن عبد الله بن مسعود ومعاذ بن جبل وعقبة بن عامر،
أنهم قالوا: إذا اشتبه عليك الحد فادراً ما استطعت، ولا خلاف فى أن الحد يدرأ بالشبهات، وهى
متحققة ههنا" اهـ ملخصا (٩٤:١٠).
وقال ابن عبد البر:"قد جاء عن عمر فى عدة قضايا أنه درأ الحد بدعوى الإكراه ونحوه،
ثم ساق من طريق شعبة ما ذكرناه فى المتن، واستنبط الباجى من قول عمر: أو كان الحبل أو
الاعتراف. أن من وطئ فى غير الفرج فدخل ماءه فيه فادعت المرأة أن الولد منه لا يقبل، ولا يلحق

٦٢٥
إذا أحبلت امرأة لا زوج لها ولا سید
إعلاء السنن
صحيح، وأخرجه الإمام أبو يوسف فى "الخراج" (١٨٤). عن الحسن عن عبد الملك
بن ميسرة عن النزال نحوه، وزاد: "فقال عمر: لو قتلت هذه خشيت على الأخشبين
النار، ثم كتب إلى أمراء الأمصار أن لا تقتل نفس دونه".
به إذا لم يعترف به، لأنه لو لحق به لما وجب الرجم على حبلى بجواز مثل ذلك وعكسه غيره،
فقال: هذا يقتضى أن لا يجب على الحبلى بمجرد الحبل حِد، لاحتمال مثل هذه الشبهة، وهو قول
الجمهور". وأجاب الطحاوى: "أن المستفاد من قول عمر: الرجم حق على من زنى إلخ. أن الحبل
إذا کان من زنا وجب فیه الرجم، وهو کذلك، ولکن لا بد من ثبوت کونه من زنا، ولا ترجم
بمجرد الحبل مع قيام الاحتمال فيه، لأن عمر لما أتى بالمرأة الحبلى وقالوا: إنها زنت وهى تبكى
فسألها ما يبكيك؟ فأخبرت أن رجلا ركبها وهى نائمة، فدراً عنها الحد بذلك". قال الحافظ فى
"الفتح" (١٣٧:١٢): "ولا يخفى تكلفه، فإن عمر قابل الحبل بالاعتراف، وقسیم الشىء لا يكون
قسمه" اهـ. قلت: نعم! ولكن قد يكون أو بمعنى الواو لمطلق الجمع دون التقسيم، كما فى
."القاموس" (٩٢٢:٢). وقد قامت الدلالة على أن عمر لم يرد جواز الرجم بمجرد الحبل، فلا بد
من تأويل قوله: "أو الحبل أو الاعتراف". ولا يخفى أن ما قاله الطحاوى أحسن تأويلا.
ولنذكر ما ورد عن عمر وعلى رضى الله عنهما من الدلالة على أنهما لم يرجما بمجرد
الحبل، فروى عبد الرزاق وابن أبى شيبة عن طارق بن شهاب، قال: "بلغ عمر أن امرأة متعبدة
حملت، قال عمر: أراها قامت من الليل تصلى، فخشعت فسجدت، فأتاها غاو من الغواة
فتجثمها، فأتته، فحدثته بذلك سواء فخلى سبيلها". وروى عبد الرزاق عن الثورى عن على بن
الأقمر عن إبراهيم، قال: بلغ عمر عن امرأة أنها حامل، فأمر بها أن تحرس حتى تضع، فوضعت ماءً
أسود، فقال عمر: لمة شيطان". كذا فى "كنز العمال" (٨٦:٣). وهذا مرسل صحيح، وفيه دلالة
على أنه لم يحدها ولا المتعبدة بمجرد الحمل، وروی الشافعی وعبد الرزاق والبيهقى عن أبی یزید:
"أن رجلا تزوج امرأة ولها ابنة من غيره، وله ابن من غيرها، ففجر الغلام بالجارية، فظهر بها
حبل، فلما قدم عمر إلى مكة رفع ذلك إليه، فسألهما فاعترفا، فجلده عمر الحد، وأخر المرأة حتى
وضعت، ثم جلدها، وفرض أن يجمع بينهما فأبى الغلام". كذا فى الكنز أيضا، وروى الشافعى
وعبد الرزاق واليهقى عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، قال: "توفى عبد الرحمن بن حاطب،
وأعتق من صلى من رقيقه وصام، وكانت له نوبية قد صلت وصامت، وهى أعجمية لم تفقه،
فأرسل إليها عمر، فسألها، فقال: حبلت؟ فقالت: نعم! من مرعوش بدرهمين". الحديث كذا فى

٦٢٦
ج - ١١
باب لا حد على المكرهة ویحد الذی استکرهها
٣٧٠٥ - عن أبى جحيفة: ((أن النبى معَّ اللّه درأ الحد عن امرأة استكرهت». رواه
الطبرانى وفيه الحجاج بن أرطاة وهو مدلس، (مجمع الزوائد ٦: ٢٧٠). قلت: فالحديث
حسن، كما ذكرناه فى المقدمة.
٣٧٠٦ - عن عبد الجبار بن وائل عن أبيه: "أن امرأة استكرهت على عهد رسول
الله عَّةِ، فدرأ عنها الحد" رواه الأثرم كما فى "المغنى" (١٥٩:١٠). وهو عند
الترمذى (١٧٥:١) وقال: "هذا حديث غريب وليس إسناده بمتصل وقد روى هذا
الحديث من غير هذا الوجه" اهـ. قلت: ولكنه تأيد بما قبله.
الكنز أيضا (٨٧:٣). وقد مر تصحيحه سابقا، وفيه دلالة على أنه لم يحدها بمجرد الحبل، بل
سألها، فلما اعترفت بالزنا حدها، أو دراً عنها الحد لجهالتها على اختلاف الروايتين.
وروى عبد الرزاق والبيهقى عن الشعبى: "أن عليا أتى بامرأة من همدان ثيب حبلى يقال
لها: شراحة قد زنت، فقال لها على: لعل الرجل استكرهك؟ قالت: لا! قال: فلعل الرجل قد وقع
عليك وأنت راقدة، قالت: لا! قال: فلعل لك زوجا من عدونا هؤلاء وأنت تكتمينه؟ قالت: لا،
فحسبها حتى إذا وضعت جلدها". الحديث كذا فى "كنز" (٨٨:٣). فهذا على لم يرجمها حتى
سألها ولقنها، فلما اعترفت بالزنا صريحا رجها، وروى ابن النجار عن سهل بن سعد: "أن وليدة
فى عهد النبى ◌ّ حملت من الزنا، فسئلت من أحبلك؟ فقالت: أحبلنى المقعد، فسئل عن ذلك
فاعترف". الحديث كذا فى "الكنز" أيضا (٨٩:٣). فقد رأيت أن النبى معَ لّه لم يحدها بمجرد
الحمل حتى سألها، فالحق ما عليه الجمهور أن المرأة لا تحد بمجرد الحبل ما لم تعترف بالزنا، أو تقم
عليه بينة عادلة. والله تعالى أعلم.
باب لا حد علی المکرهة ویحد الذى استكرهها
قال المؤلف: دلالة الآثار على معنى الباب ظاهرة. وأما ما رواه مالك عن ابن شهاب: "أن
عبد الملك بن مروان قضى فى امرأة أصيبت مستكرهة بصداقها على من فعل ذلك" فهو محمول
على ما إذا درأ الحد عن الرجل بشبهة. قال محمد فى الموطأ: "إذا استكرهت المرأة فلا حد عليها،
وعلى من أستكرهها الحد، فإذا وجب عليه الحد بطل الصداق ولا يجب الحد والصداق فى جماع
واحد، فإن درأ عنه الحد بشبهة وجب عليه الصداق (أى مهر مثل المرأة)، وهو قول أبى حنيفة

٦٢٧
لا حد علی المکرهة ویحد الذی استكرهها
إعلاء السنن
٣٧٠٧- أخبرنا مالك حدثنا نافع: "أن عبدا كان يقوم على رقيق الخمس، وأنه
استكره جارية من ذلك الرقيق، فوقع بها، فجلده عمر بن الخطاب ونفاه، ولم يجلد
الوليدة من أجل أنه استكرهها" . رواه محمد فى "الموطأ" (٣٠٨). وهو كذلك عند
مالك فى موطأه (٣٥٠). ومراسيله حجة عند القوم.
٣٧٠٨- عن الثورى عن الأعمش عن ابن المسيب: "أن عمر بن الخطاب أتى
بامرأة لقيها راع بفلاة من الأرض، وهى عطشى، فاستسقت، فأبى أن يسقيها إلا أن
تتركه فيقع بنها، فناشدته بالله فأبى، فلما بلغت جهدها أمكنته، فدراً عنها عمر الحد
بالضرورة" . رواه عبد الرزاق (كنز العمال ٨٦:٣). وهذا سند صحيح.
وإبراهيم النخعى والعامة من فقهائنا" اهـ. (٣٠٩).
وقال الموفق فى "المغنى": "لا حد على مكرهة فى قول عامة أهل العلم، روى ذلك عن
عمر والزهرى وقتادة والثورى والشافعى وأصحاب الرأى، ولا نعلم فيه مخالفا، وذلك لقول.
رسول اللّهِّ ل: عفى لأمتى عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه. (قلت: محمول عندنا على
رفع الإثم، وإنما الوجه ما سيأتى) وعن عبد الجبار بن وائل عن أبيه، فذكر ما فى المتن. قال: وأتى
عمر بإماء من إماء الإمارة استكرههن غلمان من غلمان الإمارة، فضرب الغلمان ولم يضرب
الإماء. رواه الأثوم. وروى سعيد بإسناده عن طارق بن شهاب قال: أتى عمر بامرأة قد زنت،
فقالت: إنى كنت نائمة فلم استيقظ إلا برجل قد جثم على، فخلى سبيلها ولم يضربها. ولأن هذا
شبيهة، والحدود تدرأ بالشبهات، ولا فرق بين الإكراه بالإلجاء وهو أن يغلبها على نفسها، وبين
الإكراه بالتهديد بالقتل ونحوه. نص عليه أحمد فى راع جاءته امرأة قد عطشت، فسألته أن
يسقيها، فقال لها: أمكنينى من نفسك، قال: هذه مضطرة، وإن أكره الرجل فزنى، فقال أصحابنا:
عليه الحد، وبه قال محمد بن الحسن وأبو ثور، لأن الوطئ لا يكون إلا بالانتشار، والإكراه ينافيه،
فإذا وجد الانتشار انتفى الإكراه، فيلزمه الحد، كما لو أكره على غير الزنا فزنى. وقال أبو حنيفة:
إن أكرهه السلطان فلا حد عليه، وإن أكرهه غيره حد استحسانا. وقال الشافعى وابن المنذر:
لا حد عليه لعموم الخبر، ولأن الحدود تدرأ بالشبهات، والإكراه شبهة فيمنع الحد، كما لو كانت
امرأة يحققه أن الإكراه إذا كان بالتخويف أو بمنع ما تفوت حياته بمنعه كان الرجل فيه كالمرأة، فإذا
لم يجب عليها الحد لم يجب عليه، وقولهم: إن التخويف ينافى الانتشار لا يصح، لأن التخويف بترك

ج - ١١
٨,٠م
٦٢٨
باب من أصاب حدا مرتين فصا عدا قبل أن يقام
علیه الحد لا يحد إلا حدا واحدا
٣٧٠٩- ابن وهب عن سفيان الثورى عن حميد الطويل عن أنس بن مالك، قال:
"أتى عمر بن الخطاب بسارق، فقال: ما سرقت قبلها، فقال له عمر: كذبت ورب
عمر، ما أخذ الله عبدا عند أول ذنب". وعن ابن وهب عن عبد الله بن سمعان بهذا،
وأن على بن أبى طالب قال له: الله أحلم من أن يأخذ عبده فى أول ذنبٍ يا أمير المؤمنين!
الفعل، والفعل لا يخاف منه فلا يمنع ذلك، وهذا أصح الأقوال إن شاء الله تعالى اهـ. (١٥٩:١٠ و ١٦٠).
وقال فى "الهداية": " ومن أكرهه السلطان حتى زنى فلا حد عليه، وكان أبو حنيفة رحمه
الله تعالى يقول أولا: يحد، وهو قول زفر، لأن الزنا من الرجل لا يتصور إلا بعد انتشار الآلة،
وذلك دلیل الطواعیة، ثم رجع عنه فقال: لا حد علیه، لأن سببه الملجئ قائم ظاهرا، والانتشار دلیل
متردد، لأنه قد يكون من غير قصد، لأن الانتشار قد يكون طبعا لا طوعا، كما فى النائم، فأورث
شبهة، وإن أكرهه غير السلطان حد عند أبى حنيفة، وقالا: لا يحد. له أن الإكراه من غيره لا يدوم
إلا نادرا، لتمكنه من الاستعانة بالسلطان، أو بجماعة من المسلمین، ويمكنه دفعه بنفسه بالسلاح،
والنادر لا حكم له، فلا يسقط به الحد، بخلاف السلطان، لأنه لا يمكنه الاستعانة بغيره،
ولا الخروج بالسلاح عليه فافترقا" اهـ. قال المحقق فى "الفتح": قال المشايخ: وهذا اختلاف عصر
وزمان، ففى زمن أبى حنيفة ليس لغير السلطان من القوة ما لا يمكن دفعه بالسلطان، وفى زمنهما
ظهرت القوة لكل متغلب، فيفتى بقولهما، وعليه مشى صاحب "الهداية" فى الإكراه، حيث قال:
والسلطان وغيره سيان عند تحقق القدرة على إيقاع ما توعد به اهـ (٥٢:٥). قلت: فلا حد على مكرهة
ولا على مكره، إذا تحققت شرائط الإكراه التى ذكرها الفقهاء فى باب الإكراه، والله تعالى أعلم.
باب من أصاب حدا مرتین فصا عدا قبل أن يقام عليه الحد لا يحد إلا حدا واحدا
قوله: "ابن وهب" إلخ. دلالته على معنی الباب ظاهرة. فإن السارق كان قد أقر بأنه سرق
قبل سرقته هذه إحدى وعشرين مرة، فلم يعيدوا عليه الحد. وروى الإمام أبو حنيفة عن حماد عن
إبراهيم، أنه قال فى رجل قذف رجلا بالكوفة، وآخر بالبصرة، وآخر بواسط، فضرب الحد، قال:
هو لذلك كله. وكذلك إن سرق غير مرة من أناس شتى، وقطع، كان القطع لذلك كله، وكذلك
الزنا، وكذلك شرب الخمر. كذا فى جامع مسانيد الإمام (٢: ١٨٥).

٦٢٩
من أصاب حدا مرتين فصاعدا قبل أن يقام عليه الحد
إعلاء السنن
فأمر به عمر، فقطع، فلما قطع قام إليه على بن أبى طالب، فقال له: أنشدك الله كم
سرقت من مرة؟ قال له: إحدى وعشرين مرة. رواه ابن حزم فى "المحلى" (١٥٨:١١).
وقال الموفق فى "المغنى": "إن ما يوجب الحد من الزنا والسرقة والقذف وشرب الخمر إذا
تكرر قبل إقامة الحد أجزأ حد واحد بغير خلاف علمناه. قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من
نحفظ عنه من أهل العلم، منهم عطاء والزهرى ومالك وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو .
یوسف، وهو مذهب الشافعی، وإن أقیم علیه الحد ثم حدثت منه جنایة أخری ففيها حدها، لا نعلم
فيه خلافا، وحكاه ابن المنذر عمن يحفظ عنه، وقد سئل رسول الله عرّ له عن الأمة تزنى قبل أن
تحصن، قال: إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها (متفق علیہ کما
تقدم)، ولأن تداخل الحدود إنما يكون مع اجتماعها، وهذا الحد الثانى وجب بعد سقوط الأول
باستيفاءه، وإن كانت الحدود من أجناس مثل الزنا والسرقة وشرب الخمر أقيمت كلها، إلا أن
یکون فيها قتل، فإن كان فيها قتل اکتفی به، لأنه لا حاجة معه إلى الزجر بغيره، وقد قال ابن
مسعود: ما كانت حدود فيها قتل إلا أحاط القتل بذلك كله. وإن لم يكن فيها قتل استوفيت
كلها، وبرئ فالأخف فالأخف فيبدأ بالجلد، ثم بالقطع، ويقدم الأخف فى الجلد على الأقل، فيبدأ
فى الجلد بحد الشرب ثم بحد القذف إن قلنا: إنه حق الله تعالى: ثم بحد الزنا، وإن قلنا: إن حد
القذف حق لآدمى قدمناه، ثم بحد الشرب، ثم بحد الزنا" اهـ. (١٩٨:١٠)، قلت: حد القذف.
مشترك بين حق الله وحق العبد، فيبدأ به على حد هو خالص حق الله تعالى.
إذا شهد أربعة على رجل بالزنا وهم فساق:
فائدة: قال الإمام أبو يوسف فى الخراج له: " حدثنا أشعث عن الشعبى فى أربعة شهدوا
على رجل بالزنا، فكان أحدهم ليس بعدل، أو لم يكونوا كلهم عدولا، قال: لا أجلد أحدا منهم.
قال أبو يوسف: فإن كانوا أربعة فساقا أو سئل عنهم فلم يزكوا، فلا حد عليهم، لأنهم أربعة
ولا على المشهود عليه، قال: فإن شهد أربعة وهم عميان، فينبغى للإمام أن يحدهم ولا حد على
المشهود عليه، وكذلك لو كانوا عبيدا، أو محدودين فى قذف أو كانوا ذمة، لا يجوز فى ذلك إلا
شهادة أربعة أحرار مسلمين عدول" اهـ (١٩٦). قلت: وإنما لم يحدوا إذا كانوا فساقا لكون
الفسق أمرا باطنا لا يطلع عليه فى الحقيقة إلا الله تعالى، لاحتمال أن يكونوا قد تابوا عما نسب
إليهم من الفسق، والحدود تدرأ بالشبهات.

ج - ١١
لا حد على من وطئ جارية من الفىء وله فيها نصيب
٦٣٠
وأخرج نحوه من قول أبى بكر رضى الله عنه، وقال: "الإسنادان عن أبى بكر وعلى
لا حد على من وطئ جارية من الفىء وله فيها نصيب:
فائدة: قال الإمام أبو يوسف فى الخراج أيضا: حدثنا: سعيد هو ابن أبى عروبة عن قتادة عن
سعيد بن المسيب، فى الرجل يطأ الجارية من الفیء. قال: لیس علیه فيها حد إذا كان له فيها
نصيب" اهـ. (٢٠٤) وهذا سند صحيح قال: وحدثنا إسماعيل بن أبى خالد عن عمير بن نمير
(الصحيح عبيد بن عمير) قال: سئل ابن عمر رضى الله عنه عن جارية كانت بين رجلين فوقع
عليها أحدهما، قال: ليس عليه حد. قال: وحدثنا إسماعيل عن الشعبى قال: جاء رجل إلى عبد
الله، فقال: إنى وقعت على جارية امرأتى، فقال: اتق الله ولا تعد، قال: وحدثنا أشعث عن الحسن
فى الرجل يقع على جارية أمه، قال: ليس عليه حد، وجارية الجد والجدة مثل جارية الأم والأب،
قال أبو يوسف: ومن فجر بامرأة حرة فماتت من ذلك فعليه الدية والحد، وإن فجر بامرأة ثم
تزوجها فإنه يحد، وكذلك لو فجر بأمة ثم اشتراها حد به، قال: ولو فجر بأمة فقتلها فإنى
استحسن أن ألزمه قيمتها، ولا أحده (٢١٢). قلت: وأما عند أبى حنيفة ومحمد فعليه الحد
والقيمة جميعا، كما فى "الهداية"، وقال المحقق فى "الفتح": ذكره صاحب الهداية بلفظ عن أبى
يوسف، ليفيد أنه ليس ظاهر المذهب عنه، فإن محمدا لم يذكر فيها خلافه فى الجامع الصغير،
وعادته إذا كان خلافه ثابتا ذكره، وكذا الحاكم الشهيد لم يذكر فى الكافى خلافا وإنما نقل الفقيه
أبو الليث خلافه فقال: ذكر أبو يوسف فى الأمالى إلخ (٥٤:٥).
الرد على ابن حزم:
ورحم الله ابن حزم حيث عزى المروى عن أبى يوسف إلى أبى حنيفة، ثم جعل يرده عليه
بأشنع لفظ وأقبحه، كما هو عادته من الإقذاع فى الكلام، وكذلك نسب إلى أبى حنيفة القول
بإسقاط الحد عمن زنى بامرأة، ثم تزوجها أو زنى بأمة ثم اشتراها كما فى المحلى (٢٥٢:١١) وهذه
فرية بلا مرية لم يقل به أبو حنيفة ولا صاحباه والله تعالى أعلم والبسط فى فتح القدير" (٥٤:٥).
لا حد على الإمام فى حقوق الله تعالى:
فائدة: قال فى "الهداية": "وكل شىء صنع الإمام الذى ليس فوقه إمام فلا حد عليه،
إلا القصاص، فإنه يؤخذ به، وبالأموال، لأن الحدود حق الله تعالى، وإقامتها إليه لا إلى غيره.
بدليل ما مر من قوله عّ لّه: أربعة إلى الولاة وعد منها إقامة الحدود)، ولا يمكنه أن يقيم على نفسه

٦٣١
إعلاء السنن
ضعيفان، أحدهما مرسل والآخر مرسل ساقط، والإسناد فى ذلك عن عمر صحيح اهـ.
قلت: وقد تأيد به المرسلان عن أبى بكر وعلى، والإرسال ليس بعلة عندنا.
(لأن إقامته بطريق الخزى والنكال، ولا يفعل أحد ذلك بنفسه، ولا ولاية لأحد عليه ليستوفيه،
وفائدة الإيجاب الاستيفاء، فإذا تعذر لم يجب) بخلاف حقوق العباد، ولأنه يستوفيه ولى الحق، إما
بتمكينه، أو بالاستعانة بمنعة المسلمين، والقصاص والأموال منها، وأما حد القذف قالوا: المغلب فيه
حق الشرع، فحكمه حكم سائر الحدود التى هى حق الله تعالى". قال المحقق فى الفتح: "وأورد
عليه ما المانع من أن يولى غيره الحكم فيه بما يثبت عنده كما فى الأموال، فإذا صحت هذه الاستنابة
فوجب عليه حق للعبد استوفاه العبد، أو حق الله استوفاه ذلك النائب، وقد يقال: أين دليل إيجاب
الاستتابة؟ والله سبحانه أعلم" اهـ (٥٦:٥).
إذا أقر أنه زنى بامرأة فجحدت:
فائدة: من أقر أنه زنی بامرأة سماها، فجحدت یحد للقذف فقط، ولا یحد للزنا عند أبی
حنيفة والأوزاعى. وقال مالك والشافعى: يحد للزنا لا للقذف، واحتجوا بما رواه أحمد وأبو
داود عن سهل بن سعد: "أن رجلا جاء إلى النبى عّ لّه، فقال: إنه قد زنى بامرأة قد سماها. فأرسل
النبى معَِّ إلى المرأة، فدعاها فسألها عما قال، فأنكرت، فحده وتركها". كما فى نيل الأوطار
(٢٠:٧). وفى إسناده عبد السلام بن حفص أبو مصعب المدنى وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم:
"ليس بمعروف". فحمله مالك والشافعى على أنه مٍّ حده للزنا، بدليل ما رواه النسائي وأبو
داود: "أن رجلا من بكر بن ليث أتى النبى مب لله، فأقر أنه زنى بامرأة أربع مرات، فجلد مائة، وكان
بكرا، ثم سأله البينة على المرأة، فقالت: كذب يا رسول الله! فجلده حد الفرية ثمانين". وفى
إسناده القاسم بن فياض الصنعانى، تكلم فيه غير واحد، حتى قال ابن حبان: "إنه بطل الاحتجاج
به". وقال النسائى: "هذا حديث منكر". كذا فى النيل. وأيضا: فهو يخالف ما ذهب إليه مالك
والشافعى، فإنهما قالا: "يحد للزنا لا للقذف"، وفى الأثر أنه حده للزنا والقذف جميعا. وأيضا:
فإن إنكار المرأة شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات.
قال الشوكانى: وأجيب بأنه أى إنكار المرأة لا يبطل به إقراره" اهـ. قلنا: فلم أرسل
النبى مّه إلى المرأة ودعاها، فسألها عما قال؟ فإن الظاهر منه أن إنكار المرأة يورث شبهة فى
إقراره، لأن فعل الزنا من الرجل لا يتصور بدون المحل، وبإنكارها قد انتفى فى جانبها، فينتفى فى

- ١١
إذا أقر أنه زنی بامرأة فجحدت
٦٣٢
٣٧١٠- عن معاوبة قال: قال رسول الله عَّ طله: ((من شرب الخمر فاجلدوه، فإن
عاد فى الرابعة فاقتلوه)). رواه الترمذى (١٨٤:١) وفى نفع قوت المغتذى (١٧٣:١):
صححه ابن حبان والحاكم.
قلت: قال الذهبى أيضا هو صحيح، كما فى الزيلعى (٢: ٩٥).
جانبه أيضا، ألا ترى أنه لو انتفى صفة الزنا فى جانبها بدعوى النكاح سقط الحد عنهما: فإذا انتفى
أصل الفعل أولى، وهذا لأن القاضى لا يتمكن من القضاء عليه بالزنا بها مع إنكارها، ألا ترى أنها
تبقى محصنة؟ ولا يتمكن من القضاء عليه بالزنا بغيرها، لأنه لم يقر بذلك، وبدون القضاء بالزنا
لا يتمكن من إقامة الحد، ولا يصح القياس على ما إذا كانت حاضرة ساكتة، أو غائبة، أو قالت:
زنی بی مستكرهة، لأن بسكوتها وغيبتها واستكراهها لا ينتفى الفعل فى جانبها، وبإنكارها ينتفى،
ألا ترى أن من أقر لإنسان بشىء وكذبه بطل إقراره حتى لو صدقه بعد ذلك لم يصح؟ ولو كان
غائبا أو حاضرا ساكتا لم يبطل به الإقرار، حتى إذا صدقه عمل بتصديقه، وهذا بخلاف ما إذا قالت:
زنى بى مستكرهة، لأن المحلية وأصل الفعل هناك قد ظهر فى حقها، ولهذا سقط إحصائها به.
قال السرخسى فى "المبسوط": "وحديث سهل بن سعد قد ضعفه أهل الحديث ثم تأويل
الحديث أنها أنكرت وطالبته بحد القذف، فحده رسول الله مێ بقذفه إياها بالزنا، لا ياقراره بالزنا
على نفسه، وعلى هذا لو أقرت امرأة أنه زنى بها فلان أربع مرات وأنكر الرجل، فهو على الخلاف
الذى بينا فى إقامة الحد عليها، وكلام أبى حنيفة هنا أظهر لأن المباشر للفعل هو الرجل فلا يثبت
أصل الفعل مع إنكاره، وإن قال الرجل: صدقت حدت المرأة، ولم يحد الرجل، لأنه بالتصديق
صار مقرا بالزنا مرة واحدة، وقد بينا أن بالإقرار الواحد لا يقام الحد" اهـ. (٩٩:٩).
وبهذا سقط ما قاله الحافظ فى "الفتح": ونصه: والحجة فیه أنه إن كان صدق فى نفس
الأمر فلا حد عليه لقذفها، وإن كان كذب فليس بزان. (قلنا: ولكنه قاذف) وإنما يجب عليه حد
الزنا لأن كل من أقر على نفسه وعلى غيره لزمه ما أقر به على نفسه وهو مدع فيما أقر به على غيره
فيؤاخذ بإقراره على نفسه دون غيره اهـ (١٥٤:١٢). قلنا: ولكن دعوى الزنا بامرأة معلومة موجبة
لقذفها بالزنا، فكيف لا يؤاخذ بإقراره على غيره؟ فينبغى القول بوجوب الحد للزنا والقذف جميعا،
ولا تقولون به، وأيضا: فإن المرء إنما يؤخذ بإقراره على نفسه فى الأموال، وأما فى الزنا فلا يؤاخذ به
ما لم يقر أربع مرات، ولم يكن فى الإقرار شبهة، وإلا فلا يؤاخذ به، وقد ذكرنا أن إنكار المرأة شبهة
فى إقراره، فلا يحد للزنا، ويحد للقذف إذا طالبته، لكونه قاذفا لها بلا شبهة، والله تعالى أعلم.

٦٣٣
إعلاء السنن
باب حد الشرب
باب ما ورد فیمن شرب الخمر
٣٧١١- عن معاوية رضى الله عنه قال قال رسول الله عَّ طله، من شرب الخمر
فاجلدوه، فإن عاد فى الرابعة فاقتلوه. رواه الترمذى (٨٤:١) وفى "نفع قوت المغتذى"
باب ما ورد فیمن شرب الخمر
قوله: "عن معاوية" إلخ. قلت: قال الترمذى بعد رواية الحديث: "وفى الباب عن أبى هريرة
والشريد وشرحبيل بن أوس وجرير وأبى الرمد البلوى وعبد الله بن عمرو، وحديث معاوية هكذا
روى الثوری أيضا عن عاصم عن أبى صالح عن معاوية عن النبی مێ﴾. وروى ابن جريج ومعمر
عن سهيل بن أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة عن النبى معَّ .. سمعت محمدا يقول: حديث أبى
صالح عن معاوية عن النبى معَّ فى أصح من حديث أبى صالح عن أبى هريرة عن النبى معَّهِ، وإنما
كان هذا فى أول الأمر، ثم نسخ بعد، هكذا روى محمد بن إسحاق عن محمد بن المنكدر عن
جابر بن عبد الله عن النبى معَّهِ، قال: إن من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد الرابعة فاقتلوه. قال:
ثم أتی النبی مێ بعد ذلك برجل قد شرب فى الرابعة فضربه، ولم يقتله، و کذلك روی الزهرى
عن قبيصة بن ذويب عن النبى معَّه نحو هذا، قال: فرفع القتل، وكانت رخصة، والعمل على هذا
عند عامة أهل العلم لا نعلم بينهم اختلافا فى ذلك فى القديم والحديث. ومما يقوى هذا ما روى عن
النبى معَّ من أوجه كثيرة أنه قال: لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأنى رسول الله
إلا بإحدى ثلاث، النفس بالنفس، والثيب الزانى، والتارك لدينه" اهـ.
قلت: أما حديث ابن إسحاق فذكره الحافظ فى فتح البارى (١٢: ٧٠). ولفظه وقع عند
النسائى من طريق محمد بن إسحاق عن ابن المنكدر عن جابر: "فأتى رسول الله عَ لّه برجل منا قد
شرب فى الرابعة، فلم يقتله". وأخرجه من وجه آخر عن محمد بن إسحاق بلفظ: "فإن عاد الرابعة
فاضربوا عنقه، فضربه رسول الله عَّ أربع مرات، فرأى المسلمون أن الحد قد وقع، وأن القتل قد
رفع". قال الشافعى بعد تخريجه: " هذا ما لا اختلاف فيه بين أهل العلم علمته. وذكره أيضا عن.
أبى الزبير مرسلا، وقال: أحاديث القتل منسوخة" اهـ.
وأما حديث قبيصة ففى "فتح البارى" (٧٠:١٢) أيضا: "أخرجه الشافعى وعبد الرزاق
وأبو داود من رواية الزهرى عن قبيصة بن ذويب، قال: قال رسول الله عَ له: ((من شرب الخمر
فاجلدوه إلى أن قال: ثم إذا شرب فى الرابعة فاقتلوه، قال: فأتى برجل قد شرب فجلده، ثم أتى به

، ١١
- رر- يس حرب ، سر
(١٧٣:١): صححه ابن حبان والحاكم. قلت: قال الذهبى أيضا: هو صحيح كما فى
الزيلعى (٩٥:٢).
قد شرب فجلده، ثم أتى به قد شرب فجلده، ثم أتى به فى الرابعة قد شرب فجلده، فرفع القتل عن
الناس، وكانت رخصة، وعلقه الترمذى، فقال: روى الزهرى وأخرجه الخطيب فى المبهمات من
طريق محمد بن إسحاق عن الزهرى، وقال فيه: "فأتى برجل من الأنصار يقال له: نعيمان، فضربه
أربع مرات، فرأى المسلمون أن القتل قد أخر، وأن الضرب قد وجب". وقبيصة بن ذويب من
أولاد الصحابة، وولد فى عهد النبى ◌ٍّ، ولم يسمع منه، ورجال هذا الحديث ثقات مع إرساله،
لكنه أعل بما أخرجه الطحاوى من طريق الأوزاعى عن الزهرى، قال: بلغنى عن قبيصة، ويعارض
ذلك رواية ابن وهب عن يونس عن الزهرى أن قبيصة حدثه، أنه بلغه عن النبى مّ له، وهذا أصح،
لأن يونس أحفظ لرواية الزهرى من الأوزاعى، والظاهر أن الذى بلغ قبيصة ذلك صحابى، فيكون
الحديث على شرط الصحيح، لأن إبهام الصحابى لا يضر، وله شاهد أخرجه عبد الرزاق عن
معمر، قال: حدثت به ابن المنكدر فقال: ترك ذلك، قد أتى رسول الله مطلآه بابن نعيمان، فجلده
ثلاثا، ثم أتی به فى الرابعة، فجلده ولم يزد" اهـ.
وفى الزيلعى (٩٦:٢): "وقبيصة فى صحبته خلاف" اهـ. وفى "تهذيب التهذيب"
(٣٤٦:٨): "وقال الغلابى عن ابن معين: أتى به رسول الله عَّه ليدعو له بالبركة" اهـ. وفيه أيضا:
"وقال ابن عبد البر فى "الاستيعاب": ولد فى أول سنة من الهجرة، وكان له فقه وعلم. وقال ابن
قانع: يقال: له رؤية. وقال أبو موسى المدينى فى الذيل: أورده العسكرى فى الصحابة. وقال جعفر:
لا يصح سماعه، لأنه ولد يوم الفتح، وروى عن النبى مرّ لل أحاديث مراسيل" اهـ (٣٤٧:٨). وفى
"نيل الأوطار" (٥٨:٧): "قال المنذري: وإذا ثبت أن مولده أول سنة من الهجرة أمكن أن يكون
سمع من رسول الله مَّ اهـ. وفى "فتح البارى" (٧١:١٢). "وأما ابن المنذر فقال: كان العمل
فيمن شرب الخمر أن يضرب وينكل به، ثم نسخ بالأمر بجلده، فإن تكرر ذلك أربعا قتل، ثم نسخ
ذلك بالأخبار الثابتة، ويإجماع أهل العلم إلا من شذ ممن لا يعد خلافاً".
قلت: وكانه أشار إلى بعض أهل الظاهر، فقد نقل عن بعضهم واستمر علیه ابن حزم منهم،
واحتج له وادعى أن لا إجماع، وأورد من مسند الحارث بن أبى أسامة ما أخرجه هو والإمام أحمد
من طريق الحسن البصرى عن عبد الله بن عمرو أنه قال: "ائتونى برجل أقيم عليه الحد يعنى ثلاثا،
ثم سكر فإن لم أقتله فأنا كذاب". وهذا منقطع، لأن الحسن لم يسمع من عبد الله بن عمرو كما

٦٣٥
ما ورد فيمن شرب الخمر
إعلاء السنن
٣٧١٢- عن أنس بن مالك: "أن نبى الله عَّه جلد فى الخمر بالجريد والنعال،
ثم جلد أبو بكر أربعين، فلما كان عمر ودنا الناس من الريف والقرى قال: ما ترون
فى جلد الخمر؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: أرى آن تجعلها كأخف الحدود، قال:
فجلد عمر ثمانين". رواه مسلم (٧١:٢).
٣٧١٣- عن حصين بن المنذر أبى ساسان، قال: "شهدت عثمان بن عفان أتى
بالوليد قد صلى الصبح ركعتين، ثم قال: أزيد كم، فشهد عليه رجلان، أحدهما
جزم به ابن المدينى وغيره، فلا حجة فيه، وإذا لم يصح هذا عن عبد الله بن عمرو لم يبق لمن رد
الإجماع على ترك القتل متمسك، حتى ولو ثبت عن عبد الله بن عمرو لكان عذره أنه لم يبلغه
الناسخ، وعد ذلك من ندرة المخالف، وقد جاء عن عبد الله بن عمرو أشد من الأول، فأخرج سعيد
ابن منصور عنه بسند لين، قال: "لو رأيت أحدا يشرب الخمر واستطعت أن أقتله لقتلته" اهـ.
ودلالة الحديث على الباب ظاهرة.
قوله: "عن أنس" إلخ. قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة. وفى "فتح البارى"
(٦٤:١٢): "أخرج أبو عبيد فى غريب الحديث بسند صحيح عن أبى رافع عن عمر أنه أتى
بشارب، فقال لمطيع بن الأسود: إذا أصبحت غدا فاضربه، فجاء عمر فوجده یضربه ضربا شديدا،
فقال: كم ضربته؟ قال: ستين: قال: اقتص عنه بعشرين. قال أبو عبيد: يعنى اجعل شدة ضربك له
قصاصا بالعشرين التى بقيت من الثمانين" اهـ.
قال بعض الناس: هذا التأويل تكلف بارد، وعندى هو محمول على أنه وقع فى أول إمرة
عمر، حين يضرب بأربعين، وتقرر الثمانون فى آخرها، فالمعنى أنك تجاوزت عن المقدار المعين
بعشرين، فوجب القصاص" اهـ. قلت: ومن أخبرك أنه محمول على بدأ الإمارة؟ وأبو عبيد أعرف
منك بتاريخ الإسلام، فلعله اطلع على أن ذلك كان حين تقرر الثمانون، وأيضا: ففيما قاله بعض
الناس نسبة الجهل والعدوان إلى مطيع بن الأسود الصحابى، وفيه بعد، فالظاهر أن من يكون مأمورا
يإقامة الحدود لا يكون جاهلا بمقاديرها، ولا ينسب إليه الجهل إلا بدليل واضح، وأيضا: لو كان
المعنى ما ذكره لقال عمر: أقصه منك بعشرين، فليس معناه إلا ما قال أبو عبيد، ففى الأثر دليل على
أن عمر كان يجلد فى الخمر ثمانين.
قوله: "عن حصين بن المنذر" إلخ. قال المؤلف: قد اختلفت الروايات فى هذا الحديث، ففى
"نيل الأوطار" (٥٤:٧): "عن عبيد الله بن عدى بن الخيار أنه قال لعثمان: قد أكثر الناس فى

٦٣٦
ج - ١١
ما ورد فیمن شرب الخمر
حمران أنه شرب الخمر، وشهد آخر أنه رآه يتقيأ. فقال عثمان: إنه لم يتقيأ حتى شربها،
فقال: يا على! قم فاجلده، فقال على: قم يا حسن! فاجلده، فقال الحسن: ول حارها
من تولى قارها، فكأنه وجد عليه، فقال: يا عبد الله بن جعفر قم! فاجلده، فجلده وعلى
الوليد، فقال: سنأخذ منه بالحق إن شاء الله تعالى، ثم دعا أمير المؤمنين عليا، فأمره أن يجلده،
فجلده ثمانين. مختصرا من البخارى. وفى رواية له: أربعين" اهـ. وفى "فتح البارى" (٤٦:٧)
تحت حديث عبيد الله هذا: "قوله: فجلده ثمانين. فى رواية معمر فجلد الوليد أربعين جلدة، وهذه
الرواية أصح من رواية يونس" إلخ. ثم ذكر حديث المتن ترجيحا لرواية معمر. قلت: إن عليا كان
أولا أشار على عمر بالثمانين، كما فى "فتح البارى" (٥٩:١٢): "وأخرج مالك فى "الموطأ" عن
ثور بن يزيد: أن عمر استشار فى الخمر، فقال له على بن أبى طالب: نرى أن تجعله ثمانين، فإنه إذا
شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى فجلد عمر فى الخمر ثمانين. وهذا معضل، وقد
وصله النسائى والطحاوى من طريق يحيى بن فليح عن ثور عن عكرمة عن ابن عباس مطولا،
ولفظه: أن الشراب كانوا يضربون على عهد رسول الله مآ بالأيدى والنعال والعصا حتی توفی،
فكانوا فى خلافة أبى بكر أكثر منهم، فقال أبو بكر: لو فرضنا لهم حدا، فتوخى نحو ما كانوا
يضربون فى عهد النبی مێ فجلدهم أربعین حتی توفی، ثم كان عمر فجلدهم كذلك حتى أتى
برجل، فذكر قصة وأنه تأول قوله تعالى: ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما
طعموا. وأن ابن عباس ناظره فى ذلك، واحتج ببقية الآية وهو قوله تعالى: ﴿إذا ما اتقوا﴾. والذى
يرتكب ما حرمه الله ليس بمتق، فقال عمر: ما ترون؟ فقال على فذكره، وزاد بعد قوله: وإذا هذى
افترى: وعلى المفترى ثمانون جلدة. فأمر به عمر فجلده ثمانين. قال: ولهذا الأثر عن على طرق
أخرى فذكرها، واقتصاره فى جلد الوليد على الأربعين" اهـ. وهذا ليس مخالفا للإجماع لما سيأتى
أن جلد الوليد كان بمخصرة له رأسان، فالأربعون كان بمنزلة الثمانين، ويؤيده ما أخرجه
الطحاوى والطبرى من طريق أبى جعفر محمد بن على بن الحسين: أن عليا جلد الوليد بسوط له
طرفان اهـ. من "الفتح" (٦١:١٢) اهـ.
وفى فتح القدير: "ولا مانع من كون كل من على وعبد الرحمن بن عوف أشار بذلك،
فروى الحديث مرة مقتصرا على هذا، ومرة على هذا" اهـ. (٨٣:٥). قلت: أو أحد الراويين
لم يطلع على ما اطلع عليه الآخر، فروى كل ما علم، وفى الحديث الاستدلال بالتقيئ على

٦٣٧
ما ورد فيمن شرب الخمر
إعلاء السنن
يعد حتى بلغ أربعين، فقال: أمسك، ثم قال: جلد النبى عّ لّه أربعين، وأبو بكر أربعين،
الشرب، وهو خلاف المذهب، ففى "الهداية" (٥٠٨:٢): "ولا حد على من وجد منه رائحة
الخمر أو تقياها لأن الرائحة محتملة، وكذا الشرب قد يقع عن إكراه واضطرار" إلخ. فلا بد من
الجواب عن الأثر، ويرد على إبداء احتمالات الهداية أن هذه تجرى فى الشرب أيضا، فما وجه
تخصيصها بالتقيؤ؟ فلنشتغل بالجواب عنه قبل الاشتغال بالجواب عن الأثر.
فنقول: إن الاضطرار أو الإكراه لو تحقق فى الشرب لعلم ببيان الشهود أو الإقرار، كما
عرف نفس الشرب بهما. فلما لم يعلم عرف أنه لم يكن، خلاف التقيؤ، فإنه لا دلالة فيه عليه،
فالاحتمال قائم، وأما ما قال النووى مرجحا لعدم اعتبار الاحتمالات المذكورة ما نصه: "لأن
الصحابة اتفقوا على جلد الوليد بن عقبة المذكور" اهـ. فلا يفيد مقصوده، فإنه لا يلزم منه أنهم
علموا القصة مفصلة، ثم أقروها فكان الإجماع منهم عليه، بل هذا بعيد، فالأظهر أن بعضهم
علموها مفصلة، وبعضهم عرفوها مجملة، لأن أفعال الإمام كلها مما يتعلق بالحكومة اشتبهارها
تفصيلا بعيدا جدا فافهم. نعم! بقى أن يقال: إن الإمام الأعظم يحتج بقول صحابى وعمله، فكيف
بأربعة أجلاء؟ فالجواب عنه: أن ذلك العمل حيث لم يكن المرفوع معارضا له، وقد ثبت هناك
حديث مرفوع دال على درأ الحد بالشبهات، وقد مر فى موضعه من هذا الكتاب، فلا يعمل
بالموقوف إذا عارضه المرفوع. ثم رأيت فى "فتح البارى" (٤٦:٧) ما يقلع الإشكال من أصله
ونصه بعد نقل حديث حصين: "وكذلك روى عمر ابن شبة فى "أخبار المدينة" بإسناد حسن إلى
أبى الضحى، قال: لما بلغ عثمان قصة الوليد استشار عليا، فقال: أرى أن تستحضره، فإن شهدوا
عليه بمحضر منه حددته، ففعل فشهد عليه أبو زينب، (الأسدى كما فى الفتح أيضا) وأبو مورع
(الأسدى كما فى "الفتح" أيضا)، وجندب بن زهير الأزدى، وسعد بن مالك الأشعرى، فذكر
نحو رواية أبى ساسان، وفيه: فضربه بمخصرة لها رأسان، فلما بلغ أربعين قال له: أمسك" اهـ.
وفيه أيضا: "وذكر المسعودى فى المروج أن عثمان قال للذين شهدوا: ما يدريكم أنه شرب الخمر؟
قالوا: هى التى كنا نشربها فى الجاهلية". (٤٧:٧). فثبت بهذه الروايات أن الشهادة كانت تامة،
ولم تكن الحاجة ماسة إلى الشهادة بالتقىء، فعثمان اعتبرها مؤيدة فقط، والتأييد بها صحيح،
فارتفع الإشكال الذى كان يرد على رواية مسلم.
وأما قول صاحب الهداية: "لا حد على من وجد منه رائحة الخمر" إلخ. فيعارضه ما رواه

٦٣٨
ج - ١١
ما ورد فيمن شرب الخمر
وعمر ثمانين، وكل سنة، وهذا أحب ألى". رواه مسلم (٢: ٧٢).
البخارى ومسلم والإمام أحمد، كما فى "نيل الأوطار" (٥٩:٧): عن علقمة، قال: "كنت
بحمص فقرأ ابن مسعود سورة يوسف، فقال رجل: ما هكذا أنزلت. فقال عبد الله: والله لقرأتها
على رسول الله عَ ◌ّه، فقال: أحسنت، فبينما هو يكلمه إذ وجد منه ريح الخمر فقال: أتشرب الخمر
وتكذب بالكتاب؟ فضربه الحد" اهـ. فالجواب عنه: أنه محمول على أن الشارب أقر عنده، ثم أقام
عبد الله عليه الحد، فإن الحد لا يقام إلا بإقرار أو بينة، وقد جلد الوليد بشهادة رجلين، فكيف يحد
ابن مسعود بوجود الريح فقط؟ ويشهد له ما رواه النسائى كما فى "النيل" (٥٥:٧): "عن
السائب بن يزيد أن عمر خرج عليهم، فقال: إنى وجدت من فلان ريح شراب، فزعم أنه شرب
الطلاء، وأنى سائل عما شرب؟ فإن كان مسكرا جلدته فجلده عمر الحد" اهـ. قلت: رجاله ثقات.
وأما ما فى "فتح البارى" (٦٣:١٢): "قال عبد الرزاق: أ نبأنا ابن جريج ومعمر، سئل ابن
شهاب كم جلد رسول الله عَّ له فى الخمر؟ فقال: لم يكن فرض فيها حدا، كان يأمر من حضره
أن يضربوه بأيديهم ونعالهم، حتى يقول لهم: ارفعوا، وورد أنه لم يضربه أصلا، وذلك فيما
أخرجه أبو داود والنسائى بسند قوى عن ابن عباس: أن رسول الله عّ لّه لم يوقت فى الخمر حدا،
قال ابن عباس: وشرب رجل فسكر، فانطلق به إلى النبى معَ ◌ّه لم يوقت فى الخمر حدا، قال ابن
عباس: وشرب رجل فسكر، فانطلق به إلى النبى معَ ◌ٍّ، فلما حاذى دارا للعباس انفلت، فدخل على
العباس فالتزمه، فذكر ذلك للنبي ◌ّ، فضحك ولم يأمر فيه بشىء وأخرج الطيرى من وجه آخر
عن ابن عباس: ما ضرب رسول الله عَّه فى الخمر إلا أخيرا، ولقد غزا تبوك فغشى حجرته من
الليل سكران فقال: ليقم إليه رجل فيأخذ بيده حتى يرد إلى رحله". فالجواب عنه كما فى فتح
البارى أيضا: "أن الإجماع انعقد بعد ذلك على وجوب الحد، لأن أبا بكر تحرى ما كان النبى عّ له
ضرب السكران، فصيره حدا واستمر عليه، وكذا استمر من بعده، وإن اختلفوا فى العدد، وجمع
القرطبى بين الأخبار بأنه لم يكن أولا فى شرب الخمر حد، وعلى ذلك يحمل حديث ابن عباس
فى الذى استجار بالعباس، ثم شرع فيه التعزير، كما فى سائر الأحاديث التى لا تقدير فيها،
ثم شرع الحد، ولم يطلع أكثرهم على تعيينه صريحا، مع اعتقادهم أن فيه الحد المعين، ومن
ثم توخى أبو بكر ما فعل بحضرة النبى معَّه. فاستقر عليه الأمر، ثم رأى عمرو من وافقه الزيادة
على الأربعين إما حدا بطريق الاستنباط، وإما تعزيرا" اهـ. قلت: دلالته على الباب ظاهرة.

٦٣٩
ما ورد فيمن شرب الخمر
إعلاء السنن
٣٧١٤- عن السائب بن يزيد: كنا نؤتى بالشارب على عهد رسول الله عَّ له،
وإمرة أبى بكر، وصدرا من خلافة عمر فنقوم إليه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا، حتى كان آخر
إمرة عمر فجلد أربعين حتى إذا عتوا وفسقوا جلد ثمانين. رواه البخارى (١٠٠٢:٢).
قوله: "عن السائب" إلخ. قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة.
فائدة: فى "نيل الأوطار" (٥٦:٧) فى شرح أثر على: قوله: إذا شرب سكر إلخ، اعلم أن
معنى هذا الأثر لا يتم إلا بعد تسليم أن كل شارب خمر يهذى بما هو افتراء، وأن كل مفتر يجلد
ثمانين جلدة، والكل ممنوع، فإن الهذيات إذا كان ملازما للسكر فلا يلازمه الافتراء، لأنه نوع
خاص من أنواع ما يهذو به الإنسان، والجلد إنما يلزم من افترى افتراء خاصا، وهو القذف، لا كل
مفتر، وهذا مما لا خلاف فيه، فكيف صح مثل هذا القياس؟ فإن قال قائل: إنه من باب الإخراج
للكلام على الغالب. فذلك أيضا ممنوع، فإن أنواع الهذيان بالنسبة إلى الافتراء، وأنواع الافتراء
بالنسبة إلى القذف هى الغالية بلا ريب، وقد تقرر فى علم المعانى أن أصل إذا لجزم بوقوع
الشروط، ومثل هذا الأمر النادر مما يبعد الجزم بوقوعه باعتبار كثرة الأفراد المشاركة له فى ذلك
الاسم وغلبتها، وللقياس شروط مدونة فى الأصول لا تنطبق على مثل هذا الكلام، ولكن مثل أمير
المؤمنين ومن بحضرته من الصحابة الأكابر هم أهل الخبرة بالأحكام الشرعية ومدار كها" اهـ.
قال بعض الناس: "يمكن وضع إذا موضع إن، وإرادة الافتراء الخاص بالاقتراء المطلق،
لكن ملاك الجزاء على الأمر النادر نادر وغير صحيح، فالحق أن هذا الدليل ضعيف، وإن قبله
ذوقهم رضى الله تعالى عنهم، والمجتهد معذور فى الخطأ الاجتهادى" اهـ. قلت: يا للعجب ولضيعة
الأدب، والحق أن الدليل عندهم ما أشار إليه عبد الرحمن بن عوف بقوله: "اجعله كأخف
الحدود". وحاصله أن الحد الذى لم يعهد فيه تعيين من الشارع صراحة يجعل كأخف الحدود دون
أشده، وقد ثبت عندهم كون ذلك حدا بقوله ◌ّ ◌ُّه: فمن يبدلنا صفحته نقم عليه كتاب الله". قاله
فى شرب الخمر أيضا كما مر فى الاستدراك (١٤٨).
وثبت عندهم الأمر بالجلد أيضا بقوله عَ له: ((من شرب الخمر فاجلدوه". وقد مر وبنحوه
من الأقوال، ولكن لم يثبت عندهم عدد الجلد فيه بقوله معرّ صراحة، وإن ثبت ذلك من فعله كما
يدل عليه ما رواه عبد الرزاق عن الحسن قال: هم عمر أن يكتب فى المصحف أن رسول الله مر له
ضرب فى الخمر ثمانين، وروى ابن أبى شيبة عن أبى سعيد الخدرى أن رسول الله عَ لّه ضرب فى

٦٤٠
ج - ١١
باب حد من شرب النبيذ
٣٧١٥- حدثنا أحمد بن محمد بن أبى شيبة نا محمد بن الوليد البسرى نا أبو
عاصم العوام القطان حدثنى عمرو بن دينار عن ابن عمر: "أن رسول الله عَّ ◌ُّه أتى
برجل قد سكر من نبيذ، فجلده". كذا قال البسرى، رواه الدارقطنى (٢: ٥٣٧) فى
سننه. قلت: رجاله رجال الصحيح إلا الأول، وهو لم أجده فى كتب الرجال، لكنه ثقة
على قاعدة من روی عنه واحد زالت عنه الجهالة، فالسند محتج به.
الخمر بنعلين أربعين فجعل عمر مكان كل نعل سوطا. كذا فى "كنز العمال" (١٠٠:٣). وأخرج
محمد فى الآثار: أخبرنا أبو حنيفة حدثنا عبد الكريم بن أبى المخارق يرفع الحديث إلى النبى عدّ له:
((أنه أتى بسكران، فأمرهم أن يضربوه بنعالهم، وهم يومئذ أربعون رجلا، فضرب كل أحد بنعليه" .
الحديث (٩٢)، وأخرج عبد الرزاق عن أبى سعيد الخدرى: "أن أبا بكر الصديق ضرب فى الخمر
بالنعلين أربعين". كذا فى "الكنز" أيضا (٩٩:٣). فهذا مبنى رأيهم فى الجلد فى الخمر بثمانين
جلدة. ثم أيد على رضى الله عنه ذلك الرأى بما ذكره، ولا يخفى أن ذلك مما يصلح مؤيدا، فمن
زعم أن عليا رضى الله عنه ذكر ذلك استدلالا فقد سها سهوا بينا، على ما ذكره صاحب "النيل"
من عدم لزوم القذف لشرب الخمر مشعر بعدم مشاهدته الشاربين لها، وكذلك أنا لم أشاهدهم
أيضا، ولكن الظاهر من أفعالهم وأقوالهم المسموعة أن غالب نداءهم للناس فى هذه الحال يكون
بنحو يا ابن الزانية! ويا ولد الزنا! ويا من فعلت بأمه كذا وكذا، ويا من ينيك بينته، ويا من ينيك
بأخته، ويا حرامى، ويا ولد الحرام، وهذا ونحوه كله من ألفاظ القذف فافهم، ولا تعجل بالإنكار
على الصحابة فتندم. والله تعالى أعلم وعلمه أتم وأحكم.
وقد اجترأ ابن حزم حيث قال: "حاشى الله أن يقول صاحب هذا الكلام الفاسد هم والله
أجل وأقل وأعلم من أن يقولوا هذا السخف الباطل" اهـ (٢٩٤:١١ من المحلى) فقد عرفت أن
كلام على هذا أخرجه مالك فى الموطأ مرسلا، ووصله النسائى والطحاوى بسند صحيح كما
تقدم، ولكن ابن حزم لا يدرى ما يخرج من رأسه، وله جرأة فى رد الأحاديث الصحاح شديدة،
يضعف من الرواية من هو ثقة عند القوم، ويجهل من هو معروف عندهم، فإلى الله المشتكى.
باب حد من شرب النبيذ
قال المؤلف: دلالة الأحاديث على الباب ظاهرة. قال محمد فى "الآثار": "نرى الحد على
السكران، من نبيذ كان أو غيره، ثمانين جلدة، إلى أن قال: وهو قول أبى حنيفة" اهـ (١٩٢).