النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
إعلاء السنن
باب إذا ادعا رجلان بولد یکون بينہما
٣٤٥٠- حدثنا أبو بكرة قال: ثنا سعيد بن عامر قال: حدثنى عوف بن أبى
جميلة عن أبى المهلب: "أن عمر بن الخطاب قضى فى رجل ادعاه رجلان كلاهما
يزعم أنه أبنه، وذلك فى الجاهلية، فدعا عمر أم الغلام المدعى، فقال: أذكرك بالذى
النبى معَّ حرم المتعة آخرا وأوجب الغسل بالتقاء الختانين، ولم يشتهر ذلك، فكان بعض الصحابة
يستمتع ولا يغتسل من الإكسال، فلما بلغ عمر نهاهم. وقول عبيدة السلمانى لعلى: "رأيك ورأى
عمر فى الجماعة أحب إلى من رأيك وحدك فى الفرقة" يدل على انعقاد الإجماع على عدم جواز
بيع أمهات الأولاد فى زمن عمر لم يكن له مخالف حينئذ ولذا رجع على عن رأيه الثانى إلى
الأول. والله تعالى أعلم.
باب إذا ادعا رجلان بولد یکون بينهما
قال المؤلف: دلالة الأثرين على الباب ظاهرة. وأما ما روى أبو داود وسكت عنه
(٣١٦:١): حدثنا خشيش بن أصرم نا عبد الرزاق أنا الثورى عن صالح الهمدانى عن الشعبى عن
عبد خير عن زيد بن أرقم قال: "أتى على رضى الله عنه بثلاثة وهو باليمن وقعوا على امرأة فى طهر
واحد، فسأل اثنين أ تقرأن لهذا بالولد؟ قالا: لا! حتى سألهم جميعا فجعل كلما سأل اثنين قالا: لا،
فأقرع بينهم فألحق الولد بالذى صارت عليه القرعة، وجعل عليه ثلثى الدية. قال: فذكر ذلك
للنبى معَّم فضحك حتى بدت نواجذه" اهـ. وفى عون المعبود (٢٤٩:٢): "قال المنذرى: فأما
حديث عبد خير فرجال إسناده ثقات غير أن الصواب فيه الإرسال" اهـ. فهذا الحديث يخالف
الآثار المذكورة فى الباب، فالجواب عنه: ما قد تقدم وحاصله: أن ذلك كان حين يحكم بالقرعة
فى أشياء ثم نسخه ما ورد من النهى عن الميسر فى القرآن وحديث النبى معَّهِ، فإن حد الميسر
صادق على القرعة لما فيها من التعليق على الخطر، أو يقال: إنما أقرع على باختيار المدعين ورضاهم
بالإقراع، وأما إذا لم يرضوا بذلك فلا يحكم إلا بالتشريك، كما فى حديثى المتن. والله تعالى أعلم.
وأما ما رواه البخارى عن عائشة، قالت: إن رسول الله مَّ دخل على مسرورا تبرق أسارير
وجهه فقال: ((ألم ترى إلى مجزر نظر آنفا إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد، فقال: إن هذه الأقدام
بعضها من بعض)) اهـ. فهذا يدل على اعتبار القيافة فى باب النسب، فعنه جوابان، الأول ما قاله
الطحاوى فى "شرح معاني الآثار" (٢٩١:٢ و٢٩٢): "أن سرور النبى عّ لّه بقول مجزر المدلجى

٣٠٢
إذا ادعا رجلان بولد يكون بينهما
ج - ١١
هداك للإسلام لأيهما هو؟ قالت: لا والذى هدانى للإسلام ما أدرى لأيهما هو، أتانى
هذا أول الليل وأتانى هذا آخر الليل، فما أدرى لأيهما هو. قال: فدعا عمر من القافة
أربعة، ودعا ببطحاء فنثرها، فأمر الرجلين المدعيين فوطئ كل واحد منهما بقدم، وأمر
المدعى فوطئ بقدم، ثم أراه القافة، قال: انظروا فإذا أتيتم فلا تتكلموا حتى أسألكم،
الذى ذكروا فى حديث عائشة ليس فيه دليل على ما توهموا من واجب الحكم بقول القافة، لأن
أسامة قد كان نسبه ثبت من زيد قبل ذلك، ولم يحتج النبى معَّه فى ذلك إلى قول أحد. ولو لا
ذلك لما كان دعى أسامة فيما تقدم إلى زيد، وإنما تعجب النبى عرّضٍّ من إصابة مجزر كما يتعجب
من ظن الرجل الذى يصيب بظنه حقيقة الشىء الذى ظنه، ولا يجب الحكم بذلك، فترك رسول
الله عَِّ الإنكار عليه لأنه لم يتعاط بقوله ذلك إثبات ما لم يكن ثابتا فيما تقدم. فهذا ما يحتمله
هذا الحديث" اهــ والثانى ما يتحصل من "فتح البارى" (٤٨:١٢)، ونصه: "قال أبو داود: نقل
أحمد بن صالح عن أهل النسب أنهم كانوا فى الجاهلية يقدحون فى نسب أسامة، لأنه كان
أسود شديد السواد، وكان أبوه زيد أبيض من القطن، فلما قال القائف ما قال مع اختلاف اللون
سر النبى معَِّ بذلك، لكونه كافا لهم عن الطعن فيه لاعتقادهم ذلك" اهـ. قلت: وكل ذلك
محتمل يخل بالاستدلال، ومشروعية اللعان تدل على أن القرعة والقيافة ليسا من الشرع فى شىء،
وإلا لم يحتج إليها.
وأما ما فى الزيلعى (٢: ٦٥): "وروى عبد الرزاق فى مصنفه: أخبرنا معمر عن الزهرى عن
عروة أن رجلين اختصما فى ولد فدعا عمر القائفة، واقتدى فى ذلك بنظر القائفة وألحقه أحد
الرجلين" اهـ. قلت: ورجاله رجال الصحيح لكن الظاهر فيه الانقطاع بين عروة وعمر، ففى
"تهذيب التهذيب" (١٨٥:٧): قال ابن حزم فى كتاب الحدود من الإبصار: أدرك عروة عمر بن
الخطاب واعتمر معه، كذا قال وهو خطأ منه. وما روى الطحاوى (٢٩٢:٢): "حدثنا يونس قال:
أخبرنى يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار: أن رجلين أتيا عمر كلاهما يدعى ولد امرأة، فدعا
لهما رجلا من بنى كعب قائفا فنظر إليهما، فقال لعمر رضى الله عنه: لقد اشتر كا فيه، فضربه عمر
بالدرة، ثم دعا المرأة فقال: أخبرينى خبرك قالت: كان هذا لأحد الرجلين يأتيها وهى فى إبل أهلها
فلا يفارقها حتى تظن أن قد استمر بها حمل، ثم ينصرف عنها فأهرقت عليه دما، ثم خلفها ذا
تعنى الآخر فلا يفارقها حتى استمر بها حمل، لا يدرى ممن هو، فكبر الكعبى، فقال عمر للغلام:
وال أيهما شئت" اهـ. ورجاله رجال مسلم لكن سليمان عن عمر منقطع، فإن عمر قد استشهد

٣٠٣
إذا ادعا رجلان بولد يكون بينهما
إعلاء السنن
قال: فنظر القافة فقالوا: قد أثبتنا، ثم فرق بينهم، ثم سألهم رجلا رجلا، قال: فتقادعوا
يعنى فتبايعوا كلهم يشهد أن هذا لمن هذين، قال: فقال عمر: يا عجبا لما يقول هؤلاء. قد
كنت أعلم أن الكلبة تلقح بالكلاب ذوات العدد، ولم أكن أظن أن النساء يفعلن ذلك
سنة ثلاث وعشرين كما فى التقريب (١٥٤). وسليمان قد ولد ٢٤ كما فى "تهذيب
التهذيب" (٢٢٩:٤).
فالجواب عنهما: أن الانقطاع وإن لم يكن يضر عندنا إذا لم يكن المرسل يرسل عن الضعفاء
إلا أن الاتصال راجح على الانقطاع، فما ثبت عن عمر بسند حسن أو صحيح متصل يعتمد عليه،
ويترك المرسل، فإن الموصول أرجح من المرسل اتفاقا.
قال الطحاوى (٢٩٣:٢). فإن قال قائل: فإذا كان ذلك كما ذكرته فما كان احتياج عمر
إلى القافة حتى دعاهم. قيل له: يحتمل ذلك عندنا - والله أعلم- أن يكون عمر رضى الله عنه وقع
بقلبه أن حملا لا يكون من رجلين فيستحيل إلحاق الولد بمن يعلم أنه لم يلده، فدعا القافة ليعلم
منهم هل يكون ولد يحمل به من نطفتى رجلين أم لا. وقد بين ذلك ما ذكرنا فى حديث أبى
المهلب، فلما أخبره القافة بأن ذلك قد يكون وأنه غير مستحيل رجع إلى الدعوى التى كانت من
الرجلين فحكم بها، فجعل الولد ابنهما جميعا يرثهما ويرثانه، فذلك حكم بالدعوى لا بقول
القافة" اهـ. وأما ما رواه عروة "أن عمر الحق الولد بأحد الرجلين"، فيمكن أن يكون ترجح دعواه
بترجيح شرعى، كأن يكون صاحب اليد أو يكون الولد مميزا قد صدق أحدهما وكذب الآخر
مثلا، ولم يلحقه به بقول القائف فقط، وإنما دعا القائف لتطبيب قلوب الخصوم كما كان معد له
يقرع بين نسائه إذا سافر تطييبا لقلوبهن، لا لإثبات الحكم بالقرعة فافهم. والله تعالى أعلم.
حكم القيافة وأنه ليس من الحجة فى شىء:
فائدة: حاصل ما تحصل من حجج الخصم أنه عّ لّه سر بقول القائف فى أسامة وزيد " هذه
الأقدام بعضها من بعض"، وأن عمر رضى الله عنه قضى على وفق قول القافة، وأنه عد ◌ّه لم ينكر
إثبات على النسب بالقرعة حين أتى بثلاثة وهو باليمن وقعوا على امرأة فى طهر واحد. فأفرع
بينهم فألحق الولد بالذى صارت عليه القرعة، وجعل عليه ثلثى الدية، فذكر ذلك للنبي عدّ له
فضحك حتى بدت نواجذه، ولا شك أن المعول عليه ما ينسب إلى رسول الله عَ ليه، وذلك هو
سروره بقول القائف. وأجاب عنه صاحب الهداية: "بأن سروره كان لأن الكفار كانوا يطعنون فى

ج - ١١
إذا ادعا رجلان بولد یکون بينهما
٣٠٤
قبل هذا، أنى لا أرد ما يرون، اذهب فهما أبواك". رواه الطحاوى (٢٩٣:٢)،
وقال صاحب "الجوهر النقي" (٢٥٦:٢): بسند حسن، وقال الطحاوى: وقد روى
عن عمر رضى الله عنه أيضا من وجوه صحاح أنه جعله بين الرجلين جميعًا.
نسب أسامة رضى الله عنه، لما فى حديث أبى داود كان أسود وكان زيد أبيض، فكانوا لذلك
يطعنون فى نسبه منه، وكانوا مع ذلك يعتقدون قول القافة، فكان قول القائف مقطعا لطعنهم".
وقال الطحاوى: "إن أسامة قد كان نسبه ثبت من زيد قبل ذلك، ولم يحتج النبى معَّ فى ذلك
إلى قول أحد. ولو لا ذلك لما كان دعى أسامة فيما تقدم إلى زيد، وإنما تعجب النبى معَّه من إصابة
مجزر كما يتعجب من ظن الرجل الذى يصيب بظنه حقيقة الشىء الذى ظنه، ولا يجب الحكم
بذلك، فترك رسول الله عَّه الإنكار عليه، لأنه لم يتعاط بقوله ذلك إثبات ما لم يكن ثابتا فيما
تقدم، فهذا ما يحتمله هذا الحديث" اهـ. (٢٩٢:٢). ويحتمل مع ذلك كون القيافة حقا فى
نفسها فتكون متعلق سروره أيضا أو ليست حقا فيختص سروره بما قلنا، فلزم أن حكمنا يكون
سروره بها نفسها فرع حكمنا بأنها حق، فيتوقف على ثبوت حقيقتها ولم يثبت بعد، وطعن يطعن
بالرمح وفی النسب.
وقد يستدل على صحة القيافة بحديث اللعان حيث قال عّ لّه فيه: ((إن جاءت به أصھیب
حمش الساقين فهو لزوجها، وإن جاءت به أورق جعدا جماليا خدلج الساقين سابغ الإليتين فهو
للذى رميت به)). وهذه هى القيافة والحكم بالشبه، وأجاب أصحابنا بأن معرفته عّ لّ ذلك من
طريق الوحى لا القيافة، والحق أنه ينقلب عليهم، لأنه لو كانت القيافة معتبرة لكان شرعية اللعان
تختص بما إذا لم يشبه المرمى به أشبه الزوج أو لا، لحصول الحكم الشرعی حينئذ بأنه ليس ابنا
النافی، وهو يستلزم الحكم بكذبها فى نسب الولد.
وأما حديث على رضى الله عنه وإثباته النسب بالقرعة ففی إسناده يحيى بن عبد الله الكندى
المعروف بالأجلح. قال المنذرى: لا يحتج بحديثه، وفى الخلاصة: وثقه يحيى بن معين والعجلی.
وقال ابن عدى: يعد فى الشيعة مستقيم الحديث، وضعفه النسائى. قال المنذرى: ورواه بعضهم
مرسلا (أى موقوفا على على رضى الله عنه من قوله غير مرفوع إلى النبى معَّ له) وقال النسائى: هذا
صواب. وقال الخطابی: وقد تكلم فى إسناد حديث زيد بن أرقم. وقد رواه أبو داود من طريقين،
الأولى من طريق عبد الله بن الخليل عن زيد بن أرقم عنه، والثانية من طريق عبد خير عن زيد عنه.
قال المنذرى: أما حديث عبد خير فرجال إسناده ثقات غير أن الصواب فيه الإرسال، انتهى. والمراد

2
إعلاء السنن
إذا ادعا رجلان بولد یکون بينهما
٣٠٥
٣٤٥١- قال أبو عمر: ذكر عبد الرزاق عن الثوری عن قابوس بن أبى ظبيان عن
أبيه عن على رضى الله عنه: "أنه أتاه رجلان وقعا على امرأة فى طهر واحد، فقال:
بالإرسال ههنا الوقف لا ما هو الشائع فى الاصطلاح، وعلى هذا لم تخل كل واحدة من الطريقين
من علة - فالأولى فيها الأجلح، والثانية معلولة بالإرسال. كذا فى "النيل" (٢١٢:٦).
والعجب من ابن حزم حيث رفع طريق عبد خير أيضا فى المحلى (١٥٠:١٠)، ولم يعزه إلى
من خرجها، ولا ندرى من أين وقع له ذلك، فلا حجة فيه والحال هذه، ولم يذهب إلى ظاهر هذا
الحديث غير إسحاق بن راهويه وابن حزم ومن وافقه من أهل الظاهر، ويعارضه ما رواه الطحاوى:
ثنا روح بن الفرج ثنا يوسف بن عدى ثنا أبو الأحوص عن سماك عن مولى لبنى مخزوم. قال:
"
وقع رجلان على جارية فى طهر واحد، فعلقت الجارية فلم يدر من أيهما هو، فأتيا عمر
يختصمان فی الولد، فقال عمر: ما أدری کیف أقضى فى هذا؟ فأتیا علیا، فقال: هو بینکما يرتكما
وترثانه، وهو للباقى منكما" اهـ (٢٩٤:٢).
وفیه مولی بنی مخزوم مجهول، وله طريق أخرى عند عبد الرزاق فى مصنفه: حدثنا سفيان
الثورى عن قابوس بن أبى ظبيان عن أبيه عن على: "أنه أتاه رجلان وقعا على امرأة فى طهر واحد،
فقال: الولد بينكما وهو للباقى منكما". ورواه ابن أبى شيبة فى المصنف عن حسين بن على عن
زائدة عن سماك عن حنش عن على، وهذا السند على شرط مسلم. كذا فى "الجوهر النقي
(٢٥٦:٢). وحنش هذا هو ابن عبد الله، ويقال ابن على بن عمرو السبائى نزيل أفريقية ثقة من
الثالثة (تقريب ٤٨). من رجال مسلم والأربعة، وليس هو حنش بن قيس الرحبى، فهذا كما ترى
حكم على بالولد لمدعيه جميعا فجعله ابنهما، ولم يحتج فى ذلك إلى قول القافة، ولا إلى القرعة،
وبه نأخذ وهو قول أبى حنيفة وأبى يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى.
وفى "الجوهر النقى" فى باب القافة دعوى الولد: "ذكر البيهقى فيه حديث مجزر، قلت:
لم يكن فيه دعوى ولا تنازع فليس بوارد فى محل النزاع، لأن أسامة كان لاحقا بفراش زيد من
غير منازع له، وإنما كان الكفار يطعنون فى نسبه لتباين اللونين. فلما ألحقه مجزر به (وإلحاقه حجة
عليهم بزعمهم) كان إبطالا لطعنهم، لأنهم كانوا يعترفون بالقيافة، فسر النبى ماێ پابطال طعنهم،
فلم يكن سروره إلا لحق. قال معنى هذا الكلام المازرى وغيره، فلا نسلم أن الاشتباه يدل على
الأنساب عند التنازع والدعوى" اهـ. (٢٥٦:٢). ولا حجة لهم فيما رواه أبو داود عن أبى قلابة
عن أنس، فذكر حديث العرنيين وقتلهم الرعاء وأخذهم إبل النبى معَّ له، قال أنس: "فبعث رسول

ج - ١١
إذا ادعا رجلان بولد یکون بينهما
٣٠٦
الولد بينكما، وهو للباقى منكما". وذكر البيهقى فيما بعد فى آخر باب من قال: يقرع
الله ع ( قافة فى طلبهم فأتى بهم"، وذكر الحديث، فإن طلب الآثار ليس من باب الدعوى
والنزاع فى الأنساب فى شىء، وقد يستعان فى طلب الآثار بالكلاب، وبالإجماع لا حجة فيها
فكذلك القافة.
وبقى ما ثبت عن عمر رضى الله عنه من العمل بقول القافة، ولكن الآثار عنه قد وردت
مختلفة فى ذلك، منها ما تقدم عن سماك عن مولى لبنى مخزوم: فى رجلين وقعا على جارية فى
طهر واحد، فعلقت الجارية فلم يدر من أيهما هو، فاختصما إلى عمر فى الولد، فقال عمر:
ما أدرى كيف أقضى فى هذا؟ الحديث. وهو ليس بأدنى منزلة مما رواه سليمان بن يسار وسعيد
بن المسيب عن عمر، لأن سليمان وابن المسيب عن عمر مرسل، وكذا رواية المجهول من بنى
مخزوم عنه مرسلة، فتساويا، وأيضا ففى رواية سليمان بن يسار عن عمر فى الولد الذی ادعاه
رجلان. وقال القائف: لقد اشتركا فيه، أنه قال للغلام: "وال أيهما شئت". أخرجه الطحاوى فى
معانی الآثار حدثنا يونس أخبرنی یحیی بن سعید عن سلیمان بن یسار فذ کرہ ثم قال: حدثنا يونس
ثنا ابن وهب عن مالك حدثه عن یحی بن سعید عن سلیمان مثله، حدثنا بحر بن نصر ثنا ابن
وهب أخبرنا ابن أبى الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه عن يحيى ابن حاطب عن أبيه فذكر نحوه.
وفيه: "فقال عمر للغلام اتبع أيهما شئت. فاتبع أحدهما". وهذا سند صحيح على شرط مسلم
غير عبد الرحمن بن حاطب وله رؤية وعدده فى كبار ثقات التابعين. كذا فى "التقريب" (١١٩).
وبهذا اندفع ما ذكره الموفق فى "المغنى" (٤٠١:٦): "وما ذكروه عن عمر من قوله: والٍ
أيهما شئت. لا نعلم صحته" إلخ. وكيف لا يعلم صحته؟ وقد رواه الطحاوى من طرق عديدة
مرسلا وموصولا. قال الطحاوى: وفى هذا الحديث ما يدل على بطلان ما قالوا، وذلك أن فيه أن
القائف قال: هو منهما جمیعا، فلم یجعله عمر کذلك. وقال له: وال ايهما شئت. فلما رد عمر
ذلك إلى حكم الصبى المدعى لا إلى قول القائف دل ذلك على أن القافة لا يجب بقولهم ثبوت
النسب من أحد، قال الطحاوى: وقد روى عن عمر أيضاً من وجوه صحاح أنه جعله بين الرجلين.
ثم رواه من طريق شعبة عن توبة العنبري عن الشعبى عن ابن عمر (وتوبة العنبرى من رجال
الشيخين ثقة أخطأ الأزدى إذ ضعفه (تقريب ٢٦) والعجب من ابن حزم حيث قال: "توبة العنبرى
ضعيف متفق على ضعفه". كما فى "المحلى" (١٥١:١٠). فأحسن الله عزاءنا فيه ما أجراه على
تضعيف الرجال وجرحهم بلا بينة). ومن طريق شعبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن عمر

٣٠٧
إذا ادعا رجلان بولد یکون بينهما
إعلاء السنن
بينهما. ورواه ابن أبى شيبة فى "مصنفه" عن حسين بن على عن زائدة عن سماك
نحوه. ومن طريق عوف بن أبى جميلة عن أبى المهلب عن عمر مثله، وهذا سند موصول. ثم رواه
من طريق همام عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن عمر، وفيه: "أن القافة قالوا: قد أخذ الشبه
منهما، فما ندرى لأيهما هو؟ قال: وكان عمر قائفا فجعله لهما يرثانه ويرثهما". قال الطحاوى:
"فلیس یخلو حکمه فى هذه الآثار التى ذكرنا من أحد و جهین. إما أن یکون بالدعوى،
لأن الرجلين ادعيا الصبى وهو فى أيديهما (أو فى يد ثالث وهما خارجان) فألحقه بهما بدعواهما،
أو يكون فعل ذلك بقول القافة. وفى حديث سعيد ابن المسيب ما يدل على أن قضاء عمر بالولد
للرجلين كان بغير قول القافة. وذلك أنه قال: فقال القافة: لا ندری لأيهما هو؟ فجعله عمر ابنهما
والقافة لم يقولوا: هو ابنهما، فدل ذلك أن عمر أثبت نسبه من الرجلين بدعواهما، ولما لهما عليه
من اليد، لا يقول القافة" اهـ. (٢٩٣:٢).
وفى "المبسوط": "إن قول القائف رجم بالغيب ودعوى بما استأثر الله تعالى بعلمه فى قوله:
ويعلم ما فى الأرحام، ولا برهان له فى قوله، مع أن فى قوله قذف المحصنات ونسبه الأولاد إلى غير
الآباء. (فلو فتحنا هذا الباب لا نفتح باب فتنة عظيم يؤدى إلى هتك الأعراض وسفك الدماء)،
ومجرد الشبه غير معتبر، ألا ترى أن الله تعالى حكم باللعان بين الزوجين عند نفى النسب،
ولم يأمر بالرجوع إلى قول القائف واعتبار الشبه، وإنما سر به عليه السلام لأن الكفار كانوا يطعنون
فى نسب أسامة بن زيد لاختلاف لونيهما، وكانوا يعتقدون أن عند القائف علما بذلك فكان قول
القائف ردا لطعن الكفار لا لأن قول القائف حجة فى النسب شرعا" اهـ. من العناية (٣٤١:٥).
ولو اطلع ابن حزم على هذا الكلام الجزل الذى لا يحاد عنه لم يتكلم فى أبى حنيفة وأصحابه
بکلام قد أقذع فیه وأساء الأدب، کما هو دیدنه فی الكلام مع خصومه فی باب، وارتکب مثله فی
هذه المسئلة التى قد حيرت أولى الألباب (١٥٠:١٠).
ومما يدل على بطلان القيافة ما أخرجه الشيخان والنسائى عن أبى هريرة رضى الله عنه
مرفوعا، فى قصة داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام، حين تحاكم إلى داود امرأتان كان لهما
ابنان، فذهب الذئب بأحدهما، فادعت كل واحدة منهما أن الباقى ابنها، وأن الذى أخذ الذئب
ابن الأخرى، فحكم به داود للكبرى، وقال سليمان: "ائتونى بالسكين أُشقه بينهما"، فقالت
الصغرى: "لا تفعل يرحمك الله هو ابنها"، فقضى به للصغرى، كذا فى جمع الفوائد (١٧٥:٢).
فهذا كما ترى قد حكم به داود للكبرى، ولعله كان فى يدها وعجزت الصغرى عن إقامة البينة.

ج - ١١
إذا ادعا رجلان بولد یکون بينهما
٣٠٨
عن حنش عن على، وهذا السند على شرط مسلم (الجوهر النقى (٢٥٦:٢).
وحكم به سليمان للصغرى ولم يعمد إلى نقض ما حكم به داود، وإنما احتال بحيلة لطيفة أظهرت
ما فى نفس الأمر، وذلك أنه لما دعا بالسكين ليشقه بينهما، ولم يعزم على ذلك فى الباطن وإنما أراد
استكشاف الأمر، جزعت الصغرى. فحصل مقصوده لجزعها الدال على عظيم الشفقة وعدم جزع
الكبرى، بل وقولها: "نعم اقطعوه"، كما فى رواية عند النسائى من طريق مسكين بن بكير عن
شعيب، ولم يلتفت إلى إقرار الصغرى بقولها: "هو ابن الكبرى"، لأنه علم أنها آثرت حياته، فظهر
له من قرينة شفقة الصغرى وعدمها فى الكبرى مع ما انضاف إلى ذلك من القرينة الدالة على
صدقها ما هجم به على الحكم للصغرى، ويحتمل بل هذا هو الظاهر أن تكون الکبری فی تلك
الحالة اعترفت بالحق حين قال لها سليمان: "لو كان ابنك لم ترض أن يقطع". زاده النسائى من
طریق بشیر بن نهیك عن أبى هريرة. کما فی "فتح البارى" (٤٨٠١٢).
وبالجملة فكلاهما قد حكم بالولد لإحدى المرأتين من غير أن يرجع إلى القافة، وقص رسول
الله پڼ حکمهما علينا من غير إنكار، فكان ذلك شرعا لنا.
لا يقال: لعلهما حكما بالنص فلم يكن لهما حاجة إلى القافة، لأنا نقول: لو كان داود
حکم بالنص لما ساع لسلیمان أن یحکم بخلافه، وعدم حكم سليمان بالنص ظاهر من احتياله على
إظهار الحق، حيث قال: "التونى بالسكين أشقه بينهما". فالصحيح أن كلاهما قد حكم
بالاجتهاد، وفى قول سليمان: "اقطعوه نصفين، لهذه نصف ولهذه نصف"، دليل على أنه إذا
استوت دعوة المرأتين من كل وجه كان الولد بينهما، كما قاله أبو حنيفة فى رواية أبى حفص عنه
(فتح القدير، ٣٤٥:٥) لأنه إنما قال: "ائتونى بالسكين" لاستكشاف الأمر، فلو لم ينكشف الأمر
بهذه الحيلة لجعله بينهما هذا هو الظاهر المتبادر من كلامه.
وقال الموفق فى "المغنى": " وإن ألحقته القافة باثنين لم يلحق بهما وبطل قول القافة. وقال
أصحاب الرأى: يلحق بهما بمجرد الدعوى، ولنا أن كونه منهما محال يقينا فلم يجز الحكم به"
اهـ (٤٠٥٠٦). قلنا: قد تقرر فى الأصول إذا تعارضت الدعوتان أو البينتان ولم يترجح إحداهما.
على الأخری تساقطتا وصارتا کالعدم، وحكم الحاكم بالمدعی بینهما، لاستوائهما وعدم جواز.
الترجيح بلا مرجج، بدليل ما رواه الخمسة إلا الترمذى عن أبى موسى: ((أن رجلين اختصما إلى
رسول الله عَ لّه فى دابة ليس لواحد منهما بينة، فجعله بينهما نصفين)) (نيل الأوطار ٥٦٧:٨).
هذا هو الأصل فى تعارض الدعوتين، وبه حكم سليمان عليه السلام فى الولد الذى تنازعت فيه

٣٠٩٠
إذا ادعا رجلان بولد یکون بينهما
إعلاء السنن
المرأتان ولا بينة لواحدة منهما. وما ذكره الموفق من التعليل لا يسمع بمعرض النص، على أن الحاكم
لا يحكم بأن الولد يكون ابن امرأتين محققا أن كل واحدة منهما ولدته حتى يلزم الحكم بالمحال،
بل إنما يحكم لكل واحدة منهما بحق الأمومة وليس ذلك حكماً بالمحال.
رد تشنيع ابن حزم على أبى حنيفة فى الحاقه الولد بامرأتين:
وأما قول ابن حزم فى المحلى: "بأن هذا جور وظلم وباطل بلا شك أن يوجب لغير أم حكم
أم بلا نص قرآن ولا سنة، ولا قول أحد من خلق الله تعالى قبله" إلخ (١٥٢:١٠). فمردود بأن
تشريك المدعيين فى المدعى إذا استويا فى الدعوى، ولم يعلم الكاذب من الصادق عين العدل
والإنصاف، وليس من الجور والظلم فى شىء، ألا ترى أنه مێ جعل الدابة بین الر چلین نصفین،
ولم يكونا جميعا صادقين، بل كان أحدهما كاذبا بيقين، فهل تقول هذا جور وظلم أن يوجب لغير
المالك حكم المالك؟ فما هو جوابك فهو جوابنا، وهل تقوم فى سليمان عليه السلام حين قال:
"اقطعوه نصفين لهذه نصف ولهذه نصف". ولم يقل كقولك: اقرعوا بينهما أو ادعوا له القافة إن
هذا جور وظلم وباطل أن يحكم بغير أم حكم أم؟ فهل لأحد بعد ذلك أن يرى أبا حنيفة بأنه أتى
بقول لم يقله أحد قبله، ولا يساعده نص قرآن ولا سنة؟ وأى نص أقوى مما أخرجه الشيخان
والنسائى مرفوعا، وأيدته النصوص الواردة فى تعارض البينتين والدعوتين فافهم.
ولا تعجل فى الإنكار على الحنفية فانهم أشد الناس اتباعا للآثار، ينالون الإيمان من الثريا
بالدراية حين لا يناله من الثرى أهل الرواية، والله أعلم وأعلى وأجل.
واحتج الطحاوى رحمه الله على بطلان القيافة وقول القائف فى باب الأنساب بحديث
عائشة، ولفظها: ((إن النكاح فى الجاهلية كان على أربعة أنحاء"، الحديث. وفيه: "ونكاح البغايا
كن ينصبن على أبوابهن الرايات، فمن أرادهن دخل عليهن، فإذا حملت إحداهن فوضعت جمعوا
لها القافة، ثم ألحقوا ولدها بالذى يرى القائف، فالتاط به ودعى ابنه لا يمتنع من ذلك، فلما بعث
محمد عّ ◌ُّ بالحق هدم نكاح الجاهلية إلا نكاح الإسلام اليوم)). رواه البخارى وأبو داود كذا فى
جمع الفوائد (٢٢٣:١). قال الطحاوى: "فيه دلالة على هدم ذلك النكاح ونسخ الحكم المتقدم
الذى كان يحكم فيه بقول الجاهلية، فبعث الله محمدا عَّ ه بنكاح الإسلام اليوم، وبإلحاق أولاد
البغايا الذين ولدوا فى الجاهلية بمن ادعى أحدا منهم فى الإسلام. كما حدثنا يونس أنا ابن وهب أن
مالکا حدثه عن یحیی بن سعید، ح و حدثنا يونس أنا أنس عن یحیی بن سعيد أخبرنى سليمان بن

٣١٠
ج - ١١
باب لا تكون الأمة فراشا لمولاها حتی تلد منه ويدعی ولدها
٣٤٥٢- عن أبى هريرة مرفوعًا: ((الولد لصاحب الفراش وللعهر الحجر)).
رواه البخارى والإسماعيلى (فتح البارى ٣٣:١٢). وهو حديث متواتر بلفظ:
((الولد للفراش وللعاهر الحجر)). فقد جاء عن بضعة وعشرين صحابيا قاله المناوى
(العزیزی ٤١٩:٣).
يسار: أن عمر رضى الله عنه كان ينيط أهل الجاهلية بمن ادعى بهم فى الإسلام. (قلت: وهذا
مرسل صحيح). فدل ذلك أنهم لم يكونوا يلحقون لهم بقول القافة، ولو كان قولهم مستعملا فى
الإسلام كما كان مستعملا فى الجاهلية لما قالت عائشة إذا أن ذلك مما هدم" اهـ ملخصا بمعناه
(٢٩٢:٢). وحاصله: أن ظاهر حديث عائشة يدل على هدم نكاح الجاهلية وبطلان قول القافة
جميعا من ادعى دلالته على هدم الأول فقط دون الثانى، فليأت ببرهان وكل ما ذكروه فى ذلك
لا يصلح للاحتجاج به كما تقدم الكلام فيه مستوفى، والله المستعان.
باب لا تکون الأمة فراشا لمولاها حتی تلد منه ويدعى ولدها
قوله: "عن أبى هريرة" إلخ. استدل به الجمهور على أن الأمة إذا اعترف سيدها بوطئها
أو ثبت ذلك بأى طريق كان، ثم أتت بولد لمدة الإمكان بعد الوطء لحقه من غير استلحاق، كما
فى الزوجة، لكن الزوجة تصير فراشا بمجرد العقد، فلا يشترط فى الاستلحاق إلا الإمكان، لأنها
تراد للوطء فجعل العقد عليها كالوطء، بخلاف الأمة فإنها تراد لمنافع أخرى، فاشترط فى حقها
الوطء، ومن ثم يجوز الجمع بين الأختين بالملك دون الوطء، هذا قول الجمهور. وعن الحنفية:
لا تصير الأمة فراشا إلا إذا ولدت من السيد ولدا ولحق به، فمهما ولدت بعد ذلك لحقه إلا أن
ينفيه. وعن الحنابلة: من اعترف بالوطء فأتت منه لمدة الإمكان لحقه، وإن ولدت منه أولا فاستلحقه
لم يلحقه ما بعده إلا بإقرار مستأنف على الراجح عندهم.
قال الحافظ فى الفتح: "وترجيح المذهب الأول أى مذهب الجمهور ظاهر (بحديث عائشة
فى منازعة سعد وعبد بن زمعة فى ابن وليدة زمعة، وقضاءه مرّ لّ لعبد، وقوله: "هو لك يا عبد بن
زمعة، الولد للفراش وللعاهر الحجر") لأنه لم ينقل أنه كان لزمعة من هذه الأمة ولد آخر، والكل
متفقون على أنها لا تصير فراشا إلا بالوطء" اهـ (٢٩:٢).
قلت: لا حاجة فيه إلى النقل، بل يكفى لإثباته إطلاق الفراش عليها، فإن الفراش حقيقة فى

٣١١
لا تكون الأمة فراشا لمولاها حتی تلد منه ويدعی ولدها
إعلاء السنن
الزوجة عرفا. فقد نقل ابن الأعرابى: أن الفراش عند العرب يعبر به عن الزوج وعن المرأة، والأكثر
إطلاقه على المرأة (أى الزوجة). ومما ورد فى التعبير به عن الزوج قول جرير فيمن تزوجت بعد
قتل زوجها:
باتت تعانقه وبات فراشها خلق العباءة بالبلاء ثقيلا
ذكره الحافظ فى "الفتح" أيضا، وإذا كان كذلك فلا يطلق على غير الزوج والزوجة إلا إذا
كان مثلهما، ولا خلاف فى أن الفراش لا يطلق على كل موطوءة ولا على كل واطئ، ألا ترى أنه
لا يقال للمزنية فراشا مع كونها موطوءة، فثبت أن مطلق الوطء لا يكفى لكون المرأة فراشا، فلا بد
من اشتراط شىء زائد على الوطء، وليس إلا أن تكون منكوحة أو أم ولد لسيدها. فقوله معدّ لآه لعبد
ابن زمعة: ((هو لك يا عبد! الولد للفراش وللعاهر الحجر)» دليل على كون هذه الوليدة أم ولد
لزمعة، هذا هو الظاهر المتبادر منه، ومن ادعى غير ذلك فعليه البيان، ودونه خرط القتاد.
ويؤيد قولنا أنها كانت أم ولد لزمعة ما رواه أحمد عن ابنة زمعة، قالت: ((أتيت النبى معَّه،
فقلت: إن أبى مات وترك أم ولد له، وأنا كنا نظنها برجل، وأنها ولدت فخرج ولد يشبه الرجل
الذى ظنناها به. قال: فقال لها: أما أنت فاحتجبى منه فليس بأخيك، وله الميراث)). وتابعيه لم يسم،
وبقية رجاله ثقات کذا فى مجمع الزوائد (١٤:٥).
قلت: ومثله حجة عندنا ويكتفى بمثله فى تأييد الاحتمال العقلى فافهم. وتأويله بأنها أطلقت
عليها أم الولد باعتبار ما تؤول إليها خلاف الظاهر كما لا يخفى، وفيه رد على الحافظ فى قوله:
"لم ينقل أنه كان لزمعة من هذه الأمة ولد آخر" اهـ.
وبهذا تبين ضعف ما نقل الحافظ عن الشافعى: "أنه ناظر بعض الحنفية لما قال: إن أبا حنيفة
خص الفراش بالزوجة، وأخرج الأمة من عموم الولد للفراش. فرد عليه الشافعى: بأن هذا ورد على
سبب خاص أى وأن خصوص السبب لا يخرج، ولو قلنا: إن العبرة بعموم اللفظ، والخبر إنما ورد
فى حق الأمة فلا يجوز إخراجه" اهـ (٢٩:١٢). فإن أبا حنيفة لم يقل: إِن الفراش لا يطلق على
الأمة مطلقا، بل أراد أنه لا يطلق على كل أمة موطوءة لكون الفراش مختصا بالزوجة عرفا،
فلا یلحق بها إلا ما کان مثلها، ولا تكون الأمة کالزوجةإلا إذا کانت أم ولد لسيدها، فلا يراد
بالفراش إلا الزوجة أو أم الولد بدليل ما قلنا. وقال شيخنا حكيم الأمة دام مجده وعلاه: "الأحسن
فى تقرير الجواب أن يقال: إن الفراش مختص بالزوجة عرفا، فلا يقال بعمومه لكل أمة موطوءة إلا

ج - ١١
لا تكون الأمة فراشا لمولاها حتی تلد منه ویدعی ولدها
٣١٢
بدلیل، وحديث عائشة هذا لا يدل عليه لكونه واردا فى أم الولد كما مر، ودلت آثار الصحابة
المذكورة فى المتن على عدم عمومه لكل أمة موطوئة كما سيأتى، فالحق ما قاله أصحابنا: إن
الفراش لا يطلق شرعا إلا على الزوجة أو أم الولد دون غيرهما، ومن ادعى إطلاقه على غيرهما
فليأت ببرهان "اهـ.
فاندحض به ما قاله الحافظ فى الفتح أيضا: " وقد شنع بعضهم على الحنفية بأن من لازم
مذهبهم إخراج السبب مع المبالغة فى العمل بالعموم فى الأحوال، وأجاب بعضهم بأنه خصص
الظاهر القوى بالقياس، وقد عرف من قاعدته تقديم القياس فى مواضع على خبر الواحد وهذا
منها" اهـ (٣٠:١٢). فهذا كله بناء الفاسد على الفاسد، فقد عرفت أنه ليس من لازم مذهبهم
إخراج السبب. كيف؟ وهم قائلون بأن الفراش فراشان، قوى وهو فراش المنكوحة وضعيف وهو
فراش أم الولد، ومعنى الفراش هو كون المرأة مقصودا من وطئها الولد، إما ظاهرا كما فى أم الولد
فإنه إذا اعترف به ظهر قصده إلى ذلك، أو وضعا كالمنكوحة يثبت نسب ما تأتى به، ولا ينتفى
بنفيه إلا باللعان، وولد أم الولد وإن ثبت نسبه بلا دعوة ينتفى بمجرد نفيه. كذا فى "فتح القدير"
(٣٣١:٣)، وإذا كان كذلك فقوله: "الولد للفراش" معناه ولد المنكوحة أو أم الولد للزوج أو
للمولى، فكيف يصح تشنيع هذا البعض على الحنفية بأن من لازم مذهبهم إخراج السبب؟ فإن
النص إنما ورد عندنا فى حق أم الولد بدليل ما ذكرنا، ولم نقل بخروجها من الفراش، ولم یرد فی
حق الأمة بالعموم کما قاله الجمهور.
هذا جوابنا على ظاهر الرواية أن الأمة لا تكون فراشا لمولاها بمجرد الوطء، بل بأن تلد منه
ويدعى ولدها، وأما على قول بعض المشايخ منا: بأنه إذا أقر أنه كان لا يعزل عنها وحصنها ينبغى
أن يثبت نسب ولدها من غير توقف على دعواه، وإن كنا نوجب عليه فى هذه الحالة الاعتراف به،
فلا حاجة إلى أن نوجب عليه الاعتراف ليعترف فيثبت نسبه، بل يثبت نسبه ابتداء فالخطب هين.
قال المحقق فى "الفتح": وأظن أن لا بعد فى أن يحكم على المذهب بذلك" اهـ (٢٣٢:٣).
قلت: وقد ورد فى الآثار ما يدل على أن زمعة كان قد حصن تلك الوليدة التى نوزع فى
ولدها، ولم يكن يعزل عنها. وهو ما رواه الطحاوى من طريق جرير بن عبد الحميد عن منصور
عن مجاهد عن يوسف بن الزبير عن عبد الله بن الزبير، قال: "كانت لزمعة جارية يتطأها

٣١٣
لا تکون الأمة فراشاً لمولاها حتی تلد منه ویدعی ولدها
إعلاء السنن
(وفى لفظ كان تبطنها(١) وكان يظن .... برجل آخر أنه يقع عليها، فمات زمعة وهى حبلى،
فولدت غلاما كان يشبه الرجل الذى كان يظن بها، فذكرته سودة لرسول الله مرّ ة، فقال: أما
الميراث فله، وأما أنت فاحتجبى منه فإنه ليس لك بأخ" (٦٧:٢). والحديث أخرجه النسائى بهذا
السند والمتن نحوه (١١٠:٢). وحسنه الحافظ فى "الفتح" (٣١:١٢). وقال: "رجاله رجال
الصحيح إلا شيخ مجاهد وهو يوسف مولى آل الزبير، وقد طعن البيهقى فى سنده، فقال: فيه
جریر وقد نسب فى آخر عمره إلى سوء الحفظ، وفيه يوسف وهو غير معروف، وعلى تقدير ثبوت
فلا يعارض حديث عائشة المتفق عليه. وتعقب بأن جريرا هذا لم ينسب إلى سوء الحفظ، وكأنه
اشتبه علیه بجریر ابن حازم، وبأن الجمع بينهما ممكن فلا ترجيح وبأن یوسف معروف فى موالى
آل الزبير" اهـ. فقوله: "كان يتطأها أو تبطنها"، يدل على ما قلنا، ومثل هذه الوليدة تصير فراشا
لمولاها عند بعض أصحابنا لا يحتاج فى إثبات نسب ولدها إلى إقرار المولى به، بل يثبت نسبه
ابتداء. فالحديث حجة لنا لا علينا.
فإن قيل: إذا كان ولدها ثابت النسب من المولى فما معنى قوله عّ لّ لسودة بنت زمعة:
"واحتجبى منه يا سودة! فليس لك بأخ"، قلنا: معناه: ليس لك بأخ فى استحسان الدخول
وإلا فهو أخ فى ظاهر الشرع لقيام الفراش. وقيل: "هذه الزيادة غير معروفة فى هذا الحديث، بل
هى زيادة باطلة مردودة". قاله السندى فى حاشية النسائى (١١٠:٢). وفيه أيضا عن "عمدة
القارئ"، قوله: "احتجبى منه" أشكل معناه قديما على العلماء. فذهب أكثرهم إلى أن الحرام
لا يحرم الحال، وأن الزناء لا تأثير له فى التحريم، وهو قول عبد الملك بن ماجشون إلا أن قوله ذلك
كان على وجه الاختيار والتنزه. وأن للرجل أن يمنع امرأته من رؤية أخيها هذا قول الشافعى.
وقالت طائفة: كان ذلك منه لقطع الذريعة بعد حكمه بالظاهر، فكأنه حكم بحكمین، حكم ظاهر
وهو الولد للفراش، وحكم باطن وهو الاحتجاب من أجل الشبهة اهـ.
قلت: وبما ذكرنا من الدليل على كون وليدة زمعة هذه أم ولد له من قبل، أو أنه كان قد
حصنها ولم يكن يعزل عنها، ومثلها تكون فراشا لمولاها اتفاقا فى الأولى، وعند بعض أصحابنا فى
الأخرى: بطل احتجاج الشافعية بهذا الحديث على استلحاق الأخ لأخيه، وهو صحيح عند
الشافعی إذا لم يكن له وارث سواه. قال المازري: "وقد تعلق أصحابه بهذا الحديث، فقد وقع فى
(١) أخرجه الجصاص فى الأحكام له بسند حسن (٣: ٣٠٥).

ج - ١١
لا تكون الأمة فراشا لمولاها حتی تلد منه ويدعى ولدها
٣١٤
رواية يونس المعلقية فى المغازى من الصحيح: "هو لك هو أخوك يا عبد!" ووقع لمسدد عن ابن
عيينة عند أبى داود: "هو أخوك يا عبد"! ولم يرو أن زمعة ادعاه ولدا ولا اعتراف بوطء أمه، فكان
المعول فى هذه القصة على استلحاق عبد ابن زمعة. قال: وعندنا لا يصح استلحاق الأخ ولا حجة
فى هذا الحديث، لأنه يمكن أن يكون ثبت عند النبى مّ لّ أن زمعة كان يطأ أمته، فألحق الولد به،
لأن من ثبت وطأه لا يحتاج إلى الاعتراف بالوطء، وإنما يصعب هذا على العراقين ويعسر عليهم
الانفصال عما قاله الشافعى، لما قررناه أنه لم يكن لزمعة ولد من الأمة المذكورة سابق، ومجرد
الوطء لا عبرة به عندهم، فيلزمهم تسليم ما قال الشافعى " اهـ من "فتح البارى" (٣٠:١٢).
قلت: لا يصعب هذا علينا ولا يعسر علينا الانفصال عما قاله الشافعى، فقد أثبتنا أنها كانت
أم ولد لزمعة من قبل، وولد أم الولد يثبت نسبه من المولى من غير حاجة إلى الإلحاق، فلا يتعلق
بهذا الحديث استلحاق الأخ لأخيه أصلا، ولو سلم فغاية ما ثبت به كون الولد أخا لعبد بن زمعة
ومن وافقه فى دعواه، وهذا مما لا ينكره الحنفية، بل قال أبو حنيفة: إذا أقر الوارث بأخ لزمه دفع
نصف ما فى يده من الميراث، وإن أقر بأخت لزمه ثلث ما فى يده، ولا يثبت نسبه إذا لم توجد
شهادة ولكنه يشارك المقر فى الميراث، لأن المرء يؤخذ بإقراره فيما يتعلق به وحده، وإن أقر جميع
الورثة بنسب من يشاركهم فى الميراث ثبت نسبه سواء كان الورثة واحدا أو جماعة ذكرا أو أنثى.
وبهذا قال الشافعى وأبو يوسف وحكاه عن أبى حنيفة، لأن الوارث يقوم مقام الميت فى
ميراثه وديونه، والديون التى عليه وبيناته ودعاويه، وكذلك فى النسب والمشهور عن أبى حنيفة
أن لا يثبت إلا بإقرار رجلين أو رجل وامرأتين لأنه يحمل النسب على غيره فاعتبر فيه العدد
(أى نصاب الشهادة) ذكره الموفق فى المغنى (٢٢٧:٥).
وإذا عرفت ذلك فنقول: إن زمعة لم يخلف وارثا غير عبد إلا سودة، قاله الحافظ فى
"الفتح" (١٢:٢٨): فإن كان زمعة مات كافرا فلم يرثه إلا عبد وحده، وعلى تقدير أن يكون أسلم
ورثته سودة أيضا، فيحتمل أن تكون وكلت أخاه فى الدعوى، أو ادعت أيضا كما هو ظاهر ما
رويناه عن أحمد، وما رواه النسائى والطحاوى عن ابن الزبير وبالجملة فقد ثبت إقرار جميع الورثة
بنسب من يشاركهم فى الميراث، فثبت نسبه لإقرار الجميع لا لاستلحاق الأخ لأخيه، وهذا على ما
حكاه أبو يوسف عن أبى حنيفة. وأما على الرواية المشهورة عن الإمام باشتراط إقرار رجلين أو
رجل وامرأتين وليس ههنا إلا إقرار رجل وامرأة فقط، فنقول: معنى قوله معَّه: "هو أخوك يا

٣١٥
لا تكون الأمة فراشا لمولاها حتی تلد منه ويدعی ولدها
إعلاء السنن
عبد"، أى شريك لك فى الميراث لا أنه ثابت النسب من أبيك، بدليل ما فى حديث ابن الزبير:
"واحتجبى منه يا سودة، فليس لك بأخ". فإنا لو حملنا قوله لعبد: "هو أخوك"، على معنى كونه
ثابت النسب من زمعة عارضه قوله لسودة: "ليس لك بأخ". فالأولى ما قلنا إنه أثبت له الإخوة
- بمعنى كونه مستحقا للميراث، ونفاها عنه بمعنى كونه ثابت النسب عن زمعة فافهم.
الجواب عن إيراد الحافظ على الطحاوى:
قال الحافظ فى "الفتح": "وقد سلك الطحاوى فيه مسلكا آخر، فقال: معنى قوله: هو لك
أى يدك عليه لا أنك تملكه، ولكن تمنع غيرك منه إلى أن يتبين أمره، كما قال لصاحب اللقطة: هى
لك، وقال له: إذا جاء صاحبها فأدها إليه. قال: ولما كانت سودة شريكة لعبد فى ذلك لكن لم يعلم
منها تصديق ذلك ولا الدعوى به ألزم عبدا بما أقر به على نفسه، ولم يجعل ذلك حجة عليها،
فأمرها بالاحتجاب. وكلامه كله متعقب بالرواية الثانية المصرح فيها بقوله: هو أخوك، فإنها رفعت
الإشكال، وكأنه لم يقف عليها ولا على حديث ابن الزبير وسودة الدال على أن سودة وافقت
أخاها عبدا فى الدعوى بذلك" اهـ (٣١:١٢).
قلت: وكيف لا يقف عليه؟ وقد أخرج حديث ابن الزبير فى "معانى الآثار" له (٦٧:٢)،
كما تقدم، ولكنه وقف على ما ذهل عنه الحافظ، وهو قوله مّ ◌ُلّه فى حديث ابن الزبير: "واحتجبى
منه يا سودة! فليس لك بأخ" وهو يرد على من حمل قوله لعبد، "هو أخوك" على معنى الإلحاق
وإثبات النسب، فمن المحال أن يكون ولد زمعة هذا بعد ثبوت نسبه منه أخا لابنه ولا يكون أخا
لبنته، فقوى بذلك الإشكال الذى ظنه الحافظ مرتفعا بالرواية الثانية. فالظاهر أنه زيادة: "هو
أخوك" باطلة عند الطحاوى، كما أن زيادة: "فليس لك بأخ" باطلة عند الخطابى، وتبعه النووى،
كما ذكره الحافظ فى "الفتح" (٣١:١٢).
قال الجصاص فى "أحكام القرآن" له بعد ما ذكر الحديث من طريق أبى داود عن سعيد
ابن منصور ومسدد، اقتصر فيه سعيد على قوله: احتجبى منه یا سودة! وزاد مسدد: هو أخوك
يا عبد! ما نصه: "قال أبو بكر: الصحيح ما رواه سعيد بن منصور، والزيادة التى زادها مسدد
ما نعلم أحدا وافقه عليها. وقد روى فى بعض الألفاظ أنه قال: هو لك يا عبد! ولا يدل ذلك على
أنه أثبت النسب، لأنه جائز أن یرید به إثبات الید له إذا كان من يستحق يدا فى شىء جاز أن يضاف
إليه فیقال: هو له. ومعلوم أن النبى مګے لم يرد بقوله: هو لك يا عبد! إثبات الملك، فادعى خصمنا

٣١٦
لا تکون الأمة فراشا لمولاها حتی تلد منه ويدعی ولدها
ج - ١١
أنه أراد إثبات النسب، وذلك لا يوجب إضافته إليه فى الحقيقة على هذا الوجه، لأن قوله: "هو
لك" إضافة الملك، والأخ ليس بملك (لأخيه). فإذا لم يرد به الحقيقة، فليس حمله على إثبات
النسب بأولى من حمله على إثبات اليد، ويحتمل لو صحت الرواية أنه قال: هو أخوك، يريد به
أخوة الدين، وأنه ليس بعبده لإقراره بأنه حر، ويحتمل أن يكون أصل الحديث ما ذكره بعض الرواة
أنه قال: هو لك يا عبد! (وهو المتفق عليه فى رواية الجماعة وكذا هو للأكثر، صرح به الحافظ فى
"الفتح" (٣٠:١٢). وظن الراوى أن معناه أنه أخوه فى النسب، فحمله على المعنى عنده، وفى خبر
سفيان وجرير الذى يرويه عبد الله بن الزبير أنه قال: ليس لك بأخ، وهذا لا احتمال فيه، فوجب
حمل المحتمل على ما لا احتمال فيه" اهـ. ملخصا (٣٠٥:٣).
قلت: والمسلك الذى سلكه الطحاوى سبقه إليه المزنى صاحب الإمام الشافعى، كما فى فتح
البارى (٢٩:١٢). وتعقبه الحافظ أيضا بمثل ما تعقب به الطحاوى، بأن قوله لعبد بن زمعة: هو
أخوك يدفع هذا التأويل اهـ. وبعيد من مثل هؤلاء الحفاظ المجتهدين فى الفقه والحديث أن تخفى
علیهم هذه الزيادة التى زادها مسدد فى روايته، ولكنهم لم يعبأوا بها لكونها شاذة غير صحيحة
عندهم فافهم. واندحض بذلك استدلال من استدل بهذا الحديث على أن حكم الحاكم لا يحل
الأمر فى الباطن كما لو حكم بشهادة زور، لأنه حكم بأنه أخو عبد، وأمر سودة بالاحتجاب
بسبب الشبه بعتبة، فلو كان الحكم يحل الأمر فى الباطن لما أمرها بالاحتجاب كذا فى "فتح
البارى" (٣٢:١٢). فإن كونه حكم بأنه أخو عبد مختلف فى صحته كما قد عرفت، ولو سلم
فإن الأمر بالاحتجاب كان للاحتياط، ويحمل الأمر فى ذلك إما على الندب وإما على تخصيص
أمهات المؤمنين بذلك، كما قالته الشافعية، حكاه الحافظ (٣٣:١٢).
واستدل به على أن لوطء الزنا حكم وطء الحلال فى حرمة المصاهرة وهو قول الجمهور،
ووجه الدلالة أمر سودة بالاحتجاب بعد الحكم بأنه أخوها لأجل الشبه بالزانى. وقال مالك فى
المشهور عنه والشافعى: لا أثر لوطء الزنا بل للزانى أن يتزوج أم التى زنى بها وبنتها، والحديث
حجة عليهما. وقول النووى: هذا احتجاج باطل، لأنه على تقدير أن يكون من الزنا فهو أجنبى من
سودة لا يحل لها أن تظهر له، سواء ألحق بالزانى أم لا، فلا تعلق له بمسألة البنت المخلوقة من الزنا.
رد الفرع برد الأصل، وإلا فالبناء الذى بنوه صحيح. قاله الحافظ فى "الفتح" (٣٢:١٢) أيضا.
وتذكر ما قدمناه أن هذا كله إنما هو كلامنا بعد تسليم ما قاله الخصم: أنه لم يكن لزمعة ولد

٣١٧
لا تكون الأمة فراشا لمولاها حتی تلد منه ويدعى ولدها
إعلاء السنن
٣٤٥٣- حدثنا إبراهيم بن مرزوق ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث ثنا شعبة عن
عمارة بن أبى حفصة عن عكرمة عن ابن عباس، قال: "كان ابن عباس يأتى جارية له
فحملت، فقال: ليس منى، إنى أتيتها إتيانا لا أريد به الولد". رواه الطحاوى (٢: ٦٨).
ورجاله رجال الصحيح غير ابن مرزوق وهو ثقة كما مر غير مرة. وأخرجه ابن حزم
فى "المحلى" (٣٢٢:١٠) من طريق عبد الرزاق عن محمد بن عمرو عن عمرو بن دينار:
"أن ابن عباس وقع على جارية له وكان يعزلها فانتفى من ولدها" اهـ. وهذا سند
صحيح على شرط الشيخين.
٣٤٥٤- قد بلغنا "أن زيد بن ثابت وطئ جارية له فجاءت بولد فنفاه.
من الأمة المذ کورة سابق. وإلا فالحق عندنا أنها كانت أم ولد له من قبل، كما فى رواية أحمد فى
مسنده. وإذا ثبت ذلك فلا إشكال فى ثبوت نسب الولد المتنازع فيه من زمعة من غير حاجة إلى
الإلحاق والاستلحاق، ولا فى صحة ما زاده مسدد فى روايته: "هو أخوك يا عبد!" ويحمل قوله
لسودة: "ليس لك بأخ" على أنه ليس لك بأخ فى استحسان الدخول، وإلا فهو أخ لها فى ظاهر
الشرع، ونظيره ما قاله الجمهور فى تأويل قوله: "احتجبى منه يا سودة!" وظنى أن تحرير المسألة
بهذا الوجه قد تفردت به، ولله الحمد على ما ألهم وأفهم.
قوله: "حدثنا إبراهيم بن مرزوق" إلخ. فيه دلالة على أن الأمة لا تكون فراشا لمولاها بمجرد
الوطء، ولا يكون ولدها ثابت النسب به ما لم يقر بأنه ولده، وإلا لم يجز لابن عباس أن ينتفى من
ولد جارية قد وطئها بعلة أنه کان یعز لها، كما لا يجوز لأحد أن ينتفى من ولد زوجته وإن كان
يعزلها، فهو حجة على الجمهور القائلين: بأن أمته صارت فراشا بالوطء فلحقه ولدها، فإن نفاه
سيدها لم ينتف عنه. قاله الموفق فى "المغنى" (٤٨٩:١٢).
قوله: "قد بلغنا إلى آخر الباب". دلالته على معنى الباب ظاهرة، كدلالة ما قبله، وبذلك تبین
ضعف احتجاج الجمهور بما رواه مالك عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه: أن عمر بن الخطاب قال:
"ما بال رجال يعزلون عن ولائدهم". ولفظ نافع عن صفية بنت عبيد: "ما بال رجال يطؤون
ولائدهم ثم يدعونهن فيخرجن، والله لا تأتينى وليدة فيعترف سيدها أن قد وطئها إلا ألحقت به
ولدها، فاعتزلوا بعد أو اتركوا". ولفظ نافع: "فأرسلوهن بعد أو أمسكوهن". كذا فى "الموطأ".
لمحمد (٢٤٩، ٢٥٠). قالوا: "فهذا عمر قد حكم بالحاق ولد الأمة بسيدها إذا أقر بوطئه إياها".

ج - ١١
لا تكون الأمة فراشا لمولاها حتی تلد منه ويدعى ولدها
٣١٨
٣٤٥٥- وأن عمر بن الخطاب وطئ جارية له فحملت، فقال: اللهم لا تلحق بآل
عمر من ليس منهم، فجاءت بغلام أسود: فأقرت أنه من الراعى، فانتفى منه عمر".
ذكره محمد فى "الموطأ" (٢٤٩) هكذا بلاغا وبلاغاته حجة عندنا. ورواه سعيد بن
منصور: حدثنا سفيان عن ابن أبى نجيح عن فتى من أهل المدينة: "أن عمر كان يعزل عن
جارية له". فذكر نحوه كذا فى "المغنى" (٤٩١:١٢).
قلنا: إنما صنع عمر رضى الله عنه هذا على التهديد للناس أن يضيعوا ولائدهم وهم يطؤونهن. يشير
إليه لفظ نافع عن صفية، وأصرح منه ما رواه سعيد بن منصور ولفظه: أنه قال: "حصنوا هذه
الولائد، فلا يطأ رجل وليدته ثم ينكر ولدها إلا ألزمته إياه". وفى لفظ له: "أيما رجل غشى أمته ثم
ضيعها فالضيعة عليه والولد ولده". كذا فى "المغنى" (٤٨٩:١٢). فلم يرد أن كل ما تلده الأمة
الموطوءة من سيدها ملحق بسيدها وإن لم يدعه، بل أراد به الزجر والتهديد، وأنه لا يجوز للمرء أن
ينتفى من ولد أمته بمجرد شبهة حدثت له، ودليل ذلك ما ثبت عن زيد بن ثابت أنه نفى ولد أمة
موطوءة له، وبدليل ما ثبت عن عمر نفسه أنه فعل ذلك، فلو كانت الأمة تصير فراشا لمولاها بمجرد
الوطء لحقه ولدها، ولم ینتف عنه بنفیه کولده من زوجته.
قال المحقق فى الفتح: إذا ولدت الأمة من مولاها فلا يثبت نسبه إلا أن يعترف به أو يقضى
به القاضى فيلزمه بالقضاء فلا يملك إبطاله أو يتطاول الزمان لأن التطاول دليل إقراره، لأنه يوجد
منه فيها دليل إقراره من قبوله التهنئة ونحوه، فيكون كالتصريح بإقراره، واختلافهم فى التطاول
سبق فى اللعان. وحاصل ما ذكره هناك أنه مقدر عند محمد وأبى يوسف بمدة النفاس، وعند الإمام
بمدة قبول التهنئة وهى ثلاثة أيام فى رواية أبى الليث، وسبعة أيام فى رواية الحسن اهـ. ملخصا من
فتح القدير أيضا (٣٣٢:٣، ١٢٦:٣). وإن اعترف بوطئها، وهو قول الثورى والبصرى والشعبى
ومروى عن عمر وزيد بن ثابت مع العزل. وقال الشافعى ومالك وأحمد: يثبت إذا أقر بوطئها وإن
عزل عنها إلا أن يدعى أنه استبرأها بحيضة وهو ضعيف، فإنهم زعموا أنها بالوطء صارت فراشا
كالنكاح وفيه يلزم الولد وإن استبرأها مع أن الحامل تحيض عند مالك والشافعى فلا يفيد الاستبراء،
وهم ينفصلون عن هذا بأن الغالب أن لا تحيض، والأمر بالاستبراء اعتبارا للغالب، فيحكم عند
وجوده بعدم الحمل حكما بالغالب. (وفيه أن النسب مما يحتاط لإثباته فلا يجوز بناءه على الغالب
بل يعتبر فيه الإمكان، وأيضا: فيرد عليهم العزل فإن الغالب عدم الحمل مع العزل كما لا يخفى،
فيجب أن لا يثبت نسبه إذا أقر بوطئها وادعى العزل، وهم لا يقولون به، فافهم) ولو بوطئها فى

٣١٩
لا تكون الأمة فراشا لمولاها حتی تلد منه ويدعی ولدها
إعلاء السنن
٣٤٥٦- حدثنا عيسى بن إبراهيم الغافقى ثنا سفيان عن أبى الزناد عن خارجة:
"أن أباه كان يعزل عن جارية فارسية فحملت بحمل فأنكره، وقال: إنى لم أكن أريد
ولدك، وإنما أستطيب نفسك، فجلدها وأعتقها وأعتق ولدها".
دبرها يلزمه الولد عند مالك ومثله عن أحمد وهو وجه مضعف للشافعية اهـ (٣٣٠:٣).
والعجب ممن لا يرى الاستبراء يمنع من الحمل، ثم يراه ههنا ينفى النسب به، ولا يرى الوطء
فى الدبر نافيا وهو مانع من الحمل فى الغالب ولعلك قد عرفت بذلك قوة ما ذهب إليه أبو حنيفة
فى هذا الباب، وإن غیره قد أتی فی ذلك بالعجب العجاب. ورحم الله ابن حزم حیث نسب إلى
أبى حنيفة ما لم يقل به ولم يذهب إليه. فقال: قال أبو حنيفة: لا يلحق ولد الأمة بسيدها سواء
كانت أم ولد أو لم تكن إلا بأن يدعيه وإلا فهو منتف عنه اهـ (٣٢٢:١٠). فقد عرفت أن ولد أم
الولد يلحق بسيدها، ويثبت نسبه منه بلا دعوة عنده، وولد غير أم الولد يلحق به بإقراره أو بوجود
دليل الإقرار، وهو مضى مدة قبول التهنئة، ولا يلزمه بمجرد الوطء أو الإقرار بالوطء بدليل ما
ذكرنا من الآثار.
والعجب من ابن حزم أنه ذكر فى المحلى أثر ابن عباس وزيد بن ثابت، ومع ذلك لم يستح
ورد على أبى حنيفة قوله، "بأن هذا قول بلا دليل أصلا، لا من قرآن ولا من سنة ولا من رواية
سقيمة، ولا من قول صاحب ولا من قياس ولا من رأى له وجه" اهـ. فلا حول ولا قوة إلا بالله
العلى العظيم:
كضرائر الحسناء قلن لوجهها
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا شأوه
فالناس أعداء له وخصوم
حسدا وبغيا أنه لدميم
وأستغفر الله الذى لا إله إلا هو الحى القيوم، وأصلى وأسلم على سيدنا محمد الذى هو
بخاتم النبوة مختوم، وعلى آله وأصحابه ما دام يقعد أحد ويقوم، أو يصلى ويصوم.
حدیث عتق أمهات الأولاد بموت المولى مشهور:
فائدة: حديث ابن عباس رضى الله عنه بلفظ: " من وطئ أمته فولدت له فهى معتقة عن دبر
منه". قد ذكرناه فى أول باب الاستيلاد، واقتصرنا فى المتن على تحسين العزيزى إسناده، والحديث
ذكره الحافظ فى التلخيص الحبير (٤١٥:٢). وقال: "رواه أحمد وابن ماجه والدار قطنى والحاكم
والبيهقى، وله طرق، وفى إسناده الحسين بن عبد الله الهاشمى وهو ضعيف جدا" اهـ. فلا بد من

٣٢٠
ج - ١١
لا تكون الأمة فراشا لمولاها حتى تلد منه ويدعی ولدها
٣٤٥٧- حدثنا سليمان بن شعيب ثنا عبد الرحمن بن زياد ثنا شعبة ثنا قتادة عن
سعيد بن المسيب، قال: "ولدت جارية لزيد بن ثابت رضى الله عنه، فقال: إنه ليس
منى، وإنى كنت أعزل عنها". رواه الطحاوى (٦٨:٢). والسند الأول رجاله رجال
الصحيح خلا عيسى بن إبراهيم وهو ثقة ثبت، كما فى "التهذيب" (٢٠٥:٨). والسند
( الثانى حسن وذكره ابن حزم فى "المحلى" (٣٢٢:١٠) بالسند الأول ولم يعله بشىء.
الجواب عنه، فنقول: قال فیه یحی بن معين: "ليس به بأس (وهو توثیق منه على ما عرف) یکتب
حديثه". وقال: ابن عدى: "هو ممن يكتب حديثه، فإنی لم أجد فى حديثه حديثا منكرا قد جاوز
المقدار" كذا فى "التهذيب" (٢٤١:٢، ٢٤٢)، ومثله حسن الحديث عندنا وعند أكثر المحدثين،
كما مر غير مرة وأخرج الحاكم فى "المستدرك": وقال: "صحيح الإسناد". وهذا توثيق منه
الحسين ابن عبد الله هذا، والطرق كثيرة فى هذا المعنى ولذا قال الأصحاب: أنه مشهور تلقته الأمة
بالقبول. وإذ قد كثرت الطرق وتعددت واشتهرت فلا يضره وقوع راو ضعيف فيه، مع أن ابن
القطان قال فى كتابه: "قد روى بإسناد جيد". كذا فى "فتح القدير" (٣٢٦:٣).
ويشهد له أيضا ما رواه زيد بن وهب، قال: "مات رجل منا وترك أم ولد له، فأراد الوليد بن
عقبة أن يبيعها فى ديته، فأتينا ابن مسعود فذكرنا ذلك له، فقال: إن كنتم لا بد فاعلين فاجعلوها فى
نصيب ولدها". رواه الطبرانى فى الكبير ورجاله رجال الصحيح. وعن علقمة: قال: "جاء رجل
إلى ابن مسعود فقال: إن جارية لى قد أرضعت ابنالى وأنا أريد أن أبيعها، فمقته ابن مسعود،
وقال: ليته ينادى من أبيعه أم ولدى". رواه الطبرانى فى الكبير ورجاله رجال الصحيح. (مجمع
الزوائد ١٠٨:٤). وفيه: أن الأمة تصير أم الولد لمولاها بارضاع ابنه من غيرها وإن لم تلد منه ولدا،
لم أره صريحا فى المذهب ولكن قواعدنا تساعده. وعن خوات بن جبير قال: "مات رجل وأوصى
إلى فكان فيما أوصى به أم ولده وامرأة حرة، فوقع بين المرأة وأم الولد كلام. فقالت لها المرأة:
يا لكعاء! غدا يؤخذ بيدك فنباعين فى السوق، فذكرت ذلك لرسول الله عَّ له، فقال: لاتباع".
رواه الطبرانى وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات، كذا فى
"المجمع" أيضاً (٢٤٩:٤).
ذکر الو عيد على من انتفى من ولده بلا و جه شرعی:
فائدة: قال محمد فى الموطأ: " وكان أبو حنيفة يقول: إذا حصتها (أى الأمة وحفظها فى