النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
الحلف بالله تعالى وبأسمائه وبصفاته
إعلاء السنن
٣٤٧٢- عن عبد الرحمن بن صفوان فى حديث طويل: ((فقام العباس معه أى مع
عبد الرحمن بن صفوان، فقال: يا رسول الله! قد عرفت ما بينى وبين فلان، وأتاك بأبيه
لتبايعه على الهجرة فأبيت، فقال النبى عرّ له: لا هجرة، فقال العباس: أقسمت عليك
لتبايعنه، قال: فبسط رسول الله عّ لّه يده، فقال: هات! أبرر عمى ولا هجرة)). رواه
أحمد وابن ماجه (نيل الأوطار ٤٦٤:٨). قلت: رجال ابن ماجه ثقات غير يزيد بن أبى
زياد فمختلف فيه، وقد وثق، وهو من رجال مسلم. وذكره الموفق فى "المغنى"
(٢٠٦:١١) بلفظ: ((أبررت قسم عمى ولا هجرة)) اهـ.
قال ابن هبيرة فى كتاب الإجماع: "أجمعوا على أن اليمين منعقدة بالله، وبجميع أسمائه
الحسنى، وبجميع صفات ذاته، كعزته وجلاله وعلمه وقوته وقدرته، واستثنى أبو حنيفة العلم فلم
يره يمينا، وكذا حق الله. وقال عياض: لا خلاف بين فقهاء الأنصار أن الحلف بأسماء الله وصفاته
لازم، إلا ما جاء عن الشافعى من اشتراط نية اليمين فى الحلف بالصفات. وإلا فلا كفارة. وتعقب
إطلاقه ذلك عن الشافعى. وإنما يحتاج إلى النية عنده ما يصح إطلاقه عليه سبحانه وعلى غيره.
وأما ما لا يطلق فى معرض التعظيم شرعا إلا عليه تنعقد اليمين به وتجب الكفارة". (فتح البارى
٤٦٦:١١)، وفيه أيضا: قال الشافعى فيما أحرجه البيهقى فى "المعرفة": "من قال: وحق الله
وعظمة الله وجلال الله وقدرة الله يريد اليمين أو لا يريده فهى يمين" انتهى (٤٧٤:١١).
"واختلف أقوال أئمتنا فى الحلف بحق الله تعالى، فلا يكون حالفا فى قول أبى حنيفة
ومحمد. ورواية عن أبى يوسف، وفى أخرى عنه يكون يمينا، لأن الشىء قد يضاف إلى نفسه
فى الجملة، والحق من أسماءه تعالى، فكأنه قال: والله الحق ولهما أن الأصل الإضافة إلى غيره لا
إلى نفسه، والحق المضاف إلى الله تعالى يراد به الطاعات والعبادات فى عرف الشرع، بدليل ما ورد
عنه عَّه: ((يا معاذ هل تدرى ما حق الله على عباده؟ وما حق العباد على الله؟ قال: الله ورسوله
أعلم، قال: فإن حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله أن
لا يعذب من لا يشرك به شيئا". الحديث رواه الشيخان والترمذى (جمع الفوائد ٧:١).
والحلف بعبادة الله وطاعته لا يكون يمينا، ولو قال: والحق يكون يمينا، لأن الحق من أسماء
الله تعالى". (بدائع ٣: ٧).
قوله: "عن عبد الرحمن بن صفوان"، "وقوله: عن ابن عباس" إلخ. قال الموفق فى المغنى:

٣٤٢
ج - ١١
الحلف بالله تعالى وبأسمائه وبصفاته
٣٤٧٣- عن عائشة رضى الله عنها فى حديث طويل، قالت: ((قال رسول
الله عَّ ◌ُله: أقسم لا أدخل عليكن شهرا، فغاب عنا تسعا وعشرين، ثم دخل علينا مساء
الثلاثين، فقالت: كنت حلفت أن لا تدخل شهرا، فقال: شهر هكذا، و شهر هكذا،
وفرق بين كفيه وأمسك فى الثالثة الإبهام)). رواه الحاكم فى "المستدرك" (٣٠٢:٤).
وصححه على شرط البخارى، وقال: فيه البيان أن أقسمت على كذا يمين وقسم، وأقره
على تصحيحه الذهبى.
٣٤٧٤- عن ابن عباس: "أن أبا بكر قال: أقسمت يا رسول الله! بأبى أنت.
لتحدثنى ما الذى أخطأت، فقال النبى معَّ له: لا تقسم". رواه أبو داود وسكت عنه.
قال المنذرى: وأخرجه البخارى والترمذى والنسائى وابن ماجه، وفى لفظ لأبي داود:
"لم يخبره". سكت عنه هو والمنذرى (عون المعبود ٣: ٢٢٤).
"وإن قال: أقسمت أو آليت أو حلفت أو شهدت لأفعلن كذا، ولم يذكر بالله فعن أحمد إنها يمين
سواء نوى أو أطلق. روى نحو ذلك عن عمر وابن عباس والنخعى والثورى وأبى حنيفة وأصحابه.
وعنه إن نوى اليمين بالله كان يمينا وإلا فلا، وهو قول مالك وإسحاق وابن المنذر، لأنه يحتمل
القسم بالله وبغيره، فلم تکن یمینا حتی یصرفه إليها. وقال الشافعی لیس بیمین وإن نوی. روی
نحو ذلك عن عطاء والحسن والزهرى وقتادة وأبى عبيد لأنها عريت عن اسم الله وصفته، فلم تكن
يمينا. ولنا أنه قد ثبت لها عرف الشرع والاستعمال. فذكر حديث أبى بكر وعباس المذكور فى
المتن. ثم قال: وفى كتاب الله تعالى: ﴿إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله، إلى قوله:
اتخذوا أيمانهم جنة﴾. فسماها يمينا، وسماها رسول الله عّ لّ قسما، وقالت عاتكة بنت عبد المطلب
عمة رسول الله مّآه: حلفت لئن عادوا لنصطلمنهم. وقالت عاتكة بنت زید بن عمرو بن نفيل:
عليك ولا ينفك جلدى اغبرا
فآليت لا تنفك عينى حزينة
وقولهم: يحتمل القسم بغير الله. قلنا: إنما يحمل على القسم المشروع، ولهذا لم يكن هذا
مكروها، ولو حمل على القسم بغير الله كان مكروها، ولو كان مكروها لم يفعله أبو بكر بين يدى
النبى معَّ ◌ُلّه، ولا أبر النبى معَ له قسم العباس حين أقسم عليه" اهـ (٢٠٦:١١).
وفى "البدائع": " ولنا أن القسم لما لم يجز إلا بالله عز وجل كان الإخبار عنه إخبارا عما
لا يجوز بدونه، كما فى قوله تعالى: "واسأل القرية التى كنا فيها". (ونذكر قول الموفق: أن اللفظ

٣٤٣
الحلف بالله تعالى وبأسمائه وبصفاته
إعلاء السنن
٣٤٧٥ - عن بريدة قال: قال رسول الله عَّ له: ((ليس منا من حلف بالأمانة)) رواه
أبو داود وسكت عنه هو والمنذرى، ورجال إسناده ثقات.
٣٤٧٦- وأخرج الطبرانى فى الأوسط بإسناد رجاله ثقات من حديث ابن عمر:
((أن النبى معَّ اللّه سمع رجلا يحلف بالأمانة، فقال: ألست الذى يحلف بالأمانة)) (نيل
الأوطار ٤٦٥:٨). قلت: والحديث فى "مجمع الزوائد" (١٧٨:٤)، ولكنه بلفظ: ((إن
رجلا سمع رجلا يحلف بالأمانة، فقال: ألست الذى تحلف بالأمانة)) اهـ. والظاهر
وقوع التصحيف فيه.
إذا اشتهر فى العرف صار من الأسماء العرفية، يجب حمله عليه عند الإطلاق، ومتى احتاج اللفظ
إلى التقدير وجب التقدير له، ولم يجز إطراحه إلخ). ولأن العرب تعارفت الحلف على هذا الوجه،
والقسم لا يكون إلا بالله تعالى فى عرف الشرع" اهـ ملخصا (٧:٣).
قوله: "عن بريدة" إلخ. قال الموفق فى المغنى: "قال القاضى: لا يختلف المذهب فى أن
الحلف بأمانة الله يمين مكفرة، وبهذا قال أبو حنيفة (فيه نظر كما سيأتى). وقال الشافعى: لا تنعقد
اليمين لها إلا أن ينوى الحلف بصفة الله تعالى، لأن الأمانة تطلق على الفرائض. قال الله تعالى: ﴿إنا
عرضنا الأمانة على السموات والأرض﴾، الآية. والودائع والحقوق. قال الله تعالى: ﴿إن الله
يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾. وإذا كان اللفظ محتملا لم يصرف إلى أحد محتملاته إلا
بنية أو دليل. ولنا أن أمانة الله صفة له بدلیل وجوب الكفارة علی من حلف بها إذا نوى، ويجب
حملها على ذلك عند الإطلاق، لأن حملها على غير ذلك صرف ليمين المسلم إلى المعصية أو
المكروه، والظاهر خلافه. وما ذكروه من الفرائض والودائع لم يعهد القسم بها، ولا يستحسن ذلك
لو صرح به. وأيضا: فإن أمانة الله المضافة إليه هى صفة، وغيرها يذكر غير مضاف إليه، كما ذكر
فى الآيات والخبر " اهـ ملخصا (٢٠٨:١١).
وفى "البدائع": "لو قال: وأمانة الله. ذكر فى الأصل أنه يكون يمينا. وذكر الطحاوى عن
أصحابنا جميعا أنه ليس بيمين، وجه ما ذكره الطحاوى أن أمانة الله فرائضه التى تعبد عباده بها،
قال الله تعالى: ﴿إِنّا عرضنا الأمانة على السموات والأرض﴾، الآية. فكان حلفا بغير اسم الله عز
وجل، فلا يكون يمينا. وجه ما ذكره فى الأصل أن الأمانة المضافة إلى الله تعالی عند القسم يراد بها
صفته، ألا ترى أن الأمين من أسماء الله تعالى، وأنه مشتق من الأمانة، فكان المراد بها عند

٣٤٤
ج - ١١
الحلف بالله تعالى وبأسمائه وبصفاته
*-----. .. . "
٠٠
٣٤٧٧ - عن ابن عباس فى الرجل يقول: هو يهودى أو نصرانى أو مجوسى أو
برئ من الإسلام أو عليه لعنة الله أو عليه نذر، قال: "يمين مغلظ". رواه عبد الرزاق
(كنز العمال ٣٤٣:٨).
٣٤٧٨ - روى الزهرى عن خارجة بن زيد عن أبيه عن النبى معَّ له: ((أنه سئل عن
الرجل يقول: هو يهودى أو نصرانى أو مجوسى أو برئ من الإسلام فى اليمين يحلف
بها، فيحنث فى هذه الأشياء. فقال: عليه كفارة يمين". أخرجه أبو بكر (الخلال) كذا
فى "المغنى" (١٩٩:١١). والمذكور من السند صحيح، ولم أقف على باقى الإسناد.
الإطلاق، خصوصا فى موضع القسم" اهـ (٦:٣).
قلت: لم أجد الأمين فى أسماء الله تعالى عند الترمذى ولا عند ابن ماجه، ولا عند الحافظ
فى التلخيص الحبير، ولا عند ابن حزم فى المحلى. وقد استوعب الأسماء التى صحت الرواية به،
واستوعب الحافظ الأسماء التى نطق بها القرآن خاصة، فإن صح كونه من أسماء الله تعالى تم
الدليل، وإلا فكم من صفات الله تعالى لم تتعارف العرب الحلف بها كالعلم، أو لا يكون الحلف
بيها يمينا لإطلاقها على غير الصفة كالرحمة والغضب، وأيا ما كان فالحديث محمول على النهى
عن الحلف بالأمانة غير مضافة إلى الله تعالى، كما هو الظاهر المتبادر منه، فلا حجة فيه لمن استدل
به على أن الحلف بأمانة الله ليس بيمين، والحق الذى أميل إليه أن الحلف بأمانة الله يمين إن نوى بها
صفة الله تعالى، وليس بيمين إن نوى الفرائض أو أطلق، والله تعالى أعلم.
قوله: "عن ابن عباس"، وقوله: "روى الزهرى" إلخ. قال فى البدائع: "ولو قال: إن فعل
كذا فهو يهودي أو نصرانى أو مجوسى أو برئ عن الإسلام أو كافر أو يعبد من دون الله أو يعبد
الصليب أو نحو ذلك، مما يكون اعتقاده كفرا فهو يمين استحسنانا. والقياس أنه لا يكون يمينا، وهو
قول الشافعى. وجه القياس أنه علق الفعل المحلوف عليه بما هو معصية، فلا يكون حالفا، كما لو
قال: إن فعل كذا فهو شارب خمرا، أو آكل ميتة. وجه الاستحسان أن الحلف بهذه الألفاظ
متعارف بين الناس، فإنهم يحلفون بها من لدن رسول الله مێ إلى يومنا هذا. ولو لم يكن ذلك
حلفا لما تعارفوه، فدل تعارفهم على أنهم جعلوا ذلك كناية عن الحلف بالله عز وجل، وإن لم يعقل
وجه الكناية فيه، كقول العرب: لله على أن أضرب ثوبى حطيم الكعبة، إن ذلك جعل كناية عن
التصدق فى عرفهم، وإن لم يعقل وجه الكناية فيه كذا هذا. هذا إذ أضاف اليمين إلى المستقبل،
فأما إذا أضاف إلى الماضى بأن قال: هو يهودى أو نصرانى إن فعل كذا لشىء قد فعله، فهذا يمين

٣٤٥
الحلف بالله تعالى وبأسمائه وبصفاتـ
إعلاء السنن
٣٤٧٩- عن أم سلمة، "أنها حلفت فى غلام لها استعتقها. قالت: لا أعتقها الله
من النار إن أعتقته أبدا، ثم مكثت ما شاء الله، ثم قالت: سبحان الله سمعت رسول
الله عَ ◌ّه يقول: من حلف على يمين، فرأى خيرا منها فليكفر عن يمينه، ثم يفعل الذى
هو خير، فأعتقت العبد ثم كفرت عن يمينها". رواه الطبرانى فى "الكبير" ورجاله
ثقات إلا أن عبد الله بن حسن لم يسمع من أم سلمة (مجمع الزوائد ١٨٥:٤). قلت:
ولكنه ثقة جليل القدر، كان مغيرة إذا ذكر له الرواية عنه قال: هذه الرواية الصادقة،
و کان کبیر بنی هاشم فى وقته، ما كان علماء المدينة یکرمون أحدا ما یکرمونه. وهو
من صغار التابعين روى عن عم جده عبد الله بن جعفر بن أبى طالب، كذا فى "فتح
البارى" (٣١٨:١٣) والتهذيب. فهذه رواية صحيحة صادقة مع إرسالها.
الغموس بهذا اللفظ، ولا كفارة فيه عندنا. ولكنه هل يكفر لم يذكر فى الأصل، والصحيح أنه
لا يكفر، لأنه ما قصد به الكفر ولا اعتقده، وإنما قصد به ترويج كلامه وتصديقه فيه" اهـ (٨:٣).
وتعليل الجواب بهذا الوجه أولى مما علله به صاحب الهداية من إلحاقه بتحريم المباح، فإن
تحريم المباح إنما يكون فى المستقبل دون الماضى، والحلف بهذه الألفاظ يمين مطلقا كما مر. وهو
أولى أيضا مما نقله أبو الحسن بن القصار من المالكية عن بعض الحنفية، أنهم احتجوا الإيجاب
الكفارة بأن فى اليمين الامتناع من الفعل، وتضمن كلامه بما ذكر تعظيما للإسلام. وتعقب ذلك
بأنهم قالوا فيمن قال: وحق الإسلام، إذا حنث لا تجب عليه كفارة، فأسقطوا الكفارة إذا صرح
بتعظيم الإسلام، وأثبتوها إذا لم يصرح اهـ. كذا فى "فتح البارى" (٤٦٨:١١).
والصحيح ما قاله صاحب البدائع أن الحنفية إنما جعلوه يمينا استحسانا، لتعارف الناس
بالحلف به. والقیاس ما قاله الشافعی، ولکن تر کناه بالنص، وهو ما ذکرناه فى المتن عن(١) ابن عباس
وزيد بن ثابت مرفوعا، وعن أم سلمة وابن عمرو من وافقه من أزواج النبي مرّ ◌ُّه، وفى كل ذلك
دليل على صحة ما قاله صاحب البدائع إن الحلف بهذه الألفاظ متعارف بين الناس من لدن عرّضله
إلى يومنا هذا.
(١) وما عزاه ابن المنذر إلى ابن عباس وأبى هريرة، أنهما قالا: لا كفارة عليه. ذكره الحافظ فى الفتح (٤٦٨:١١). فمحمول على
ما إذا حلف على ماض، وهو يمين الغموس لا كفارة لها عندنا أيضا. ولفظ عبد الرزاق صريح فى أن ابن عباس جعل الحلف،
بقوله: هو يهودى ونصرانى يمينا مغلظا، ومقتضاه وجوب الكفارة إذا حلف على مستقبل وحنث فيه، فافهم.

ج - ١١
الحلف بالله تعالى وبأسمائه وبصفاته
٣٤٦
٣٤٨٠- عن أبي رافع قال: "قالت لى مولاتى ليلى بنت العجماء: كل مملوك لها
محرر، وكل مال لها هدى، وهى يهودية ونصرانية إن لم تفرق بينك وبين امرأتك.
قال: فأتيت زينب بنت أم سلمة. ثم أتيت حفصة إلى أن قال: ثم أتيت ابن عمر فجاء
معى إليها، فقام على الباب فسلم، فقال: أ من حجارة أنت أم من حديد؟ أفتتك زينب،
وأفتتك أم المؤمنين، كفرى عن يمينك، وخلى بين الرجل وامرأته". رواه الأثرم
والجوزجانى مطولا، وزاد أحمد: "واعتقى جاريتك". وهذه زيادة يجب قبولها. قاله
الموفق فى "المغنى" (٢٢٠،٢١٩:١١). قلت: وعزاه فى "كنز العمال" (٣٤٣:٨) إلى
عبد الرزاق، وذكره مفصلا. والظاهر من كلام الموفق كون الحديث صالحا للاحتجاج
به. وأخرجه الدارقطنى فى سننه (٤٩٣:٢) بسند رجاله ثقات خلا قوله: "واعتقى
جاريتك" ثم اطلعت على سند عبد الرزاق عند ابن حزم فى "المحلى" (٨:٨) عن
المعتمر بن سليمان التيمى عن أبيه عن بكر بن عبد الله المزنى أخبرنى أبو رافع فذكره،
وهذا سند صحیح، وصرح ابن حزم نفسه بصحة الأثر.
واحتج الجمهور بما رواه الشيخان عن أبى هريرة مرفوعا: من حلف فقال فى حلفه: واللات
والعزى، فليقل لا إله إلا الله، ومن قال لصاحبه: تعال أقامرك، فليتصدق. وبما رواه النسائي عن
سعد: "كنا نذكر فى بعض الأمر وأنا حديث عهد بالجاهلية، فحلفت باللات والعزى فقال لی
أصحاب النبى معَّ: ما قلت؟ انت النبى معَّه فأخبره، فأنا لا نراك إلا قد كفرت، فلقيته. فقال:
قل: لا إله إلا الله وحده ثلاث مرات، وتعوذ بالله من الشيطان ثلاث مرات، وانفل عن شمالك
ثلاث مرات ولا تعدله. (جمع الفوائد ٢١٣:١). قال الخطابي: فى هذا الحديث دليل على أن
لا كفارة على من حلف بغير الإسلام وإن أثم به، لكن تلزمه التوبة لأنه م ◌ّ أمره بكلمة التوحيد،
فأشار إلى عقوبته تختص بذنبه، ولم يوجب علیه فی ماله شيئا. کذا فى فتح البارى (٤٦٧:١١).
قلت: لا دليل فيه على ما ذكره، بل فيه دليل على أن اليمين بغير الله لا تنعقد، وهذا
لا نزاع فيه، ولا يخفى أن الحلف باللات والعزى لم يكن متعارفا بين المسلمين، لا فى زمن
النبى معَّه، ولا فيما بعده، وإنما حلف بها من حلف خطأ لسبق اللسان، بخلاف الحلف بقوله:
"هو برئ من الإسلام أو هو یهودی ونصرانی ومجوسی"، فإنه متعارف بین الناس يحلفون به من
لدن رسول الله مرّ ل إلى يومنا هذا. فدل تعارفهم على أنهم جعلوا ذلك كناية عن الحلف بالله عزّ
وجل، وإن لم يعقل وجه الكناية فيه، وقياس المتعارف على غير المتعارف باطل.

٣٤٧
الحلف بالله تعالى وبأسمائه وبصفاته
إعلاء السنن
٣٤٨١- أخبرنا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم، قال: "أقسم وأقسم بالله،
وأشهد وأشهد بالله، وأحلف وأحلف بالله، وعلى عهد الله، وعلى ذمة الله، وعلى نذر
الله، وعلى نذر، وهو يهودى، وهو نصرانى، وهو مجوسى، وهو برئ من الإسلام. كل
هذا يمين يكفرها إذا حنث". أخرجه محمد فى الآثار وقال: وبهذا كله نأخذ وهو قول
أبى حنيفة اهـ (١٠٤).
ويرد على الحنفية ما فى حديث ابن عباس: "أو عليه لعنة الله" وما فى حديث أم سلمة: "لا
أعتقها الله من النار إن أعتقته". فكل ذلك ليس بيمين عندهم كما فى الهندية (٣٦:٣): "لو قال:
عليه لعنة الله إن فعل كذا، أو عليه عذاب الله، لا يكون يمينا، وكذا لو قال: عذبه الله بالنار، أو حرم
عليه الجنة إن فعل كذا، فشىء من هذا لا يكون يمينا" اهـ. والجواب: أن الحلف باللعنة أو بتحريم
الجنة عليه لم يكن متعارفا عندهم، ولعله كان متعارفا عند ابن عباس وأم سلمة، فجعلاه يمينا، ولا
يخفى ما فيه. ويؤيد كون الحلف بأن عليه لعنة الله، أو لا يعتقه الله من النار إن فعل كذا يمينا قوله
تعالى: ﴿والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، والخامسة أن عضب الله عليها إن كان من
الصادقين﴾. جعلها شهادة والشهادة يمين عندهم. ويمكن أن يقال: إن ذلك فى معنى الشهادة،
ولا يلزم من كون الشهادة يمينا كون ما فى معناها يمينا أيضا فافهم. فلعل الله يحدث بعد ذلك أمرا.
قال الموفق فى "المغنى": "اختلفت الرواية عن أحمد فى الحلف بالخروج من الإسلام.
فعن أحمد عليه الكفارة إذا حنث. يروى هذا عن عطاء وطاوس والحسن والشعبى (والنخعى كما
سيأتى. وهؤلاء أجلة التابعين) والثورى والأوزاعى وأصحاب الرأى. ويروى عن زيد بن
ثابت رضى الله عنه. والثانية لا كفارة عليه، وهو قول الشافعى ومالك والليث وأبى ثور وابن المنذر
وهذه أصح إن شاء الله تعالی، فإن الوجوب من الشارع، ولم یرد فی هذه الیمین نص، ولا هی فی
قياس المنصوص" اهـ ملخصا (١٩٩:١١). قلت: وأى نص أصرح من حديث زيد بن ثابت
مرفوعا: "عليه كفارة يمين". ذكره الموفق نفسه، ولم يعله بشىء، فهل قوله: لم يرد فى هذه اليمين
نص" إلا تحكم. وقد تأيد بقول ابن عباس وابن عمر وأم سلمة وحفصة فالحق ما ذهب إليه أصحابنا
الحنفية رحمهم الله تعالى.
قوله: "أخبرنا أبو حنيفة" إلخ، دلالته على معنى الباب ظاهرة. وإبراهيم من أخص الناس
بمذهب ابن مسعود وأصحابه وألزمهم له: فقوله حجة لا سيما وقد وافقه على ذلك غيره من فقهاء
الصحابة والتابعين كما تقدم. وفى كل ذلك دليل على صحة ما رواه زيد ابن ثابت عن النبى عد اله
فى ذلك. ولا أقل من أن يكون صالحا للاحتجاج به. والله تعالى أعلم.

ج - ١١
٣٤٨
باب لا تنعقد اليمين إذا حلف بغير الله عز وجل
٣٤٨٢- عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما: ((أن رسول الله عّ لّ أدرك عمر
ابن الخطاب وهو يسير فى ركب يحلف بأبيه. فقال: ألا! إن الله ينهاكم أن تحلفوا
بآباء كم، من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت)). رواه البخارى، وفى لفظ له: قال
عمر: "فو الله ما حلفت بها منذ سمعت النبى معَِّ ذاكرا ولا أثرا". وفى "مصنف ابن
أبى شيبة" من طريق عكرمة نحوه، وزاد: فإذا رسول الله عَّ ◌ُّه يقول: "لو أن أحدكم
حلف بالمسيح هلك، والمسيح خير من آباء كم". وهذا مرسل يقوى بشواهده.
باب لا تنعقد اليمين إذا حلف بغير الله عز وجل
قوله: "عن عبد الله بن عمر" إلخ. قال الحافظ فى الفتح: وظاهر الحديث تخصيص الحلف
بالله خاصة. لكن قد اتفق الفقهاء على أن اليمين تنعقد بالله وذاته وصفاته العلية، واختلفوا فى
انعقادها ببعض الصفات كما تقدم. وأما اليمين بغير ذلك فقد ثبت المنع فيها، وهل المنع للتحريم
قولان عند المالكية، (وكذا عند الحنفية كما فى رد المحتار). والمشهور عندهم الكراهة. والخلاف
أيضا عند الحنابلة، لكن المشهور عندهم التحريم، وبه جزم الظاهرية. وقال ابن عبد البر: لا يجوز
الحلف، بغير الله بالإجماع، ومراده بنفى الجواز الكراهة أعم من التحريم والتنزيه، فإنه قال فى
موضع آخر: أجمع العلماء على أن اليمين بغير الله مكروهة منهى عنها، لا يجوز لأحد الحلف بها.
والخلاف موجود عند الشافعية، وجمهور أصحابه على أنه للتنزيه. وقال إمام الحرمين: المذهب
القطع بالكراهة. وجزم غيره بالتفصيل، فإن اعتقد فى المحلوف فيه من التعظيم ما يعتقده فى الله
حرم، وكان بذلك الاعتقاد كافرا، وعليه يتنزل الحديث المذكور، وإذا اعتقد تعظيم المحلوف به
على ما يليق به من التعظيم فلا يكفر بذلك، ولا تنعقد يمينه. قال الماوردى: لا يجوز لأحد أن
يحلف أحدا بغير الله لا بطلاق ولا عتاق ولا نذر، وإذا حلف الحاكم أحدا بشىء من ذلك وجب
عزله لجهله" اهـ ملخصا (٤٦٢:١١).
قلت: "حديث النهى عن الحلف بغير الله محمول على غير التعليق، وهو الحلف المتعارف
بأدوات القسم، أو بقوله: أحلف وأقسم وآليت ونحوها، لأن هذا هو اليمين وضعا. وأما تعليق
الجزاء بالشرط فليس بيمين وضعا، وإنما سمى يمينا عند الفقهاء لحصول معنى اليمين بالله تعالى،
وهو الحمل أو المنع، فالحلف بغير الله من غير تعليق يكره اتفاقا، لما فيه من مشاركة المقسم به لله
تعالى فى التعظيم. وأما التعليق فليس فيه تعظيم، بل فيه الحمل أو المنع مع حصول الوثيقة، فلا يكره

٣٤٩
لا تنعقد الیمین إذا حلف بغير الله عز وجل
إعلاء السنن
٣٤٨٣- وأخرج الترمذى من وجه آخر عن ابن عمر: "أنه سمع رجلا يقول(١):
لا والكعبة. فقال: لا تحلف بغير الله، فإنى سمعت رسول الله عَ له يقول: من حلف بغير
الله فقد كفر أو أشرك. قال الترمذى: حسن وصححه الحاكم (فتح البارى ٤: ٢٩٧).
اتفاقا. وإنما كانت الوثيقة فيه أكثر من الحلف بالله تعالى فى زماننا لقلة مبالاة العوام بالحنث ولزوم
الكفارة. وأما التعليق فيمتنع الحالف فيه من الحنث، خوفا من وقوع الطلاق والعتاق. وفى المعراج:
فلو حلف به لا على وجه الوثيقة أو على الماضى يكره". كذا فى "رد المحتار" (٧٠:٣). فبطل
حكم الماوردى بكراهته إدخالا له فى الحلف بغير الله مطلقا لم تنعقد يمينه (بدليل أنه لم يوجب
الكفارة على من حلف باللات والعزى، وإنما أمره أن يقول لا إله إلا الله) سواء كان المحلوف به
يستحق التعظيم لمعنى غير العبادة كالأنبياء والملائكة والعلماء والصلحاء والملوك والآباء والكعبة،
أو كان لا يستحق التعظيم كالآحاد، أو يستحق التحقير والإذلال كالشياطين والأصنام وسائر من
عبد من دون الله. استثنى بعض الحنابلة من ذلك الحلف بنبينا محمد مرّ له، فقال: تنعقد به اليمين،
وتجب الكفارة بالحنث، فاعتل بكونه أحد ركنى الشهادة التى لا تتم إلا به، وأطلق ابن العربى نسبته
لمذهب أحمد، وتعقبه بأن الأيمان عند أحمد لا يتم إلا بفعل الصلاة، فيلزمه أن من حلف بالصلاة
تنعقد بیمینه ويلزمه الكفارة إذا حنث. اهـ (٤٦٥:١١).
وقال الموفق فى "المغنى" بعد ذكر الروايتين عن أحمد: "والأول أولى (أى عدم انعقاد
اليمين به) لقول النبى معَّ له: "من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت". ولأنه حلف بغير الله
تعالى فلم توجب الكفارة بالحنث فيه كسائر الأنبياء، ولأنه مخلوق فلم تجب الكفارة بالحلف به،
ولأنه ليس بمنصوص عليه ولا فى معنى المنصوص، ولا يصح قياس اسم غير الله على أسمه، لعدم
الشبه وانتفاء المماثلة" اهـ (١٧٨:١١). فثبت أن انعقاد اليمين بالحلف بنبينا عّ لّه رواية ضعيفة عن
أحمد لا تعويل عليها عند أهل مذهبه فافهم.
وقال بعض العلماء: "لا يكره الحلف بغير الله تعالى، لأن الله تعالى أقسم بمخلوقاته. وقال
النبى معَّ فى حديث الأعرابى: ((أفلح وأبيه إن صدق)). وقال فى حديث أبى العشراء: ((وأبيك لو
طعنت فى فخذها لأجزأك"، ولا حجة لهم فى ذلك. فأما قسم الله تعالى بمصنوعاته فإنما أقسم دالا
على قدرته وعظمته، فكأنه أقسم بصفاته. والله تعالى أن يقسم بما شاء من خلقه، ولا وجه للقياس
على أقسامه، لا يسئل عما يفعل وهم يسألون. وأما قوله مَّه فى حديث الأعرابى: ((أفلح وأبيه)).
(١) حديث ابن عمر هذا أخرجه الحاكم فى "المستدرك" وصححه على شرط الشيخين، وأقره عليه الذهبى (٤: ٢٩٧).

ج - ١١
لا تنعقد الیمین إذا حلف بغير الله عز وجل
٣٥٠
٣٤٨٤- عن ابن جريج: سمعت عطاء وقد سأله رجل، فقال: "قلت: والبيت
وكتاب الله. فقال عطاء: ليسالك برب ليسا يمينا". أخرجه عبد الرزاق. وبه يقول أبو
حنيفة كذا فى "المحلى" (٨٢:٨). وسنده صحيح.
فقال ابن عبد البر: هذه اللفظة غير محفوظة من وجه صحيح، فقد رواه مالك وغيره من الحفاظ
فلم يقولوها فيه. وقد جاءت عن راويبها وهو إسماعيل بن جعفر بلفظ: "أفلح والله إن صدق".
وزعم بعضهم أن بعض الرواة عنه صحف قوله: "وأبيه" من قوله: "والله"، وهو يحتمل، وحديث
أبى الشعراء قد قال أحمد: لو كان يثبت، يعنى أنه لم يثبت ولهذا لم يعمل به الفقهاء فى إباحة
الذبح فى الفخذ. ثم لو ثبت فالظاهر أن النهى بعده، لأن عمر قد كان يحلف بها كما حلف
النبی مّ ثم نهى عن الحلف بها، ولم يرد بعد النهى إباحة. ولذلك قال عمر وهو یروى الحديث
بعد موت النبى معٍَّ: "فما حلفت بها ذاكرا ولا أثرا". وهذا صريح فى تأخر النهى. فاندفع قول
المنذرى: دعوى النسخ ضعيفة، لإمكان الجمع ولعدم تحقق التاريخ. وأيضا: فقد تقرر فى أصول
الحنفية: إذا تعارض الحاظر والمبيح يجعل الحاظر متأخرا كيلا يلزم النسخ مرتين. وقد ذكر الحافظ
فى "الفتح" (٤٦٤:١١)، والموفق فى "المغنى" (١٦٢:١١، ١٦٤) هذه المسألة بأبسط وجه
فليراجع. وإنما لخصنا لك كلامهما ههنا بقدر الحاجة. قال الحافظ فى "الفتح": "وفيه الرد على من
قال: إن فعلت كذا فهو يهودى أو كافر أنه ينعقد يمينا، كما نقل ذلك عن الحنفية والحنابلة، والوجه
أنه لم يحلف بالله ولا بما يقوم مقام ذلك" اهـ (٤٦٥:١١). قلنا: قد تقدم عن "البدائع" كونه
كناية عن الحلف بالله عز وجل عرفا وإن لم يعقل وجه الكناية فيه، فتذكر.
قوله: "عن ابن جريج" إلخ. فيه دلالة على عدم انعقاد اليمين بالحلف بالمصحف لكونه من
الحلف بغير الله، فإن المصحف والقرآن والكتاب اسم للمكتوب بين الدفتين، والمكتوب ليس بصفة
الله تعالى حقيقة، بل كلام الله الصفة النفسية القائمة به تعالى لا بمعنى الحروف، غير أنه لا يقال:
القرآن مخلوق، لأن العوام إذا قيل لهم ذلك تعدوا إلى الكلام مطلقا، ولذا قالوا: من قال بخلق
القرآن فهو كافر. قلت: فحيث لم يجز أن يطلق عليه أنه مخلوق، ينبغى أن لا يجوز أن يطلق عليه
أنه غيره تعالى، بمعنى أنه ليس صفة له، لأن الصفات ليست عينا ولا غيرا كما قرر فى محله. فالحق
ما قاله فى الهداية: "وكذا إذا حلف بالقرآن لأنه غير متعارف". فهو يفيد أنه ليس من قسم الحلف
بغير الله، بل هو من قسم الصفات، ولذا علله بأنه غير متعارف، ولو كان من القسم الأول لكانت
العلة فيه النهى المذكور لا غيره، لأن التعارف إنما يعتبر فى الصفات المشتركة. قال الكمال: ولا
يخفى أن الحلف بالقرآن الآن متعارف فيكون يمينا. وأما الحلف بكلام الله فيدور مع العرف. وقال

٣٥١
لا تنعقد الیمین إذا حلف بغير الله عز وجل
إعلاء السنن
٣٤٨٥- عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبى معَّ له. قال: ((من حلف فقال
فى حلفه: باللات والعزى فليقل لا إله إلا الله. ومن قال لصاحبه: تعال أقامرك
فليتصدق)). رواه البخارى (فتح البارى ٤٦٧:١١).
العينى: وعندى أن المصحف يمين لا سيما فى زماننا، وعند الثلاثة المصحف والقرآن وكلام الله
يمين، وفى الهندية عن المضمرات: وقد قيل هذا أى عدم كونه يمينا فى زمانهم، أما فى زماننا فيمين،
وبه نأخذ ونأمر ونعتقد. وقال محمد بن مقاتل الرازى: إنه يمين وبه أخذ جمهور مشايخنا اهـ. فهو
مؤيد لكونه صفة تعورف الحلف بها كعزة الله وجلاله، ولو قال: أقسم بما فى هذا المصحف من
كلام الله تعالى ينبغى أن يكون يمينا أى اتفاقا. كذا فى الدر مع الشامية ملخصا (٧٨:٣).
وأخرج ابن حزم فى المحلى عن الحسن ومجاهد مرسلا: "قالا جميعا: قال رسول الله عليه:
من حلف بسورة من القرآن فعليه بكل آية منها يمين صبر، فمن شاء بر ومن شاء فجر. ولفظ
الحسن: إن شاء بر وإن شاء فجر. وعن عبد الله بن حنظلة، قال: "أتيت مع عبد الله بن مسعود
السوق، فسمع رجلا يحلف بسورة البقرة، فقال ابن مسعود: أما أن عليه بكل آية يمينا". وعن
إبراهيم النخعى عن ابن مسعود، قال: "من كفر بحرف من القرآن فقد كفر به أجمع، ومن حلف
بالقرآن فعليه بكل آية يمين". قال ابن حزم: وقد كان يلزم الحنفيين والمالكبين أن يقولوا بقول ابن
مسعود، لأنه لا يعلم له فى ذلك مخالف من الصحابة" اهـ (٣٣:٨).
قلت: بعيد من الإنصاف إلزامك الخصم بما لا تلتزمه، فإن الحديث محمول على الزجر
والتشديد بالإجماع، ولذا لم يقل أحد من فقهاء الأمصار لا أحمد وهو رافع لواء المسألة بأن عليه
بكل آية يمينا. قال الموفق فى المغنى بعد ذكر الأقوال وسرد الحجج: "إذا ثبت هذا فإن الحلف بآية
منه كالحلف بجميعه، لأنها من كلام الله تعالى" (١٩٤:١١). وإذا كان محمولا على الزجر
فلا حجة فيه لمن جعل الحلف بالقرآن يمينا، لاحتمال أن يكون المراد النهى عن الحلف به فافهم. وإن
سلم فهو محمول على ما إذا حلف بما فى المصحف من كلام الله، ولا نزاع فى كونه يمينا كما
مر، ولكن ابن حزم لا يعرف إلا الرواية لا حظ له فى "الدراية".
قوله: عن أبى هريرة إلخ. قال البغوى فى شرح السنة تبعا للخطابى: "فى هذا الحديث دليل
على أن لا كفارة على من حلف بغير الله تعالى وإن أثم به، لكن تلزمه التوبة، لأنه مرّ أمره بكلمة
التوحيد، فأشار إلى أن عقوبته تختص بذنبه، ولم يوجب عليه فى ماله شيئاً اهـ من "فتح البارى"
ملخصا (٤٦٧:١١). قلت: وهو قول جمهور العلماء كما صرح به الموفق فى المغنى (٢٠٩:١١).

ج - ١١
٣٥٢
باب إذا حلف على فعل معصية أو ترك واجب وجب الحنث وكفارة اليمين
٣٤٨٦- عن أبى هريرة رضى الله عنه، قال: قال رسول الله عَ له: ((والله لأن
يستلج أحدكم فى يمينه آثم له عند الله من أن يؤدى الكفارة التى فرض الله علیه)). رواه *
مسلم (المحلى، ٨: ٤٣). وقال الموفق فى المغنى (١١: ١٦٦): متفق عليه.
فائدة:
قال الموفق فى "المغنى": "إذا حلف بالعهد، أو قال: وعهد الله و كفالته، فذلك يمین یجب .
تكفيرها إذا حنث فيها. وبهذا قال الحسن وطاوس والشعبى والحارث العكلى وقتادة والحكم
والأوزاعى ومالك. وحلفت عائشة بالعهد أن لا تكلم ابن الزبير، فلما كلمته أعتقت أربعين رقبة،
وكانت إذا ذكرته تبكى وتقول: واعهداه. قال أحمد: العهد شديد فى عشرة مواضع من كتاب
الله، ويتقرب إلى الله تعالى إذا حلف بالعهد وحنث ما استطاع، وعائشة أعتقت أربعين رقبة ثم
تبكى حتى تبل خمارها، وتقول: واعهداه. وقال عطاء وأبو عبيد وابن المنذر: لا يكون يمينا إلا أن
ينوى. وقال الشافعى: لا يكون يمينا إلا أن ينوى اليمين بعهد الله الذى هو صفته. وقال أبو حنيفة:
ليس بيمين ولعلهم ذهبوا إلى أن العهد من صفات الفعل، فلا يكون الحلف به يمينا، وقد وافقنا أبو
حنيفة فى أنه إذا قال: على عهد الله وميثاقه، ثم حنث أنه يلزمه الكفارة" اهـ (١٩٧:١١).
قلت: بل قد وافقهم أيضًا فيما إذا قال: وعهد الله، فهو يمين عنده لأن العهار يمين فصار كأنه
قال: ويمين الله، وذلك يمين، فكذا هذا ذكره فى "البدائع" (٦:٣). وفى الهداية: "وكذا قوله:
وعهد الله وميثاقه، لأن العهد يمين، قال الله تعالى: ﴿وأوفوا بعهد الله﴾ والميثاق عبارة عن العهد".
قال المحقق فى الفتح: "وكذا الذمة، كأن يقول وذمة الله" (٣٦١:٤). وإنما خالفهم أبو حنيفة إذا
قال: والعهد، وأطلق من غير أن يضيفه إلى الله تعالى، فلا يكون يمينا. وأما أثر عائشة فإنما أخرجه
البخارى فى باب الهجرة بلفظ: "لله على نذر أن لا أكلم ابن الزبير أبدا" (٤١١:١٠، مع الفتح)،
وفى مناقب قريش بلفظ: "على نذر إن كلمته". وقالت بعد ما أعتقت أربعين: "وددت أنى جعلت
حين حلفت عملا أعمله فأفرغ منه". (٣٩٠:٦). فإن ثبت فيه لفظ العهد فالظاهر أنها قالت: لله
غلى عهد وهو يمينٍ عندنا كما مر، والله تعالى أعلم.
باب إذا حلف على فعل معصية أو ترك واجب وجب الحنث وكفارة اليمين
قوله: "عن أبى هريرة" إلخ. فصح بهذا الخبر وجوب الكفارة فى الحنث فى اليمين التى
یکون التمادی علی الوفاء بها إثما.

٣٥٣
إعلاء السنن
٣٤٨٧- عن عبد الرحمن بن سمرة، قال: قال رسول الله عَّ له: ((إذا حلفت على
يمين فرأيت غيرها خيرا منها فأت الذى هو خير، وكفر عن يمينك)). رواه البخارى (فتح
البارى (١١: ٥٣٣). وقال الموفق فى "المغنى" (١١: ١٦٦): متفق عليه.
باب تحريم الحلال یمین تجب کفارتها إذا حنث فيها
٣٤٨٨- عن عائشة: " کان النبی عګے یمکث عند زينب بنت جحش ویشرب
عندها عسلا، فتواصيت أنا وحفصة أن أيتنا دخل عليها النبى معَّ له فلتقل: إنى أجد منك
قوله: "عن عبد الرحمن" إلخ. قوله: "فرأيت غيرها خيرا منها"، يعم ما إذا كان الغير
واجبا وضده معصية، فيجب إتيان الواجب وكفارة الحنث. وقد استوفينا الكلام فى المسألة
فيما مضى، فتذكر.
فائدة: قال الموفق فى "المغنى": ويكره الإفراط فى الحلف بالله تعالى، لقول الله تعالى:
﴿ولا تطع كل حلاف مهين﴾. وهذا ذم يقتضى كراهة فعله، فإن لم يخرج إلى حد الإفراط فليس
بمكروه إلا أن يقترن به ما يوجب الكراهة. ومن الناس من قال: الأيمان كلها مكروهة، لقول الله
تعالى: ﴿ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم﴾. ولنا أن النبى م ێ کان يحلف كثيرا، وقد كان
يحلف فى الحديث الواحد أيمانا كثيرة، وربما كرر اليمين الواحدة ثلاثا، فإنه قال فى خطبة
الكسوف: ((والله يا أمة محمد! ما أحد أغير من الله أن يزنى عبده، أو تزنى أمته، يا أمة محمد!
والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا)) ولقيته امرأة من الأنصار، فقال:
((والذى نفسى بيده إنكم لأحب الناس إلى)) ثلاث مرات. وقال: "والله لأُغزون قريشا" ثلاثا. ولو
كان هذا مكروها لكان النبى معَِّ أبعد الناس منه. وأما قوله تعالى: ﴿ولا تجعلوا الله عرضة
لأيمانكم). فمعناه: لا تجعلوا أيمانكم بالله مانعة لكم من البر والتقوى والإصلاح بين الناس. قال
أحمد وذكر حديث ابن عباس باسناده فى قوله تعالى: ﴿ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم﴾: الرجل
يحلف أن لا يصل قرابته، وقد جعل الله له مخرجا فى التكفير، فأمره أن لا يعتل بالله فليكفر
وليبر. ثم ذكر حديثى المتن (١٦٦:١١).
باب تحريم الحلال یمین تجب کفارتها إذا حنث فيها
قوله: "عن عائشة" إلخ. قال الحافظ فى "الفتح": "قال ابن المنذر: اختلف فيمن حرم على
نفسه طعاما أو شرابا يحل. فقالت طائفة: لا يحرم عليه وتلزمه كفارة يمين، وبهذا قال أهل العراق
(فيه رد على من عزى إلى الحنفية حرمة ما حرمه على نفسه). وقالت طائفة: لا تلزمه الكفارة إلا إن

٣٥٤
تحريم الحلال یمین تجب کفارتها إذا حنث فيها
ج - ١-
ريح مغافير، فدخل على إحدانا، فقالت للنبى عّ لّ ذلك، فقال: لا! بل شربت عسلا
عند زينب بنت جحش ولن أعود له، فنزل: ﴿يا أيها النبى لم تحرم ما أحل الله لك تبتغى
حلف. وإلى ترجيح هذا القول أشار المصنف (أى البخارى) بإيراد الحديث بقوله: وقد حلفت،
وهو قول مسروق والشافعى ومالك، لكن استثنى مالك المرأة فتطلق. قال الشافعى: لا يقع عليه
شىء إذا لم يحلف إلا إذا نوى الطلاق فتطلق، أو العتق فتعتق، وعنه يلزمه كفارة يمين" اهـ
(٤٩٨:١١). ملخصا.
قلت: قد مر فى باب الطلاق أن تحريم المرأة يمين عندنا إذا لم ينوٍ به الطلاق ولا الظهار
ولا الإيلاء، وإن نوى الكذب لغا، فتذكر.
وقد احتج بحديث عائشة من قال: بأن تحريم الحلال يمين، ويعكر عليه ما فى بعض طرقه من
قوله مرّ له: ((فلن أعود له وقد حلفت". فإنه يدل على وجود الحلف فلم يكن التحريم بمجرده يمينا،
ولا حجة فيه للخصم، فإنه لا يقول بانعقاد اليمين بمجرد قوله: قد حلفت، ما لم يقل: بالله، وهذا
هو الجواب عما قاله ابن المنذر: وقد تمسك بعض من أوجب الكفارة ولو لم يحلف بما وقع فى
حديث أبى موسى فى قصة الرجل الجرمى والدجاج، وتلك رواية مختصرة. وقد ثبت فى بعض
طرقه الصحيحة: أن الرجل قال: " حلفت أن لا آكله". وقد أخرجه الشيخان فى الصحيحين
كذلك، قاله الحافظ فى الفتح (٤٩٨:١١). وقال أيضا: "واستدل القرطبى وغيره بقوله: حلفت
على أن الكفارة التى أشير إليها فى قوله تعالى: ﴿قد فرض الله لگم تحلة أيمانكم﴾ هی عن اليمين
التى أشار إليها بقوله: حلفت، فتكون الكفارة لأجل اليمين لا لمجرد التحريم. وهو استدلال قوى لمن
يقول: إن التحريم لا كفارة فيه بمجرده. وحمل بعضهم قوله: "حلفت" على التحريم، ولا يخفى
بعده، والله أعلم" (٣٣١:٩).
وقال الجصاص فى "أحكام القرآن" له: " وأما قول من قال: إنه حرم وحلف أيضا، فإن
ظاهر الآية لا يدل عليه وإنما فيها التحريم فقط. فغير جائز أن يلحق بالآية ما ليس فيها، فوجب أن
يكون التحريم يمينا لإيجاب الله تعالى فيها كفارة يمين بإطلاقى لفظ التحريم" اهـ (٣: ٤٦٤). ويدل
على ذلك كون الله تعالى قد عقب قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرّموا طيبات ما أحل الله لكم﴾
بقوله: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو فى أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾. فلو لا أن تحريم
الحلال یمین لم یکن لتعقیبه بحكم الیمین و جه يرتبط به إحدى الآيتين بالأخرى، وإلى ذلك أشار
ابن مسعود كما سیأتی.
وقال الموفق فى "المغنى": "إذا قال: هذا حرام على إن فعلت وفعل، أو قال: ما أحل الله على

٣٥٥
تحريم الحلال يمین تجب کفارتها إذا حنث فيها
إعلاء السنن
مرضاة أزواجك))). متفق عليه (المغنى لابن قدامة (١١: ٢٠٢). وفى لفظ للبخارى
(٧٢٩:٢): "فلن أعود له وقد حلفت لا تخبرى بذلك أحدا" اهـ.
حرام إن فعلت، ثم فعل، فهو مخير إن شاء ترك ما حرمه على نفسه (أى بشرط أن لا يكون تركه
معصية) وإن شاء كفر. وإن قال: هذا الطعام حرام على فهو كالحلف على تركه، ويروى نحو هذا
عن ابن مسعود والحسن وجابر بن زيد وقتادة وإسحاق وأهل العراق. وقال سعيد بن جبير فيمن
قال: الحل على حرام، يمين من الأيمان يكفرها. وقال الحسن: هى يمين إلا أن ينوى طلاق امرأته.
وعن إبراهيم مثله، وعنه إن نوى طلاقا وإلا فليس بشئ. وعن الضحاك: أن أبا بكر وعمر وابن
مسعود قالوا: الحرم يمين، وقال طاوس: هو ما نوى، وقال مالك والشافعى: ليس بيمين ولا شىء
عليه، لأنه قصد تعبير المشروع فلغا ما قصده، كما لو قال هذه ربيبتى ولنا قول الله تعالى: ﴿يا أيها
النبى لم تحرّم ما أحلّ الله لك، إلى قوله قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم). سمى تحريم ما أحل الله
يمينا، وفرض له تحلة وهى الكفارة، وقالت عائشة، فذكر حديث المتن، ثم قال: فإن قيل: إنما نزلت
الآية فى تحريم مارية القبطية، كذلك قال الحسن وقتادة. قلنا: ما ذكرناه أصح، فإنه متفق عليه.
وقول عائشة صاحبة القصة الحاضرة للتنزيل المشاهدة للحال أولى، وقتادة والحسن لو سمعا قول
عائشة لم يعدلا به شيئا ولم يصيرا إلى غيره، فكيف يصار إلى قولهما ويترك قولها. وقد روى عن
ابن عباس وابن عمر عن النبى عّ لّه، أنه جعل تحريم الحلال يمينا. ولو ثبت أن الآية نزلت فى تحريم
مارية كان حجة لنا، لأنها من الحلال الذى حرم وليست زوجة، فوجوب الكفارة بتحريمها يقتضى
وجوبه فى كل حلال حرم بالقياس عليها، لأنه حرم الحلال فأوجب الكفارة كتحريم الأمة
والزوجة وما ذكروه يبطل بتحريمها وإذا قال هذه ربيبتى يقصد تحريمها فهو ظهار اهـ (٢٠٢:١١).
وفى "الهداية": "ومن حرم على نفسه شيئا لم يصر محرما. وعليه إن استباحه (أى فعل
شيئا مما حرمه قليلا أو كثيرا) كفارة يمين" اهـ. وقال المحقق فى الفتح بعد ذكر الاستدلال بقوله:
﴿يا أيها النبى لم تحرّم ما أحل الله لك﴾. الآية: "فإن قيل: إنه روى أنه قال: والله لا أذوقه، فلذلك
سمى تحريما ولزمت التحلة. أجيب: بأنه لم يذكر فى الآية ولا فى الحديث الصحيح (بهذا اللفظ،
فلا يرد ما جاء فى لفظ للبخارى: وقد حلفت). فلا يجوز أن يحكم به ويقيد به حكم النص.
واعلم أن الذى فى الحديث الصحيح هو قوله: وأن أعود إليه. ولا شك أن هذا ليس بیمین موجب
للكفارة عند أحد. فحيث ذكر الله تعالى ما يفيد أن الواقع منه كان يمينا وجب الحكم بأنه كان
منه عَّه مع ذلك قول آخر لم يرد فى تلك الرواية، فجاز كونه قوله: "والله لا أذوقه". وجاز كونه
لفظ التحريم، إلا أن لفظ حرم على نفسه ظاهر فى إرادة أنه قال: حرمت كذا ونحوه، بخلاف

٣٥٦
تحريم الحلال یمین تجب کفارتها إذا حنث فيها
ج - ١١
٣٤٨٩- عن سعيد بن جبير رضى الله عنه، أن ابن عباس رضى الله عنهما قال:
"فى الحرام يكفر"، وقال ابن عباس: ﴿لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة﴾. رواه
البخارى (٧٢٩:٢). ورواه الطبرى فى تفسيره (١٠١:٢٨) وزاد: يعنى: أن النبى عَّ ◌ُّه
حرم جاريته، فقال الله جل ثناؤه: ﴿يا أيها النبى لم تحرم ما أحل الله لك﴾، إلى قوله:
﴿قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم). فكفر يمينه فصير الحرام يمينا اهـ. وسنده صحيح.
٣٤٩٠- عن مسروق قال: "أتى عبد الله بضرع فأخذ يأكل منه. فقال للقوم:
الحلف على تركه" اهـ (٣٧٢:٣).
قوله: "عن سعيد بن جبير" إلخ. دلالته على معنى الباب ظاهرة. وفيه أنه لم يقع من
النبى معٍَّ إلا التحريم، وإلا لم يتم استدلال ابن عباس. وقوله: "فصير الحرام يمينا". فما ورد فى
بعض الطرق من زيادة الحلف فهو من تصرف الرواة رواية بالمعنى، والله تعالى أعلم.
فإن قيل: قد روى البخارى فى كتاب الطلاق عن سعيد بن جبير، أنه سمع ابن عباس يقول:
"إذا حرم امرأته ليس بشئ، وقال: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾. قلنا: معنى قوله:
"ليس بشىء" أى ليس بحرام عليه، ولم يرد نفى اليمين، بدليل ما أخرجه الإسماعيلى من طريق
محمد بن المبارك الصورى عن معاوية بن سلام بإسناد حديث البخارى بلفظ: "إذا حرم الرجل
امرأته فإنما هى يمين يكفرها". وأخرج النسائى وابن مردويه من طريق سالم الأفطس عن سعيد بن
جبير عن ابن عباس: "أن رجلا جاءه، فقال: إنى جعلت امرأتى حراما على، قال: كذبت ما هى
عليك بحرام، ثم تلا قوله تعالى: ﴿يا أيها النبى لم تحرّم ما أحل الله لك﴾. ثم قال: عليك رقبة".
كذا فى "فتح البارى" (٣٢٨:٩). فقوله: "عليك رقبة" صريح فى أنه جعله يمينا مكفرة فبطل
ما قاله ابن حزم: " وقد صح عنه أى عن ابن عباس، أنه قال: فيمن قال لا مرأته أنت على حرام، أنها
لا تحرم بذلك، ولم يجعل فيه كفارة وهذا أصح أقواله" اهـ (المحلى ١٦:٨). فإن أصح أقواله ما
أودعه البخارى فى الصحيح، وقد وقع التصريح فى رواية بأنه قال فى الحرام: "يكفر". ووقع فى
رواية أنه قال فيمن حرم امرأته: "ليس بشىء، فمن حمل قوله: "ليس بشىء" على نفى اليمين
والكفارة كما فعله ابن حزم، فقد أخطأ خطأ بينا، بل معناه نفى الحرمة أى ليست امرأته حراما
عليه، ويجب عليه كفارة اليمين عنده، بدليل ما ذكرنا فافهم. فإن أهل الظاهر لا يفقهون
ولا يعرفون طريق الجمع بين الروايات ولا يكادون يجمعون.
قوله: "عن مسروق" إلخ. فيه أن ابن مسعود أمر الرجل بتكفير اليمين بمجرد قوله: "إنى

٣٥٧
تحريم الحلال يمين تجب كفارتها إذا حنث فيها
إعلاء السنن
ادنوا! فدنا القوم وتنحى رجل منهم، فقال عبد الله: ما شأنك؟ قال إنى حرمت الضرع،
قال: هذا من خطرات الشيطان، ادن وكل وكفر يمينك. ثم تلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا
تحرموا طيبات ما أحل الله لكم﴾. رواه الطبرانى فى الكبير ورجاله رجال الصحيح
(مجمع الزوائد ١٩٠:٤). وأخرجه الثورى فى جامعه، وابن المنذر من طريقه بسند
صحيح عن ابن مسعود بنحوه (فتح البارى ١١: ٤٩٨). وأخرجه الحاكم فى
"المستدرك" (٢: ٣١٣). وقال: صحيح على شرط الشيخين وأقره عليه الذهبى.
٣٤٩١- حدثنى على ثنا أبو صالح ثنى معاوية عن على عن ابن عباس، فى قوله:
﴿قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم): ((أمر الله نبيه عّ لّه والمؤمنين إذا حرموا شيئا مما أحل
الله لهم أن يكفروا أيمانهم بإطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، وليس
يدخل ذلك فى طلاق)). أخرجه الإمام الطبرى فى تفسيره (٢٨: ١٠١)، وشيخه هو
على بن داود القنطرى من رجال ابن ماجه ثقة، وثقه الخطيب وابن حبان، كما
فى "التهذيب" (٧: ٣١٧). وباقى الإسناد جوده السيوطى فى "الإتقان" (١٩٥:٢).
قال: "وقد اعتمد البخارى على نسخة أبى صالح رواها عن معاوية بن صالح عن على
بن أبى طلحة عن ابن عباس فى صحيحه كثيرا فيما يعلقه عن ابن عباس" اهـ.
حرمت الضرع"، ثم تلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرّموا طيبات ما أحل الله لكم﴾، فأشار إلى أن
الله عقب ذلك بذكر حكم اليمين وكفارتها، فدل على أن تحريم الحلال يمين. والله تعالى أعلم.
قوله: "حدثنى على" إلخ. دلالته قوله: "أمر الله نبيه والمؤمنين إذا حرموا شيئا مما أحل الله
لهم أن يكفروا أيمانهم" على معنى الباب ظاهرة. وقوله: "وليس يدخل فى ذلك طلاق". معناه أن
الطلاق أيضا يتضمن تحريم الزوجة وهی حلال له، ولكنه لا يرتفع حکمه بالكفارة، بل لا بد من
وقوعه عليها وثبوت حكم الحرمة، سواء كان بلفظ الطلاق صريحا أو بلفظ الحرام ونحوه من
الكنايات، كما ذكره الفقهاء بأبسط وجه وأكمله. وهذا هو قول الحنفية. ووافقهم الجمهور فى
تحريم النساء كما فى "فتح القدير" (٣٧٢:٣).

٣٥٨
ج - ١١
باب أن النذر الغیر المسمی یکون يمينا
٣٤٩٢- عن عقبة بن عامر رضى الله عنه قال: قال رسول الله عَّ له: ((كفارة النذر
إذلم يسم كفارة يمين)). رواه الترمذى وقال: حسن صحيح غريب (١٨٤:١).
٣٤٩٣- عن ابن عباس رضى الله عنهما عن النبى معَّ ◌ُلّه، قال: ((من نذر نذرا ولم
يسمه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرا لم يطقه فكفارته كفارة يمين))، رواه أبو داود
وابن ماجه، وزاد: ((ومن نذر نذرا أطاقه فليف به)) قال الحافظ فى بلوغ المرام: "إسناده
صحيح إلا أن الحفاظ رجحوا وقفه" (نيل الأوطار ٤٨٢:٨، ٤٨٣).
٣٤٩٤- عن عروة بن الزبير: "أن عائشة كانت لا تمسك شيئا مما جاءها من رزق
الله، فقال ابن الزبير: ينبغى أن يؤخذ على يديها، فقالت: أ يؤخذ على يدى؟ على نذر
إن كلمته. فاستشفع إليها برجال من قريش، وبأخوال رسول الله عّ لّه خاصة فامتنعت،
فقال له الزهريون أخوال النبى معَّ له: إذا استأذنا فاقتحم الحجاب، ففعل. فأرسل إليها
بعشر رقاب، فأعتقتهم، ثم لم تزل تعتقهم حتى بلغت أربعين، وقالت: وددت أنى
جعلت حين حلفت عملا أعمله فأفرغ منه". رواه البخارى (فتح البارى ٣٩٠:٦)،
وهذا مختصر.
باب أن النذر الغیر المسمی یکون یمینا
قال المؤلف: دلالة الأحاديث على الباب ظاهرة. ثم اعلم أن صاحب "الهداية" قال
(٤٦١:٢): "وإن قال: إن فعلت كذا فهو يهودي أو نصرانى أو كافر يكون يمينا، لأنه لما جعل
الشرط علما على الكفر فقد اعتقده واجب الامتناع، وقد أمكن القول بوجوبه لغيره بجعله يمينا،
كما نقول فى تحريم الحلال، ولو قال ذلك لشىء قد فعله فهو الغموس ولا يكفر اعتبارا بالمستقبل.
وقيل: یکفر لأنه تنجیز معنی، کما إذا قال: هو یہودی، والصحيح أنه لا یکفر فيهما إن كان يعلم
أنه يمين. فإن كان عنده أنه يكفر بالحلف يكفر فيهما، لأنه رضى بالكفر حيث أقدم على الفعل
اهـ. ويعارضه فى بادئ النظر ما رواه الحاكم عن أبى هريرة مرفوعا كما فى "كنز العمال"
(٣٤٠:٨): "من حلف على يمين فهو كما حلف، إن قال: هو يهودى فهو يهودى، وإن قال: هو
نصرانی فهو نصرانی، وإن قال: هو برىء من الإسلام، فهو برئ من الإسلام. ومن ادعی دعوى
الجاهلية فهو من جثاء جهنم وإن صلى وصام" اهـ. ولكن لا بد من التأويل فيه، فإن الإيمان يتعلق

٣٥٩
النذر الغير المسمى يكون يمينا
إعلاء السنن
بالقلب، فمن لم يكفر قلبه كيف يحكم بكفره؟ فالحديث إما محمول على الصورة التى ذكرها
صاحب "الهداية" بقوله: فإن كان عنده إلخ. وهو الأظهر بالأصول والقواعد، أو هو محمول على
الزجر والتشديد فافهم.
قال المحقق فى الفتح: "واعلم أنه ثبت فى الصحيحين عنه مَّ له، أنه قال: من خلف على ملة
غير الإسلام كاذبا متعمدا فهو كما قال فهذا يتراءى أعم من أن يعتقده يمينا أو كفرا، والظاهر أنه
أخرج مخرج الغالب، فإن الغالب ممن يحلف بهذه الأيمان أن يكون من أهل الجهل لا من أهل العلم
والخير. وهؤلاء لا يعرفون إلا لزوم الكفر على تقدير الحنث، فإن تم هذا وإلا فالحديث شاهد لمن
أطلق القول بكفره" اهـ. (٣٦٣:٤).
وقال الحافظ فى "الفتح": "والتحقيق التفصيل، فإن اعتقد تعظيم ما ذكر كفر، وإن
قصد حقيقة التعليق فينظر فإن كان أراد أن يكون متصفا بذلك كفر، لأن إرادة الكفر كفر،
وإن أراد البعد عن ذلك لم يكفر، لكن هل يحرم عليه ذلك أو يكره تنزيها، الثانى هو
المشهور" اهـ (٤٦٩:١١).
قلت: وقال النووى فى الأذكار: "إن أراد حقيقته صار كافرا فى الحال، وإن لم يرد ارتكب
محرما يجب عليه التوبة والاستغفار" (نزل الأبرار، ٣٩٧). وسبقه إليه الماوردى، قاله الحافظ فى
الفتح (٤٦٧:١١). وروى أبو داود والنسائى وصححه، عن ابن بريدة مرفوعا: "من حلف فقال:
إنى برئ من الإسلام فإن كان كاذبا فهو كما قال، وإن كان صادقا فلن يرجع إلى الإسلام سالماً".
قال الحافظ فى الفتح: "ويخصص بهذا عموم الحديث الماضى، ويحتمل أن يكون المراد
بهذا الكلام التهديد والمبالغة فى الوعيد لا الحكم" اهـ (٤٦٩:١١).
قلت: ومثله ما شاع على ألسنة أهل الهند: لا يرزقنى الله كلمة الإسلام عند الموت، أو لا
يرزقنى الإيمان عند الموت، فهو يمين أيضا. ولا يجوز الحلف بأمثال هذه الكلمات، فإن سلب الإيمان
قاصمة الظهر، والله لا يرضى بالتكلم به أحد فى قلبه حب الله ورسوله وحب الإيمان، ويدل على
النهى عنه ما مر من حديث أبى هريرة بتخريج كنز العمال فافهم.
قوله: عن عقبة بن عامر، وقوله: عن ابن عباس إلخ. دلالتهما على معنى الباب ظاهرة. قال
الموفق فى المغنى (٣٣٤:١١): النذر المبهم هو أن يقول: لله على نذر، فهذا تجب به الكفارة فى قول
أكثر أهل العلم. وروى ذلك عن ابن مسعود وابن عباس وجابر وعائشة. وبه قال الحسن وعطاء
وطاوس والقاسم وسالم والشعبى والنخعى وعكرمة وسعيد بن جبير ومالك والثورى ومحمد بن
الحسن، ولا أعلم فيه مخالفا إلا الشافعى (قلت: وهو محجوج بإجماع من تقدمه) قال: لا ينعقد

ج - ١١
النذر الغير المسمى يكون يمينا
٣٦٠
نذره ولا كفارة فيه، لأن من النذر ما لا كفارة فيه (كالنذر بما ليس من جنسه واجب كالمباحات).
ولنا ما روى عقبة بن عامر فذكر حديث المتن سواء، ولأنه نص (فى موضع النزاع). وهذا قول من
سمينا من الصحابة والتابعين، ولا نعرف لهم فى عصرهم مخالفا، فيكون إجماعاً" اهـ.
وقال البيهقى بعد ما ذكر حديث عقبة هذا: "وذلك محمول عندنا على نذر اللجاج الذى
يخرج مخرج الأيمان". ورده صاحب الجوهر النقى: "بأن هذا التقييد يحتاج إلى دليل. وذكر
النووى فى شرح مسلم: أن مالكا وكثيرين أو الأكثر حملوا الحديث على النذر المطلق، كقوله:
"على نذر". وذكر ابن رشد فى القواعد أن الجمهور أوجبوا فى النذر المطلق الكفارة مصيرا إلى
هذا الحديث. وفى شرح مسلم القرطبى: قوله معرّ ◌ُله: "كفارة النذر كفارة اليمين". يعنى به النذر
الذى لم يسم مخرجه، بدليل ما رواه أبو داود من حديث ابن عباس: "من نذر نذرا لم يسمه
فكفارته كفارة اليمين". فقيد فى هذا الحديث ما أطلقه فى حديث عقبة. وقد أخرج ابن ماجه
والطحاوى حديث عقبة أيضا مقيدا كذلك. وقال صاحب الاستذكار: هو أعلى ما روى فى ذلك
وأجل" اهـ (٣٣٤:٢).
قوله: "عن عروة بن الزبير" إلخ. فيه دلالة ظاهرة على انعقاد النذر المجهول، وأن كفارته
كفارة اليمين. قال الحافظ فى الفتح: "استدل به على انعقاد النذر المجهول وهو قول المالكية، لكنهم
يجعلون فيه كفارة يمين، وظاهر قول عائشة وصنيعها أن ذلك لا يكفى، وأنه يحمل على أكثر ما
يمكن أن ينذر، ويحتمل أن تكون فعلت ذلك تورعا لتيقن براءة الذمة" اهـ (٣٩٠:٦). قلت: هذا
الاحتمال هو المتعين، بدليل ما ذكرنا فى المتن من الآثار المرفوعة.
فإن قيل: "كيف جاز لعائشة هجران ابن الزبير وهو ابن أختها، وقد نهى النبى عَ له عن
الهجرة، وأنه لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال". قلنا: "أجاب الطبرى بأن المحرم إنما هو
ترك السلام فقط. وأن الذى صدر من عائشة ليس فيه أنها امتنعت من السلام على ابن الزبير، ولا
من رد السلام عليه لما بدأها بالسلام. وأطال فى تقرير ذلك، وجعله نظير من كانا فى بلدين لا
يجتمعان، ولا يكلم أحدهما الآخر. وليسأ مع ذلك متهاجرين. قال: وكانت عائشة لا تأذن لأحد
من الرجال أن يدخل عليها إلا بإذن، ومن دخل كان بينه وبينها حجاب إلا إن كان ذا محرم منها.
ومع ذلك لا يدخل عليها حجابها إلا بإذنها، فكانت فى تلك المدة منعت ابن الزبير من الدخول
عليها والصواب ما أجاب به غيره: أن عائشة رأت أن ابن الزبير ارتكب بما قال أمرا عظيما، وهو
قوله: "لأحجرن عليها". فإن فيه تنقيصا لقدرها ونسبة لها إلى ارتكاب ما لا يجوز من التبذير، مع