النص المفهرس

صفحات 581-600

٥٨١
لا حد على من وطئ جارية ولده
إعلاء السنن
٣٦٧٨- عن الهيثم بن بدر عن حرقوص، قال: "أتت امرأة إلى على بن أبى
طالب (رضى الله عنه) فقالت: إن زوجى زنى بجاريتى، فقال: صدقت، هى ومالها لى
مر محصله فی کلام الترمذى، وو جه التقویة أن المجتهد إذا احتج بحدیث کان تصحیحا له، كما
تقرر فى محله ومر غير مرة".
قلت: عجبا لهذا الرجل هل بلغ من شأنه أن يرد على مثل الترمذى ويتكلم معه فى علل
الحديث؟ والحق ما قاله الترمذى: إن حديث النعمان فى سنده اضطراب، فإن له طريقين، طريق أبى
بشر، وطريق قتادة، أما الأول فاضطرابها من حيث إن أبا داود رواه عن أبى بشر عن خالد بن
عرفطة عن حبيب بن سالم، ورواه الترمذى عن أبى بشر عن حبيب، وخالد بن عرفطة وأبو بشر
لم يسمعا من حبيب، كما فى النيل (٣٢:٧ و٣٣). قال الترمذى: "سألت محمد بن إسماعيل،
فقال: أنا أتقى هذا الحديث". وقال النسائى: "أحاديث النعمان هذه مضطربة". كذا فيه أيضا، وأما
طریق قتادة فرواه أبان عنه عن خالد بن عرفطة عن حبيب بن سالم عند أبى داود كما مر، وروى
همام عن قتادة عن حبيب بن سياف(١) عن حبيب بن سالم عن النعمان، ذكره ابن أبى حاتم
فى "علله"، وقال: "سألت أبى أى هذا أشبه؟ قال: حديث همام أشبه، وحبيب بن سياف
مجهول لا أعلم أحدا روى عنه غیر قتادة هذا الحدیث الواحد، و کذلك خالد بن عرفطة مجهول،
لا نعرف أحدا يقال له خالد بن عرفطة إلا واحدا الذى له صحبة" اهـ (٤٤٨:١).
قلت: وأما ذكر ابن حبان إياه فى الثقات فليس بناء على معرفته، بل على قاعدته فى المجاهيل
فافهم. وإن سلم أنه ثقة فقد رأيت أن أبا حاتم لم يجعل طريق قتادة عن خالد بن عرفطة أشبه، بل
إنما رجح طريق قتادة عن حبيب بن سياف، وحبيب هذا مجهول اتفاقًا، لم نر أحدا عرفه وترجمه،
والمضطرب إذا ترجح أحد طرفيه كان الباقى ضعيفا متروكا لا يحتج به والراجحة ههنا لا تصلح
للاحتجاج أيضا، كيف؟ وقد عارضه ما رواه الحسن عن قبيصة بن حريث عن سلمة بن المحبق
وسيأتى، وإذا تعارض الأثران يرجع إلى القياس، والقياس يقتضى أن لا يحد الرجل إذا ظن أن
جارية امرأته تحل له، أو كانت المرأة أحلتها له، لأن ذلك يورث شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات.
(١) كذا فى علل ابن أبى حاتم، وفى معانى الآثار للطحاوى: حبيب بن يساف. وفى السند اضطراب آخر، قال الحافظ.
فى التهذيب: "حبيب بن يساف عن النعمان بن بشير فيمن وقع على جارية امرأته، وعنه حبيب بن سالم، وقيل: غير ذلك
فی إسناده" اهـ (١٩٣:٢).

٥٨٢
ج ١ ١١
لا حد على من وطئ جارية ولده
حل، فقال لها على: اذهب ولا تعد، كأنه درأ عنه الحد بالجهالة". أخرجه ابن حزم فى
"المحلى (١٨٨:١١). ولم يعله بشىء، وأخرجه محمد فى "الآثار" (٩١): أخبرنا
ويؤيده ما رواه الطحاوى فى معانى الآثار: حدثنا ابن أبى داود ثنا ابن أبى مريم أنا ابن أبى
الزناد ثنى أبى عن محمد بن حمزة بن عمرو الأسلمى عن أبيه: أن عمر بعثه مصدقا، فأتى حمزة
بمال ليصدقه، فإذا رجل يقول لامرأته: أدى صدقة مال مولاك، وإذا المرأة تقول له: بل أنت أو
صدقة منال ابنك، فسأل حمزة عن أمرهما وقولهما، فأخبر أن ذلك الرجل زوج تلك المرأة، وأنه
وقع على جارية لها، فولدت ولدا، فأعتقه امرأته، قالوا: فهذا المال لابنه من جاريتها، فقال:
لأرجمنك بأحجارك. فقيل له: أصلحك الله! إن أمره قد رفع إلى عمر بن الخطاب، فجلده
عمر رضى الله عنه مائة، ولم ير عليه الرجم، فأخذ حمزة بالرجل كفيلا حتى قدم على عمر رضى
الله عنه، فسأله عما ذکر من جلد عمر رضى الله عنه إياه، ولم یر علیه الرجم، فصدقهم عمر رضى
الله عنه بذلك، وقال: إنما درأ عنه الرجم أنه عذره بالجاهلية" اهـ (٨٤:٢) قلت: وهذا سند جيد،
ومحمد بن حمزة من رجال مسلم وأبى داود، وعلق له البخارى، وأبوه حمزة صحابى، وقول
حمزة: "إنما درأ عنه الرجم أنه عذره بالجاهلية". يؤيد ما قلنا إن الرجل لا يحد إذا ظن أن جارية
امرأته تحل له، والحديث رواه البخارى كما فى "جمع الفوائد" (٢٨٧:١).
وإذا علمت ذلك فنقول: إن حديث النعمان بن بشير محمول عندنا على ما إذا لم يظن
الرجل أن جارية امرأته تحل له، وإذا كان كذلك فإن كانت امرأته أحلتها له يعزر، وإلا رجم لانتفاء
شبهة تدرأ بها الجلد. وأما تقوية الحديث بعمل أحمد وإسحاق به كما قاله بعض الناس، فنقول: رد
سائر المحدثين المجتهدين إياه جرح فيه، فلا يكون الحديث حجة إلا على مقلدى أحمد دون غيرهم،
وقال الخطابى كما فى هامش أبى داود (٢: ٢٦٤): "هذا الحديث غير متصل، وليس العمل عليه"
اهـ. وفى "عون المعبود" (٢٦٨:٤) تحت قول النعمان " جلدتك مائة": قال ابن العربى: "يعنى
أدبته تعزیرا، أو أبلغ به الحد تنكيلا، لا أنه رأى حده بالجلد حدا له". قال السندى بعد ذكر كلام
ابن العربى: "هذا لأن المحصن حده الرجم لا الجلد، ولعل سبب ذلك أن المرأة إذا أحلت جاريتها
لزوجها فهو إعارة الفروج فلا يصح، لكن العارية تصير شبهة ضعيفة، فيعزر صاحبها" اهـ. قلت:
وقد عرفت بما ذكرنا أن الحنفية لم يتركوا العمل بحديث النعمان رأسًا، بل عملوا به، وحملوه على
ما إذا لم ير الرجل جارية امرأته حلالا له فعليه الحد، ولكن إن كانت المرأة أحلتها له يدرأ عنه
الرجم للشبهة، وإذا لم تکن احلتها له رجم.

٥٨٣
لا حد على من وطئ جارية ولده
إعلاء السنن
سفيان الثورى عن المغيرة الضبى عنه نحوه، وفى "اللسان" (٢٠٤:٦): "الهيثم بن بدر
وأما ما رواه أبو داود (٢٦٤:٢): حدثنا أحمد بن صالح نا عبد الرزاق أنا معمر عن قتادة
عن الحسن عن قبيصة بن حريث عن سلمة بن المحبق: ((أن رسول الله مَّ لّ قضى فى رجل وقع على
جارية امرأته، إن كان استكرهها فهى حرة، وعليه لسيدتها مثلها، وإن كانت طاوعته فهى له،
وعليه لسيدتها مثلها)). قال أبو داود: رواه يونس بن عبيد وعمرو بن دينار ومنصور بن زاذان
وسلام عن الحسن هذا الحديث بمعناه، ولم يذكر يونس ومنصور قبيصة. حدثنا على بن حسين
الدرهمى نا عبد الأعلى عن سعيد عن قتادة عن الحسن عن سلمة ابن المحبق عن النبى عّ لّ نحوه،
إلا أنه قال: ((وإن كانت طاوعته فهى ومثلها من ماله، لسيدتها)) اهـ. فالجواب عنه ما فى حاشية أبى
داود: "قال الخطابي: لا أعلم أحداً من الفقهاء يقول به، وخليق أن يكون منسوخا. وقال البيهقى
فى سننه: حصول الإجماع من فقهاء الأمصار بعد التابعين على ترك القول دليل على أنه إن ثبت
صار منسوخا بما ورد من الأخبار فى الحدود، ثم أخرج عن أشعث، قال: بلغنى أن هذا كان قبل
الحدود" اهـ. قلت: وكان ابن مسعود رضى الله عنه يذهب إلى ما رواه سلمة بن المحبق، ذكره
الطحاوى فى "معانى الآثار"، ثم قال: وقد أنكر على على عبد الله رضى الله عنه فى هذا قضائه
بما قد نسخ، حدثنا أحمد بن الحسن (هو صاحب أحمد بن حنبل ثقة) ثنا على بن عاصم (مختلف
فيه وثقه العجلى، وحسن حاله أحمد) عن خالد الحذاء عن محمد بن سيرين، قال: " ذكر لعلى
شأن الرجل الذى أتى ابن مسعود وامرأته قد وقع على جارية امرأته، فلم ير عليه حدا، فقال على:
لو أتانى صاحب ابن أم عبد لرضخت رأسه بالحجارة، فلم يدر ابن أم عبد ما حدث بعده" اهـ
(٢: ٨٥). قلت: وهذا سند صالح، وفيه تصريح بكون ما رواه سلمة بن المحبق منسوخًا.
قال الطحاوى: فكذلك نقول: من زنى بجارية امرأته حد إلا أن يدعى شبهة، مثل أن يقول:
ظننت أنها تحل لى، أو تكون المرأة أحلتها له، فيدرأ عنه الحد ويعزر، ويجب عليه العقر، وهذا قول
أبى حنيفة وأبى يوسف ومحمد رحمة الله عليهم أجمعين" اهـ. وأخرج محمد بن الحسن الإمام
فى "الآثار": "أخبرنا سفيان الثورى عن المغيرة الضبى عن الهيثم بن بدر عن حرقوص عن على بن
أبى طالب رضى الله عنه، أن امرأة أتت عليا، فقالت: إن زوجى وقع على أمتى، فقال: صدقت، هى
ومالها لى، قال: اذهب فلا تعدّ اهـ (٩١). قلت: وهذا سند حسن، فإن سفيان والمغيرة لا يسأل
عنهما، والهيثم بن بدر تكلم فيه ولم يترك، وذكره ابن حبان فى "الثقات"، كما فى "اللسان"
(٢٠٥:٦). وحرقوص هذا كانت له صحبة، وذكر الطبرى أن عتبة بن غزوان كتب إلى عمر

٥٨٤
لا حد علی من وطئ جارية ولده
ج - ١١
الضبى عن حرقوص تكلم فيه، ولم يترك، روى عنه مغيرة، وذكره ابن حبان فى
يستمده، فأمده بحرقوص بن زهير، وكانت له صحبة، وأمره على القتال على ما غلب عليه،
ففتح سوق الأهواز، وزعم أبو عمر أنه ذو الخويصرة رأس الخوارج المقتول بالنهروان، كما فى
"الإصابة" (٣٣٥:١).
قلت: ولم يذكر أبو عمر على ذلك دليلا، ولم يكن عمر ليؤمر ذا الخويصرة على المسلمين
وقد حضر قسمة حنين، وقول ذى الخويصرة لرسول الله مّلآله: يا محمد! اعدل. وقال عمر:
ائذن لى يا رسول الله! أن أضرب عنقه. فالظاهر أن حرقوصا غير ذى الخويصرة، وإن سلم
فالخوارج لا یکذبون فى الحدیث، کما ذ کرناه فى المقدمة عن ابن تیمیة فليراجع، کیف وقد احتج بالأثر
محمد بن الحسن، وهو إمام مجتهد، فهو صحيح عنده أو حسن، وفى الحديث دلالة على أن الرجل إذا
وقع على جارية امرأته وظن ذلك حلالا لا يحد، فما روى عن على أنه قال: "من وقع على جارية
امرأته يرجم". محمول على ما إذا لم يكن له شبهة وظنه حرامًا، ولم تكن امرأته أحلتها له.
فإن قيل: فما بالكم إذا وقع الرجل على أمة أخيه أو عمه وقال: ظننته حلالا لم تقبلوا منه
ذلك، وإذا ادعى مثل ذلك فى جارية امرأته درأتم عند الحد، فما الفرق بينهما؟ قلنا: إن لادعاءه
الشبهة فى جارية امرأته منشأ صحيحا ليس مثله فى جارية أخيه وعمه، وهو قوله مرّ له: ((إنه
لا يجوز للمرأة فى مالها أمر إلا بإذن زوجها)». أخرجه الطحاوى فى "معانى الآثار" (٤٠٣:٢).
بسند صحیح، قال حدثنا يونس ثنا يحيى بن عبد الله بن بكير ثنى الليث بن سعد عن عبد الله بن
يحيى الأنصارى عن أبيه عن جده: "أن جدته أتت النبي مَ لّ" فذكره مطولاً.
اختلاف العلماء فى إحلال المرأة جاریتها لزوجها
وهل إذا أحلت المرأة جاريتها لزوجها ولم تهبها له يحل له وطئها؟ فروى عن ابن عباس
وطاوس نعم! روى عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرنى عمرو بن دينار أنه سمع طاوسا يقول: قال
ابن عباس: "إذا أحلت امرأة الرجل أو ابنته أو أخته له جاريتها فليصبها. وهى لها، فليجعل به بين
ور کیها". قال ابن جريج: وأخبرنی ابن طاوس عن أبيه: أنه کان لا یری به بأسا، وقال: هو حلال،
فإن ولدت فولدها حر، والأمة لامرأته، ولا يغرم الزوج شيئا. قال ابن جريج: "وأخبرنى عطاء بن
أبى رباح، قال: كان يفعل يحل الرجل وليدته لغلامه وابنه وأخيه، وتحلها المرأة لزوجها". قال
عطاء: "وما أحب أن يفعل، وما بلغنى عن ثبت" قال: "وقد بلغنى أن الرجل كان يرسل بوليدته
إلی صنيفه".
قال ابن حزم: "أما قول ابن عباس فهو عنه وعن طاوس فى غاية الصحة، وبه يقول سفيان

٥٨٥
حكم الزنا بالمرأة المستاجرة
١
إعلاء السنن
الثقات" اهــ وحرقوص له صحبة كما سنذكره فى الحاشية، فالإسناد حسن.
الثوری، وقال مالك وأصحابه: لا حد فی ذلك اصلا، ولکنا لا نقول به، إذ لا حجة فی قول أحد
دون رسول الله عرّ ◌ُله، وقد قال تعالى: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما
ملكت أيمانهم) إلى قوله: العادون. فقول الله أحق أن يتبع (قلنا: نعم! فهل ترى ابن عباس قد
خالف حكم الله، وأحل ما حرمه؟ كلا! ولكنه رأى الأمة ما لا من الأموال، فأجاز إعارتها، كما
أجاز الناس إعارة الأموال كلها، وزعم أن الأمة بالعارية تدخل فيما ملكت أيمانهم، لكون المستعار
ينسب إلى المستعير ما دامت العارية باقية، والمستعير وإن لم يملك الرقبة فقد ملك المنافع، والنص
مطلق فى الملك، سواء كان ملك الرقبة أو ملك المنافع. وإذا أثبت ابن عباس حل الأمة باسم
الإحلال والعارية مع كونه لم يوضع لإثبات الحل فى الفروج شرعا، فما زاد على أبى حنيفة لو درأ
الحد عمن وطبئ امرأة أبيه ونحوها من المحارم باسم النكاح، مع قوله بحرمة الوطأ، وبإيجاع الواطئ
عقوبة تعزيرا، فإن اسم النكاح موضوع لإثبات حل متعة شرعا، فليس قول أبى حنيفة هذا بأبعد
ولا أعجب من قول ابن عباس وطاوس ذلك، فافهم) وروی عبد الرزاق عن معمر عن الزهری فی
الرجل يحل الجارية للرجل، فقال: إن وطئها جلد مائة أحصن أو لم يحصن، ولا يلحق به الولد،
ولا يرثه، (وإنما لم يقل برجم المحصن لكون الإحلال صار شبهة دارئة للحد، لقول ابن عباس
بحلها له فافهم، فإن ابن حزم لم يتنبه لذلك) وقال آخرون بتحريم ذلك جملة، كما روى عبد
الرزاق عن سفيان الثورى عن أبى إسحاق السبيعى عن سعيد بن المسيب قال: جاء رجل إلى ابن
عمر. فقال: إن أمى كانت لها جارية، وأنها أحلتها لى أن أطأها عليها، قال: لا تحل لك إلا من
إحدى ثلاث: إما أن تتزوجها، وإما أن نشتريها وإما أن تهبها لك. وعن معمر عن قتادة أن ابن
عمر قال: لا يحل لك أن تطأ إلا فرجا لك، إن شئت بعت، وإن شئت وهبت، وإن شئت أعتقت.
وعن ابن جريج عن عمرو بن دينار قال: لا تعار الفروج" اهـ من "المحلى" (٢٥٨:١٢)، وهذه
◌ُسانید صحاح کلها.
حكم الزنا بالمرأة المستاجرة
تذييل:
المسألة الأولى: ومما يلتحق بهذا الباب حكم الزنا بالمرأة المستأجرة، فعليهما الحد عند أكثر
أهل العلم، وقال أبو حنيفة: لا حد عليهما، لأن ملكه لمنفعتها شبهة دارئة للحد، ولا يحد بوطئ

ج - ١١
حكم الزنا بالمرأة المستاجرة
٥٨٦
امرأة هو مالك لها، ولأن ابن عباس قد قال بحل الاستمتاع بالأمة المعارة، والإجارة فوق الإعارة
فى إثبات ملك المنافع، فكان ذلك شبهة دارئة للحد، وقد روى عبد الرزاق: نا ابن جريج ثنى
محمد بن سفيان عن أبى سلمة بن سفيان: "أن امرأة جاءت إلى عمر بن الخطاب فقالت: يا أمير
المؤمنين! أقبلت أسوق غنما لى، فلقينى رجل، فحفن لى حفنة من تمر، ثم حفن لى حفنة من تمر، ثم
حفن لى حفنة من تمر، ثم أصابنى. فقال عمر: ما قلت؟ فأعادت. فقال عمر بن الخطاب وبشير
بيده مهر مهر مهر، ثم تركها". وعن سفيان ابن عيينة عن الوليد ابن عبد الله وهو ابن جميع عن
أبى الطفيل (هو واثلة بن الأسقع): "أن امرأة أصابها الجوع، فأتت راعيا، فسألته الطعام، فأبى عليها
حتى تعطيه نفسها. قالت: فحتى لى ثلاث حثيات من تمر، وذكرت أنها كانت جهدت من
الجوع، فأخبرت عمر، فكبر، وقال: مهر مهر مهر، ودرأ عنها الحد". ذكره ابن حزم فى "المحلى"،
ولم يعله بشئ، والسندان رجالهما ثقات. ومحمد بن الحارث بن سفيان مقبول من السادسة، كما
فى "التقريب" (١٨٠).
قال ابن حزم: "قد ذهب إلى هذا أبو حنيفة، ولم ير الزنا إلا ما كان مطارفة، وأما ما كان
فيه عطاء أو استجار فليس زنا ولا حد فيه، (قلت: كلا، بل هو عنده زنا محض، ولكن يدرأ الحد
عنه للشبهة) قال: وقال أبو يوسف ومحمد وأبو ثور وأصحابنا وسائر الناس: هو زنا كله وفيه
الحد، وأما المالكيون والشافعيون فعهدنا بهم يشنعون خلاف الصاحب الذى لا يعرف له مخالف
من الصحابة، بل هم يعدون مثل هذا إجماعا، ويستدلون على ذلك بسكوت من بالحضرة من
الصحابة عن النكير لذلك، فإن قالوا: إن أبا الطفيل ذكر فى خبره أنها قد كان جهدها الجوع. قلنا
لهم: إن خبر أبى الطفيل ليس فيه أن عمر عذرها بالضرورة، بل فيه أنه درأ الحد من أجل التمر
الذى أعطاها، وجعله عمر مهرا.
الرد على ابن حزم فى إيراده على الحنفية فى مسألة المستاجرة
قال: وأما الحنفيون المقلدون لأبى حنيفة فى هذا، فمن عجائب الدنيا التى لا يكاد يوجد
لهما نظير أن يقلدوا عمر فى إسقاط الحد ههنا بأن ثلاث حثيات من تمر مهر، وقد خالفوا هذه
القضية بعينها، فلم يجيزوا فى النكاح الصحيح مثل هذا وأضعافه مهرا، بل منعوا من أقل من
عشرة دراهم فى ذلك، فهذا هو الأستخفاف حقا، والأخذ بما اشتهوا من قول الصاحب حيث
اشتهوا، وترك ما اشتهوا تركه من قول الصاحب إذا اشتهوا". إلى آخر ما قال وأطال من الإقذاع
:

٥٨٧
حكم الزنا بالمرأة المستاجرة
إعلاء السنن
فى المقال (٢٥٠:١١).
وكل ذلك منشأه سوء الفهم وعدم المعرفة بحقيقة ما قاله أبو حنيفة، فقد ظن أن أبا حنيفة
درأ الحد عمن استأجر امرأة للزنا صريحا، بأن قال لها: استأجرك للزنا، أو أعطيك كذا لأزنى بك.
وحاشاه أن يقول بذلك، وإنما درأ الحد إذا قال: أعطيك كذا لتعطينى نفسك، أو قال أمهرك كذا
لتمكنينى من نفسك، أو استأجرك لأطأك بكذا، ونحوه من غير التصريح بالزنا، فإن لفظة المهر
والاستئجار ونحوهما لا تعمل مع قوله أزنى بك شيئا، لكونه معارضا لقوله تعالى: ﴿الزانية
والزانى﴾. صريحا نبه عليه ابن الهمام، وأيضا: فالإجارة على الزنا باطلة قطعا عندنا، وصرحوا فى
باب الخطر بأن مهر البغى سحت وحرام بخلاف ما إذا قال: استأجرتك لتعطينى نفسك، أو
تمكنينى من نفسك، أو لأطأك. فلفظة الاستئجار والإمهار مع ذلك يورث شبهة كونه نكاح المتعة،
وقد اتفق فقهاء الأمصار على درأ الحد بالوطئ فى نكاح مختلف فيه، كنكاح المتعة، والشغار،
والتحليل، والنكاح بلا ولى ولا شهود، ونكاح الأخت فى عدة أختها البائن، ونكاح المجوسية
ونحوها، وهذا قول أكثر أهل العلم، لأن الحدود تدرأ بالشبهات. قال ابن المنذر: "أجمع كل من
تحفظ عنه من أهل العلم أن الحدود تدرأ بالشبهة". كذا فى "المغنى" (١٥٥:١٠). ومن ههنا درأ
أبو حنيفة الحد عن من زنا بالمرأة المستأجرة إذا قال لها: أمهرك كذا، أو أعطيك كذا، أو استأجرك
بكذا لتمكيننى من نفسك، أو لأطأك، لكون مثل هذا الاستيجار شبيها بالمتعة، يدل على ذلك قول
صاحب "المبسوط": "معنى هذا أن المهر والأجريتقاربان قال تعالى: ﴿فما استمتعتم به منهن
فآتوهن أجورهن﴾ سمى المهر أجراً" اهـ (٥٨:٩).
وإذا كان قول أبى حنيفة معللا بهذا المعنى فلا بد من تقييده بأن لا يكون عقد الإجارة على
الزنا صريحا، وإلا لم يكن شبيها بالمتعة أصلا، وهذا هو مراد عمر رضى الله عنه، ولذا لو استأجرها
للطبخ ونحوه من الأعمال ثم زنى بها، فإنه يحد اتفاقا، لانعدام شبهة المتعة فيه، ولا يخفى أن المتعة
المنسوخة لم يكن المهر فيها مقدرا اتفاقا، بل كانوا يستمتعون على قبضة من الطعام ونحوها، كما
رواه مسلم عن جابر: "كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول الله عد اله
وأبى بكر، حتى نهى عمر فى شأن عمرو بن حريث". (جمع الفوائد ٢٢٣:١).
فاندفع بذلك ما أورده ابن حزم علينا بقوله: "فلم يجيزوا فى النكاح الصحيح مثل هذا
وأضعافه مهرا، وقلدوا عمر فى إسقاط الحد ههنا بأن ثلاث حثيات من تمر مهر" إلخ. فقد عرفت

ج - ١١
حكم الزنا بالمرأة المستاجرة
٥٨٨
أن ثلاث حثيات أكثر من قبضة بكثير، وقد كانوا يستمتعون بها، فكذا هذا، وأما النكاح الصحيح
فأحكامه منضبطة، وشروطه معلومة فى الدين، فكيف يصح قياس مهره على مهر المتعة التى
قد نسخها الله تعالى؟ ولكن لما اختلفت طائفة من الصحابة فى نسخها کابن عباس وغيره، كمن
تمتع منهم فى عهد أبى بكر وصدر من خلافة عمر، درأنا الحد عمن تمتع بامرأة أو استأجرها لتمكنه
من نفسها. وقد اتفقوا على درء الحد عمن تمتع بامرأة، وإنما اختلفوا فى من استأجرها للوطئ
لكونهم لم يعدوا ذلك من المتعة، وعده أبو حنيفة منها، ورآه شبيها بها، هكذا ينبغى فهم هذا
المقام، فإنه من مزال الأقدام، ومعترك الأفهام، وهذا هو تفسير قول أبى حنيفة، وبيان معناه لدفع
الطعن عنه، لا لتقليدنا إياه فى ذلك، فإن المفتى به عندنا قول صاحبيه فى الباب، قال فى "الدر":
"والحق وجوب الحد، كالمستأجرة للخدمة فتح. وسكت عليه فى الشهر". (٢٤٢:٣).
وأما قول ابن حزم: "إن هذا هو التطريق إلى الزنا، وإباحة الفروج المحرمة، وعون لإبليس
على تسهيل الكبائر". إلخ. ففيه أن ذلك وارد على عمر أولا وعلى أبى حنيفة ثانيا، فإنه لم يقل بما
قال إلا تقليدا لعمر رضى الله عنه، وهل لأحد ممن له مسكة عقل أن يقول فى مثل عمر: إنه طرق
الناس إلى الزنا، وأباح الفروج المحرمة، وأعان إبليس على تسهيل الكبائر؟ فكيف يجوز أن يرمى
بذلك من قلده فيما قال؟ ولكن ابن حزم لا يدرى ما يخرج من رأسه وأيضا: فإن درأ الحد لا يكون
تطريقا إلى الزنا، وعونا لا يلبس، إلا عند من لا يجوز عنده التعزير بأكثر من عشر جلدات، كابن
حزم ومن واقفه، وأما عند من يجوز التعزير عنده بتسعة وسبعين سوطا أو بمائة سوط إلا واحدة،
ويجوز عنده القتل تعزيرا أيضا، فلا يكون درأ الحد عن أحد على قوله تطريقا إلى الزنا قط. ولكن
ابن حزم يورد على الحنفية ما لا يرد عليهم أصلا، ومنشأ كل ذلك إما سوء الفهم أو عدم المعرفة
بجوانب أقوالهم كلها.
الرد على ابن حزم فى قوله: إن الحنفية قد علموا الفساق
حيلة فى قطع الطريق وفى الزنا وغيرهما
وأما قوله: "فقد علموا الفساق حيلة فى قطع الطريق، ثم علموهم وجه الحيلة فى الزنا
والحيلة فى السرقة، ونحوها"، إلى آخر ما قال وأطال. فلعله قد رأى كتاب الحيل للوراق، وفيه
تعليم مثل هذه الحيل الباطلة التى قد برأ الله أبا حنيفة وأصحابه من إباحتها ومن تعليمها. والوراق
رجل مجهول، ونسبة كتابه هذا إلى محمد بن الحسن الإمام فرية بلا مرية، وعزوه إليه مفترى

٥٨٩
حكم من تزوج امرأة لا يحل له نكاحها فوطئها
إعلاء السنن ــ
مجعول، كما ذكرناه فى المقدمة. وقد تنبه ابن القيم لذلك، فقال: "إن حيل هذا الكتاب دائرة بين
الكفر والفسق، ولا يجوز أن تنسب إلى أحد من الأئمة، ومن نسبها إلى أحد منهم فهو جاهل
بأصولهم، ومقاديرهم، ومنزلتهم من الإسلام، وإن كان بعض هذه الحيل قد تنفذ على أصول إمام،
ولكن هذا أمر غير الإذن فيها إباحتها وتعليمها. فإن إباحتها شئ، ونفوذها إذا فعلت شئ" اهـ.
ملخصا من "أعلام الموقعين" (٧٨:٢). وقال أبو سليمان الجوزجانى: "كذبوا على محمد بن
الحسن، ليس له كتاب الحيل، إنما كتاب الحبل للوراق". كذا فى "الجواهر المضيئة" (٢٠٨). فإياك
أن تغتر بكلام ابن حزم وأمثاله، فإنه لا يعرف أصول الأئمة، ومقاديرهم، ومنزلتهم من الإسلام،
وإنما عزى إلى الحنفية تعليم الحيل الباطلة بمجرد رؤيته ذلك فى كتاب قد نسبته العوام إلى محمد بن
الحسن الإمام، وقد قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما
بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين﴾. فلا يجوز عزو قول إلى أحد ما لم يذكر فى كتاب قد
تواترت، أو اشتهرت نسبته إليه عند أهل العلم من أصحابه، فافهم ذلك، والله يتولى هداك.
المسألة الثانية: فى "الهداية" (٢: ٤٩٦): "ومن تزوج امرأة لا يحل له نكاحها فوطئها
لا يجب عليه الحد عند أبى حنيفة" اهـ. وأما ما رواه الترمذى وقال: "حسن غريب" (١٦٢:١):
عن البراء، قال: "مربى خالى أبو بردة بن نيار ومعه لواء، فقلت: أين تريد؟ فقال: بعثنى رسول
الله عَّه إلى رجل تزوج امرأة أبيه أن آتيه برأسه" اهـ. وفى "نيل الأوطار" (٢٩:٧): "وللحديث
أسانيد كثيرة، منها ما رجاله رجال الصحيح" اهـ. فالجواب عنه ما فى النيل أيضا: "لا بد من حمل
الحديث على أن ذلك الرجل الذى أمر مَظله يقتله عالم بالتحريم، وفعله مستحلا، وذلك من
موجبات الكفر، والمرتد يقتل" اهـ. وفى "الجوهر النقى" (١٧٦:٢): "وعقد اللواء يدل على
المحاربة، إذ لا تعقد إلا لمن أمر بها، والمبعوث لإقامة حد الزنا لا يؤمر بها" اهـ. وقد روى أبو داود
(٢٦٤:٢): عن البراء، قال: "لقيت عمى ومعه رأية، أين تريد؟ فقال: بعثنى رسول الله مَّه إلى
رجل نكح امرأة أبيه فأمرنى أن أضرب عنقه وأخذ ماله" اهـ. ولا يمكن إجراء الحديث على ظاهره
فإن القتل وأخذ المال ليس بحد الزنا.
وفى "الجوهر النقى" أيضا (١٧٧:٢): "وقد أخرج الطحاوى بسند صحيح عن ابن
المسيب أن رجلا تزوج امرأة فى عدتها، فرفع إلى عمر فضربهما دون الحد، وجعل لها الصداق.
وقال ابن أبى شيبة: ثنا وكيع عن هشام عن قتادة عن ابن المسيب: أن امرأة تزوجت فى عدتها،

ج - ١١
حكم من تزوج امرأة لا يحل له نكاحها فوطئها
٥٩٠
فضربها عمر تعزيرا دون الحد، ولم يكونا جاهلين بالتحريم، لأنه كان أعرف بالله من أن يعاقب .
عليهما إلا بحجة، فثبت أنهما كانا عالمين بالتحريم، ولم يقم عليهما الحد، وذلك بحضرة
الصحابة، ولم يخالفوه، فدل على أن عقد النكاح وإن لم يثبت (أی وإن لم يصح فإنےله حكم
النكاح فى وجوب المهر والعدة، وثبوت النسب ونحوها، ولا يوجب الحد، لأن الذى يوجب الحـ
هو الزنا، والزنا لا يوجب شيئا من ذلك. فإن قلت: إن لم يكن زنا فهو أعظم منه. قلنا: الحد أمر
توقيفى يجب فى الزنا لا فيما هو أعظم منه. ألا ترى أنه لا يجب فى الكفر الذى هو أعظم من
الزنا؟ ثم ذكر البيهقى عن إبراهيم بن إسماعيل بن أبى حبيبة عن داود ابن الحصين عن عكرمة عن
ابن عباس حديث: من وقع على ذات محرم فاقتلوه. ثم قال: وقد رويناه من حديث عباد بن
منصور عن عكرمة. قلت: ابن أبى حبيبة متكلم فيه. وروى عن ابن معين: ليس بشىء. وقال
الدار قطنى متروك. حكاه الذهبى. وداود بن الحصين أيضا متكلم فيه، قال ابن المدينى: ما روى عن
عكرمة منكر. وقال أبو حاتم: ليس بالقوى. وقال ابن عيينة: كنا نتقی حديثه. وقال ابن عدى: إذا روى
عنه ثقة فصالح، إلا أن يروى عنه ضعيف فيكون البلاء منه، مثل ابن أبى حبيبة، وابن أبى يحيى.
وعباد بن منصور أيضا ضعفه جماعة. قال ابن معين: ليس بشىء. وقال ابن الجنيد متروك" اهـ.
قلت: وإن سلمنا صلاحيته للاحتجاج به فليس فيه حكم من تزوج بامرأة أبيه، وإنما فيه
حكم من وقع عليها بغير النكاح، وإن سلم فمحمول على إباحة قتله تعزيرا لا حدا، فإن الحد إما
الجلد أو الرجم، والتعزير موكول إلى رأى الإمام، والعلم عند الله الملك العلام. والحديث أخرجه
الحاكم فى المستدرك، وقال: صحيح الإسناد. فتعقبه الذهبی فی تلخيصه وقال: لا (٣٥٦:٤). ثم
أخرج من طريق عبد الملك بن عمير عن وراد كاتب المغيرة، عن المغيرة بن شعبة، قال: "قال سعد
بن عبادة: لو رأيت رجلا مع امرأة أبيه لضربته بالسيف غير مصفح. فبلغ ذلك رسول الله عَ ليه،
فقال: أتعجبون من غيرة سعد؟ فو الله لأنا أغير منه، والله أغير منى". الحديث (٣٥٨:٤).
فالحديث إنما هو فيمن يرى مع امرأته رجلا، هكذا روته الجماعة كما لا يخفى على من له ممارسة
بالحديث، وانظر فتح البارى (١٥٤:٢٢). وإن صح فليس فيه التزوج بامرأة أبيه، ولا إقامة الحد
عليه، وغاية ما فيه إباحة قتل من أتى امرأة أبيه تعزيرا، وقد قلنا به.
وقد أشار البخارى إلى ضعف الخبر الذى ورد فى قتل من زنى بذات محرم، وهو ما رواه
صالح بن راشد، قال: "أتى الحجاج برجل قد اغتصب أخته على نفسها، فقال: سلوا من هنا من

٥٩١
حکم من تزوج امرأة لا يحل له نكاحها فوطئها
إعلاء السنن
أصحاب رسول الله عَّ له، فقال عبد الله بن المطرف: سمعت رسول الله عَ ليه يقول: من تخطى
الحرمتين فخطوا وسطة بالسيف. فكتبوا إلى ابن عباس، فكتب إليهم بمثله". ذكره ابن أبى حاتم فى
العلل، ونقل عن أبيه أنه روى عن مطرف بن عبد الله ابن الشخير من قوله: يشير إلى تجويز أن
يكون الراوى غلط فى قوله: عبد الله بن مطرف، وفى قوله: سمعت، وإنما هو مطرف بن عبد الله،
ولا صحبة له، قال ابن عبد البر: يقولون: إن الراوى غلط فيه، وأثر مطرف الذى أشار إليه أبو حاتم
أخرجه ابن أبى شيبة من طريق بكير بن عبد الله المزنى، قال: "أتى الحجاج برجل قد وقع على ابنته،
وعنده مطرف بن عبد الله وأبو بردة. فقال أحدهما: اضرب عنقه، فضربت عنقه"، والراوى عن
صالح بن راشد ضعيف، وهو رفدة (ابن قضاعة، وثقه هشام بن عمار، وضعفه الجمهور- كذا فى
"مجمع الزوائد " ٢٦٩:٦)، ويوضح ضعفه قوله: "فكتبوا إلى ابن عباس". وابن عباس مات قبل
أن يلى الحجاج الإمارة بأكثر من خمس سنين، ولكن له طريق أخرى إلى ابن عباس، أخرجها
الطحاوى، وضعف راويها، كذا فى "فتح البارى" (١٠٤:١٢)، وليس فيه كما ترى حكم
التزوج بذات محرم وغاية ما فيه أنه يقتل من أتاها تعزيرا، وقال الحسن: من زنى بأخته فحده حد
الزانى. علقه البخارى، ووصله ابن أبى شيبة بلفظ: "ما كان الحسن يقول فيمن تزوج ذات محرم
وهو يعلم قال: عليه الحد. وأخرج ابن أبى شيبة من طريق جابر بن زيد وهو أبو الشعثاء التابعى
المشهور فیمن أتی ذات محرم منه، قال: یضرب عنقه. كذا فى فتح البارى أيضا (١٠٤:١٢).
ولا يخفى أن أثر أبى الشعثاء ليس فيمن تزوج ذات محرم منه، وإنما هو فيمن أتاها أى من
غير نكاح، فلم نجد القول بحد من تزوج ذات محرم منه إلا عن الحسن فقط، ولأبى حنيفة
قوله مَ له: ((أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل فنكاحها باطل فنكاحها باطل فإن دخل
بها فلها المهر بما استحل من فرجها)). حكم بالبطلان، وأوجب المهر وهو مسقط للحد بالاتفاق.
لا يقال: إن أبا حنيفة لا يقول بهذا الحديث، لأنا نقول: هو قائل به إذا زوجت نفسها من غير كفوء
لها، وبمثله تتزوج المرأة بغير إذن الولى غالبا، والحديث أخرجه الترمذى وابن ماجه، واحتج به
الجمهور، فإذا كان ذلك حكم هذا النكاح مع بطلانه، فكل نكاح باطل مثله فى إيجاب المهر،
وإسقاط الحد. ومدار الخلاف أن عقد النكاح يوجب شبهة أم لا؟ فعند الجمهور لا، وعند أبى
حنيفة وسفيان وزفر نعم. ومدار كونه شبهة على أنه ورد على ما هو محله أو لا؟ فعندهم لا، لأن
محل العقد ما يقبل حكمه، وحكمه الحل، وهذه من المحرمات فى سائر الحالات، فكان الثابت

٥٩٢
حكم من تزوج امرأة لا يحل له نكاحها فوطئها
ج - ١١
صورة العقد لا انعقاده، وعنده نعم، لكونها محلا لنفس العقد، لا بالنظر إلى خصوص عاقد،
ولذا صح من غيره عليها، ولذا أبيح نكاح الأخت بأخيها فى شريعة آدم عليه الصلاة والسلام، ولو
لم تكن محلا للعقد لم يجز فى شريعة أصلا، كما لو عقد على ذكر، فكان ذلك شبهة دارئة
للحد. وليس من شبهة الحل، فإن الشبهة ما يشبه الثابت وليس بثابت، فلا ثبوت لما له شبهة الثبوت
بوجه من الوجوه، ألا ترى أن أبا حنيفة ألزم عقوبته بأشد ما يكون، وإنما لم يثبت عقوبة هى الحد،
فعرف أنه زنا محض عنده، إلا أن فيه شبهة العقد، فيندرأ بها الحد، ولا يثبت النسب، قاله المحقق
فى "فتح البارى" (٤٢:٥).
وقول ابن حزم: "وليس عليه (عنده) إلا التعزير دون الأربعين فقط :. (المحلى ٢٥٣:١١).
باطل، منشأه عدم معرفته بمذهب أبى حنيفة، فإنه ألزم فى ذلك عقوبته بأشد ما يكون، ولو رأی
الإمام قتله قتله.
ثم احتج ابن حزم بما رواه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن سعيد بن المسيب أنه قال فیمن
زنى بذات محرم: "يرجم على كل حال" اهـ. قلنا: ليس ذلك فيمن تزوج ذات محرم، ثم ذكر
ما رواه عبد الرزاق عن معمر عن عوف هو ابن أبى جميلة، ثنى عمرو بن أبى هند، قال: "إن رجلا
أسلم وتحته أختان، فقال له على بن أبى طالب: لتفارقن إحداهما أو لأضربن عنقك" اهـ. قلنا: ليس
فيه لأجلدنك مائة، أو لأرجمنك، والحد إما الرجم وإما الجلد، فالأثر محمول على التعزير،
واختلف عمرو على رضى الله عنهما فى المعتدة إذا تزوجت بزوج آخر ودخل بها، فقال على:
المهر لها، وقال عمر: لبيت المال. وهذا اتفاق منهما على سقوط الحد، ولأن النكاح بالمحرم ليس بزنا .
لغة، لأن أهل اللغة لا يفصلون بين الزنا وغيره إلا بالعقد، .......... وهم لا يعرفون الحل والحرمة
شرعا، ولأنه هذا الفعل كان حلالا فى شريعة من قبلنا، والزنا ما كان حلالا قط، وكذلك أهل
الذمة يقرون على هذا، ولا يقرون على الزنا قط، بل يحدون عليه، و كذلك لا ينسب أولادهم بمثل
هذا النكاح إلى أولاد الزنا، فعرفنا أن هذا الفعل ليس بزنا، وحد الزنا لا يجب بغير الزنا، لأنه لو
وجب إنما يجب بالقياس، ولا مدخل للقياس فى الحد. كذا فى "المبسوط" للسرخسى (٨٦:٩).
وأما ما ورد عن عمر أنه أمر بالتفريق بين المحارم من المجوس، فكان ذلك قبل أن يحدثه عبد
الرحمن بن عوف: "أن رسول الله عَّ أخذ الجزية من المجوس، فأراد أن يلحقهم بأهل الكتاب بعد
التفريق بين المحارم، والنهى عن الزمزمة" ولما علم أن رسول الله مّ لل أخذ الجزية عنهم ولم يفرق

٥٩٣
حكم من تزوج امرأة لا يحل له نكاحها فوطئها
إعلاء السنن
أقرهم على النكاح بالمحارم، وكذا من بعده من الخلفاء كما مر، ومحال أن يقروهم على الزنا فافهم.
هذا وقد قال ابن حزم: إن المملوكة الكتابية لا يحل وطئها، وإن وطئها فلا حد عليه، والولد
لاحق. ولما أورد عليه: فما الفرق بين هذا، وبين من وطئ أحدا من ذوات محارمه؟ فأوجبتم فى
كل هذا حد الزنا، ولم تلحقوا الولد. قال: إن الفرق فى ذلك هو أن الله تعالى أباح ملك اليمين
جملة، وحرم ذوات المحارم بالنسب والرضاع والصهر والمحصنات من النساء تحريما واحدا، فحرمت
أعيانهن، ولم يحل منهن لمس، ولا رؤية عربية، ولا تلذذ أصلا، لأنهن محرمات الأعيان. وقال
تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾ فإنما حرم فيهن النكاح فقط، والنكاح ليس إلا عقد
الزواج، أو الوطئ فقط، فإذا ملكناهن فلم تحرم علينا أعيانهن، إذ لا نص فى ذلك ولا إجماع، وإنما
حرم وطئهن فقط، وبقى سائر ذلك على التحليل بملك اليمين، كالمملوكة والحائض والمحرمة
والصائمة فرضا، والحامل من غير السيد، ولا فرق، فلما لم يكن فى واحدة من هؤلاء محرمة
العين كن فراشا فى غير الوطئ، فإن كان الوطئ وإن كان حراما فهو فى فراش لم يحرم فيه إلا
الوطئ فقط، وكل وطئ فى غير محرم العين فليس عهرا ولا زنا، وإنما العهر ما كان فى محرمة
العين فقط اهـ (٢٥٦:١١).
قلنا: هذا قياس، والقياس كله باطل عندكم، فأتوا بحديث يدل على الفرق بين محرم العين
وغيره، وعلى أن الزنا إنما هو ما كان فى محرمة العين فقط، وأيضا: فقد قلتم بأن من تزوج خامسة
أو امرأة فى عدتها فهو زان، والخامسة والمعتدة البائن ليستا من محرمات الأعيان، لا بالنسب،
ولا بالرضاع، ولا بالصهر، ولا بشئ، فبطل قولكم: "كل وطئ فى غير محرم العين فليس عهرا
ولا زنا"، فإن فسرتم محرمة العين من لا يجوز نكاحها فى الحال لمانع وإن جاز بعد ارتفاعه كان
ذلك غلطا لغة، وخطأ شرعا، فإن محرمة العين إنما هى ما لا تتصف بالحل أبدا، وإلا فلقائل أن
يقول: إن كل محرمة الوطئ محرمة العين مادام وطئها حراما، فإن حرمة الوطئ هى الأصل فى
حرمة النكاح بالمحرمات، فلا فرق بين محرمة النكاح ومحرمة الوطئ، فمن قال: إن المملوكة
الكتابية لا يحل وطئها، لزمه القول بكون من وطئها زانيا واجب الحد، وإلا فهو متلاعب. وكيف
يصح القول برؤية من حرم وطئها عريانة، وجواز التلذذ بلمسها من غير أن يثبت له حل وطئها
قبل ذلك؟ فبطل القياس على الحائض والمخرمة والصائمة فرضا وأمثالهن، فإنما جاز رؤية إحداهن
عريانة، ولمسهن تلذذا لثبوت حل وطئها من قبل، وإنما عرضت الحرمة لعارض، بخلاف الأمة

٥٩٤
حكم من عمل عمل قوم لوط عند الحنفية
ج - ١١
الكتابية، فلم يثبت حل وطئها بعد عند القائل بحرمتها. فلا يصح القول بكونها فراشا لا فى الوطئ
ولا فى غيره، فإن كون المرأة فراشا فرع حل وطئها، فافهم. فإن أهل الظاهر لا يفقهون،
ولا يعرفون معانى الشرع، ولا طرق الاستنباط يحكمون.
ويؤيد قول أبى حنيفة ما روام ابن حزم فى "المحلى" (٢٤٨:١١): من طريق موسى بن
معاوية، نا وكيع عن سفيان الثورى عن جابر الجعفى عن الحكم بن عتيبة: "أن عمر بن الخطاب
كتب فى امرأة تزوجت عبدها: فعزرها وحرمها على الرجال" (سند حسن وتحريمها على الرجال
كان تعزيرا) وعن ابن شهاب عن ابن سمعان، قال: كان أبو الزبير يحدث عن جابر بن عبد الله
الأنصارى، أنه قال: " جاءت امرأة إلى عمر بن الخطاب ونحن بالجابية، نكحت عبدها، فتلهف
عليها، وهم برجمها، ثم فرق بينهما، وقال للمرأة: لا يحل لك ملك يمينك" اهـ. فهذا عمر بن
الخطاب رضى الله عنه لم يجد فى ذلك مع كونه نكاحا محرما، قد اتفقت الأمة على حرمته،
ولا يعرف له من الصحابة رضى الله عنهم مخالف. وأما قول ابن حزم: "إن عمر رضى الله عنه قد
هم برجمها، فلو لا أن الرجم عليها كان واجبا ما هم، وإنما ترك رجمها إذ عرف جهلها بلا شك".
اهـ. ففيه أن هذا من الزيادة فى الحديث بالظن، لم لا يجوز أن يكون قد هم برجمها لكونها زانية
حقيقة ثم تركها لكونها متزوجة صورة؟ والحدود تدرأ بالشبهات، وأيضا: فإن الهم الرجم
لم يذكره إلا ابن سمعان، وهو ضعيف عندك، فلا راحة لك فيما روى، والحجة إنما هو فى ما رواه
جابر عن الحكم بن عتيبة، وليس فيه إلا أنه عزرها وحرمها على الرجال، وأما قوله: "وإذ يحتجون
بقول عمر، فيلزمهم أن يحرموها على الرجال فى الأبد، كما جاء عن عمر"اهـ. فقد أشرنا إلى
الجواب عنه أن ذلك كان عن عمر تعزيرا لا حدا، لاتفاق الأمة على أنه ليس من الحد فى شىء،
والتعزير موكول إلى رأى الإمام، فلا يلزمنا أن نحرمها على الرجال فى الأبد، والله تعالى أعلم. وإنما
أطلنا الكلام فى هذا المقام لدفع الطعن عن أبى حنيفة الإمام، وقد قال فى الخلاصة: إن الفتوى على
قولهما (دون قوله) كما فى "فتح القدير" (٤٢:٥) والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فى "الهداية": "أو عمل عمل قوم لوط، فلا حد عليه عند أبى حنيفة ويعزر"
اهـ (٤٩٦:٢). وفى الدر المختار: ولا يحد بوطئ دبر، وقالا: إن فعل فى الأجانب حد، وإن فى
عبده وأمته أو زوجته فلا حد إجماعا بل يعزر. قال فى الدر: بنحو الإحراق بالنار، وهدم الجدار،
والتنكيس من محل مرتفع بإتباع الأحجار. وفى الحاوى: والجلد أصح، وفى "الفتح": يعزر

٥٩٥
حكم من عمل عمل قوم لوط عند الحنفية
إعلاء السنن
ويسجن حتى يموت، أو يتوب، ولو اعتاد اللواطة قتله الإمام سياسة اهـ. وفى رد المحتار: قوله: بنحو
الإحراق إلخ. متعلق بقوله: يعزر. وعبارة الدر: فعند أبى حنيفة يعزر بأمثال هذه الأمور اهـ (٣: ٢٤٠).
واختلفت الآثار فى اللمسألة، ومن أحسنها ما فى "الترغيب" للحافظ المنذرى (٤٢٥:٢):
"حرق اللوطية بالنار أربعة من الخلفاء، أبو بكر الصديق، وعلى بن أبى طالب، وعبد الله ابن الزبير،
وهشام ابن عبد الملك، وروى ابن أبى الدنيا ومن طريقه البيهقى بإسناد جيد عن محمد بن المنكدر:
أن خالد بن الوليد کتب إلى أبى بكر الصديق أنه وجد رجلا فى بعض نواحى العرب ینكح كما
تنكح المرأة، فجمع لذلك أبو بكر أصحاب رسول الله مرّ له، وفيهم على بن أبى طالب، فقال على:
إن هذا ذنب لم تعمل به أمة إلا أمة واحدة، ففعل الله بهم ما قد علمتم، أرى أن تحرقه بالنار،
فاجتمع رأى أصحاب رسول الله عٍَّ أن يحرق بالنار، فأمر به أبو بكر أن يحرتق بالنار اهـ. وفى
"الدراية" (٢٤٨): "روى ابن أبى شيبة والبيهقى بإسناد صحيح عن ابن عباس فى حد اللوطى:
ينظر أعلى بناء فى القرية، فيرمى منه منكسا، ثم يتبع بالحجارة" اهـ. وفى "التلخيص الحبير"
(٣٥٤:٢): "حديث أن عليا قال: يرجم اللوطى. البيهقى من طرق، من فعله أنه رجم لوطيا" اهـ.
وفى "الدراية" (٢٤٨): "قال ابن أبى شيبة: حدثنا وكيع عن ابن أبى ليلى عن القاسم بن الوليد
عن يزيد بن قيس: أن عليا رجم لوطيا" اهـ. وفى النيل (٢: ٣٠): "وروى (أى البيهقى) من وجه
آخر عن جعفر بن محمد عن أبيه(١) عن على فى غير هذه القصة، قال: يرجم ويحرق بالنار" اهـ.
وأما ما فى "النيل" (٢٩:٧): "عن عكرمة عن ابن عباس، قال: قال رسول الله مظلته: من
وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به. رواه الخمسة إلا النسائى، وأخرجه
الحاكم والبيهقى، وقال الحافظ: رجاله موثقون إلا أن فيه اختلافا، وقال الترمذى: وإنما يعرف هذا
الحدیث عن ابن عباس عن النبى مێ من هذا الوجه، وروى محمد بن إسحاق هذا الحديث عن
عمرو بن أبی عمرو، فقال: ملعون من عمل عمل قوم لوط. ولم یذ کر القتل انتهى، وقال یحیی بن
معين: عمرو بن أبى عمرو مولى المطلب ثقة، ينكر عليه حديث عكرمة عن ابن عباس، أن
النبى معَّه قال: اقتلوا الفاعل والمفعول به. وقد استنكر النسائى هذا الحديث" اهـ. ملخصا. لكن
(١) أبو محمد بن على بن حسين بن على، وهو لم يدرك عليا، كما فى تهذيب التهذيب (٩: ٣٥٠). ولكن إرساله عن آبائه حجة،
لكون المرا أدرى بما فی بيته، فافهم.

ج - ١١
حكم من عمل عمل قوم لوط عند الحنفية
٥٩٦
رأى أبى عبد الله الحاكم على إثباته، كما سيأتى فى حواشى الباب الآتى، فغايته الاختلاف، وهو
لا يضر كما عرفت غير مرة.
وأما قول الترمذى: "وروى محمد بن إسحاق" إلخ. فالجواب عنه أنهما حديثان مستقلان،
ولا استحالة فيه، ولا معارضة بين إجماع جمهور الصحابة على الإحراق أو الرجم، وبين ما يدل
عليه هذا الحديث، لأن أنواع التعزير مختلفة موكولة إلى رأى الإمام، ومعلوم أن القتل وكذا
الإحراق ليسا حدا، بل تعزيرا، فإن الحد إما الجلد أو الرجم، أو يحمل الحديث على من اعتاد هذا
العمل، ولم ينزجر بالزجر، فيقتله الإمام سياسة، وكذا المفعول به إن كان بالغا، وجواز الإحراق
فى هذه الصورة، قال بعض الناس: هو مخصص من الحديث الذى رواه البخارى والترمذى والإمام
أحمد، كما فى "كنز العمال" (٨١:٣): "إنى كنت أمرتكم أن تحرقوا فلانا وفلانا بالنار، وأن النار
لا يعذب بها إلا الله، فإن أخذتموهما فاقتلوهما" اهـ. قلت: كلا! ليس بمخصوص، وإنما حرقه من
حرقه من الصحابة بعد قتله أو رجمه، كما يشعر به ما رواه البيهقى من طريق جعفر بن محمد،
وقد مر، والله تعالى أعلم وسيأتى قول محمد فى البهيمة الموطوءة: "إنها لا تحرق بغير ذبح فإنها
مثلة" اهـ. والإنسان أولى بأن لا يحرق بغير ذبح، فإن المثلة بالإنسان أشد منها بالحيوان.
قال ابن حزم: "فعل قوم لوط من الكبائر الفواحش المحرمة، كلحم الخنزير والميتة والدم
والخمر والزنا وسائر المعاصى، من أحله أو أحل شيئا مما ذكرنا فهو كافر مشرك، حلال الدم والمال.
وإنما اختلف الناس فى الواجب عليه. فقالت طائفة: يحرق بالنار الأعلى والأسفل. وقالت طائفة:
يحمل الأعلى والأسفل إلى أعلا جبل بقرية، فيصب منه، ويتبع بالحجارة. وقالت طائفة: يرجم
الأعلى والأسفل، سواء أحصنا أو لم يحصنا. وقالت طائفة: يقتلان جميعا. وقالت طائفة: أما
الأسفل فيرجم، أحصن أو لم يحصن، وأما الأعلى فإن أحصن رجم، وإن لم يحصن جلد جلد
الزنا. وقالت طائفة: الأعلى والأسفل كلاهما سواء، أيهما أحسن رجم، وأيهما لم يحصن جلد
مائة كالزنا. وقالت طائفة: لا حد عليهما ولا قتل، لكن يعزران.
ثم ذكر فى حجة القول الأول من طريق ابن وهب عن ابن سمعان عن رجل، أثر خالد
ابن الوليد وكتابته إلى أبى بكر بذلك، فقال أبو بكر: عليه الرجم، وتابعه أصحاب رسول الله مرّ له
على ذلك من قوله، فقال على: يا أمير المؤمنين! إن العرب تأنف من عار المثل وشهرته أنفالا تأنفه
من الحدود التى تمضى فى الأحكام، فأرى أن تحرقه بالنار، فقال أبو بكر: صدق أبو حسن، وكتب

٥٩٧
حكم من عمل عمل قوم لوط عند الحنفية
إعلاء السنن
إلى خالد بن الوليد: أن أحرقه بالنار، ففعل. قال ابن وهب (راوى الحديث): لا أرى خالدا أحرقه
بالنار إلا بعد أن قتله، لأن النار لا يعذب بها إلا الله تعالى" اهـ.
ثم أخرجه من طريق ابن حبيب عن مطرف بن عبد الله عن محمد ابن المنكدر وموسی ابن
عقبة وصفوان بن سليم نحو ما ذكرناه عن الترغيب للمنذرى، وزاد: ثم حرقهما ابن الزبير فى
زمانه، ثم حرقهما هشام بن عبد الملك، ثم حرقهما القسرى بالعراق. قال ابن حزم: ولا تقوم به
حجة، لأنه لم يروه إلا ابن سمعان عن رجل أخبره لم يسمه، وأيضا: فإن ابن سمعان مذكور
بالكذب، وصفه بذلك مالك بن أنس، وأيضا: فإن الإحراق بالنار قد صح عن رسول الله عّ لّه أنه
نهى عن ذلك. وابن المنكدر وموسى بن عقبة وصفوان بن سليم وداود بن بكر عن أبى بكر كلها
منقطعة، ليس منهم أحد أدرك أبا بكر (وهو أيضا خلاف ما صح عن النبى معَ ◌ّه من النهى عن
الإحراق بالنار، ومن النهى عن المثلة).
وذكر فى حجة من قال: يصعد به إلى أعلى جبل قول ابن عباس، وقد سئل عن حد
اللوطى، فقال: "يصعد به إلى أعلى جبل فى القرية، ثم يلقى منكسا، ثم يتبع بالحجارة" قال:
ووجدنا هم يحتجون بأنه هكذا فعل الله بقوم لوط، وبحديث أبى هريرة مرفوعا: "الذى يعمل
عمل قوم لوط فارجموا الأعلى والأسفل". وقال فيه: "وقال: أحصنا أو لم يحصنا" (رواه ابن
ماجة أيضا، وفيه عاصم بن عمر العمرى يضعف فى الحديث من قبل حفظه زيلعى) قال ابن حزم:
وكله لا حجة لهم فيه، أما فعل الله تعالى فى قوم لوط فإنه ليس كما ظنوا، فنص تعالى نصا جليا
على أن قوم لوط كفروا وكذبوا بالنذر، فأرسل عليهم الحاصب، فصح أن الرجم الذى أصابهم لم
يكن للفاحشة وحدها، لكن للكفر ولها، فلزمهم أن لا يرجموا من فعل فعل قوم لوط إلا أن يكون
كافرا، وإلا فقد خالفوا حكم الله، وأيضا: فإن الله تعالى أخبر أن امرأة لوط أصابها ما أصابهم،
وقد علم كل ذى مسكة عقل أنها لم تعمل عمل قوم لوط، فإن قيل: إنها كانت تعينهم على ذلك
العمل. قلنا: فارجموا كل من أعان على ذلك العمل بدلالة أو قيادة، وإلا فقد تنافضتم، وأيضا: فإن
الله تعالى أخبر أنهم راودوه عن ضيفه، فطمسنا أعينهم، فيلزم أيضا أن يطمسوا ويسملوا عينى كل
من راود آخر.
وأما من قال: يقتلان، فلما روينا عن ابن عباس وأبى هريرة وجابر مرفوعا: "اقتلوا الفاعل
والمفعول به"، ولیس لهم منه شیء یصح، أما حديث ابن عباس، فانفرد به عمرو ابن أبی عمرو،

ج - ١١
حكم من عمل عمل قوم لوط عند الحنفية
٥٩٨
وهو ضعيف (فى الرواية عن عكرمة خاصة)، وأما حديث أبى هريرة، فانفرد به القاسم بن عبد الله
ابن عمر بن حفص، وهو مطرح غاية السقوط، وأما حديث جابر فعن يحيى بن أيوب، وهو
ضعيف، وعن عباد بن کثیر، وهو شر منه. وأما حديث ابن أبى الزناد، فابن أبى الزناد ضعيف،
ومحمد بن عبد الله مجهول، وهو أيضا مرسل، فسقط كل ما فى هذا الباب.
وأما من قال: يرجم المحصن منهما، فلما روى عن عطاء قال: شهدت عبد الله بن الزبير وأتى
بسبعة أخذوا فى اللواط، فسأل عنهم، فوجد أربعة قد أحصنوا، فأمر بهم، فأخرجوا من الحرم، ثم
رجموا بالحجارة حتى ماتوا، وجلد ثلاثة الحد، وعنده ابن عباس وابن عمر فلم ینکرا ذلك عليه.
(رواه البيهقى أيضا) قال ابن حزم: فيه مجاهيل (وروى الطبرانى عن جابر الجعفى، سمعت سالم
ابن عبد الله وأبان بن عثمان وزيد بن حسن يذكرون أن عثمان بن عفان رضى الله عنه أتی برجل
قد فجر بغلام من قريش معروف النسب. فقال عثمان ويحكم أين الشهود، أحصن؟ قالوا: تزوج
امرأة، ولم يدخل بها، فقال على لعثمان: لو دخل بها لحل عليه الرجم، فأما إذا لم يدخل بأهله
فأجلده الحد. فقال أبو أيوب: أشهد أنى سمعت رسول الله عَّ يقول الذى ذكر أبو الحسن فأمر
به عثمان رضى الله عنه، فجلد مائة. قال الهيثمى فى مجمع الزوائد: وفيه من لم أعرفه (٢٧٢:٦).
قال ابن حزم: وأما من قال: لا حد فى ذلك، فوجدناهم يحتجون بقول الله تعالى:
﴿ولا يقتلون النفس التى حرم الله إلا بالحق ولايزنون﴾ إلى قوله: ﴿إلا من تاب﴾، وقال رسول
الله عَّ ◌ُله: لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، كفر بعد إيمان، وزنا بعد إحصان، الحديث.
فحرم الله تعالى دم كل امرأً مسلم وذمى إلا بالحق، ولا حق إلا فى نص أو إجماع، وليس فاعل فعل
قوم لوط واحداً من هؤلاء، فدمه حرام إلا بنص أو إجماع، وقد قلنا: إنه لا يصح فى قتله أثر، نعم!
ولا يصح أيضا فى ذلك شىء عن أحد من الصحابة رضى الله عنهم، لأن الرواية فى ذلك عن أبى
بكر وعلى، الصحابة إنما هى منقطعة، وإحداهما عن ابن سمعان عن مجهول، والأخرى عمن
لا يعتمد على روايته، وأما الرواية عن ابن عباس، فإحداهما عن معاذ بن الحرث عن عبد الرحمن بن
قيس الضبى عن حسان بن مطرد، وكلهم مجهولون، والرواية عن ابن الزبير وابن عمر مثل ذلك،
عن مجهولين، فبطل أن يتعلق أحد فى هذه اللمسألة عن أحد من الصحابة رضى الله عنهم بشىء
يصح، ثم روى بسنده عن وكيع: نا سفيان الثورى عن منصور بن المعتمر وأبى إسحاق الشيبانى،
كلاهما عن الحكم بن عتيبة، أنه قال فيمن عمل عمل قوم لوط: يجلد دون الحد. قال: وبه يقول

٥٩٩
إعلاء السنن
باب من أتى البهيمة فلا حد عليه
٣٦٧٩ - حدثنا محمد بن بشار ثنا عبد الرحمن بن مهدى ثنا سفيان الثورى عن
عاصم عن أبى رزين عن ابن عباس، أنه قال: "من أتى بهيمة فلا حد عليه". رواه
الترمذى (١٧٦:١)، وقال: "والعمل على هذا عند أهل العلم، وهو قول أحمد
وإسحاق". قلت: رجاله رجال الجماعة إلا أبا رزين، فإن البخارى لم يخرج له فى
صحيحه، وإنما رواه عنه فى "الأدب المفرد"، روى عنه الباقون.
أبو حنيفة ومن أتبعه وأبو سليمان وجميع أصحابنا" اهـ ملخصا (٣٨٢:١١-٣٨٥).
قلت: ولا يخفى أن تضعيف ابن حزم، وتجهيله للرجال مما لا يعتمد عليه، والحق أن رجم
اللوطى وحرقه بالنار (بعد الرجم) قد ثبت عن الصحابة، وكذا ثبت الأمر بقتل الفاعل والمفعول به
عن النبى معَّه بطرق عديدة، يقوى بعضها بعضا، ولكن اختلاف الصحابة فى حده يدل على أنه
ليس بزنا، وإلا لم يختلفوا فى موجبه، فثبت أن فاعل فعل قوم لوط ليس بزان، ولا حده حد الزنا،
وإنما حكمه التعزير بما رأى الإمام، من جلد أو قتل أو رجم، ولا ينحصر تعزيره فى أقل من عشرة
أسواط، ولا فى السجن، كما قاله ابن حزم، ونصه: "فوجب كفهم بما لا يستباح به لهم دم وبشرة
ولا مال" اهـ (٣٨٥:١١) بل للإمام عندنا أن يوجعهم عقوبة، ولو رأى قتلهم قتلهم، أو رجمهم
رجمهم، وأما استدلالهم بتسميتها فاحشة، فى قوله تعالى: ﴿أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من
أحد من العالمين). على كونه زنا، فمدفوع، بأن الفاحشة لا تخص لغة الزنا، قال تعالى:
﴿ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن﴾ اهـ من "فتح القدير" (٤٤:٥).
وأما استدلال الموفق على كونه زنا، بما روى عن أبى موسى أنه مَِّ قال: إذا أتى الرجل
الرجل فهما زانیان". رواه البيهقى فمدفوع، بأن فى سنده محمد عبد الرحمن القشیری، كذبه أبو
حاتم، ورواه الأزدى فى "الضعفاء" والطبرانى فى "الكبير" من وجه أخر عن أبى موسى. وفيه بشر
ابن الفضل مجهول. كذا فى "التلخيص الحبير" (٣٥٢:٢).
باب من أتى البهيمة فلا حد عليه
قال المؤلف: دلالة الأثر على الباب ظاهرة. وقال الترمذى بعد إخراجه: "وهذا أصح من
الحديث الأول" اهـ. قلت: وهو ما رواه بقوله: " حدثنا محمد بن عمرو السواق ثنا عبد العزيز بن
محمد عن عمرو بن أبى عمرو عن عكرمة عن ابن عباس، قال: قال رسول الله عَ ليهِ: ((من وجدتموه

٦٠٠
من أتى البهيمة فلا حد عليه
ج - ١١
٣٦٨٠- أخبرنا أبو حنيفة عن الهيثم بن الهيثم عن رجل يحدثه عن عمر بن
الخطاب "أنه أتى برجل وقع على بهيمة، فدرأ عنه الحد. وأمر بالبهيمة فأحرقت"،
أخرجه محمد فى الآثر (٩٢). رجاله كلهم ثقات، وفيه انقطاع كما ترى، فإن الراوى
عن عمر مجهول، ولكن المنقطع فى القرون الثلاثة حجة عندنا، لا سيما وقد احتج به
المجتهد، قال محمد: "وهذا قول أبى حنيفة وقولنا، وإذا كانت البهيمة له ذبحت
وأحرقت. ولم تحرق بغير ذبح، فإنها مثلة" اهـ.
وقع على بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة، فقيل لابن عباس: ما شأن البهيمة؟ فقال: ما سمعت رسول
الله عَّه فى ذلك شيئا، ولكن أرى رسول الله عَ ليه كره أن يؤكل من لحمها، أو ينتفع بها، وقد
عمل بها ذاك العمل. هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث عمرو بن أبى عمرو عن عكرمة عن ابن
عباس عن النبى معَّ)) اهـ. قلت: رجاله رجال الجماعة إلا الأول، فقد روى له البخارى والترمذى
فقط. وضعفه أبو داود بقول ابن عباس المذكور فى المتن، ولكن فى الزيلعى (٩٣:٢): "قال
البيهقى: وقد رويناه من أوجه عن عكرمة، ولا أرى عمرو بن أبى عمر ويقصر عن عاصم بن بهدلة
فى الحفظ، كيف وقد تابعه جماعة، وعكرمة عند أكثر الأئمة من الثقات الأثبات؟ انتهى. وأخرجه
الحاكم فى المستدرك عن عمرو بن أبى عمرو عن عكرمة عن ابن عباس عن النبى معَّ له، قال: من
وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به، ومن وجدتموه يأتى بهيمة فاقتلوه البهيمة
معه. انتهى، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ما شاهد فی ذ کر البهيمة، ثم أخرجه عن عباد بن
منصور عن عكرمة عن ابن عباس، ذكر النبى معَّ له أنه قال فى الذى يأتى البهيمة: اقتلوا الفاعل
والمفعول به، انتهى. وسكت عنه، وأخرجه أحمد فى مسنده أعنى حديث عباد بن منصور" اهـ.
وفى "التلخيص الحبير" (٣٥٢:٢): قال أبو داود: وفى رواية عاصم عن أبى رزين عن ابن عباس:
ليس على الذى يأتى البهيمة حد. فهذا يضعف حديث عمرو بن أبى عمرو. وقال الترمذى:
حديث عاصم أصح، ولما رواه الشافعى فى كتاب اختلاف على وعبد الله من جهة عمرو بن أبى
عمرو، قال: إن صح قلت به، ومال البيهقى إلى تصحيحه لما عضد طريق عمرو بن أبى عمرو عنده
من رواية عباد بن منصور عن عكرمة" اهـ.
قال بعض الناس: "تلخص من هذا كله أن الحديث مختلف فى صحته، وقد حققناه مرة غير
مرة أن الاختلاف لا يضر، وأما أثر ابن عباس فلا يعارضه، لأن معناه أن الحد فى الشريعة إما الرجم