النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
حکم تعیین موضع النذر
ج -١١
٣٥٧٢- عن جابر بن عبد الله: "أن رجلا قام يوم الفتح، فقال: يا رسول
الله عَّه! إنى نذرت لله إن أفتح الله عليك مكة أن أصلى فى بيت المقدس ركعتين،
"البدائع": "ولو كان النذر مقيدا بمكان بأن قال: لله على أن أصلى ركعتين فى موضع كذا،
أو اتصدّق على فقراء بلد كذا، يجوز أداءه فى غير ذلك المكان عند أصحابنا الثلاثة، وعند زفر
· لا يجوز إلا فى المكان المشروط" اهـ (٩٣:٥). فما ذكره ابن حزم من خلاف أبى يوسف لعله
رواية عنه. والله تعالى أعلم.
تذييل: فى "الجوهر النقى" (٢٣٩:٢): فى الخلافيات للبيهقى: "لو قال: إن شفى الله
مريضى فللّه على أن أنحر ولدى، لم ينفذ نذره، ثم ذكر قولا آخر أنه يلزمه كفارة يمين. قال:
والآثار تدل على ذلك. وقال أبو حنيفة ومحمد: يلزمه ذبح شاة" انتهى كلامه. ويدل للقول
الأخیر أن الله تعالی أمرنا بالاقتداء یإبراهيم عليه السلام، وهو قد أمر بذبح ولده فخرج عن موجبه
بشاة، والنذر واجب بالأمر. والسلف اتفقوا على وجوب شىء، واختلفوا فى قدره، فمن لم
یوجب شيئا فقد خالف جمیعهم.
قال بعض الناس: "الدعوى غير صحيحة، أى قياس نذر ذبح الولد على قصة إبراهيم، فإن
الشرع قد أمرنا باتباعه مَِّ فيما لم يأمرنا نبينا معَِّ بخلافه. وقد تقرر فى الأصول أن شرائع من
قبلنا حجة لنا إذا لم تنكر فى شريعتنا. ولا يخفى أنه مرَّه لما أمر بالكفارة فى معصية النذر، كما مر
فى باب من نذر نذرا فى معصية إلخ، فقد علم أن حكم الملة الإبراهيمية على صاحبها أفضل
الصلاة والسلام فى هذا الباب لم يبق فى الملة المحمدية صلى الله تعالى على صاحبها وعلى آله
وسلم، وكون ذبح الابن معصية ظاهر، ولهذا قد أمر حبر الزمان ترجمان القرآن سيدنا عبد الله بن
عباس بالكفارة لا غير، ففى "الجوهر النقى" (٢٣٨:٢): وصحح سنده (أى البيهقى) عن ابن
عباس، أنه قال للمرأة التى نذرت أن تنحر ابنها: لا تنحرى ابنك، وكفرى عن يمينك. وفى رد
المختار (١٠٦:٣) عن الاختيار وقال أبو يوسف وزفر: لا يصح شىء من ذلك لأنه معصية فلا يصح
اهـ، وأما ما فى المشكاة (٢: ٢٩١): عن محمد بن المنتشر، قال: إن رجلا نذر أن ينحر نفسه إن
نجاه الله من عدوه، فسئل ابن عباس. فقال له: سل مسروقا، فسأله، فقال له: لا تنحر نفسك فإنك
إن كنت مؤمنا قتلت نفسا مؤمنة، وإن كنت كافرا تعجلت إلى النار، واشتر كبشا فاذبحه
للمساكين، فإن إسحاق خير منك وفدى بكبش، فأخبر ابن عباس فقال: هكذا كنت أردت أن
أفتيك. رواه رزين اهـ. فالجواب عنه: أما أولا فبأن السند لم يعرف، فلا يحتج به لا سيما إذا صح

٤٤٢
حکم تعیین موضع النذر
إعلاء السنن
قال: صل ههنا، ثم أعاد عليه، فقال: شأنك إذا". رواه أبو داود (١١٢:٢)، وسكت
عنه خلافه كما مر. وأما ثانيا فلو سلمنا أنه ثابت أيضا تعارض النقل عنه، وإذا تعارضا تساقطا. وأما
ثالثا فبأن الحديث المرفوع يعارضه، فلا يقبل هذا القول منه، فإن القول قول النبى، وأنه عدّ له أمر
بالكفارة فى نذر المعصية، وقتل النفس أو الابن أو غيرهما كله معصية".
قلت: أما قولك: "إن السند لم يعرف فلا يحتج به". ففيه أن الاحتجاج بالحديث لا يتوقف
على معرفتك بالإسناد، فأنت ومعرفتك كالهباء أو كالصداء، والأسلم أن تقول: إننى لم أعرف
بسنده لقلة مخبرى وقصور نظرى ولو طالعت كتاب الآثار لمحمد لم تقل ما قلته. قال محمد:
"أخبرنا أبو حنيفة حدثنا سماك بن حرب عن محمد المنتشر، قال: أتى رجل ابن عباس، قال: إنى
جعلت ابنى نحيرا، ومسروق بن الأجدع جالس فى المسجد، فقال له ابن عباس: اذهب إلى ذلك
الشيخ فاسأله، ثم تعال فأخبرنى بما يقول: فأتاه فسأله، فقال له مسروق: اذبح كبشا فإنه يجزئك.
فأتى ابن عباس فحدثه بما قال مسروق. قال: وأنا آمرك بما أمرك به مسروق" اهـ (١٠٦). وأما
قوله: "لو سلمنا أنه ثابت تعارض النقل عنه، وإذا تعارضا تساقطا". ففيه أن لا تعارض، لأن قوله
للمرأة: "كفرى عن يمينك"، مجمل وهذا مفصل. فلعله أراد بالكفارة ذبح الكبش أو يقال: كان
ذلك رأى ابن عباس أولا ثم رجع إلى ما قاله مسروق، وهذا ظاهر. وأما قوله: "إن الحديث المرفوع
يعارضه، فإن قتل النفس والابن كله معصية، والنبى معَّ أمر بالكفارة فى نذر المعصية". ففيه أنك
حفظت شيئا وغابت عنك أشياء. أما أولا فلأن نص القرآن يوافقه، فلا يضره خلاف خبر الواحد.
وقد مر فى كلام الجوهر النقى وجه دلالة النص عليه. وأما ثانيا وبه تبين فساد ما أوردته على كلام
صاحب الجوهر، أن نذر ذبح الولد لله ليس بمعصية من كل وجه، لكون ذبح الحيوان لله قربة.
والنذر مشتمل عليه ضرورة وجود المطلق فى المقيد، والمعصية إنما هى فى القيد فقط. فيجب اعتبار
المطلق وإلغاء القيد، كما لو نذر بصوم يوم النحر صح النذر فى مطلق الصوم، ويؤمر بصوم يوم
غيره، فبطل إدخالك هذا النذر فى نذر المعصية مطلقا. ولا شك أن قتل النفس(١) والولد معصية،
ولا كلام فيه. وإنما الكلام فى نذر ذبح الولد ونحره لله، وليس ذلك بمعصية على الإطلاق.
(١). فلو نذر قتل الإبن لم يصح النذر، فإن القتل ليس من القربة فى شىء عرفا، وإنما القربة فى الذبح أو النحر، ومبنى الأيمان والنذر
على العرف، ومثله نذر المشى إلى بيت الله، فيلزمه حجة أو عمرة ونذر المسير إلى مكة، فلا يلزمه شىء، ولأنه لو نذر ذبح
الشاة بلفظ القتل لم يصح فهذا أولى. كذا فى التعليق الممجد والدر.

٤٤٣
من نذر نحر نفسه أو ابنه
ج - ١١
عنه. وأخرجه البيهقى والحاكم وصححه، وصححه أيضا ابن دقيق العيد فى الاقتراح
(نيل الأوطار ٤٩١:٨).
وإنما المعصية فى متعلق الذبح لا فى ذبح الحيوان، فافهم. فإن مدارك الصحابة والتابعين دقيقة لا
يهتدى إليها إلا من رزقه الله قلبا سليما وفهما مستقيما.
قال فى "البدائع": "ولو قال: لله تعالى على أن أنحر ولدى، أو أذبح ولدى، يصح نذره
ويلزمه الهدى، وهو نحر البدنة أو ذبح الشاة، والأفضل هو الإبل ثم البقر ثم الشاة، وإنما ينحر أو
يذبح فى أيام النحر، سواء كان فى الحرم أولا. وهذا استحسان، وهو قول أبى حنيفة ومحمد
رحمهما الله، والقياس أن لا يصح نذره وهو قول أبى يوسف وزفر والشافعى: وجه القیاس أنه نذر
بما هو معصية، والنذر بالمعاصى غير صحيح، ولهذا لم يصح بلفظ القتل وجه الاستحسان أن النذر
بذبح الولد نذر بذبح الشاة تقديرا لكونها خلفا عنه، فيصح النذر على وجه يظهر أثره فيما هو
خلف عنه، کالشیخ الفانی إذا نذر صوم رجب مثلا يصح نذره، وتلزمه الفدية خلفا عنه. و دلیل ما
قلنا الحديث وضرب من المعقول.
أما الحديث فقول النبى معَّه: أنا ابن الذبيحين. أراد أول آبائه من العرب، وهو إسماعيل
عليه السلام، وآخر آبائه حقيقة، وهو عبد الله ابن عبد المطلب، سماهما عليه السلام ذبيحين،
ومعلوم أنهما ما كانا ذبيحين حقيقة، فكانا ذبيحين تقديرا بطريق الخلافة، لقيام الخلف مقام
الأصل. (وأيضا: ففى قوله مَّ هذا تصويب لنذر جده عبد المطلب بذبح ولده، ولو كان النذر
بذلك معصية لم يقل عَّه: أنا ابن الذبيحين، تحديثا بالنعمة فافهم). وأما المعقول فلأن المسلم إنما
يقصد بنذره التقرب إلى الله تعالى، فإذا عجز عن التقريب بذبح الولد حقيقة يحمل على ذبحه
تقدیرا بذبح الخلف" اهـ ملخصا (٨٥:٥).
وفى "المبسوط": "وجه الاستحسان ما روى أن رجلا سأل ابن عباس عن هذه المسألة
فقال: أرى عليك مائة بدنة، ثم قال: ائت ذلك الشيخ فاسأله، وأشار إلى مسروق، فسأله فقال:
أرى عليك شاة، فأخبر بذلك ابن عباس، فقال: وأنا أرى عليك ذلك. وفى رواية عنه أنه جعل فيه
كفارة اليمين. وعن على رضى الله عنه أنه أوجب فيه بدنة أو مائة بدنة. وعن ابن عمر، فقال: أرى
عليك مائة من الإبل. واحتج بنذر عبد المطلب وإقراعه بين عبد الله وبين عشرة من الإبل، فخرجت
القرعة عليه فما زال يزيد عشرا عشرا حتى بلغت الإبل مائة فخرجت القرعة عليها ثلاث مرات فنحرها.

٤٤٤
من نذر نحر نفسه أو ابنه
إعلاء السنن
من الإجماع أن يشتهر قول ولا يظهر خلافه:
والصحابة رضى الله عنهم اتفقوا على صحة النذر، واختلفوا فيما يخرج به، فاستدللنا
بإجماعهم على صحة النذر، لأن من الإجماع أن يشتهر قول بعض الكبار منهم ولا يظهر خلاف
ذلك، ولا شك أن رجوع ابن عباس إلى قول مسروق قد اشتهر ولم يظهر من أحد منهم خلافه.
والذى روى عن مروان: أخطأ الفتيا لا نذر فى معصية الله. شاذ لا يلتفت إليه، فإن قول مروان
لا يعارض قول الصحابة. ثم أخذنا بفتوى ابن عباس ومسروق فى إيجاب الشاة، لأن هذا القدر
متفق عليه، ولأن من أوجب الشاة إنما أوجبها استدلالا بقصة الخليل صلوات الله عليه. ومن أوجب
مائة من الإبل فإِنما أوجبها استدلالا بفعل عبد المطلب، والأخذ بفعل الخليل صلوات الله عليه أولى
من الأخذ بفعل عبد المطلب، وهو الاستدلال الفقهى فى المسألة" اهـ ملخصا (١٤٠,١٣٩:٨).
وأما قصة نذر عبد المطلب بذبح ولده عبد الله والإقراع بينه وبين الإبل، فأخرجه ابن سعد
عن ابن عباس، والحاكم وابن جرير والأموى فى مغازيه من طريق الصنابحى عن معاوية. وفيه قول
الأعرابى لرسول الله مَّ ◌ُّه، ولم ينكر عليه. كذا فى الخصائص الكبرى (٤٥:١). وتعدد الطرق
يفيد الحديث قوة. وقال الحاكم فى "المستدرك": "وقد كنت أرى مشايخ الحديث قبلنا وفى سائر
المدن التى طلبنا الحديث فيه وهم لا يختلفون أن الذبح إسماعيل، وقاعدتهم فيه قول النبى عّ لّه: أنا
ابن الذبيحين. إذ لا خلاف أنه من ولد إسماعيل، وأن الذبيح الآخر أبوه الأدنى عبد الله بن عبد
المطلب" اهـ (٥٥٩:٢). وفيه دليل على أن قوله مّ له: "أنا ابن الذبيحين" كان ثابتا مشهورا عند
المحدثين من مشايخ الحديث فافهم.
وأما اختلاف الصحابة فى هذا الباب أى فى من نذر نحر نفسه أو ابنه: "فروينا من طريق
. عبد الرزاق عن ابن جريج، أخبرنى يحيى بن سعيد الأنصارى، قال: سمعت القاسم ابن محمد
يقول: سئل ابن عباس عمن نذر أن ينحر ابنه، فقال: لا ينحر ابنه، وليكفر عن يمينه، فقيل لابن
عباس: (لعل القائل مروان كما يدل عليه كلام المبسوط) كيف تكون فى طاعة الشيطان كفارة؟
فقال ابن عباس: الذين يظاهرون ثم جعل فيه من الكفارة ما رأيت. ومن طريق ابن جريج عن
عطاء، قال: جاء رجل إلى ابن عباس، فقال له: نذرت لأنحرن نفسى، فقال ابن عباس: ﴿لقد كان
لكم فى رسول الله أسوة حسنة﴾. ﴿وفديناه بذبح عظيم﴾ فأمره بكبش. ومن طريق عبد الرزاق

ج - ١١
من نذر نحر نفسه أو ابنه
٤٤٥
عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس، أنه قال فى رجل نذر أن ینحر نفسه، قال: ليهدی
مائة ناقة. ومن طريق شعبة عن عمرو بن مرة، قال: سمعت سالم بن أبى الجعد قال: جاء رجل إلى
ابن عباس، قال: نذرت أن أنحر نفسى، فقال: انظر دينك فاجعلها فى بدن، فاهدها فى كل عام
شيئا، ولو لا أنك شددت على نفسك لرجوت أن يجزيك كبش". (فيه دلالة على أن ابن عباس إنما
كان يشدد على من شدد على نفسه وإلا فكان الكبش مجزئا عنده) ذكر الآثار ابن حزم فى
"المحلى"، وقال: "هذه الآثار فى غاية الصحة" اهـ.
وفيه أيضا: " من طريق قتادة من ابن عباس، أنه أفتى رجلا نذر أن ينحر نفسه. بأن ينحر مائة
بدنة، فلما ولى الرجل قال ابن عباس: أما لو أمرته بكبش لأجزا عنه. ومن طريق ابن حبيب
الأندلسى وهو ساقط: حدثنى ابن المغيرة عن الثورى عن إسماعيل ابن أمية عن عثمان بن حاطب،
أن عليا وابن عباس وابن عمر سئلوا عن ذلك بعد ذلك (أى بعد إفتائهم من نذر أن يهدى ابنه
بإهداء مأة من الإبل) فقالوا: ينحر بدنة، فإن لم يجد فكبشا" اهـ (١٧,١٦:٨).
قلت: "عبد الملك بن حبيب كان قد جمع علما عظيما، كان فقيها مفتيا أثنى عليه ابن المواز
بالعلم والفقه، كان حافظا للفقه على مذهب مالك نبيلا فيه، غير أنه لم يكن له علم بالحديث
ولا معرفة بصحيحه من سقيمه. وقال بعضهم: كان الفقهاء يحسدون عبد الملك لتقدمه عليهم
بعلوم لم يكونوا يعلمونها ولا يسرعون فيها. قال القاضى منذر بن سعيد: لو لم يكن من فضل عبد
الملك إلا أنك لا تجد أحدا ممن يحكى عنه معارضته والرد لقوله ساواه فى شىء، وأكثر ما تجد
أحدهم يقول: كذب عبد الملك، أو أخطأ، ثم لا يأتى بدليل على ما ذكره" اهـ ملخصا من الديباج
المذهب لابن فرحون (١٥٦).
وبالجملة: فلم يأت عن صحابى(١) أنه جعل النذر بذبح الولد لغوا، بل محصل ما جاء عنهم
(١) بيد ما جاء عن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، كما فى المغنى: "وهو مختلف فى صحبته، كما يظهر من ترجمته فى
التهذيب. روى الجوزجاني بسنده عن الأوزاعى، قال: حدثنى أبو عبيد قال: جاء رجل إلى ابن عمر، فقال: إنى نذرت أن
أنحر نفسى، قال: فتجهمه ابن عمر وأقف منه. ثم أتى ابن عباس، فقال له: اهد مائة بدنة، ثم أتى عبد الرحمن بن الحارث بن
هشام، فقال له: أرأيت لو نذرت أن لا تكلم أباك أو أخاك؟ إنما هذه خطوة من خطوات الشيطان استغفر الله وتب إليه، ثم
رجع إلى ابن عباس. فقال: أصاب عبد الرحمن ورجع ابن عباس عن قوله" اهـ (٢١٨:١١). وهذا معضل، فإن أبا عبد من
أتباع التابعين، وأيضا: فإنما هو فيمن نذر نحر نفسه لا من نذر ذبح ولده. والكلام إنما هو فى الثانى دون الأول، وحكم النذر

٤٤٦
من نذر نحر نفسه أو ابنه
إعلاء السنن
أنهم جعلوه نذرا صحيحا وإن اختلفوا فيما يخرج به عنه. فالحق ما ذهب إليه أبو حنيفة ومحمد
منا، وبه قال أحمد كما ذكره الموفق فى "المغنى" (٢١٧:١١).
وأما ما رواه الطبرانى فى "الكبير" عن ابن عباس قال: "جاء رجل وأمه إلى النبى عّ لّه وهو
يريد الجهاد وأمه تمنعه، فقال له النبى معَّه: قر عند أمك قر، فإن لك من الأجر عندها مثل ما لك
فى الجهاد، وجاءه آخر، فقال: إنى نذرت أن أنحر نفسى. فشغل النبى معَّ له، فذهب الرجل، فوجد
ينحر نفسه، فقال النبى ◌ّ له: الحمد لله الذى جعل فى أمتى من يوفى بالنذر، ويخاف يوما
كان شره مستطيرا. هل لك من مال؟ قال: نعم! قال: أهد مائة ناقة، واجعلها فى ثلاث سنين،
فإنك لا تجد من يأخذها منك معا". ففيه رشدين ابن كريب وهو ضعيف جدا جدا. كذا فى
مجمع الزوائد" (١٨٩:٤).
ويعارضه ما رواه شعبة عن عمرو بن مرة: قال: "سمعت سالم بن أبى الجعد قال: جاء رجل
إلى ابن عباس، فقال له: إنى كنت أسيرا فى أرض العدو، فنذرت إن نجانى الله أن أفعل كذا، وأنحر
نفسى، وأنى قد فعلت ذلك، قال: وفى عنقه قد، فأقبل ابن عباس على امرأة سألته، وغفل عن
الرجل، فانطلق لينحر نفسه، فسأل ابن عباس، فقيل له: ذهب لينحر نفسه، فقال: على بالرجل،
فجاء فقال: لما أعرضت عنى انطلقت أنحر نفسى، فقال له ابن عباس: لو فعلت ما زلت فى نار
جهنم، انظر ديتك فاجعلها فى بدن فأهدها فى كل عام شيئا. ولو لا أنك شددت على نفسك
لرجوت أن يجزيك كبش". رواه ابن حزم فى "المحلى" (١٦:٨). وصححه فى غاية الصحة كما مر
مختصرا. فالحديث هذا وانقلب على رشدين، فعكس الذم مدحا، وجعل الموقوف مرفوعا. ولو كان عند
ابن عباس أن رسول الله عَّ مدح الذى ذهب ينحر نفسه، لم يقل للذى فعل ذلك بعده: "لو
فعلت ما زلت فى نار جهنم". وفى رواية للطيرانى فى "الكبير" عن ابن عباس، قال: "من نذر أن
ينحر نفسه أو ابنه فليذبح كبشا". ورجاله رجال الصحيح، كما فى "مجمع الزوائد" (٤: ١٩٠).
تذييل: قد جاء فى الحديث ما يدل بظاهره أن قضاء النذر عن الميت واجب، وليس هذا على
بنحر نفسه لم يذكر فى ظاهر الروايات. وذكر فى نوادر هشام أنه على الاختلاف كذا فى البدائع (٨٥:٥) ومقتضى قواعد
المذهب أن لا يصح النذر بذبح غير الولد من الوالدين والجد والجدة والعبد والنفس ونحوها. ويصح بذبح ابن الإبن، لأن النذر
بذبح الولد إنما ثبت بالنص على خلاف القياس، فلا بقياس عليه غيره، وابن الإبن من الولد، فلا يكون إثبات النذر بذبحه
بالقياس، بل بدلالة النص فافهم.

ج - ١١
حكم قضاء النذر عن الميت
٤٤٧
الإطلاق. فلنفصل: فقد روى البخارى عن ابن عباس رضى الله عنه، "أن سعد بن عبادة الأنصارى
استفتى النبى عّ لِّ فى نذر كان على أمه، فتوفيت قبل أن تقضيه، فأفتاه أن يقضيه عنها فكانت سنة
بعد" (٩٩١:٢) فهذا الحديث مطلق. ولكن لا يخفى أن أحدا لا يزر وزر آخر كما عرف،
والحديث محتمل لمعنى الوجوب ومعنى الاستحباب. والثانى هو الظاهر، ويخرج منه الصوم
والصلاة بما مر من الأدلة فى كتاب الصوم، نعم! لو كان للميت مال وقد أوصى بما كان يجب
عليه من النذر وغيره يجب على الموصى أن يؤدى عنه من ماله من الثلث، فإن الوصية بهذا
صحيحة كما علم فى الفقه. وذهب أهل الظاهر إلى وجوب القضاء على الولى بظاهر الأخبار
الواردة فيه، مثل ما روته عائشة من قوله مَّ له: ((من مات وعليه صيام صام عنه وليه". وعن ابن
عباس: "جاء رجل إلى النبى معَّ، فقال: يا رسول الله! إن أمى ماتت وعليها صوم شهر، أ فأصوم
عنها، قال: أرأيت لو كان على أمك دين أ كنت قاضية؟ قال: نعم! قال: فدين الله أحق أن
يقضى". رواه البخارى وغيره. وقد تقدم الجواب عن ذلك فى الجزء التاسع من الكتاب فى باب
الصوم: أن معنى قوله: "صام عنه وليه" ونحوه أن يؤدى عنه صيامه على النحو الذى شرعه الله
للعاجز عن الصيام، وهو قوله: "وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين". فسره ابن عباس بالشيخ
الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما، فليطعما مكان كل يوم مسكينا. رواه البخارى.
ولم يقل أحد بصوم الولى عن قريبه العاجز عن الصوم فى حياته. فلما لم تصح النيابة فى الصيام فى
حال الحياة لم تصح بعد الممات أيضا. فإن الأصل فى الخلافة أن لا تصح إلا بالاستخلاف، وهو فى
الحياة أمكن منه بعد الممات أيضا. ولكن النيابة فى الصلاة والصوم لا تصح فى الحياة مع
الاستخلاف أيضا، فكيف تصح بعد الممات؟
لا يقال: هذا تعليل بمعرض النص، لأنا نقول بكون النص مؤولا بما قلنا: ودليل التأويل قول
الراوى وفتواه، فهذه عائشة قد روت عن رسول الله عرّ له ما روت، ثم سألتها عمرة بنت عبد
الرحمن: "إن أمى توفيت وعليها صيام رمضان، أ يصلح أن أقضى عنها؟ فقالت: لا، ولكن
تصدقى عنها مكان كل يوم على مسكين خير من صيامك ". رواه الطحاوى وسنده صحيح. وهذا
عبد الله بن عباس روى عنه النسائى بإسناد صحيح قال: "لا يصلى أحد عن أحد، ولا يصوم أحد
عن أحد". وقد تقدم كل ذلك فى باب الصيام، والصحابى الذى قد روى الحديث هو أعرف
الناس بمراد النبى معَّه، لا سيما إذا كان فقيها. فثبت أن ليس معنى قول النبى معَّ له: ((من مات

٤٤٨
حكم قضاء النذر عن الميت
إعلاء السنن
وعليه صيام صام عنه وليه)). ما ذهب إليه أهل الظاهر، بل معناه أدى عنه وليه صيامه بطريق الفدية
والتصدق على المساكين.
وأما ما روى عن ابن عباس وابن عمر: "أنهما أمرا امرأة جعلت أمها على نفسها صلاة
بقباء، فقالا: صلى عنها". فمحمول على أن ت لى لنفسها وتهدى ثوابها إلى الميت، والأمر
للندب. فقد أجمعت الأمة على أنه لا يؤمن أحد عن أحد، ولا يصلى أحد عن أحد قاله ابن القصار
المالكى عن المهلب. وقال أيضا: " لما لم يجز الصوم عن الشيخ الهرم فى حياته فكذا بعد مماته".
کذا فی العینی علی البخاری (٢٨٤:٥).
وقد روى الترمذى عن ابن عمر رفعه: "فى رجل مات وعليه صيام يطعم عنه من كل يوم
مسكين". قال القرطبى فى شرح الموطأ: إسناده حسن. وحديث: ((من مات وعليه صيام صام عنه
وليه". وإن كان متفقا عليه فمداره على عبيد الله بن أبى جعفر المصرى، وهو مختلف فيه، قال
مهنأ: سألت أحمد عن حديث عبيد الله بن أبى جعفر عن محمد بن جعفر عن عروة عن عائشة
مرفوعا: ((من مات وعليه صيام)). فقال أبو عبد الله (أحمد): ليس بمحفوظ، وهذا من قبل عبيد الله
ابن أبى جعفر، وهو منكر الأحاديث وكان فقيها. وأما الحديث فليس هو فيه بذاك". وقال
البيهقى: "رأيت بعض أصحابنا ضعف حديث عائشة هذا" اهـ ملخصا من العينى أيضا (السابق).
فيجب رد ما اختلف فيه إلى ما أجمع عليه وهو الاقتداء فافهم.
· قال ابن حزم: "فإن كان نذره صلاة صلاها عنه وليه، أو صوما كذلك أو حجا كذلك، أو
عمرة كذلك، أو اعتكافا كذلك، أو ذكرا كذلك، وكل بر كذلك". (قلت: ولم لم يقل: وإيمانا
كذلك؟ فمن نذر إن شفاه الله من مرضه آمن وأسلم، ثم عوفى ولم يف بنذره، ومات كافرا آمن
عنه وليه؟ وإلا فما الفرق بين الصلاة والذكر والإيمان؟ وأى بر أعظم من الإيمان)؟ قال: "فإن أبى
الولى استؤجر من رأس ماله من يؤدى دين الله قبله". (قلت: وما الدليل على وجوب هذا
الاستئجار؟ والذى ثبت بالحديث إنما هو صوم الولى عن الميت دون صوم الأجير، وهل هذا إلا
مجرد الرأى؟ أو لا يستحيى ابن حزم من إثبات الوجوب بمجرد الرأى، وهو القائل أن القياس
باطل. ولا شك فى بطلان قياس مثله، فإن مثل هذا القياس لا يكاد يصدر ممن له أدنى إلمام
بالكتاب والسنة وفقه معانيهما). قال: "ومن تعمد النذور ليلزمها من بعد فهى غير لازمة لا له
ولا لمن بعده" اهـ (٢٨:٨).

29
ج - ١١
حکم قضاء النذر عن الميت
٤٤٩
قلت: وما معيار هذا التعمد فى حق من هو بعده؟ إذا لم يقر الناذر بأنه تعمد النذر ليلزمها
الأولياء من بعده. وإذا لم يكن له معيار فهل توجبه على الولى بمجرد الاحتمال والشك؟
وقد اعترفت فى "المحلى" (٤٥:٨) وفى غير ما موضع منه بأنه لا يجوز الإيجاب بالشك، فبان
بذلك أن كل ما قاله الظاهریة فی هذا الباب مجرد تحکم بلا دليل.
قال الموفق فى "المغنى": "وقال أهل الظاهر: يجب القضاء (أى قضاء النذر) على الولى
بظاهر الأخبار الواردة فيه، وجمهور أهل العلم على أن ذلك ليس بواجب على الولى، إلا أن يكون
حقا فى المال، ويكون للميت تركة، وأمر النبى معَّ ◌ّ فى هذا محمول على الندب والاستحباب.
(إذا لم يكن أوصى أو أوصى ولم يترك مالا، فيستحب أن يصلى الولى ويصوم لنفسه ويهدى ثوابه
إلى الميت، وإن كان قد ترك مالا وأوصى لزم الوفاء بنذره من الثلث بالتصدق على الفقراء، كما هو
مبسوط فى الفقه، وتقدمت الإشارة إلى دلائله). وبدليل قرائن فى (هذا) الخبر، منها أن النبى عد له
شبههه بالدين، وقضاء الدين عن الميت لا يجب على الوارث ما لم يخلف تركة يقضى بها" اهـ
(٣٧٠:١١). فبطل احتجاج ابن حزم بما ذكره فى كتاب الصيام والزكاة والحج من قوله عد له:
"دين الله أحق أن يقضى" على وجوب كل ذلك على الولى عن مورثه.
وأما احتجاجه بما رواه البخارى عن ابن عباس: "أن سعد بن عبادة الأنصاری استفتی رسول
الله عَّ فى نذر كان على أمه فتوفيت قبل أن تقضيه، فأفتاه عليه السلام أن يقضيه عنها، فكانت
سنة بعده". فهل فيه أن أمه كانت قد نذرت بالصوم أو الصلاة من العبادات البدنية التى هى محل
النزاع؟ فإن أجاب: أن نعم! قلنا: هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين. ولو سلمنا فهل أفتاه عَ لّه بأن
يصوم عن أمه أو يصلى؟ أو أفتاه بأن يتصدق عنها؟ فإن ادعى الأول فليأت بیرهان، وإن اعترف
بالثانی وهو الحق ثبت ما قلنا إنه لا يصلى ولا يصوم أحد عن أحد، بل يتصدق عنه. ثم نسئله هل
كان أمره مَّه سعدا بالتصدق عن أمه على سبيل الوجوب أو على سبيل الندب؟ فإن ادعى الأول
فعليه البيان، وإن أذعن للثانى وهو الحق ثبت ما قلنا إنه لا يجب على الولى التصدق عن الميت ما لم
یخلف مالا ویوص به.
تحقيق الأمر إذا ورد فى جواب السائل:
فإن ادعى أن الأصل فى الأمر الوجوب، قلنا: نعم! ولكنه ورد ههنا فى جواب السائل.
وجوابه يختلف باختلاف مقتضى السؤال. فإن كان مقتضاه السؤال عن الإباحة فالأمر فى جوابه

٤٥٠
حكم قضاء النذر عن الميت
إعلاء السنن
يقتضى الإباحة، وإن كان السؤال عن الإجزاء فالأمر فى جوابه يقتضى الإجزاء، كقولهم
أنصلى فى مرابض الغنم؟ قال: صلوا فى مرابض الغنم. وإن كان السؤال عن الوجوب فأمره
يقتضى الوجوب، وسؤال السائل فى مسألتنا كان عن الإجزاء، فأمره مع لم يقتضى الإجزاء
لا غير. كذا فى "المغنى" (٣٧٠:١١).
والدليل على أن السؤال كان عن الإجزاء ما رواه البخارى فى كتاب الوصايا عن ابن عباس:
"أن سعد بن عبادة توفيت أمه وهو غائب عنها، فأتى النبى معٍَّ، فقال: يا رسول الله! إن أمى
توفيت وأنا غائب عنها، فهل ينفعها شىء إن تصدقت به عنها؟ قال: نعم! قال: فإنى أشهدك أن
حائطى المخراف صدقة عليها" (٣٨٧:١). فقوله: "فهل ينفعها؟" صريح فى السؤال عن الإجزاء،
فيحمل الأمر على ذلك دون الوجوب.
فإن قيل: "إن الحجة فى هذا الحديث إنما هو قوله: فكانت سنة بعده. ومعناه أن قضاء
الوارث ما على المورث صار طريقة شرعية". قلنا: وأين فيه الوجوب؟ فإن الطريقة الشرعية أعم من
أن يكون وجوبا أو ندبا. وأيضا: فإن هذه الزيادة لم نرها فى غير رواية شعيب عن الزهرى، فقد
أخرج الشيخان من رواية مالك والليث، وأخرجه مسلم أيضا من رواية ابن عيينة ويونس ومعمر
وبكر بن وائل، والنسائى من رواية الأوزاعى، والإسماعيلى من رواية موسى بن عقبة وابن أبى
عتيق وصالح بن كيسان، كلهم عن الزهرى بدونها. قال الحافظ فى الفتح: "وأظنها من كلام
الزهرى، ويحتمل من شيخه" اهـ (٥٠٧:١١). قلت: ويحتمل أن تكون من كلام شعيب، فلو
كانت من كلام الزهرى أو شيخه لما فاتت عن جميع أصحابه غير شعيب، وإذا جاء الاحتمال بطل
الاستدلال، ولا يكاد يثبت بالظن شىء، فبطل استدلال ابن حزم للظاهرية ومن وافقهم بهذه الزيادة
على أن الوارث يلزمه قضاء النذر عن مورثه فى جميع الحالات.
قال: وقد وقع نظير ذلك فى حديث الزهرى عن سهيل فى اللعان، لما فارقها الرجل قبل أن
يأمره النبى معَّه بفراقها قال: "فكانت سنة" (فتح البارى ٥٠٧:١١). قلت: ليس هذا نظير ذاك،
فقد وقع التصريح فى رواية أبى داود بأنه من قول سهل، ولفظه: "قال سهل: حضرت هذا عند
· رسول الله عَّ ◌ُلّه، فمضت السنة بعد فى المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم لا يجتمعان أبدا" (الزيلعى
٤٣:٢). ولم يقع مثل هذا التصريح فى الزيادة التى زادها شعيب فى حديث سعد بن عبادة فى نذر
أمه: فاحتمل أن تكون من كلام الزهرى أو شيخه، أو من كلام من هو دونهما. ولو سلم أنها من

٤٥١
ج - ١١
باب اشتراط كون المنذور عبادة مقصودة
: ٣٥٧٣- حدثنا أحمد بن عبدة الضبى أنا المغيرة بن عبد الرحمن حدثنى أبى عبد
الرحمن عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن رسول الله مَّ اللّه قال: ((لا نذر إلا
فیما يبتغى به وجه الله ولا يمين فى قطعية رحم)). رواه أبو داود (١١٥:٢) وقد سكت
عنه. وهذا الحديث فى بعض النسخ، وقد كتب بعلامة النسخة على حاشية السنن
المعروف فى ديارنا، وقد عزاه الشيخ ابن تيمية فى المنتقى إلى أبى داود، وقرره عليه
القاضى الشو کانی فی نيل الأوطار (٤٧٩:٢) قلت: إسناده محتج به وإن كان فى بعض
رواته اختلاف. فإن الاختلاف غير مضر كما عرفت غير مرة. وأخرجه أحمد بلفظ:
إنما النذر ما يبتغى به وجه الله. سكت عنه الحافظ فى "الفتح" (١١: ٥١٠) واحتج به.
كلام الزهرى أو شيخه فقد اختلف فى نذر أم سعد، فقيل: كان صوما، لما رواه مسلم البطين عن
سعيد بن جبير عن ابن عباس: جاء رجل فقال: يا رسول الله! إن أمى ماتت وعليها صوم شهر
فأقضيه عنها؟ قال نعم!" الحديث وتعقب بأنه لم يتعين أن الرجل المذكور هو سعد بن عبادة. وقيل:
كان عتقًا، قالوا ابن عبد البر، واستدل بما أخرجه من طريق القاسم بن محمد: "أن سعد بن عبادة
قال: يا رسول الله! إن أمى هلكت فهل ينفعها إن أعتق؟ قال: نعم!" وتعقب بأنه مع إرساله ليس فيه
التصريح بأنها كانت نذرت ذلك. وقيل: كان نذرها صدقة، بدليل ما فى الموطأ وغيره من وجه
آخر: "عن سعد بن عبادة أن سعد أخرج مع النبى معَّهِ، فقيل لأمه: أوص. قالت: المال مال سعد.
فتوفيت قبل أن يقدم، فقال: يا رسول الله! هل ينفعها إن أتصدق عنها؟ قال: نعم!" وعند أبى داود
من وجه آخر نحوه، وزاد: "فأى الصدقة أفضل؟ قال: الماء" الحديث وليس فى شىء من ذلك
التصريح بأنها نذرت ذلك قاله الحافظ فى "الفتح" (٥٠٧:١١). ولو سلم أنها كانت قد نذرت
فليس فى الحديث ما يدل على لزوم قضاء نذرها على سعد كما مر ذكره مستوفى، فهل تمسك
ابن حزم بهذا الحديث واستدلاله به على أن الوارث يلزمه قضاء النذر عن مورثه فى جميع
الحالات إلا تحكم، وهل إقذاعه فى الكلام وطعنه على مقلدى الأئمة الكرام إلا شيمة المجادلين
بالباطل والسلام.
باب اشتراط كون المنذور عبادة مقصودة
قوله: "حدثنا أحمد" إلخ. قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة. فإن ما ينبغى به وجه الله:

٤٥٢
اشتراط كون المنذور عبادة مقصودة
إعلاء السنن
٣٥٧٤- عن ابن عباس، قال: "بينا النبى معَّ يخطب إذا هو برجل قائم، فسأل
عنه، فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم، ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم ويصوم، فقال .
النبى معَّ: مره فليتكلم ويستظل وليقعد وليتم صومه". رواه البخارى (٢: ٩٥١).
ظاهر فى العبادة المقصودة، فغير المقصودة لا يبتغى به وجه الله إلا بواسطة، والمطلق إذا أطلق يراد به
الفرد الكامل. فالمراد العبادة المقصودة لا غير فافهم. ويؤيده ما مر من أنه مرّ ت ألغى تعيين بيت
المقدس للصلاة فى النذر، مع أن للصلاة فيه فضلا، فدل على أن النذر بعبادة غير مقصودة
لا ینعقد، ولا یجب إيفاءه.
قوله: "عن ابن عباس" إلخ. قال المؤلف: دلالة الحديث على الباب من حيث أنه عّ لّه أقر
الناذر على الصوم الذى هو عبادة، وأبطل ما نذر به من المباحات ولم يأمر بكفارة. وفى "فتح
البارى" (٥٠٩:١١): "واحتج من قال: إنه يشرع فى المباح بما أخرجه أبو داود من طريق عمرو
ابن شعيب عن أبيه عن جده، وأخرجه أحمد والترمذى من حديث بريدة: أن امرأة قالت: يا رسول
الله! إنى نذرت أن أضرب على رأسك بالدف، فقال: أوف بنذرك. وزاد فى حديث بريدة: أن
ذلك وقت خروجه فى غزوة، فنذرت إن رده الله تعالى سالما. قال البيهقى: ويشبه أن تكون أذن لها
فى ذلك لما فيه من إظهار الفرح بالسلامة، ولا يلزمه من ذلك القول بانعقاد النذر به" اهـ.
قال بعض الناس: "يعكر على هذا التأويل ما فى رواية أحمد فى حديث بريدة: إن كنت
نذرت فاضربی، وإلا فلا. کما فی "فتح البارى" (٥١٠:١١). فإنه يدل على أن الإذن کان ملا كه
ومداره النذر، فيقوى ما ذكره فى "فتح البارى" (٥١٠:١١)، احتمالا، فقال: ويمكن أن يقال: إن
من قسم المباح ما قد يصير بالقصد مندوبا، كالنوم فى القائلة للتقوى على قيام الليل، وأكلة السحر
للتقوى على صيام النهار، فيمكن أن يقال: إن إظهار الفرح بعود النبى معَ ◌ّ سالما معنى مقصود
يحصل به الثواب.
قال بعض الناس: "ولكن ذلك لا يتمشى على مذهب الحنفية، حيث اشترطوا لصحة النذر
كون المنذور من جنسه واجب، وضرب الدف ليس من جنسه واجب، على أن ظاهر أحاديث المتن
يدل على أن النذر ينعقد بمجرد كونه طاعة مندوبا كان أو فرضا أو واجبا" اهـ.
قلت: أما قوله: "إن ذلك لا يتمشى على مذهب الحنفية". ففيه أنه لا يتأتى على مذهب
واحد من العلماء من غير تأويل، ألم تر البيهقى والحافظ كيف تجشما لتأويله؟ وإذا كان كذلك فهو

ج - ١١
اشتراط كون المنذور عبادة مقصودة
٤٥٣
يتأتى على مذهب الحنفية أيضا بحمل قوله عَّ له: ((إن كنت نذرت فاضربى وإلا فلا)) على تطييب
قلب المرأة، ولذا علق الإذن على النذر، لما فى الامتناع عن إيفائه من كسر قلبها، فأراد جبره بذلك،
لا أن النذر بمثل ذلك منعقد يجب الوفاء به. يؤيد ذلك أن فى آخر الحديث: "أن عمر دخل
فتركت، فقال النبى مرّ له: إن الشيطان ليخاف منك يا عمر"! (فتح البارى ٥١٠:١١). فلو كان
ذلك لصحة النذر رد وجوب الوفاء به ومما يتقرب به ما قال ذلك، ولا يشكل نسبته إلى الشيطان
على كونه مباحا، لأن من المباحات ما يشبه اللهو فينسب إلى الشيطان صورة. وقريب من قصتها
قصة القنيتين اللتين كانتا تغنيان عند النبى عرّ له، فأنكر أبو بكر عليهما، وقال: أ بمزمور الشيطان
عند النبى عّ لّ؟ فأعلمه بإباحة مثل ذلك فى يوم العيد، ألا ترى أن أبا بكر سمى الغناء بمزمور
الشيطان لکونه من جنس الملاهى؟ وهو مباح فى العيد وغيره من المواضع یباح فيه إظهار السرور،
ويكون من شعائر الدين كالأعراس والولائم. كذا فى حاشية المشكاة عن "المرقاة" (١٠٣:١).
قال الحافظ فى الفتح: " ویدل على أن النذر لا ینعقد فى المباح حديث ابن عباس (المذكور
فى المتن ثانيا) فإنه أمر الناذر بأن يقوم ولا يقعد ولا يتكلم ولا يستظل ويصوم ولا يفطر، بأن يتم
صومه ويتكلم ويستظل ويقعد، فأمره بفعل الطاعة وأسقط عنه المباح، وأصرح من ذلك ما أخرجه
أحمد من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أيضا: إنما النذر ما يبتغى به وجه الله" اهـ.
فبطل قول بعض الناس: إن ظاهر أحاديث المتن يدل على أن النذر ينعقد بمجرد كونه طاعة،
لأن ما يبتغى به وجه الله لا يشتمل المباحات التى قد تصير عبادة بالواسطة، وإلا لم يكن للمنع عن
القيام وعدم الاستظلال وجه، لأنهما أيضا قد تصيران عبادة إذا كان المقصود مجاهدة النفس وقمع
الشهوات، ولا لقول رسول الله عّ لّ لمن نذر أن يصلى فى بيت المقدس: "صل ههنا" معنى، مع أن
للصلاة فيها فضلا، فثبت أن المراد ما يبتغى به وجه الله من غير واسطة، وكل ما هذا شأنه ليس إلا
ما هو من جنسه واجب كما لا يخفى، فقول الحنفية باشتراط كون المنذور عبادة مقصودة من
جنسها واجب، كالتفسير لقوله عَّه: ((إنما النذر ما يبتغى به وجه الله)) فلا يصح النذر بالوضوء
لكل صلاة، فإنه لا يلزم لأنه غير مقصود لنفسه، ولا أجر فى الوضوء لمن لم يرد به التهيؤ للصلاة،
وأراد تبريد الأعضاء أو نظافة الجسم ونحوها. وكذا النذر بعيادة المريض، لأنه ليس من جنسه
واجب ويصح بالاعتكاف، لأن من شرطه الصوم ومن جنسه واجب، لأن التزام المشروط التزام
الشرط، كمن نذر ركعتين بلا قراءة ألزمناه ركعتين بقراءة، أو نذر أن يصلى ركعة ألزمناه ركعتين.

٤٥٤
اشتراط كون المنذور عبادة مقصودة
إعلاء السنن
الجواب عن إيراد ابن الهمام على لزوم الاعتكاف بالنذر:
فاندفع الإيراد الذى أورده المحقق فى "الفتح" (٤: ٤٥١) على لزوم الاعتكاف بالنذر،
واستبعد توجيهه بأن من شرطه الصوم إلخ: "بأن وجوب الصوم فرع وجوب الاعتكاف بالنذر.
والكلام الآن فى صحة وجوب المتبوع، فكيف يستدل على لزومه بلزومه؟ ولزوم الشرط فرع لزوم
المشروط" اهـ. وتقرير الجواب: أن المشروط ههنا كناية عن الشرط، كنذر المشى إلى بيت الله كناية
عن إيجاب الإحرام. وإذا كان المشروط كناية عن الشرط لم يكن لزوم الشرط فرع لزوم المشروط،
بل انعكس الأمر. وأجاب صاحب العناية بجواب أخر لا يرد عليه شىء مما أوردوه، فقال:
"ولا يرد الاعتكاف، لأنه لبث فى مسجد جماعة وهو عبادة، لأنه من جنس الوقوف بعرفات، أو
لأنه فى معفى الصلاة، لأنه لانتظار أوقات الصلاة، ولهذا اختص بمسجد جماعة، والمنتظر للصلاة
كأنه فى الصلاة" اهـ (٤٣٦:٦، مع الهداية والفتح).
ودليل اشتراط المنذور بأن يكون من جنسه واجب من جهة النظر أن إيجاب العبد معتبر
بإيجاب الله تعالى، إذ ليس للعبد ولاية الإيجاب مستبدا به، لئلا ينزع الشركة، فما ليس من جنسه
واجب لا يصير واجبا بإيجاب العبد بالنذر، لكونه من جنس التشريع، ولا حق للعبد فى التشريع،
بخلاف ما من جنسه واجب حيث وجد الوجوب من الله تعالى فى الجملة فافهم. قال الحافظ فى
"الفتح": "وزعم بعضهم أن معنى قولها: نذرت. حلفت، والإذن فيه للبر بفعل المباح" اهـ
(٥١٠:١١). قلت: ولا يشترط فى صحة الحلف أن يكون من جنس المحلوف عليه واجب، لكونه
مشتملا على احترام اسم الله تعالى، وهو واجب فى نفسه، فلا وجه لإيقاف اليمين على واجب
آخر غيره فافهم. فإنه من المواهب.
الرد على ابن حزم فى قوله بصحة النذر بكل طاعة:
وبهذا كله اندحض قول ابن حزم بصحة النذر بكل طاعة، سواء كانت عبادة مقصودة أو
غير مقصودة، وكان من جنسها واجب أولا، كالمشى إلى المدينة، وبيت المقدس، وكعيادة المريض،
والتسبيح والتهليل، والذكر ونحوه من البر، ثم أورد بسخافة رأيه على أبى حنينفة ما لا يرد عليه،
فقد عرفت أن أبا حنيفة متمسك فى ذلك بالأثر، وبالصحيح من النظر ويأبى الله إلا أن يتم نوره
ولو كره الكافرون.

ج - ١١
٤٥٥
فائدة فى بعض ما أجمع عليه من مسائل اليمين والنذر:
١- قال الموفق فى "المغنى": "وإذا حلف يمينا واحدة على أجناس مختلفة، فقال: والله
لا أكلت ولا شربت ولا لبست، فحنث فى الجميع، فكفارة واحدة. لا أعلم فيه خلافا، لأن اليمن
واحدة، والحنث واحد. وإن حلف أيمانا على أجناس، فقال: والله لا أكلت، والله لا شربت، والله
لا لبست، فحنث فى واحدة منها، فعليه كفارة. فإن أخرجها ثم حنث فى يمين أخرى لزمته كفارة
أخرى، لا نعلم فى هذا خلافا أيضا، فإن حنث فى الجميع قبل التكفير فعليه فى كل يمين كفارة.
وهو قول أكثر أهل العلم. وعن أحمد تجزئه كفارة واحدة، لأنها کفارات من جنس فتداخلت
كالحدود من جنس، صحح القاضى هذه الرواية، وقال أبو بكر: هو المذهب. ورجح الموفق تعدد
الكفارات، وهو رواية المروزى عن أحمد" (٢١١:١١ و٢١٢). قلت: وقد تقدم أن مذهب
الحنفية موافق للجمهور وذهب محمد إلى التداخل كقول أحمد فتذكر قال: "ولو كرر اليمين
على شىء واحد، مثل أن قال: والله لأغزون قريشا، والله لأغزون قريشا، فحنث فليس عليه إلا
كفارة واحدة. وقال أصحاب الرأى: عليه بكل يمين كفارة، إلا أن يريد التأكيد والتفهيم، ونحوه
عن الثورى وأبى ثور. وعن الشافعى قولان كالمذهبين" اهـ (٢١٠:١١).
قلت: وتتداخل الكفارات عند محمد ههنا أيضا. قال: " ولو حلف على شىء واحد بيمينين
مختلفى الكفارة، كالحلف بالله، وبالظهار، وبعتق عبده، فإذا حنث فعليه كفارة يمين، وكفارة
ظهار، ويعتق العبد، لأن تداخل الأحكام إنما يكون مع اتحاد الجنس، والكفارات ههنا أجناس،
وأسبابها مختلفة، فلم تتداخل" اهـ (٢١٣:١١). لم يذكر فيه خلافا والظاهر أنه مجمع عليه.
٢- قال الموفق: "من حلف بحق القرآن لزمته بكل آية يمين، نص على هذا أحمد. وهو قول
ابن مسعود والحسن، ولم نعرف له مخالفا فى الصحابة، فكان إجماعا. قال أحمد: وما أعلم شيئا
يدفعه، ويحتمل أن كلام أحمد فى كل أية كفارة على الاستحباب لمن قدر عليه، فإنه قال: فإن
لم يمكنه فكفارة واحدة، رده إلى الواحدة عند العجز دليل على أن ما زاد عليها غير واجب. وكلام
ابن مسعود أيضا يحمل على الاختيار والاحتياط لكلام الله، والمبالغة فى تعظيمه، كما أن عائشة
أعتقت أربعين رقبة حين حلفت بالعهد. وليس ذلك بواجب، ولا يجب أكثر من كفارة. لأنها يمين
واحدة، فلم توجب كفارات كسائر الأيمان. وهو قياس المذهب، ومذهب الشافعى، وأُبی عبيد
(والحنفية). لأن الحلف بصفات الله كلها وتكرار اليمين بالله تعالى لا يوجب أكثر من كفارة

٤٥٦
فائدة فى بعض ما أجمع عليه من مسائل اليمين والنذر
إعلاء السنن
واحدة، فالحلف بصفة واحدة من صفاته أولى أن تجزئه كفارة واحدة، ولأن إيجاب كفارات بعدد
الآيات يفضى إلى الحرج" اهـ ملخصا (٢١٤:١١).
الرد على ابن حزم فى مسألة الحلف بالقرآن:
فاندفع ما قاله ابن حزم فى "المحلى": وقد كان يلزم الحنفيين والمالكيين أن يقولوا بقول ابن
مسعود، لأنه لا يعلم له فى ذلك مخالف من الصحابة اهـ (٣٣:٨).
قلت: ولكن النص يخالفه إن لم يحمل على الندب، لأن الله تعالى لم يوجب فى يمين واحدة
أكثر من كفارة واحدة، حيث قال: "فكفارته إطعام عشرة مساكين". وهذه يمين واحدة بلا شك،
وإن نظرنا إلى اشتمال القرآن على آيات كثيرة فليكن الحلف بالله مستلزما لكفارات غير متناهية،
لاشتمال اسم الله على صفاته، وكلماته التى لا تعد ولا تحصى. فإن "الله" علم للذات الواجب
الوجود المستجمع للكمالات فافهم. وأيضا: فهو مخالف لقوله تعالى: ﴿ما جعل علیکم فی الدین
من حرج﴾. وفى إيجاب الكفارات بعدد الآيات من الحرج ما لا يخفى. ولو سلمنا قلنا أن نقول
بوجوب الكفارات بعددها، ثم نقول بتداخلها، لأن الكفارات إذا اتحدت جنسا وسببا تداخلت
عندنا. فلا يجب إلا كفارة واحدة، ولكن ابن حزم قد رد فى هذا الباب ما رواه من طريق عبد
الرزاق عن الحسن ومجاهد، قالا: قال رسول الله عَّ له: ((من حلف بسورة من القرآن فعليه بكل آية
يمين صبر" الحديث بمجرد الرأى والقياس، مع قوله: إن القياس باطل كله، ولا شك أن المرسل
الصحيح المتأيد بقول الصحابى أولى من رأيه وأقدم، وليس له أن ينفصل عنه بما ذكرنا، لكونه
لا يقول بالتداخل فى الكفارات والحدود.
٣- "إن قال (الحالف): عبد فلان حر إن دخلت الدار، ثم دخلها لم يعتق العبد بغير
خلاف، لأنه لا يعتق بإعتاقه ناجزا، فلا يعتق بالتعليق أولى، وهل تلزمه كفارة يمين؟ فيه عن أحمد
روايتان. فإن قال: إن فعلت كذا فمال فلان صدقة، أو فعلى فلان حجة، أو فمال فلان حرام عليه،
أو فلان برىء، من الإسلام ونحوه. فليس ذلك بيمين، ولا تجب به كفارة. ولا نعلم بين أهل العلم
فيه خلافا، لأنه لم يرد الشرع فيه بكفارة، ولا هو فى معنى ما ورد الشرع به (المغنى ٢٢٤:١١).
٤- "لا يجوز التكفير قبل اليمين عند أحد من العلماء، لأنه تقديم للحكم قبل سببه،
فلم يجز كتقديم الزكاة قبل ملك النصاب، وكفارة القتل قبل الحرج" (المغنى ٢٢٤:١١). قلت:
ولا يجوز عندنا قبل الحنث أيضا لهذه العلة بعينها كما تقدم.

ج - ١١
فائدة فى بعض ما أجمع عليه من مسائل اليمين والنذر
٤٥٧
٠٠
٥- قال: "وإن حلف لا يبيع أو لا يزوج، فأوجب البيع والنكاح، ولم يقبل المتزوج
والمشترى، لم يحنث، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعى. ولا نعلم فيه خلافا. وإن حلف لا يهب
ولا يعير، فأوجب ذلك ولم يقبل الآخر. قال القاضى: يحنث، وهو قول أبى حنيفة وابن شريح،
لأن الهبة والعارية لا عوض فيهما، فكان مسماهما الإيجاب والقبول شرط لنقل الملك، وليس هو
من السبب، وقال الشافعى لا يحنث كالبيع والنكاح. فأما الوصية والهدية والصدقة، فقال أبو
الخطاب: يحنث فيها بمجرد الإيجاب ولا أعلم قول الشافعى فيها، إلا أن الظاهر أنه لا يخالف فى
الوصية والهدية، لأن الاسم يقع عليهما بدون القبول" اهـ (٢٣٥:١١).
٦- "وإن حلف لا يتزوج حنث بمجرد الإيجاب والقبول الصحيح، لا نعلم فيه خلافا، لأن
ذلك يحصل به المسمى الشرعى. وإن حلف ليتزوجن بر بذلك. وقال أصحابنا: إذا حلف
ليتزوجن على امرأته، لا يبر حتى يتزوج نظيرتها ويدخل بها. وهو قول مالك، لأنه قصد غيظ
زوجته، ولا يحصل إلا بذلك" اهـ (المغنى ٢٣٦:١١).
قلت: والصحيح عندنا أنه يبر بالإيجاب والقبول الصحيح مطلقا.
٧- "إذا حلف لا يهب له، فأهدى إليه أو أعمره، حنث لأن ذلك من أنواع الهبة،
وإن أعطاه من الصدقة الواجبة، أو نذرا وكفارة لم يحنث، لأن ذلك حق الله تعالى عليه. فليس
بهبة منه، وإن تصدق عليه تطوعا. فقال القاضى: يحنث، وهو مذهب الشافعى، وقال أبو الخطاب:
لا يحنث، وهو قول أصحاب الرأى، لأنهما يختلفان اسما وحكما، بدليل أن النبى مرآة قال: " هو
عليها صدقة ولنا هدية". وكانت الصدقة محرمة عليه، والهدية حلال له، وكان يقبل الهدية،
ولا يقبل الصدقة. ومع هذا الاختلاف لا يحنث فى أحدهما بفعل الآخر" (المغنى ٢٣٨:١١).
٨- من حلف بعتق أو طلاق أن لا يفعل شيئا، ففعله ناسیا حنث. وبهذا قال مجاهد وسعيد
ابن جبير والزهرى وقتادة وربيعة ومالك وأبو عبيد وأصحاب الرأى وهو المشهور عن الشافعى.
وقال عطاء وعمرو بن دينار وابن أبى نجيح وإسحاق وابن المنذر: لا يحنث وهو رواية عن أحمد.
ورجح الموفق رواية الحنث لأن هذا يتعلق به حق آدمى، فتعلق الحكم به مع النسيان كالإتلاف" اهـ
(٢٤١:١١). فكان مما أجمع عليه الأربعة. والله تعالى أعلم.
٩- "أجمع أهل العلم على أن الحانث فى يمينه بالخيار، إن شاء أطعم، وإن شاء كسى،
وإن شاء أعتق، أى ذلك فعله أجزأه، لأن الله تعالى عطف بعض هذه الخصال على بعض

٤٥٨
فائدة فى بعض ما أجمع عليه من مسائل الیمین والنذر
إعلاء السنن
بحرف أو وهو للتخيير".
١٠ - قال: " ولو أعطاهم مكان الطعام أضعاف قيمته ورقا لم يجزه فى قول إمامنا ومالك
والشافعى وابن المنذر. وهو قول عمر بن الخطاب وابن عباس وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير
والنخعى. وأجازه الأوزاعى وأصحاب الرأى، لأن المقصود دفع حاجة المسكين وهو لا يحصل
بالقيمة" اهـ (٢٥٦:١١).
دليل جواز دفع القيمة فى الكفارة:
قلنا: حقيقة الإطعام متروكة اتفاقا، وإلا لوجب أن يغديهم ويعشيهم، ولم يقل أحد، بل
اتفقوا على جواز دفع الحنطة والشعير. فلما كان دفع الطعام إلى المسكين إطعاما لصيرورته قادرا
بذلك على الأكل والطعم كان دفع القيمة إليه إطعاما بالأولى، لتيسر اشتراء الطعام بها فى كل
وقت، والحب قد يعجز المسكين عن طحنه وعجنه، فالظاهر أنه يحتاج إلى بيعه، ثم يشترى بثمنه
خبزا، فيتكلف حمل كلفة البيع والشراء وغبن البائع والمشترى له، وتأخر حصول النفع به، وربما لم
يحصل له بثمنه من الخبز ما يكفيه ليومه فيفوت المقصود مع حصول الضرر. وقد بينا فى كتاب
الزكاة ما يدل على دفع القيمة فيها من الآثار، فالكفارة مثلها، لأن أحدا لم يفرق بينهما فافهم.
١١- قال: "ويعطى (الكفارة) من أقاربه من يجوز أن يعطيه من زكاة ماله. وبهذا قال
الشافعى وأبو ثور، ولا نعلم فيه مخالفا، لأن الكفارة حق مال یجب لله تعالى، فجری مجرى
الزكاة" اهـ (٢٥٧:١١). قال "ويشترط أن يكونوا مسلمين، فلا يجوز صرفها إلى كافر ذميا كان
أو حربيا. وبذلك قال الحسن والنخعى والأوزاعى ومالك والشافعى وإسحاق وأبو عبيد. وقال أبو
ثور وأصحاب الرأى يجوز دفعها إلى الذمى، لدخوله فى اسم المساكين، ويجوز إعتاقه فى الكفارة،
وروى نحو هذا عن الشعبى وهو وجه فى مذهب أحمد" اهـ (٢٥٢:١١).
١٢- "إن أطعم كل يوم مسكينا حتى أكمل العشرة أجزأه بلا خلاف نعلمه، لأن الواجب
إطعام عشرة مساكين وقد أطعمهم، وإن ردد على واحد عشرة أيام فى كفارة يمين، أو ستين يوما
فى كفارة الظهار وإفساد صوم رمضان جاز عند الحنفية بلا شرط، وعند الثورى وهو اختيار أكثر
أصحاب أحمد لا يجزئه إذا وجد عشرة أو ستين مسكينا، ويجزئه إذا لم يجدهم" (المغنى
٢٥٩:١١).

ج - ١١
فائدة فى بعض ما أجمع عليه من مسائل اليمين والنذر
٤٥٩
دليل جواز الترديد على مسكين فى عشرة أيام أو فى ستين يوما:
ولنا: أن ترديد الطعام فى عشرة أيام فى معنى إطعام عشرة، لأنه يدفع الحاجة فى عشرة أيام،
فأشبه ما لو أطعم فى كل يوم واحدا. والشىء بمعناه يقوم مقامه بصورته. وأيضا فالنوم أخو الموت،
وبتجدد الأيام تتجدد الأجسام، وتتجدد حاجتها إلى الشراب والطعام، ولذا جاز الترديد على
واحد فى عشرة أيام إذا لم يجد عشرة. واحتج الجصاص لذلك بعموم قوله تعالى: "فكفارته إطعام
عشرة مساكين"، لأنه عام فى جميع من يقع عليه الاسم منهم، فلو منعناه فى اليوم الثانى كنا
قد خصصنا الحكم فى بعض ما انتظمه الاسم دون بعض، لا سيما فيمن قد دخل فى حكم
الآية بالاتفاق. فإن قيل: " لما ذكر عشرة مساكين لم يجز الاقتصار على من دونهم، كقوله تعالى:
﴿فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾. وقوله: "أربعة أشهر وعشرا".
قلنا: لما كان المقصد فى ذلك سد جوعة المساكين لم يختلف فيه حكم الواحد والجماعة بعد
أن يتكرر عليهم الإطعام، أو على واحد منهم فى عشرة أيام، فكان المعنى المقصود بإعطاء العشرة
موجودا فى الواحد عند تكرار الدفع والإطعام فى عدد الأيام، وليس يمتنع إطلاق اسم إطعام العشرة
على واحد بتكرار الدفع، كما قال تعالى: ﴿يسئلونك عن الأهلة﴾. وهو هلال واحد فأطلق عليه
اسم الجمع لتكرار الرؤية فى الشهور، وكذلك الأمر برمى الجمار بسبع حصيات، فلو رمى بحصاة
واحدة سبع مرات أجزأه، لأن المقصد فيه حصول الرمى سبع مرات، فكذلك لما كان المقصد فى
الكفارة سد جوعة المساكين لم يختلف حكم الواحد إذا تكرر ذلك عليه فى الأيام وبين الجماعة اهـ
ملخصا (٤٥٨:٢) وروى مثل قولنا عن الحسن وكره ابن حزم فى المحلى (٧٢:٨). وبهذا اندفع ما
أورده المحقق فى الفتح على قول أصحابنا بإجزاء الترديد عشرة أيام على مسكين واحد (٤: ١٠٦).
١٣- قال: وإن أطعم اثنين من كفارتين فى يوم واحد جاز. ولا نعلم فى جوازه خلافا،
وكذلك إن أطعم واحدا من كفارتين فى يومين جاز أيضا بغير خلاف نعلمه. وإن أطعم مسكينا فى
يوم واحد من كفارتين ففيه وجهان أحدهما يجزئه والثانى لا يجزئه إلا عن واحد وهو قول أبى
حنيفة وأبى يوسف لأنه أعطى مسكينا فى يوم طعام اثنين فلم يجزئه إلا عن واحد اهـ (٢٦٠:١١).
قلت: هذا إذا كانت الكفارتان من جنس واحد، كما أطعم من ظهارين، وإن أطعم مسكينا
صاعا من بر عن إفطار وظهار أجزأه عنهما، كما فى "الهداية" مع "الفتح" (٤: ١٠٨). وجه
الفرق أن النية فى الجنس الواحد لغو، وفى الجنسين معتبرة، وإذا لغت النية والمؤدى يصلح كفارة

٤٦٠
فائدة فى بعض ما أجمع عليه من مسائل اليمين والنذر
إعلاء السنن
واحدة يقع عنها. ولا يجوز دفع طعام اثنين فصاعدا إلى مسكين فى يوم واحد عن كفارة واحدة
إجماعا، فلا يقع إلا عن واحد. وقال الأوزاعى: "يجوز دفعها إلى واحد". وقال أبو عبيد: "لو
خص بها أهل بيت شديدى الحاجة جاز، بدليل أن النبى معَّه قال للمجامع فى رمضان حسن
أخبره بشدة حاجته وحاجة أهله: أطعمه عيالك". قلنا: الواقع على أهله إنما أسقط الله تعالى الكفارة
عنه (أو أخرها إلى اليسار) لعجزه عنها، فإنه لا خلاف فى أن الإنسان لا يأكل كفارة نفسه،
ولا يطعمها عائلته" اهـ ملخصا من "المغنى" (٢٥٨:١١).
١٤- "لا خلاف فى أن العبد يجزئه الصيام فى الكفارة، لأن ذلك فرض المعسر من
الأحرار، وهو أحسن حالا من العبد، فإنه يملك فى الجملة (والعبد لا يملك) وإن أذن السيد لعبده
فى التكفير بالمال لم يلزمه، لأنه ليس بمالك لما أذن له فيه، وظاهر كلام الخرقى أنه لا يجزئه التكفير
بغير الصيام (وهو قولنا معشر الحنفية) (٢٧٤:١١).
قال: "ولو حنث وهو عبد فلم يكفر حتى عتق عليه فعليه الصوم لا يجزئه غيره. وقال
الشافعى: لا يلزمه التكفير بالمال، فإن كفر به أجزاه (ولم أره صريحًا فى المذهب، ومقتضى القواعد
ما ذهب إليه الخرقى، لأن الشىء ما لم يجب لم يوجد، وإنما يكفر بما وجب عليه يوم حنث. وإن
حلف وهو عبد وحنث وهو حر فحكمه حكم الأحرار، لأن الكفارة لا تجب قبل الحنث فما
وجبت إلا وهو حر" اهـ (٢٧٦:١١).
١٥- "وإن أعتق نصفى عبدين، أو نصفى أمتين أو نصفى عبد وأمة، أجزا عنه. قال
الشريف أبو جعفر: وهذا قول أكثر الفقهاء، وإن أعتق نصف عبد، وأطعم خمسة مساكين
أو کساهم لم يجزئه، لا نعلم فى هذا خلافا" اهـ (٢٨١:١١).
وقول ابن حزم: إن نصفی عبدین لا یسمی رقبة رد علیه لکونه تحکما بلا دليل، فإن صحة
إعتاق نصف العبد دليل على كونه التعتق قابلا للتجزئ، وكل متجزئ فنصفاه فى حكم الكل
بداهة. فمن أعتق نصفى عبدين يقال له أنه قد أعتق عبدا.
١٦- "لو حلف لا يدخل دارا فحمل فأدخلها ولم يمكنه الامتناع لم يحنث، نص عليه
أحمد، وهو قول الشافعى وأبى ثور وأصحاب الرأى، ولا نعلم فيه خلافا، وإن حمل بأمره فأدخلها
حنث" اهـ (٢٨٩:١١). أى إجماعا، ولو حمل بلا أمره فأدخلها وكان يمكنه الامتناع فلم يمتنع
لم يحنث عندنا معشر الحنفية، وحنث عند أحمد. وفى رواية عنه لا.