النص المفهرس
صفحات 561-580
36 إعلاء السنن لا يجمع فى الثيب بين الرجم والجلد ٥٦١ ٣٦٥٧- عن جابر بن سمرة: "أن رسول الله عّ لّه رجم ماعز بن مالك، ولم يذكر جلدا". رواه أحمد والبيهقى، كما فى "التلخيص الحبير"، وسكت الحافظ عنه، فهو صالح للاحتجاج به. ٣٦٥٨- عن أبى هريرة وزيد بن خالد الجهنى فى قصة العسيف: "واغد يا أنيس! إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها، فغدا عليها فاعترفت فرجمها". للستة (جمع الفوائد). ٣٦٥٩- عن عائشة رضى الله عنها مرفوعا: ((لا يحل دم امرئ مسلم إلا فى ثلاث خصال، زان محصن فيرجم، والرجل يقتل متعمدا فيقتل به ويصلب، أو ینفی من حديث عبادة بمجرد ترك الراوى ذكر الجلد فى واقعة عين لا عموم لها، بل بتظافر الروايات عن النبى معَّ ◌ُلّه، وترك أبى بكر وعمر وعثمان وغيرهم من الخلفاء العمل بالجمع، وأما قول على وفعله فكلاهما واردان فى واقعة حال لا عموم لها، مع ما فى سماع الشعبی من علی کرم الله وجهه من الاختلاف، فقد قال الحازمى فى الاعتبار: "لم تثبت أئمة الحديث سماع الشعبى من على" (٢٠٣). فلا يصلح معارضا للأحاديث الكثيرة المتنوعة الدالة على ترك النبى معَ له الجمع بين الجلد والرجم قطعا، وعلی ترك خلفائه إياه أيضا، ولو سلمنا فيحتمل أن یکون جلدها عملا بالكتاب، لعدم معرفته بإحصان المرأة، ثم رجمها بالسنة بعد معرفته بإحصانها، كما فى رواية جابر رضى الله عنه فتذكر. وأما قوله: "ويجاب عن دعوى النسخ بمنع التأخر" إلخ. فقد بينا الدلالة على تأخر رجم ماعز وغيره عن حديث عبادة، وإنكارها مكابرة، وأما قوله: "إن الأصل فى الدلالة على وجوب جلد كل زان قوله تعالى: الزانية والزانى الآية لعمومه المحصن وغير المحصن". فقد عرفت أن عممومه مخصوص بالعبيد والإماء فلا يجلدون مائة بل خمسين جلدة، فلم يبق قطعيا فى وجوب جلد كل زان محصن وغير محصن، فافهم ولا تكن من الغافلين. قوله: عن جابر بن سمرة إلخ صریح فى الدلالة على اكتفاء النبی مێ بالرجم وتر که الجلد. قوله: عن أبى هريرة إلخ. دلالته على الباب بالتقرير الذى قد مر فى غضون الكلام ظاهرة. قوله: "عن عائشة" إلخ. هذا من جنس الأقوال دون الأفعال التى لا عموم لها، فقوله: "زان محصن فيرجم". صريح فى أن حد الزانى المحصن الرجم لا غير، وإلا لم يتركه النبى عّ لّه، وذكره كما ذكر فى قاتل العمد والمحارب كل ما يتعلق به من العقوبات فافهم. والله تعالى أعلم. ١ ٥٦٢ ج - ١١ 0. الأرض)). أخرجه الحاكم فى "المستدرك" وصححه على شرط الشيخين، وأقره عليه الذهبى. والرواية قد وقعت فيه تصحيف وحذف، وذكره ابن حزم فى "المحلى"، وفيه: ((أو رجل يخرج من الإسلام فيحارب الله ورسوله، فيقتل أو يصلب، أو ينفى من الأرض)). وأعله بأن إبراهيم بن طهمان انفرد به، وليس بالقوى اهـ. قلت: هو من رجال الجماعة ثقة يغرب كما فى "التقريب". باب أن لا يجمع فى البكر بين الجلد والنفی ٣٦٦٠- أخبرنا معمر عن الزهرى عن ابن المسيب، قال: "غرب عمر ربيعة بن أمية بن خلف فى الشراب إلى خيبر، فلحق بهرقل فتنصر، فقال عمر: لا أغرب بعده وأما ما فى كنز العمال (٨٧:٣): عن كثير بن الصلت، قال: كان ابن العاص وزيد بن ثابت يكتبان فى المصاحف، فمرا على هذه الآية، فقال زيد: سمعت رسول الله عَّ له يقوله: ((الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة)). فقال عمر: لما أنزلت أتيت النبى معَّ، فقلت: أكتبينها، فكأنه كره ذلك، قال: فقال عمر: ألا ترى أن الشيخ إذا زنى وقد أحصن جلد ورجم، وإذا لم يحصن جلد، وأن الشاب إذا زنى وقد أحصن رجم؟ رواه ابن جرير وصححه، وقال: هذا حديث لا يعرف له مخرج عن عمر عن رسول الله عَّه بهذا اللفظ إلا من هذا الوجه، وهو عندنا صحيح سند، لا علة فيه توهنه ولا سبب يضعفه لعدالة نقلته، قال: وقد يعل بأن قتادة مدلس، ولم يصرح بالسماع والتحديث اهـ. ففيه أن هذه رواية شاذة لم يذهب إليها أحد من العلماء من تخصيص الجمع بين الجلد والرجم بالشيوخ دون الشبان، والجمهور على أن المراد بالشيخ هو الثيب والله أعلم. باب أن لا يجمع فى البكر بین الجلد والنفى قال المؤلف: دلالة الآثار على الباب ظاهرة، فإن عمر غرب ربيعة فى شرب الخمر، فإن كان التغريب حدا فى الزنا لم يجمع بين حد الزنا وحد الشرب، فثبت أن التغريب لم يشرع حدا، وإنما شرع تعزيرا وسياسة، وقول عمر: "لا أغرب بعده مسلما". عام كل من ارتكب حدا من الحدود، فبطل قول من قال: "إن عدم نفيه شارب الخمر لا يستلزم عدم نفيه الزانى"، فإن قوله: "لا أغرب بعده". يعم الزانى وغيره سواء لا سيما والعلة التى منعته عن نفى الشارب لا تختص به، بل تعمه والزانى سواء، ومن ادعى أن اللحاق بالكفار إنما يخشى على الشارب دون الزانى، ٥٦٣ لا یجمع فى البکر بین الجلد والنفی إعلاء السنن مسلما". رواه عبد الرزاق فى مصنفه (زيلعى ٨٧،٨٦:٢) قلت: رجاله رجال الجماعة. فهو مجادل مكابر. وأما ما روى البخارى: حدثنا مالك بن إسماعيل حدثنا عبد العزيز حدثنا ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن زيد بن خالد الجهنى، قال: "سمعت النبى مّ الله يأمر فيمن زنى ولم يحصن جلد مائة وتغريب عام". قال ابن شهاب: وأخبرنى عروة بن الزبير أن عمر بن الخطاب غرب، ثم لم تزل تلك السنة. وفى فتح البارى: "زاد عبد الرزاق فى رواية عن مالك: حتى غرب مروان، ثم ترك الناس ذلك، يعنى أهل المدينة" انتهى (١٢: ١٤٠). فهذا بظاهره يدل على أن التغريب قد عمل به فى زمن عمر وعلى رضى الله عنهما على الدوام، فيعارض آثار الباب. فالجواب عنه أما أولا فبأن قول عروة منقطع، فإنه كما فى "فتح البارى" (١٤٠:١٢): لم يسمع من عمر رضى الله ــ، وأما ثانيا فبأن قول عروة يحمل على فعل عمر رضى الله عنه، وعلى رضى الله عنه قبل أن تظهر لهم مصلحة عدم النفى، وفى "فتح البارى" (١٤٠:١٢): "أخرج الترمذى والنسائى وصححه ابن خزيمة والحاكم من رواية عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر رضى الله عنه أن النبى معَّ ضرب وغرب، وأن أبا بكر ضرب وغرب، وأن عمر ضرب وغرب" انتهى. وفيه أيضا: قد أخرج مسلم من حديث عبادة بن الصامت مرفوعًا: ((خذوا عنى قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم)) (١٣٩:٢١ و١٤٠). وفى "نيل الأوطار" (٥:٧): "والحاصل أن أحاديث التغريب قد جاوزت حد الشهرة المعتبرة عند الحنفية فيما ورد من السنة زائدا على القرآن" انتهى. فالجواب أن الشهرة إنما هى فى وقوع التغريب، ولا ننكر وقوعه ولا جوازه تعزيرا، والذى أنكرناه وهو كون التغريب جزء من الحد، فلم يثبت بخبر واحد فضلا أن يكون مشهوراً، فلم يرد فى شىء من الأحاديث أن التغريب واجب بطريق الحد، فإن أقصى ما فيه دلالة قوله: ((البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام)). وهو عطف واجب على واجب، وهو ليس بلازم، فجاز كونه تغريبًا لمصلحة، لا سيما وقد تطرق إليه احتمال النسخ بقرينة نسخ شطره، وهو قوله: ((الثيب بالثيب جلد مائة والرجم)). فقد اتفق فقهاء الأمصار خلا أهل الظاهر - ولا عبرة بخلافهم- على عدم الجمع بين الجلد والرجم كما مر، وأيضا فلا نسلم كون أخبار التغريب مشهورة، بل هى آحاد عندنا، فقد رواها ثلاثة من الصحابة، عبادة، وأبو هريرة، وزيد بن خالد عن النبى مرّ ◌ُّه، كما فى "المحلى" (١٨٦:١١). وتلقى الأمة بالقبول إن كان بمعنى إجماعهم على العمل به فممنوع لظهور الخلاف، ج - ١١ لا یجمع فی البکر بین الجلد والنفی ٥٦٤ ٣٦٦١- عن إبراهيم النخعى. قال: قال عبد الله بن مسعود فى البكر تزنى بالكر قال: يجلدان مائة. وينفيان سنة، وقال على: حسبهما من الفتنة أن ينفيا" رواه عبد وإن كان إجماعهم على صحته بمعنى صحة سنده فكثير من أخبار الآحاد كذلك سلمنا ولكنها مشهورة رواية آحاد دلالة لثبوت الخلاف، وإذا تطرق إليها احتمال النسخ فلا شك أنها تنزل عن الآحاد التى لم يتطرق ذلك إليها، فأحرى أن لا ينسخ بها ما أفاده الكتاب، وهو قوله: ﴿الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منها﴾. أن جميع الموجب الجلد، لأنه شارع فى بيان حكم الزنا ما هو؟ فكان المذكور تمام حكمه، وإلا كان تجهيلا، إذ يفهم أنه تمام الحكم، وليس تمامه فى الواقع، ولأنه هو المفهوم، لأنه جعل جزاء للشرط، فيفيد أن الواقع هذا فقط، فلو ثبت معه شىء آخر كان شبهة معارضة، لا مثبتة لما سكت عنه فى الكتاب، فأحاديث التغريب معارضة لمفهوم الكتاب، لا أن الكتاب ساكت عن نفى التغريب، ولا يجوز معارضة الكتاب إلا بما هو قطعى رواية ودلالة معا، وذلك مفقود ههنا. فالتغريب ليس بداخل فى الحد، وإنما هو تعزير فقط، وعليه قرينتان، أولهما قول عمر المروى فى أول الباب. فإن الحد ليس لأحد أن يغيره، وآخرهما قول أبى هريرة فى هذه الرواية الواقعة فى "فتح البارى" (١٢: ١٤٠): "أن رسول الله عَّ قضى فيمن زنى ولم يحصن بنفى عام ويإقامة الحد عليه. رواه البخارى، ووقع فى رواية النسائى "أن ينفى عاما مع إقامة الحد عليه، وكذا أخرجه الإسماعيلى من طريق حجاج بن محمد عن الليث" انتهى. فإن ذلك صريح فى أن النفى ليس بحد لعطفه عليه، والأصل فى العطف المغايرة، فهو موكول إلى رأى الإمام، إن رأى مصلحة فعل وإلا لا، وأيضا: يدل على أن النفى ليس بحد ما فى "فتح البارى" (٢٢٥:١٢): "وقد أخرج أبو داود والنسائى من طريق سعيد بن المسيب عن ابن عباس: أن رجلا أقر بأنه زنى بامرأة، فجلده النبى مرّ لته مائة، ثم سأل المرأة، فقالت: كذب. فجلده حد الفریة ثمانین. وقد سکت علیه أبو داود، وصححه الحاكم، واستنكره النسائى" انتهى. فلو كان النفى من الحد لنفاه، لم يسع له عّ لّ أن يتركه فافهم حق الفهم. وأيضا: فإن ابن عمر أقام على جارية له حد الزنا ولم ينفها، كما ذكرناه قبل فى الحاشية، ولو كان النفى من الحد لم يتركه أبدا، وأحاديث التغريب لم تفرق بين الرجال والنساء، والعبيد والإماء، فإذا انتفى عن النساء انتفى عن الكل، فافهم. قوله: "عن إبراهيم النخعى إلخ". قلت: سياق الكلام مشعر بالمقابلة بين القولين، قول ابن مسعود وعلى رضى الله عنهما، ولولا ذلك لقال إبراهيم: قال عبد الله وعلى فى البكر تزنى بالبكر: ٤٠٠ إعلاء السنن لا يجمع فى البكر بین الجلد والنفى ٥٦٥ الرزاق فى مصنفه، ومحمد بن الحسن فى كتاب الآثار، قالا: أخبرنا أبو حنيفة عن حماد بن حماد بن أبى سليمان عن إبراهيم، فذكراه. (زيلعى ٨٦:٢). قلت: الأثران صحيحان، والنخعى وإن لم يدركهما ولكن مراسيله صحيحة، كما عرفت غير مرة. ٣٦٦٢- عن ابن عباس رضى الله عنهما، قال: "من زنى جلد وأرسل". أخرجه ابن حزم فى "المحلى" (٢٣٢:١١). ولم يعله بشىء. "يجلدان مائة، وينفيان سنة". ولكنه ذكر قول ابن مسعود أولا، ثم قال: وقال على: "حسبهما من الفتنة أن ينفيا". فدل على أن ابن مسعود كان يثبت النفى، وعلى أنكره عليه، وقد وقع التصريح بذلك فيما سيأتى عن إبراهيم أن عليا قال فى أم الولد إذا أعتقها سيدها أو مات عنها ثم زنت: "فإنها تجلد ولا تنفى". قال: وقال ابن مسعود: "تجلد وتنفى، ولا ترجم" فثبت أن عليا كان ينكر النفى، ويخالف ابن مسعود فى ذلك. ويرحم الله ابن حزم، حيث قال: "قول على: حسبهما من الفتنة أن ينفيا. يخرج على إيجاب النفى، وأن ذلك حسبهما من البلاء، ثم استدل لذلك بقوله تعالى: ﴿أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون﴾ (٢٣٢:١١). فهل سمعتم بأعجب من هذا الفهم، وأغرب من هذا الاستدلال؟ فأنا لو حملنا الفتنة على البلاء فى قول على هذا لم يكن قوله خلاف قول ابن مسعود، ولم يكن لقوله: "حسبهما" معنى، بل كان لغوا بلا فائدة، وهكذا استدلال أهل الظاهر، فإنهم بمراحل عن الفهم والفقه. فأحسن الله عزائءنا فيك با ابن حزم. قال محمد فى الآثار: "قلت لأبى حنيفة: ما يعنى إبراهيم بقوله: كفى بالنفى فتنة؟ أى لا ينفى؟ قال: نعم! قال محمد: وهذا قول أبى حنيفة وقولنا، نأخذ بقول على بن أبى طالب" انتهى (٩٠). فلعله قد كوشف بابن حزم وكاشف به، حيث سأل أبا حنيفة عن معنى الأثر، ونبهنا عليه مع کونه ظاهراً غير محتاج إلى التنبيه. قوله: "عن ابن عباس إلخ". قلت: صريح فى عدم وجوب النفى، فإن الإرسال إذا لم يعد يإلى كان فى معنى الإطلاق ورفع القيد. وأغرب ابن حزم حيث قال: "ليس قول ابن عباس: من زنى جلد وأرسل. دليلا على أنه لا يوجب النفى عنده، بل قد يكون قوله: وأرسل، يريد به أن يرسل إلى بلد آخر" انتهى (٢٣٢:١١). فلو ساغ مثل هذا التأويل لم يكد يثبت من الأحاديث شئ. ٥٦٦ ج - ١١ لا یجمع فی البکر بین الجلد والنفی ٣٦٦٣- عن إبراهيم النخعى: "أن على بن أبى طالب قال فى أم الولد إذا أعتقها سيدها أو مات عنها فزنت: أنها تجلد ولا تنفى ". رواه عبد الرزاق عن أبى حنيفة عن حماد بن أبى سليمان عنه، وهذا سند صحيح لا علة له سوى إرسال النخعى، ومراسيله صحاح عند القوم، كما مر غير مرة، أخرجه ابن حزم أيضا، (١٨٤:١١). وزاد فى "كنز العمال" (٨٨:٣): قال: وقال ابن مسعود: "تجلد وتنفى ولا ترجم". ٣٦٦٤- عن أبى هريرة رفعه: ((إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها ثلاثا بكتاب الله قوله: "عن أبى هريرة إلخ". قال الطحاوى: "فلما أمر رسول الله عَّه فى الأمة إذا زنت أن تجلد، ولم يأمر مع الجلد بنفى، وقد قال الله تعالى عز وجل: ﴿فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾. فعلمنا بذلك أن ما يجب على الإماء إذا زنين هو نصف ما يجب على الحرائر إذا زنين، ثم ثبت أن لا نفى على الأمة إذا زنت، كان كذلك أيضا أن لا نفى على الحرة إذا زنت. وقد روینا عن رسول الله مرّ فيما تقدم أنه نهى عن أن تسافر امرأة ثلاثة أيام إلا مع محرم، فذلك دليل أيضا على إبطال النفى عن النساء غير المحصنات فى الزنا، انتفى ذلك أيضًا عن الرجال، وهذا قول أبى حنيفة وأبى يوسف ومحمد رحمة الله عليهم أجمعين. فإن قال قائل: فإنى أنفى الأمة إذا زنت ستة أشهر، مثل نصف ما تنفى المرأة، وقال: لم ينف النبى مرّ النفى فيما ذكر تموه من جلد الأمة إذا زنت، ولا بقوله: ثم بيعوها فى المرة الرابعة، فكأن هذا القائل يخالف كل من تقدمه من أهل العلم، وخرج من أقاويلهم. فيقال له: بل فيما روينا عن النبى معَّ له من أمره بجلد الأمة ثم بيعها فى الرابعة دليل على أن لا نفى عليها، لأنه إنما علمهم فى ذلك ما يفعلون بإمائهم، فمحال أن يكون يقصر فى ذلك عن جميع ما يجب عليهن، ومحال أن يأمر ببيع من لا يقدر مبتاعه على قبضه من بائعه إلا بعد مضى ستة أشهر" انتهى (٧٩:٢). ولأنه هو المفهوم، لأنه جعل جزاء للشرط، فيفيد أن الواقع هذا فقط، وأيضا: فإن النفى أشد من التثريب والتعبير، فإن الأمة تعير بذلك أشد من التعبير بالقول، وتبقى مؤنته به ما دامت حية، وقد أمر النبى معٍَّ بجلد الأمة ونهى عن تغريبها وتعبيرها، فدل على النهى عن نفيها أيضا، وبه نقول إذا جلدها المولى فى بيته تعزيرا، وأما إذا رفع أمرها إلى الإمام فهو مخير بين الجلد وحده، وبين الجمع بينه وبين النفى حسب ما يرى من المصلحة. فبطل قول ابن حزم ومن وافقه: "إن هذا الخبر ليس فيه أن لا تغريب، ولا أن التغربب ساقط عنها، لكنه مسكوت عنه فقط" انتهى. (من المحلى ١٨٦:١١). ٥٦٧ لا یجمع فی البکر بین الجلد والنفی إعلاء السنن فإن عادت فليبعها، ولو بحبل من شعر)). وفى رواية: ((فليجلدها، ولا يعيرها ثلاث مرات)). وفى رواية: ((إذا زنت الأمة فتبين زناها فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها مرتين، وأما قوله: "إنه خبر مجمل فسره غيره، لأنه إنما فيه: فليجلدها. ولم يذكر فيه عدد الجلد كم هو؟" انتهى. ففيه أن عدد الجلد قد ذكر فى الكتاب بقوله تعالى: ﴿فعليهن نصف ما على المحصنات﴾. فاستغنى عن الذكر، وقد ورد ذكره فى غير ما حديث كما مر، ونفى الأمة ستة أشهر لم يذكر فى حديث ما ولم يقل به أحد من الخلفاء، ولا واحد من الصحابة. ومن ادعى فليأت ببرهان، بل القائل به مخالف كل من تقدمه من أهل العلم خارج عن أقاويلهم كما قال الطحاوى. فإن قيل كما قاله ابن حزم: يبيعها المولى فى البلد الذى تنفى إليها فيقدر المبتاع على القبض متصلا بالبيع. قلنا: فيلزم نفى المولى مع الأمة، وفيه إيقاع الحد على غير الزانى لأجل من زنى، ولا نظير له فى الشرع، فإن الشارع لم يوجب على محرم المرأة أن يسافر معها إذا أرادت الحج. فكيف يوجب على المولى أن ينتفى من أرضه إلى أرض أخرى لبيع أمتها الزانية؟. وقال الموفق فى "المغنى": "لا خلاف فى وجوب الجلد على الزانى إذا لم يكن محصنا، وقد جاء بيان ذلك فى كتاب الله تعالى، وجاءت الأحاديث عن النبى معَّه موافقا لما جاء به الكتاب، ويجب مع الجلد تغريبه عامًا فى قول جمهور العلماء". قلت: كلا! فقد ثبت خلاف الأوزاعى وأهل الشام، ومالك وأهل المدينة فى تغريب المرأة. وخالف أبو حنيفة وأصحابه من أهل الكوفة فى تغريب الكل، فمن الجمهور بعدهم؟ قال: "روى ذلك عن الخلفاء الراشدين"، قلت: إنما ثبت ذلك عن الثلاثة فعلا، ولم يثبت عنهم وجوبه قولا، وقد ثبت عن عمر قوله: "لا أغرب مسلما بعد ذلك أبدا" وعن على إنكار التغريب مطلقًا، والذى ثبت عن النبى معَّ إنما هو ما رواه عبادة من قوله: ((البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام)). وما ورد فى قصة العسيف من قوله: ((وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام)). وفى لفظ للبخارى: ((وجلد ابنه مائة وغربه عاما)). وأما ما رواه الترمذى عن عبد الله بن إدريس عن عبيد الله عن نافع عن بن ابن عمر: ((أن النبى مُّلّه ضرب وغرب، وأن أبا بكر ضرب وغرب، وأن عمر ضرب وغرب». فقال الترمذى: حدیث غریب، هكذا رواه غير واحد عن عبد الله بن إدريس عن عبيد الله فرفعوه، ورواه بعضهم عن ابن إدريس عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر: ((أن أبا بكر ضرب وغرب))، الحديث، حدثنا بذلك أبو سعيد الأشج، ثنا عبد الله بن إدريس، وهكذا روى من غير رواية ابن إدريس عن عبيد الله بن عمر نحو ج - ١١ لا یجمع فی البکر بین الجلد والنفی ٥٦٨ ثم إن زنت فليبعها ولو بحبل من شعر)) للستة، كما فى "جمع الفوائد (٢٨٦:١). وقد تقدم بأبسط من هذا. هذا هكذا رواه محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر. لم يقولوا فيه: عن النبى معَّ، ورواه يوسف ومحمد بن سائق عن ابن إدريس عن عبيد الله عن نافع أن النبى مَّ ◌ّه لم يذكر ابن عمر، ورواه محمد بن عبد الله بن نمير عن ابن إدريس عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر: ((أن أبا بكر ضرب وغرب)). لم يقل فيه: عن النبى ◌ِّ، ذكر جميع ذلك الدار قطنى، وقال: "إن هذه الرواية الأخيرة هى الصواب". ورواه النسائى والحاكم فى المستدرك عن ابن إدريس به مرفوعًا، قال ابن القطان: "وعندى أن الحديث صحيح، ولا يمتنع أن يكون عند ابن إدريس فيه عن عبيد الله جميع ما ذكر". انتهى من الزيلعى (٢: ٨٧). والحاصل أن فى ثبوته عنه مرّه فعلا اختلافا عن الحفاظ، وأما عن أبى بكر وعمر فلا اختلاف فيه، قاله المحقق فى الفتح (٢٩:٥). قال: "وبه قال أبى وابن مسعود وابن عمر" قلت: قد ثبت عنه أنه غرب وترك، وصح عن ابن مسعود أنه قال: "يجلد المولى أمته فى بيته"، كما مر، وهذا يدل على أنه لا ينفيها. قال: "وإليه ذهب عطاء والثورى وابن أبى ليلى والشافعى وإسحاق وأبو ثور. وقال مالك والأوزاعى: يغرب الرجل دون المرأة، لأن المرأة تحتاج إلى حفظ وصيانة، وأنها لو تخلو من التغريب بمحرم أو بغير محرم. لا يجوز التغريب بغير محرم، لقول النبى عدّ له: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذى رحم محرم. (ولأجل ذلك يسقط عنها الحج إذا لم يكن لها محرم، فلأن يسقط النفى أولى) ولأن تغريبها بغير محرم إغراء لها بالفجور وتضييع لها، وإن غربت بمحرم أفضى إلى تغريب من ليس بزان، ونفى من لا ذنب له، وإن كلفت أجرته ففى ذلك زيادة على عقوبتها بما لم يرد الشرع به، كما لو زاد ذلك على الرجل، والخبر الخاص فى التغريب إنما هو فى حق الرجل، وكذلك فعل الصحابة رضى الله عنهم، والعام يجوز تخصيصه، لأنه يلزم من العمل بعمومه مخالفة مفهومه، فإنه يدل بمفهومه على أنه ليس على الزانى أكثر من العقوبة المذكورة فيه، وإيجاب التغريب على المرأة يلزم منه الزيادة على ذلك وفوات حكمته، لأن الحد وجب زجرا عن الزنا وفى تغريبها إغراء به، وتمكين منه مع أنه قد يخصص فى حق الثيب بإسقاط الجلد فى قول الأكثرين، فتخصيصه ههنا أولى. ثم قال بعد ذكر أدلة الجمهور: وقول مالك فى ما يقع لى أصح الأقوال وأعدلها، وعموم الخبر مخصوص بخبر النهى عن سفر ٥٦٩ لا یجمع فی البکر بین الجلد والنفی إعلاء السنن المرأة بغير محرم" انتهى (١٣٥:١). قلت: وبهذا ظهر ضعف ما ذهب إليه الجمهور، فأغنانا ذلك عن الاشتغال به والرد عليهم، وأما قول مالك والأوزاعى فإنه وإن كان أقوى وأعدل ظاهرًا، ولكنه ضعيف أيضا لأنه رأى أن الحديث ما دل إلا الرجل بقوله: ((البكر بالبكر)). فلم تدخل المرأة، ولا شك أنه كغيره من المواضع التى تثبت الأحكام فى النساء بالنصوص المفيدة إياها للرجال بتنقيح المناط، وأيضا: فإن نفس الحديث يجب أن يشملهن، فإنه قال: ((خذوا عنى، قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر))، الحديث. فنص على أن النفى والجلد سبيل لهن، والبكر يقال على الأنثى، ألا ترى إلى قوله: ((البكر تستأذن)) الحديث؟ وأما قوله: "وكذلك فعل الصحابة" انتهى. ففيه أنهم قد نفوا النساء أيضا، فقد روى عبد الرزاق بسنده عن عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: "أتى رجل إلى عمر بن الخطاب، فأخبره أن أخته أحدثت وهى فى سترها، وأنها حامل، فقال: أمهلها حتى إذا وضعت واستقلت فأذنى بها، فلما وضعت جلدهامائة، وغربها إلى البصرة عاما". (أخرجه ابن حزم فى "المحلى" ١٨٤:١١، ولم يعله بشىء واحتج به) وعن ابن وهب أخبرنى جرير بن حازم عن الحسن ابن عمارة عن العلاء بن بدر عن كلثوم بن جبير، قال: "تزوج رجل منا امرأة. فزنت قبل أن يدخلها، فجلدها على بن أبى طالب مائة سوط ونفاها سنة إلى نهر كربلاء". (أخرجه ابن حزم أيضا، واحتج به ولم يستح من الاحتجاج به، وفيه الحسن بن عمارة إذا احتج به أحد من الحنفية سلخ ابن حزم جلده على بدنه) وعن ابن شهاب يحيى بن عبد الرحمان بن حاطب عن أبيه: أن حاطبا توفى وأعتق من صلى من رقيقه وصام. وكانت له وليدة نوبية قد صلت وصامت. وهى أعجمية لم تفقه. فلم يرعه إلا حملها. وذكر الحديث، وفيه: "فأمر بها عمر فجلدت مائة وغربها". (أخرجه ابن حزم أيضا وسنده حسن)، وعن عبد الله بن مسعود فى البكر یزنى بالبكر: "يجلدان مائة وينفيان سنة". (وقال كذلك فى أم الولد إذا زنت بعد موت مولاها: تجلد وتنفى كما فى المتن)، وعن ابن عمر: "أنه حد مملوكة له فى الزنا. ونفاها إلى فدك". أخرجهما ابن حزم أيضا. وروى ابن أبى شيبة فى المصنف. حدثنا جرير عن مغيرة عن ابن يسار -مولى لعثمان -. قال: "جلد عمثان امرأة فى زنا. ثم أرسل بها مولى له يقال له: المهرى إلى خيبر نفاها إليه. كذا فى "نصب الراية" (٨٧:٢). وأما قوله: "والعام يجوز تخصيصه، لأنه يلزم من العمل بعمومه مخالفة مفهومه وفوات حكمته. لأن الحد وجب زجرا عن الزنا وفى تغريبها إغراء به وتمكين منه إلخ". ففيه أن هذه العلة ج - ١١ لا یجمع فی البکر بین الجلد والنفی ٥٧٠ ٣٦٦٥- حدثنا ابن أبى داود ثنا محمد بن عبد العزيز الواسطى ثنا إسماعيل بن عياش ثنا الأوزاعى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: "أن رجلا قتل عبده متعمدا، فجلده النبى معَِّ مائة ونفاه سنة. ومما أراه سهمه ميْنَ المسلمين، وأمره أن يعتق رقبة". رواه الطحاوى (٧٩:٢) وسنده صحيح، فابن أبى داود قد مر توثيقه غير مرة، ومحمد ابن عبد العزيز الواسطى من رجال البخارى ثقة، كما فى "التهذيب" (٣١٣:٩). وحديث ابن عياش عن أهل الشام صحيح مستقيم والباقون لا يسأل عنهم. مشتركة بين النساء والرجال جميعًا. ففى نفى الرجل فتح باب الفتنة أيضا لانفراده عن العشيرة وعمن يستحيى منهم، والمرأة قد جبلت على الحياء، فتستحيى من الأجانب كحيائها من العشيرة، بخلاف الرجل إذا ارتكب الفاحشة فى عشيرته مرة، فإنه لا يستحيى من الأجانب أصلا، خصوصًا فى مثل هذا الزمان الذى قد أدبر الخير عنه، وأقبل إليه الشر بحذافيره. كما لا يخفى ذلك لمن يشاهد أحوال النساء والرجال. ولا شك أن هذا المعنى فى إفضائه إلى الفساد أرجح مما قاله الشافعى وغيره فى تعليل إيجاب النفى، من أن فيه حسم مادة الزنا. لقلة المعارف وهى الداعية إلى ذلك. قلنا: هل الأمر على العكس من ذلك لما ذكرنا. وأما قوله: "منع أنه يخصص فى حق الثيب بإسقاط الجلد، فتخصيصه ههنا أولى". ففيه أن الجلد مع الرجم قد أسقطناه نحن وأنتم عن الثيب مطلقا رجلا كان أو امرأة. فليكن التغريب كذلك ساقطا عن البكرين جميعاً. فقول الحنفية: إن التغريب ليس بحد، وإنما هو تعزير وسياسة، والرأى فيه إلى الإمام أقوى وأعدل وأصح. فلو غلب على ظنه مصلحة فى التغريب بأن كان الرجل أو المرأة ممن يرتدع بالنفى. ويورث ذلك ندامة فيه، وخجلا له أن يفعله، وهو محمل التغريب الواقع من النبى معَّه ومن الصحابة، وإن لم ير مصلحة، بل كان فيه إغراء بالزنا، وتمكين منه لقلة الحياء فى المجلودين تركه، وهو محمل قول على رضى الله عنه: "حسبهما من الفتنة أن ينفيا". فإنه رأى ما كان رادعا عن الزنا فى زمان النبى عّ لّه وخلفائه الثلاثة فتنة فى زمانه. ومحال أن يكون الحد فتنة، وقد شرع لحسم مادة الفتنة وسد أبوابها، فثبت أن التغريب ليس بحد واجب. بل تعزير وسياسة يختلف حكمه باختلاف الأحوال. قوله: "حدثنا ابن أبى داود إلخ". فيه دلالة على أن التغريب فى الزنا ليس بحد، وإنما هو تعزير وسياسة. ولأجل ذلك لا يختص بالزنا. ألا ترى أنه مُّ نفى رجلا كان قد قتل عبده عمدا؟ فلم يكن ما فعله رسول الله عَّه فى هذا دليلا عندنا، ولا عند الخصم، على أن ذلك حد واجب ٥٧١ لا یجمع فی البکر بین الجلد والنفی إعلاء السنن ٣٦٦٦- عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر: "أن أمة له زنت، فجلدها ولم ينفها". أخرجه الجصاص فى أحكام القرآن له (٢٥٦:٣). والمذكور من السند صحيح. ٣٦٦٧- عن عبد الله بن بریدة، قال: "بینما عمر بن الخطاب رضى الله عنه یعس ذات ليلة فى خلافته، فإذا امرأة تقول: هل من سبيل إلى خمر فأشربها أو من سبيل إلى نصر بن حجاج زاد فى فتح القدير: إلى فتى ماجد الأعراق مقتبل سهل المحيا كريم غير ملجاج لا ينبغى تركه، وإنما كان للدعارة لا لأنه حد، فما ينكر أيضا أن يكون ما روى عن النبى معَ له مما أمر به من نفى الزانى على أنه للدعارة، لأنه حد واجب. قاله الطحاوى (٧٩:٢). قلت: وقد روى ابن سعد أن الحكم بن أبي العاص أبا مروان أسلم يوم الفتح وسكن المدينة، ثم نفاه النبى عد ◌ّ إلى الطائف، واختلف فى السبب الموجب لنفى رسول الله عّ لّه إياه، فقيل: كان يتحیل ویستخفى، ويسمع ما يسره رسول الله مَّه إلى كبار أصحابه فى مشركى قريش وسائر الكفار والمنافقين، فكان يفشى ذلك عليه، وكان يحكيه فى مشيته، وبعض حركاته إلى أمور غيرها، كذا فى "الإصابة" (٢٨:٢) و "الاستيعاب" (١٢١:١). وكذلك نفى هيت المخنث من المدينة إلى غير جبل بها عند ذى الحليفة، ذكره ابن وهب فى جامعه عمن سمع أبا معشر، وأخرج عبد الملك بن حبيب فى الواضحة عن حبيب كاتب مالك، قال: "قلت لمالك: إن سفيان زاد فى حديث بنت غيلان: أن مخنثا يقال له: هيت. فقال مالك: صدق. وهو كذلك، وكان النبى معَّ ◌ُِّ غربه إلى الحمى". كذا فى "الإصابة" (٢٩٦:٦). ولم يكن فى ذلك دليل على أنه حد واجب، فليكن كذلك ما روى عنه من نفى الزانى فافهم. والله يتولى هداك. قوله: "عن عبد الله بن بريدة إلخ". فيه نفى عمر رضى الله عنه نصر بن الحجاج، وكان غلاما صبيحا يفتتن به النساء، ولا يخفى أن الجمال لا يوجب النفى، ولكن فعل ذلك للمصلحة، فثبت أن النفى المروى عن النبى عّ لّه والصحابة لم يكن بطريق الحد، بل بطريق السياسة. وعلى هذا كثير. مشايخ السلوك کانوا یغربون المريد إذا بدا منه قوة نفس: من مشايخ السلوك المحققين رضى الله عنهم كانوا يغربون المريد إذا بدا منه قوة نفس ولجاج، ٥٧٢ ج - ١١ لا یجمع فی البکر بین الجلد والنفی فلما أصبح سأل عنه، فأرسل إليه، فإذا هو من أحسن الناس شعرا، وأصبحهم وجها، فأمره عمر أن يطم شعره، ففعل، فخرجت جبهته، فازداد حسنا فأمره أن يعتم فازداد حسنا (١)، "فقال عمر: لا! والذی نفسی بیده لا تجامعنی ببلد. فأمر له بما يصلحه، وصيره إلى البصرة". أخرجه ابن سعد والخرائطى بسند صحيح عنه. وزاد الخرائطى بسند لين من طريق محمد بن سيرين قصة له مع مجاشع بن مسعود، وامرأته بالبصرة، فخرج منها، وذكر الهيثم بن عدى: "أن أبا موسى نفاه من البصرة إلى فأس، وعليها لتكسر نفسه وتلين، ومثل هذا المريد أو من هو قريب منه هو الذى يقع عليه رأى القاضى فى التغريب، لأن مثله فى ندم وشدة، وإنما زل زلة لغلبة النفس، أما من لم يستح وله حال يشهد عليه بغلبة النفس فنفيه لا شك أنه يوسع طرق الفساد، ويسهلها عليه. قاله المحقق فى الفتح (٢٩:٥). وفى الجوهر النقى: "ولما لم يكن فى حد القذف والخمر تغريب دل على أنه تأديب له لدعارته انتهى". (١٧٤:٢). وفى أحكام القرآن للجصاص: "والدليل على أن نفى البكر الزانى ليس بحد، أن قوله تعالى: ﴿الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منها مائة جلدة﴾. يوجب أن يكون هذا هو الحد المستحق بالزنا، وأنه كمال الحد، فلو جعلنا النفى حدا معه لكان الجلد بعض الحد، وفى ذلك إيجاب نسخ الآية فثبت أن النفى إنما هو تعزير، وليس بحد، ومن جهة أخرى أن الزيادة فى النص غير جائز إلا بمثل ما يجوز به النسخ، وأيضا: لو كان النفى حدا مع الجلد لكان من النبى عّ لّه عند تلاوته توقيف للصحابة علیه، لئلا يعتقدوا عند سماع التلاوة أن الجلد هو جمیع حده، ولو كان كذلك لكان وروده فى وزن ورود نقل الآية، فلما لم يكن خبر النفى بهذه المنزلة (لكونه مرويا من طريق ثلاثة من الصحابة كما مر، ولم يجمعوا على العمل به، بل عده على من الفتنة) بل كان وروده من طريق الآحاد، ثبت أنه ليس بحد، وقد روى عن عمر أنه غرب ربيعة فى الخمر، فلحق بهرقل، فقال عمر: لا أغرب بعده أحدا أبدا، ولم يستثن الزنا، وروى عن على: أن نفيهما من الفتنة، وروى عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر: أن أمة له زنت، فجلدها، ولم ينفها، وقال إبراهيم النخعى: كفى بالنفى فتنة. فلو كان النفى ثابتا مع الجلد على أنهما حد الزانى لما خفى على كبراء الصحابة. (١) فكان كما قال شاعر الهند مؤمن : نہ کچھ شوخی چلی باد صبا کی بگژنے میں بھی زلف اس کی بنا کی ٥٧٣ لا يجمع فى البكر بين الجلد والنفى إعلاء السنن عثمان بن أبى العاص، فجرت له قصة مع دهقانه، فقال له: أخرج عنا، فقال: والله لئن فعلتم هذا بى لألحقن بأرض الشرك، فكتب بذلك إلى عمر فكتب: احلقوا شعره، وشمروا قميصه، والزموه المسجد". كذا فى "الإصابة" (٢٦٠:٦). ونصر هذا هو ابن حجاج بن علاط السلمى من أولاد الصحابة، ولد فى عهد النبى عدّ له. ويدل على ذلك ما روى أبو هريرة وغيره عن النبى معَّ أنه قال فى الأمة: إذا زنت فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها، ثم قال فى الثالثة أو الرابعة: ثم ليبعها ولو بضفير، لأنه لو وجب نفيها لما جاز بيعها، إذا لا يمكن المشترى تسلمها، لأن حكمها أن تنفى. تحقيق الزيادة على الكتاب بالسنة: فإن ذكروا حديث عبادة قلنا لهم: غير جائز أن تزيد فى حكم الآية بأخبار الآحاد، لأنه يوجب النسخ برفع إطلاقها وتقييد مطلقها، فإن الإطلاق مما يراد، فإذا وردت الآية باللفظ المطلق وباللفظ يفاد المعنى أفادت أن الإطلاق مراد، وبالتقييد ينتفى حكمه عن بعض ما أثبته اللفظ المطلق، ولا شك أن هذا نسخ، وأما الزيادة على الكتاب بإثبات ما لم يوجبه القرآن ولم ينفه فليس بممتنع، وإلا بطلت أكثر السنن، ولذا زيد فى عدة المتوفى عنها زوجها الإحداد على التربص المأمور به فى القرآن، لأنه ليس تقييدا للتربص، وإلا لو تربصت بترك الإحداد حتى انقضت العدة لم تخرج عن العهدة، وليس كذلك، بل تكون عاصية بترك واجب فى العدة، فالحديث إنما أثبت واجبا لا أنه قيد مطلق الكتاب، ومثل هذه الزيادة جائزة إجماعا، نبه عليه المحقق فى "الفتح" (٢٧:٥). لا سيما مع إمكان استعمال الآحاد على وجه لا يوجب النسخ، فالواجب إذًا حمله على وجه التعزير، لا أنه حد مع الجلد، فرأى النبى معَِّ فى ذلك الوقت نفى البكر، لأنهم كانوا حديثى عهد بالجاهلية، فرأى ردعهم بالنفى بعد الجلد، كما أمر بشق روايا الخمر وكسر الأوانى، لأنه أبلغ فى الزجر، وأحرى بقطع العادة. وأيضا: فإن الحدود معلومة المقادير والنهايات، ولذلك سميت حدودا، لا تجوز الزيادة عليها، ولا النقصان منها، فلما لم يذكر النبى عّ لّه للنفى مكانا معلوما ولا مقدارا من المسافة والبعد، علمنا أنه ليس بحد، وأنه موكول إلى اجتهاد الإمام كالتعزير، ولو كان حدا لذكر النبى معَّ مسافة الموضع الذى ينفى إليه، كما ذكر توقيت السنة لمدة النفى" انتهى، ملخصا (٢٥٦:٣ و ٢٥٧). ولله دره من فقيه قد فتحت له أبواب الحكمة، ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا، ولو اطلع ابن حزم على هذا الكلام لعلم أنه بمراحل عن الفقه والسلام. ٥٧٤ ج - ١١ لا یجمع فی البکر بین الجلد والنفی ٣٦٦٨- عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب، قال: قال رسول الله عَّ له: ((قد قضى الله ورسوله إن شهد أربعة على بكرين جلدا، كما قال الله تعالى: ﴿مائة جلدة، ولا تأخذكم بهما رأفة فى دين الله﴾. وغربا سنة غير الأرض التى كانا بها، وتغريبهما سنتى)). رواه عبد الرزاق (كنز العمال ٨٩:٣). ولا علة له غير الإرسال، وهو حجة عندنا لا سيما فى تفسير المرفوع. قوله: "عن ابن جريج إلخ". قلت: فى قوله: "قد قضى الله ورسوله إن شهد أربعة على بكرين جلدا، كما قال الله تعالى، وفى قوله بعد ذلك: وتغريبهما سنتى". أوضح دليل على التفرقة بين الجلد والنفى، وأنهما ليسا سواء فى الوجوب، وإلا لقال: "قد قضى الله ورسوله إن شهد أربعة على بكرين جلدا وغربا". فالأثر نص فى موضع النزاع، وقاطع لعرق الاختلاف، أن الجلد حد قد قضى الله ورسوله به، والتغريب ليس بحد، بل هو مما سنه رسول الله مَ ◌ّه لزيادة الردع، فهو موكول إلى الخليفة، إن رآه مصلحة فعل وإلا لا، لا يقال: "إن السنة المصطلحة عليها ليست بمراد، لكونها حادثة بعد عصر النبى عليه الصلاة والسلام، بل المراد أعم منها ومن الواجب". لأنا نقول: إذا وقع إطلاق السنة مقابلا للواجب يحمل على ما ليس بواجب حتما، وههنا كذلك فإنه قال فى التغريب: ((إنه سنتى)). بعد ما قال فى الجلد: إنه مما قضى الله ورسوله به. فإن قيل: فليكن الجلد فرضا والتغريب واجبًا؟ قلنا: فقد ثبت الفرق بينهما، وأنهما ليسا سواء فى كونهما حدا، والخصم لا يقول به، ولا بالتفرقة بين الفرض والواجب، وأما نحن فإن الفرض وإن کان غیر الواجب عندنا، ولكن يمنعنا من القول بوجوب التغريب ما قد ذكرنا من قول النبى معَّ له فى الأمة إذا زنت، وما ذكرنا من قول على رضى الله عنه، وما روينا عن عمر وابنه أنهما غربا وتركا، وما حكينا عن ابن عباس من أن البكر إذا زنى جلد وأرسل، وما بينا من كون النبى مرّ له قد ثبت عنه النفى فى غير الزنا، وكذلك عن عمر، فتبين بذلك أن النفى ليس بحد، ولا واجب وإنما هو تعزير وسياسة. والله تعالى أعلم. فائدة: قال البخارى: قال ابن شهاب: وأخبرنى عروة بن الزبير أن عمر بن الخطاب غرب، ثم لم تزل تلك السنة انتهى. قال الحافظ فى الفتح: هو منقطع؛ لأن عروة لم يسمع من عمر، وزاد عبد الرزاق فى روايته عن مالك: حتى غرب مروان ثم ترك الناس ذلك، يعنى أهل المدينة (١٤٠:١٢). ٥٧٥ إعلاء السنن باب متی ترجم الحبلی ٣٦٦٩- عن عمران بن حصين: "أن امرأة جهنية أتت النبى مطلّ وهی حبلى من الزنا، فذكرت أنها زنت، فأمرها أن تقعد حتى تضع، فلما وضعت أتته، فأمر بها فرجمت". أخرجه مسلم. ٣٦٧٠- وعنده من حديث بريدة: "أن امرأة من غامد قالت: يا رسول الله! طهرنى، فقالت: إنها حبلى من الزنا، فقال لها: حتى تضعى، فلما وضعت. قال: لا نرجمها وتضع ولدها صغيرا ليس له من يرضعه. فقام رجل فقال: إلى رضاعه يا رسول الله! فرجمها". وفى رواية له: "فأرضعته حتى فطمته، ودفعته إلى رجل من المسلمين، ورجمها". وجمع بين روايتى بريدة بأن فى الثانية زيادة. فتحمل الأولى على أن المراد بقوله إلى رضاعه أى تربيته، وجمع بين حديثى عمران وبريدة أن الجهنیة کان لولدها من يرضعه، بخلاف الغامدية. (فتح البارى ١٢٨:١٢). ٣٦٧١- قد كان عمر أراد أن يرجم الحبلى، فقال له معاذ: لا سبيل لك عليها حتى تضع ما فى بطنها. أخرجه ابن أبى شيبة ورجاله ثقات. (فتح البارى ١٢٨:١٢). قلت: لم يتركه أهل المدينة رغبة عن السنة، بل لعلمهم بكونه موكولا إلى رأى الإمام، ومعرفتهم بانقلاب الزمان بأن النفى لم يبق زاجرا ولا رادعا عن الزنا، كما كان فى زمان النبى عليه الصلاة والسلام الأتمان والأكملان. باب متی یرجم الحبلى قال المؤلف: دلالة الأحاديث على الباب ظاهرة. والطبرانى عن أنس بن مالك، قال: ((جاءت امرأة إلى رسول الله عَّ له، فقالت: يا رسول الله! إن فى بطنى حدثا، فأقم على الحد، فقال: إنا لا نقتل ما فى بطنك، فانطلقت فلما وضعت جاءت، فقالت: قد وضعت فقال: اذهبى فارضعيه حتى تفطميه فلما فطمته جاءت، فقالت: قد فطمته يا رسول الله! قال: انطلقى فاكفليه، فانطلقت، فجاءت هى وأختها تمشيان. فعجب رسول الله عَ ليه من صبرها، فأمر رسول الله مپڼ برجمها»، الحديث. كذا فى مجمع الزوائد، وقال: فيه من لم أعرفه (٢٦٨:٦). قلت: فلا يغتر أحد بما وقع من الصحابة من جنس هذه الأفعال، فقد كانوا والله مع ذلك أفضل ممن بعدهم، كانوا أبعد الناس من الذنب، وإذا وقعوا فيه كانوا أفضل الناس توبة وصبراً لما أمر ج - ١١ ٥٧٦ باب لا تجلد النفساء حتی ترتفع دمها ٣٦٧٢ - عن على "أن أمة لرسول الله عَّ له زنت، فأمرنى أن أجلدها، فإذا هى حديث عهد بنفاس، فخشيت إن أنا جلدتها أن أقتلها، فذكرت ذلك النبى معَّ له فقال: أحسنت". رواه مسلم (٧١:٢). وزاد فى رواية: "أتركها حتى تماثل" . - أى تبرأ -. باب کیف یجلد المریض الذی لا یرجی برءہ ٣٦٧٣ - عن بعض أصحاب النبى ◌ّ ◌ُلّه من الأنصار: أنه اشتكى رجل منهم حتى أضنى، فعاد جلدة على عظم، قد خلت عليه جارية لبعضهم، فهش لها فوقع عليها، الله به، فافهم. "قال ابن بطال: قد استقر الإجماع على أن الحبلى لا ترجم حتى تضع. قال النووى: وكذا لو كان حدها الجلد لا تجلد حتى تضع، وكذا من وجب عليه القصاص وهى حامل لا يقتص منها حتى تضع بالإجماع فى كل ذلك اهـ. واختلف بعد الوضع، فقال مالك: إذا وضعت رجمت، ولا ينتظر أن يكفل ولدها، وقال الكوفيون: لا ترجم حین تضع حتی تجلد من يكفل ولدها، وهو قول الشافعى ورواية عن مالك" اهـ. (١٢٨:١٢). قلت: ودلالة الأحاديث على قول الحنفية ظاهرة. باب لا تجلد النفساء حتی ترتفع دمها قال المؤلف: دلالة الحديث على الباب ظاهرة، وفى حكمه كل مرض يرجى برؤه وسيأتى بيانه. باب کیف یجلد المریض الذی لا یرجی برءه؟ قال المؤلف: دلالة الحديث على إقامة الحد على المريض ظاهرة. وإن قدمناه بالذى لا يرجى برؤه لئلا يخالف حديث الباب الذى قبله، فإن فيه تأخير الجلد عن النفساء إلى البرء، ومثلها كل مريض يرجى برءه. قال الموفق فى "المغنى": "لا يقام الحد على حامل حتى تضع، سواء كان الحمل من زنا أو غيره، لا نعلم فى هذا خلافا. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الحامل لا ترجم حتى تضع، وقال بعد ذكر الآثار التى ذكرناها فى المتن: وإن لم يظهر حملها لم تؤخر، لاحتمال أن تكون حملت من الزنا، لأن النبى معَّ ◌ُّه رجم اليهودية والجهنية، ولم يسأل عن استبراءهما، وقال لأنيس: اغد إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها، ولم يأمره بسؤالها عن استبراءها، ورجم على شراحة، ولم يستبرئها، وإن ادعت الحمل (مع عدم ظهوره) قبل قولها كما قبل النبى عدّ له قول الغامدية، وإن كان الحد جلدا فإذا وضعت الولد وانقطع النفاس و كانت قوية يؤمن تلفها أقيم عليها ٥٧٧ کیف یجلد المريض الذی لا یرجی برءه إعلاء السنن فلما دخل عليه رجال قومه يعودونه أخبرهم بذلك، وقال: استفتوا لى رسول الله عَ ليه، فإنى قد وقعت على جارية دخلت على، فذكروا ذلك لرسول الله مَّ له، وقالوا: ما رأينا بأحد من الناس من الضر مثل الذى هو به، لو حملنا إليك لتفسخت عظامه، ما هو إلا جلد على عظم، فأمر رسول الله عَّ لله أن يأخذوا له مائة شمراخ، فيضربوه بها ضربة واحدة". رواه أبو داود (٢٢٦:٢). وسكت عليه، ومثله عن سهل بن سعد، أخرجه ابن حزم فى "المحلى" (١٧٥:١١) وقال: "حديث سهل بن سعد صالح تقوم به الحجة، ثم قال: وجدنا طريقه طريقا جيدا تقوم به الحجة" اهـ. الحد، وإن كانت فى نفاسها، أو ضعيفة يخاف تلفها، لم يقم عليها الحد حتى تطهر وتقوى. وهذا قول الشافعى وأبى حنيفة. وقال القاضى: إنه ظاهر كلام الخرقى، وقال أبو بكر: يقام عليها الحد فى الحال بسوط يؤمن معه التلف، فإن خيف عليها أقيم بالعثكول، يعنى شمراخ النخل وأطراف الثياب، لأن النبى معَّ أمر بضرب المريض الذى زنا مائة شمراخ. ولنا ما روى عن على رضى الله عنه أن أمة لرسول الله عّ لّ زنت، فذكر ما ذكرناه فى المتن. وقال: رواه مسلم والنسائى وأبو داود، ولفظه: قال: فأتيته، فقال: يا على! أفرغت؟ فقلت: أتيتها ودمها يسيل، فقال: دعها حتى تنقطع عنها الدم، ثم أقم عليها الحد. (قلت: ولم يثبت فى شىء من طرق الحديث أنه مَّرِ نفاها، ومن ادعی فعليه البيان). قال: والمريض على ضربين، أحدهما يرجى برءه، فقال أصحابنا: يقام عليه الحد ولا يؤخر، كما قال أبو بكر فى النفساء، وهذا قول إسحاق وأبى ثور، لأن عمر رضى الله عنه أقام الحد على قدامة بن مظعون فى مرضه ولم يؤخره، وانتشر ذلك فى الصحابة، فلم ينكروه، فكان إجماعا. (روى ابن حزم فى المحلى من طريق سفيان الثورى عن عبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه: "أن عمر بن الخطاب أتى برجل يشرب الخمر وهو مريض، فقال: أقيموا عليه الحد، فإنى أخاف أن يموت. وفى لفظ له: أن عمر قال: اضربوه لا يموت (١٧٣:١١). ولأن الحد واجب، فلا يؤخر ما أوجبه الله بغير حجة. قال القاضى: وظاهر قول الخرقى تأخيره، وهو قول أبى حنيفة ومالك والشافعى، لحديث على فى التى هى حديثة عهد بنفاس، وأما حديث عمر فى جلد قدامة فإنه يحتمل أنه كان مرضا خفيفا لا يمنع من إقامة الحد على الكمال، ولهذا لم ينقل عنه أنه خفف عنه فى السوط، وإنما اختار له سوطا وسطا، كالذى يضرب به الصحيح، ثم إن فعل ٥٧٨ ج - ١١ باب لو قال لها أنت خلية أو مثلها ثم وطئها فى العدة وقال: علمت أنها علی حرام لم يحد ٣٦٧٤ - أخبرنا سفيان الثورى عن حماد عن إبراهيم عن عمر، فى الخلية والبرية والبتة والبائنة: "هى واحدة وهو أحق بها، قال: وقال على: ثلاث". رواه عبد الرزاق فى "مصنفه" (زيلعى ٨:٢ ٨). قلت: رجاله رجال الجماعة إلا حمادا لم يروا عنه البخاری، وروى عنه الباقون. ٣٦٧٥- أخبرنا ابن جريج أخبرنى أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول فى الرجل يخير امرأته فاختارت نفسها، قال: "هى واحدة". رواه عبد الرزاق (زيلعى ٨٨:٢). قلت: رجاله رجال الجماعة إلا أبا الزبير، أخرج له البخارى متابعة. النبى معَِّ يقدم على فعل عمر مع أنه اختيار على وفعله وكذلك الحكم فى تأخيره لأجل الحر والبرد المفرط. الضرب الثانى: المريض الذى لا يرجى برؤه فهذا يقام عليه الحد فى الحال ولا يؤخر بسوط يؤمن معه التلف، كالقضيب الصغير، وشمراخ النخل، فإن خيف عليه من ذلك جمع ضغت فيه مائة شمراخ، فضرب به ضربة واحدة، وبهذا قال الشافعى، وأنكر مالك هذا، وقال: قد قال الله تعالى: ﴿فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾. وهذا جلدة واحدة. ولنا ما روى أبو أمامة سهل ابن حنيف عن بعض أصحاب النبى معٍَّ، فذكر حديث المتن، وقال: ولأنه لا يخلو من أن يقام الحد على ما ذكرنا. أو لا يقام أصلا، أو يضرب ضربا كاملا لا يجوز تركه بالكلية، لأنه يخالف الكتاب والسنة، ولا يجوز جلده جلدا تاما، لأنه يفضى إلى إتلافه (ولم يأمر الشارع بقتله) فتعين ما ذكرناه، وقولهم: هذا جلدة واحدة قلنا: يجوز أن يقام ذلك فى حال العذر مقام مائة، كما قال الله تعالى فى حق أيوب (عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام): ﴿وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث﴾. وهذا أولى من ترك حده بالكلية، أو قتله بما لا يوجب القتل" انتهى (١٤٢:١٠). باب لو قال لها أنت خلية أو مثلها ثم وطئها فى العدة وقال: علمت أنها على حرام لم يحد قال المؤلف: وجه الاستدلال بآثار الباب يتحصل مما ذكره صاحب "الهداية" (٤٩٥:٢) ونصه: "ولو قال لها: أنت خلية، أو برية، أو أمرك بيدك، فاختارت نفسها، ثم وطئها، وقال: علمت أنها على حرام لم يحد، لاختلاف الصحابة فيه، فمن مذهب عمر أنها تطليقة رجعية، و کذا الجواب فى سائر الكنايات" انتهى. ٥٧٩ إعلاء السنن باب لا حد على من وطئ جارية ولده ٣٦٧٦- عن جابر ((أن رجلا قال: يا رسول الله! إن لى مالا وولدا، وأن أبى يريد أن يحتاج مالى قال: أنت ومالك لأبيك)). رواه ابن ماجه فى سننه، قال ابن القطان: "إسناده صحيح". وقال المنذرى: "رجاله ثقات". (زيلعى ٩١:٢). باب لا حد علی من وطئ جارية ولده قال المؤلف فى "الهداية" (٤٩٥:٢): "ولا حد على من وطئ جارية ولده وولد ولده إن قال: علمت أنها على حرام، لأن الشبهة حكمية، لأنها نشأت عن دليل، وهو قوله عليه السلام: أنت ومالك لأبيك والأبوة قائمة فى حق الجلد اهـ. قلت: قد مر الحديث بطرقه فى النفقات، وفى "الهداية": وإذا وطئ جارية أبيه أو أمه أو زوجته وقال: ظننت أنها تحل لى فلا حد علیه إلخ (٤٩٥:٢). قال بعض الناس: وقد روى أبو داود (٢٦٤:٢): حدثنا موسى بن إسماعيل نا أبان نا قتادة عن خالد بن عرفطة عن حبيب بن سالم: "أن رجلا يقال له عبد الرحمان بن حنين وقع على جارية امرأته، فرفع إلى النعمان بن بشير وهو أمير على الكوفة، فقال: لأقضين فيك بقضية رسول الله ◌َّهِ، إن كانت أحلتها لك جلدتك مائة، وإن لم تكن أحلتها لك رجمتك بالحجارة، فوجدوه قد أحلتها له فجلده مائة. قال قتادة: کتبت إلى حبيب بن سالم، فكتب إلى بهذا: حدثنا محمد بن بشارنا محمد بن جعفر عن شعبة عن أبى بشر عن خالد بن عرفطة عن حبيب بن سالم عن النعمان ابن بشير عن النبى معَّ فى الرجل يأتى جارية امرأته، قال: إن كانت أحلتها له جلدة مائة، وإن لم تكن أحلتها له رجمته اهــ وسكت عنهما أبو داود، فهذه القضية المروية عن الشارع تخالف المذهب. وأما ما قال الترمذى (١٧٥:١): حديث النعمان فى إسناده اضطراب، سمعت محمدا يقول: لم يسمع قتادة من حبيب بن سالم هذا الحديث، إنما رواه عن خالد بن عرفطة، وأبو بشر لم يسمع من حبيب بن سالم هذا الحديث أيضا، إنما رواه عن خالد بن عرفطة، وقد اختلف أهل العلم فى الرجل يقع على جارية امرأته، فروى عن غير واحد من أصحاب النبى مرّ له، منهم على وابن عمر أن عليه الرجم، وقال ابن مسعود: ليس عليه حد، ولكن يعزر، وذهب أحمد وإسحاق إلى ما روى النعمان بن بشير عن النبى عّ لّ اهـ. فالجواب عنه أن هذا الاضطراب غير مضر، فإن من ٥٨٠ ج - ١١ لا حد علی من وطئ جاریة ولده ٢٠ ٣٦٧٧- عن حمزة بن عمرو الأسلمى: "أن عمر بعثه مصدقا، فوقع رجل على جارية امرأته، فأخذ حمزة من الرجل كفلاء حتى قدم على عمر، فأخبره، وكان عمر قد جلد ذلك الرجل مائة، إذ كان بکرا باعترافه على نفسه فأخبره، فادعی الجهل فى هذه، فصدقه وعذره بالجهالة". (البخارى) كذا فى "جمع الفوائد" (٢٨٧:١). قلت: وهو فی باب الكفالة من الصحیح (١: ٣٠٥) نحوه باختصار. روى بزيادة وتفصيل يحتج به، ويترك من نقص، فيترك إسناد الترمذى، فإنه ناقص، ففيه عن قتادة عن حبيب بن سالم إلخ، ولهذا حكم بالانقطاع، وليس الأمر كذلك، ويقبل إسناد أبى داود، فإنه مفصل، وذلك التفصيل وهو قوله: قال قتادة: كتبت إلخ يرد الانقطاع كما ترى، وقد سكت عنه أبو داود، وسكوته أيضا يدل على أن الانقطاع المذكور لم يثبت عنده. على أنه لو سلم فلا يضر، فإنه رواه عن خالد عن حبيب متصلا، وسند أبى بشر أيضا ذكره الترمذى ناقصا، فإنه قال فيه: عن أبی بشر عن حبيب بن سالم إلخ، وذكره أبو داود مفصلا كما ترى، فانقطع الجرح من الإسنادین جميعًا. ثم ينبغى أن نحقق رجال سندى أبى داود، فنقول: موسى بن إسماعيل ثقة ثبت من رجال الجماعة، كما فى "التقريب" (٢١٦). وأبان هذا هو العطار، وهو ثقة له أفراد من رجال الجماعة إلا ابن ماجه كما فى التقريب ٨. وقتادة هذا ثقة ثبت من رجال الجماعة، كما فى "التقريب" (١٧٢). وخالد هذا مقبول من رجال البخارى(١) وأبى داود والنسائى، كما فى "التقريب" (٥٠). وحبيب بن سالم لا بأس به، وهو من رجال الجماعة إلا البخارى، كما فى "التقريب" (٣٤). ونعمان بن بشير صحابى فى الصحاح، كما فى "التقريب" (٢٢٢). فرجال السند كلهم محتج به، لا يخلو أحد منهم من أن يكون روى عنه فى أحد الصحيحين. وأما السند الثانى محمد بن بشار ثقة من رجال الجماعة، كما فى "التقريب" (١٧٩). ومحمد بن جعفر ثقة صحيح الكتاب، إلا أن فيه غفلة من رجال الجماعة، كما فى "التقريب" (١٧٩). وقال ابن المبارك: إذا اختلف الناس فى حديث شعبة فكتاب غندر (لقب له) حكم بينهم اهـ. وشعبة ثقة حافظ متقن من رجال الجماعة ٨٥. وأبو بشر ثقة، لأن شعبة لا يروى إلا عن الثقة، وبقية رجال السند قد مر تحقيقهم فى السند الأول، فالسندان محتج بنهما، وتقوى الحديث أيضا بأن الإمام أحمد عمل به واحتج، كما (١) قلت: لا يقال لأحد أنه من رجال البخارى ما لم يخرج له البخارى فى صحيحه، وخالد هذا إنما أخرج له فى الأدب المفرد، ولم يخرج له فى الصحيح شيئا، فقول بعض الناس: إنه من رجال البخارى. غلط مردود عليه.