النص المفهرس

صفحات 421-440

ج - ١١
من نذر المشى إلى بيت الله لزمه المشى فى أحد النسكين
٤٢١
٣٥٤٦- أخبرنا عمر بن ذر الهمدانى قال: "سألت مجاهدا عن الرجل والمرأة
يجعل عليه المشى إلى بيت الله، قال: يمشى ما أطاق، ويركب إذا عجز، ويدخل الحرم
ماشیا إلى بيت الله، ويهدى لركوبه هديا". رواه محمد فى الحجج له (١٧٨)، وروى
مثله عن عطاء من طريق مالك عن يحيى بن سعيد عنه فى الموطأ، والسندان صحيحان،
وعمر بن ذر من رجال البخارى ثقة. (تقريب ١٥٤).
٣٥٤٧- عن عكرمة عن ابن عباس: أن عقبة بن عامر سأل النبي عّ لّه، فقال: إن
أخته نذرت أن تمشى إلى البيت، وشكا إليه ضعفها، فقال النبى معَّ فٍّ: إن الله غنى عن
نذر أختك، فلتركب ولتهد بدنة. رواه أحمد وفى لفظ: "إن أخت عقبة بن عامر نذرت
أن تمشى إلى البيت وأنها لا تطيق ذلك، فأمرها النبى معَّ ◌ُّ أن تركب وتهدى هديًا".
رواه أبو داود وسكت عنه هو والمنذرى ورجاله رجال الصحيح وقال الحافظ فى
التلخيص: إسناده صحيح (نيل الأوطا ٨: ٤٨٣). وفى فتح القدير (٤: ٤٥٢): وسنده
حجة، ولفظ البخارى ومسلم: فقال عّ لٍّ: لتمش ولتركب. (فتح البارى ٥١١:١١).
٣٥٤٨- عن ابن عباس رضى الله عنهما، قال: "جاء رجل فقال: يا رسول الله!
إن أختى حلفت أن تمشى إلى البيت، وأنه يشق عليها المشى، فقال: مرها فلتركب إذا لم
تستطع أن تمشى، فما أغنى الله أن يشق على أختك". أخرجه الحاكم، وسكت عنه
الحافظ فى "الفتح" (٥١١:١١). قلت: قال الحاكم فى "المستدرك" (٣٠٢:٤):
صحيح الإسناد، وأقره علیه الذهبى.
قوله: عن عكرمة عن ابن عباس إلخ. قلت: قد ثبت عند الشيخين أنه عّ لّه أمرها بالمشى
والركوب جميعا، وثبت عند أحمد وأبى داود أن سبب ذلك علمه بأنها لا تطيق المشى، فثبت أن
من نذر المشى إلى بيت الله لزمه المشى ما أطاق، فإذا عجز ر کب وأهدی هدیا لر کوبه، وفيه رد
على ابن حزم حيث قال: فإن شق عليه المشى إلى حيث نذر من ذلك فلير كب ولا شىء عليه اهـ.
قال الشوكانى فى النيل: "ويرد قول من قال بأنه لا كفارة (ولا هدى) مع العجز، وتلزم مع
عدمه ما وقع فى حديث عكرمة عن ابن عباس، وفى الرواية التى بعده، فإنهما مصرحان بوجوب
الهدى مع ذكر ما يدل على العجز من الضعف وعدم الطاقة" اهـ (٤٨٥:٨).
قوله: "عن ابن عباس". وقوله: "عن الحسن" إلخ. دلالتهما على معنى الباب بأثر أجزاءه

٤٢٢
من نذر المشى إلى بيت الله لزمه المشى فى أحد النسكين
إعلاء السنن
٣٥٤٩- عن الحسن بن عمران رفعه: ((إذا نذر أحدكم أن يحج ماشيا فليهد
هديا ولير كب". رواه البيهقى، وفى سنده انقطاع (فتح البارى ٥١١:١١)، قال
البيهقى: "لا يصح سماع الحسن من عمران". قلت: قد قدمنا قريبا الاستدلال على
صحة سماع الحسن من عمران من "الجوهر النقى" (١٢٨:٢، ١٣٩)، ونصه: قال ابن
حبان: سمع الحسن من عمران، وكذا قال الحاكم فى "المستدرك". وقال: إن أكثر
مشايخنا على أنه سمع منه، وذكر صاحب الكمال أنه سمع منه اهـ. فالحديث صحيح.
ظاهرة. وفى قوله مَ له: "فلتركب إذا لم تستطع أن تمشى" دلالة على وجوب المشى ما أطاق، وهو
ظاهر أى وإذا عجز ركب وأهدى لركوبه هديا، كما هو مصرح فى رواية أحمد وأبى داود.
فائدة:
قد رويت عن ابن عباس فى الباب روايات مختلفة من رأيه. منها ما رواه عبد الرزاق عن ابن
جريج عن عطاء: أن ابن عباس قال "امش ما استطعت واركب واذبح أو تصدق". وهذا موافق لما
روى مرفوعا إلا ذكر الصدقة فقط، وهو محمول على نذر اللجاج بأن كان علقه على شرط
لا يريده، فهو مخير بين الوفاء بالنذر وبين كفارة اليمين كما تقدم. ومنها ما رواه حماد بن سلمة
عن حميد عن بكر هو ابن عبد الله المزنى: "أن ابن عباس أمر امرأة نذرت أن تحج ماشية بأن تشترى
رقبة ولتمش، فإذا عجزت فلتركب ولتمش الرقبة، فإذا أعيت الرقبة فلتركب ولتمش الناذرة، فإذا
قضت حجها فلتعتقها".
ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن أبى إسحاق السبيعى عن أم محبة: " أنها نذرت أن
تمشى إلى الكعبة، فمشت حتى أعيت فركبت، ثم أتت ابن عباس فسألته، فقال: أتستطيعين أن
تحجى قابلا وتركبى حتى تنتهى إلى المكان الذى ركبت فيه فتمشى ما ركبت؟ قالت: لا! قال:
ألك ابنة تمشى عنك؟ قالت: لى ابنتان هما فى أنفسهما أعظم، قال: استغفرى الله وتوبى إليه" كذا
فى المحلى (٢٦٥:٧). وكل ذلك محمول على أنه قاله قبل أن يبلغه حديث عقبة بن عامر فى قصة
نذر أخته، فإن الظاهر أن ابن عباس سمعه من عقبة ولم يسمعه من النبى معَّهِ، فإن مطر الوراق
رواه عن عكرمة عن عقبة عند الطحاوى (٧٥:٢) وعكرمة لم يلق عقبة، فالظاهر أنه سمعه من ابن
عباس: أن عقبة بن عامر أتى النبى معَّ فذكر الحديث، كما فى "مجمع الزوائد" (١٨٩:٤) وأن،
وعن سواء فى السماع والاتصال عند الجمهور، صرح به فى "تدريب الراوى" (٧٥).

ج - ١١
٤٢٣
باب من حلف لا يتكلم لم يحنث بقراءة القرآن
وذكر الله فى الصلاة وخارج الصلاة
٣٥٥٠- عن معاوية بن الحكم السلمى مرفوعا فى حديث: ((إن هذه الصلاة
لا يصلح فيها شىء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن))، أو كما
قال رسول الله عَ ليه. رواه مسلم كذا فى الجزء الخامس من "الإعلاء" (١٣:٥).
٣٥٥١- عن عبد الله فى حديث مرفوعا: ((إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وأنه
قد أحدث من أمره أن لا يتكلم فى الصلاة)). رواه النسائى والطحاوى بسند صحيح.
((وأن مما أحدث قضى أن لا تتكلموا فى الصلاة)). (فتح البارى ٥٩:٣).
باب من حلف لا يتكلم لم يحنث بقراءة القرآن وذكر الله فى الصلاة وخارج الصلاة
قوله: عن معاوية" إلخ. قال الحافظ فى "الفتح" فى باب إذا قال: والله لا أتكلم اليوم فصلى
أو قرأ أو سبح أو كبر أو حمد أو هلل ما نصه: "والجمهور على أنه لا يحنث، وعن الحنفية يحنث.
وفرق بعض الشافعية بين القرآن فلا يحنث به، ويحنث بالذكر، وحجة الجمهور أن الكلام فى
العرف ينصرف إلى كلام الآدميين، وأنه لا يحنث بالقراءة والذكر داخل الصلاة، فليكن كذلك
خارجها. ومن الحجة فى ذلك الحديث الذى عند مسلم، فذكر حديث المتن. وقال: فحكم للذكر
والقراءة بغير حكم كلام الناس" اهـ (٤٩٢:١١).
وظاهر الرواية عندنا أنه لا يحنث بالقراءة والذكر فى الصلاة، ويحنث بها فى غير الصلاة،
لأن القراءة والذكر كلام حقيقة وشرعا، لقوله عرّ له: "إن أصدق الحديث كتاب الله" وقوله مر ◌ّ اتٍ:
"أفضل الكلام أربع، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله: والله أكبر". وقال مجاهد: "كلمة
التقوى لا إله إلا الله". وقال عَّه: ((كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى
الرحمن، سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم" أخرج الجميع البخارى فى "الصحيح"، كما
فى "فتح البارى" (٤٩٢:١١ و٤٩٣) سوى الأول فأخرجه أحمد ومسلم والنسائى، كما فى
العزيزى (٣٢٠:١) إلا أنه فى الصلاة ليس بكلام عرفا ولا شرعا، لقوله عّ لّه: "وإن مما أحدث أن
لا یتکلم فی الصلاة". متفق عليه . .
وأما الحديث الذى احتج به الجمهور ففيه أنه إنما نفى عنها كلام الناس، ولا يستلزم نفى
الكلام مطلقا. وهذا التفصيل جواب ظاهر المذهب، ولما كان مبنى الأيمان على العرف، وفى

٤٢٤
إعلاء السنن
باب من نذر صوم يوم الفطر أو النحر يصوم يوما مكانهما
وإن صامهما تم نذره وأثم
٣٥٥٢- عن زياد بن جبير قال: كنت مع ابن عمر فسأله رجل فقال: "نذرت أن
أصوم كل يوم ثلاثاء أو أربعاء، فوافقت هذا اليوم يوم النحر، فقال: أمر الله بوفاء
النذر، ونهينا أن نصوم يوم النحر، فأعاد عليه، فقال مثله لا يزيد عليه". رواه البخارى
(فتح البارى ٥١٣:١١).
٣٥٥٣- عن كريمة بنت سيرين: "أنها سألت ابن عمر، فقالت: جعلت على
نفسى أن أصوم كل أربعاء، واليوم يوم أربعاء وهو يوم النحر، فقال: أمر الله بوفاء النذر،
العرف المتأخر لا يسمى التسبيح والقرآن وما معه كلاما، حتى أنه يقال لمن سبح طول يومه أو قرأ:
لم يتكلم اليوم بكلمة، اختار المشايخ أنه لا يحنث أيضا بجميع ذلك خارج الصلاة، واختير
للفتوى، وأما الشعر فإنه يحنث به، لأنه كلام منظوم، وفى الحديث: "أصدق كلمة قاله شاعر
كلمة لبيد:
الأكل شىء ما خلا الله باطل وكل نعيم لا محالة زائل
وعرف مما تقدم أنه لا يحنث بالكتابة والإيماء ونحوه، كذا فى "فتح القدير" (٤٢١:٤).
أى أنه لا يعد كلاما عرفا وعادة، والحديث أخرجه مسلم وابن ماجه والبيهقى، وليس فيه إلا صدر
البيت دون آخره كما فى العزیزی (١: ٢١٢).
باب من نذر صوم يوم الفطر أو النحر يصوم يوما مكانهما وإن صامهما تم نذره وأثم
قوله: "عن زياد بن جبير وعن كريمة" إلخ. قال الزبير بن المنير: "يحتمل أن يكون ابن عمر
أراد أن كلا من الدليلين يعمل به، فيصوم يوما مكان يوم النذر، ويترك صوم يوم العيد، فيكون فيه
سلف لمن قال بوجوب القضاء". ذكره الحافظ فى "الفتح" (٢١٠:٤).
قلت: هذا هو الظاهر المتعين، لأنه نسب الأمر بوفاء النذر إلى الله تعالى، والنهى عن صوم
يوم النحر إلى رسول الله عَّ له، ولا يظن به أن يبطل أمر الله تعالى بنهى رسول الله عَ ليه، وبهذا
اندحض ما ذكره أخو ابن المنير والداودى من أن المفهوم من كلام ابن عمر تقديم النهى.
قال الحافظ: "انعقد الإجماع على أنه لا يجوز له أن يصوم يوم الفطر ولا يوم النحر،
لا تطوعا ولا عن نذر، سواء عينهما أو أحدهما بالنذر، أو وقعا (فى يوم نذره) معا، أو أحدهما اتفاقا،

ج - ١١
من نذر صوم يوم الفطر أو النحر
٤٢٥
ونهى رسول الله عَ ظله عن صوم يوم النحر". أخرجه ابن حبان فى "ثقاته"، ورواته
ثقات (فتح البارى، السابق).
فلو نذر لم ينعقد نذره عند الجمهور، وعند الحنابلة روايتان فى وجوب القضاء، وخالف أبو حنيفة،
فقال: لو أقدم فصام وقع ذلك عن نذره، وقد تقدم بسط ذلك فى أواخر الصيام" اهـ (٥١٢:١١).
وقال فى باب الصيام: "وفى الحديث تحريم صوم يومى العيد، سواء النذر والكفارة والتطوع
والقضاء والتمتع، وهو بالإجماع، واختلفوا فيمن أقدم فصام يوم عيد (ونذره) فعن أبى حنيفة
ينعقد، وخالفه الجمهور، فلو نذر يوم قدوم زيد فقدم يوم العيد فالأكثر لا ينعقد النذر، وعن الحنفية
ينعقد ويلزمه القضاء، وفى رواية يلزمه الإطعام. وعن الأوزاعى يقضى إلا إن نوى استثناء العيد.
وعن مالك فى رواية يقضى إن نوى القضاء وإلا فلا. وسيأتى عن ابن عمر أنه توقف فى الجواب
عن هذه المسألة. وأصل الخلاف فى هذه المسألة أن النهى هل يقتضى صحة المنهى عنه؟ قال الأكثر:
لا. وعن محمد بن الحسن: نعم! واحتج بأنه لا يقال للأعمى لا يبصر، لأنه تحصيل الحاصل (يعنى
فلا ينهى إلا من يمكن منه الفعل) فدل على أن صوم يوم العيد ممكن، وإذا أمكن ثبت الصحة،
وأجيب بأن الإمكان المذكور عقلى، والنزاع فى الشرعى، والمنهى عنه شرعا غير ممكن فعله
شرعا" اهـ (٢٠٨:٤).
قلت: كيف يصح قوله: "إن الإمكان المذكور عقلى"؟ والكلام إنما هو فى الأفعال الشرعية
التى لا وجود لها إلا باعتبار الشرع فقط، لا مدخل للعقل والحسن فى إدراك وجودها أصلا،
فلا يتصور إمكانها إلا بالشرع أيضا، فلا بد لصحة النهى من إمكانها شرعا، فثبت أن المنهى عنه
شرعا ممكن فعله شرعا، وليس قول أبى حنيفة بانعقاد النذر وتمامه بصوم يوم العيد مع الإثم بأعجب
من قول من أجاز للمتمتع فاقد الهدى صيام أيام التشريق. وهو مذهب مالك والشافعى فى القديم،
مع تواترٍ النهى عن صيامها عن رسول الله معرّ له، وقد تقدم بسط ذلك فى أواخر كتاب الحج
فليراجع. وماذا على أبى حنيفة إن خالفه الناس إذا وافقه ابن عمر رضى الله عنه فقد عرفت أن
المتبادر من كلامه العمل بكلا الدليلين من أمر الله بوفاء النذر، ونهى الرسول عن صوم يوم النحر،
فيترك صوم يوم العيد ويصوم يوما مكانه، وأمره فى التورع عن بت الحكم لا سيما عند تعارض
الأدلة مشهور، فلا يصح حمل كلامه على التوقف، بل الحق أنه تورع عن بت الحكم فيه وأرشد
السائل إلى العمل بالدليلين إشارة فافهم.

٤٢٦
إعلاء السنن
باب إذا حلف يمينًا واحدة على أشياء كثيرة فهی يمين واحدة وإن حلف
أمانًا كثيرة على شىء واحد وأراد التكرار اتحدت وإلا تعددت
٣٥٥٤- عبد الرزاق عن ابن جريج، قال: قال عطاء: فيمن قال: والله لا أفعل
کذا والله أفعل كذا لأمور شتی قال: "هو قول واحد، ولكنه خص كل واحد بيمين،
قال: كفارتان". وقال عطاء فيمن قال: والله لا أفعل كذا وكذا الأمرين شىء، فعمهما
باليمين. قال: "كفارة واحدة". أخرجه ابن حزم فى المحلى (٨: ٥٢). وسنده صحيح.
٣٥٥٥- ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثورى عن مجاهد عن ابن عمر،
قال: إذا أقسمت مرارا فكفارة واحدة. أخرجه ابن حزم أيضا (٥٣:٨). وسنده صحيح.
٣٥٥٦- وعن هشام بن عروة أن أباه سئل عمن تعرضت له جارية له مرارا، كل
مرة يحلف بالله أن لا يطئها ثم وطئها فقال له عروة: "كفارة واحدة" أخرجه ابن حزم
أيضا (٨: ٥٣). من طريق عبد الرزاق وسنده صحيح.
باب إذا حلف يمينا واحدة على أشياء كثيرة فهى يمين واحدة وإن حلف
أيمانا كثيرة على شىء واحد وأراد التكرار اتحدت وإلا تعددت
قوله: "عبد الرزاق" إلخ. قلت: دل قول عطاء على أنه إذا كرر اليمين على أمرين مختلفين
فهما يمينان، وعليه كفارتان. وإذا حلف بيمين واحدة على أمور شتى فيمين واحدة وكفارة
واحدة. وهو المذهب كما صرح به فى "البدائع" (٩:٣).
قوله: "من طريق عبد الرزاق" إلخ. قول ابن عمر هذا مجمل غير مفسر، فيحمل على ما
إذا نوى التكرار. قال فى البدائع فى قوله: "والله لا أفعل كذا والرحمن لا أفعل كذا، وكذا قوله:
والله لا أفعل كذا، والله لا أفعل كذا: إنهما يمينان، ولو قال: أردت بالثانى الخبر عن الأول ذكر
الكرخى أنه يصدق، لأن الحكم المتعلق باليمين بالله تعالى هو وجوب الكفارة، وأنه أمر بينه
وبين الله تعالى، ولفظه محتمل فى الجملة وإن كان خلاف الظاهر، فكان مصدقا فيما بينه وبين
الله عز وجل" اهـ (١٠:٣).
قلت: وهذا هو الراجح عندى لتأيده بالأثر، وما رواه المعلى عن أبى يوسف عن أبى حنيفة:
أنه لا يصدق مرجوح والله تعالى أعلم.
قوله: "عن هشام بن عروة" إلخ. محمول على إرادة التكرار أيضا كما تقدم.

٤٢٧
ج - ١١ إذا كرر اليمين على أمرين مختلفين أو حلف بيمين واحدة على أمور شتى
٣٥٥٧- روينا من طريق حماد بن سلمة عن أبان عن مجاهد، قال: "زوج ابن
عمر مملوكه من جارية له، فأراد المملوك سفرا، فقال له ابن عمر: طلقها، فقال المملوك:
والله لا طلقتها، فقال له ابن عمر: والله لتطلقنها، كرر ذلك ثلاث مرات، قال مجاهد:
فقلت لابن عمر: كيف تصنع؟ قال: أكفر عن يمينى، فقلت له: قد حلفت مرارا، قال:
كفارة واحدة". أخرجه ابن حزم فى "المحلى" (٥٣:٨). وسنده صحيح، وأبان هو ابن
صالح، وثقه ابن معين والعجلى ويعقوب وأبو حاتم والنسائى. أخطأ ابن عبد البر وابن
حزم فى تضعيفه، فلم يضعفه أحد قبلهما (التهذيب ٩٤:١-٩٥).
قوله: "روينا من طريق حماد بن سلمة" إلخ. قلت: فى قول مجاهد: "قد حلفت مرارا".
دليل على أن تكرار اليمين على شىء واحد يقتضى تعدد اليمين ظاهرا، فقول ابن عمر: "كفارة
واحدة" محمول على أنه كان قد أراد التكرار والتأكيد دون تعدد اليمين.
مسألة الاستحلاف أى قوله لغيره:
وفيه دليل على أن من أقسم غيره وقال: والله لتفعلن كذا ولم ينو شيئا (أو نوى أنه يفعل
ذلك ولا بد) فهو حالف، فإن لم يفعل المخاطب حنث، وإن أراد به الاستحلاف فهو استحلاف،
ولا شىء على واحد منهما إذا لم يفعل كذا فى "فتح القدير" (٤٧٢:٤). قلت: ودليل عدم الحنث
فى الاستحلاف ما مر فى قصة أبى بكر فى تعبير الرؤيا، وقوله: "أقسمت عليك يا رسول الله بأبى
أنت لتحدثنى ما الذى أخطأت، فقال النبى معَّهِ: ((لا تقسم). وفى لفظ لأبى داود: "ولم يخبره".
أخرجه البخارى ومسلم والأربعة (عون المعبود ٢٢٤:٣). فلم يأمره بالكفارة ولم يخبر بما أقسم
عليه. والله تعالى أعلم.
قال ابن حزم: "وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن أراد التكرار (فى تكرير اليمين) فيمين واحدة،
وإن لم تكن له نية، أو أراد التغليظ، أو كان ذلك فى مجلسين فصاعدا فلكل يمين كفارة" اهـ.
(٥٣:٨). وفى الدر عن البحر عن الخلاصة والتجريد: "تتعدد الكفارة لتعدد اليمين، والمجلس
والمجالس سواء" اهـ.
تداخل الكفارات إذا كثرت:
قال الشامى: "وفى البغية: كفارات الأيمان إذا كثرت تداخلت، ويخرج بالكفارة الواحدة
عن عهدة الجميع. قال شهاب الأئمة: هذا قول محمد. قال صاحب الأصل: هو المختار عندى اهـ،

٤٢٨
إعلاء السنن
باب من حلف لا یکلم حینا
٣٥٥٨- روينا من طريق يحيى بن سعيد القطان عن سفيان الثورى، ثنى طارق
ابن عبد الرحمن عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: "الحين ستة أشهر". وهو قول سعيد
ابن جبير والشعبى وعكرمة وعمر بن عبد العزيز، وبه يقول أبو حنيفة والأوزاعى وأبو
المقدسى. ومثله فى القهستانى عن المنية" اهـ (٨٠:٣). قلت: وعلى هذا فلا حاجة إلى التأويل فى
قول ابن عمر وعروة، بل يحمل قولهما باتحاد الكفارة على القول بالتداخل فافهم.
باب من حلف لا یکلم حینا
قوله: "روينا من طريق يحيى" إلخ. قال فى الهداية: "ومن حلف لا يكلم فلانا حينا أو زمانا
أو الحين أو الزمان نهو على ستة أشهر، لأن الحين قد يراد به الزمان القليل، وقد يراد به أربعون سنة،
وقد يراد به ستة أشهر، وهذا هو الوسط فينصرف إليه. وهذا لأن اليسير لا يقصد بالمنع لوجود
الامتناع فيه عادة، والمؤيد لا يقصد غالبا، لأنه بمنزلة الأبد، ولو سكت عنه يتأيد فيتعين ما ذكرنا.
وكذا الزمان يستعمل استعمال الحين، وهذا إذا لم تكن له نية. أما إذا نوى شيئا فهو على ما نوى،
لأنه نوى حقيقة كلامه، وكذلك الدهر عندهما. وقال أبو حنيفة: الدهر لا أدرى ما هو،
والصحيح أن الاختلاف فى المنكر. وأما المعروف باللام يراد به الأبد عرفا، وإنما توقف أبو حنينفة
فی تقدیره لأن اللغات لا تدرك قیاسا، والعرف لم يعرف استمراره (على وجه واحد) لاختلاف فى
الاستعمال" اهـ. ملخصا، قال المحقق فى الفتح: "وتوقفه دليل فقهه ودينه وسقوط اعتباره نفسه،
رحمنا الله به. وقد نظم جملة ما توقف فيه، فقال بعضهم:
من قال: لا أدرى لما لم يدره فقد اقتدى فى الفقه بالنعمان
فى الدهر والخنثى كذاك جوابه ومحل أطفال ووقت ختان
والمراد بالأطفال أطفال المشركين" اهـ (٤٢٩:٤).
وقال ابن حزم: "من حلف أن لا يفعل كذا حينا أو دهرا أو زمانا أو مدة أو برهة أو وقتا، أو
ذكر كل ذلك بالألف واللام، أو قال مليا أو عمرا أو العمر، فبقى مقدار طرفة عين لم يفعله ثم فعله
فلا حنث عليه، لأن كل جزء من الزمان زمان ودهر وحين ووقت وبرهة ومدة" اهـ (٥٧:٨).
قلت: هذا خلاف ما قد نص عليه نفسه أنه إنما يراعى فى الأيمان ما يخاطب به أهل تلك اللغة،
فقوله: "إن كل جزء من الزمان زمان ودهر وحين". غير مسلم، فإنه لا يقال فى العرف لمن سكت

ج - ١١
من حلف لا يكلم حيناً
٤٢٩
عبيد وقال أبو حنيفة: إلا أن ينوى مدة فله ما نوى. كذا فى "المحلى" (٨: ٥٨) لابن
حزم والسند المذكور صحيح. وطارق بن عبد الرحمن من رجال الجماعة
صدوق (تقريب ٩١).
ساعة أنه سكت زمانا أو دهرا أو حينا، بل يقال سكت ساعة أو وقتا أو برهة، وأيضا: فإن اليسير
لا يقصد بالمنع فى الأيمان عادة، كما ذكره صاحب الهداية، ولا يجوز القياس فى اللغة أو العرف.
والعجب ممن يذم القياس وأهله ويقول: القياس كله باطل، أن يرتكب القياس فيما لا يجوز
بالإجماع. وهذا أبو حنيفة الذى يعده ابن حزم من أهل الرأى والقياس قد توقف فى الدهر،
ولا يتوقف هو، وينسب التوقف إلى التخليط، ويقول: لأبى حنيفة ههنا تخاليط عظيمة اهـ
(٥٩:٨). وليس ما قاله الإمام من التخليط فى شىء، ولكنه تنكب عن الحكم فى دين الله من غير
علم. ولكن قاتل الله العصبية تبدى المحاسن مساوى. ولنذكر اختلاف السلف الصالحين فى هذا
الباب وبه يظهر خطأ ابن حزم عند أولى الألباب.
فروى ابن وهب عن الليث بن سعد: "كان على بن أبى طالب يقول: الحين سنة". وقد
روى من طريق عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: "الحين سنة، ومن طريق محمد
ابن المثنى عن محمد بن عبد الله الأنصارى عن محمد بن على بن الحسين: "أن الأحيان ثلاثة: ستة
أشهر، وثلاثة عشر عاما، وإلى يوم القيامة". وعن سعيد بن المسيب: "الحين شهران". ومن طريق
الأعمش عن أبى ظبيان عن ابن عباس، قال: "الحين قد يكون غدوة وعشية". وهو قول الشافعى،
ومن طريق وكيع عن أبى جعفر عن طاوس، قال: "الزمان شهران"، ذكر الآثار كلها ابن حزم فى
"المحلى" (٥٨:٨). ولم يرو عن أحد من السلف أنه قال: الحين والدهر والزمان ساعة وطرفة عين.
واستدل ابن حزم لذلك بقوله تعالى: ﴿فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون﴾. إلی
قوله: ﴿وحين تظهرون﴾. قال: "فسمى الله المساء حينا، والإصباح حينا، والظهيرة حينا" اهـ.
ولا يخفى على من له أدنى إلمام بتصاريف الكلام أن إضافة الحين إلى فعل لا يفيد تسمية الفعل
بالحين، وإلا لزم أن يكون إتيان النفس ونفع الصادقين مسمى باليوم، لقوله تعالى: ﴿يوم تأتى كل
نفس﴾. وقوله: ﴿هذا یوم ينفع الصادقين صدقهم﴾. وقوله: ﴿پراك حين تقوم﴾. وهکذا قیاس من
لم يعرف بالقياس ولم يحكم أصوله. وأيضا: فالنزاع إنما فى الحين والزمان والدهر المطلق الواقع
ظرفا من دون الإضافة إلى شىء، كما لا يخفى على من تتبع كلمات الفقهاء وعباراتهم، وأما إذا
أضيف أحدها إلى فعل فلا نزاع أنه يتقيد بالمضاف إليه، كما إذا حلف والله لا أكلمه حين

٤٣٠
إعلاء السنن
باب من حلف ليضربن امرأته أو عبده عددا
من الأسواط فجمعها كلها فى ضربة واحدة بر فى يمينه إذا أصابه جميعًا
٣٥٥٩ - روينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج أنه أخبره عبد الله بن عبيد بن
يشتمنى، لم يحنث بكلامه إذا لم يشتم، ولا أكلمه زمان قيامه، لم يحنث بالكلام إذا كان قاعدا،
ولا أكلمه. حين يصبح، لا يحنث بالكلام مساء، ولا ألقاه حين يمسى، لم يحنث باللقاء غدوة.
ولم يتقيد فى كلى ذلك بالستة الأشهر اتفاقا.
قال الموفق فى المغنى: "ولنا أن الحين المطلق فى كلام الله أقله ستة أشهر، وما استشهدوا به
من المطلق فى كلام الله فما ذكرنا أقله فيحمل عليه، لأنه اليقين" اهـ (٣٠٢:١١). فثبت أن النزاع
إنما هو فى المطلق دون المقيد بالإضافة ونحوها، وقال الموفق أيضا: "قال ابن أبى موسى: الزمان
ثلاثة أشهر. وقال طلحة العاقولى: الحين والزمان والعمر واحد، لأنهم لا يفرقون فى العادة بينها،
والناس يقصدون بذلك التبعيد. فلو حمل على القليل حمل على خلاف قصد الحالف. (فيه رد
على ابن حزم كما لا يخفى)، والدهر يحتمل أنه كالحين أيضا لهذا المعنى (لم يجزم به لاختلاف
فى الاستعمال، ولذا لم يجزم به الإمام أبو حنيفةٍ) وقال فى بعيد وملئ وطويل: هو أكثر من شهر.
وهذا قول أبى حنيفة، لأن ذلك ضد القليل لقوله تعالى: ﴿واهجرنى مليا﴾. ولا يجوز حمله على
ضده. (أى القليل) ولو حمل العمر على أربعين سنة كان حسنا، لقول الله تعالى مخبرا عن نبيه
عليه السلام: "فقد لبثت فيكم عمرا من قبله"، وكان أربعين سنة. ولأن العمر فى الغالب لا يكون
إلا مدة طويلة، فلا يحمل على خلاف ذلك. قال: فإن حلف لا يكلمه الدهر أو الأبد أو الزمان
فذلك على الأبد، لأن ذلك بالألف واللام، وهى للاستغراق، فتقتضى الدهر كله. وإن حلف على
أيام فهى ثلاثة، لأنها أقل الجمع. قال الله تعالى: ﴿واذكروا الله فى أيام معدودات﴾، وهى أيام
التشريق (ثلاثة أيام). وإن حلف على أشهر فهى ثلاثة، لأنها أقل الجمع، وإن حلف على شهور
فكذلك. وقيل: اثنى عشر شهرا، لقول الله تعالى: ﴿إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا﴾.
ولأن الشهور جمع الكثرة. وأقله عشرة، فلا يحمل على ما يحمل عليه جمع القلة" اهـ،
(٣٠٣:١١). قلت: الشهور عند أبى حنيفة عشرة أشهر، وعندهما اثنا عشر شهرا، كما فى
"الهداية" مع "الفتح ("٤: ٤٣٠). وهذا إذا لم يكن له نية وإلا فعلى ما نوى. والله تعالى أعلم.
باب من حلف لیضر بن امرأته أو عبده عددا
من الأسواط فجمعها كلها فى ضربة واحدة بر فى يمينه إذا أصابه جميعا
قوله: "روينا" إلخ. قلت: قال أبو بكر الجصاص الرازى فى "أحكام القرآن" له: "فى هذه

٤٣١
ج - ١١ من حلف أن يضرب عشرة أسواط فجمعها كلها وضرب ضربة واحدة
عمير أنه رأى أباه يتحلل يمينه فى ضرب نذره بأدنى ضرب، فقال عطاء: "قد نزل ذلك
فى كتاب الله تعالى: ﴿وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث﴾. رواه ابن حزم فى
"المحلى" (٥٧:٨) قلت: سند صحيح على شرط مسلم.
٣٥٦٠ - عن أبى أمامة: "أتى النبي ◌ِّ ◌ُّه برجل قد زنى، فسأله، فاعترف، فأمر به
فجرد فإذا هو حمش الخلق مقعد، فقال: ما يبقى الضرب من هذا شيئا، فدعا بأثكول
فيه مائة شمراخ، فضربه به ضربة واحدة". رواه الطبرانى فى الأوسط، ورجاله ثقات.
(مجمع الزوائد ٢٥٢:٤). وأخرج نحوه عن أبى سعيد ورجاله رجال الصحيح،
وحديث أبى أمامة أخرجه أبو داود مطولا، وللنسائى نحوه (جمع الفوائد ٢٨٧:١).
الآية دلالة على أن من حلف أن يضرب عبده عشرة أسواط فجمعها كلها وضربه ضربة واحدة،
أنه يبر فى يمينه إذا أصابه جميعا، لقوله تعالى: ﴿وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث﴾.
والضغث هو ملأ الكف من الخشب أو السياط أو الشماريخ ونحو ذلك. فأخبر الله تعالى أنه إذا
فعل ذلك فقد بر فى يمينه. وقد اختلف الفقهاء فى ذلك، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر
ومحمد: إذا ضربه ضربة واحدة بعد أن يصيبه كل واحدة منه فقد بر فى يمينه. وقال مالك والليث:
لا يبر، وهذا القول خلاف الكتاب، لأن الله تعالى قد أخبر أن فاعل ذلك لا يحنث. وقد روى عن
مجاهد أنه قال: هى لأيوب خاصة. وقال عطاء: للناس عامة.
قال الجصاص: دلالة الآية ظاهرة على صحة القول الأول من وجهين: أحدهما: أن فاعل
ذلك يسمى ضاربا لما شرط من العدد، ومقتضاه البر فى يمينه، والثانى: أنه لا يحنث لقوله:
"ولا تحنث". وزعم بعض من يحتج لمالك أن ذلك لأيوب خاصة، لأنه أسقط عنه الحنث، فكان
بمنزلة من كانت عليه الكفارة فأداها، أو بمنزلة من لم يحلف على شىء. وهذا حجاج ظاهر
السقوط لا يحتج بمثله من يعقل ذلك، لتناقضه واستحالته ومخالفته لظاهر الكتاب، لأن الله تعالى
أخبر أنه إذا فعل ذلك لم يحنث، واليمين تتضمن شيئين حنثا أو برا. فإذا أخبر الله أنه لا يحنث فقد
أخبر بوجود البر، إذ ليس بينهما واسطة، ولو كان لأيوب خاصة وكان قد أسقط عنه الحنث،
وكان عبادة تعبد بها دون غيره، كان لله أن يسقط عنه الحنث (بلا شىء) ولا يلزمه شيئا، وإن لم
يضربها بالضغت، فلا معنى على قوله لضربها بالضغث، إذ لم يحصل به بر فى اليمين. وزعم هذا
القائل أن الله تعالى أن يتعبد بما شاء فى بعض الأوقات، وفيما تعبدنا به ضرب الزانى. قال: ولو
ضربه ضربة واحدة لم یکن حدا.

٤٣٢
إعلاء السنن من حلف أن يضرب عشرة أسواط فجمعها كلها وضرب ضربة واحدة
قال أبو بكر: أما ضرب الزانى بشماريخ فلا يجوز إذا كان صحيحا سالما. وقد يجوز إذا
كان عليلا يخاف عليه، ثم ذكر ثانى حديثى الباب من طريق أبى داود: ثنا أحمد ابن سعيد
الهمدانى ثنا ابن وهب أخبرنى يونس عن ابن شهاب أخبرنى أبو أمامة بن سهل بن حنيف أنه أخبره
بعض أصحاب رسول الله عَّ من الأنصار الحديث.
قلت: قد اعتذر ابن العربى فى "أحكام القرآن" له لمالك فى انفراده بهذه المسألة بعذر
حسن، فليراجع، فبطل قول ابن حزم فى "المحلى": "وقال مجاهد والليث ومالك: لا يبر بذلك،
ولا نعلم لهم حجة أصلا" اهـ (٥٧:٨). فإن أئمة الهدى لم يقولوا فى دين الله بقول إلا ولهم فيه
حجة وبرهان.
قال الجصاص: وفى الآية دلالة على أن للزوج أن يضرب امرأته تأديبا، لو لا ذلك لم يكن
أيوب ليحلف عليه ويضربها، ولما أمره الله تعالى بضربها بعد حلفه، والذى ذكره الله تعالى فى
القرآن وأباحه من ضرب النساء إذا كانت ناشزة بقوله: " واللاتى تخافون نشوزهن إلى قوله:
واضربوهن .
وقد دلت قصة أيوب على أن له ضربها تأديبا بغير نشوز (لأن امرأته لم تكن ناشزة، بل
كانت أطوع خلق الله لزوجها)، وكذا قوله تعالى: ﴿الرجال قوامون على النساءِ﴾. يدل على مثل
دلالة قصة أيوب، لأنه نزل فى رجل لطم امرأته على عهد رسول الله عَ ليه، فأراد أهلها القصاص.
وفى الآية دليل على أن للرجل أن يحلف ولا يستثنى، لأن أيوب حلف ولم يستثن.
ونظيره من سنة النبى معَّه فى قصة الأشعريين حين استحملوه، فقال: والله لا أحملكم، ولم
يستثن، ثم حملهم. الحديث. وفيه دليل على أن من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها أن عليه
الكفارة إذا ترك المحلوف عليه، لأنه لو لم تجب عليه الكفارة لترك أيوب ما حلف عليه، ولم يحتج
إلى أن يضربها بالضغث، وهو خلاف قول من قال: لا كفارة عليه إذا فعل ما هو خير. وقد روى
فيه حديث عن النبى معَّ ◌ُّه (وقد بينا ضعفه فتذكر). وفيه دليل على أن التعزير يجاوز به الحد،
لأن فى الخبر إن أيوب حلف أن يضربها مائة، فأمره الله تعالى بالوفاء به، إلا أنه روى عن النبى عَ ليه

ج - ١١
٤٣٣
باب إن حلف لا یفعل کذا حنث بفعله مرة ولو حلف لیفعلن
کذا ففعله مرة فى العمر بر فى يمينه
٣٥٦١- عن أبي موسى الأشعرى، قال: "أتيت رسول الله عَّ له فى رهط من
الأشعريين استحمله، فقال: والله لا أحملكم، ما عندى ما أحملكم، ثم أرسل إلينا
فحملنا، نسى رسول الله عَّ له يمينه فرجعنا، فقلنا: يا رسول الله! أتيناك نستحملك
فحلفت أن لا تحملنا، ثم حملتنا فظننا أو فعرفنا أنك نسيت يمينك. قال: انطلقوا فإنما
حملكم الله، إنى والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيت
الذى هو، وتحللتها". رواه البخارى مطولا (فتح البارى ٥٣:١١).
٣٥٦٢ - عن المسور بن مخرمة ومروان فى قصة الحديبية، "قال عمر بن الخطاب:
فأتيت نبى الله عَّه، فقلت: أو ليس كنت تحدثنا أنا سنأتى البيت فنطوف به؟ قال: بلى!
أنه قال: من بلغ حدا فى غير حد فهو من المعتدين. وفيه دليل على أن الاستثناء لا يصح إلا أن يكون
متصلا بالیمین، لأنه لو صح الاستثناء متراخیا عنها لأمر بالاستثناء، ولم يؤمر بالضرب. وفيه دليل
على جواز الحيلة فى التوصل إلى ما يجوز فعله، ودفع المكروه بها عن نفسه وعن غيره، لأنه تعالى
أمره بضربها بالضغث ليخرج به من اليمين، ولا يصل إليها كثير ضرر" اهـ ملخصا (٣٨٤:٣).
باب إن حلف لا یفعل کذا حنث بفعله مرة، ولو حلف ليفعلن
کذا ففعله مرة فى العمر بر فى يمينه
قوله: "عن أبى موسى" إلخ. دلالته على الجزء الأول من الباب ظاهرة. قال فى "الهداية"
مع "الفتح": "إذا حلف لا يفعل كذا تركه أبدا، لأنه نفى الفعل مطلقا، فعم الامتناع ضرورة عموم
النفى للفعل المتضمن للمصدر النكرة، فلو وجد مرة لم يكن النفى فى جميع الأوقات ثابتا. وإن
حلف ليفعلن كذا بر بالفعل مرة واحدة، لأن الملتزم فعل واحد غير عين، إذ المقام مقام الإثبات،
فيبر بأى فعل فعله، وإذا لم يفعل لا يحكم بوقوع الحنث حتى يقع اليأس عن الفعل، وذلك بموت
الحالف قبل الفعل، فيجب عليه أن يوصى بالكفارة، أو بموت محل الفعل. هذا إذا كانت اليمين
مطلقة، فلو كانت مقيدة بوقت فمضى الوقت ولم يفعل حنث" اهـ. ملخصا (٤٦٧:٤).
قوله: "عن المسور" إلخ. قال الحافظ فى "الفتح": "يستفاد من هذا أن الكلام يحمل على
إطلاقه وعمومه حتى تظهر إرادة التخصيص والتقييد، وأن من حلف على فعل شىء ولم يذكر مدة
28

٤٣٤
إعلاء السنن
فأخبرتك أنا نأتيه العام؟ قلت: لا! قال: فإنك آتيه ومطوف به" الحديث مطولا أخرجه
البخارى (١: ٣٨٠).
باب من حلف أن لا يدخل علی أهله شهرا
وكان الشهر تسعا وعشرين أى ثم دخل فأنه لا يحنث
معينة لم يحنث حتى تنقضى أيام حياته" اهـ (٢٥٥:٥). وقال الموفق فى "المغنى" (١٧٤:١١):
"إن كانت اليمين على ترك شىء ففعله حنث ووجبت الكفارة. وإن كانت على فعل شىء،
فلم يفعله وكانت يمينه موقتة بلفظ أو نية أو قرينة حاله، ففات الوقت حنث وكفر. فإن كانت
مطلقة لم يحنث إلا بقوات وقت الإمكان، لأنه ما دام فى الوقت والفعل ممكن فيحتمل أن يفعل،
فلا يحنث. ولهذا قال عمر للنبى ◌ّ له: ألم تخبرنا أنا نأتى البيت ونطوف به؟ قال: فأخبرتك أنك
تأتيه العام؟ قال: لا! قال: فإنك آتیه ومطوف به. وقد قال الله تعالى: ﴿قل بلی وربی لتبعثن﴾، وهو
حق ولم يأت بعد"اهـ.
باب من حلف أن لا يدخل على أهله شهرا
وكان الشهر تسعا وعشرين أى ثم دخل فإنه لا يحنث
قال الحافظ فى "الفتح": " هذا يتصور إذا وقع الحلف أول جزء من الشهر اتفاقا، فإن وقع
فى أثناء الشهر ونقص هل يتعين أن يلفق ثلاثين؟ أو يكتفى بتسع وعشرين؟ فالأول قول الجمهور
(قلت: ومنهم الحنفية). وقالت طائفة منهم ابن عبد الحكم من المالكية بالثانى. واحتج الطحاوى
للجمهور بالحديث الصحيح الماضى فى الصيام بلفظ: "الشهر تسع وعشرون، فإذا غم عليكم
فأ کملوا ثلاثین". قال: فأوجب عليهم إذا أغمی ثلاثین و جعله علی الکمال حتى يروا الهلال قبل
ذلك. (أى ولا يمكن الرؤية فى أثناء الشهر فيجب إكمال ثلاثين). قال الحافظ: وهذا إنما يحتج به
على من زعم أنه إذا وقعت يمينه فى أثناء الشهر أن يكتفى بتسع وعشرين، سواء كان ذلك الشهر
الذى حلف فيه تسعا وعشرين أو ثلاثين. وأما قول ابن عبد الحكم فإنما يصلح تعقبه بحديث
عائشة. فذكره وهو ثانى أحاديث المتن. ثم قال: قال الطحاوى بعد تخريجه: يعرف بذلك أن يمينه
كانت مع رؤية الهلال، كذا قال، وليس ذلك صريحا فى الحديث. والله أعلم" (٤٩٣:١١).
قلت: وأى لفظ أصرح من قوله: "إن شهرنا هذا كان تسعا وعشرين"، وهو إشارة إلى
الشهر الذى نزل فيه، دون الذى تقدمه، وإذا كان إشارة إلى الشهر الذى نزل فيه ثبت أن يمينه

٤٣٥
ج - ١١ باب من حلف أن لا يدخل على أهله شهرا
٣٥٦٣- عن أنس قال: "آلى رسول الله عَّ ◌ُّه من نسائه، فأقام فى مشربة تسعا
وعشرين ليلة، ثم نزل، فقالوا: يا رسول الله! آليت شهرا، فقال: إن الشهر يكون تسعا
وعشرين". رواه البخارى (فتح البارى ٤٩٣:١١).
٣٥٦٤- عن عائشة قالت: "لا والله ما قال رسول الله عَّ له: إن الشهر تسع
وعشرون، وإنما والله أعلم بما قال فى ذلك، أنه قال حين هجرنا: لا هجر لكن شهرا، ثم
جاء لتسع وعشرين، فقال: إن شهرنا هذا كان تسعا وعشرين ليلة". أخرجه الطحاوى
(٧١:٢). وذكره الحافظ فى "الفتح" (٤٩٣:١١). وسكت عنه، وإسناده صحيح حسن.
وفى لفظ لأحمد: إنما قال: الشهر قد يكون تسعا وعشرين (فتح البارى ٩: ٢٥٥).
٣٥٦٥- حدثنا أبو بشر الرقى ثنا معاذ عن أشعث عن الحسن، فى رجل ندر أن
يصوم شهرا، فقال: "إن ابتدأ لرؤية الهلال صام لرؤيته، وأفطر لرؤيته، وإن ابتدأ فى
بعض الشهر صام ثلاثين يومًا". رواه الطحاوى (٩: ٧٢) وسنده صحيح.
كانت مع رؤية الهلال، لامتناع الحكم بكونه تسعا وعشرين فى أثناء الشهر كما أشرنا إليه آنفا.
ولعل الحافظ قد نسی ما قدمه فى كتاب النكاح: "أن عائشة خشيت أن يكون مّګّ نسى مقدار ما
حلف عليه وهو شهر. والشهر ثلاثون أو تسعة وعشرون يوما، فلما نزل فى تسعة وعشرين ظنت
أنه ذهل عن القدر، أو أن الشهر لم يهل، فأعلمها أن الشهر استهل، فإن الذى كان الحلف وقع فيه
جاء تسعا وعشرين يوما. وفيه تقوية لقول من قال: إن يمينه عّ لّه اتفق أنها كانت فى أول الشهر،
ولهذا اقتصر على تسعة وعشرين" اهـ (٢٥٦:٩).
قوله: "عن أنس وعن عائشة" إلخ. قال الموفق فى "المغنى" فيمن نذر أن يصوم شهرا: إنه إذا
صام شهرا من أول الهلال أجزأه، ناقصا كان أو تاماً، لأن ما بين الهلالين شهر، ولذلك قال
النبى عّ لّهِ: ((إنما الشهر تسع وعشرون)). وإن بدأ من أثناء شهر لزمه شهر بالعدد ثلاثون يوما، لقول
رسول الله مرّ ◌ُله: ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا ثلاثين)) اهـ (٣٦٥:١١).
قوله: "حدثنا أبو بشر الرقى" إلخ. قال الطحاوى بعد ما أخرج من حديث أبى هريرة
مرفوعا: إن الشهر يكون تسعا وعشرين ويكون ثلاثين. وإذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا،
فإن غم عليكم فأكملوا العدة: فأخبر رسول الله فى هذا الحديث أنه إنما يكون تسعا وعشرين برؤية
الهلال قبل الثلاثين، فقد دلت هذه الآثار لما كشفت عما ذكرنا. وهذا قول أبى حنيفة وأبى يوسف

٤٣٦
باب من حلف أن لا يدخل على أهله شهرا
إعلاء السنن
ومحمد رحمهم الله تعالى. وقد روى ذلك أيضا عن الحسن فذكره (٧٢:٢).
فائدة: قد اختلفت الروايات فى سبب إيلائه معّ من نساءه شهرا، ففى الصحيح من
حديث ابن عباس عن عمر رضى الله تعالى عنهم: "فاعتزل النبى عرّ له نساءه من أجل ذلك
الحديث حين أفشته حفصة إلى عائشة، وقال: ما أنا بداخل عليهن شهرا، من شدة موجدته عليهن
حين عاتبه الله عز وجل".
قال الحافظ: "لم يفسر الحديث المذكور الذى أفشته حفصة. والمراد بالمعاتبة قوله تعالى:
﴿يا أيها النبى لم تحرّم ما أحلّ الله لك﴾، الآيات. وقد اختلف فى الذى حرّم على نفسه وعوتب
على تجريمه على أقوال، فالذى فى الصحيحين أنه العسل، وذكرت فى التفسير قولا آخر أنه فى
تحريم جاريته مارية. وذكرت هناك كثيرا من طرقه، ووقع فى رواية يزيد بن رومان عن عائشة عند
ابن مردويه ما يجمع القولين. وجاء فى ذلك ذكر قول ثالث أخرجه ابن مردويه من طريق الضحاك
عن ابن عباس. قال: دخلت حفصة على النبى معدّ لّه بيتها، فوجدت معه مارية، فقال: لا تخبرى
عائشة حتى أبشرك ببشارة أن أباك يلى هذا الأمر بعد أبى بكر إذا أنامت، فأخبرتها، فقالت له
عائشة ذلك، والتمست منه أن يحرم مارية، فحرمها، ثم جاء إلى حفصة، فقال: أمرتك أن لا تخبرى
عائشة فأخبرتها، فعاتبها، ولم يعاتبها على أمر الخلافة. فلهذا قال الله تعالى: ﴿عرف بعضه وأعرض
عن بعض﴾ وأخرج الطبرانى فى "الأوسط" عن أبى هريرة نحوه بتمامه، وفى كل منهما ضعف.
وجاء فى سبب غضبه منهن وحلفه قصة أخرى، فأخرج ابن سعد من طريق عمرة عن
عائشة، قال: أهديت لرسول الله عَّه هدية، فأرسل إلى كل امرأة من نساءه تصيبها، فلم ترض
زينب بنت جحش بنصيبها فزادها (وعند الحاكم: أنه قال لعائشة: زيد لها) مرة أخرى، فلم ترض،
فقالت عائشة: لقد أقمأت وجهك ترد عليك الهدية (لفظ الحاكم: لقد أهانتك) فقال: لأنتن أهون
على الله من أن تقمئننى (لفظ الحاكم: أنت وهى أهون على الله من أن يهيننى منكن أحد أقسم)،
لا أدخل عليكن شهرا، الحديث. (صححه الحاكم على شرط البخارى وأقره عليه الذهبى
٣٠٢:٤). ومن طريق الزهرى عن عروة عن عائشة نحوه، وفيه: ذبح ذبحًا فقسمه بين أزواجه،
فردته زينب، فقال: زيدوها ثلاثا كل ذلك ترده وفيه: قول آخر أخرجه مسلم، وهو كونهن سألته
النفقة، ويحتمل أن يكون مجموع هذه الأشياء كان سببا لاعتزالهن، وهو اللائق بمكارم
أخلاقه عَّ ◌ُله، وسعة صدره، وكثرة صفحه، وإن ذلك لم يقع منه حتى تكرر موجبه منهن مرّ له

٤٣٧
ج - ١١
باب أن الرجوع فى الأيمان إلى نية الحالف ديانة وإلى نية المتسحلف قضاء
٣٥٦٦ - عن سويد بن حنظلة، قال: "خرجنا نريد رسول الله عَّ ◌ُلّه ومعنا وائل
بن حجر، فأخذه عدوله، فتحرج القوم أن يحلفوا، وحلفت أنه أخى، فخلى
سبيله، فأتينا رسول الله عَّ ◌ُله، فأخبرته أن القوم تحرجوا أن يحلفوا، وحلفت أنه أخى.
قال: صدقت، المسلم أخو المسلم". أخرجه أبو داود (٣٠٨:٢)، وسكت عنه. وفى
"نيل الأوطار" (٤٥١:٨): رجاله ثقات.
٣٥٦٧ - عن أبى هريرة رضى الله عنه قال رسول الله عَّ له: ((يمينك على ما
يصدقك عليه صاحبك)) رواه مسلم (٤٨:٢). وفى لفظ له: اليمين على نية المستحلف.
ورضى عنهن، ويؤيده شمول الحلف للجميع، ولو كان مثلا فى قصة مارية فقط لاختص بحفصة
وعائشة" اهـ ملخصا (٢٥٤:٩).
باب أن الرجوع فى الأيمان إلى نية الحالف ديانة وإلى نية المتستخلف قضاء
قال المؤلف: الحديث الأول من الباب يدل على أن الاعتبار فى الأيمان بنية الحالف إذا كان
اللفظ يحتمله، كما يدل عليه لفظه مرّ ◌ُله: ((المسلم أخو المسلم)). وهو المذهب. ففى الدر المختار:
"وعندنا على العرف ما لم ينو ما لا يحتمله اللفظ" (٣: ١١٠، مع رد المحتار). والحديث الثانى يدل
على خلاف ما دل عليه الأول، فنقول تطبيقا بين الحديثين: إن الثانى محمول على اعتبار نية
المستحلف قضاء، كمن ادعى شيئا على أحد عند القاضى أو الحكم، واستخلف المدعى عليه
فحلف، وروى فى نفسه معنى، فلا يعتبر ذلك عند القاضى، فإن ملاك القضاء ومداره على الظاهر،
فلا يعتبر توريته وتأويله، لئلا يتلف حق المدعى فافهم.
قال محمد: "أخبرنا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم أنه قال: إذا استحلف الرجل وهو
مظلوم فاليمين على ما نوى وعلى ما درى، وإن كان ظالما فاليمين على نية المستخلف قال محمد:
وبه نأخذ وهو قول أبى حنيفة". كذا فى "جامع المسانيد" (٢٧١:٢).
وقال الموفق فى "المغنى": لا يخلوا حال المؤول من ثلاثة أحوال: أحدها أن يكون مظلوما،
مثل من يستحلفه ظالم على شىء لو صدقه لظلمه، أو ظلم غيره، أو نال مسلما منه ضرر،
فهذا تأويله، واحتج له بحديث سويد بن حنظلة. والثانى أن يكون الحالف ظالما فهذا ينفعه تأويله،
ولا نعلم فيه مخالفا، واحتج له بحديث أبى هريرة، وهو ثانی حدیثی الباب. والثالث لم یکن ظالما

٤٣٨
إعلاء السنن
باب استحباب إبرار المقسم
٣٥٦٨- عن البراء بن عازب قال: ((أمرنا رسول الله عَ لّه بسبع، أمرنا بعيادة
المريض، واتباع الجنائز، وتشميت العاطس، وإبرار القسم أو المقسم، ونصر المظلوم،
وإجابة الداعى، وإفشاء السلام)).
٣٥٦٩- وعن ابن عباس فى حديث رؤيا قصها أبو بكر: "أن أبا بكر قال:
أخبرنى يا رسول الله! بأبى أنت وأمى، أصبت أم أخطأت؟ فقال: أصبت بعضا
وأخطأت بعضا، قال: فو الله لتحدثنى بالذى أخطأت. قال: لا تقسم". متفق عليهما
(نيل الأوطار ٤٦٧:٨).
باب من نذر وهو مشرك ثم أسلم یوفی به
٣٥٧٠- عن ابن عمر، أن عمر رضى الله عنه سأل النبى عدّ له، قال: كنت نذرت
فى الجاهلية أن أعتكف ليلة فى المسجد الحرام. قال: ((فأوف بنذرك)). رواه البخارى
(٢٧٢:١)، وفى حاشيته ما نصه: "وفى رواية شعبة عن عبيد الله عند مسلم يومًا بدل
ليلة وقد جمع ابن حبان وغيره بين الروايتين بأنه نذر اعتكاف يوم وليلة. فمن أطلق ليلة
ولا مظلوما، فظاهر كلام أحمد أن له تأويله. وهو مذهب الشافعى. ولا نعلم فى هذا خلافا.
واحتج بأنه مَّه كان يمزح ولا يقول إلا حقا، ومزاحه أن يوهم السامع بكلامه غير ما عناه،
وهو التأويل" (٢٤٤:١١).
باب استحباب إبرار المقسم
قال المؤلف: قد ثبت من الحديث الأول الأمر بإبرار المقسم، ومن الثانى عدم إبراره، حيث
لم يبره ◌ّ لّه، فعلم أن الإبرار مستحب لا واجب.
قال الموفق فى المغنى: "ثبت أن النبى معَّ ◌ُِّ أمر بإبرار المقسم". ورواه البخارى، وهذا والله
أعلم على الندب لا على سبيل الإيجاب، بدليل أن أبا بكر قال: أقسمت عليك يا رسول الله!
لتخبرنى، فقال النبى معَّ ◌ُله: لا تقسم ولم يخبره. ولو وجب عليه إبراره لأخبره" اهـ (٢٤٧:١١).
باب من نذر وهو مشرك ثم أسلم یوفی به
قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة. لكن الإيفاء ليس بواجب، فإن الناذر وقت النذر
لم يكن من أهله، وأما ما فى حاشية البخارى (٢٧٢:١): قال أبو حنيفة: "لا يصح نذره" اهـ.

ج - ١١
٤٣٩
أراد بيومها، ومن أطلق يوما أراد بليلة" اهـ. وقد مر البحث ..... فى اشتراط الصوم
للاعتكاف فى كتاب الصوم.
باب من نذر أن يذبح فى موضع معين يذبح هناك أو فى غيره
٣٥٧١- عن ثابت بن الضحاك: "أن رجلا أتى النبى معَّ ◌ُّه، فقال: إنى نذرت أن
أنحر إبلا ببوانة(١) فقال: كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قالوا: لا! قال: فهل كان
فيها عيد من أعيادهم؟ قالوا: لا! قال: أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر فى معصية الله،
فمعناه - والله تعالى أعلم- لا يجب فافهم.
باب من نذر أن يذبح فى موضع معين يذبح هناك أو فى غيره
قال المؤلف: قد دل الحديث الأول من الباب على اعتبار تعيين موضع النذر، والثانى على
التخيير بين ذلك الموضع وغيره. فيحمل الأول على الاستحباب والثانى على الإباحة فإن قلت:
"يحتمل فى الحديث الثانى أن التخيير كان بسبب كون المسجد الحرام أفضل من بيت المقدس، فإن
الفاضل يدخل فى الأفضل بزيادة، كما قال به أبو يوسف: قلت: لو كان الأمر كذلك لم يقل له
فى آخره: "شأنك إذا" كما هو مقتضى شفقته على أمته، فإن فى الصلاة فى بيت المقدس نصبا مع
نقص الثواب بالنسبة إلى المسجد الحرام. وأيضا: فإن فضل مسجد مكة ومسجد المدينة على
المسجد الأقصى إنما هو فى باب الصلوات المكتوبات، وأما فى النوافل فالبيوت لها أفضل كما مر
فى كتاب الصلاة، ولا شك أن المنذور فى الأصل تطوع فافهم.
قال ابن حزم فى المحلى: لما أخبر الرجل النبى معَّه بأنه نذر الصلاة فى بيت المقدس، فقال له
رسول الله مَّةٍ: صل ههنا، يعنى بمكة، تبين بذلك أنه ليس عليه وجوب نذره أن يصلى فى بيت
المقدس، وصح أنه ندب مباح، وكان فى ظاهر الأمر لازما له أن يصلى بمكة، فلما راجع بذلك
النبى معَّ فقال له عليه السلام: ((فشأنك)) إذا تبين وصح أن أمره مێ له بأن يصلى بمكة ندب
لا فرض أيضا. هذا ما لا يمكن سواه ولا يحتمل الخبر غيره، فصار كل ذلك ندبا فقط اهـ (٢٠:٨).
قلت: وسواء فى ذلك نذره صلاة فرض، أو صلاة تطوع. وفرق ابن حزم بينهما، فقال
بلزوم الوفاء فى صلاة الفرض، وعدم لزومه فى التطوع، واحتج بأنه نذر طاعة، والجواب أن نذر
(١) بضم الموحدة وبعد الألف نون. قال فى التلخيص: موضع بين الشام وديار بكر، قاله أبو عبيدة. وقال البغوى: أسفل مكة دون
يلملم. وقال المنذرى: هضبة من وراء ينبع ومثله فى النهاية (نيل الأوطار).

٤٤٠
حکم تعیین موضع النذر
إعلاء السنن
ولا فيما لا يملك ابن آدم". رواه أبو داود، وأخرجه أيضا الطبرانى، وصححه الحافظ
إسناده (نيل الأوطار ٤٧٩:٨، ٤٨٠).
التطوع نذر طاعة أيضا. فإن قال: إنما قلنا لا يلزمه ذلك فى نذره صلاة تطوع فيها للأثر الثابت عن
رسول الله عَ ◌ّه. قلنا: وهذا الأثر بعينه يدل على إهداء تعيين المكان فى صلاة الفرض. لأن صلاة
التطوع ليست كتابا موقوتا على المؤمنين، وإنما هى على مشيته العبد واختياره، بخلاف صلاة
الفرض فإنها كانت على المؤمنين كتابا موقوتا، لا يجوز لأحد أن يخرجها عن وقتها عمدا. فلما
بطل اعتبار تعيين العبد مكانا للتطوع فلأن يبطل تعيينه ذلك للفرض أولى. وأيضا: فإن نذر كل
طاعة لا يلزم الوفاء به ما لم تكن طاعة مقصودة. ألا ترى أن إسباغ الوضوء على المكاره طاعة،
فلو نذر أن يتوضأ فى الليلة الباردة بالماء البارد لم ينعقد النذر، ولم يلزم الوفاء به، مع أن إسباغ
الوضوء على المكاره يوجب الأجر الجزيل، ولكن أحدا لم يقل بصحة هذا النذر، ولا أظن ابن حزم
أيضا قائلا به، فكذا نذره بالصلاة فى مسجد معين، فإن تعيين المسجد للصلاة ليست بقربة
مقصودة، وإن كان بعض المساجد أفضل من بعض.
قال المحقق فى "الفتح": "قد عرف من الشرع أن التزام ما هو قربة موجب، ولم يثبت من
الشرع اعتبار تخصيص العبد العبادة بمكان، إنما عرف ذلك لله تعالى، فلا يتعدى لزوم أصل القربة
بالتزامه إلى لزوم التخصيص بمكان، فكان ملغى وبقى لازما بما هو قربة" اهـ (٤: ٣٧٥). وسيأتى
بسط ذلك فى الباب الآتى إن شاء الله تعالى، فلا يتم قول ابن حزم بمجرد ما ورد فى الآثار: "إن
صلاة فى مسجد المدينة أفضل من ألف صلاة فيما سواه، وإن صلاة فى المسجد الحرام أفضل من
مائة ألف صلاة فيما سواه إلا مسجد المدينة"، ما لم يثبت من الشرع أن تخصيص العبد العبادة
بمكان قربة، ودون إثباته خرط القتاد. فاندحض ما أورده على أبى حنيفة فى الباب.
قال: "وأما قول أبى يوسف ففاسد أيضا، لأنه يجب على قوله من نذر صوم يوم فجاهد فإنه
يجزيه من الصوم، لأنه قد فعل خيرا مما نذر، وهذا خطأ، لأنه لم يف بنذره" اهـ (٢١:٨). وهذا
لا يرد على أبى يوسف أصلا، فإنه إنما أجاز أداء المنذور فى المكان الأفضل، لأن الفاضل يدخل فى
الأفضل بزيادة، والصوم لا يدخل فى الجهاد أصلا، لكونه نوعا آخر من العبادة غير الصوم، بخلاف
المسجد الحرام والمسجد الأقصى فكلاهما من الأماكن والمساجد، لا بدع فى دخول الفاضل منهما
فى الأفضل. نعم! يرد عليه من نذر صوم يوم من رجب فصام نصف شعبان أن يجزيه من المنذور
وهو قائل به، فإن الصوم لا يتقيد عنده بوقت عينه الناذر له، كما لا تتقيد الصلاة بمكان عينه بها
عندنا، والمذكور فى كتب الحنفية خلاف زفر فى هذا الباب دون خلاف أبى يوسف قال فى