النص المفهرس
صفحات 481-500
31 ج - ١١ ٤٨١ ٣٥٨٢- عن الأصم عن الربیع عن أسد بن موسی عن أنس بن عیاض عن یحیی بن سعيد وعبد الله بن دينار عن ابن عمر، أن النبى معَّه قال بعد رجمه الأسلمى، فقال: (اجتنبوا هذه القاذورات)). الحديث. ورويناه فى جزء هلال الحفار عن الحسين بن يحيى القطان عن حفص بن عمرو الربالى عن عبد الوهاب الثقفى، عن يحيى بن سعيد الأنصارى به إلى قوله: ((فليستتر بستر الله)). وصححه ابن السكن (التلخيص الحبير ٣٥٣:٢). قلت: وأخرجه الحاكم فى "المستدرك" (٣٨٣:٤)، فقال: عن يحيى بن سعيد حدثنى عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر، فذكر الحديث، وسكت عنه، وصححه الذهبى على شرط الشيخين. باب کیف یشهد الشھود وما یفعل بهم إذا نقص عددهم ٣٥٨٣ - أخبرنا الواقدى حدثنى معمر عن الزهرى عن سعيد بن المسيب، قال: "شهد أبو بكرة ونافع وشبل بن معبد على المغيرة بن شعبة، أنهم نظروا إليه، كما ينظرون إلى المرود فى المكحلة، ونكل زياد، فقال عمر رضى الله عنه: هذا رجل لا يشهد إلا بحق، ثم جلدهم عمر الحد. وكان ذلك سنة سبعة عشر، ثم ولاه بشىء فليستتر بستر الله". وهذا نص صريح فى كون الاستتار بستر الله مطلوبا، فليكن هو المعول عليه فى الباب. وأخرج الحاكم فى "المستدرك"، وقال: حديث صحيح الإسناد، عن عبد الله بن مسعود قال: "إنى لأذكر أول رجل قطعه رسول الله عرُّّه، أتى بسارق فأمر بقطعه، فكأنما أسف وجه رسول الله عَّه، فقالوا: يا رسول الله! كأنك كرهت قطعه. قال: وما يمنعنى؟ لا تكونوا أعوانا للشيطان على أخيكم، أنه لا ينبغى للإمام إذا انتهى إليه حد إلا أن يقيمه، إن الله عفو يحب العفو، وليعفوا وليصفحوا، ألا تحبون أن يغفر الله لكم، والله غفور رحيم" اهـ (٣٨٢:٤). ولم يتعقبه الذهبى بشىء، وفيه دلالة واضحة على طلب الستر من موجبات الحدود. باب کیف یشهد الشهود وما يفعل بهم إذا نقص عددهم قوله: "أخبرنا الواقدى" إلخ. قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة. وأبو بكرة هو نفيع بن الحارث الصحابى، وهو ونافع وزياد إخوة لأم، كما فى "تهذيب التهذيب" (٤٦٩:١٠). وشبل بن معبد مختلف فى صحبته، كما فى "تهذيب التهذيب" (٣٠٥:٤). قال الحافظ فى 1 ٤٨٢ باب کیف یشهد الشهود وما یفعل بهم إذا نقص عددهم إعلاء السنن عمر رضى الله عنه بعد ذلك الكوفة يعنى المغيرة". رواه ابن سعد فى "الطبقات" (زيلعى ٩٥:٢). قلت: رجاله رجال الجماعة إلا الواقدى، وقد وثقه كثير كما عرفت، "التلخيص": "وأفاد البلاذرى أن المرأة التى رمى بها أم جميل بنت محجن الهلالية. وقيل: إن المغيرة كان تزوج بها سرا، وكان عمر لا يجيز نكاح السر ويوجب الحد على فاعله، فلهذا سكت المغيرة، وهذا لم أره منقولا بإسناد، وإن صح كان عذرا حسنا لهذا لصحابى" اهـ (٣٥٥:٢). قلت: ليس هذا من الأحكام التى يحتاج فيها إلى الإسناد الصحيح، فإن إحسان الظن بالمسلم لا سيما بالصحابى يجوز بالاحتمال، لا سيما إذا لم يثبت ما يوجب إساءة الظن به، فيجب علينا إحسان الظن به، ويكفى لذلك ما ذكره البلاذرى بلا إسناد، ويؤيده أن عمر ولاه الكوفة بعد ما عزله عنها، ولم يكن ليولى المتهم بريبة، فالظاهر أن المغيرة لم يبق بعد ذلك متهما بها، وبأن للناس عذره، وزالت عنه بالتنهمة برمتها، وانكشف الغطاء عن حقيقتها، ورجع الشهود عن شهادتهم غير أبى بكرة، فجزى الله البلاذرى عنا أحسن الجزاء يوم التناد. والقصة أخرجها الحاكم فى "المستدرك" (٤٤٨:٣) مطولة وسمى المرأة أم جميل القيسية، وسكت عنه هو والذهبى كلاهما. والمسألة الإشهاد فى النكاح اختلف فيها العلماء، فأجاز مالك العقد بدون شهادة، ثم يشهدان قبل الدخول، وعند الجمهور لا بد من شهادة رجلين أو رجل وامرأتين، فإذا كملت الشهادة فهو نكاح العلانية، وإن كانوا أسروه كذا فى موطأ محمد وتعليقه الممجد، فلعلى مغيرة ذهب إلى جواز العقد بدون الإشهاد أو أشهد على نكاحه رجلين من خاصته، ولم يعلنه لمصلحة له فی ذلك. والله تعالى أعلم. والأحسن فى الاعتذار عن هذا الصحابى ما ذكره الطبرى فى "تاريخه" بسنده، فقال المغيرة: "سل هؤلاء إلا عبد كيف رأونى؟ مستقبلهم أو مستدبرهم، وكيف رأوا المرأة أو عرفوها؟ فإن كانوا مستقبلى فكيف لم أستتر؟ أو مستدبرى فبأى شىء استحلوا النظر إلى فى منزلى على امرأتى؟ والله ما أتيت إلا امرأتى وكانت شبهها" إلخ (٢٠٧:٤) فأم جميل التى كانوا رموه بها كانت تشبه امرأته، ومن هنا أتى أبو بكرة وأصحابه، فلم يفرقوا بينهما لكمال الشبه والاشتباه، لكونهم رأوها من بعيد ولم يأت المغيرة رضى الله عنه إلا امرأته، كما حلف على ذلك بالله، ولم يجرب الكذب على الصحابة قط، فلو كان قد أتى غير امرأته لاعترف بالخطء، كما اعترف به ماعز والغامدية، ولكن شبهت المرأة على الشهود، فوقعوا فيما وقعوا، وصدقوا فيما زعموا، وكذبوا فيما شهدوا عليه فافهم. وكن من الشاكرين. ج - ١١ باب كيف يشهد الشهود وما يفعل بهم إذا نقص عددهم ٤٨٣ والقصة أخرجها الحاكم فى المستدرك، كما فى "التلخيص" (٢: ٣٥٥). وسند الحاكم سالم عن الواقدى، سكت عنه الحاكم والذهبى فى "تلخيص المستدرك" (٤٤٨:٣). قال الموفق فى "المغنى": "وإذا لم تكمل شهود الزنا فعليهم الحد فى قول أكثر أهل العلم، منهم مالك والشافعى وأصحاب الرأى، وذكر أبو الخطاب فيهم روايتين، وحكى عن الشافعى فيهم قولان: أحدهما: لا حد عليهم، لأنهم شهود، ولنا قول الله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنت ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾. وهذا یوجب الجلد علی کل رام لم يشهد بما قال أربعة. ولأنه إجماع الصحابة، فإن عمر جلد أبا بكرة وأصحابه حين لم يكمل الرابع شهادته بمحضر من الصحابة، فلم ينكره أحد. فإن قيل: فقد خالفهم أبو بكرة وأصحابه الذين شهدوا. قلنا: لم يخالفوا فى وجوب الحد عليهم، إنما خالفوهم فى صحة ما شهدوا به، ولأنه رام بالزنا لم يأت بأربعة شهداء، فيجب عليه الحد كما لو لم يأت بأحد" اهـ ملخصًا (١٨٠:١٠). والدليل على أنهم لم يخالفوا فى وجوب الحد عليهم ما رواه ابن حزم فى "المحلى" من طريق على بن زيد ابن جدعان عن عبد الرحمن بن أبى بكرة. وذكر الحديث، وفيه: فقال أبو بكرة: ألستم قد جلدتمونى؟ قالوا: بلى! قال: فأشهد بالله ألف مرة لقد فعل، فأراد عمر بن الخطاب أن يجلده الثانية، فقال على بن أبى طالب: إن كانت شهادة أبى بكرة شهادة رجلين فارجم صاحبك، وإلا فقد جلدتموه (٢٥٩:١١). تخليط ابن حزم: ولابن حزم ههنا تخليط عجيب يتعجب منه كل من له أدنى إلمام بالسنة والفقه، فقال فی "المحلى" (٢٦١:١١): "قد فرق القرآن والسنة بين الشاهد من البينة، وبين القاذف الرامى، فلا يحل البتة أن يكون لأحدهما حكم الآخر". قلنا: نعم! ولكن الشاهد لا يكون شاهد البينة ما لم يجئ أربعة مجتمعين إلى مجلس الحاكم، فإن جاؤوا متفرقين، أو لم يجئ إلا ثلاثة أو جاء أربعة ولم يشهد إلا ثلاثة لم يكن أحد منهم شاهد البينة، بل كل واحد منهم قاذف رام، بدليل قوله تعالى: ﴿لو لا جاؤوا عليه بأربعة شهداء، فإذا لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون﴾. فهو نص فى كذب الشهود أيضا إذا لم يكملوا أربعة، كما مر تقريره فى كلام الجصاص، ولأجل ذلك حد عمر أبا بكرة وأصحابه بمحضر من الصحابة، والقصة مشهورة لا ينكرها إلا مكابر، وقد روى عمرو بن شعيب عن النبى معَّ مرسلا الأمر بجلد الشهود إذا لم يكملوا أربعة، والمرسل إذا تأيد بأقوال الصحابة فهو حجة عند الكل، كما ذكرناه فى المقدمة، فالفرق بين الشاهد والقاذف ٤٨٤ باب كيف يشهد الشهود وما يفعل بهم إذا نقص عددهم إعلاء السنن مسلم، ولكن لا نسلم كون الشاهد شاهد البينة ما لم یکمل أربعة، بدليل ما ذكرنا، ومن ادعى كونه شاهدا والحال هذه فقد خالف نص القرآن، حيث جعل الكاذب عند الله شاهدا، وخالف إجماع الصحابة ونص الرسول ◌ّ فافهم. قال ابن حزم: " وأما الإجماع فإن الأمة كلها مجمعة بلا خلاف من أحد أن الشهود إذا شهدوا واحدا بعد واحد فتموا عدولا أربعة فإنه لا حد عليه". قلنا: نعم! إذا جاءوا أربعة مجتمعين لا متفرقين، وإلا فهم قذفة، وإذا جاؤوا مجتمعين لا يحكم بكونهم شهودا أو قذفة ما لم يتم شهادتهم، فإن شهدوا كلهم وهم عدول حكمنا بكونهم شهود البينة، وإن شهد اثنان أو ثلاثة ولم يشهد الباقى حكمنا بكونهم قذفة، وهكذا فى سائر الشهادات لا يحكم بكون الشاهد شاهدا أو كاذبا ما لم يتم الشهادة ويثبت العدالة، كما لا يخفى على من له أدنى إلمام قال: "و کذلك أجمعوا بلا خلاف من أحد منهم لو أن ألف عدل قذفوا امرأة أو رجلا كذلك بالزنا مجتمعين أو مفترقين أن الحد عليهم كلهم حد القذف إن لم يأتوا بأربعة شهداء، فإن جاؤوا بأربعة شهداء سقط الحد عن القذفة، فقد صح الإجماع المتيقن الذين لا شك فيه". قلنا: لم يثبت بذلك شىءٍ، فإن الألف لو قذفوا محصنا أو محصنة وطلب المقذوف الحد عليهم كلفوا أن يشهدوا مجلس القاضى أو الحاكم، ويصفوا الزنا، فإن شهد أربعة عدول منهم أو من غيرهم سقِط عنهم الحد، وإن لم یشهدوا ولم یصفوا وقع الحد عليهم أجمعين، وصاروا قذفة ما لم یکمل، فلا یحکم بكونهم شهودا أو قذفة ما لم يكمل الشهادة فافهم. قال: " وأما المخالفون لنا فى الجملة على الفرق بين حكم القاذف وبين حكم الشاهد، وأن القاذف ليس شاهدا وأن الشاهد ليس قاذفا". قلنا: نعم! ولكن لا يحكم بكون القاذف قاذفا ولا يكون الشاهد شاهدا مالم يكمل الشهود أربعة، وما لم يشهدوا، فإن كملت البينة وشهدوا لم يكن أحد منهم قاذفا، وإلا فهم قذفة كلهم. قال: "وصح اليقين ببطلان قول من قال: بأن يحد الشاهد والشاهدان والثلاثة إذا لم يتموا أربعة، لأنهم ليسوا قذفة، ولا لهم حكم القاذف، وهذا هو الإجماع حقا الذى لا يجوز خلافه". قلنا: ليس ذلك بالإجماع حقا بل الإجماع على خلافه أن الشاهد لا بكون شاهد البينة بمجرد قوله عند الحاكم: أشهد أن فلانا زنى، وإنما يكون شاهدا إذا شهد بمثل شهادته غيره حتى يتموا أربعة. قال: "وأما طريق النظر فنقول: إنه لو كان ما قالوا لما صحت فى الزنا شهادة أبدا لأنه كان ج - ١١ باب كيف يشهد الشهود وما يفعل بهم إذا نقص عددهم ٤٨٥ ٣٥٨٤- حدثنا إبراهيم بن حميد ثنا أبو الحسن ثنا الفضل بن د کین ثنا الوليد ثنا أبو الطفيل قال: "أقبل رهط معهم امرأة حتى نزلوا مكة، فخرجوا لحوائجهم وتخلف رجل مع المرأة، فلما رجعوا وجدوه بين رجليها، وعلى مكة يومئذ نافع بن عبد الحرث الخزاعى، فشهد ثلاثة منهم أنهم رأوه يهب فيها كما يهب المرود فى المكحلة، وقال الرابع: لم أر المرود فى المكحلة، ولكن رأيت استه يضرب استها، ورجلاها عليه كأذنى الحمار، فكتب نافع إلى عمر، فكتب إليه عمر: إن شهد الرابع بما شهد الثلاثة فارجمهما إن كان أحصنا، وإلا فاجلدهما، وإن لم يشهد إلا بما قال فاجلد الشهود الثلاثة، وخل سبيل المرأة". رواه الإمام القاسم بن ثابت السرقسطى فى كتاب غريب الحديث (زيلعى ٩٤:٢). وكلام الجصاص فى "أحكام القرآن" له (٢٨٢:٣) يدل على كونه محتجا به. الشاهد للواحد إذا شهد بالزنا صار قاذفا، عليه الحد على أصلهم، فإذا قد صار قاذفا فليس شاهدا، فإذا شهد الثانى فكذلك أيضا يصير قاذفا، وهذا فاسد كما ترى إلى آخر ما قال وأطال". قلنا: كله بناء الفاسد على الفاسد منشأه عدم المعرفة بالمذاهب قول: إذا حضر مجلس القاضى واحد أو اثنان أو ثلاثة مجتمعین أو متفرقین، وشهدوا بالزنا، فلیس واحد منهم شاهدا، بل هم قذفة من أول الأمر، وإن حضره أربعة مجتمعين توقف الحكم بكونهم قذفة أو شهودا على تمام الشهادة، فإن شهدوا كلهم ووصفوا كما هو حق الشهادة على الزنا حكم بكونهم شهودا، وإلا فهم قذفة كلهم، إلا من لم يشهد بالزنا ولم يصف فلا حد عليه، وهذا كله ظاهر لا يشك فيه إلا قاضرا، وكيف يحكم طريق النظر من كان القياس كله باطلا عنده؟ فقد أخطأ ابن حزم فى حكاية الإجماع وفهم كلام الأئمة، وأخطأ طريق النظر وهكذا من حرم الفقه والدراية، ولم يدر إلا حكاية الأقوال ورواية الأثر. قوله: "حدثنا إبراهيم بن حميد" إلخ. احتج بكتاب عمر: "إن شهد الرابع بما شهد الثلاثة" إلخ من قال بعدم اشتراط اجتماع الأربعة فى الشهادة على الزنا، قالوا: " فهذا يدل على أنه لو شهد مع الثلاثة آخر أنهم لا يحدون، وقبلت شهادتهم مع كون الثلاثة بديا منفردين". قلنا: ليس ذلك دلالة على ما ذكروا، فإن المراد بالرابع ليس من التحق بالثلاثة، وشهد بمثل شهادتهم، بل المراد به الرابع الذى كان قد جاء مع الثلاثة، وحضروا معه مجلس القاضى أربعة مجتمعين مجىء الشهادة، ٠٠٠ ٤٨٦ باب کیف یشهد الشهود وما یفعل بهم إذا نقص عددهم إعلاء السنن ٣٥٨٥- عبد الرزاق عن معمر عن بديل العقيلى عن أبى الوضاح، قال: " شهد ثلاثة نفر علی رجل وامرأة بالزنا، وقال الرابع: رأیتهما فى ثوب واحد، فإن کان هذا زنا فهو ذاك، فجلد على الثلاثة، وعزر الرجل والمرأة". أخرجه ابن حزم فى "المحلى" (٢٥٩:١١). ولم يعله بشىء. وبديل ثقة من الخامسة من رجال الخمسة. (تقريب ٢١). وأبو الوضاح يروى عن على، روى عنه يونس بن أبى إسحاق أيضا كما فى "الكنى والأنساب" للدولابى (١٤:٢). واسمه بهدل فاندفع ما فى "اللسان" (٤٥١:٦): عن ابن المدینی: مجهول، فليس بمجهول من روى عنه ثقتان، ولم نر فيه جرحا ولا تعديلا من أحد، فهو ثقة ما لم يثبت الجرح مفسرا. ٣٥٨٦- عبد الرزاق نا ابن جريج عن عمرو بن شعيب، قال: قال رسول الله عَ ليه («قضاء الله ورسوله أن لا تقبل شهادة ثلاثة، ولا اثنين، ولا واحد على الزنا، ويجلدون ثمانين جلدة، ولا تقبل لهم شهادة أبدا، حتى يتبين للمسلمين منهم توبة نصوح وإصلاح)). أخرجه ابن حزم أيضا فى "المحلى" (١١: ٢٦٠). وأعله بالانقطاع، ولكنه متأيد بإجماع الصحابة، كما سنذكره، والمرسل حجة عندنا إذا كان المرسل ثقة من أهل القرون الفاضلة، كما مر فى المقدمة. فأمر عمر بأن يوقف الرجل، فإن أتى بالتفسير على ما أتى به القوم حد المشهود عليهما، وإن هو لم يأت بالتفسير أبطل شهادته، وجعل الثلاثة منفردين فحدهم، ولم يقل عمر: إن جاء رابع أى رابع كان فشهد معهم فأقبل شهادتهم، فيكون قابلا شهادة الثلاثة المنفردين مع واحد جاء بعدهم. كذا فى "أحكام القرآن" للجصاص (٢٨٢:٣) ملخصا بمعناه. والأثر صريح فى ما قلنا: إنه لا يحكم يكون الشاهد شاهدا لبينة، أو بكونه قاذفا إلا بعد تمام الشهادة، فإن كملت بشرائطها فهم شهود، وإلا فقذفة. والعجب من ابن حزم كيف أشكل ذلك علیه فوقع فيما وقع. قوله: "عبد الرزاق" أولا إلخ. دلالته على ما دل عليه ما قبله ظاهرة. الرد على ابن حزم فيما أورد علينا فى الباب: قوله: "عبد الرزاق" ثانيا إلخ. قال أبو محمد بن حزم فى المحلى: "كل هذا لا حجة لهم فيه، أما خبر عمرو بن شعيب فمنقطع أقبح انقطاع، لأنه لم يذكر من بينه وبين رسول الله مرّ له ج- ١١ ٤٨٧ باب ما ورد فى درء الحدود بالشبهات ٣٥٨٧- عن عائشة مرفوعًا: ((ادرأوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن ولا حجة عندنا فى مرسل". قلنا: فكيف ساغ لك القول بأنه لا حجة لهم فيه؟ وأنت تعلم بأن من الخصم من يحتج بالمرسل، كيف؟ ولا يظن بعمرو بن شعيب أن يتعمد الكذب على رسول الله مێ، أو یحمله عن کذاب، وإلا كان ذلك قدحا فی عدالته وهو ثقة، قال يحيى بن سعيد القطان: "إذا روى عنه الثقات فهو ثقة يحتج به"، وقال البخارى: "رأيت أحمد وابن المدينى وإسحاق بن راهويه وأبا عبيد وعامة أصحابنا يحتجون بحديث عمرو بن شعيب ما تر که أحد من المسلمين". قال البخارى: "فمن الناس بعدهم؟" كذا فى "التهذيب" (٤٩:٨). قال: "ولا عند الشافعى". قلت: كلا بل هو يحتج بالمرسل بأحد أمور خمسة، أن يسنده غيره، أو أن يرسله آخر وشيوخهما مختلفة، أو أن يعضده قول صحابى، أو أن يعضده قول أكثر العلماء، أو أن يعرف أنه لا يرسل إلا عن عدل كما ذكرناه فى المقدمة. ولا يخفى أن مرسل عمرو بن شعيب هذا قد اعتضد بقول عمر بمحضر من الصحابة وفعله، وفعل علی بمحضرهم، ولم ینکر عليهما أحد منهم، واعتضد بقول أكثر العلماء أيضا كما مر فى كلام الموفق فتذكر. قال: "فلا يجوز لهم أن يحتجوا علينا به، لأننا لا نقول به أصلا، فيلزمونا إياه على أصلنا". قلنا: يجوز لنا الاحتجاج عليك بكل ما هو يصلح حجة عندنا، كما تحتج أنت علينا بما هو حجة عندك، وإن لم يكن صالحا للاحتجاج به عندنا، لا سيما وقد عرفت أن المرسل بعد اعتضاده بأحد الأمور الخمسة حجة عند الأئمة كلهم، فقولك: "لا حجة عندنا فى مرسل مطلقا". ليس بشىء، لا يلتفت إليه أصلا، ولا يعتد به، وهو رد عليك لكونه خلاف الإجماع. قال: "وهم لا يقولون به فيحتجوا به على أصولهم" اهـ (٢٦٠:١١). قلنا قد قالت الشافعية بالاحتجاج بالمرسل إذا اعتضد بأحد الأمور الخمسة، ولكنك حفظت شيئا وغابت عنك أشياء، فلهم الاحتجاج به على أصولهم، بل هو حجة عند الكل غيرك وغير من لا يعتد به مثلك من أهل الظاهر، وبالجملة فقول الجمهور فى الباب أقوى ما يكون، ولم يخالفهم من خالفهم إلا بمحض الآراء والظنون. بابما ورد فى درء الحدود بالشبهات قوله: "عن عائشة" إلخ. قال المؤلف: فى سنده يزيد بن زياد وهو ضعيف، كما فى "التلخيص الحبير" (٣٥٢:٢). ٤٨٨ درء الحدود بالشبهات إعلاء السنن وجدتم للمسلم مخرجا فخلوا سبيله، فإن الإمام لأن يخطئ فى العفو خير من أن يخطئ فى العقوبة)). رواه ابن أبى شيبة والترمذى، والحاكم فى المستدرك، والبيهقى فى سننه، أورده فى "الجامع الصغير" (١٢:١). ورمز لصحته وفى العزيزى (٧٢:١): قال الشيخ: "حدیث حسن" اهـ. ٣٥٨٨- عن ابن عباس مرفوعا: ((ادرأوا الحدود بالشبهات، وأقيلوا الكرام عثراتهم، إلا فى حد من حدود الله)). رواه ابن عدى فى جزء له من حديث أهل مصر والجزیرة، وروی صدره أبو مسلم الکجی وابن السمعانی فی الذیل عن عمر بن عبد العزيز مرسلا، ومسدد فى مسنده عن ابن مسعود موقوفا، أورده "الجامع الصغير" ورمز حسنه، وفى العزیزی (٧٢:١): قال الشيخ: "حديث حسن". ٨٩٦٣- عن على مرفوعًا: ((ادرأوا الحدود، ولا ينبغى للإمام تعطيل الحدود)). رواه الدارقطنى والبيهقى فى سننهما، أورده فى "الجامع الصغير." (١: ١٢). ورمز لحسنه، وفى العزيزى (٧٢:١): قال الشيخ: "حديث حسن" اهـ. ٣٥٩٠- عن أبى هريرة مرفوعا: ((ادفعوا الحدود عن عباد الله ما وجدتم لها مدفعا)). رواه ابن ماجه. أورده فى "الجامع الصغير" (١٢:١) ورمز لحسنه، وفى قلت: هو مختلف فیه، فمن صح حديثه اعتمد على توثيقه، ونظر إلى تعدد طرقه، وفى "تهذيب التهذيب": وقال ابن شاهين فى "الثقات": قال وكيع: كان رفيعا من أهل الشام فى الفقه والصلاح (٣٢٩:١١). ودلالته على الباب ظاهرة. قوله: "عن ابن عباس" إلخ. قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة. قوله: "عن على" إلخ. قال المؤلف: وفى "التلخيص الحبير" (٣٥٢:٢) بعد نقل الحديث، وعزوه إلى البيهقى عن البيهقى: "وفيه مختار بن نافع وهو منكر الحديث. قاله البخارى" اهـ. قلت: وفى "تهذيب التهذيب" (٦٩:١٠ و ٧٠): "وقال العجلى: كوفى ثقة" اهـ فهو مختلف، والاختلاف لا يضر كما عرفت مرارا، ودلالته على الباب ظاهرة. قوله: "عن أبى هريرة" إلخ. قال المؤلف: فى "نيل الأوطار" (١٩:٧): "يإسناد ضعيف، لأنه من طريق إبراهيم بن الفضل وهو ضعيف" اهـ. قلت: نعم! هو كذلك، لكن تحسين الحافظ العلامة السیوطی مبنى على تعدد طرقه، ٤٨٩ ج - ١١ درء الحدود بالشبهات العزيزى (١: ٧٢) ورواه عنه الترمذى أيضا، قال الشيخ: "حديث حسن" اهـ. فلا قدح فيه، ودلالته على الباب ظاهرة. وأما ما رواه الإمام مالك فى "الموطأ" (٣٥١): "مالك عن أبى الرجال محمد بن عبد الرحمن بن حارثة بن النعمان الأنصارى، ثم من بنى النجار، عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن: أن رجلين استبا فى زمان عمر بن الخطاب، فقال أحدهما للآخر: والله ما أبى بزان ولا أمى بزانية، فاستشار بذلك عمر بن الخطاب فقال قائل: مدح أباه وأمه، وقال آخرون: وقد كان لأبيه وأمه مدح غير هذا، نرى أن نجلده الحد، فجلده عمر بن الخطاب الحد ثمانين" اهـ. قلت: إسناده منقطع، ورجاله رجال الصحيحين، فإن عمرة لم تدرك عمر رضى الله عنه، وولدت بعد استشهاده. قال فى "تهذيب التهذيب" (٤٣٩:١٢): قال أبو حسان الزيادى: يقال: ماتت سنة ثمان وتسعين، وقيل: ماتت سنة ست ومائة، وهى بنت سبع وسبعين. قلت: وقال ابن أبى عاصم: ماتت سنة ثلاث ومائة اهـ ملخصا. وفى "التقريب" (١٥٤) فى ترجمة عمر رضى الله عنه: "استشهد فى ذى الحجة سنة ثلاث وعشرين" اهـ. فثبت بهذه الأقوال أنها لم تدركه، وفى الأثر الحد بالتعريض، وأحاديث الباب تخالفه، فإن التعريض فيه شبهة، وهو يدرأ بها. فالجواب عنه ما ذكره محمد فى الموطأ، قال: "قد اختلف فى هذا على عمر بن الخطاب أصحاب النبى مَّه، فقال بعضهم: لا نرى عليه حدا مدح أباه وأمه، فأخذنا بقول من درأ الحد منهم، وممن درأ الحد وقال: ليس فى التعريض جلد على بن أبى طالب رضى الله عنه، وبهذا نأخذ وهو قول أبى حنيفة والعامة من فقهاءنا" اهـ. ولنا ما مر من الأحاديث فى درء الحدود بالشبهات، وما روى البخارى ومسلم من حديث أبى هريرة: أن أعرابيا أتى النبى معَ ◌ّه قال: يا رسول الله! إن امرأتى ولدت غلاما أسود (زاد فى رواية: وإنى أنكرته زيلعى) قال: هل لك من إبل؟ إلى قوله: فلعله نزعه عرق". وما رواه أبو داود والنسائى من حديث ابن عباس: "جاء رجل إلى رسول الله عَّ فقال: يا رسول الله! إن امرأتى لا ترد يد لامس، فقال: غربها أى طلقها "إلخ. وقوله: "لا ترد يد لامس". كناية عن زناها (كما أن قول الأعرابى: "ولدت امرأتى غلاما أسود"، كان تعريضا بنفى الولد وزنا أمه) ولم يحد هما رسول الله عَّةٍ، ولأن الله فرق بين التعريض بالخطبة فى العدة فأباحه، وبین التصریح فمنعه، فليس كلاهما بسواء، بل الكناية دون التصريح، لما فيها من الإجمال، فلا يمكن لنا إلحاقها بالصريح. والله تعالى أعلم، كذا فى "التعليق الممجد" ملخصا (٣١٠). ٤٩٠ درء الحدود بالشبهات إعلاء السنن ٣٥٩١- عن عمر رضى الله عنه موقوفا عليه: ((ادرأوا الحدود بالشبهات. ادفعوا القتل عن المسلمين ما استطعتم)). رواه أبو محمد بن حزم فى كتاب الإيصال بإسناد صحيح (التلخيص الحبير ٢: ٣٥٢). درء الحد بالشبهات مجمع عليه: وقال المحقق فى "الفتح" بعد الكلام على حديث "ادرأوا الحدود بالشبهات" ما نصه: ((ولا شك أن هذا الحكم وهو درأ الحد مجمع عليه، وهو أقوى وكان ذكر هذه (الآثار) ذكر المستند الإجماع" اهـ (٧:٥). وقال الموفق فى "المغنى": " وروى الدارقطنى بإسناده عن عبد الله ابن مسعود ومعاذ بن جبل وعقبة بن عامر، أنهم قالوا: إذا اشتبه عليك الحدود فادراً ما استطعت. ولا خلاف فى أن الحد يدرأ بالشبهات" اهـ (١٩٤:١٠). قلت: والأثر معلول يإسحاق بن أبى فروة، فإنه متروك. كذا فى "التعليق المغنى" (٣١٤:٢). وقال الترمذى: "وقد روى عن غير واحد من الصحابة أنهم قالوا ذلك" اهـ. الرد على ابن حزم فى قوله: إن لفظ: ادرؤوا الحدود بالشبهات لا أصل له قوله: "عن عمر" إلخ. قلت: وبذلك وبالأثر الصحيح الموصول عن ابن مسعود وسيأتى، اندحض ما قاله ابن حزم فى "المحلى": "فحصل مما ذكرنا أن اللفظ الذى تعلقوا به لا نعلمه روى عن أحد أصلا، وهو: ادرأوا الحدود بالشبهات. لا عن صاحب، ولا عن تابع، إلا الرواية الساقطة التى أوردنا من طريق إبراهيم بن الفضل(١) عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر، وإبراهيم ساقط، وإنما جاء كما ترى عن بعض الصحابة مما لم يصح: ادرأوا الحدود ما استطعتم. وهذا لفظ إن استعمل أدى إلى إبطال الحدود جملة على كل حال، وهذا خلاف إجماع أهل الإسلام، وخلاف الدين، وخلاف القرآن والسنن، لأن كل أحد هو مستطيع على أن يدرأ كل حد يأتيه فلا يقيمه، فبطل أن يستعمل هذا اللفظ، وسقط أن تكون فيه حجة لما ذكرنا، وأما اللفظ الآخر فى ذكر الشبهات، فقد . قلنا: ادرأوا. لا نعرفه عن أحد أصلا" إلخ (١٥٤:١١). وهل هذا إلا تحكم وجرأة على إبطال ما صح، ووقع عليه الإجماع. فقد رأيت أن ابن حزم نفسه روى عن عمر: "ادرأوا الحدود بالشبهات". باسناد صحيح فى كتاب الإيصال، وروى هذا (١) قلت: قال فيه ابن عدى: "ومع ضعفه يكتب حديثه". كما فى التهذيب (١٥٠:١). والذى يكتب حديثه ليس كما قال ابن حزم بساقط، بل يعتبر به فى المتابعات والشواهد، ولا يخفى أن لما رواه إبراهيم بن الفضل شواهد عديدة يقوى بعضها بعضا. ٤٩١ درء الحدود بالشبهات ج - ١١ ٣٥٩٢- سفيان الثورى عن عاصم عن أبى وائل عن عبد الله بن مسعود، قال: "ادرأوا الحدود بالشبهات، ادفعوا القتل عن المسلمين ما استطعتم" قال البيهقى: "وأصح ما فيه حديث سفيان عن عاصم". فذكره كذا فى "النيل" (١٩:٧). ورواه عبد الرزاق عن سفيان الثورى عن القاسم بن عبد الرحمن قال: قال ابن مسعود: "ادرأوا الحدود ما استطعتم" وأعله ابن حزم فى "المحلى" (١٥٤:١١) بالإرسال، لأن القاسم لم يسمع من جده، ولم يدركه، ولكن المرسل إذا تأيد بطريق أخرى موصولة فهو حجة عند الكل، كما مر فى المقدمة. اللفظ سفيان الثورى عن عاصم عن أبى وائل عن ابن مسعود، وقال البيهقى: "هو أصح ما فيه". وثبت ذلك عن ابن عباس وعلى مرفوعا بأسانيد حسان، كما ذكرنا فى المتن، وكذلك روته عائشة مرفوعا وسنده حسن. فمن أين لابن حزم أن يقول: "إن اللفظ الذى تعلقوا به لا نعلمه روى عن أحد أصلا، لا عن صاحب ولا عن تابع "؟ الرد على ابن حزم فى قوله: إن لفظ: ادرأوا الحدود ما استطعتم يؤدى إلى إبطال الحدود وأما قوله فى "ادرأوا الحدود ما استطعتم": "إن هذا لفظ إن استعمل أدى إلى إبطال الحدود جملة على كل حال، لأن كل أحد هو مستطيع على أن يدرأ كل حد يأتيه فلا يقيمه" إلخ. فمنشأه الظاهرية المحضة التى جبل عليها، وأدته إلى حمل اللفظ على الاستطاعة اللغوية، ولا يخفى وهنه وخطأه على من له أدنى إلمام بالسنة، بل هو محمول على الاستطاعة الشرعية التى لا يصلح معها. قوله: "لأن كل أحد هو مستطيع على أن يدرأ كل حد يأتيه فلا يقيمه". وقد فسرته عائشة فى حديثها المرفوع بقولها: "فإن وجدتم للمسلم مخرجا فخلوا سبيله، فإن الإمام لأن يخطئ فى العفو خير من أن يخطئ فى العقوبة". فلا يستطيع أحد أن يدرأ الحد عمن ثبت عليه الحد ما لم يكن له مخرج شرعا. فقوله: "ادرأوا الحدود ما استطعتم" راجع إلى قوله: "ادرأوا الحدود بالشبهات". الرد على ابن حزم فى قوله: إن لفظ: ادرأوا الحدود بالشبهات غير ممكن الاستعمال ثم أتى ابن حزم من ظاهريته بالعجب العجاب، وقال: ثم لا سبيل لأحد إلى استعماله. (أى استعمال: ادرأوا الحدود بالشبهات) لأنه ليس فيه بيان ما هى تلك الشبهات، فليس لأحد أن يقول فى شىء يريد أن يسقط به حدا: هذا شبهة، إلا كان لغيره أن يقول: ليس بشبهة، ولا كان لأحد ٤٩٢ درء الحدود بالشبهات إعلاء السنن ٣٥٩٣- أبو حنيفة عن مقسم عن ابن عباس، قال: قال رسول الله عَّ له: ((ادرأوا الحدود بالشبهات)). كذا رواه الحارثى من طريق محمد بن بشر عنه (عقود الجواهر المنيفة ١٩٣:١). وقال الحافظ فى "التلخيص" (٣٥٣:٢). وفى مسند أبى حنيفة للحارثی من طريق مقسم عن ابن عباس بلفظ الأصل مرفوعًا اهـ. وسكت عنه، فهو حسن أو صحيح على أصله. أن يقول فى شىء يريد أن يسقط به حدا: ليس هذا شبهة، إلا كان لغيره أن يقول: بل هو شبهة، ومثل هذا لا يحل استعماله فى دين الله تعالى" اهـ. قلنا: منشأ كل ذلك حملك الشبهة على الشبهة اللغوية، أو على مجرد قول الرجل: هذا فيه شبهة، كحملك الاستطاعة عليها، ولا يخفى سخافته، والمراد بالشبهات إنما هى الشبهات الشرعية التى قام دليل الشرع على اعتبارها، وبعد ذلك فليس لأحد أن يقول لنا ليس فيه شبهة شرعا: إن فيه شبهة، ولا لما فيه شبهة شرعا: إنه ليس فيه شبهة. فقد روى البخارى فى الصحيح عن رسول الله مَّ له: "الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهة". ولو كان الشىء يصير مشتبها بمجرد قول أحد: "إن فيه شبهة". لم يبق شىء من الحرام والحلال بينا، فالبين ما بينه الشارع وفسره، والمشتبه ما أجمله الشارع وأبهمه لحكمة له فيه، ومن تأمل فروع درء الحدود بالشبهات لم يشك قط أن الصحابة والتابعين ومن بعدهم من المجتهدين لم يدرؤوها بمجرد قول أحد: إن فيه شبهة، بل إنما درؤوها بشبهة عدها الشارع شبهة، ومن ثم قالوا: لا يحد الرجل بوطئ جارية ولده، وولد ولده، وإن قال علمت أنها على حرام، لأن الشبهة حكمية، لأنها نشأت عن دليل، وهو قوله مَّ اله: ((أنت ومالك لأبيك)). رواه ابن ماجه عن جابر بسند صحيح، نص عليه ابن القطان والمنذرى، وإذا وطئ جارية أبيه أو أمه أو زوجته وقال: ظننت أنها تحل لى فلا حد عليه، ويعزر، وإن قال: علمت بحرمتها حد، لأن بين هؤلاء انبساطا فى الانتفاع شرعا وعادة، فظن أن منه الاستمتاع فكان شبهة اشتباه، وإن وطئ جارية أخيه أو عمه وقال: ظننت أنها تحل لى حد، لأنه لا انبساط فى المال بينهما شرعا، وكذا إذا وطئ جارية مشتركة بينه وبين آخر لم يحد، لكون الشركة أحدثت شبهة شرعية، ولو وطئ جارية صديقه حد، لأن الصداقة لا توجب شبهة شرعا فافهم. قوله: "أبو حنيفة" إلخ. قلت: دلالته على الباب ظاهرة. ج - ١١ درء الحدود بالشبهات. ٤٩٣ ترجمة الحافظ الحارثى الجامع مسند الإمام: وقد ذكرنا فى الجزء الثالث من الكتاب ترجمة الحارثى من اللسان وغيره، ثم رأيت الذهبى ذكره فى "تذكرة الحفاظ" (٦٨:٣) له، فقال: "وفيها أى فى سنة أربعين وثلاثمائة مات عالم ما وراء النهر ومحدثها الإمام العلامة أبو محمد عبد الله بن محمد بن يعقوب بن الحارث الحارثى البخارى، الملقب بالأستاذ جامع مسند أبى حنيفة الإمام، وله اثنتان وثمانون سنة" اهـ. وفيه ما يشعر بكونه موثوقا به فى الرواية، فإن المجروح لا يكاد ويوصف بالإمام العلامة عالم ما وراء النهر ومحدثها على لسان الذهبى قط، وقد عرفت اعتناء المحدثين بالمسند الذى جمعه هو، وهذا دليل كونه محتجا به عندهم، فلا عبرة بالجرح الذى صدر عن بعض المحدثين فيه. والله تعالى أعلم. الرد على ابن حزم ثانيا: وفيه رد على ابن حزم حيث قال: "إن اللفظ الذى تعلقوا به، وهو: ادرأوا الحدود بالشبهات. لا نعلمه روى عن أحد أصلا، لا عن صاحب، ولا عن تابع"إلخ. فقد رأيت أنه قد رواه الأئمة مرفوعا، ولم يتفرد الإمام يرفعه، بل رواه ابن عدى فى جزء له من حديث أهل مصر والجزيرة مرفوعا عن ابن عباس، وإسناده حسن، ورواه ابن حزم نفسه عن عمر رضى الله عنه موقوفا عليه بإسناد صحيح فى كتاب الإيصال كما فى المتن، وروى هو فى "المحلى" عن على بن أبى طالب رضى الله عنه، قال: "إذا بلغ الحد لعل وعسى فالحد معطل". ولم يعلله بشىء، بل احتج به على درء الحد عمن نفى رجلا عن نسبه (٢٦٦:١١). ولا يخفى أن قول على هذا فى معنى قوله: "ادرأوا الحدود بالشبهات" سواء. اللفظ مختلف والمعنى واحد. فهل سمعتم بأعجب ممن يرد حديثا ويحتج به بلفظ آخر فى معناه؟ وروى أيضا من طريق عبد الرزاق عن إبراهيم بن محمد عن إسحاق بن عبد الله عن مكحول: "أن معاذ بن جبل وعبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنهما قالا جميعا: ليس الحد إلا فى الكلمة ليس لها مصرف، وليس لها إلا وجه واحد". ولم يعلله بشىء، وفيه إبراهيم الأسلمى مكشوف الحال، وهو فى معنى: "ادرأوا الحدود بالشبهات". ومؤيد له قال ابن حزم: "وإذا تبين وجوب الحد فلا يحل لأحد أن يسقطه، لأنه فرض من فرائض الله" (١٥٥:١١). قلنا: كلمة حق أريد بها الباطل، ومن يقول بجواز إسقاط الحد بعد تبين وجوبه؟ ولكنه لا يتبين ما بقى فيه شبهة، وإنما يتبين بعد الخلوص عن الشبهات فافهم. ٤٩٤ مسئلة قتل المسلم بالذمى إعلاء السنن الرد على ابن حزم فى طعنه على الحنفية فى قولهم بقتل المسلم بالذمى ثم جعل يطعن الحنفية: "بأنهم يقتلون المسلم بالكافر، خلافا على الله تعالى، وعلى رسوله عليه السلام، ومحافظة لأهل الكفر" اهـ. قلت: قاتل الله! من قتل المسلم محافظة للكفار، وحاشا الحنفية أن يفعلوا أو يخطر ذلك على بالهم، ولكن ابن حزم لا يفهم كلام الأئمة، ولا يدرى ما يخرج من رأسه، فإنه أراد بهذا القول أن يرد على الحنفية قولهم: بقتل المسلم بالذمى، ولم يقولوا بذلك محافظة للكفار، فما أبعدهم الفجار من المحافظة ولا كرامة، بل إنما قالوا به محافظة لذمة الله وذمة رسوله عَ ليه، ولهم متمسك فى ذلك من السنة وآثار الصحابة وأقوال التابعين. دلائل الحنفية فى قولهم بقتل المسلم بالذمى: أما السنة فقد روى أبو حنيفة عن ربيعة بن أبى عبد الرحمن هو ربيعة الرأى عن عبد الرحمن بن البيلمانى قال: قتل النبى عّ لّه مسلما بمعاهد وقال: أنا أحق من وفى بذمته رواه الحارثى فى مسند الإمام عن محمد بن قدامة الزاهد البلخى عن محمد بن عبدة بن الهشيم عن شبابة بن سوار عنه، ورواه أبو داود فى المراسيل عن سليمان بن بلال عن ربيعة عن ابن البيلمانى نحوه، وأخرجه الدار قطنى مرفوعا، فقال: ربيعة عن عبد الرحمن بن البيلمانى عن ابن عمر رفعه: أنه قتل مسلما بمعاهد، وقال: أنا أكرم من وفى بذمته. وقال: تفرد بوصله إبراهيم بن أبى يحيى عن ربيعة (قلت: وثقه الشافعى وحمدان بن الإصبهانی وابن عقدة وابن عدى كما فى التهذيب ١٥٩:١٠). وأخرجه عبد الرزاق عن الثورى عن ربيعة به، وأخرجه الدار قطنى فى الغرائب من رواية حبيب عن مالك عن ربيعة كذلك (أى مرسلا) وصرح ربيعة عند أبى داود فى المراسيل بأن عبد الرحمن بن البيلمانى حدثه أنه عليه السلام الحديث، فسقط ما ذكره البيهقى عن أبى عبيد قال: "بلغنى أن إبراهيم بن أبى يحيى قال: إنما حدثت ربيعة به فإذا دار الحديث على ابن أبى يحيى عن ابن البيلمانى" اهـ. فلم يدر الحديث عليه، وخرج من البين، وما ذكر عن أبى عبيد بلاغ لم يذكر من بلغه لينظر فى أمره. وقد روی الحدیث من وجه آخر مرسلا رواه أبو داود عن ابن وهب عن عبد الله بن يعقوب عن عبد الله بن عبد العزيز بن صالح الحضرمى، قال: "قتل رسول الله مرّ ◌ُله يوم خيبر مسلما بكافر قتله غيلة، وأنا أولى وأحق من أوفى بذمته". هكذا فى نسخة المراسيل وفى غيرها: يوم حنين بدل ج - ١١ مسئلة قتل المسلم بالدمی ٤٩٥ خيبر. وقال الطحاوى: حدثنا سليمان بن شعيب حدثنا يحيى بن سلام عن محمد بن أبى حميد المدنى (يلقب بحماد ثقة كذا فى "كشف الأستار") عن محمد بن المنكدر عن النبى عّ لّه بمثل حديث ابن البيلمانى. وذكر ابن حزم حديث ابن البيلمانى ولم يعبه بغير الإرسال، وابن البيلمانى هو مولی عمر، مدنى نزل حران، ضعفه الدار قطنى، ولينه أبو حاتم، وذكره ابن حبان فى الثقات، وربيعة شيخ مالك مشهور من الثقات، ومرسله قد روى من طرق عن أبى حنيفة ومالك والثورى ثلاثتهم عن ربيعة، وكفى بهؤلاء الأئمة قدوة، وقد تأيد أيضا بمرسل ابن المنكدر، ومرسل عبد الله ابن عبد العزيز، فصار حجة، فلا يضره الإرسال مع ثبوته من طرق يقوى بعضها بعضا. ويؤيده ما رواه الطحاوى فى مشكله: حدثنا إبراهيم بن أبى داود ثنا عبد الله بن صالح حدثنى الليث حدثنى عقيل عن ابن شهاب أخبرنى سعيد بن المسيب أن عبد الرحمن بن أبى بكر الصديق قال: حين قتل عمر بن الخطاب فذكر قصة قتل عبيد الله بن عمر الهرمزان وجفينة، وكان نصرانيا من نصارى الحيرة، وقتل بنت أبى لؤلؤة صغيرة تدعى الإسلام، فلما استخلف دعا المهاجرين والأنصار، فقال: أشيروا على فى قتل هذا الرجل الذى فتق فى الدين ما فتق. فاجتمع المهاجرون فيه على كلمة واحدة يأمرونه بالشدة عليه، ويحثون عثمان على قتله، وكان فوج الناس الأعظم مع عبيد الله، يقولون لجفينة والهرمزان: أبعدهما الله. فكثر فى ذلك الاختلاف، ثم قال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين! إن هذا الأمر قد أعفاك الله من أن يكون بعد ما بويعت، وإنما كان ذلك قبل أن يكون لك على الناس سلطان، فأعرض عن عبيد الله، وتفرق الناس عن خطبة عمرو بن العاص، وودى الرجلان والجارية. 11 رم ففى هذا الحديث (وهو حسن الإسناد، وذكره ابن حزم نفسه من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهرى عن سعيد بن المسيب نحوه (١١٤:١١) وهذا سند صحيح، وفيه: وقال جماعة من الناس: "قتل عمر بالأمس، وتريدون أن تتبعوه ابنه اليوم، أبعد الله الهرمزان وجفينة". الحديث وفى أخره: "فنفرق الناس على خطبة عمرو، وودى عثمان الرجلين والجارية") أن عبيد الله قتل جفينة وهو نصرانى، وضرب الهرمزان والجارية، فأشار المهاجرون ومنهم على بن أبى طالب، على عثمان بقتل عبيد الله فيهم، فمحال أن يكون قول النبى عليه: ((لا يقتل مسلم بكافر)). يراد به غير الحربى ثم يشير المهاجرون وفيهم على (وهو الذى قال: "والذى فلق الحبة وبرأ النسمة، ما عندنا من رسول الله عَّ علم سوى القرآن وما فى الصحيفة، وفيه العقل وفكاك الأسير، وأن لا يقتل 3 e ٤٩٦ مسئلة قتل المسلم بالذمى إعلاء السنن مسلم بكافر") على عثمان بقتل عبيد الله بكافر ذمی. فإن قيل كما قال البيهقى: "لا نسلم أن الهرمزان كان كافرا بل كان قد أسلم، وفرض له عمر، وفى الحديث أنه قتل ابنة أبى لؤلؤة صغيرة تدعى الإسلام أى فيجوز أنهم إنما استحلوا سفك دم عبيد الله بها لا بجفينة والهرمزان". قلنا: إن فى الحديث ما يدل على أنه أراد قتله بجفينة والهرمزان، وهو قول الناس: "ما بعد الله جفينة والهرمزان"، فمحال أن يكون عثمان أراد قتله بغیرهما، ویقول الناس: "أبعدهما الله". ولو کان کذلك لبین لهم أنی لم أرد قتله بهذین، بل بالجارية، ولكنه أراد قتله بهما وبالجارية معا، ولذا وداهم أجمعين. وروى أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم: "أن رجلا بنى شيبان قتل رجلا نصرانيا من أهل الحيرة، فكتب والى الكوفة إلى عمر بذلك، فكتب إليه: أن أدفعه إلى أولياء القتيل، فإن شاءوا قتلوه، وإن شاءوا عفوا، ثم كتب إليه: أن أفده بالدية من بيت المال، وذلك أنه بلغه أنه فارس من فرسان العرب". (وإرضاء أولياء القتيل بالدية لا يدل على رجوع عمر عن وجوب القتل كما لا يخفى) وقال عبد الرزاق: أخبرنا الثورى عن حماد عن إبراهيم: "أن رجلا قتل رجلا من أهل الكتاب من أهل الحيرة فأقاد منه عمر". وأخرج الطبرانى من طريق شعبة عن عبد الملك بن ميسرة عن النزال بن سبرة بلفظ: "قتل رجل من المسلمين رجلا من الكفار، فذهب أخوه إلى عمر، فكتب عمر: أنه يقتل، فجعلوا يقولون: أقتل حنين، فيقول: حتى يجىء الغضب قال: فكتب: أن يؤدى ولا يقتل". قلت: مختصر، والأصل ما مر من رواية أبى حنيفة عن حماد عن إبراهيم: "أن عمر أراد إرضاء أولياء القتيل بالدية" وليس فيه دليل على رجوعه عن قوله الأول، كما ظنه الشافعى. ومراسيل إبراهيم صحيحة، لأنه لا يروى إلا عن ثقة، لا سيما وقد تأيد بطريق أخرى موصولة. وحديث النزال بن سبرة أخرجه ابن أبى شيبة، وصححه ابن حزم نفسه، وذكر البيهقى من طريق الشافعى: أخبرنا محمد بن الحسن أخبرنا محمد بن يزيد أخبر سفيان بن حسين عن الزهرى: "أن ابن شاس الجزامى قتل رجلا من أنباط الشام، فرفع إلى عثمان، فأمر بقتله، فكلمه الزبير وناس من أصحاب رسول الله عّ لّه، فنهوه عن قلله، فجعل ديته ألف دينار". (محمد بن يزيد هو الكلاعى من رجال أبى داود والترمذى والنسائى، شامى ثقة عابد، وثقه ابن معين وأبو داود، وقال أحمد: " كان ثبتا فى الحديث". وسفيان بن حسين من رجال مسلم والأربعة، وأخرج له البخارى 32 ج - ١١ مسئلة قتل المسلم بالذمى ٤٩٧ فى التاريخ، فالأثر مرسل صحيح. فقول الشافعى: "هذا حديث من يجهل". إن كان أراد به الانقطاع بين الزهرى وعثمان فلا يضرنا، وإلا فليس فى الإسناد مجهول. وفيه أن عثمان أمر بقتل المسلم بالذمى، وهو حجة لنا، وأما نهى الزبير وناس من الأصحاب فلم يعلم وجهه، ويحتمل أنهم أشاروا عليه بإرضاء الأولياء بالدية وهذا خارج مما نحن فيه) قال البيهقى: "وسئل الشافعى هل ثبت عندكم عن عمر فى هذا شىء؟ فقال: ولا حرف، وهذه الأحاديث منقطعة أو ضعاف أو تجمع الانقطاع والضعف" اهـ قلنا: المنقطع إذا روى من وجه آخر منقطعا كان حجة عند الشافعى، كما مر فى المقدمة، كيف؟ وأثر النزال بن سبرة صحيح موصول. وروى البيهقى من طريق الشافعى: أخبرنا محمد بن الحسن أخبرنا قيس بن الربيع عن أبان ابن تغلب عن الحسن بن ميمون عن عبد الله بن عبد الله مولى بنى هاشم عن أبى الجنوب الأسدی، قال: "أتى على برجل من المسلمين قتل رجلا من أهل الذمة، فقامت عليه البينة، فأمر بقتله، فجاء أخوه، فقال: قد عفوت عنه، قال: فلعلهم هددوك وأفرقوك وأفزعوك؟ قال: لا، ولكن قتله لا يرد على أخى وعوضونى فرضيت. قال: أنت أعلم من کانت له ذمتنا، فدمه کدمنا، وذنبه كذنبنا". ثم أشار إلى تضعيفه فقال عن الدار قطنى: "أبو الجنوب ضعيف". قلت: قد روى عن الحكم بن عتيبة: "أن على بن أبى طالب وابن مسعود قالا: من قتل يهوديا أو تصرانيا قتل به". قال ابن حزم: "هو مرسل". (قلنا: والمرسل إذا تأيد بطريق آخرى موصولة ولو ضعيفة كان حجة عند الكل، كما ذكرناه فى المقدمة) قال: "وصح عن عمر بن عبد العزيز كما روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن عمرو بن ميمون قال: "شهدت كتاب عمر بن عبد العزيز إلى بعض أمراءه فى مسلم قتل ذميا، فأمره أن يدفعه إلى وليه، فإن شاء قتله، وإن شاء عفا عنه: قال عمرو: فدفع إليه فضرب عنقه وأنا أنظر". (قلت: فهل لابن حزم أن يقول فى عمر بن عبد العزيز: أن قتل المسلم بالكافر خلافا على الله تعالى، وعلى رسوله عليه السلام، ومحافظة لأهل الكفر؟ فإن اجترأ على ذلك ولا أظنه ولا أحدا من المسلمين أن يجترئ عليه، فسيعلم القائل أى منقلب ينقلب؟ وإلا فما الذى جرأه على رمى الحنفية بمثل هذه الضربة الشنعاء، وقد قالوا مثل ما قاله عمر بن عبد العزيز الخليفة المهدى الراشد، وهو أعلم بكتاب الله وسنة رسوله، وقضايا الخلفاء قبله من ابن حزم ومن ألف ألف أمثاله) قال: وصح أيضا عن إبراهيم النخعى، قال: "يقتل المسلم الحر باليهودى والنصرانى" وروى عن الشعبى مثله، وهو قول ابن أبى ليلى وعثمان البتى انتهى كلامه. (قلت: فهل كل هؤلاء قتلوا ٤٩٨ مسئلة قتل المسلم بالذمى إعلاء السنن المسلم بالكافر خلافا على الله تعالى وعلى رسوله عليه السلام ومحافظة لأهل الكفر؟ فأحسن الله عزاءنا فیك یا ابن حزم !. وروى ابن أبى شيبة بسند صحيح: "أن رجلا من النبط عدا عليه رجل من أهل المدينة، فقتله قتل غيلة، فأتى به أبان بن عثمان، وهو إذ ذاك (أمير) على المدينة، فأمر بالمسلم الذى قتل الذمى أن يقتل". وأبان معدود من فقهاء المدينة. قال عمرو بن شعيب: "ما رأيت أحدا أعلم بحديث ولا فقه منه" اهـ. ملخصا من "الجوهر النقى" (١٤٨:٢، ١٤٩). ومن "عقود الجواهر المنيفة" (٢: ١٨٠). وأما ما احتج به ابن حزم ومن وافقه وهو ما رواه البخارى وغيره عن على رضى الله عنه، أنه كان فى صحيفته: " وأن لا يقتل مسلم بكافر". فالجواب عنه أن أبا داود أخرجه فى السنن بلفظ: "فأخرج كتابا من قراب سيفه فإذا فيه: "المؤمنون تتكافأ دماءهم، وهم يد على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ألا لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد فى عهده". الحديث. وليس معناه لا يقتل مؤمن بكافر ولا بذى عهد، وإلا لكان لحنا، ورسول الله عَّ طالله أبعد الناس من ذلك، بل معناه لا يقتل مؤمن ولا ذو عهد فى عهده بكافر، وقد علمنا أن ذا العهد کافر فدل ذلك أن الكافر الذى منع النبى عّ لّ أن يقتل به المؤمن هو الكافر الذى لا عهد له، فهذا مما لا اختلاف فيه بين المسلمين أن المؤمن لا يقتل بالكافر الحربى، ولا يقتل الذمى به أيضا، وعلى هذا التأويل لا تضاد الآثار، وسيأتى لذلك مزيد فى أبواب الديات والقصاص فانتظر. ثم قال ابن حزم طاعنا على الحنفية: "ولا يقتلون الكافر إذا سب النبى عدّ له بحضرة أهل الإسلام فى أسواقهم ومساجدهم، ولا يقتلون من أهل الكفر من سب الله تعالى جهارا بحضرة المسلمين" اهـ. قلت: فرية بلا مرية، وفد استوفينا الكلام على المسألة فى كتاب الجهاد، وحققنا قول الحنفية فى الباب، وأنهم قائلون بقتل من سب الله ورسوله جهارا بما لا يدينه، سواء كان مسلما أو ذميا، رجلا أو امرأة، فليراجع. قال: "ويقتلون الذمى الذى قد حرم دمه إلا بالحق بشهادة کافرین" اهـ (١٥٥:١١). قلنا: نعم! لأن القصاص من حقوق العباد، وشهادة أهل الذمة بعضهم على بعض مقبولة فيما يرجع إلى حقوق العباد، لا سيما وليس فى شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض فى ذلك مظنة أصلا، ولا يحد الذمى حد الزنا بشهادة الكافرين، لكونه من حقوق الله تعالى، ولا يقبل شهادة أهل الذمة فى حقوق الله فافهم. ولا تعجل فى الإنكار على الحنفية أئمة الهدى، وسیأتی بیانه فى باب الشهادات، إن شاء الله تعالی. ج - ١١ ٤٩٩ باب حبس المقر بالزنا للاستكشاف ٣٥٩٤- حدثنا وكيع عن إسرائيل عن جابر عن عامر عن عبد الرحمن بن أبزى عن أبى بكر قال: "أتى ماعز بن مالك النبى عَّه، فاعترف وأنا عنده مرة، فرده، ثم جاء فاعترف عنده الثانية، فرده، ثم جاء فاعترف عنده الثالثة، فرده، قال: فقلت له: إن اعترفت الرابعة رجمك، قال: فاعترف الرابعة، فحبسه، ثم سأل عنه فقالوا: لا نعلم إلا خيرا، فأمر به فرجم". رواه أحمد وإسحاق فى مسنديهما، وابن أبى شيبة فى باب حبس المقر بالزنا للاستكشاف قال المؤلف: دلالة الحديث الأول من الباب عليه ظاهرة صريحة. ودلالة الحديث الثانى بعمومه عليه ظاهرة. قلت: ويدل على اشتراط الأربع فى الإقرار ما مر فى أول الحديث من باب كيف يسأل الإمام المقر بالزنا، من قوله معرّ له لما عز: ((إنك قد قلتها أربع مرات فيمن))؟ إلخ. وأصرح منه ما أخرجه أبو داود وسكت عنه عن عبد الله بن بريدة عن أبيه، قال: كنا أصحاب رسول الله معد له نتحدث أن الغامدية وماعز بن مالك لو رجعا بعد اعترافهما أو قال: لم يرجعا بعد اعترافهما لم يطلبهما، وإنما رجمهما عند الرابعة" اهـ. ومعنى قوله: "لم يرجعا" أى لم يعودا إلى الاعتراف مرة بعد مرة بعد اعترافهما أول مرة - والله أعلم - يدل عليه لفظ مسلم قال بريدة: " كنا نتحدث أصحاب نبى الله أن ماعزا لو جلس فى رحله بعد اعترافه ثلاث مرات لم يطلبه، وإنما رجم عند الرابعة". كذا فى "نصب الراية" (٧٧:٢). وروى ابن حزم فى "المحلى" من طريق إبراهيم بن خيثم بن عراك عن أبيه عن جده عن أبى هريرة: "أن رسول الله عَّ ◌ُله حبس فى تهمة احتياطا، أو قال: استظهارا يوما وليلة". وأعله بضعف إبراهيم بن خيثم (١٣٢:١١). ثم ذكر حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده مرفوعا، وقال: "بهز بن حكيم ليس بالقوى" اهـ. قلت: تذكر ما ذكرناه فى المقدمة من قول الحاكم: "الحديث الصحيح ينقسم عشرة أقسام، إلى أن قال: الخامس أحاديث جماعة من الأئمة عن أباءهم عن أجدادهم لم تتواتر الرواية عن أباءهم عن أجدادهم إلا عنهم كعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وبهز بن حكيم عن أبيه عن جده، وإياس بن معاوية عن أبيه عن جده، أجدادهم صحابة، وأحفادهم ثقات، فهذه أيضا محتج بها، ٥٠٠ حبس المقر بالزنا للاستكشاف إعلاء السنن "مصنفه"، (زيلعى ٧٧:٢-٧٨) وفيه أيضا: "هذا أصرح فى الدلالة على اشتراط الأربع لولا أن فى إسناده جابر الجعفى" اهـ. قلت: هو مختلف فيه، كما عرفت غير مرة. مخرجة فى كتب الأئمة دون الصحيحين" اهـ. وقول الذهبى: "فأعلى مرتبته أى مرتبة الحسن بهز ابن حكيم عن أبيه عن جده، وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وابن إسحاق عن التیمی وأمثال ذلك مما قيل: إنه صحيح وهو أدنى مراتب الصحيح اهـ (١٧ و ١٨). قلت: بل هو من أوسط مراتبه على قول الحاكم. ويؤيد حديث بهز عن أبيه عن جده، ما رواه ابن حزم من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرنى يحيى بن سعيد الأنصارى عن عراك بن مالك، قال: "أقبل رجلان من بنى غفار حتى نزلا منزلا بضجنان من مياه المدينة، وعندها ناس من غطفان معهم ظهر لهم، فأصبح الغطفانيون قد أضلوا بعيرين من إبلهم، فاتهموا بها الغفاريين، فأقبلوا إلى رسول الله مَّ ◌ُلّه وذكروا أمرهم، فحبس أحد الغفاريين، وقال للآخر: اذهب فالتمس، فلم يكن إلا يسيرا حتى جاء بهما، فقال النبى عدّد. لأحد الغفاريين حسبت أنه المحبوس: أستغفر لى! فقال: غفر الله لك يا رسول الله! فقال رسول الله عّ لّهِ: ولك، وقتلك فى سبيله، قال: فقتل يوم اليمامة" (١٣٢:١١). وأعله بالإرسال، فإن عراك بن مالك ثقة فاضل من الثلاثة من رجال الجماعة. (تقريب ١٤٣)، ولكن المرسل حجة عندنا، لا سيما إذا تأيد بطريق أخرى موصولة فحجة عند الكل، وأما قول ابن حزم: ثم لو صح لكان فيه الدليل على المنع من الحبس، لاستغفار رسول الله عّ لّه من ذلك اهـ فنقول: كلا! بل فيه الدليل على جواز حبس المتهم، وعلى استحباب أن يطلب الحاكم منه العفو إذا تبين له برائته من التهمة، فافهم. وأما ما رواه من طريق عبد الرزاق: نا ابن جريج سمعت عبد الله بن أبى مليكة أخبرنى عبد الله بن أبى عامر، قال: "انطلقت فى ركب حتى إذا جئنا ذا المروة سرقت عيبة لى، ومعنا رجل متهم، فقال أصحابى: يا فلان! اردد عليه عيبته، فقال: ما أخذتها، فرجعت إلى عمر بن الخطاب فأخبرته، فقال: من أنتم؟ فعددتهم، فقال: أظنه صاحبها للذى أتهم، فقلت: لقد أردت يا أمير المؤمنين! أن تأتى به مصفدا، فقال عمر: أتانى به مصفودا بغير بينة؟ لا أكتب لك فيها، ولا أسألك عنها، وغضب، وما كتب لى فيها، ولا سأل عنها". قال ابن حزم: "فأنكر عمر رضى الله عنه أن يصفد أحد بغير بينة"، ففيه: أن التصفيد أشد من الحبس، ولا نقول بجوازه بغير بينة أيضا، فلا دلالة فيه على عدم جواز الحبس. وأيضا: فلا يجوز حبس أحد عندنا بمجرد قول المدعى: 1 :