النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
إعلاء السنن
کتاب الأيمان
باب تعريف الغموس وكونه معصية وأنه لا كفارة فيه
بيته) ولم يدعها تخرج فجاءت بولد لم يسعه فيما بينه وبين ربه عز وجل أن ينتفى منه. فهذا
نأخذ" اهـ (٢٥٠). وحاصله أن نسب ولد الأمة وإن کان لا یثبت عندنا بلا دعوة، ونسب ولد أم
الولد ينفى المولى فلا يجوز له الإقدام على نفى الولد بمجرد شبهة حدثت له ما لم یتیقن به. فقد
روى عن ابن عمر رضى الله عنه قال: قال رسول الله مَّ له: "من انتفى من ولده ليفضحه فى الدنيا،
فضحه الله تبارك وتعالى يوم القيامة على روس الأشهاد قصاص بقصاص". رواه أحمد والطبرانى
فى الكبير والأوسط، ورجال الطبرانى رجال الصحيح خلا عبد الله بن أحمد وهو ثقة إمام (ابن
إمام هو حجة الإسلام) كذا فى "مجمع الزوائد" (١٥:٥).
ولكن هذا آخر ما أردنا إيراده فى هذا الباب. والحمد لله العزيز الوهاب. وقع الفراغ من تسويد
هذه الأوراق فى كتاب النكاح والطلاق ضحوة الخميس الثالث والعشرين من رجب المعظم سنة
ثمان وأربعين وثلاثمائة وألف من هجرة النبی الأمین المکرم، مڅآے، ما غرد طائر وترنم، و کان ذلك
فى ظل العارف بالله حكيم الأمة المحمدية، مجدد المراسم الدينية، قطب الإرشاد والهداية، مركز
التلقين والحماية، سيد الطائفة فى زمانه، منبع العلم والعرفان بفيضانه، شيخنا الإمام الحجة الثقة
الثبت التقى النقى، مولانا الشاه محمد أشرف على التهانوى، أدام الله ظلال بركاته علينا وعلى
العالمين، ومتعنا بفيوض أنفاسه القدسية وسائر الطالبين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
باب تعريف الغموس وكونه معصية وأنه لا كفارة فيه
قال المؤلف: دلالة مجموع أحاديث الباب عليه ظاهرة، والأصل فى مشروعية اليمين
وثبوت حكمها الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب: فقول الله سبحانه: ﴿لا يؤاخذكم الله
باللغو فى أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾. الآية، وقال تعالى: ﴿ولا تنقضوا الأيمان بعد
توكيدها، وقد جعلتم الله عليكم كفيلا﴾، وأمر نبيه مرّ له بالحلف فى ثلاثة مواضع، فقال: ﴿قل
إِی وربی إنه لحق وما أنتم بمعجزین﴾، وقال: ﴿قل بلی وربی لتبعثن﴾، وقال: ﴿قل بلی وربی
لتأتينّكم﴾. وأما السنة: فقول النبى معَّه: ((إنى والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها
خيرا منها إلا أتيت الذى هو خير وتحللتها)). متفق عليه، وكان أكثر يمين رسول الله عّ له: (لا
ومصرف القلوب ومقلب القلوب)). ثبت هذا عن رسول الله عَ ليه فى آى وأخبار سوى هذين

ج - ١١
:
تعريف الغموس وكونه معصية وأنه لا كفارة فيه
٣٢٢
كثير. وأجمعت الأمة على مشروعية اليمين وثبوت أحكامها، (وقد تواتر عنه عَ له: ((البينة على
المدعى واليمين على من أنكر))). ووضعها فى الأصل لتوكيد المحلوف عليه.
وتصح من كل مكلف مسلم، ولا تصح من غير مكلف كالصبى والمجنون والنائم،
لقوله مَّ ◌ُله: ((رفع القلم عن ثلاث)). ولأنه قول يتعلق به وجوب حق فلم يصح من غير مكلف.
والقاصد فى اليمين والمكره والناسى سواء حتى تجب الكفارة بالحنث، لما روى عبد الرزاق عن
عمرو على أنهما قالا: "ثلاث لا لعب فيهن النكاح والطلاق والعتاق"، وفى رواية عنهما: "أربع
وزاد: والنذر" اهـ. ولا شك أن اليمين فى معنى النذر فيقاس عليه. وقد بحث ابن الهمام فى الفتح
فى إلحاق الناسى والمخطئ بالهازل واللاعب وقال: "لا يلزم من كون اللاعب كالجاد كون الناسى
والمخطئ كالقاصد المتعمد". (٣٥٢:٤).
وقال أحمد والشافعى ومالك. "لا تنعقد يمين المكره وكذا الناسى والخاطئ". لقوله عد له:
"رفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه". قلنا: أراد رفع الإثم دون الكفارة، بدليل
وجوب الكفارة فى القتل خطأ، وفى إتلاف مال المسلم خطأ أو نسيانا. والجواب عن بحث ابن
الهمام: أن الهازل والناسى والمخطئ كله سواء فى عدم إرادة اليمين وإن كان الهازل قد أراد التكلم
بها بخلاف الناسى وقرينه، فلما كان اللاعب باليمين كانجاد دل ذلك على عدم اشتراط القصد
لصحتها، فعدم إرادة المعنى فقط وعدم إرادة اللفظ والمعنى جميعا كله سواء، فإن الكفارة
كالضمان، وبالإجماع يجب الضمان فى إتلاف الأموال والأنفس على الناسى والمخطئ والمكره
كالقاصد المتعمد. ومن ادعى الفرق فليأت ببرهان.
وأما ما روى عن عائشة، قالت: "لغو اليمين ما لم يعقد الحالف عليه قلبه". فهو يقتضى
دخول حلف الهازل فى لغو اليمين أيضا، ومد خالفها فى ذلك على وعمر حيث جعلاه كحلف
الجاد، وقولهما أحق وأقوى من قولها لا سيما وقد اختلف عليها فى ذلك. فروى البيهقى فى
"المعرفة" من طريق عمر بن قيس عن عطاء عن عائشة قالت: "هو حلف الرجل على علمه ثم
لا يجده على ذلك فليس فيه كفارة" (زيلعى ٦٦:٢). وعمر بن قيس وإن كان ضعيفا فقد أيده ما
رواه ابن وهب عن الثقة عنده عن الزهرى عن عروة عن عائشة: "هو الذى يحلف على الشىء
لا يريد به إلا الصدق فيكون على غير ما حلف عليه" كما سيأتى فى الباب الآتى، والضعيف إذا
تأید یشاهد أو متابع تقوى.

٣٢٣
تعريف الغموس وكونه معصية وأنه لا كفارة فيه
إعلاء السنن
ولا تصح اليمين من الكافر ولا تلزمه الكفارة بالحنث، سواء حنث فى كفره أو بعد إسلامه.
وقال الشافعى وأحمد وأبو ثور رابن المنذر: تصح وتلزمه الكفارة إذا حنث بعد إسلامه، وعند
أحمد حنثه فى كفره أو بعد إسلامه سواء. واحتجوا بما روى عن عمر رضى الله عنه: أنه نذر فى
الجاهلية أن يعتكف فى المسجد الحرام، فأمره النبى معَّ طِّ بالوفاء بنذره، ولأنه من أهل القسم بدليل
قوله تعالى: "فيقسمان بالله". قالوا: ولا نسلم أنه غير مكلف وإنما تسقط عنه العبادات بإسلامه لأن
الإسلام يجب ما قبله، فأما ما يلزمه بنذره أو يمينه فينبغى أن يبقى حكمه فى حقه، لأنه من جهته
كذا فى "المغنى" (١٦١:١١). ولنا "أن الكفارة عبادة بدليل أنها لا تتأدى بدون النية، ولا تسقط
بأداء الغير عنه، وللصوم فيها مدخل على وجه البدل، وبدل العبادة يكون عبادة. والكافر لا تصح
منه عبادة، فلا تجب بيمينه كفارة، فلا تصح موجبة كيمين الصبى والمجنون، وإنما يستحلف فى
الدعاوى لأن المقصود من الاستحلاف التحرج عن الكذب كالمسلم فاستويا فيه، وإنما يفارق المسلم
فيما هر عبادة ولذا لا يصح إيلاؤه فى حق وجوب الكفارة، لأن الكفارة عبادة، ويقع الطلاق بعد
انقضاء المدة إذا لم يقربها، لأن الطلاق حق العبد فيؤاخذ به، و کذلك الاعتان، فلا يلزم من كونه
أهلا للطلاق، والإعتاق كونه أهلا لليمين" اهـ. من "البدائع" (١١:٣) ملخصا.
وحدیث عمر محمول علی الندب «بدلیل ما رواه الطحاوی فی مشکله من حدیث بهز بن
حكيم عن أبيه عن جده أنه قال: "تلت: يا رسول الله! ما أتيتك حتى حلفت عددا، وجمع بين
أصابع يديه أن لا آتيك ولا آتى دينك، رأنى قد جئتك امرء لا أعقل شيئا إلا ما علمنى الله
ورسوله". الحديث، ولم يأمره رسول الله مرێ بكفارات عمما کان من ايمانه التی قد حنث فيها،
فدل ذلك أنه لم يكن عليه فيها كفارات، وأن حلفه بها فى حال شركه كلا حلف، وإذا كان فى
حلفه كذلك فنذره أحرى. يؤيده ما روى عن رسول الله عّ لّه أنه قال: "إنما النذر فيما ابتغى به
وجه الله عز وجل". وهو حديث حسن كما سيأتى، والمشرك والكافر لا ينبغى وجه الله فلا نذر
له). والمشهور عند الشافعية أن ما ذكره الموفق وابن حزم عنه أنه وجه لبعضهم، وأن الشافعى وجل
أصحابه على أنه لا يجب بل يستحب، وكذا قال المالكية والحنفية، وعن أحمد فى رواية يجب
( ... وفى رواية لا)، كذا فى "فتح البارى" (٥٠٥:١١). واحتج من قال لا تنعقد يمين المكره،
بما أخر ه الدار قطنى عن عنبسة بن عبد الرحمن عن العلاء عن مكحول عن واثلة بن الأسقع وأبى
أمامة قالا: "ال رسول الله عَ له: ((ليس على مقهور يمين)). قال الدار قطنى: "عنبسة ضعيف"،

ج - ١١
تعريف الغموس وكونه معصية وأنه لا كفارة فیه.
٣٢٤
٣٤٥٨- عن ابن مسعود رضى الله عنه: " كنا نعد الذنب الذى لا كفارة له اليمين
الغموس أن يحلف الرجل على مال أخيه كاذبا ليقتطعه". رواه آدم بن أبی إیاس فى
مسند شعبة، وإسماعيل القاضى فى الأحكام، وقال: ولا مخالف له من الصحابة. قد
طعن ابن حزم فى صحة الأثر عن ابن مسعود (فتح البارى ١١: ٤٨٤). قلت: أخرجه
الحاكم فى المستدرك (٦: ٢٩٦). وصححه على شرط الشيخين، وقرره عليه الذهبى،
وسنرد طعن ابن حزم عليه، فإنه طعن بما لا طعن فيه، ورواه ابن حبان فى صحيحه من
وفى "التنقيح": "حديث منكر بل موضوع، وفيه جماعة ممن لا يجوز الاحتجاج بهم". كذا
فى "نصب الراية" (٦٧:٢).
قوله: "عن ابن مسعود" إلخ. قال ابن حزم فى "المحلى": " وروينا القول الثانى من طريق
رفيع أبى العالية أن ابن مسعود كان يقول: كنا نعد من الذنب الذى لا كفارة له اليمين الغموس إلى
أن قال: وأما تمويههم بأنه روى ذلك عن ابن مسعود ولا يعرف له مخالف من الصحابة رضى الله
عنهم، فهى رواية منقطعة لا تصح، لأن أبا العالية لم يلق ابن مسعود، ولا أمثاله من الصحابة رضى
الله عنهم. وإنما أدرك أصاغر الصحابة كابن عباس ومثله رضى الله عن جميعهم" اهـ (٣٩:١١).
قلت: أحسن الله عزاءنا فيك يا ابن حزم! فإن أبا العالية رفيع بن مهران الرياحى مولاهم
البصرى قد أدرك الجاهلية، وأبعد وفاة النبى معَّ له بسنتين، ودخل على أبى بكر، وصلى خلف
عمر، وروى عن على وابن مسعود وأبى موسى وأبى أيوب وأبى بن كعب وثوبان وحذيفة وابن
عباس وابن عمر ورافع بن خديج وأبى سعيد وأبى هريرة وأبى بردة وعائشة وأنس وأبى ذر، كما
فى "تهذيب التهذيب" (٢٨٤:٣). فهو تابعى مخضرم ثقة من كبار التابعين، قد أدرك النبى معَّ له.
وأسلم بعد وفاته، ودخل على أبى بكر وصلى خلف عمر، فكيف تكون روايته عن ابن مسعود
منقطعة؟ وهل قولك: "لا تصح" إلا تحكم بالباطل. نعوذ بالله منه. والعجب من الحافظ كيف
سكت على قوله؟ وقد طعن ابن حزم فى صحة الأثر عن ابن مسعود ولم يرد طعنه عليه، وقد علم
أن طعنه فيه مجازفة ومجادلة بالباطل، ويؤيده ما رواه البيهقى عن عبثر عن ليث عن إبراهيم عن
علقمة عن ابن مسعود، قال: الأيمان أربعة (يمين تكفير، ويمين فيها الاستغفار، فالتى تكفر فالرجل
يقول: والله لأفعلن، والتى فيها الاستغفار فالذى يقول: والله لقد فعلت إلخ). ثم قال: رواه الثورى
عن ليث عن زياد ابن كليب عن إبراهيم من قوله وهو أشبه. قلت: بل الأول أشبه، لأن عبثر ثقة

٣٢٥
تعريف الغموس وكونه معصية وأنه لا كفارة فيه
إعلاء السنن
تفسير الغموس عن الشعبى بلفظ: "التى تقتطع مال امرئ مسلم هو فيها كاذب"،
كما فى "فتح البارى" (١١: ٤٨٤). وفى "فتح البارى" (السابق) أيضا: "ونقل محمد
روى له الجماعة، وقد زاد فى السند. وذكر أبو عمر فى التمهيد أن عامة العلماء على مذهب ابن
مسعود فى أنه لا كفارة فى الغموس. وفى الإشراف لابن المنذر: قال الحسن: إذا حلف على أمر
كاذبا بتعمده فليس فيه كفارة، وبه قال مالك والأوزاعى والثورى، ومن تبعهم من أهل المدينة
والشام والعراق، وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الحديث وأصحاب الرأى. وقال الشافعى :.
فيها الكفارة. ولا نعلم خبرا يدل على ذلك، والكتاب والسنة دالة على الأول، كذا فى "الجوهر
النقى" (٢٣٣:٢).
وقال الموفق فى "المغنى": "من حلف على شىء وهو يعلم أنه كاذب فلا كفارة علیه، لأن
الذى أتى به أعظم من أن تكون فيه الكفارة. هذا ظاهر المذهب نقله الجماعة عن أحمد، وهو قول
أكثر أهل العلم، منهم ابن مسعود وسعيد بن المسيب والحسن ومالك والأوزاعى والثورى والليث
وأبو عبيد وأصحاب الحديث وأصحاب الرأى من أهل الكوفة. وهذه اليمين تسمى يمين الغموس
لأنها تغمس صاحبها فى الإثم، قال ابن مسعود: كنا نعد من اليمين التى لا كفارة لها اليمين
الغموس. وعن سعيد بن المسيب قال: هى من الكبائر وهى أعظم من أن تكفر. وروى عن أحمد أن
فيها الكفارة. وروى ذلك عن عطاء والزهرى والحكم والبتى. وهو قول الشافعى، لأنه وجدت منه
اليمين بالله تعالى والمخالفة مع القصد فلزمته الكفارة كالمستقبلة. ولنا أنها يمين غير منعقدة فلا
توجب الكفارة كاللغو، أو يمين على ماض فأشبهت اللغو، وبيان كونها غير منعقدة أنها لا توجب
برا ولا يمكن فيها، ولأنه قارنها ما ينافيها وهو الحنث فلم تنعقد كالنكاح الذى قارنه الرضاع،
ولا يصح القياس على المستقبلة لأنها يمين منعقدة يمكن حلها والبر فيها، وهذه غير منعقدة فلا حل
لها. قال ابن عبد البر: اليمين التى فيها الكفارة بإجماع المسلمين هى التى على المستقبل من
الأفعال. وقوله عَّه "فليكفر عن يمينه وليأت الذى هو خير"، يدل على أن الكفارة إنما تجب
بالحلف على فعل يفعله فيما يستقبله قاله ابن المنذر" اهـ (١٧٨:١١).
واحتج ابن حزم ومن وافقه بعموم قوله تعالى: ﴿ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم﴾. فظاهر
القرآن إيجاب الكفارة فى كل يمين، فلا يجوز أن تسقط كفارة عن يمين أصلا إلا حيث أسقطها
نص قرآن أو سنة، ولا نص قرآن ولا سنة أصلا فى إسقاط الكفارة عن الحالف یمینا غموسا، فهی
واجبة عليه بنص القرآن إلى آخر ما قال وأطال. (المحلى ١١: ٤٠). قلنا: قد ثبت إسقاط الكفارة عنه
بنص السنة وهو ما رواه أبو هريرة مرفوعا: "خمس ليس لهن كفارة، وذكر فيها اليمين بغير حق،

ج - ١١
تعريف الغموس وكونه معصية وأنه لا كفارة فيه
٣٢٦
ابن نصر فى اختلاف العلماء، ثم ابن المنذر ثم ابن عبد البر اتفاق الصحابة على أن
لا كفارة فى اليمين الغموس".
وهو مذكور فى المتن وسنده حسن جيد، ورواه البخارى عن عبد الله بن عمرو بلفظ: " من الكبائر
الإشراك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس واليمين الغموس". (فتح البارى ٤٨٣:١٢).
والأحاديث يفسر بعضها بعضا، فدل على أن المراد باليمين بغير حق اليمين الغموس، وعلى
أن المراد بقوله: "ليس لهن كفارة". كونها من الكبائر دون السيئات التى نكفرهن الحسنات، فلا
دلالة فيه على نفى التوبة لقاتل النفس ونحوه. فالمعنى ليس لهن كفارة غير التوبة فافهم. وأيضا: فإن
الله تعالى إنما أوجب الكفارة فيما عقده الناس من الأيمان، حيث قال: ﴿ولكن يؤاخذكم بما عقدتم
الأيمان، فكفارته إطعام عشرة مساكين) الآية، والعقد والتعقيد مشترك بين العمد والربط بمستقبل،
والثانى مراد بالإجماع، فلا يكون الأول مرادا، فإن استعمال المشترك فى المعنيين ممنوع لغة،
فلا يكون النص موجبا للكفارة فى كل يمين، بل فى المنعقدة منها خاصة.
فإن قيل: "تفسره بالعمد بدليل قوله: ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم"، وتدخل
المنعقدة فيه لوجود العمد فيها، قلنا: قوله: تعالى: ﴿ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾ مطلق
عن الكفارة، فالمراد بالمؤاخذة فيه الوعيد فى الآخرة، فإنها هى المرادة بالمؤاخذة إذا أطلقت دون
الكفارة فى الدنيا، فلا يجوز حمل قوله: "ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان" مقيدا بالكفارة على
ما هو مطلق عنها. فاليمين المكسوبة التى يؤاخذ بها العبد فى الآخرة إنما هى الغموس، والمعقودة
التى يؤاخذ بكفارتها فى الدنيا هى المنعقدة للخطر أو للإيجاب، وذلك لا يتحقق إلا فى الحلف
على مستقبل.
والحاصل: أن لغو اليمين يقابله الغموس والمنعقدة، ذكر الله تعالى الأولى منهما فى الآية
الأولى والثانية فى الثانية، لأن الكفارة إنما تجب خلفا عن البر الواجب باليمين، فإن وضع الحلف
للبر، وهذا إنما يتصور فى يمين تنعقد موجبا للأصل ثم الكفارة خلفا. ولا يتصور فى الغموس البر
الذى هو الأصل فإن الماضى قد فات عن الحالف ولا قدرة له عليه، فلا تجب الكفارة خلفا عنه لعدم
تصور الخلف بدون تصور الأصل عقلا وشرعا، فيجب حمل قوله: "ولكن يؤاخذكم بما عقدتم
الأيمان" مقيدا بالكفارة على ما يتصور فيه البر، حتى تجب الكفارة خلفا عنه، وقوله: "ولكن
يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم" مطلقا عنها على ما لا يتصور فيه البر وهو الغموس، فيبقى المطلق
على إطلاقه والمقيد على تقييده، وهذا أولى من جعل المطلق مقيدا والمقيد مطلقا كما لا يخفى،
والله تعالى أعلم، وعلمه أتم وأحكم.

٣٢٧
تعريف الغموس وكونه معصية وأنه لا كفارة فيه
إعلاء السنن
٣٤٥٩- عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: ((من الكبائر الإشراك بالله، وعقوق
الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس)). رواه البخارى (فتح البارى ١١: ٤٨٤).
٣٤٦٠- عن عبد الله رضى الله عنه عن النبى معَّ له، قال: ((من حلف على يمين
كاذبة ليقتطع بها مال رجل مسلم أو قال أخيه، لقى الله وهو عليه غضبان)) الحديث رواه
البخارى (٩٨٦:٢).
وبهذا التقرير اندفع ما أورده ابن حزم فى المحلى على الحنفية بقوله: "والعجب كله ممن
أسقطها أى الكفارة عنه أى عن الحالف يمينا غموسا، والقرآن یوجبها، ثم يوجبونها على من حنث
ناسئا مخطئا، وأوجبوها على من لم يتعمد اليمين ولا نواها، والقرآن والسنة يسقطانها عنه، وهذا
كما ترى" اهـ (٤٠:١١). فإن منشأه حمل قوله: ﴿ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾ على قوله:
﴿بما كسبت قلوبكم﴾. وقد عرفت ما فيه من جعل المقيد مطلقا والمطلق مقيدا، وإذا حملنا الثانى
على ما يتصور فيه البر، والأول على ما لا يتصور فيه ظهر وجوب الكفارة فى المنعقدة مطلقا، سواء
كانت عمدا أو نسيانا أو خطأ، والموآخذة الأخروية فيما لا يتصور فيه البر إذا كان عن عمد،
وعدمها إذا كان عن غير عمد، ومن ادعى عدم وجوب الكفارة فى الخطأ والنسيان مطلقا ورد عليه
كفارة القتل، فإنها تجب على المخطئ والناسى سواء فكذا ههنا، وإنما يتعجب من مسائل الحنفية
من لم يدرك مداركهم، ولم يحط علما بمآخذهم، وأهل الظاهر بمعزل عن ذلك بمراحل. فافهم،
ولا تكن من الغافلين.
قوله: "عن عبد الله بن عمرو" وقوله: "عن عبد الله" إلخ. دل الأثران على كون الغموس
كبيرة ومحظورا محضا، فدلا على أنه لا كفارة فيها، لأن المشروعات تنقسم ثلاثة أقسام، عبادة
محضة وسببها مباح محض، وعقوبة محضة كالحدود وسببها محظور محض، وكفارات وهى
تتردد بين العبادة والعقوبة، فمن حيث أنها لا تجب إلا جزاء تشبه العقوبة، ومن حيث أنها يعنى بها
ولا تتأدى إلا بنية العبادة، وتتأدى بما هو محض العبادة كالصوم يشبه العبادة، فينبغى أن يكون
سببها مترددا بين الحظر والإباحة، وذلك المعقودة على أمر فى المستقبل، فإنها باعتبار تعظيم حرمة
الله تعالى مباح، وباعتبار هتك هذه الحرمة بالحنث محظور، فيصلح سببا للكفارة. فأما الغموس
فمحظور محض، فإن الكذب بدون الاستشهاد بالله محظور محض، فمع الاستشهاد بالله تعالى
أولى فلا يصلح للكفارة، فافهم فإنه دقيق، ودقة الفهم من خواص أصحابنا الحنفية لا ينالها
القاصرون من أهل الظاهر ومن حذى حذوهم، والسلام.

ج - ١١
تعريف الغموس وكونه معصية وأنه لا كفارة فيه
٣٢٨
٣٤٦١- عن أبى هريرة مرفوعا: ((خمس ليس لهن كفارة، الشرك بالله، وذكر
الحديث وفيه: ويمين بغير حق)). رواه أحمد وأبو الشيخ بإسناد حسن، كذا فى العزيزى
قوله: "عن أبى هريرة" إلخ. الحديث نص فى موضع النزاع وقد مر تقريره مستوفى.
فائدة: الیمین تنقسم خمسة أقسام، واجب: وهى التی ینجی إنسانا معصوما من هلكة،
كما روى عن سويد بن حنظلة قال: "خرجنا نريد النبى معَّ ومعنا وائل بن حجر، فأخذه عدو له،
فتحرج القوم أن يحلفوا وحلفت أنا أنه أخى، فذكرت ذلك للنبي معرّه فقال: صدقت، المسلم أخو
المسلم". رواه أبو داود والنسائی، وسكت عنه أبو داود.
وقال الشوكانى: وعزاه المنذرى إلى مسلم فينظر فى صحة ذلك (عون ٢١٩:٣):
ومندوب: وهو الحلف الذى يتعلق به مصلحة من إصلاح بين متخاصمين، أو إزالة حقد من قلب
مسلم عن الحالف أو غيره أو دفع شر، فهذا مندوب، لأن فعل هذه الأمور مندوب إليه واليمين
مفضية إليه. ومختلف فيه: وهو الحلف على فعل طاعة أو ترك معصية، فقيل: مندوب إليه، لأن
ذلك يدعوه إلى فعل الطاعات وترك المعاصى، وقيل: ليس بمندوب إليه، لأن النبى معَّه وأصحابه
لم يكونوا يفعلون ذلك فى الأكثر الأغلب، ولا حث النبى ◌ّ أحدا عليه، ولا ندبه إليه، ولو كان
ذلك طاعة لم يخلوا به، ولأن ذلك يجرى مجرى النذر وقد نهى النبى معَّ عن النذر، وقال: "إنه
لا يأتى بخير"، وفى رواية: "لا يرد القدر وإنما يستخرج به من البخيل". متفق عليه. ومباح:
كالحلف على فعل مباح أو تركه، والحلف على الخبر بشىء هو صادق فيه، أو يظن أنه فيه صادق.
قال الله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو فى أيمانكم﴾. ومكروه: وهو الحلف على فعل مكروه أو
ترك مندوب. قال الله تعالى: ﴿ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين
-الناس﴾. وقالت عائشة رضى الله عنها: فلما أنزل الله براءتى قال أبو بكر وكان ينفق على مسطح
لقرابته وفقره: والله لا أنفق عليه شيئا أبدا بعد ما قال بعائشة، فأنزل الله: ﴿ولا يأتل أولوا الفضل
منكم والسعة﴾ إلى ﴿رحيم﴾. فقال أبو بكر: والله إنى لأحب أن يغفر الله لى، فرجع إلى مسطح
الذى كان يجرى عليه، فقال: والله لا أنزعها منه أبدا. رواه الشيخان وغيرهما، ولا يرد حديث
الأعرابى الذى سأل النبى معَّه عن الصلوات، فقال: هل على غيرها؟ فقال: لا إلا أن تطوع! فقال:
والذى بعنك بالحق لا أزيد عليها ولا أنقص منها، ولم ينكر عليه النبى معَّه بل قال: أفلح الرجل إن
صدق. لأن هذه اليمين إن تضمنت ترك المندوب فقد تناولت فعل الواجبه، والمحافظة عليه كله
بحيث لا ينقص منه شيئا، وهذا فى الفضل يزيد على إتيان التطوع فيكون من جنس المندوب

٣٢٩
تعريف الغموس وكونه معصية وأنه لا كفارة فيه
إعلاء السنن
(٢٩٦:٤). وفى فتح القدير (٤: ٣٥٠): بإسناد جيد صرح بجودته ابن عبد الهادى اهـ.
فافهم. ومن قسم المكروه الحلف فى البيع والشراء، قال النبى معَّ له: ((الحلف متفق للسلعة ممحق
للبركة". رواه ابن ماجه، ومحرم: وهو الحلف الكاذب، فإن الله تعالى ذمه بقوله: ﴿ويحلفون على
الكذب وهم يعلمون﴾، ولأن الكذب حرام، فإذا كان محلوفا عليه كان أشد فى التحريم، وإن
أبطل به حقا أو اقتطع به مال معصوم كان أشد، ومن هذا القسم الحلف على فعل معصية أو ترك
واجب، فيجب حلها والكفارة. كذا فى "المغنى" ملخصا (١٧٢:١١، ١٧٣).
قال: "وأما الحلف على الحقوق عند الحاكم ففيه وجهان، أحدهما أن تركه أولى من فعله
فيكون مكروها، (أى تنزيها) لما روى أن عثمان والمقداد تحاكما إلى عمر فى مال استقرضه
المقداد، فجعل عمر اليمين على المقداد فردها على عثمان، فقال عمر: لقد انصفناك، فأخذ عثمان ما
أعطاه المقداد ولم يحلف، فقال: خفت أن يوافق قدر بلاء فيقال بيمين عثمان. (رواه الطبرانى فى
الكبير ورجاله رجال الصحيح كما فى "مجمع الزوائد" (١٨٢:٤). ولكن قد وقع التصحيف فى
عبارة المجمع حيث أشكل فهم معناه). والثانى أنه مباح فعله كتركه، لأن الله أمر نبيه بالحلف على
الحق فى ثلاثة مواضع.
وروى عمر ابن شيبة فى كتاب قضاة البصرة بإسناده عن الشعبى: أن عمر وأبيا تحاكما
إلى زيد فى نخل ادعاه أبى، فتوجهت اليمين على عمر، فقال زيد: اعف أمير المؤمنين، فقال عمر:
ولم يعفى أمير المؤمنين؟ إن عرفت شيئا استحققته بيمينى وإلا تركته، والله الذى لا إله إلا هو
أه النخل لنخلى وليس لأبى فيه حق، فلما خرجا وهب النخل لأبى، فقيل له: يا أمير المؤمنين
هلا كان هذا قبل هذا؟ فقال: خفت إن لا أحلف فلا يحلف الناس على حقوقهم بعدى
فيكون سنة" اهـ (١٦٩:١١).
قلت: وسياق أثر عثمان أيضا مشعر بعدم كراهة الحلف عند الحاكم، وإنما امتنع من الحلف
اتقاء موضع التهمة خشية أن يوافق القدر بلاء فيقال هذا بيمين عثمان، وهذا ليس من سبب
الكراهة فى شىء وإنما هو مجرد احتياط وحزم فافهم. وأثر عمر أخرجه سفيان بن عيينة فى جامع
عن عطاء بغير هذا السياق، فجعل خصم عمر رجلا لم يسمه وأنهما تحاكما إلى أبى بن كعب.
كما فى "كنز العمال" (٣٤٥:٨).

ج - ١١
٣٣٠
باب تفسير لغو اليمين
٣٤٦٢- حدثنا حميد بن مسعدة قال: نا حسان يعنى ابن إبراهيم قال:
حدثنا إبراهيم يعنى الصائغ عن عطاء فى اللغو فى اليمين قال: قالت عائشة: إن رسول
الله عّ لّه قال: هو كلام الرجل فى بيته كلا والله وبلى والله". رواه أبو داود
(١١٥:٢). وقال: "روى هذا الحديث داود بن أبى الفرات عن إبراهيم الصائغ
موقوفًا على عائشة. وكذلك رواه الزهرى وعبد الملك بن أبى سلمة ومالك بن مغول
كلهم عن عطاء عن عائشة موقوفا" اهـ. قلت: حسان هذا من رجال الشيخين وأبى
داود وهو مختلف فيه. والاختلاف غير مضر، والرفع زيادة فتقبل. وقد رواه
البخارى (٩٨٦:٢) موقوفا على عائشة.
باب تفسير لغو اليمين
قوله: "حدثنا حميد بن مسعدة" إلخ. قلت: ومعناه أن لغو اليمين قول الرجل: لا والله وبلى
والله فى عرض كلامه وهو يظن أنه صادق، وإن كان يظنه كاذبا فهو داخل فى قوله تعالى:
﴿ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾. ومن اللغو أيضا أن يقول: كلا والله لتفعلن كذا، ولا والله
لا يكون كذا. فلا كفارة فيه ولا حنث لكونه متعلقا به لفعل الغير. ويمين الرجل فى بيته أكثر ما
يكون متعلقا بفعل الغير لا بفعل المتكلم كما هو مشاهد، فليكن محمل الحديث هذا، وإن حملناه
على ما يكون متعلقا بفعل المتكلم فلا بد من تقييده بالماضى أو بالحال، وبأنه يظنه صادقا فيه لكى
تتفق الآثار، ولا يكون داخلا " فيما عقدتم الأيمان" هذا. وفى "المدونة": "قال ابن وهب عن الثقة:
أن ابن شهاب ذكر عن عروة عن عائشة أنها كانت تتأول هذه الآية: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو فى
أيمانكم). فتقول: هو الشىء يحلف عليه أحدكم لم يرد فيه إلا الصدق، فيكون على غير ما حلف
عليه، فليس فيه كفارة. وقال له مع عائشة عطاء وعبيد بن عمير. وقال مثل قول عائشة ابن عباس
ومحمد بن قيس ومجاهد وربيعه ويحيى بن سعيد ومكحول. وقاله إبراهيم النخعى من حديث
المغيرة. قال سحنون: وقاله الحسن البصرى من حديث الربيع بن صبيح" اهـ (٢٨:٢).
قلت: فارتفعت علة الشذوذ التى ذكرها الحافظ بموافقة أقوال العلماء فافهم.
وقد قال محمد فى "الآثار": "أخبرنا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم عن عائشة أم المؤمنين
فى اللغو، قالت: هو كل شىء يصل به الرجل كلامه لا يريد يمينا، لا والله وبلى والله، ولا يعقد

٣٣١
تفسير لغو اليمين
إعلاء السنن
٣٤٦٣- أخرج الطبرى من طريق الحسن البصرى مرفوعًا فى قصة الرماة:
"وكان أحدهم إذا رمى حلف أنه أصاب فيظهر أنه أخطأ فقال النبى عّ لّه: أيمان الرماة
لغولا كفارة لها ولا عقوبة. (فتح البارى ٤٧٦:١١). وفيه أيضًا. "وهذا لا يثبت،
لأنهم كانوا لا يعتمدون مراسيل الحسن، لأنه كان يأخذ عن كل أحد" اهـ. قلت: قد
مر غير مرة أن مراسيله موصولة عن على رضى الله عنه. وفى "تهذيب التهذيب"
(٢: ٢٦٦): "قال ابن المدينى: مرسلات الحسن إذا رواها عنه الثقات صحاح، ما أقل ما
يسقط منها. وقال أبو زرعة: كل شىء يقول الحسن: قال رسول الله عێے، وجدت له
أصلا ثابتا ما خلا أربعة أحاديث" اهـ.
عليه قلبه. قال محمد: وبه نأخذ، ومن اللغو أيضا الرجل يحلف على الشىء يرى أنه على ما حلف
عليه فيكون على غير ذلك، فهذا أيضا من اللغو وهو قول أبى حنيفة" أهـ (١٠٦). وهذا يوهم
بظاهره أن اللغو عندنا قسمان: الأول ما يجرى على اللسان بلا قصد سواء كان لماض أو آت.
والثانى أن يحلف كاذبا يظنه صادقا فى ماض أو حال، ولذا قال الزيلعى: إنه روى عن أبى حنيفة
كقول الشافعى. وفى الاختيار: أنه حكاه محمد عن أبى حنيفة، ولكن قال فى "البدائع": "وما
ذكر محمد على أثر حكايته عن أبى حنيفة أن اللغو ما يجرى بين الناس من قولهم: "لا والله وبلى
والله". فذلك محمول عندنا على الماضى أو الحال، وعندنا ذلك لغو. فيرجع حاصل الخلاف بيننا
وبين الشافعى فى يمين لا يقصدها الحالف فى المستقبل، فعندنا ليست بلغو وفيها الكفارة، وعنده
هى لغو ولا كفارة فيها" اهـ، كذا فى "رد المحتار" (٧٢:٣). ويحتمل أن يكون محمد قد وافق
الشافعى، فعد من اللغو ما يجرى على اللسان بلا قصد مطلقا سواء كان لماض أو لآت. وقوله:
"وبه نأخذ" راجع إلى نفسه وحده. وقوله: "وهو قول أبى حنيفة" راجع إلى التفسير الثانى للّغو
لا إلى الأول، بدليل أن تفسير اللغو بذلك هو المذكور فى المتون والهداية وشروحها، وهو التفسير
المتفق عليه للغو الذى لا كفارة فيه لم يختلف فيه اثنان كما تقدم، وبه فسر محمد حديث عائشة
هذا فى موطأه، فقال: "وبهذا نأخذ اللغو ما حلف عليه الرجل وهو يرى أنه حق فاستبان له بعد أنه
على غير ذلك، فهذا من اللغو عندنا" اهـ (٣٢٦). فهو المذهب، والحديث المرفوع وقول عائشة
لا يخالفانه، بل يمكن إرجاعهما إليه كما ذكرناه.
قوله: "أخرج الطبرى" إلخ. دلالته على تفسير اللغو بما ذكرناه ظاهرة.

ج - ١١
تفسير لغو اليمين
٣٣٢
٣٤٦٤- وقد أخرجه الطبرانى فى "الصغير" عن معاوية بن حيدة: "أن رسول
الله عَّةٍ مر بقوم يترامون، وهم يحلفون أخطأت والله، أصبت والله، فلما رأوا
رسول الله عَّه أمسكوا. فقال: ارموا فإنما أيمان الرماة لغو لا حنث فيها ولا كفارة".
قال الهيثمى فى "مجمع الزوائد" (١٨٥:٤): "رجاله ثقات إلا أن شيخ الطبرانى
لم أجد من وثقه ولا جرحه" اهـ. قلت: وقد مر فى الكتاب، وفى المقدمة أن شيوخه
الذين لم يضعفوا فى "الميزان" ثقات، فالحديث حسن صحيح، وتأيد به مرسل الحسن.
٣٤٦٥ - قد أخرج ابن أبى عاصم من طريق الزبيدى، وابن وهب فى جامعه عن
يونس وعبد الرزاق فى مصنفه عن معمر، كلهم عن الزهرى عن عروة عن عائشة "لغو
اليمين ما كان فى المراء والهزل، والمراجعة فى الحديث الذى كان يعقد عليه القلب".
وهذا موقوف ورواية يونس تقارب الزبيدى، ولفظ معمر: "أن القوم يتدارؤون، يقول
أحدهم: لا والله، وبلى والله، وكلا والله، ولا يقصد الحلف". وليس مخالفا للأول وهو
المعتمد. وأخرج ابن وهب عن الثقة عن الزهرى بهذا السند: "هو الذى يحلف على
الشىء لا يريد به إلا الصدق، فيكون على غير ما حلف عليه". وهذا يوافق القول
الثانى، لكنه ضعيف من أجل هذا المبهم، شاذ لمخالفة من هو أوثق منه وأكثر عددا. (فتح
البارى ٤٧٧:١١)، وهذا المبهم لما وثقه ابن وهب فهو ثقة، ولا يلتفت إلى تضعيف
غيره ممن لم يعرفه. فإن العارف مقدم على من لم يعرف، ولا شذوذ فيه بمخالفة الثقات،
فإن التطبیق ممكن والجمع سهل.
قوله: "وقد أخرج ابن أبى عاصم" إلخ. دلالته على ما دل عليه قبله ظاهرة، لا سيما دلالة ما
أخرجه ابن وهب عن الثقة عن الزهرى بسنده: "أن اللغو هو الذى يحلف على الشىء لا يريد به
إلا الصدق، فيكون على غير ما حلف عليه" ، فافهم.
وفى "المحلى" لابن حزم: "ومن طريق ابن عباس ولا يصح عنه، لأنه من طريق الكلبى: لغو
اليمين هو قول الرجل "هذا والله فلان وليس بفلان". وهو أيضا قول الحسن وإبراهيم والشعبى
ومجاهد وقتادة وزرارة بن أوفى وسليمان بن يسار وسفيان الثورى والأوزاعى والحسن بن حی
(وأبى حنيفة ومالك وأبى سليمان) وأحمد بن حنبل وغيرهم" (٣٤:٨). قلت: " ولكن قال ابن
عدى فى "الكامل": للكلبى أحاديث صالحة وخاصة عن أبى صالح. وهو معروف بالتفسير،

٣٣٣
تفسير لغو اليمين
إعلاء السنن
٣٤٦٦- حدثنى يعقوب ثنا هشيم أخبرنا حصين عن أبى مالك قال: "الأيمان
ثلاثة: يمين تكفر، ويمين لا تكفر، ويمين لا يؤاخذ بها صاحبها. فأما التى تكفر فالرجل
يحلف على الأمر لا يفعله ثم يفعله فعليه الكفارة. وأما التى لا تكفر فالرجل يحلف على
وليس لأحد تفسير أطول منه ولا أشبع، وبعده مقاتل بن سليمان، إلا أن الكلبى يفضل عليه لما فى
مقاتل من المذاهب الرديئة" اهـ من "الإتقان" (١٩٦:٢). ولا يخفى أن الکلبی رواه عن ابن عباس
فی تفسير قوله تعالى: ﴿لا يؤاخذ كم الله باللغو فی أیمانکم﴾. فهو صالح للاحتجاج به لا سيما
وقد تأيد بقول الأجلة من فقهاء التابعين وعلماءهم.
وقال الموفق فى "المغنى": "ومن حلف على شىء يظنه كما حلف فلم يكن فلا كفارة عليه،
لأنه من لغو اليمين. أكثر أهل العلم على أن هذه اليمين لا كفارة فيها. قاله ابن المنذر، يروى هذا
عن ابن عباس وأبى هريرة وأبى مالك وزرارة بن أوفى والحسن والنخعى. وممن قال: هذا لغو
اليمين، مجاهد وسليمان بن يسار ومالك والأوزاعى والثورى وأبو حنيفة وأصحابه. وأكثر أهل
العلم على أن لغو اليمين لا كفارة فيه. وقال ابن عبد البر: أجمع المسلمون على هذا. وقد حكى
عن النخعى فى اليمين على شىء يظنه حقا فيتبين بخلافه أنه من لغو اليمين وفيه الكفارة، وهو أحد
قولى الشافعى. وروى عن أحمد أن فيه الكفارة وليس من لغو اليمين. ولنا قول الله تعالى:
﴿لا يؤاخذكم الله باللغو فى أيمانكم﴾ وهذه منه، ولأنها يمين غير منعقدة فلم تجب فيها كفارة
كيمين الغموس. وفى الجملة لا كفارة فى يمين على ماض، لأنها تنقسم ثلاثة أقسام: ما هو صادق
فيه فلا كفارة فيه إجماعا، وما تعمد الكذب فيه فهو يمين الغموس لا كفارة فيها، لأنها أعظم من
أن تكفر، وما يظنه حقا فيتبين بخلافه فلا كفارة فيه، لأنه من لغو اليمين" اهـ (١٨١:١١ و١٨٢).
قوله: "حدثنى يعقوب" إلخ. قلت: هو الدورقى من رجال الجماعة ثقة. وهشيم هو ابن
بشير. وحصين هو ابن عبد الرحمن يكنى أبا الهذيل، كلاهما من رجال الجماعة ثقتان، وأبو مالك
غزوان الغفارى روى عن عمار بن ياسر وابن عباس والبراء بن عازب وعبد الرحمن بن أبزى،
ورجل من أصحاب النبى عّ لّه، روى عنه سلمة بن كهيل وإسماعيل السدى وحصين وإسماعيل
ابن سميع. قال ابن معين: كوفى ثقة. وذكره ابن حبان فى "الثقات". كذا فى "التهذيب"
(٢٤٦:٨). فهذا بحمد الله تابعى قد قال فى تفسير اللغو نحوه ما قاله أصحابنا الحنفية، وقال بنفى
الكفارة فى الغموس كما قلنا، وكل ما ذكره فى تقسيم الأيمان على ثلاثة أقسام لا يدرك بالرأى،
فالظاهر أنه أخذ ذلك عن الصحابة، والله أعلم.

ج - ١١
تفسير لغو اليمين
٣٣٤
الأمر يتعمد فيه الكذب فليس فيه كفارة، وأما التى لا يؤاخذ بها فالرجل يحلف على
الأمر يرى أنه كما حلف عليه فلا يكون كذلك، فليس عليه فيه كفارة، وهو اللغو".
قلت: وقد عد الموفق اليمين التى تمر على لسان المرء فى عرض حديثه عن غير قصد إليها من
لغو اليمين لا كفارة فيها أيضا، قال: "وهو قول أكثر أهل العلم لا نعلم فيه خلافا" اهـ
(١١: ١٨٠). وهذا يؤيد قول الزيلعى: أنه روى عن أبى حنيفة كقول الشافعى، وما فى
"الاختيار": أنه حكاه محمد عن أبى حنيفة كما يشعر به كلامه فى "الآثار"، فإن الموفق من
أعرف الناس باختلاف العلماء، وعادته ذكر الاختلاف والمختلفين، ولم يذكر فى هذه المسألة
خلاف أبى حنيفة، فلعله قد اطلع من أقوال أبى حنيفة على ما يوافق الجمهور منها، فرجحه
ولم يعتد بما روى عنه مما يخالفهم، والله تعالى أعلم.
فائدة: قد ذهب بعض العلماء من التابعين إلى أن اليمين فى الغضب، واليمين على المعصية
لا تجب فيها الكفارة. قالوا: قد روى عن ابن عباس: "أن لغو المون عر المبين فى الغضب
ولا كفارة فيها". وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: قال رسول الله مرّ له: ((لا نذر
ولا يمين فيما لا يملك ابن آدم، ولا فى معصية الله، ولا فى قطيعة رحم، ومن حلف على يمين فرأى
غيرها خيرا منها فليدعها وليأت الذى هو خير، فإن تركها كفارة" .. من طريق حجاج بن المنهال
نا هشيم عن يحيى بن عبيد الله عن أبى هريرة مرفوعا: "من حلف على يمين نرأى غيرها خيرا منها
فليأت الذى هو خير فهو كفارتها". وروى العقيلى من طريق شعيب بن حبان بن شعيب بن هم
نا يزيد بن أبى معاذ عن مسلم بن عقرب عن النبى عدّ ◌ُّه قال: ((من حلف على مملو که ليضربنه فإن.
كفارته أن يدعه، وله مع كفارته خير" كذا فى "المحلى" (٤١:٨ و٤٢).
ولنا قول النبى معَّ: ((من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذى هو خير
وليكفر عن يمينه". أخرجه البخارى وغيره، وحديثهم لا يعارض حديثنا، لأن حديثنا أصح منه
وأثبت. وأما حديث ابن عباس فلم نقف له على سند. وقال الحافظ فى "الفتح": رواه الطبرانى فى
"الأوسط" وسنده ضعيف (١١: ٤٩٠). ويمكن حمله على اليمين التى تتعلق بفعل الغير كقوله:
والله لنفعلن كذا، أو على الإخبار عن ماض وهو يظنه فيه صادقا. وحديث عمرو بن شعيب ضعفه
أبو داود، وقال: الأحاديث كلها عن النبى معٍَّ: "وليكفر عن يمينه" إلا فيما لا يعبأ به من أى
لا يعتبر به من جهة الإسناد، ولا يحتج بمثله، و کذلك قال البيهقى: "إن حديث عمرو هذا
لم يثبت". وقال الحافظ فى "الفتح": "ورواته لا بأس بهم لكن اختلف فى سنده على عمرو" اهـ

٣٣٥
تفسير لغو اليمين
إعلاء السنن
رواه الإمام الطبرى فى تفسيره (٧: ١١). وسنده صحيح رجاله رجال الجماعة غير أبى
مالك، واسمه غزوان الغفارى فثقة من الثالثة، تابعى جليل كما سنذكره.
من "عون المعبود" (٢٤٤:٣). وحديث أبى هريرة فيه يحيى بن عبيد الله، قال أحمد: أحاديثه
مناكير، وأبوه لا يعرف. كذا فى "العون" أيضا. وحديث مسلم بن عقرب فيه شعيب بن حيان
ضعيف، ويزيد بن أبى معاذ وهو غير معروف. قاله ابن حزم فى "المحلى"، ثم أنه يحتمل أن تركها
كفارة لإثم الحلف. وأما كفارة الحنث فكفارة المخالفة، ولا دليل فى الحديث على سقوطها.
فإن قالوا: إن الحنث طاعة ولا كفارة للطاعة، قلنا: فاليمين غير طاعة، فتلزمه الكفارة
للمخالفة ولتعظيم اسم الله تعالى إذا حلف به ولم يبر يمينه. فإن قيل: قوله عّ لّهِ: ((من حلف على
يمين فرأى غيرها خيرا منها)) إلخ. إنما هو فيما كان فى كليهما خيرا لا أن الآخر أكثر خيرا. قلنا:
مبناه على أن لا يطلق الخير على ما يقابل الشر، وهو دعوى محضة لا دليل عليها، بل البرهان قائم
بخلافه. قال الله تعالى: ﴿آلله خير أما يشركون﴾ ولا شىء من الخير فى الأوثان. وقال:
﴿أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا﴾ ولا خير فى جهنم أصلا، فكل شر فى العالم
وكل معصية، فالبر والتقوى خير منهما. فبطل ادعاء تخصيص الحديث بما إذا كان فى كليهما
خير، فافهم.
وقد روى مسلم عن أبى هريرة قال: قال رسول الله عَ ليه: ((والله لأن يلج أحد كم بيمينه فى
أهله آثم له عند الله من أن يعطى كفارته التى فرض الله". فصح وجوب الكفارة فى الحنث فى
اليمين التى يكون التمادى على الوفاء بها إثما. قال ابن حزم فى "المحلى": وقد روينا عن عمر بن
الخطاب أنه رأى فى ذلك الكفارة، وهو قول الحاضرين وبالله التوفيق (٤٣:٨).
واعلم أن حديث عمرو بن شعيب إنما تركنا آخره للعلة التى ذكرناها من كونه معارضاً.
للأصح الأثبت واختلاف الرواة على عمرو فيه، وأما أوله فليس بمتروك، بل معناه لا يجوز اليمين
والنذر فيما لا يملك، ولا فى معصية الله، ولا فى قطيعة رحم، أى يكون الحالف والناذر بها آثما
عاصيا. وأما أنها لا تنعقد ولا يلزم الكفارة بالحنث فيها فلا، بدليل ما رواه أحمد وأصحاب السنن
عن عائشة، والنسائى عن عمران بن حصين: "لا نذر فى معصية وكفارته كفارة يمين". قال
العلقمى: بجانبه علامة الصحة. وأما قول النووى فى "الخلاصة": " هذا الحديث ضعيف باتفاق
المحدثين". فتعقبه الحافظ ابن حجر وقال: صححه الطحاوى وأبو على بن السكن، فأين الاتفاق؟
کذا فی العزیزی (٤٤١:٣). فاندحض بذلك قول ابن حزم: "و-حديث عمرو بن شعيب صحيفة،
ولكن لا مؤنة على المالكيين والشافعيين والحنفيين فى أن يحتجوا بروايته إذا وافقتهم ويصححونها

٣٣٦
ج - ١١
باب الحلف بالله تعالى وبأسمائه وبصفاته
حينئذ، فإذا خالفتهم كانت حينئذ صحيفة ضعيفة، ما ندرى كيف ينطق بهذا من يوقن أنه ما يلفظ
من قول إلا لديه رقيب عتيد" إلخ. (٤٣:٨). فقد عرفت أنا لم نترك من حديثه إلا جزء قد خالف
فيه الثقات، ولا يلزم من كون الراوى ثقة محتجا به أن ينسد بذلك باب الترجيح، ومعرفة الشاذ
والمعلل. وأيضا: فإن عمرو بن شعيب إنما يحتج به عندنا إذا صح الإسناد إليه، وقد عرفت فى قول
الحافظ أن هذا الحديث قد اختلف فى سنده على عمرو، ومع ذلك كله فقد حملناه على أن معنى
قوله: "فإن تركها كفارة" أن ذلك كفارة الحلف على المعصية، وليس معناه أنه كفارة الحنث، لكى
تجتمع الآثار ولا تتضاد. والله ولى التوفيق وبيده الهداية والرشاد.
باب الحلف بالله تعالى وبأسمائه وبصفاته
قال المؤلف: دلالة مجموع أحاديث الباب عليه ظاهرة. " وقد أجمع أهل العلم على أن من
حلف بالله عز وجل فقال: والله أو بالله أو تالله فحنث أن عليه الكفارة. قال ابن المنذر: وكان مالك
والشافعى وأبو عبيد وأبو ثور وأصحاب الرأى يقولون: من حلف باسم من أسماء الله تعالى فحنث
أن عليه الكفارة، ولا نعلم فى هذا خلافا إذا كان من أسماء الله عز وجل التى لا يسمى بها سواه"
اهـ من "المغنى" (١٨٢:١١). وقد ذكر الموفق لأسماء الله وصفاته تفصيلا حسنا وذكر لكل
منهما ثلاثة أقسام، فليراجع.
وفى "البدائع": "ثم المقسم به قد يكون اسما وقد يكون صفة. والاسم قد يكون مذكورا
وقد يكون محذوفا، والمذكور قد يكون صريحا، وقد يكون كناية. أما الاسم صريحا فهو أن
يذكر اسما من أسماء الله تعالى أى اسم كان، سواء كان اسما خاصا لا يطلق إلا على الله تعالى
نحو الله والرحمن، أو كان يطلق على الله تعالى وعلى غيره كالعليم والحكيم والكريم والحليم
ونحو ذلك، لأن هذه الأسماء وإن كانت تطلق على الخلق ولكن تعيين الخالق مرادا بدلالة القسم،
إذ القسم بغير الله تعالى لا يجوز، فكان الظاهر أنه أراد به اسم الله تعالى حملا لكلامه على
الصحة، إلا أن ينوى به غير الله تعالى فلا يكون يمينا، لأنه نوى ما يحتمله كلامه فيصدق فى أمر
بينه وبين ربه، (أى ديانة لا قضاء) ولو لم يذكر شيئا من أدوات القسم بأن قال: الله لا أفعل كذا،
يكون يمينا لما روى فى حديث ركانة بن زيد أو زيد بن ركانة أنه عّ لّه قال: ((ما أردت إلا واحدة))؟
(قد مر ذكرها فى أبواب الطلاق). وأما الصفة فصفات الله تعالى مع أنها كلها لذاته على ثلاثة

٣٣٧
الحلف بالله تعالى وبأسمائه وبصفاته
إعلاء السنن
٥
٣٤٦٧- عن ابن عمر رضى الله عنهما: "قال بعث رسول الله عّ له بعثا وأمر
عليهم أسامة بن زيد، فطعن بعض الناس فى إمرته، فقام رسول الله عَّ يّةٍ فقال: إن
كنتم تطعنون فى إمرته فقد كنتم تطعنون فى إمرة أبيه من قبل، وأيم الله إن كان
لخليقا للإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إلى، وإن هذا لمن أحب الناس إلى بعده".
رواه البخارى (٩٨٠:٢).
أقسام: منها ما لا يستعمل فى عرف الناس وعاداتهم إلا فى الصفة نفسها، فالحلف بها يكون يمينا،
ومنها ما يستعمل فى الصفة وفى غيرها استعمالا على السواء فالحلف بها يكون يمينا أيضا. ومنها
ما يستعمل فى الصفة وفى غيرها لكن استعمالها فى غير الصفة هو الغالب، فالحلف بها لا يكون
يمينا. ومن مشايخنا من قال: ما تعارفه الناس يمينا يكون يمينا إلا ما ورد الشرع بالنهى عنه، وما لم
يتعارفوه يمينا لا يكون يمينا. وبيانه إذا قال: وعزة الله وعظمته وجلاله وكبريائه يكون حالفا، لأنها
إذا ذكرت لا يراد بها إلا نفسها عرفا وعادة فكان الحالف بها حالفا بالله تعالى. وكذا الناس
يتعارفون الحلف بها، ولم يرد الشرع بالنهى عنه، وكذا لو قال: وقدرة الله تعالى وقوته وإرادته
ومشيته ورضاه ومحبته وكلامه يكون حالفا، لأن هذه الصفات وإن كانت تستعمل فى غير الصفة
كما تستعمل فى الصفة لكن الصفة تعينت مرادة بدلالة القسم، إذ لا يجوز القسم بغير اسم الله
وصفاته. فالظاهر إرادة الصفة بقرينة القسم. وكذا الناس يقسمون بها فى المتعارف فكان الحلف
بها يمينا، ولو قال: ورحمة الله وغضبه أو سخطه لا يكون يمينا، لأنه يراد بهذه الصفات آثارها عادة
لا نفسها، كالجنة (والرزق والعافية والمغفرة) والعذاب والعقوبة لا نفس الصفة، فلا يصير به حالفا
إذا نوى الصفة. وكذا العرب ما تعارفت القسم بهذه الصفات، وعلم الله لا يكون يمينا استحسانا،
والقياس أن يكون يمينا لأن علم الله صفة كالعزة والعظمة. ولنا أنه يراد به المعلوم عادة، يقال: اللهم
اغفر لنا علمك فينا أى معلومك منا. وكذا العرب لم تتعارف القسم بعلم الله تعالی فلا يكون يمينا
بدون الله" اهـ، ملخصا (٣: ٥ و ٦).
وبهذا اندفع ما أورده الموفق علينا بقوله: "وينتقض ما ذكروه بالقدرة فإنهم قد سلموها
وهى قرينتها (أى صفة العلم)" اهـ (١٨٦:١١). والجواب بالمنع، لأن القدرة لا تستعمل فى
المقدور إلا نادرا بخلاف العلم، وأيضا: فقد تعارفت العرب الحلف بالقدرة ولم تتعارف الحلف
بالعلم، فلا يكون يمينا إلا بالنية.
قوله: "عن ابن عمر" إلخ: قال الموفق فى "المغنى": " وإن قال: وأيم الله أو وأيمن الله فهى

ج - ١١
الحلف بالله تعالى وبأسمائه وبصفاته
٣٣٨
٣٤٦٨- عن عائشة عن النبى عّ لّ أنه قال: ((يا أمة محمد! والله لو تعلمون ما
أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا)). أخرجه البخارى (٩٨١:٢).
٣٤٦٩- عن ابن عمر رضى الله عنهما قال: "كانت يمين النبى عَ له: لا ومقلب
القلوب. رواه البخارى (٩٨١:٢).
٣٤٧٠- عن حديث عائشة إلى أن قال: فقام النبى عّ لّه فاستعذر من عبد الله بن
أبى فقام أسيد بن حضير، فقال لسعد بن عبادة: لعمر الله لنقتلنه. رواه
البخارى (٢: ٩٨٥). وفى "فتح البارى" (٤٧٦:١١): وتقدم فى أواخر الرقاق فى
الحديث الطويل من رواية لقيط بن عامر أن النبى عرّ له قال: ((لعمر إلهك)) وكررها. وهو
عند عبد الله بن أحمد فى زيادات المسند وغيره. قلت: وهو عند أبى داود فى سننه
(عون المعبود ٢٢٢:٣).
يمين موجبة للكفارة. والخلاف فيه كالذى ذكرنا فى الفصل الذى قبله (أى فى لعمر الله. فقال
الشافعی: إن نوی الیمین فھی يمين وإلا فلا، لأنها إنما تكون يمينا بتقدير خبر محذوف فيكون
مجازا)، وقد كان النبى معَّ ◌ُّ يقسم به، وانضم إليه عرف الاستعمال، فوجب أن يصرف إليه" اهـ
(١٨٩:١١). وفى "البدائع": لأن هذا من صلات اليمين عند البصريين، وعند الكوفيين هو جمع
اليمين، تقديره وأيمن الله، سقطت النون لكثرة الاستعمال تخفيفا، فكأنه قال: ويمين الله، وأنه حلف
بالله تعالى. قال رسول الله عَّه فى زيد بن حارثة: وأيم الله لخليق بالإمارة، والعرب تعارفته يميناً.
قال امرؤ القيس:
فقلت يمين الله أبرح قاعدا وإن قطعت رأسى لديك وأوصالى
وقالت عنيزة:
فقالت: يمين الله مالك حيلة وما أن أرى عنك الغواية تنجلى
اهـ (٧:٣). وسيأتى الجواب عن قول الإمام الشافعى: أنها لا تكون يمينا إلا بتقدير.
قوله: "عن عائشة وعن ابن عمر" إلخ. دلالتهما على ألفاظ القسم ظاهرة.
قوله: عن حديث عائشة" إلخ. قال الموفق: "وإن قال: لعمر الله فهى يمين موجبة للكفارة،
وبه قال أبو حنيفة: وقال الشافعى: إن قصد اليمين فيمين وإلا فلا، وهو اختيار أبى بكر، لأنها إنما
تكون يمينا بتقدير خبر محذوف فكأنه قال: لعمر الله ما أقسم به، فيكون مجازا، والمجاز لا ينصرف

٣٣٩
الحلف بالله تعالى وبأسمائه وبصفاته
إعلاء السنن
٣٤٧١- عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبى معَّ ◌ُلّه قال: ((بينا أيوب
يغتسل عريانا فخر عليه جراد من ذهب، فجعل أيوب يحتثى فى ثوبه، فناداه ربه
إليه الإطلاق. ولنا أنه أقسم بصفة من صفات الله تعالى، فإن معنى ذلك الحلف ببقاء الله تعالى
وحياته. ويقال: العمر والعمر (بالضم والفتح) واحد فكان يمينا موجبا للكفارة، كالحلف ببقاء الله
تعالى، وقد ثبت له عرف الشرع والاستعمال. قال الله تعالى: "لعمرك إنهم لفي سكرتهم
يعمهون".
وقال النابغة:
فلا لعمر الذى قد زرته حججا: وما أريق على الأنصاب من حسد
وقال آخر:
إذا رضيت كرام بنى قشير لعمر الله أعجبنى رضاها
وقال آخر:
ولكن لعمر الله ما ظل مسلما كغر الثنايا واضحات الملاغم
وهذا فى الشعر والكلام كثير. وأما احتياجه إلى التقدير فلا يصح، فإن اللفظ إذا اشتهر فى
العرف صار من الأسماء العرفية، يجب حمله عليه عند الإطلاق دون موضوعه الأصلى على ما
عرف من سائر الأسماء العرفية، ومتى احتاج اللفظ إلى التقدير وجب التقدير له، ولم يجز إطراحه،
ولهذا يفهم مراد المتكلم به من غير اطلاع على نية قائله وقصده، ويفهم من قول الله تعالى:
"واسأل القرية". و"أشربوا فى قلوبهم العجل". التقدير، فكذا ههنا" اهـ ملخصا (١٨٨:١١).
قوله: "عن أبى هريرة" إلخ: دلالته على الحلف بصفات الله تعالى ظاهرة، ولا يخفى أن عزة
الله وعظمته بمعنى واحد، والعجب من ابن حزم حيث جعل الحلف بعزة الله يمينا دون الحلف
بعظمة الله لعدم ورود النص بها، وهل هذه إلا ظاهرية محضة؟ (المحلى ٣١:٨). فإن أراد أن النص
لم يرد بالحلف بها. فنقول: وكذلك لم يرد بالحلف بأكثر أسماء الله الحسنى التى قد ذكرتها،
كالدهر والبر والوتر ونحوها، وإنما ثبت بالنص كونها أسماء لله تعالى. وإن أراد أن النص لم يرد
بكونها صفة لله تعالى فهو ظاهر البطلان، لأن العظمة قد ثبت كونها من صفات الله تعالى، بل من
أخص صفاته. قال النبی مڅآ فیما یحکیه عن ربه عز وجل: "الكبرياء ردائى والعظمة إزارى"
الحديث. رواه أبو داود وابن ماجه وابن حبان فى "صحيحه" (الترغيب: ٥٠٠). وفى دعائه مَظله:
"وأسألك بإسمك الطاهر المطهر المنزل فى كتابك من لدنك، إلى أن قال: وبعظمتك وكبرياءك

٤٠٠
ج - ١١
الحلف بالله تعالى وبأسمائه وبصفاته
٠
٣٤٠
يا أيوب! ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى وعزتك! ولكن لا غنى بى عن
بركتك)). رواه البخارى (٤٢:١)
وبنور وجهك أن ترزقنى القرآن العظيم" إلخ. كما فى "الحصن". والتزم الصحة والحسن فيما
يورده. فإن كان الحلف باسم من أسماء الله تعالى يمينا مكفرة سواء ورد النص بالجلفة يه أو لا،
كان الحلف بصفة من صفاته التى ثبت بالنص كونها صفة الله تعالى يمينا أيضا، بدليل ما فى قصة
أيوب عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: "بلى وعزتك"! وما فى حديث جبريل فى خلق الجنة
والنار: "وعزتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد". رواه النسائى (المحلى ٨: ٣١). وما فى حديث
أنس عند البخارى فتقول (جهنم): "قط قط وعزتك".
وأما ما رواه الطبرانى فى "الكبير" عن عبد الله (هو ابن مسعود) قال: "لا تحلفوا بحلف
الشيطان، يقول أحدكم: وعزة الله، ولكن قولوا كما قال الله: رب العزة". ففيه عبد الرحمن
المسعودى وهو ثقة ولكنه اختلط، كذا فى "مجمع الزوائد" (١٧٨:٤). وقال الحافظ فى "الفتح":
وفى المسعودى ضعف، وعون عن عبد الله منقطع (٤٧٥:١١)، فلا يصلح معارضا للأحاديث
الصحيحة الثابتة القائمة الأسانيد. وأيضا: فإن العزة يحتمل أن تكون صفة ذات بمعنى القدرة
والعظمة، وأن تكون صفة فعل بمعنى القهر لمخلوقاته والغلبة لهم. ولذلك صحت إضافة اسمه إليها
(فى قوله: رب العزة). وقد تستعار العزة للحمية والأنفة، ومنه قوله تعالى: "أخذته العزة بالإثم".
كذا فى فتح البارى عن ابن بطال، والراغب (٣١٣:١٣). فقول ابن مسعود: "لا تحلفوا بحلف
الشيطان". محمول على المعنيين الأخيرين فإن الحلف بالعزة بذينك المعنیین منهى عنه، كما نهى
عن الحلف بحق السماء وحق زيد. وأما بالمعنى الأول فليس بمنهى عنه، ولم يروه ابن مسعود
لثبوته بالنص كما تقدم. وإذا أطلق الحالف انصرف إلى صفة الذات وانعقدت اليمين، إلا إن قصد
خلاف ذلك، بدليل أحاديث الباب فافهم. وقد ورد فى لفظ عند البخارى عن أنس فى
حديث جهنم: ثم تقول: "قد قد بعزتك وكرمك". قال الحافظ فى "الفتح": "ويؤخذ منه
مشروعية الحلف بكرم الله كما شرع الحلف بعزة الله" اهـ (٣١٤:١٣). فاندحض قول ابن حزم:
"أن اليمين بعظمة الله وإرادته وكرمه وحلمه وسائر ما لم يأت به نص فليس شىء من ذلك يمينا"
إلخ (٣١٤٨). والحق أنه لا حاجة إلى ورود النص بالحلف بصفة صفة بعد ما ثبت كونها صفة
لله عز وجل ما لم يغلب استعمالها فى غير الصفة، كما لا حاجة إلى ورود النص بالحلف باسم بعد
ما ثبت كونه اسما لله تعالى، ومن ادعى الفرق فليأت ببرهان.