النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
ج - ١١
باب وجوب إيفاء النذر إذا كان طاعة
٣٥١٣ - عن عائشة عن النبى عَّه، قال: ((من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر
أن يعصيه فلا يعصه)). رواه البخارى (٢: ٩٩١). وزاد الطحاوى فى هذا الوجه:
((وليكفر عن يمينه)). (التلخيص الحبير ٣٩٨:٢).
باب وجوب إيفاء النذر إذا كان طاعة
قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة. قال المحقق فى الفتح: "ومن نذر نذرا مطلقا أو غير
معلق بشرط، كأن يقول: لله على صوم شهر أو حجة أو صدقة أو صلاة ركعتين ونحوه مما هو
طاعة مقصودة لنفسها، ومن جنسها واجب، فعليه الوفاء بها. وهذه شروط لزوم النذر فخرج النذر
بالوضوء لكل صلاة، فإنه لا يلزم، لأنه غير مقصود لنفسه. وكذا النذر بعبادة المريض، لأنه ليس من .
جنسه واجب. وأما كون المنذور معصیة یمنع انعقاد النذر فیجب أن یکون معناه إذا كان حراما
لعينه، أو ليس فيه جهة القربة، فإن المذهب أن نذر صوم العيد ينعقد، ويجب الوفاء بصوم يوم غيره
ولو صامه خرج عن العهدة" اهـ ملخصا (٣٧٤:٣). ودليل اشتراطه كونه طاعة مقصودة
ما سيأتى من قوله مَّ له: ((إنما النذر ما يبتغى به وجه الله)). ودليل اشتراط أن يكون من جنسه واجب
ما سيأتى: "إن رجلا نذر الصلاة ببيت المقدس إن فتح الله على رسوله مكة، فقال له النبى عدّ له:
صل ههنا". ودليل انعقاد النذر إذا كان المنذور معصية لغيرها لا لعينها ما صح عن ابن عمر: "أن
آتيا أتاه، فقال: نذرت صوم يوم النحر، فقال له ابن عمر: أمر الله تعالی بوفاء النذر، ونهی رسول
الله عَّه عن صوم يوم النحر". ذكره ابن حزم فى "المحلى" وصححه (١٨:٨). ولم يقل بفساد
النذر وعدم انعقاده، ويدل له ما سيأتى فى النذر بذبح الولد فانتظر.
وقوله: " فعلیه الوفاء بها" أی من حیث هو قربة، لا بکل وصف التزمه به أو عین، وهو
خلافية زفر، فلو نذر أن يتصدق على هذا الفقير فتصدق على غيره عن نذره، أو نذر التصدق فى
هذا اليوم فتصدق فى غد، أو نذر أن يتصدق بهذا الدرهم فتصدق بغيره عن نذره، أو نذر ركعتين
فى المسجد الحرام فأداها فى أقل شرفا منه، أو فيما لا شرف له أجزاه. خلافا لزفر، له أنه نذر بزيادة
قربة فيلزمه. قلنا: عرف من الشرع أن التزامه ما هو قربة موجب، وتخصيص العبد العبادة بمكان
ليس بقربة، بل إنما عرف ذلك لله تعالى، فلا يتعدى لزوم أصل القربة بالنذر إلى لزوم التخصيص
بمكان، فكان ملغى هذا. ودليل لزوم المنذور الكتاب والسنة والإجماع. قال تعالى: ﴿وليوفوا
نذورهم﴾، ومقتضاه الافتراض للقطعية ولكن خص منه النذر بالمعصية وما ليس من جنسه واجب،

٣٨٢
وجوب إيفاء النذر إذا كان طاعة
إعلاء السنن
فلم يكن قطعى الدلالة. ومن السنة كثير، منها حديث المتن. والإجماع على وجوب الإيفاء به، وبه
استدل من قال من المتأخرين بافتراض الإيفاء بالنذر، قاله المحقق فى العضح" أيضا (٣٧٥:٣).
قلت: إنما أجمع المسلمون على صحة النذور لزوم الوفاء به فى الجملة، كما فى "المغنى"
(٣٣١:١١) .. فلم يكن قطعى الدلالة على لزوم كل منذور كما مر فى تأويل الآية، فلذا لم نقل
بالافتراض بل بالوجوب فحسب.
تحقيق النهى عن النذر وهل يكره مطلقا أم لا:
قال الموفق فى المغنى: "ولا يستحب النذر، لأن ابن عمر روى عن النبى معَّ له: أنه نهى عن
النذر، وأنه قال: "لا يأتى بخير وإنما يستخرج به من البخيل". متفق عليه. وهذا نهى كراهة لا نهى
تحريم، لأنه لو كان حراما لما مدح المؤمنين به، لأن ذنبهم فى ارتكاب المحرم أشد من طاعتهم فى
وفائه، ولأن النذر لو كان مستحبا لفعله النبى معَّ له وأفاضل أصحابه" اهـ (٣٣١:١١).
قلت: يعكر عليه ما رواه الطبرانى عن كعب بن عجرة قال: ((بعث رسول الله عّ لّه سرية
فقال: لئن سلمهم الله لأشكرنه، أو قال: على إن سلمهم الله أن أشكره. فغنموا وسلموا، فقال:
اللهم لك الحمد شكرا ولك المن فضلا. فانتظره الناس يصنع شيئا، فلم يرده يصنع شيئا، فقالوا:
يا رسول الله! إنك قلت للذى قال، فقال: أو لم أقل اللهم لك الحمد شكرا ولك المن فضلاً؟ قال
الهيثمى فى مجمع الزوائد: "وفيه سليمان بن سالم المدنى وهو ضعيف" اهـ (١٨٥:٤). قلت: قال
ابن عدى: ما أرى بمقدار ما يرويه بأسا. وقال أبو حاتم: شيخ. وذكره ابن حبان فى الثقات، كذا
فى "اللسان" (٩٢:٣).
ويشهد له ما رواه النواس بن سمعان الكلابى، قال: سرقت ناقة رسول الله عّ لّه الجدعاء،
فقال رسول الله عَّ ◌ُله: ((لئن ردها الله على لأشكرن ربى عز وجل)). فذكر الحديث، وفيه: فقعدت
عليها امرأة مسلمة فى عقله من القوم ثم حركتها فصبحت بها المدينة، فلما رآها المسلمون فرحوا
بها ومشوا بجنبها، حتى أتوا رسول الله مَّه، فلما رآها قال: الحمد لله! فانتظرنا هل يحدث رسول
الله ◌َّهِ صوما أو صلاة، فظنوا أنه قد نسى. فقالوا: يا رسول الله عَ لّه! إنك قلت: لئن ردها الله
تعالى لأشكرن ربى، فقال: أو لم أقل الحمد لله))؟ رواه الطبرانى فى الكبير، وفيه عمرو بن واقد
القرشى، وقد وثقه محمد بن المبارك الصورى، ورد عليه، وقد ضعفه الأئمة وترك حديثه، كذا فى
"مجمع الزوائد" (١٨٧:٤). قلت: قال ابن عدى: هو ممن يكتب حديثه مع ضعفه. وقال أبو
القاسم: محدث شاعر، كذا فى "التهذيب" (١١٦:٨). فلم يتركه ابن عدى وعده أبو القاسم

ج - ١١
وجوب إيفاء النذر إذا كان طاعة
٣٨٣
محدثا، ومثله يعتضد ويعتبر به فى المتابعات.
فبطل قول الموفق: "إن النذر لو كان مستحبا لفعله النبى معَّ له" إلخ. فقد فعله كما ترى،
وكذا فعله أصحابه. أخرج الطبرى بسند صحيح عن قتادة فى قوله تعالى: ﴿يوفون بالنذر﴾. قال:
"كانوا ينذرون طاعة الله من الصيام والصلاة والزكاة والحج والعمرة، ومما افترض عليهم فسماهم
الله أبرارا". كذا فى "فتح البارى" (٥٠٣:١١)، وقول قتادة: " كانوا ينذرون" أراد به الصحابة.
قال الحافظ: "وهذا صريح فى أن الثناء وقع فى غير نذر المجازاة" اهـ. وكأنه جنح إلى ما قاله ابن
دقيق العيد: "إن حديث النهى عن النذر محمول على نذر المجازاة دون نذر الابتداء، ويسمى نذر
التبرر، فهو قربة محضة". كما فيه أيضا (١١: ٥٠١). وفيه أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص
السبب، وقد أمر الله تعالى بإيفاء النذر، ومدح الموفين به، وهو يعم نذر الابتداء ونذر المجازاة
كليهما. ونقل القرطبى الاتفاق على وجوب الوفاء بنذر المجازاة، لقوله مَّه: ((من نذر أن يطيع الله
فليطعه". ولم يفرق بين المعلق وغيره ذكره الحافظ فى "الفتح" أيضا.
فالحق فى تأويل حديث النهى - والله أعلم - أن معناه لا تنذروا على أنكم تدركون بالنذر
شيئا لم يقدره الله لكم، أو تصرفوا به عنكم ما قدره عليكم. فالنهى إنما هو فى حق من يخاف عليه
ذلك الاعتقاد الفاسد، فيكون إقدامه على ذلك محرما، لكونه يظن أن النذر يوجب حصول ذلك
الغرض، أو أن الله يفعل معه ذلك الغرض لأجل ذلك النذر، وإليه الإشارة بقوله معّ له فى الحديث:
"فإن النذر لا يرد من قدر الله شيئا". وفى حق من لا تطاوعه نفسه بإخراج شىء من يده إلا فى
مقابلة عوض يستوفيه أولا فيلتزمه فى مقابلة ما يحصل له كما هو عادة الناس، وإليه الإشارة فى
قوله مَ له " فيستخرج الله به من البخيل، فيؤتينى عليه ما لم يؤتينى عليه من قبل". وقد أخطأ من
ظن مثل ذلك النذر شبيها بالصدقة والدعاء، فإن الدعاء والصدقة عبادة عاجلة، يظهر بها التوجه
إلى الله تعالى والتضرع له والخضوع، بخلاف النذر فإن فيه تأخير العبادة إلى حين الحصول، وترك
العمل إلى حين الضرورة، وقد يشعر التعبير بالبخيل أن المنهى عنه من النذر ما فيه مال، لكن قد
يوصف بالبخل من تكاسل عن الطاعة، كما فى الحديث المشهور: "البخيل من ذكرت عنده فلم
يصل على" (صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه عدد ما يحب وكما يرضى). قاله
الحافظ فى "الفتح" (٥٠٢:١١، ٥٠٣).
وأما من نذر لغرض صحيح وهو أن يثاب عليه ثواب الواجب، وهو فوق ثواب التطوع،
أو لإظهار المحبة، كما ينذر المحب للمحبوب إن متعتنى بنظرة إليك فديتك بمالى ونفسى أو نحوه،

٣٨٤
• إعلاء السنن
باب حکم الاستثناء فى اليمين
٣٥١٤- عن ابن عمر رضى الله عنهما أن رسول الله عَّ له قال: ((من حلف على
يمين فقال: إن شاء الله، فلا حنث عليه)). رواه الترمذى وحسنه (١٥٨:١). وقد صححه
ابن حبان، ورجاله رجال الصحيح، وله طرق كما ذكره صاحب الأطراف (نیل
الأوطار ٨: ٤٥٣).
فلا كراهة، ومثله يمدح الموفى به. والله تعالى أعلم. وفى القول بكراهة النذر مطلقا إشكال على
القواعد، فإنها تقتضى أن الوسيلة إلى الطاعة، كما أن الوسيلة إلى المعصية معصية، والنذر وسيلة
إلى التزام القربة، فيلزم أن يكون قربة. قاله ابن دقيق العيد (فتح البارى، ٥٠١:١١). فلا بد من
القول بأن النذر قربة فى نفسه. وإنما نهى عنه لعارض اعتقاد فاسد أو عادة فاسدة فافهم. فلعلك لا
تجد هذا التحقيق فى غير هذا الكتاب. والحمد لله الملك الوهاب.
باب حكم الاستثناء فى اليمين
قوله: "عن ابن عمر" إلخ. قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة. وفى الزيلعى (٧١:٢) بعد
نقل عدة أحاديث فى الباب ما نصه: وظاهر هذه الأحاديث يقتضى اشتراط الاتصال، فإنها كلها
بالفاء وهى للتعقيب من غير مهلة. واستشكل على هذا ما رواه البخارى ومسلم حديث أبى هريرة
قال: قال رسول الله عرّ فعليه: "قال سليمان بن داود: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة، تلد كل امرأة
منهن غلاما يقاتل فى سبيل الله، فقال له صاحبه: قل إن شاء الله، فلم يقل، فأطاف بهن فلم تلد
منهن إلا امرأة واحدة نصف إنسان. فقال علیه السلام: لو قال: إن شاء الله، لم يحنث، و کان در كا
لحاجته". انتهى. وفيه أيضا: وفى لفظ لهما: "فقال له صاحبه: قل: إن شاء الله، فلم يقل". الحديث
وفى آخره: "أيم الذى نفس محمد بيده لو قال: إنشاء الله، لجاهدوا فى سبيل الله فرسانا أجمعون".
وأشكل من ذلك حديث أخرجه أبو داود فى سننه: حدثنا قتيبة بن سعيد ثنا شريك عن سماك عن
عكرمة، أن رسول الله عٍَّ قال: ((والله لأغزون قريشا، والله لأغزون قريشا، والله لأغزون قريشا،
ثم سكت، ثم قال: إن شاء الله". انتهى. قال أبو داود: وزاد فيه الوليد بن مسلم عن شريك قال،
لم يغزهم وقد أسند هذا الحديث غير واحد عن شريك عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس انتهى.
قلت: رواه ابن حبان فى صحيحه مسندا، وأخرجه أبو يعلى الموصلى فى مسنده عن شريك
عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس، وعن مسعر بن كدام عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس،
قال: قال رسول الله عرّ له: ((والله لأغزون قريشا، والله لأغزون قريشا، والله لأغزون قريشا،

25
ج - ١١
حکم الاستثناء فى اليمين
٣٨٥
٣٥١٥- عن نافع عن ابن عمر رضى الله عنهما عن النبى عَّدٍ، قال: ((من
· حلف فاستثنى فإن شاء مضى، وإن شاء ترك من غير حنث)). رواه النسائي
وسكت عنه (١٤٤:٢).
ثم سكت ساعة. ثم قال: إن شاء الله)). انتهى. قال ابن حبان فى كتاب الضعفاء: هذا حديث رواه
شريك ومسعر فأسنداه مرة وأرسلاه أخرى. انتهى".
قلت: أما الأول فلا دلالة فيه على الفصل بين الاستثناء والمستثنى منه، فإن المراد بالصاحب
هو الملك القرين وكان قوله ذلك بطريق الإلقاء فى القلب، ولا بعد فى كون هذا الإلقاء قبل أن
يتم سليمان كلامه أو مع تمام الكلام بلا فصل، ويؤيده ما فى الحديث من قوله: "فقال له
صاحبه"، أى قال ذلك بالفور، فلو التفت سيدنا سليمان عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام الأكملان
إلى قوله لكان قادرا على وصل الاستثناء بكلامه، فمعنى قوله عليه السلام: ((لو قال: إن شاء الله لم
يحنث)) إلخ أى لو قاله حين لقنه القرين. وأما الثانى فقد مر الجواب عنه فى باب الاستثناء فى
الطلاق. وحاصله أن قوله مرٍّ: إن شاء الله، بعد فصل السكوت بينه وبين قوله: "والله لأغزون
قريشا" محمول على التبرك دون الاستثناء، أو يحمل على السكوت لتنفس ونحوه، قاله الحافظ
فی فتح الباری (٥٢١:١١).
وأجاب الجصاص فى أحكام القرآن له: بأن شريكا رواه عن سماك عن عكرمة أنه معرّ له قال:
((والله لأغزون قريشا)) ثلاثا، ثم قال فى آخرهن: "إن شاء الله". فأخبر أنه استثنى فى آخرهن، وذلك
يقتضى اتصاله باليمين وهو أولى اهـ (٢١٤:٣). ورواية شريك هذه أخرجها أبو داود وابن حبان.
كما فى التلخيص الحبير، وفى النسخة الحاضرة عندنا لأبى داود عن سماك عن عكرمة يرفعه:
((والله لأغزون قريشا، ثم قال: إن شاء الله، ثم قال: والله لأغزون قريشا إن شاء الله، ثم قال: والله
لأغزون قريشا، ثم سكت، ثم قال: إن شاء الله)) الحديث. (١١٦:٢). وفيه دلالة على وصل
الاستثناء باليمين مرتين، ولفظة " ثم" للترتيب الذكرى أو الفصل القليل الذى لا يعد فاصلا شرعا
وعرفا. وإنما وقع السكوت بين اليمين والاستثناء فى الثالثة لعذر، ولعله عَ ◌ّ اكتفى بالاستثناء
المذکور سابقا مرتین ثم صرح به ثالثا تاکیدا.
وبالجملة فلا يصح الاستدلال بهذا الحديث على جواز الفصل بين اليمين والاستثناء، لما فى
ألفاظه من الاختلاف والاضطراب الشديد، وإن سلم فيحتمل أن يكون الاستثناء منفصلا من
خصائصه مّه، بدليل ما فى الدر المنثور: "أخرج ابن أبى حاتم والطبرانى وابن مردويه عن ابن
عباس فى قوله: ﴿واذكر ربك إذا نسيت﴾. قال: إذا نسيت الاستثناء فاستثن إذا ذكرت. قال: هى

٣٨٦
حكم الاستثناء فى اليمين
إعلاء السنن
٣٥١٦- عن نافع عن عبد الله بن عمر، أنه كان يقول: "من قال: والله ثم قال: إن
شاء الله، ثم لم يفعل الذى حلف عليه لم يحنث". رواه الإمام مالك فى الموطأ (١٨٠).
ورواه موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر أيضا موقوفا. وقال فيه: "ثم وصل الكلام
بالاستثناء". وفى رواية: " فقال فى أثر يمينه". قاله البيهقى فى المعرفة (الزيلعى، ٢: ٧١).
خاصة لرسول الله مّ له، وليس لأحد أن يستثنى إلا فى صلة يمينه" اهـ. (٢١٨:٢). وقد صرح
السيوطى فى "الإتقان" أن ابن أبى حاتم لا يخرج عن ابن عباس بالطرق الواهية شيئا فى تفسيره،
بل يتحرى الطرق الصحيحة أو الحسنة منها. وقد ذكرناه فى الكتاب غير مرة. وقال الزيلعى:
أخرجه الطبرانى عن ابن أبى نجيح عن مجاهد عن ابن عباس فى قوله تعالى: ﴿واذكر ربك إذا
نسيت﴾. قال: هى لرسول الله عَّ له، وليس لنا أن نستثنى إلا بصلة اليمين" اهـ (٧٢:٢). قلت:
وابن أبى نجيح من رجال الجماعة ثقة كان سفيان يصحح تفسيره كما فى "التهذيب" (٥٤:٦).
ومجاهد لا يسأل عنه، والمعروف من عادة المصنفين من المحدثين أنهم لا يحذفون من الإسناد
إلا ما سلم عن شوب الطعن، فالأثر صحيح. وفى "مجمع الزوائد" فيه عبد العزيز بن الحصین،
وهو ضعيف، (١٨٢:٤). قلت: وأعجب منه أن الحاكم أخرج له فى "المستدرك"، وقال: إنه ثقة،
كذا فى "اللسان" (٢٩:٤).
قلت: والظاهر سلامة طريق ابن أبى حاتم عنه، فإنه قد التزم أن يخرج أصح ما ورد كما فى
"الإتقان" (١٩٥:٢)، أو كان عنده ثقة كما قاله الحكم. والله أعلم. وبالجملة: فالحديث حسن
وبعد ذلك فلا مساغ للاستدلال بحديث: ((لأغزون قريشا)»، أصلا.
فائدة: الاستثناء مع اليمين مستحب، بدليل ما رواه الطبرانى عن أبى هريرة: " من تمام إيمان
العبد أن يستثنى فى كل حديث". وفيه عبد الله بن سعيد بن أبى سعيد ضعيف، كذا فى "مجمع
الزوائد" (١٨٢:٤). ویکتفی بمثله فى فضائل الأعمال، ولكن لا یبقی به الیمین يمينا، بل يكون
وعدا مؤكدا فاحفظه.
فائدة: قد دل أثر ابن عباس المذكور على أنه لم يكن قائلا بصحة الاستثناء منفصلا كما
اشتهر عنه، فلا بد من حمل المشهور على أن الاستثناء منفصلا كما اشتهر المترتبة على ترك
الاستثناء. وأما إنه يبطل اليمين فلا، وإلا لزم أن لا يجب الكفارة على حالف ويلغو إيجابها،
ولا يكون أحد كاذبا فى يمينه إذا كان يتخلص منها بالاستثناء ولو بعد حين فافهم. قلت: وقوله
المشهور ما رواه الحاكم من طريق الأعمش عن مجاهد عنه: "إذا حلف الرجل على يمين فله أن

ج - ١١
حكم الاستثناء فى اليمين
٣٨٧
٣٥١٧- أخرج الدار قطنى (٢: ٤٩٣): من طريق سعيد بن منصور نا ابن أبى
الزناد عن أبيه عن سالم عن ابن عمر، قال: " كل استثناء غير موصول فصاحبه حانث".
وهذا سند صحيح. قال الحافظ فى "الدراية" (١٢٤): "وروى البيهقى من حديثه:
کل استثناء موصول فلا حنث عليه " اهـ.
يستثنى ولو إلى سنة، وإنما نزلت هذه الآية فى هذا: واذكر ربك إذا نسيت. قال: إذا ذكر استثنى.
قال: وكان الأعمش يأخذ بهذا". (٣٠٣:٤). وصححه على شرط الشيخين، وأقره عليه الذهبى،
ولا بد من الجمع بينه وبين ما رواه أبو حاتم من طريق مجاهد عنه. فأما أن يجمع بما ذكرنا، أو
يقال: كان ابن عباس يراه أولا عاما ثم قال بخصوصه للنبى معَّ ◌ُّه بدليل لاح له. والله أعلم.
لطيفة: ذكر السيوطى فى تبييض الصحيفة فى مناقب الإمام أبى حنيفة نقلا عن تاريخ ابن
خلكان، قال أبو يوسف: دعا أبو جعفر المنصور أبا حنيفة فقال الربيع حاجب المنصور وكان يعادى
أبا حنيفة: يا أمير المؤمنين! هذا أبو حنيفة يخالف جدك، كان عبد الله بن عباس يقول: إذا حلف
على يمين ثم استثنى بعد ذلك بيوم أو يومين جاز الاستثناء، وقال أبو حنيفة: لا يجوز الاستثناء إلا
متصلا باليمين، فقال أبو حنيفة: يا أمير المؤمنين! إن الربيع يزعم أنه ليس لك فى رقاب جندك
بيعة، قال: وكيف ذلك؟ قال: يحلفون لك ثم يرجعون إلى منازلهم فيستثنون فتبطل أيمانهم،
فضحك المنصور، وقال: يا ربيع! لا تتعرض لأبى حنيفة، فلما خرج أبو محنيفة قال له الربيع: أردت
أن تشيط بدمى، فقال له: ولكنك أردت أن تشيط بدمى فتخلصت نفسى اهـ (٣٢).
قوله: "أخرج الدار قطنى" إلخ. دلالته على اشتراط الاتصال فى الاستثناء ظاهرة. وهو
معارض لقول ابن عباس المشهور، ولکن الجمهور على ترجیح قول ابن عمر، یدلیل حديث عبد
الرحمن بن سمرة المتفق عليه مرفوعا: "إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فكفر عن
يمينك"، وغير ذلك من الأحاديث الآمرة باتيان الخير إذا حلف على ضده، فلم يقل رسول الله عرّ له.
فاستثن، ولو جاز الاستثناء منفصلا مبطلا لليمين أو محللا لها لبينه رسول الله عَ لآه له، والسكوت
فى موضع البيان بيان. فثبت أن الاستثناء بفصل ليس بشىء، وأيضا: فلو جاز الاستثناء فى كل ..
حال لم يحنث حانث به، ولم يأثم شاهد يحلف زور، لاستحلاله عنه بالاستثناء ولو بعد حين . ....
قال الموفق فى المغنى: "إن الحالف إذا قال: إن شاء الله، مع يمينه، فهذا يسمى استثناء،
وأجمع العلماء على تسميته استثناء، وأنه متى استثنى فى يمينه لم يحنث فيها، والأصل فيه قول
النبى معَّ: ((من حلف فقال: إن شاء الله، لم يحنث". ويشترط أن يكون الاستثناء متصلا باليمين

٣٨٨
حكم الاستثناء فى اليمين
إعلاء السنن
٣٥١٨- عن عبد الله -يعنى ابن مسعود- قال: "من حلف على يمين فقال: إن
شاء الله فقد استثنى". رواه الطبرانى فى "الكبير"، ورجاله رجال الصحيح إلا أن
القاسم لم يدرك ابن مسعود. (مجمع الزوائد ٨٢:٤). قلت: ورواه محمد فى "الآثار"
عن أبى حنيفة عن القاسم عن عبد الله، والمرسل حجة عندنا.
بحيث لا يفصل بينهما كلام أجنبى، ولا يسكت بينهما سكوتا يمكنه الكلام فيه. فأما السكوت
لانقطاع نفسه أو صوته أوعى أو عارض من عطسة أو غيرها فلا يمنع صحة الاستثناء وثبوت
حكمه، (هذا هو قول الحنفية صرح به المحقق فى "الفتح" ٣٧٧:٣) وبهذا قال مالك والشافعى
والثورى وأبو عبيد وأصحاب الرأى وإسحاق، لأن النبى معَّه قال: "من حلف فاستثنى". وهذا
يقتضى كونه عقيبه، ولأن الاستثناء من تمام الكلام فاعتبر اتصاله به، كالشرط وجوابه، وخبر المبتدأ
والاستثناء يإلا، ولأنه بعد الفراغ رجوع، ولا رجوع فى اليمين"، اهـ ملخصا (٢٢٦:١١).
وقال الشوكانى فى النيل: "فى حديث ابن عمر دليل على أن التقييد بمشية الله مانع من
انعقاد اليمين أو يحل انعقادها. وقد ذهب إلى ذلك الجمهور وادعى عليه ابن العربى الاجماع،
قال: أجمع المسلمون على أن قوله: إن شاء الله، يمنع انعقاد اليمين(١) بشرط كونه متصلا. قال: ولو
جاز منفصلا كما روى عن بعض السلف لم يحنث أحد قط، ولم يحتج إلى كفارة. قال ::
واختلفوا فى الاتصال، فقال مالك والأوزاعى والشافعى والجمهور: هو أن يكون قوله: إن شاء الله،
متصلا باليمين من غير سكوت بينهما، ولا يضر سكتة النفس. وعن طاوس والحسن وجماعة من
التابعين أن له الاستثناء ما لم يقم من مجلسه. قال قتادة: ما لم يقم أو يتكلم وقال عطاء: قدر حلبة
ناقة. وقال سعيد بن جبير: يصح بعد أربعة أشهر. (قلت: ذكر الأقوال كلها بأسانيدها ابن حزم فى
"المحلى " ٤٥:٨، ٤٦). ولا فرق بين الحلف بالله أو بالطلاق أو العتاق أن التقييد بالمشيئة يمنع
الانعقاد، وإلى ذلك ذهب الجمهور، وبعضهم فصل، واستثنى أحمد العتاق لحديث: إذا قال: أنت
طالق إن شاء الله لم تطلق، وإن قال لعبده: أنت حر إن شاء الله فإنه حر. وقد تفرد به حمید بن
مالك وهو مجهول، كما قال البيهقى. والظاهر من أحاديث الباب أن التقييد إنما يفيد إذا وقع
بالقول كما ذهب إليه الجمهور، لا بمجرد النية إلا ما زعمه بعض المالكية أن قياس قول مالك صحة
الاستثناء بالنية" اهـ ملخصا (٤٥٣:٨، ٤٥٤).
قوله: "عن عبد الله" إلخ. قلت: أخرجه ابن حزم فى "المحلى" بلفظ: "من حلف ثم قال: إن
(١) قلت: فما ذكره المحقق فى الفتح من خلاف مالك فيه ضعيف. فإن ابن العربى أعرف الناس بمذهب مالك. والله تعالى أعلم.

ج - ١١
حکم الاستثناء فى اليمين
٣٨٩
٣٥١٩- عبد الرزاق عن سفيان الثورى عن المغيرة عن إبراهيم: "إن استثنى فى
نفسه فلیس بشىء حتی یظهره بلسانه".
٣٥٢٠- وعن معمر عن حماد فى الاستثناء: "ليس بشىء حتى يسمع نفسه".
٣٥٢١- وعن قتادة عن الحسن البصرى: "إذا حرك لسانه أجزأ عنه فى
الاستثناء". أخرجه ابن حزم فى "المحلى" (٤٥:٨). وإسناده صحيح.
٣٥٢٢- أخبرنا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم: "إذا حرك شفتيه بالاستثناء فقد
استثنى". أخرجه محمد فى الآثار (١٠٤) وقال: بهذا نأخذ وهو قول أبى حنيفة اهـ.
شاء الله فهو بالخيار" اهـ. (٤٦:٨). فأخذ منه أن ابن مسعود يقول فى صحة الاستثناء بمهلة غير
محدودة، وليس بصحيح فإن لفظة ثم فيه من تصرف الرواة وقد روى عنه بسند رجاله رجال
الصحيح: "من حلف فقال: إن شاء الله". بالفاء وهو يفيد التعقيب بلا تراخ فافهم.
وأما ما رواه عبد الرزاق عن الثورى عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة عن القاسم ابن
عبد الرحمن، قال: قال عبد الله بن مسعود: قال أبو ذر هو الغفارى: " ما من رجل يقول حين
يصح: اللهم ما قلت من قول، أو حلفت من حلف، أو نذرت من نذر، فمشيتك بين يدى ذلك
كله، ما شئت منه كان وما لم تشاء لم يكن، فاغفره لى وتجاوز لى عنه إلا كافى استثناءه بقية يومه
ذلك". كما فى المحلى أيضا، فليس معناه أن الاستثناء أول النهار يمنع انعقاد كل ما حلف به فى
نهاره ذلك، بل معناه أنه يسلم بهذا القول عن كراهة ترك الاستثناء فى كلامه؛ فيغفر له ذلك
ويتجاوز عنه. وأما فى الحكم فكل استثناء لم يكن متصلا باليمين لا يعتد به، ولو سلم ففيه ما فى
قول ابن عباس، وقد ذكرنا ترجيح قول ابن عمر عليه، فكذا على هذا، ولا يلزم من رواية ابن
مسعود قول أبى ذر هذا أن يكون ذلك مذهبه فافهم.
قوله: "عبد الرزاق" إلى قوله: "أخبرنا أبو حنيفة أولا" إلخ. قال الموفق فى "المغنى":
"ويشترط أن يستثنى بلسانه، ولا ينفعه الاستثناء بالقلب فى قول عامة أهل العلم منهم الحسن
والنخعى والثورى والأوزاعى والليث والشافعى وإسحاق وأبو ثور وأبو حنيفة وابن المنذر،
ولا نعلم لهم مخالفا، لأن النبى معَّ لّه قال: من حلف فقال: إن شاء الله، والقول هو النطق، ولأن
اليمين لا تنعقد بالنية فكذلك الاستثناء، وقد روى عن أحمد: إن كان مظلوما فاستثنى فى نفسه
رجوت أن يجوز إذا خاف على نفسه، فهذا فى حق الخائف على نفسه، لأن يمينه غير منعقدة (عند
أحمد ومن وافقه) أو لأنه بمنزلة المتأول، وأما فى حق غيره فلا" اهـ (٢٢٨:١١).

٣٩٠
حكم الاستثناء فى اليمين
إعلاء السنن
٣٥٢٣- أخبرنا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم: إذا قال لامرأته: أنت طالق إن
شاء الله، قال: ليس بشىء. لا يقع عليها الطلاق. أخرجه محمد فى الآثار (١٠٤).
وقال: بهذا نأخذ إذا كان استثناء موصولا بيمينه قدمه أو أخره وهو قول أبى حنيفة اهـ.
الرد على ابن حزم فى نسبته إلى أبى حنيفة إلغاء الاستثناء فى اليمين بغير الله
قوله: "أخبرنا أبو حنيفة" ثانيا إلخ. ورحم الله ابن حزم حيث عزى إلى أبى حنيفة ما لم يقل
به ثم بنى على زعمه الباطل تشنيع مذهبه وبتشيعه، ولم يدر أن من بصق فى وجه السماء تلطخ به
وجهه. قال ابن حزم: "والعجب أن أبا حنيفة ومالكا يريان الاستثناء فى اليمين بالله تعالى فقط.
ولا يريانه فى سائر الأيمان، وهذا عجب جدا أن يكون الأيمان لغير الله أو كد وأعظم من اليمين .
بالله، لأن اليمين بالله تعالى يسقطها الاستثناء، ويسقطها الكفارة، واليمين بغير الله أجل من أن
يسقطها الاستثناء، ومن أن يسقطها الكفارة، ومن أن يكون فيها غير الوفاء بها، ونحن نبرأ إلى الله
تعالى من هذا القول البشيح الشنيع، والكفارة فى نص القرآن جاءت على الأيمان جملة، والاستثناء
فى بيان رسول الله عَّه جاء فى الحلف جملة، فإن كان تلك أيمانا فالاستثناء والكفارة فيها، وإن
لم تكن أيمانا فمن أين ألزموها" اهـ (٤٧:٨).
وقد عرفت أن أبا حنيفة قائل بالاستثناء فى الطلاق والعتاق وسائر الأيمان، نعم! قد توقف
أحمد فى جواب من قال لزوجته: أنت طالق إن شاء الله، أو لعبد: أنت حر إن شاء الله، وفى موضع
قطع أنه لا ينفعه الاستثناء، لأنهما ليسا من الأيمان، وبه قال مالك والأوزاعى والحسن وقتادة
(فلأحمد ومالك سلف فيه من أجلة التابعين) ولأنه أوقع الطلاق والعتاق فى محل قابل فوقع كما
لو لم يستثن. والحديث (وكذا نص القرآن) إنما تناول الأيمان، وليس هذا بيمين، إنما هو تعليق على
شرط (فلا يكون فيها الكفارة). قال ابن عبد البر: إنما ورد التوقيف بالاستثناء (والكفارة) فى اليمين
بالله، وقول المتقدمين الأيمان بالطلاق والعتاق إنما جاز على التقريب والأتساع، ولا يمين فى الحقيقة
إلا بالله، وهذا طلاق وعتاق (وليس بيمين وتحصل بذلك الجواب عنما أورده ابن حزم عليهم
فافهم). وقال طاوس وحماد والشافعى وأبو ثور وأصحاب الرأى بجواز الاستثناء فيهما، لأنه علق
الطلاق والعتاق بشرط لم يتحقق وجوده. (فلا يحكم بوجود الجزاء بالشك فلم يقعا، كما لو علقه
بمشيئة زيد ولم يتحقق مشيئته اهــ ملخصا (المغنى ٢٣١:١١).
الرد على ابن حزم فى إيراده على مالك فى مسألة الاستثناء
٤٠٠. قال ابن حزم: "وعجب آخر عجيب جدا، وهو أن مالكا قال: إن الاستثناء فى الأيمان إن

ج - ١١
حكم الاستثناء فى اليمين
٣٩١
نوى به الحالف الاستثناء فهو استثناء صحيح، فإن نوى به قول الله عز وجل: ﴿ولا تقولن لشىء
إنى فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله"، لم يكن استثناء. قال ابن حزم: هذا كلام لا يدرى ما هو،
ولا ماذا أراد قائله به، ولقد رمنا أن نجد عند من أخذنا قوله عنه من المنتمين إليه معنى يصح فهمه
لهذا الكلام فما وجدناه، إلا أنهم يحملونه کما جاء، و کما نقول نحن فی کھیعص وطه آمنا به،
كل من عند ربنا وإن لم نفهم معناه " اهـ (٤٧:٨).
قلت: لقد صدق من قال: إن ابن حزم علمه أكثر من عقله، وروايته أوفر من درايته، وهكذا
أهل الظاهر كلهم لا يكادون يفقهون حديث الأئمة، فكيف بكلام الله وحديث الرسول مَ لآه؟
وإنما أراد مالك أنه إذا لم يرد بقوله: "إن شاء الله" الاستثناء وقطع اليمين، بل أراد التبرك فحسب،
لم يكن استثناء، وأنه يحنث، ودليل ذلك قوله: "ولم يرد الاستثناء". وذكر سحنون بعد ذلك قول
عطاء: "ما لم يقطع اليمين وتبرك". كما فى "المدونة" (٣٣:٢، ٣٤) وليس قول مالك ذلك
بعجيب، بل أعجب منه قول من قال بصحة الاستثناء من غير قصد، وهو لا يقول بانعقاد اليمين
بدونه، استدلالا بقوله تعالى: ﴿ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾، وبقوله مرّ خلّه: ((إنما الأعمال
بالنيات)). كما فعله ابن حزم فى المحلى (٣٤:٨). ويوضح قول مالك هذا ما ذكره الموفق فى المغنى
عن القاضى: "إنه اشترط أن يقصد الاستثناء، فلو أراد الجزم فسبق لسانه إلى الاستثناء من غير
قصد، أو كانت عادته جارية بالاستثناء فجرى على لسانه على العادة من غير قصد لم يصح، لأن
اليمين لما لم ينعقد من غير قصد فكذلك الاستثناء، وهذا مذهب الشافعى" اهـ (٢٢٩:١١).
قلت: ويتعسر الانفصال عنه على من يقول باشتراط القصد فى اليمين. ومنهم ابن حزم
أيضا. وأما الحنفية فلم يشترطوا ذلك فى اليمين كما تقدم، فكذلك فى الاستثناء. والله تعالى أعلم.
وعلمه أتم وأحكم، وله الحمد على ما علم وألهم وفهم.
تحقيق الاستشاء فى قوله مظله: ((إلا الإذخر)):
فائدة: قال الحافظ فى الدراية: "استدل على عدم اشتراط الاتصال (فى الاستثناء) بما رواه
مالك عن زيد بن أسلم عن جابر، قال: رأى رسول الله مَ ◌ّه رجلا، فقال: ضرب الله عنقه، فسمعه
الرجل، فقال: فى سبيل الله يا رسول الله! فقال: فى سبيل الله. فقتل الرجل (فى سبيل الله). وقصة
العباس فى قوله: إلا الإذخر، هو من هذا الوادى (٢٤١).
قلت: ليس ذلك من باب الاستثناء فى شىء، أما الأول فظاهر. وأما الثانى فلأن لفظ

٣٩٢
حكم الاستثناء فى اليمين
إعلاء السنن
الحديث المتفق عليه عند الجماعة بعد قوله عرّ له: ((لا يختلى خلاها)). قال العباس: "يا رسول
الله عَ ◌ّه! إلا الإذخر، فإنه لقينهم ولبيوتهم" قال: ((إلا الإذخر)). ولا شك أن قول العباس:
"إلا الإذخر" ليس من باب الاستثناء، وإلا لزم وقوع الاستثناء فى كلام غير من تكلم بالمستثنى
منه، ولم يقل بجوازه أحد، فلا بد من القول بأن العباس لم يرد به أن يستثنى هو، وإنما أراد به
الضراعة والتلقين، بدليل ما وقع فى مرسل مجاهد عند عمر بن شبة مكان قوله: "إلا الإذخر":
"يا رسول الله! إن أهل مكة لا صبر لهم عن الإذخر لقينهم وبيوتهم" (فتح البارى ٤: ٤٢).
فكذلك قوله ◌َّه: "إلا الإذخر" ليس من باب الاستثناء، بل من باب الترخيص وقبول الضراعة،
وإنما أورده فى صورة الاستثناء مراعاة لمشاكلة ضراعة فهو استثناء صورة وترخيص ونسخ معنى،
كما أن قول العباس: إلا الإذخر استثناء صورة وضراعة وتلقين معنى، أو يقال: إنه من باب
التفسير، فإن مراده عَ لّه بقوله: "لا يختلى خلاها" ما يمكن حمله من الحل ولا يتعذر الصبر عنه،
لکون الحرج مدفوعا فى الشرع، و کان ذلك مما قد علمه العباس، ولكنه أراد مزيد البيان
فأجابه مَّه بقوله: إلا الإذخر مفسرا لقوله: لا يختل خلاها. وأخرجه فى صورة الاستثناء مشاكلة
كما مر. وقد تقرر فى الأصول أن الاتصال إنما هو شرط لبيان التغيير دون بيان التفسير فلفظة "إلا"
ههنا بمعنى لكن، كما فى قوله تعالى: ﴿لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثیما إلا قيلا سلاما سلاما﴾.
وأجاب الجمهور عن ذلك بأن هذا الاستثناء فى حكم المتصل، لاحتمال أن يكون عَّ خلّه أراد أن
يقول إلا الإذخر فشغله العباس بكلامه فوصل كلامه بكلام نفسه، فقال: ((إلا الإذخر)). ذكره
الحافظ فى "الفتح" (٤٣:٤).
وفيه أيضا: قال ابن المنير: "والحق أن سؤال العباس كان على معنى الضراعة (والالتماس)
وترخيص النبى معَّه كان تبليغا عن الله، إما بطريق الإلهام أو بطريق الوحى، ومن ادعى أن نزول
الوحى يحتاج إلى أمد متسع فقد وهم" اهـ. قلت: والترخيص بعد التضييق والتخصيص بعد
التعميم نسخ عندنا كما تقرر فى الأصول، ولا يشترط اتصاله بالمنسوخ كما هو معلوم. ويحتمل
أن يقال: إنه مَّ أراد إعادة الكلام من أوله حتى يتصل الاستثناء بالمستثنى منه، ولكن الراوى
اكتفى بقوله: "إلا الإذخر" اختصارا. ونظيره ما ورد فى الصحيح: أن النبى مّ ل أملى على زيد بن
ثابت: "لا يستوى القاعدون من المؤمنين والمجاهدون فى سبيل الله"، فجاءه ابن أم مكتوم -وكان
أعمى - قال: يا رسول الله! والله لو أستطيع الجهاد معك لجاهدت، فأنزل الله على رسوله مد ظله، ثم
سرى عنه، فأنزل الله: "غير أولى الضرر". وفى رواية فنزلت مكانها: ﴿لا يستوى القاعدون من
المؤمنين غير أولى الضرر والمجاهدون فى سبيل الله﴾ قال ابن المنير: لم يقتصر الراوى فى الحال الثانى

ج - ١١
حکم الاستثناء فى اليمين
٣٩٣
على ذكر الكلمة الزائدة، وهى: ﴿غير أولى الضرر﴾ فإن كان الوحى نزل بزيادة قوله: "غير أولى
الضرر" فقط، فكأنه رأى إعادة الآية من أولها حتى يتصل الاستثناء بالمستثنى منه، وإن كان الوحى
نزل بإعادة الآية بالزيادة بعد أن نزل بدونها، فقد حكى الراوى صورة الحال كذا فى فتح البارى
(١٩٦:٨). فاحفظه فإنه تحقيق نفيس عجب، قد أعطيناك بلا تعب بعد ما تجشمنا فيه من تصفح
الأوراق وتتبع الكتب والأطباق أمرا جليلا، وحملا ثقيلا. وربنا أعلم بمن هو أهدى سبيلا.
ولنذكر فى خاتمة الكلام قول الآمدى فى "كتاب الأحكام" ونصه: "شرط صحة الاستثناء
عند أصحابنا وعند الأكثرين أن يكون متصلا بالمستثنى منه حقيقة من غير تخلل فاصل بينهما،
أو فى حكم المتصل، وهو ما لا يعد المتكلم به آتيا به بعد فراغه من كلامه الأول عرفا وإن تخلل
بينهما فاصل بانقطاع النفس أو سعال مانع من الاتصال حقيقة. ونقل عن ابن عباس أنه كان يقول
بصحة الاستثناء المنفصل وإن طال الزمان. وذهب بعض أصحاب مالك إلى جواز تأخير الاستثناء
لفظا لكن مع إضمار الاستثناء متصلا بالمستثنى منه، ويكون المتكلم به مدینا فيما بينه وبين الله
تعالى، ولعله مذهب ابن عباس. حجة القائلين بالاتصال من ثلاثة أوجه:
الأول: ما روى عن النبى معَّ أنه قال: "من حلف على شىء فرأى غيره خيرا منه فليأت
الذى هو خير وليكفر عن يمينه". ولو كان الاستثناء المنفصل صحيحا لأرشد النبى معَ ◌ّه لكونه
طريقا مخلصا للحالف، لأن النبى معَّ له إنما يقصد التيسير والتسهيل، ولا يخفى أن الاستثناء أيسر
وأسهل من التکفیر، فحیث لم یرشد إلیه دل على عدم صحته.
الثانى: أن أهل اللغة لا يعدون ذلك كلاما منتظما ولا معدودا من كلام العرب، ولهذا لو
قال لفلان على عشرة دراهم، ثم قال بعد شهر أو سنة: إلا درهما، أو قال: رأيت بنى تميم، ثم قال
بعد شهر: إلا زيدا، فإنه لا يعد استثناء ولا كلاما صحيحا، كما لو قال: رأيت زيدا، ثم قال بعد
شهر: قائما، فإنهم لا يعدونه بذلك مخبرا عن زيد بشىء.
الثالث: أنه لو قيل بصحة الاستثناء المنفصل لما علم صدق صادق ولا كذب كاذب،
ولا حصل وثوق بيمين، ولا وعد ولا وعيد، ولا حصل الجزم بصحة عقد نكاح وبيع وإجارة،
ولا لزوم معاملة أصلا، لإمكان الاستثناء المنفصل ولو بعد حين، ولا يخفى ما فى ذلك من التلاعب
وإبطال التصرفات الشرعية وهو محال، فإن قيل: إن ابن عباس ترجمان القرآن ومن أفصح فصحاء
العرب وقد قال بصحة الاستثناء المنفصل. قلنا: لعله كان يعتقد صحة إضمار الاستثناء، ويدين

٣٩٤
حكم الاستثناء فى اليمين
إعلاء السنن
المكلف بذلك فيما بينه وبين الله تعالى وإن تأخر لفظا، وهو غير ما نحن فيه، وإلا فهو مخصوم بما
ذكرناه من الأدلة، واتفاق أهل اللغة على إبطاله ممن سواه" اهـ. ملخصا (٤٢٠:٢-٤٢٤).
وبهذا كله ظهرت سخافة رأى ابن حزم حيث ألزم الحنفية بقوله: ويلزمهم إذ قاسوا ما
يكون صداقا على ما تقطع فيه اليد فى السرقة أن يقيسوا مدة مهلة الاستثناء على مدة الإيلاء،
فيقولوا بقول سعيد بن جبير فى ذلك. (وهو جواز الاستثناء بعد أربعة أشهر) أو يجعلوه شهرا على
قولهم فى أجل المدين أنه يسجن شهرا، ثم يسأل عنه بعد شهر، أو يقيسوه على قولهم الفاسد فى
المخيرة أن لها الخيار ما لم تقم عن مجلسها، أو تتكلم فأى فرق بين هذه التحكمات فى الدين وبين
مهلة الاستثناء؟ وهل هذا إلا شبه التلاعب بالدين" اهـ (المحلى ٤٨:٨).
قلت: وهل هذا إلا كلام من لا دراية له ولا فقه! وأى شبه بين هذه وتلك؟ فإن الاستثناء
والمستثنى منه كلام واحد، ولا يجوز انفصال أحد أجزاء الكلام عن الآخر، فهل تحقق مثله فى
النظائر التى ذكرها مع انفصال أحد أجزاء الكلام الواحد عن الآخر؟ وإذا لا فهل قياس الاستثناء
عليها إلا كقياس الولدين قد ارتضعا بلبن شاة على الولدين الذين قد ارتضعا بلبن امرأة! قال:
"والعجب من إجازتهم أُکل ما ذبح. أو نحر ونسی مذ کیه أن یسمی الله تعالی، ثم لا یرون ههنا
نسيان الاستثناء عذرا يوجبون للحالف به الاستثناء متی ذکر". قلت: ليس ذلك بأعجب من اعتبار
القصد فى اليمين فلا يكون الحالف ناسيا حالفا، وعدم اعتباره فى الاستثناء، حیث یکون الآتى بها
ناسيا مستثنيا، كما هو قولك أنت، ولا يصح قياس نسيان الاستثناء على نسيان التسمية، لكون
الاستثناء جزء للكلام مغيرا له، بخلاف التسمية فإنها كلام مستقل برأسه ليس جزء لكلام سابق
عليه ولا مغيرا له، وأيضا: فإن ناسى التسمية عند الذبح قد عد ذاكرا لها بالنص على خلاف
القياس، فيقتصر على مورده ولا يتعداه كما تقرر فى الأصول. نعم يلزم ابن حزم أن يجعل تارك
الاستثناء فى اليمين ناسيا غير تارك له، بدليل قوله مَ له: "رفع عن أمتى الخطأ والنسيان". كما
جعل الحانث فى اليمين ناسيا غير حانث بهذا الدليل، وإلا فأى فرق بين الحنث ناسيا وبين حذف
الاستثناء ناسيا. وأما قوله: "إن الحانث هو القاصد إلى الحنث". فتحكم فى اللغة، فإن الحنث إنما
هو الخلف فى اليمين مطلقا، سواء كان عمدا أو نسيانا، ومن زاد فيه شرط القصد فعليه البيان.
والله المستعان.

ج - ١١
٣٩٥
باب الیمین فی الأكل والشرب
باب ما ورد فى الأحاديث من أنواع الإدام
٣٥٢٤ - عن جابر رضى الله عنه عن النبى معَ ◌ّه، قال: ((نعم الإدام الخل)). رواه
الجماعة إلا البخارى (نيل ٤٥٥:٨).
٣٥٢٥- عن ابن عمر رضى الله عنهما قال: قال رسول الله عَّ له: ((ائتدموا
بالزيت وادهنوا به، فإنه من شجرة مباركة)). رواه ابن ماجه ورجاله ثقات إلا الحسين بن
مهدى شيخ ابن ماجه. فقال فى "التقريب": إنه صدوق (نيل، السابق).
٣٥٢٦- عن يوسف بن عبد الله بن سلام، قال: "رأيت النبى مُ لِّ أخذ كسرة
من خبز شعير فوضع عليها تمرة، وقال: هذه إدام هذه" رواه أبو داود والبخارى (نيل
٤٥٥:٨). وإسناد أبى داود صحيح كما فى "المرقاة" (٤: ٣٨٤).
٣٥٢٧- حدثنا القومسى(١) حدثنا الأصمعى عن أبى هلال الراسبى عن عبد الله
ابن بريدة عن أبيه عن النبى معَّ ◌ُلّه، قال: ((سيد إدام أهل الدنيا والآخرة اللحم)). رواه ابن
قتيبة(٢) فى غريبه (نيل ٤٥٥:٨). ورواه البيهقى والطبرانى فى "الأوسط"، وأبو نعيم فى
الطب فى حديث. قال الشيخ: حديث حسن لغيره (العزيزى ٣٢٠:٢).
باب ما ورد فى الأحاديث من أنواع الإدام
قوله: "عن جابر رضى الله عنه" إلخ. قال المؤلف: دلالته على كون الخل إداما ظاهرة.
و کذلك دلالة الحدیث الذی بعده.
قوله: "عن يوسف" إلخ. قال المؤلف: دلالته على كون التمر إداما ظاهرة، لكنه مخصوص
بموضع جرى فيه العرف به كما يتحصل من كلام الفقهاء، ففى المرقاة (٤: ٣٨٤): "عن ميرك:
يحتمل أنه وقع إطلاق الإدام على التمر فى الحديث مجازا أو تشبيها بالإدام حيث أكله مع الخبز.
قلت: هذا المحتمل هو المتعين وإلا لكان قوله عّلّه تحصيلا للحاصل. وأما مبنى الأيمان
والحنث على العرف المختلف زمانا ومكانا. اهـ. وفى "الدر المختار" (١٤٦:٣ مع رد المحتار)"فما
يؤكل وحده غالبا كتمر وزبيب وجوز وعنب وبطيخ وبقل وسائر الفواكه ليس إداما، إلا فى
(١) بضم وإهمال سين نسبة إلى "قومس" كذا فى المغنى (٦٥ طبع مجتبائی دهلى).
(٢) هو عبد الله بن مسلم بن قتيبة أبو محمد صاحب التصانيف صدوق قليل الرواية، كذا فى ميزان الاعتدال (٢: ٧٧)

٣٩٦
إعلاء السنن
٣٥٢٨- حدثنا هشام بن عمار ثنا مروان بن معاوية ثنا عيسى بن عیسی عن رجل
أراه موسى عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله عَّ له: ((سيد إدامكم الملح)). رواه ابن
ماجه (٢٤٦). قلت: هذا سند ضعيف لكن يتأيد به العرف.
باب اليمين فى العتق والطلاق
باب إن اشترى أباه ینوی عن كفارة يمينه أجزأه
٣٥٢٩- عن أبى هريرة رضى الله عنه مرفوعًا: ((لا يجزئ ولد والده إلا أن يجده
مملوكا فيشتريه فيعتقه)). أخرجه الجماعة إلا البخارى (زيلعى ٢: ٧٢).
موضع يؤكل تبعا للخبز غالبا اعتبارا للعرف" اهـ. فاندحض بذلك ما أورده ابن حزم فى المحلى على
قول أبى حنيفة: "من حلف أن لا يأكل إداما فأكل خبزا بشواء لم يحنث. فإن أكله بملح أو بزيت
أو بشىء يصبغ فيه الخبز حنث". قال ابن حزم: "هذا كلام فاسد جدا، لأنه لا دليل عليه لا من
شريعة ولا من لغة، ثم ذكر حديث يوسف بن عبد الله بن سلام هذا، وقال: أصل الإدام الجمع بينه
وبین الخبز، فکل شیء جمع إلی اخبز ليسهل أ کله به فهو إدام" اهـ (٥٦:٨).
قلت: نعم! هو إدام لغة لا عرفا. وقد اعترف ابن حزم بأن المنظور إليه فى الأيمان ما تعارفه
أهل تلك اللغة فى كلامهم (٨: ٦٠). وأبو حنيفة أعرف منه ومن ألوف أمثاله بعرف الكوفة
والعراق، كما أن ابن حزم أعرف منا بعرف بلاده، فيكف يكون كلام أبى حنيفة فاسدا وكلامه
صحيحا؟ وهل هذا إلا تحكم بالباطل؟ وأما الحديث فقد ذكرنا تأويله، وأيضا: فلو كان مبنى الأيمان
على عرف القرآن والحديث دون ما تعارفه الناس للزم ابن حزم أن يقول بحنث من حلف أن لا يقرأ
بضوء سراج فقرأ بضوء الشمس، لقوله تعالى: ﴿وجعل الشمس سراجا﴾: وبحنث من حلف لا
يلقى ثيابه على وتد فألقاها على جبل، لقوله تعالى: "والجبال أوتادا". وهو لا يقول به، كما فى
"المحلى" (٦١:٨)، وأول راض سيرة من يسيرها.
باب إن اشتری أباه ینوی عن کفارة یمینه أجزاه
قال المؤلف: وجه دلالة حديث الباب عليه بما فى "الهداية" (٤٧٨:٢): "ولنا أن شراء
القريب إعتاق، لقوله عليه السلام: "لن يجزى ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه".
جعل نفس الشراء إعتاقا، لأنه لا يشترط غيره، فصار نظير قوله: "سقاه فأرواه" اهـ فى حاشية
المشكاة عن "اللمعات" (٢٤٩:٢ طبع نظامى دهلى) تحت هذا الحديث: "قوله: "فيعتقه". ليس
المعنى على استئناف العتق وإنشاءه فيه بعد الشراء، ويؤيده ما يأتى فى الحديث الآتی فیمن ملك ذا

ج - ١١
٣٩٧
باب من نذر نذرا فى معصية أو فيما لا يطيقه فكفارتهما كفارة يمين
٣٥٣٠ - عن عائشة عن النبى عّ لّه، قال: ((من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر
أن يعصيه فلا يعصه)). رواه البخارى (٩٩١:٢). وزاد الطحاوى فى هذا الوجه:
((وليكفر عن يمينه)). (التلخيص الحبير ٣٩٨:٢).
رحم محرم منه فهو حر. وأجمعوا على أنه يعتق على ابنه إذا ملكه فى الحال، لكن لما كان شراؤه
سببا لعتقه اضیف إلیه، وذهب أصحاب الظواهر إلى أنه لا يعتق بمجرد ملكه، وإلا لم يصح ترتيب
الإعتاق على الشراء. والجمهور على أنه يعتق عليه بمجرد التملك. وقيل: عليه الإجماع. ومعنى
قوله: فيعتقه أى بالشراء لا بالإنشاء"اهـ. قلت: قد مر حديث: "من ملك" إلخ فى كتاب العتاق.
وقال زفر والشافعى ومالك وأحمد، وهو قول أبى حنيفة الأول: إن شراء القريب لا يجزى عن كفارة
اليمين، لأن العلة للعتق هى القرابة المحرمة لا شراؤه، والواجب تحرير رقبة، والتحرير فعل العتق ولم
يحصل العتق ههنا بتحرير منه ولا إعتاق، فلم يكن ممتثلا للأمر، ولأن عتقه مستحق بسبب آخر فلم
يجزئه كما لو ورثه ينوى به العتق عن كفارته وكأم الولد، كذا فى "المغنى" (٢٦٨:١١).
ولنا أن علة العتق مجموع القرابة والملك، ولذا جمعنا بينهما غير أن الشراء علة الجزء العلة،
ولما كان الشراء الاختيارى هو الجزء الأخير من العلة بخلاف القرابة أضيف الحكم إليه، ولذا قلنا:
شراء القريب إعتاق، وهو مؤيد بالنص، وهو قوله مرّ له: "فيشتريه فيعتقه"، جعل الشراء إعتاقا، فإذا
نوى عند الشراء أنه يشتريه عن كفارته صح، بخلاف ما إذا ملك أباه بالإرث، فإن الملك يثبت فيه
بلا اختيار، فلا يتصور النية فيه، فلا يعتق عن كفارته إذا نواه، لأنها نية متأخرة عن العتق، بخلاف
ما إذا وهب له أو أوصى له به أو تصدق به عليه فنوى عند القبول فإنه يصح لسبقها مختارا فى
السبب. وظهر بذلك فساد قولهم: العتق مستحق بالقرابة، لأن العتق لا يثبت قبل تمام العلة، وبطل
قياسهم ذلك على أم الولد، لأن حريتها مستحقه بالاستيلاد لا مدخل فيه لإعتاقه أصلا اهـ ملخصا
من "فتح القدير" بمعناه (٤: ٤٣٩). والله أعلم.
باب من نذر نذرا فى معصية أو فيما لا يطيقه فكفارتهما كفارة يمين
قال المؤلف: دلالة مجموع أحاديث الباب عليه ظاهرة.
قلت: وفى حديث ابن عباس هذا دلالة أيضا على أن النذر المبهم كفارته كفارة يمين. وقد
روى البيهقى ومسلم وغيره عن عقبة بن عامر: " كفارة النذر كفارة اليمين". وحمله البيهقى على
نذر اللجاج الذى يخرج مخرج الأيمان. وهذا التقييد يحتاج إلى دليل، وذكر النووى فى شرح

٣٩٨
من نذر نذرا فى معصية أو فيما لا يطيقه فكفارتهما كفارة يمين
إعلاء السنن
٣٥٣١- حدثنا جعفر بن مسافر التنيسى عن ابن أبى فديك قال: حدثنى طلحة
بن يحيى الأنصارى عن عبد الله بن سعيد بن أبى هند عن بكبير بن عبد الله بن الأشج
عن كريب عن ابن عباس أن رسول الله م آر قال: ((من نذر نذرا لم يسمه فكفارته
كفارة يمين ومن نذر نذرًا فى معصية فكفارته كفارة يمين ومن نذز نذرًا لا يطيقه
مسلم: أن مالكا وكثيرين أو الأكثر حملوا الحديث على النذر المطلق، كقوله: "على نذر". وذكر
ابن رشد فى "القواعد": أن الجمهور أوجبوا فى النذر المطلق الكفارة مصيرا إلى هذا الحديث. وفى
شرح مسلم القرطبى: قوله: "كفارة النذر كفارة اليمين" يعنى به النذر المطلق الذى لم يسم
مخرجه، بدليل ما رواه أبو داود من حديث ابن عباس: من نذر نذرا لم يسمه فكفارته كفارة
اليمين فقيد فى هذا الحديث ما أطلقه فى حديث عقبة. وقد أخرج ابن ماجه والطحاوى حديث
عقبة أيضا مقيدا كذلك. وقال صاحب الاستذكار: هو أعلى ما روى فى ذلك وأجل. كذا فى
"الجوهر النقى" (٢٣٥:٢). قلت: قال ابن ماجه: حدثنا على بن محمد ثنا وكيع ثنا إسماعيل بن
رافع عن خالد ابن بزيد عن عقبة بن عامر الجهنى، قال: قال رسول الله معرّ له: ((من نذر نذرا أو
لم يسمه فكفارته كفارة يمين) (١٥٥).
وقال الطحاوى: حدثنا يونس ثنا ابن وهب سمعت يحيى بن عبد الله بن سالم عن إسماعيل
ابن رافع عن خالد بن سعيد عن عقبة بن عامر، قال: أشهد لسمعت رسول الله عَّ له يقول: ((من
نذر نذرا لم يسمه فكفارته كفارة يمين)) اهـ (٧٥:٢). ورجاله كلهم ثقات لا مطعن فيهم غير ما
فى خالد بن يزيد من الاختلاف فى اسمه، فقيل: خالد بن زيد، وقيل: خالد بن سعيد، وهو ثقة
أيضًا، والاختلاف فى الاسم لا يضر إذا لم يفض إلى الجهالة كما مر فى المقدمة.
قلت: وسيأتى تحقيق نذر اللجاج، وأقوال الأئمة فيه فى الباب الآتى، وقوله مرّ له: ((ومن نذر
نذرا أطاقه فليف به)) صريح فى وجوب الوفاء بكل نذر منجزا كان أو معلقا. والحديث رواه مسلم
من حديث عمران بن حصين بلفظ: "لا نذر فى معصية الله ولا فيما لا يملكه ابن آدم". ولأبى داود
عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا: ((لا نذر لابن آدم فيما لا يملك، ولا عتق له فيما
لا يملك، ولا طلاق له فيما لا يملك". وللدار قطنى عن ابن عباس نحوه، كذا فى "التلخيص
الحبير" (٣٩٨:٢). فعمل مالك والشافعى وأحمد فى رواية بإطلاقه، فقالوا: إذا نذر بمعصية
لم يصح نذره، ولم تجب عليه الكفارة، لأن ذلك هو مقتضى عبارة النص بلفظ: "لا نذر فى
معصية الله". قلنا: معناه لا وفاء لنذر فى معصية الله، بدليل ما رواه مسلم من حديث عمران بن

ج - ١١
من نذر نذرا فى معصية أو فيما لا يطيقه فكفارتهما كفارة يمين
٣٩٩
فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرا أطاقه فلیف به)). رواه أبو داود (١١٦:٢) وقال:
وروى هذا الحديث وكيع وغيره عن عبد الله بن سعيد بن أبى الهند أوقفوه على ابن
عباس اهـ وفى التلخيص الحبير: إسناده حسن فيه طلحة بن يحيى وهو مختلف فيه اهـ.
حصين بلفظ: "لا وفاء لنذر فى معصية، ولا فيما لا يملك العبد" اهـ (٤٥:٢). وما رواه أحمد: ثنا
عبد العزيز بن عبد الصمد ثنا مطر الوراق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا: "لا
يجوز طلاق ولا بيع ولا عتق ولا وفاء نذر فيما لا يملك" (١٩٠:٢). وهذا سند صحيح على
شرط من يحتج بحديث عمرو بن شعيب.
وأيضا: فإن المعصية إما حرام لعينها .كشرب الخمر وأكل الخنزير وأكل الربا وقتل المسلم
والزنا واللواطة ونحوها، فالنذر بها باطل لا ينعقد، ولا يصح، ولا يلزم الناذر شىء، وهى محمل
إطلاق قوله مَّهِ: ((لا نذر فى معصية الله))، وإما حرام لغيرها، كصوم يوم النحر وأيام التشريق،
والصلاة عند الطلوع والغروب ونحوها، فالنذر بها تنعقد ولا يجوز الوفاء به، بل عليه أن يحنث
ويكفر، وهى محمل قوله مَ له: "لا نذر فى معصية الله وكفارته كفارة يمين".
قال فى البدائع: " ومنها أى من شرائط صحة النذر أن يكون قربة، فلا يصح النذر بما ليس
بقربة رأسا، كالنذر بالمعاصى بأن يقول: لله على أن أشرب الخمر، أو أقتل فلانا، أو أضربه، أو
أشتمه ونحو ذلك، لقوله عليه الصلاة والسلام: "لا نذر فى معصية الله"، وقوله: "من نذر أن
يعصى الله فلا يعصه". ولأن حكم النذر وجوب النذور به، ووجوب فعل المعصية محال، وكذا
النذر بالمباحات من الأكل والشرب والجماع وطلاق امرأته، لعدم وصف القربة، ولو قال: لله على
أن أصوم يوم النحر أو أيام التشريق، يصح نذره عند أصحابنا الثلاثة، ويفطر ويقضى (يوما مكانه
وإلا فيكفر).
وقال زفر والشافعى: لا يصح نذره، لهما أنه نذر بمعصية، لأن الصوم فى هذه الأيام منهی
عنه، والمنهى عنه معصية، والنذر بالمعاصى لا يصح. ولنا أنه نذر بقربة مقصودة، فیصح، ودليل
ذلك النص والمعقول. أما النص فقوله عليه الصلاة والسلام خبرا عن الله تعالى جل شأنه: "الصوم
لى وأنا أجزى به"، من غير فصل. وأما المعقول فهو أنه سبب التقوى والشكر ومواساة الفقراء.
وهذه المعانى موجودة فى صوم هذه الأيام أيضا، وأنها معان مستحسنة عقلا (وشرعا)، والنهى لا
يرد عما عرف حسنة عقلا لما فيه من التناقض، فيحمل النهى على غير مجاور له، (ويقال: إن صوم
هذه الأيام قربة فى نفسه محرم بغيره) صيانة لحجج الله تعالى عن التناقض، عملا بالدلائل بقدر
الإمكان" اهـ. ملخصا (٨٣:٥). ولو كان النذر لا ينعقد بمعصية أصلا لم يكن لقوله عد له:

٤٠٠
من نذر نذرا فى معصية أو فيما لا يطيقه فكفارتهما كفارة يمين
إعلاء السنن
٣٥٣٢- أخبرنا هارون بن موسى الفروى قال: ثنا أبو ضمرة عن يونس عن ابن
شهاب، قال: ثنا أبو سلمة عن عائشة، أن رسول الله عَّ الله قال: ((لا نذر فى معصية
٤٠
"وكفارته كفارة اليمين" بعد قوله: "لا نذر فى معصية الله" معنى، فإن وجوب الكفارة يستلزم
صحة النذر وانعقاده، فحملناه على النذر بمعصية هى معصية لغيرها لا لذاتها، والإطلاقات التى
احتج بها مالك والشافعى وغيرهما على معصية هى معصية لعينها، ولا يخفى أن إعمال الحديثين
أولى من إعمال أحدهما وإهمال الآخر.
وبهذا ظهر بطلان قول ابن حزم فى المحلى: "إن أبا حنيفة لا يرى فيمن أخرج النذر مخرج
اليمين إلا الوفاء به، وهو نذر معصية، وإنما يرى كفارة نذر المعصية كفارة يمين فى موضعين فقط
إلخ، (٧:٨). فكل ذلك مبناه عدم معرفته بمذهب أبى حنيفة وأقواله.
وأما النذر فيما لا يملكه العبد فنوعان: منجز، وفى حكمه المعلق بشرط غير الملك، ومعلق
بشرط الملك. أما الأول فباطل، كما لو قال: لله على أن أعتق عبد فلان، أو أن أنحر ناقة فلان، أو
أتصدق بدار فلان إن شفى الله مريضى، أو نجانى من العدو. والمعلق بشرط الملك صحيح، ويجب
عليه الوفاء به إذا ملك، كما لو قال: لله على أن أعتق عبد فلان إذا ملكته، أو أنحر ناقته إن
اشتريتها، أو أتصدق بداره إن ورثتها أو وهبت لى، فإن المعلق بالشرط لا ينعقد سببا حقيقة وإن
انعقد صورة إلا عند تحقق الشرط، وعند تحقق الشرط ليس مما لا يملكه، وصادف النذر محلا
صالحا له فيجب الوفاء به، والمسألة مذكورة فى كتب الأصول. فبطل استدلال ابن حزم ومن وافقه
على إبطال النذر المعلق على شرط الملك بقوله معَّ له: ((لا وفاء لنذر فيما لا يملك العبد))، وبقصة
المرأة التى نذرت بنحر ناقة رسول الله عَّه إن نجاها الله من العدو، فإن كل ذلك إنما ورد فى المنجز،
أو فيما هو معلق بشرط غير الملك فافهم. قال فى الشامية: " وشرط صحة النذر أن يكون المنذور
ملكا للناذر أو مضافا إلى السبب " اهـ. (١٠٩:٣) وفصله فى البدائع أحسن تفصيل (٥: ٩٠).
واحتج لصحة النذر المضاف إلى الملك بقوله تعالى: ﴿ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من
فضله لنصدقن﴾، الآية. فلو لم يصح النذر المضاف إلى الملك ولم يلزم الوفاء به لم يستحق هؤلاء
العقاب، ولم ينسبوا إلى الإخلاف فافهم.
قوله: "أخبرنا هارون بن موسى" إلخ. قلت: قد تكلم معظم المحدثين فى حديث عائشة هذا
مع أنه أخرجه أصحاب السنن، ورواته ثقات، قالوا: "ولكنه معلول، فإن الزهرى رواه عن أبى
سلمة، ثم بين أنه حمله عن سليمان بن أرقم عن يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة، فدلسه بإسقاط
اثنين وحسن الظن بسليمان، وهو عند غيره ضعيف باتفاقهم". وحكى الترمذى عن البخارى أنه