النص المفهرس
صفحات 541-560
٥٤١ ج - ١١ الحفر للمرجوم : الله قد فطمته، وقد أكل الطعام، فدفع الصبى إلى رجل من المسلمين، ثم أمر بها، فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس، فرجموها)). الحديث. رواه مسلم (٦٨:٢). وفى هذه الرواية لأحمد: فأمر النبى معَّه، فحفر له حفرة، فجعل فيها إلى صدره. ثم أمر الناس برجمه". كما فى "نيل الأوطار" (٢٣:٧). فإن المثبت حفرهم له إلی صدره ومثله لا یمکن الوثوب منه. ويرد على من قال: "إنهم فى أول الأمر لم يحفروا له، ثم لما فز فأدركوه، حفروا له حفيرة فانتصب لهم فيها". ما تظافرت الروايات عليه من أن ماعزا لما خرج يشتد إلى جانب الحرّة وقد عجز أصحابه، رماه رجل بلحى جمل، أو بوظيف بعير، فصرعه ورجموه حتى قتلوه. فأى حاجة كانت لهم إلى الحفر بعد ما صرع وسقط. وأما قول بعض الناس: "وإنما حفروا له فى آخر .. أمرهم" فمردود بأنهم لم يرجعوا إليه مرّ إلا بعد ما رجموه وقتلوه، فمتى أمرهم النبى عرّ ضله بالحفر؟ ألا ترى أنهم لما ذكروا له فرار ماعز حين وجد مس الحجارة ومس الموت، قال لهم رسول الله عزّ له: ((هلا تركتموه لعله أن يتوب فيتوب الله عليه)). وهو صريح فى أنهم لم يذكروا فراره للنبى معَ ◌ّه إلا بعد ما قتلوه، ومن أنكر ذلك فهو مكابر مجادل. ويرد قول من قال: "إنهم حفروا له أولا، ثم خرج من الحفرة يشتد". قول أبى سعيد: "فو الله ما أوثقناه ولا حفرنا له، ولكنه قام لنا". رواه مسلم وأبو داود، فمن نفى الحفر حالفا بالله أولى ممن ذكره، فإن الصحابى لا يحلف بالله على نفى شىء إلا وهو على يقين من انتفاءه. فالحق ما قاله ابن الهمام: "إن ذكر الحفر فى حديث رجم ماعز متكر لمخالفة الروايات الصحيحة المشهورة، والروايات الكثيرة المتظافرة" اهـ. وقال النووى فى شرح مسلم فى حديث أبى سعيد، وقوله: "فما أوثقناه ولا حفرنا له" ما نصه: "أما قوله: فما أوثقناه، فهكذا الحكم عند الفقهاء، وأما الحفر للمرجوم والمرجومة ففيه مذاهب للعلماء، قال مالك وأبو حنيفة وأحمد رضى الله عنهم فى المشهور عنهم: لا يحفر لواحد منهما، وقال قتادة وأبو ثور وأبو يوسف وأبو حنيفة فى رواية: يحفر لهما، وقال بعض المالكية: يحفر لمن يرجم بالبينة، لا لمن يرجم بالإقرار، وأما أصحابنا فقالوا: لا يحفر للرجل مطلقا، وأما المرأة فالأصح إن ثبت زناها بالبينة استحب، وإن ثبت بالإقرار فلا، ليمكنها الهرب إن رجعت" اهـ ملخصا (٦٧:١). وفى كتاب الخراج للإمام أبى يوسف: "ينبغى أن يبدأ بالرجم الشهود (إذا كان ثبوت الزنا بالبيئة) ثم الإمام، ثم الناس، فأما الرجل فلا يحفر له، وأما المرأة فيحفر لها إلى السرة، هكذا حدثنا يحيى بن سعيد عن مجالد ٥٤٢ إعلاء السنن باب أن الحدود إلى السلطان ٣٦٣٩- عن مسلم بن يسار، قال: كان أبو عبد الله رجل من الصحابة، يقول: عن عامر (هو الشعبى) أن عليا رضى الله عنه رجم امرأة فحفر لها إلى السرة، قال عامر: أنا شهدت ذلك، وقد بلغنا أن النبى عّ لّه لما أتته الغامدية، فأقرت عنده بالزنا أمر بها، فحفر لها إلى الصدر، وأمر الناس فرجموا، ثم أمر بها فصلى عليها، ودفنت" اهـ (١٩٤). وفيه الحفر للمرأة دون الرجل خلاف ما نسب إليه النووى. باب أن الحدود إلى السلطان قوله: عن مسلم إلخ. قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة. وفى "فتح البارى" (١٤٥:١٢): قال الطحاوى: لا نعلم له مخالفا من الصحابة، وتعقبه ابن حزم فقال: "بل خالفه اثنا عشر نفسا من الصحابة" اهـ. وفى "التلخيص الحبير" (٣٥٤:٢): "الشافعى عن مالك عن نافع أن عبدا لابن عمر سرق وهو آبق، فأرسل به عبد الله إلى سعيد بن العاص وهو أمير المدينة ليقطع يده، فأبى سعيد أن يقطع يده، وقال لا تقطع يد العبد إذا سرق، فقال له ابن عمر: فى أى كتاب وجدت هذا؟ فأمر به ابن عمر فقطعت يده" اهـ. قلت: إسناده صحيح جليل، وفيه أيضا: "رواه عبد الرزاق فى مصنفه عن معمر عن أيوب عن نافع أن ابن عمر قطع يد غلام له سرق، وجلد عبدا له زنا من غير أن يرفعهما إلى الوالى" اهـ. قلت: إسناده صحيح جليل، وفيه أيضا (٢: ٣٥٥): "الشافعى وعبد الرزاق عن سفيان عن عمرو بن دينار عن الحسن بن محمد بن على رضى الله عنه، أن فاطمة بنت رسول الله مَ له حدت جارية لها زنت. ورواه ابن وهب عن ابن جريج عن عمرو بن دينار: أن فاطمة بنت رسول الله عَ ◌ّه كانت تجلد وليدتها خمسين إذا زنت" اهـ. قلت: رجالهما رجال الجماعة ولكن الحسن ابن محمد بن على لم يدرك فاطمة، وفى "موطأ الإمام مالك" (٣٥٢) "عن عبد الله بن أبى بكر(١) ابن عمرو بن حزم عن عمرة بنت عبد الرحمن، أنها قالت: خرجت عائشة زوج النبى معَّه إلى مكة ومعها مولاتان، ومعها غلام لبنى عبد الله بن أبى بكر الصديق، فذكر قصة فيها أنه سرق واعترف، فأمرت به عائشة زوج النبى عرّ فقطعت يده" اهـ. قلت: رجاله رجال الجماعة. وفى "التلخيص الحبير" (٣٥٤:٢): "مالك فى "الموطأ". (١) هكذا فى الأصل وفى "تهذيب التهذيب": أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم (١٦٤:٥) وهو الصحيح. ٥٤٣ ٣ - ١١ الحدود إلى السلطان الزكاة والحدود والفيئ والجمعة إلى السلطان. رواه الطحاوى (فتح البارى ١٤٤:١٢). قلت: إسناده صحيح أو حسن على قاعدة الفتح. عن محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة أنه بلغه: أن حفصة رضى الله عنه قتلت جارية لها سحرتها، و کانت قد دبرتها" اهـ. قلت: ومحمد هذا من أتباع التابعين ثقة، ومن رجال الجماعة كما فى "التقريب" (١٨٩) وفى "نيل الأوطار" (٣٤:٧): "عن أبى هريرة عن النبى معَّ، قال: إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها" الحديث. وفى حديث طويل: ((أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم)). رواه مسلم والبيهقى والحاكم وأحمد وأبو داود، كما فى النيل أيضا (٣٤:٧). قال بعض الناس: "فهذه الآثار الصحيحة الفعلية، والأحاديث الصحاح القولية صريحة فى أن السيد يقيم الحد على مملوكه، والتأويل بأن معناه أن المولى يرافع إلى الوالى لا حاجة إليه مع بعده". قلت: لا دلالة فى هذه الأخبار على ما ذهبوا إليه، وذلك لأن قوله عليه السلام: ((أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم)). هو كقوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾. وقوله: ﴿الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدةٍ﴾. ومعلوم أن المراد رفعه إلى الإمام لإقامة الحد، لأنه قد ثبت باتفاق الجميع أن المأمورين بإقامة هذه الحدود على الأحرار هم الأئمة والحكام، ولم تفرق هذه الآيات بين الأحرار والعبيد، فوجب أن يكون فيهم جميعا، وأن يكون الأئمة هم المخاطبين بإقامة الحدود على الأحرار والعبيد دون الموالى. ويدل على ذلك أيضا أنه لو جاز للمولى أن يسمع شهادة الشهود على عبده بالسرقة فيقطعه، ثم يرجع الشهود عن شهادتهم أن يكون له تضمين الشهود ومعلوم أن تضمين الشهود يتعلق بحكم الحاكم بالشهادة، لأنه لو لم يحكم بشهادتهم لم يضمنوا شيئا، فكان يصير حاكما لنفسه بإيجاب الضمان عليهم، وذلك لا يجوز، ولو لم يكن له تضمين الشهود كان هو والأجنبى سواء، ولا بد لذلك من دليل، فإن من له إقامة الحد يكون له تضمين الشهود أيضا إذا رجعوا عن شهادتهم، وأيضا: فإن المولى والأجنبى سواء فى حد العبد والأمة، بدلالة أن إقراره به عليه غير مقبول. وإن إقرار العبد على نفسه بذلك مقبول وإن جحده المولى فلما كان فى ذلك فى حكم الأجنبيين وجب أن يكون المولى بمنزلة الأجنبى فى إقامة الحد عليه، وإنما جاز للحاكم أن يسمع البينة ويقيم الحد لأن قوله مقبول فى ثبوت ما يوجب الحد عنده، فلذلك سمع البينة و حکم بالحد. وأما قوله عليه السلام: ((إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها)). فإنه ليس كل جلد حدا، ولا كل 1 ٥٤٤ الحدود إلى السلطان إعلاء السنن ٣٦٤٠- عن على بن عبد العزيز نا الحجاج بن المنهال نا حماد بن سلمة عن يحيى البكاء عن مسلم بن يسار، عن أبى عبد الله رجل من أصحاب النبي عّ لّه، قال: " كان ابن عمر يأمرنا أن نأخذ عنه، قال: هو عالم فخذوا عنه، فسمعته يقول: الزكاة، والحدود، والفىء، والجمعة إلى السلطان". أخرجه ابن حزم فى المحلى" (١٦٥:١١) ولم يعله بشىء، ولو كان له علة لصاح بها. حد حدا حقيقيا، لأن الجلد قد يكون على وجه التعزير، فإذا عزرناها فقد قضينا عهدة الخبر، ويدل على أنه أراد التعزير دون الحد الحقيقى قوله: "لا يثرب عليها". يعنى ولا يعيرها (وقول ابن مسعود وغيره: إن المولى مجلد مملوكته المحدود فى بيته) ومن شأن إقامة الحد أن يكون بحضرة الناس، لقوله تعالى: ﴿وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين﴾، ليكون أبلغ فى الزجر والتنكيل، فلما قال: "ولا يثرب عليها" دل ذلك على أنه أراد التعزير لا الحد، وإن سلمنا أن المراد إقامة الحد على العبيد والإماء ولا حاجة إلى المرافعة إلى الإمام، فنقول: إن قوله معرّه: ((أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم)) وقوله: ((إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد)). لم يكن حكما عاما لجميع الموالى، بل خاصا ببعض الصحابة الذين ولاهم النبى معَّ إقامة الحدود، كعلى رضى الله عنه وأمثاله، لظهور أن كل مولى لا يصلح لإقامة الحد، ولا يهتدى إليه سبيلا، ومن ولاه الإمام إقامة الحد يجوز له ذلك بالاتفاق، والآثار التى احتج بها الخصم محمولة على كون هؤلاء الصحابة ممن ولاه النبى معَ له أو خلفاءه إقامة الحدود، أو أنهم جعلوا الحكم الخاص عاما باجتهادهم قال الجصاص فى أحكام القرآن له: "وقد روى عن الأعمش أنه ذكر إقامة عبد الله ابن مسعود حدا بالشام، فقال: هم أمراء حيث كانوا" اهـ (٢٨٣:٣). وأما ما ذكره الحافظ عن ابن حزم أنه قال: "بل خالفه أى أبا عبد الله الصحابى اثنا عشر نفسا من الصحابة" اهـ. فإن أراد به المخالفة قولا فدون إثباته خرط القتاد، وإن أراد به المخالفة عملا ففيه ما ذكرنا من التأويل، فسلم قول أبى عبد الله من المعارضة، وإليه ذهب جماعة من التابعين، فقد أخرج ابن أبى شيبة فى مصنفه حدثنا عبدة عن عاصم عن الحسن قال: أربعة إلى السلطان: الصلاة والزكاة والحدود والقصاص. حدثنا ابن مهدى عن حماد بن سلمة عن جبلة بن عطية عن عبد الله ابن محيريز قال: الجمعة والحدود والزكاة، والفيثى إلى السلطان. حدثنا عمر بن أيوب عن مغيرة ابن زياد عن عطاء الخراسانى. قال: "إلى السلطان الزكاة، والجمعة، والحدود" اهـ (زيلعى ٨٤:٢). قوله: "عن على بن عبد العزيز" إلخ. دلالته على معنى الباب ظاهرة. لأن قوله: "الزكاة 35 ج - ١١ الحدود إلى السلطان ٥٤٥ ٣٦٤١- عن الحسن البصرى أنه (قال): "ضمن هؤلاء أربعا، الجمعة، والصدقة، والحدود، والحكم". أخرجه ابن حزم أيضا (١٦٥:١١) ولم يعله بشىء. ٣٦٤٢ - عن ابن محيريز أنه قال: " الحدود: والفئ، والزكاة، والجمعة إلى السلطان". أخرجه ابن حزم أيضا (١٦٥:١١)، ولم يعله بشىء. (وأراد به زكاة الأموال الظاهرة دون الباطنة) والحدود والفىء والجمعة إلى السلطان". صريح فى أن هذه الأمور مفوضة إليه شرعا، لا يجوز أن يستبد بشىء منها غيره بغير إذنه. الرد على ابن حزم فى مسألة الباب: وقال ابن حزم: "إنه ليس فى شىء مما ذكروا أن لا يقيم الحدود على المماليك ساداتهم، وإنما فيه ذكر الحدود عموما إلى السلطان، وهكذا نقول، لكن يخص من ذلك حدود المماليك إلى ساداتهم" اهـ (١٦٦:١١ من "المحلى"). ففيه أنك قد اعترفت بدلالته على كون الحدود عموما إلى السلطان، وإذا كان كذلك فقد صح كونه معارضا للأدلة الدالة على كون حدود المماليك إلى ساداتهم، لأن الخاص يعارض العام عندنا، كما تقررفى الأصول، وقد ذكرنا أن كل ما استدللت به على أن السيد يجوز له إقامة الحد على عبده، لا يدل على ذلك أصلا، لا سيما والقائلون بذلك لا يطلقون لكل سيد إقامة الحد على عبيده وإمائه، بل يقيدونه بأهل العدالة من المسلمين صرح به ابن حزم فى "المحلى" (١٦٨:١١). ولا دلالة فيما ذكروه من الدلائل على قيد العدالة فى السادات، وقد عرفت أن أصل استدلالنا على مسألة الاب إنما هو بعموم النص، وهو قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾. وقوله: ﴿الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما﴾، الآية. فإنه عام فى كل سارق وسارقة. وكل زانية وزان، سواء كان عبدا أو حرا، أمة أو حرة، وقد ثبت باتفاق الجميع أن الخطاب فيه للأئمة والحكام، فوجب أن تكون الحدود إليهم فى العبيدة والأحرار جميعا، وقد جاء أثر أبى عبد الله موافقا للنص. وأيده أقوال جماعة من التابعين، فالحجة به قائمة، والاستدلال به تام، وبذلك اندحض قول ابن حزم: "ثم أيضا لو كان فيما ذكروه (من قول أبى عبد الله الصحابى وآثار التابعين) لما كانت فيه حجة، لأنه لا حجة فى قول أحد دون رسول الله عَ لِ" اهـ (١٦٦:١١). فإن قول الصحابى إذا جاء موافقا لنص القرآن كان أولى من خبر واحد يعارضه، کیف وقد بينا أن كل ما ذكر تموه لا يدل على ما ذهبتم إليه للاحتمالات التى مر ذكرها. ٥٤٦ الحدود إلى السلطان إعلاء السنن ٣٦٤٣- عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر، قال: " إن جارية لحفصة سحرتها، واعترفت بذلك، فأخبرت بها عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، فقتلها، فأنكر ذلك عليها عثمان بن عفان، فقال له ابن عمر: ما تنكر على أم المؤمنين؟ امرأة سحرت فاعترفت، فسكت عثمان". رواه عبد الرزاق كما فى "المحلى" (١٦٤:١١). وسنده صحيح، وزاد الطبرانى: "فكأن عثمان أنكر عليها ما فعلت دون السلطان". كذا فى "مجمع الزوائد" (٦٦:٤). ٣٥٤٤- قال: نا حماد بن سلمة نا أبو عمران - هو الجونى -: "أن ساحرا كان عند الوليد بن عقبة، فجعل يدخل فى بقرة، ثم يخرج منها، فرآه جندب، فذهب إلى بيته، فالتفع على سيفه، فلما دخل الساحر جوف البقرة ضربهما. وقال: أ تأتون السحر وأنتم تبصرون. فاندفع الناس، وتفرقوا، وقالوا: حروری فسجنه الولید، و کتب به إلى عثمان بن عفان. فكان يفتح له بالليل. فيذهب إلى أهله فإذا أصبح رجع إلى السجن". أخرجه ابن حزم فى "المحلى" (٣٩٦:١١). وأعله بالإرسال. ورواه البخارى فى "التاريخ" من طريق خالد الحذاء عن أبى عثمان هو النهدى، والبيهقى فى "الدلائل" من طريق ابن وهب عن ابن لهيعة عن أبى الأسود. وروى ابن السكن من طريق يحيى بن کثیر صاحب البصری: حدثنى أبی حدثنا الجريرى عن عبد الله بن بريدة عن أبيه. فذ کر الحديث بطوله: " وأن أمره رفع إلى عثمان فقال: أشهرت سيفا فى الإسلام، لولاما قوله: "عن عبيد الله بن عمر" إلخ. فيه أن عثمان بن عفان رضى الله عنه أنكر على أم المؤمنين إقامتها الحد على وليدتها دون السلطان، مع ما قد ثبت عن رسول الله عَّ أنه قال: "حد الساحر ضربة بالسيف". أخرجه الحاكم فى "المستدرك"، وصححه هو والذهبى كلاهما (٤: ٣٦٠). وقد سبق الكلام فى ذلك فى أحكام المرتدين من كتاب الجهاد، فثبت بذلك أن المولى لا يجوز له إقامة الحد على عبده وأمته إلا بعد المرافعة إلى السلطان بإذنه. قوله: "قال نا حماد بن سلمة" إلخ. فيه إنكار الوليد وعثمان بن عفان وسلمان رضى الله عنه على جندب إقامة الحد على الساحر بدون السلطان، مع كون الساحر أدنى حرمة من العبد الزانى والسارق، لكونه كافرا أو مرتدا مستحل الدم، بخلاف الزانى والسارق، فإنه مع كل ذلك مسلم محرم الدم، فثبت بذلك أن إقامة الحدود إنما هى إلى السلطان دون غيره، والله أعلم. ج - ١١ الحدود إلى السلطان ٥٤٧ سمعت من رسول الله عَّ له فيك لضربتك بأجود سيف بالمدينة. وأمر به إلى جبل الدخان" كذا فى "الإصابة" (٢٦٢:١). وهذا سند موصول. والمرسل إذا تعددت مخارجه أو جاء من وجه آخر موصول ولو ضعيفا كان حجة عند الكل. كما مر فى المقدمة. والحديث أخرجه الحاكم فى "المستدرك" (٣٦١:٤). من رواية الأشعث عن الحسن: "أن أميرا من أمراء الكوفة دعا ساحرا يلعب بين يدى الناس. فبلغ جندبا. فأقبل بسيفه وضربه به. فأخذه الأمير فحبسه. فبلغ ذلك سلمان. فقال: بئسما صنعا. لم يكن ينبغى لهذا وهو إمام يؤتم به يدعو ساحرا يلعب بين يديه. ولا ينبغى لهذا أن يعاتب أميره بالسيف" اهـ. ملخصا. سكت عنه الحاكم والذهبى كلاهما. ٣٦٤٥- عبد الرزاق عن عبيد الله بن عمر عن نافع، قال: " أبق غلام لابن عمر فمر على غلمة لعائشة أم المؤمنين، فسرق منهم جرابا فيه تمر، وركب حمارا لهم فأتى به ابن عمر فبعث به إلى سعيد بن العاص، وهو أمير على المدينة، فقال سعيد: لا يقطع غلام أبق، فأرسلت إليه عائشة إنما غلمتى غلمتك، وإنما جاع وركب الحمار ليبلغ عليه، فلا تقطعه قال: فقطعه ابن عمر. أخرجه ابن حزم فى المحلى (١٦٤:١١) وسنده صحيح. ٣٦٤٦- وعنه عن رجل عن سلام بن مسكين، أخبرنى عن حبيب بن أبى فضالة أن صالح بن كريز حدثه: "أنه جاء بجارية له إلى الحكم بن أيوب، قال: فبينا أنا جالس إذ جاء أنس بن مالك فجلس، فقال: يا صالح! ماهذه الجارية معك؟ قلت: جاريتنا بغت قوله: "عبد الرزاق" إلخ. احتج به بعض الأئمة على أن للسيد قطع عبده إذا سرق من غير مرافعة إلى الوالى. ولا حجة لهم فيه: فإنه لو كان كذلك لم يرسل ابن عمر هذا العبد إلى سعيد أصلا. فكان بعثه به إلى سعيد دليلا على أن إقامة الحد إنما هى إلى الأمراء ولكن لما عطل سعيد الحد عن العبد الآبق جملة وكان ذلك خلاف الشرع لم يرد به كتاب ولا سنة قطعه ابن عمر إحياء للسنة، لا لأن السادة يجوز لهم بإقامة الحدود على عبيدهم مطلقا فافهم. ودليل ذلك أن عائشة رضى الله عنها شفعت إلى ابن عمر فى درء الحد عن هذا العبد. ولو كان المولى كالأمير والإمام فى إقامة الحدود على العبيد والإماء لم يجز لأحد أن يشفع إليه فى درأ الحد عنه. فتبين أن ثبوت الحد عند المولى ليس كثبوته عند الحاكم، فلا يجوز له إقامته إلا تعزيرا أو تأديبا. والله تعالى أعلم. قوله: "وعنه عن رجل" إلخ. دلالته على الباب ظاهرة. كدلالة ما قبله، فإن أنسا شفع إلى ٥٤٨ الحدود إلى السلطان إعلاء السنن فأردت أن أرفعها إلى الامام، ليقيم عليها الحد، قال: لا تفعل، رد جاريتك، واتق الله، واستر عليها. قلت: ما أنا بفاعل حتى أرفعها، قال له أنس: لا تفعل، وأطعنى، قال صالح: فلم يزل يراجعنى حتى قلت له أردها على أن ما كان على من ذنب فأنت له ضامن. فقال أنس: نعم! قال: فرددتها". أخرجه ابن حزم فى "المحلى" (١٦٥:١١). وأعله بأنه عمن لم يسم. قلت: لا ضير، فإن المجهول فى القرون الثلاثة مقبول عندنا. لا سيما وقد قال عبد الرزاق: "وبه نأخذ". كما فى "المحلى" أيضا. والمحدث لا يأخذ بما لا يصلح للاحتجاج به. ٣٦٤٧- عن معمر عن الزهرى عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه. قال: "فى الأمة إذا كانت ليست بذات زوج، فظهر منها فاحشة جلدت نصف ما على المحصنات صالح فى درأ الحد عن أمته، ولا يجوز الشفاعة فى الحدود بعد بلوغها إلى من له إقامتها، فثبت أن المولى ليس له إقامة الحد على عبده وأمته إلا تعزيرا أو تأديبا. ويجوز له العفو عن مماليكه فى الحدود. الرد علی ابن حزم فی تضعيفه قول ربیعة وهو أقوی من قول الجمهور فی الباب. قوله: "عن معمر" إلخ. فيه دلالة على أن قوله عَّه فى الأمة: ((إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها)) الحديث، لم یکن مطلقا عند ابن عمر، بل مقیدا بمن لم تكن ذات زوج، وهو قول ربيعة، فبطل قول ابن حزم: " ثم نظرنا فى قول ربيعة، فوجدناه قولا لا تؤيده حجة، لا من قرآن ولا من سنة صحيحة" اهـ (١٦٦:١١ من "المحلى") كيف وقد روى الشيخان من طريق ابن شهاب عن عبيد الله بن عتبة عن أبى هريرة أن رسول الله عَ لّه سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن؟ قال: "إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم بيعوها ولو بضفير" الحديث. وهو صريح فى تقييد الأمر بالجلد والبيع بأمة لم تحصن، فعليه يحمل ما رواه مسلم وغيره من غير تقييد بها من طريق المقبرى عن أبى هريرة رفعه: "إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها". الحديث. فإن ابن حزم وغيره قائلون بحمل المطلق على المقيد، وإذا كان كذلك كان قول ربيعة مؤيدا بالسنة الصحيحة. وإزداد قوة على قوة بقول ابن عمر هذا، وهل إنكار ابن حزم ذلك إلا مكابرة وتحكم بالباطل. فلو سلمنا أن المخاطب بقوله عد له: ((فاجلدوها)). هم الموالى دون الأمراء والحكام، فهو مختص بالإماء التى لم تحصن ولم تتزوجن، ٥٤٩ الحدود إلى السلطان ج - ١١ من العذاب، يجلدها سيدها. فإن كانت من ذوات الأزواج رفع أمرها إلى الإمام". أخرجه عبد الرزاق كما فى "المحلى" (١٢٥:١١). وسنده صحيح. ولا حجة لمن رأى السيد يقيم جميع الحدود على مماليكه، لا من قرآن ولا من سنة صحيحة. وبهذا ظهر ضعف مذهب الجمهور ومن وافقهم من أهل الظاهر كابن حزم وأمثاله. وأما مذهب ربيعة فإنه وإن كان أقوى من مذهب الجمهور ظاهرا ولكنه ضعيف أيضا، لما ذكرنا من إنكار عثمان وسلمان رضى الله عنهما على من أقام الحد على وليدته، أو على ساحر دون السلطان، ولما ذكرنا من شفاعة أم المؤمنين عائشة وأنس بن مالك إلى الموالى فى درأ الحدود عن عبيدهم وإماءهم، ومحال أن ينكروا عليهم أمرا قد أذن لهم النبى مَّ فيه، أو يشفعوا فى حد من حدود الله بعد بلوغه إلى من له إقامته، فثبت أن ليس كل جلد حدا، ولا كل حد حدا حقيقيا، لأن الجلد والحد قد يكون على وجه التعزير، ويدل على أنه مَّ أراد بقوله: "فليجلدها". التعزير دون الحد الحقيقى قوله: "لا يثرب عليها". يعنى لا يعيرها، وقول ابن مسعود وغيره: "إن المولى يجلد مملوكته الحدود فى بيته". ومن شأن إقامة الحد أن يكون بحضرة الناس بطريق الإعلان، فلما قال: "ولا يثرب عليها". دل ذلك على أنه أراد التعزير لا الحد كما مر كل ذلك مستوفى. فإن أراد ابن عمر هذا وإلا فعثمان وسلمان وعائشة وابن مسعود أجل منه، وأعرف بمراد النبى عرّ له. وروى عبد الرزاق عن العطاف بن خالد المخزومى أبو صفوان، قال: رأيت سالم ابن عبد الله وهو واقف على جدار بيت لبنى أخ له أيتام، أتاه غلمة أربعة، ومعهم غلام هو أشف منهم، فقالوا: يا أبا عمر! انظر ما يصنع هذا. قال: وماذا يصنع؟ قال: فسل خيطا من ثوبه فقطعه، وسالم ينظر إليه، فجمعه بين إصبعين من أصابعه، ثم تفل عليه مرتين أو ثلاثا، ثم مده، فإذا هو صحيح ليس ـ بأس فسمعت سالما يقول: لو كان لى من الأمر شىء لصلبته. أخرجه ابن حزم فى "المحلى" (٣٩٥:١١). ولم يعله بشىء، وموضع الاستشهاد منه قوله: "لو كان لى من الأمر شيء". ومن طريق عبد الرزاق عن مالك بن أنس عن محمد بن عبد الرحمن هو أبو الرجال، عن عمرة بنت عبد الرحمن: "أن عائشة أم المؤمنين أعتقت جارية لها عن وبر، وأنها سحرتها، واعترفت بذلك، وقالت: أحببت العتق، فأمرت بها عائشة ابن أخيبها أن يبيعها من الأعراب ممن يسىء ملكتها، وقالت: ابتع بثمنها رقبة فأعتقها". وهذا سند صحيح. وفى كل ذلك دليل على أن الموالى لا يقيم الحد على عبيده وإماءه دون السلطان. وأما ما روى عن عائشة: أنها أمرت بقطع عبد قد سرق. فقد مر عليها زمان وليت فيه أمور المسلمين، وهو الذى تذكر فيه أبو بكرة قول النبى عد له: ((لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة»، فتدبر. ج - ١١ الحدود إلى السلطان ٥٥٠ ٣٦٤٨- وعن عبد الله بن مسعود وغيره قالوا: "إن الرجل يجلد مملوكته الحدود فى بيته". أخرجه ابن حزم أيضا ولم يعله بشىء. قد شرط من قال للسيد إقامة الحد على رقيقه شروطا كثيرة لا ذکر لها فى الحدیث الذى قد احتج بها وقال الموفق فى "المغنى": "للسيد إقامة الحد بالجلد على رقيقه فى قول أكثر العلماء، روى نحو ذلك عن على وابن مسعود وابن عمر وأبى حميد وأبى السيد الساعديين، وفاطمة بنت النبى، (قد مر تأويله فتذكر) وعلقمة والأسود والزهرى وهبيرة بن رويم وأبى ميسرة ومالك والثورى والشافعى وأبى ثور وابن المنذر، وقال ابن أبى ليلى: أدركت بقايا الأنصار يجلدون ولائدهم فى مجالسهم الحدود إذا زنوا. (لم يدرك ابن أبى ليلى الصحابة، وإنما أدرك التابعين وأتباعهم، وهو محمول على التعزير)، وعن الحسن بن محمد: أن فاطمة حدت جارية لها. وعن إبراهيم: أن علقمة والأسود کانا یقیمان الحدود على من زنی من خدم عشائرهم. روی ذلك سعيد فى سننه. (قلت: أما بنت الرسول عرّ لّه فكانت مأذونة فى ذلك، وإلا لأنكروا عليها كما أنكر عثمان على حفصة، وفعل علقمة والأسود محمول على التعزير. ألا ترى أنهم أقاموا الحد على خدم عشائر هم ولم يكونوا عبيدا لهما؟ ويحتمل أن يكونا مأذونين فى ذلك من قبل الأمير). وقال أصحاب الرأى: ليس له ذلك، لأن الحدود إلى السلطان (بدليل ما مر فى المتن من الأحاديث والآثار) ولأن من لا يملك إقامة الحد على الحر لا يملكه على العبد كالصبى (ولأن المولى لا يملك تضمين الشهود إذا رجعوا، فكان هو والأجنبى سواء كما تقدم) ولأن الحد لا يجب إلا بينة أو إقرار، ويعتبر لذلك شروط من عدالة الشهود، ومجيئهم مجتمعين أو فى مجلس واحد، وذكر حقيقة الزنا وغير ذلك من الشروط التى تحتاج إلى فقيه يعرفها، ويعرف الخلاف فيها، والصواب منها، وكذلك الإقرار، فينبغى (أى يجب) أن يفوض ذلك إلى الإمام أو نائبه، كحد الأحرار (وإلا لم يكن الحد الذى يقيمه المولى على عبده وأمته حدا شرعيا، بل ظلما وعدواناً. لعدم اهتدائه إلى الشروط التى لا يجوز إقامة الحد بدونها) ولأنه حد هو حق لله تعالى، فيفوض إلى الإمام كالقتل والقطع". قال الموفق: "ولنا ما روى سعيد عن أبى هريرة مرفوعا: إذا زنت أمة أحدكم فتيقن زناها فليجلدها، الحديث. وعن على: أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم (قد مر تأويله فتذكر) ولأن السيد يملك تأديب أمته وتزويجها، فملك إقامة الحد عليها كالسلطان. (قلنا: هذا منقوض بالأب، ٥٥١ الحدود إلى السلطان إعلاء السنن فإنه يملك تأديب ابنه وبنته وتزويجها، ولكنه لا يملك إقامة الحد عليهما، وكذلك الزوج يملك تأديب الزوجة، ولا يملك إقامة الحد عليها، فالجواب الجواب). قال: إذا ثبت هذا فإنما يملك إقامة الحد بشروط أربعة (قلنا: قوله عرّ له: ((إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها. مطلق عن أكثر هذه الشروط، فالتقييد بنها تقييد للمطلق بلا دليل) أحدها أن يكون جلدا كحد الزنا والشرب وحد القذف. فأما القتل فى الردة والقطع فى السرقة فلا يملكها إلا الإمام، وهذا قول أكثر أهل العلم، ووجه آخر أن السيد يملكهما، وهو ظاهر مذهب الشافعى (وأهل الظاهر كابن حزم وغيره) لعموم قول النبى عّ لّ أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم. وروى أن ابن عمر قطع عبدا سرق، وكذلك عائشة، وعن حفصة أنها قتلت أمة لها سحرتها، ولأن ذلك حدا شبه الجلد. ولنا أن الأصل تفويض الحد إلى الإمام، لأنه حق لله تعالى، فيفوض إلى نائبه، كما فى حق الأحرار، ولما ذكره أصحاب أبى حنيفة (من الدلائل) وإنما فوض إلى السيد الجلد خاصة لأنه تأديب والسيد يملك تأديب عبده وضربه على الذنب، وهذا من جنسه". (قلت: فيه ما فيه فتذكر، وأيضا: فإن الحد ليس من جنس التأديب، بل من جنس العقوبات، لكون مبناه على الإعلان والاشتهار، ومبنى التأديب على الإخفاء والاستتار، والذى هو من جنس التأديب إنما هو التعزير) قال: " وإنما افترقا فى أن هذا مقدر والتأديب غير مقدر، وهذا لا أثر له فى منع السيد منه". (قلنا: بل قد افترقا فى أن الحد لا يجب إلا ببينة أو إقرار، ويعتبر لذلك شروط من ، عدالة الشهود، ومجيئهم مجتمعين فى مجلس الحكم، وذكر حقيقة الزنا، وغير ذلك من الشروط(٨ التى لا يحتاج إليها فى التأديب). قال: "بخلاف القطع والقتل، فإنهما إتلاف لجملته أو بعضه الصحيح، ولا يملك السيد هذها من عبده، ولا شيئا من جنسه. والخبر الوارد فى حد السيد عبده إنما جاء فى الزنا خاصة، وإنما قسنا عليه ما يشبهه من الجلد". (قلنا: لا يصح إقامة الحد بالقياس، لكونه مما يدرأ بالشبهات، وإلا فليجز قياس الأب والزوج على المولى. فيجوز لهما إقامة الحد على الأولاد والزوجة، ولا قائل به، وأيضا: فقد اعترفت بأن الأصل، تفويض الحد إلى الإمام، فالخبرِ الوارد فى حد السيد عبده وارد على خلاف الأصل، فليقتصر على مورده، وهو الجلد فى الزنا خاصة لا يتعداه إلى غيره فافهم). قال: "وقوله: أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم. إنما جاء فى سياق الجلد فى الزنا. فإن أول الحديث عن على، قال: أخبر النبى معَّ ◌ُّه بأمة لهم فجرت، فأرسلنى إليها، فقال: اجلدها الحد. ج - ١١ الحدود إلى السلطان ٥٥٢ وذكر الحديث، وفيه: وأقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم. قال: فالظاهر أنه إنما أراد ذلك الحد وشبهه". (قلنا: نعم! وبهذا اندحض استدلال ابن حزم بذلك على أن السيد يقيم جميع الحدود على مماليكه، فإن الاحتمال يضر الاستدلال، لا سيما إذا كان منشأ الاحتمال مذكورا فى سياق الحديث. ولنا أن نقول: إن المخاطب بقوله: "أقيموا الحدود". إنما هو على ومن كان مثله من الأمراء المأذونين بإقامة الحدود، ولا حاجة إذاً إلى تخصيصه بذلك الحد وشبهه، فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص المورد، ولفظ الحدود عام لجميع الحدود) قال: "وأما فعل حفصة فقد أنكره عثمان عليها، وشق عليه، وقوله أولى من قولها، وما روی عن ابن عمر فلا نعلم ثبوته عنه". (قلت: لا شك فى ثبوته، ولكن قد اختلفت الروايات عنه لما ذكرنا، فروى عنه أنه رفع العبد السارق إلى الوالى وروى عنه أنه قال: يحد السيد أمته إذا لم تكن متزوجة، ورفعها إلى الإمام إذا كانت متزوجة). قال: "الشرط الثانى أن يختص السيد بالمملوك، فإن كان مشتركا بين اثنين أو كانت الأمة مزوجة، أو كان المملوك مكاتبا، أو بعضه حرا، لم يملك السيد إقامة الحد عليه، وقال مالك والشافعى: يملك السيد إقامة الحد على الأمة المزوجة لعموم الخبر. ولنا ما روى عن ابن عمر، فذكر الأثر المذكور فى المتن، وقال: ولم نعرف له مخالفا فى عصره، فكان إجماعا. (قلت: وأين الإجماع وقد خالفه أبو عبد الله الصحابى كما ذكرناه فى المتن)؟. قال: "والخبر مخصوص بالمشترك (اتفاقا) فنقيس عليه (المزوجة) وفى المستاجرة والمرهونة وجهان". "الشرط الثالث: أن يثبت الحد بينة أو اعتراف، فإن ثبت باعتراف فلسید إقامته إذا كان يعرف الاعتراف الذى يثبت به الحد وشروطه. وإن ثبت ببينة اعتبر أن يثبت عند الحاكم، لأن البينة تحتاج إلى البحث عن العدالة، ومعرفة شروط سماعها ولفظها، ولا يقوم بذلك إلا الحاكم". (قلت: إذا ثبت الحد عند الحاكم بالبينة وجب عليه أن يقيمه. ولم يجز له تعطيله، فخرج المولى من البين، وسقط حقه فى إقامة الحد، وإن قامت البينة عند الحاكم ولم يقم الحد على المشهود عليه كان ذلك شبهة فى البينة دارئة للحد، فالقول بإقامة السيد الحد مع اعتبار الثبوت عند الحاكم عجيبة من العجائب). قال: "ولا يقيم السيد الحد بعلمه، وهذا قول مالك، لأنه لا يقيمه الإمام بعلمه، فالسيد أولى، فإن ولاية الإمام للحد أقوى من ولاية السيد، لكونها متفقا عليها وثابتة بالإجماع، فإذا لم يثبت الحد فى حقه بالعلم فههنا أولى". قال: "الشرط الرابع أن يكون السيد بالغا عاقلا عالما بالحدود وكيفية إقامتها، لأن الصبى ٥٥٣ إعلاء السنن باب لا یجمع فی الثیب بین الرجم والجلد ٣٦٤٩- عن موسى بن معاوية نا وكيع عن يحيى بن أبى كثير السقا عن الزهرى والمجنون ليسا من أهل الولايات، والجاهل بالحد لا يمكنه إقامته على الوجه الشرعى، فلا يفوض إليه، وفى الفاسق وجهان، وكذا إن كان (المالك) مكاتبا، وفى المرأة أيضا احتمالان" اهـ ملخصا (١٥٠,١٤٧:١٠). قلت: ولو شرطوا أن يكون السيد مأذونا بإقامة الحد من الإمام لاستغنوا عن هذه الشروط الكثيرة التى ذكروها، وإذا كان قول النبى معَّ له: ((أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم)). مخصوصا بالإجماع غير جار على عمومه، فقول الحنفية أولى بالصواب، لكونه أقل تخصيصا وأخف تقييدا من غيره، كما لا يخفى والله تعالى أعلم. وأما الأمر ببیع الأمة إذا زنت فى الثلاثة أو الرابعة فمندوب عند الجمهور. خلافا لأبى ثور وأهل الظاهر، قال ابن بطال: " حمل الفقهاء الأمر بالبيع على الحض على مباعدة من تكرر منه الزنا، لئلا يظن بالسيد الرضا بذلك، ولما فى ذلك من الوسيلة إلى تكثير أولاد الزنا (وليس بواجب بدليل ما فى حديث الصحيح: أن رجلا قال: يا رسول الله! إن امرأتى لا ترد يد لامس، قال: غربها، قال: إنى أحبها قال: فاستمتع بها) قال: وحمله بعضهم على الوجوب، ولا سلف له من الأمة، فلا يستقل به"، قال الحافظ فى الفتح: واستشكل الأمر ببیع الرقیق إذا زنی، مع أن كل مؤمن مأمور أن يرى لأخيه ما يرى لنفسه، وأجيب بأن السبب الذى باعه لأجله ليس محقق الوقوع عند المشترى، لجواز أن يرتدع الرقيق إذا علم أنه متى عاد أخرج، فإن الإخراج من الوطن المألوف شاق " اهـ (١٤٦:١١). قلت: ولا يخفى أن كل ذلك محتمل ليس بمتيقن، ويحتمل أن لا يرتدع بذلك، ويقترف عند المشترى أشد مما اقترفه عند البائع، فلا بد من حمل الأمر بالبيع على الندب دون الوجوب. وأتى ابن حزم ههنا من الظاهرية بعجيب، فحمل الأمر بالبيع فى الثالثة على الندب. وفى الرابعة على الفرض، وقال: "ولا يلزم البيع فى العبد إذا زنى، لورود الأمر بذلك فى الأمة إذا زنت" اهـ (١٦٧:١١). وهل هذا إلا كالقول بوجوب الجلد فى قذف المحصنات، دون قذف المحصنين من الرجال، لورود النص فى المحصنات. باب لا یجمع فی التیب بین الرجم والجلد قوله: "عن موسى بن معاوية" إلخ. فيه أن أبا بكر وعمر رضى الله عنهما لم يجمعا بين . ٥٥٤ لا یجمع فی التیب بین الرجم والجلد ج - ١١ "أن أبا بكر رضى الله عنه وعمر رجما ولم يجلدا". أخرجه ابن حزم فى "المحلى" (٢٣٣:١١) بسنده ولم يعله بشىء. ورجاله كلهم ثقات إلا أنه مرسل. الرجم والجلد، وعزى الموفق ذلك إلى عثمان أيضا، فقال: "روى عن عمر وعن عثمان أنهما رجما ولم يجلدا" (١٢٤:١٠). وقال الترمذى: "وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبى معَ ◌ّه، منهم أبو بكر وعمر وغيرهما: الثيب إنما عليه الرجم ولا يجلد، وقد روى عن النبى ◌ّ هّ مثل هذا فى غير حديث فى قصة ماعز وغيره أنه أمر بالرجم، ولم يأمر بأن يجلد قبل أن يرجم، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وهو قول سفيان الثورى وابن المبارك والشافعى وأحمد" (١٧٣:١). وقال الحافظ فى "الفتح": "وأما قصة ماعز فجاءت من طرق كثيرة متنوعة بأسانيد مختلفة، لم يذكر فى شىء منها أنه جلد، وكذلك الغامدية والجهينية وغيرهما، وقال فى ماعز: إذهبوا به فارجموه. و کذا قال فی حق غيره، ولم یذ کر الجلد، فدل ترك ذکره على عدم وقوعه، ودل عدم وقوعه على عدم وجوبه" اهـ (١٠٦:١٢). قال بعض الناس: "ويعارضه ما رواه مسلم (٧:٢) عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله عَّهِ: ((خذوا عنى، خذوا عنى، قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة ونفى سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم". رواه الجماعة إلا البخارى والنسائى (٢:٧ و٣). وفى صحيح البخارى (١٠٥:١٢ مع فتح البارى): حدثنا آدم حدثنا شعبة حدثنا سلمة بن كهيل، قال: سمعت الشعبى عن على رضى الله عنه، حين رجم المرأة يوم الجمعة، وقال: "قد رجمتها بسنة رسول الله عَ ◌ّ اهـ وفى "فتح البارى" (١٠٥:١٢): "قوله: حين رجم المرأة يوم الجمعة، فى رواية على ابن أبى الجعد: أن عليا أتى بامرأة زنت، فضربها يوم الخميس، ورجمها يوم الجمعة. وكذا عند النسائى من طريق بهز بن أسد عن شعبة" اهـ. وفيه أيضا: "قوله: رجمتها بسنة رسول الله عَ ليه. زاد على بن الجعد: وجلدتها بكتاب الله. زاد إسماعيل بن سالم فى أوله عن الشعبى: قيل لعلى: جمعت حدين فذكره. وفى رواية عبد الرزاق: أجلدها بالقرآن وأرجمها بالسنة. قال الشعبى: وقال أبى بن كعب مثل ذلك" اهــ وفيه أيضا: " وقال ابن المنذر: عارض بعضهم الشافعى، فقال: الجلد ثابت فى كتاب الله، والرجم ثابت بسنة رسول الله عَ ليه، كما قال على، وقد ثبت الجمع بينهما فى حديث عبادة، وعمل به على رضى الله عنه، ووافقه أبى وليس فى قصة ماعز ومن ذكر معه تصريح ٥٥٥ لا یجمع فی التیب بین الرجم والجلد إعلاء السنن بسقوط الجلد عن المرجوم، لاحتمال أن يكون ترك ذكره لوضوحه، ولكونه الأصل، فلا يرد ما وقع التصريح به بالاحتمال. قلت: ادعى نسخ حديث عبادة من قال بعدم الجمع بين الرجم والجلد للمحصن، لما ورد عنه عَّ ◌ُلّه من واقعات الرجم بغير ذكر الجلد، تأمل". وفى "نيل الأوطار" (٧): "وكيف يليق بعالم أن يدعى نسخ الحكم الثابت كتابا وسنة بمجرد ترك الراوى لذلك الحكم فى قضية عين لا عموم لها؟ وهذا أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضى الله عنه يقول بعد موته مّ له بعدة من السنين، لما جمع لتلك المرأة بين الرجم والجلد: جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله عَ ليه. فكيف يخفى على مثله الناسخ وعلى من بحضرته من الصحابة الأكابر" اهـ؟ وفيه أيضا (٦:٧): ويجاب (عن دعوى النسخ) بمنع التأخر المدعى، فلا يصلح ترك جلد ماعز للنسخ، لأنه فرع التأخر، ولم يثبت ما يدل على ذلك، ومع عدم ثبوت تأخره لا يكون ذلك الترك مقتضيا لإبطال الجلد الذى أثبته القرآن على كل من زنى، ولا ريب أنه يصدق على المحصن أنه زان، فكيف إذا انضم إلى ذلك من السنة ما هو صريح فى الجمع بين الجلد والرجم للمحصن؟ كحديث عبادة المذكور" إلخ. فإن أجيب بأنه قد ثبت الرجم بالسنة المتواترة المجمع عليها كما نقله فى "النيل" (٦:٧) وزيادة الجلد عليه زيادة بخبر الواحد على الخبر المتواتر. فيرد بأن خبر الواحد مؤيد، والأصل قوله تعالى: ﴿الزانية﴾ إلخ المتواتر القطعى الثبوت، القطعى الدلالة، فهو بعمومه يدل على وجوب الجلد على كل زان محصن وغير محصن، فرجم المحصن ثابت بالحديث المتواتر القطعى، وجلده بالآية القطعية المتواترة، فافهم حق الفهم اهـ. · فالجواب عن أصل الإشكال أن آية الرجم التى قرأها عمر رضى الله عنه بمحضر من الناس على المنبر، رواه أبو داود وغيره، ورواه أبى بن كعب عند إسماعيل ابن جعفر كما فى "الإتقان" (٢٦:٢)، والحاكم عن زيد بن ثابت وسعيد بن العاص وعمربن الخطاب رضى الله عنه بلفظ: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما نكالا من الله والله عزيز حكيم". تدل على أن حد الزانى الثيب المحصن الرجم فقط، وقوله: ﴿الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾. يفيد أن حد الزانى الجلد فقط، سواء كان حرا أو عبدا، محصنا أو غير محصن، ولما خص منه العبيد والإماء بقوله تعالى: ﴿فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾. صارت الآية مخصوصة، فجاز أن يخص المحصن الزانى بدليل آخر، وهو قوله تعالى: "الشيخ والشيخة إذا زنيا" إلخ. وبما ورد من الإكتفاء بالرجم فى أحاديث كثيرة، وسيأتى بيانها، ولو صح ج - ١١ لا یجمع فی الثیب بین الرجم والجلد ٥٥٦ الجمع بين الجلد والرجم عملا بالآيتين لصح الجمع بين الخمسين والمائة جلدة فى حق الإماء والعبيد کذلك، ولم يقل به أحد. فكذا هذا. قال الجصاص: " وأما الجمع بين الجلد والرجم للمحصن فإن فقهاء الأمصار متفقون على أن المحصن يرجم ولا يجلد، والدليل على صحة ذلك حديث أبى هريرة وزيد بن خالد فى قصة العسيف أن أبا الزانى قال: سألت رجالا من أهل العلم، فقالوا: على امرأة هذا الرجم، فلم يقل النبى معَّه بل عليها الرجم والجلد، وقال لأنيس: اغد على امرأة هذا. فإن اعترفت فارجمها. ولم يذكر جلدا، ولو كانت جلدت لنقل كما نقل الرجم، إذ ليس أحدهما بأولى بالنقل من الآخر، وكذلك فى قصة الغامدية حين أقرت بالزنا، فرجمها رسول الله عَّ له بعد أن وضعت، ولم يذكر جلدا، ولو كانت جلدت لنقل، وفى حديث الزهرى عن عبيد الله بن عبد الله عتبة عن ابن عباس: قال: قال عمر: قد خشيت أن يطول بالناس زمان، حتى يقول قائل: لا نجد الرجم فى كتاب الله فيضلوا، وقد قرأنا: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة. ورجم رسول الله عَ ليه ورجمنا بعده. فأخبر أن الذى فرضه الله هو الرجم، وأن النبى معَّ ◌ُّ رجم، ولو كان الجلد واجبا مع الرجم لذكره (أى والسكوت فى معرض البيان بيان، ولم يكن الجمع بين الجلد والرجم واضحا حتى يترك ذكره لوضوحه، لأن الجلد يعرى عن المقصود الذى شرع الحد له، وهو الانزجار، أو قصده إذا كان القتل لا حقا له، وليس فيه إلا زيادة الإيلام بلا فائدة ظاهرا، والعمدة فى ذلك أنه معدّ ل. لم يجمع بينهما قط، فقد تظافرت الطرق أنه مرّ له بعد سؤاله ماعزا عن الإحصان وتلقينه الرجوع لم يزد على الأمر بالرجم، وقد تكرر الرجم فى زمانه مَّ ◌ُلِّ، ولم يرو أحد أنه جمع بينه وبين الرجم، فقطعنا بأنه لم يكن إلا الرجم) وأما حديث عبادة فإنا قد علمنا قطعا أنه وارد عقيب كون حد الزانيين الحبس والأذى ناسخا لا واسطة بينهما، لقوله مَّه: ((خذوا عنى، خذوا عنى، قد جعل الله لهن سبيلا. ثم كان رجم ماعز والغامدية، وقوله: واغد يا أنيس على امرأة فإن اعترفت فارجمها. بعد حديث عبادة، فلو كان ما ذكر فى الحديث من الجمع بين الجلد والرجم ثابتا لاستعمله النبى عرّ ◌ُِّ فى هذه الوجوه" اهـ (٢٥٧:٣). وأيضا: فقد جمع فيه بين الجلد والتغريب فى حق البكر، وقد قام الدليل على كون التغريب خارجا عن الحد كما سيأتى، فكذا الجمع بين الرجم والجلد فى المحصن ليست بحد، بل الحد هو الرجم، والجلد مفوض إلى رأى الإمام تعزيرا، وعليه يحمل ما فعله على رضى الله عنه تندرئ ٥٥٧ لا یجمع فی التیب بین الرجم والجلد إعلاء السنن بالشبهات، فافهم حق الفهم وكن من الشاكرين. أو يقال: إن معنى حديث عبادة أن البكر بالبكر جلد مائة ولا رجم، والثيب بالثيب جلد مائة مرة إذا لم يجتمع فيهما شروط الإحصان، والرجم أخرى إذا اجتمعت تلك الشروط فيهما، والله تعالى أعلم. وقال الزيلعى: "حدیث ماعز تقدم غیر مرة، وفیه الرجم، ولیس فیه الجلد، حتى إن الأصوليين استدلوا به على تخصيص الكتاب بالسنة، بأنه عليه السلام رجم ماعزا ولم يجلده، لأن آية الجلد شاملة للمحصن، اهـ قال: والجواب عن ذلك أى عن حديث عبادة وعلى من وجهين، أحدهما أنه منسوخ، قال الحازمى فى كتابه: روى حديث ماعز نفر من أحداث الصحابة نحو سهل بن سعد وابن عباس، ونفر تأخر إسلامهم وحديث عبادة كان فى أول الأمر، وبين الزمانين مدة انتهى" (٨٦:٢) .. قلت: وفى كتاب الاعتبار للحازمى أيضا: " ذهبت طائفة إلى أن المحصن الزانى يجلد مائة ثم يرجم، وممن قال بذلك أحمد بن حنبل. (فى رواية، وفى أخرى وافق الجمهور كما فى المغنى) وإسحاق بن راهوية وداود بن على الظاهرى وأبو بكر بن المنذر من أصحاب الشافعى، وخالفهم فى ذلك أكثر أهل العلم، وقالوا: بل يرجم ولا يجلد، روى ذلك عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وإليه ذهب إبراهيم النخعى والزهرى ومالك وأهل المدينة والأوزاعى وأهل الشام وسفيان وأبو حنيفة وأهل الكوفة والشافعى وأصحابه ما عدا ابن المنذر، ورأوا حديث عبادة منسوخًا، وتمسكوا فى ذلك بأحاديث تدل على النسخ فذكر بعضها (٢٠٤). قال الزيلعى: وقال ابن المنذر فى مختصره: ذهب إلى الجمع بين الجلد والرجم على بن أبى طالب وأبى بن كعب (ذهب أبى إلى أن الجمع بين الجلد والرجم خاص بالشيخ والشيخة. وأما الشاب فيجلد إن لم يحصن ويرجم إن أحصن فقط، قال عياض: شذت فرقة من أهل العلم، فقالت: الجمع على الشيخ الثيب دون الشاب، ولا أصل له. وقال النووى: هو مذهب باطل. كذا فى "فتح البارى" (١٠٦:١٢). والمراد بنفى أصله ووصفه بالبطلان كونه ضعيفا من حيث الدليل، ومتروكا من حيث العمل، ومرغوبا عنه عند فقهاء الأمصار، وبهذا اندفع ما أورده الحافظ على عياض والنووى وعبد الله بن مسعود (فى ثبوته عنه نظر) والحسن البصرى، وقال أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب والزهرى وإبراهيم النخعى وأبو حنيفة ومالك والشافعى والأوزاعى وسفيان: "إن الشیب علیه الرجم دون الجلد، ورأوا حديث عبادة منسوخًا، وتمسكوا بأحاديث تدل على ج - ١١ لا یجمع فی التیب بین الرجم والجلد ٥٥٨ النسخ، منها حديث العسيف، أخرجه البخارى ومسلم، وفيه: فإن اعترفت فارجمها، فغدا عليها فاعترفت فرجمها". فهذا الحديث آخر الأمرين؛ لأن راويه أبو هريرة - وهو متأخر الإسلام- ولم يتعرض للجلد فيه تذكر اهــ الثانى أنه أى حديث جابر محمول على أنه عليه السلام لم يعلم يإحصانها فجلدها، ثم علم بإحصانها فرجمها، يدل عليه ما أخرجه أبو داود والنسائى عن ابن وهب، سمعت ابن جريج يحدث عن أبى الزبير عن جابر: أن رجلاً زنى فأمر به النبى مدبلآه، فجلد ثم أخبر أنه كان قد أحصن، فأمر به فرجم، انتهى، وأخرجاه أيضا عن أبى عاصم عن ابن جريج عن أبى الزبير عن جابر: أن رجلاً زنى ولم يعلم بإحصانه فجلد، ثم علم بإحصانه فرجم، ولم يذكر النبى عّ لّه، قال النسائى: لا نعلم أحدا رفعه غير ابن وهب، ووقفه هو الصواب ورفعه خطأ اهـ (٨٦:٢). قلت: فإن كان موقوفا على جابر كان فيه حكاية عن فعل واحد من الخلفاء، فيحمل فعل على رضى الله عنه على مثله أيضا. وقال المحقق فى "الفتح": "للجمهور أنه عليه الصلاة والسلام لم يجمع (بين الجلد والرجم) وهذا على وجه القطع فى ماعز والغامدية وصاحبة العسيف، وقد تظافرت الطرق عنه عليه الصلاة والسلام أنه بعد سؤاله عن الإحصان وتلقينه الرجوع لم يزد على الأمر بالرجم، فقال: إذهبوا به فارجموه. وقال: اغد يا أنيس! إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها. ولم يقل فاجلدها، ثم ارجمها. و کذا فی الغامدية والجھینیة: إن کانت غیرها لم یزد على الأمر برجمها، وتکرر ولم یزد أحد على ذلك، فقطعنا بأنه لم يكن غير الرجم، فقوله عليه الصلاة والسلام: ((خذوا عنى))، فقد جعل الله لهن سبيلا. وفيه: الثيب بالثيب جلد مائة ورجم، أو رمى بالحجارة، يجب قطعا كونه منسوخا. (قلت: أو مؤولا وقد مر تأويله) قال: وأما جلد على رضى الله عنه شراحة ثم رجمها، فأما لأنه لم يثبت عنده إحصائها إلا بعد جلدها، أو هو رأى لا يقادم إجماع الصحابة رضى الله عنهم، ولا ما ذكرنا من القطع عن رسول الله ع له " اه ملخصا (٢٦:٥). قلت: ولا يخفى أن الرواة قد ذكروا فى قصة ماعز القض والقضيض، والقليل والكثير، حتى أنهم ذكروا كيفية الرجم وموضع الرجم وفراره واشتداده ومن أدر كه، ومن صرعه، وبماذا رماه ورموه، ولم يذكر الجلد فى شىء من طرقه الكثيرة المتنوعة، فذلك أول دليل على عدم الجمع بين الرجم والجلد، وقال الإمام الشافعى فى الأم: وكل الأئمة عندنا رجم بلا جلد" اهـ (١١٩:٦). ٥٥٩ لا یجمع فی التیب بین الرجم والجلد إعلاء السنن ٣٦٥٠ - وبه إلى وكيع، نا العمرى (هو عبد الله بن عمر) عن نافع عن ابن عمر، قال: "إن عم وجم ولم يجلد". أخرجه ابن حزم أيضا (٢٣٣:١١). وسنده حسن. ٣٦٥١ - وبه إلى وكيع، نا الثورى عن مغيرة عن إبراهيم النخعى، قال: "يرجم ولا يجلد". أخرجه ابن حزم (٢٣٣:١١) أيضا وسنده صحيح. ٣٦٥٢- وعن عبد الرزاق عن معمر عن الزهرى: "أنه كان ينكر الجلد مع الرجم". أخرجه ابن حزم أيضا (١١: ٢٣٣) وسنده صحيح. وأخرجه السيوطى فى كنز العمال (٣: ٩٣) أيضا وعزاه إلى مصنف عبد الرزاق، وزاد: "ويقول: قد رجم رسول الله عَّ له، ولم يذكر الجلد". ٣٦٥٣ - عن نافع: "أن عمر رجم امرأة ولم يجلدها بالشام". رواه ابن جرير كذا فى "كنز العمال" (٨٧:٣) ٣٦٥٤- عن ابن مسعود أنه قال: "إذا اجتمع حدان الله تعالى فيهما القتل أحاط القتل بذلك". ذكره الموفق فى "المغنى" (١٢٤:١٠) بلا سند، وفى حفظى أنى رأيته مخرجا بسند فی کتاب، ولم أجد الآن موضعه، وله شاهد من قول إبراهيم النخعى، وهو لسان ابن مسعود وأصحابه. ٣٦٥٥- أخبرنا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم، قال: "إذا اجتمعت على الرجل الحدود فيها القتل درئت الحدود، وأخذنا بالقتل، وإذا اجتمعت الحدود وقد قتل قتل، ودفع ما سوى ذلك، لأن القتل قد أحاط بذلك كله". أخرجه محمد فى "الآثار"، وقال: "هذا كله قول أبى حنيفة، وقولنا، إلا حد القذف فإنه من حقوق الناس، فيضرب حد القذف، ثم يقتل، وإِنما الذى يدرأ عنه الحدود التى لله تعالى" اهـ (٩٠). قوله: "وبه إلى وكيع إلى قوله: عن نافع" إلخ. دلالة الآثار على معنى الباب ظاهرة، ورجم عمر امرأة بالشام وعدم جلدها يأتى مفصلا بتخريج الطحاوى والإمام مالك فانتظر. ورواية نافع هذه صريحة فى أن عمر لم يجمع بين الجلد والرجم، فاندفع ما عسى أن يتوهم أن عدم الذكر لا يستلزم عدم الوقوع. قوله: "عن ابن مسعود، وقوله: أخبرنا أبو حنيفة" إلخ. دلالته على الباب ظاهرة. وفى المدونة الكبرى لمالك: "هل يجتمع الحد والرجم فى الزنا على الثيب فى قول مالك؟ قال: لا يجتمع ج - ١١ لا یجمع فی التیب بین الرجم والجلد ٥٦٠ ٣٦٥٦- حدثنا يونس ثنا ابن وهب أخبرنى يونس عن ابن شهاب أخبرنى عبيد الله بن عبد الله أن أبا واقد الليثى ثم الأشجعى أخبره، وكان من أصحاب رسول الله عَّ ◌ُله، قال: "بينما نحن عند عمر مقدمه الشام بالجابية أتاه رجل، فقال: يا أمير المؤمين! إن امرأتی زنت بغلامى، فهى هذه تعترف ذلك، فأرسلنى فى رهط إليها نسألها عن ذلك، فجئتها فإذا هى جارية حديثة السن، فقلت: اللهم أفرج فاها اليوم عما شئت، فسألتها. وأخبرتها بالذى قال زوجها، فقالت: صدق. فبلغنا ذلك عمر، فأمر برجمها". رواه الطحاوى، ثم أخرجه من طريق مالك عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار عن أبي واقد نحوه، وزاد: "فذكر لها الذى قال زوجها لعمر بن الخطاب، وأخبرها أنها لا تؤخذ بقوله، وجعل يلقنها أشباه ذلك لتنتزع، فأبت أن تنتزع، وثبتت على الاعتراف، فأمر بها عمر، فرجمت" (معانى الآثار ٨١:٢). وسنده صحيح، وأخرجه مالك فى "الموطأ" (٣٤٩). وتسامح الحافظ فى "التلخيص" (٣٥١:٢) فى عزوه إلى الطحاوى وحده. عليه، والثيب حده الرجم بغير جلد، والبكر حده الجلد بغير رجم، بذلك مضت السنة" اهـ (٣٩٧:٤). قلت: وهذا كحكاية الإجماع، ومثله قول الإمام الشافعى: وكل الأئمة عندنا رجم بلا جلد، كما مر، فلم يكن عمل الأمة على الجمع بين الرجم والجلد قط، فلا بد من التأويل فى فعل على رضى الله عنه، وقد ذكرنا تأويله فنذكر. وبهذا ظهر ضعف ما عزاه ابن المنذر إلى ابن مسعود من القول بالجمع. قوله: "حدثنا يونس" إلخ. قلت: يونس شيخ الطحاوى، هو ابن عبد الأعلى ثقة من رجال مسلم، من صغار العاشرة، ويونس شيخ ابن وهب، هو ابن يزيد الأيلى، ثقة من رجال الجماعة، كذا فى التقريب (٢٤٤ و٢٤٥). ودلالة الحديث على معنى الباب ظاهرة. قال الطحاوى: "فإن قال قائل: وكيف يجوز أن يكون ذلك أى حديث عبادة منسوخا وقد عمل به على رضى الله عنه بعد رسول الله مَّ ◌ُّه؟ قيل له: إن هذا وإن كان قد روى عن على رضى الله عنه كما ذكرنا فإن غير على رضى الله عنه من أصحاب النبى معٍَّ قد روى عنه فى ذلك خلافه، فذكر الحديث، وقال فهذا عمر بحفرة أصحاب رسول الله عَ لّه لم يجددها قبل رجمه إياها، فهذا خلاف لما فعل على رضى الله عنه بشراحة، فهذا أولى الفعلين عندنا، لما قد ذكرنا فى هذا الباب" (٨١:٢). وبهذا كله ظهر الجواب عن كلام القاضى الشوكانى المار فيما قبل، فإنا لم ندع نسخ