النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
إعلاء السنن
أباه المهاجر بن أبى مسلم يحدث عن أسماء بنت يزيد بن السكن وكانت مولاته، أنها
سمعت رسول الله عَّ ◌ُله يقول: ((لا تقتلوا أولادكم سرا، فو الذى نفسى بيده أن الغيل
ليدرك الفارس على ظهر فرسه حتى يصرعه)). رواه ابن ماجه (١٤٦) وإسناده صحيح،
فإن كلهم من رجال البخارى إلا عمروا وقد وثق.
٣٣٨٦- عن جدامة بنت وهب الأسدية، أنها سمعت رسول الله عَّ له يقول:
((لقد هممت أن أنهى عن الغيلة، حتى ذكرت أن الروم والفارس يصنعون ذلك فلا يضر
أولادهم). رواه مسلم (٤٦٦:١). وقال: "وأما خلف فقال عن جذامة الأسدية. قال
مسلم: والصحيح ما قاله يحيى بالدال غير منقوطة".
باب ما جاء فى تحريم إتيان الزوجة فى الدبر.
٣٣٨٧- عن أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضى الله عنه، أن النبى عرّ له قال:
"لا تأتوا النساء فى أعجازهن أو قال: فى أدبارهن". رواه الإمام أحمد. وقال فى مجمع
أن المرأة إذا جومعت وحملت فسد لبنها، وإذا اغتذى به الطفل بقى سوء أثره فى بدنه، وأفسد
مزاجه، فإذا صار رجلا وركب الفرس فركضها ربما أدركه ضعف الغيل فيسقط من متن فرسه،
وكان ذلك كالقتل. فنهى النبى معَ ◌ّه عن الإرضاع حال الحمل ويحتمل أن يكون النهى للرجال
أى لا تجامعوا فى حال الإرضاع كيلا تحبل نساءكم، فيهلك الإرضاع فى حال الحمل أولادكم.
وهذا نهى تنزيه لا تحريم. قال الطيبى: نفيه لأثر الغيل فى الحديثين السابقين كان إبطالا لاعتقاد
الجاهلية كونه مؤثرا، وإثباته له هنا لأنه سبب فى الجملة مع كون المؤثر الحقيقى هو الله تعالى" اهـ.
قلت: تقرير نفيس، لكن لا حاجة إلى تقييد ضرر الجماع بالحمل، فإن نفس الجماع مضر
للولد حال الرضاع، وكذلك أيضا المنى يضر الحمل، أفاده بعض الأطباء. ولكن راعى صاحب
"المرقاة" المعنى اللغوى للغيلة، وهو قول النهاية. وكذلك إذا حملت وهى مرضع. وقال ذلك
الطبيب أيضا: الجماع يضر الحمل والولد حال الرضاع كثرته دون قلته، قلت: فلك أن تقول: إن
النهى محمول على الكثرة، وعدم الضرر به محمول على القلة.
باب ما جاء فى تحريم إتيان الزوجة فى الدبر
قال المؤلف: دلالة الأحاديث على الباب ظاهرة. وقد تكلم فى "النيل" (١٢٠:٦): على
حديث أبى هريرة الأول، ولكن الكلام غير مضر. فإن الاختلاف فى التصحيح والتوثيق لا يضر

ج - ١١
تحريم إتيان الزوجة فى الدبر
٢٦٢
الزوائد: ورجاله ثقات (نيل الأوطار ١٢٠:٦ و١٢١).
٣٣٨٨- عن على بن طلق، قال: سمعت رسول الله عَّ ◌ُّه يقول: ((لا تأتوا النساء
فى أستاههن فإن الله لا يستحيى من الحق)). رواه أحمد والترمذى، وقال: حديث حسن
(نيل الأوطار ١٢٠:٦).
٣٣٨٩- عن أم سلمة عن النبى عّ لّه فى قوله تعالى: ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا
حرثكم أنى شئتم﴾. "يعنى صماما واحدا". رواه أحمد والترمذى وقال: حديث حسن
(نيل الأوطار ١٢٣:٦).
٣٣٩٠- حدثنا موسى بن إسماعيل نا حماد ح ونا مسدد نا يحيى عن حماد بن
سلمة عن أبي تميمة عن أبى هريرة: أن رسول الله عّ لّه قال: ((من أتى كاهنا قال موسى
فى حديثه: فصدقه بما يقول أو أتى امرأة قال مسدد: امرأته حائضا أو أتى امرأة قال
مسدد: امرأته فى دبرها، فقد برئ مما أنزل على محمد عَّ له)). رواه أبو داود (١٨٩:٢)
وسكت عنه. وعزاه فى "الجامع الصغير" (١٣٥:٢) إلى الإمام أحمد والأربعة، ثم رمز
لتحسينه.
كما علمت مرارا. قلت: وقد بسط القول فى المسئلة الحافظ ابن حجر فى التلخيص الحبير له.
وذكر عن الشافعى إباحته فى القديم، والقول بحرمته فى الجديد، وصحح عن مالك القول بإباحته
وإنكار أصحابه ذلك. وقال القرطبى فى تفسيره وابن عطية قبله: لا ينبغى لأحد أن يأخذ بذلك ولو
ثبتت الرواية فيه، لأنها من الزلات. وذكر الخليلى فى الإرشاد عن ابن وهب أن مالكا رجع عنه.
وفى مختصر ابن الحاجب عن مالك إنكار ذلك وتكذيب من نقله عنه. لكن الذی روی ذلك عن
ابن وهب غير موثوق به والصواب ما حكاه الخليلى. فقد ذكر الطبرى عن يونس بن عبد الأعلى
عن ابن وهب عن مالك أنه أباحه. وقد روينا فى علوم الحديث للحاكم: نا أبو العباس محمد بن
يعقوب نا العباس ابن الوليد البيروتى نا أبو عبد الله بشر بن بكر سمعت الأوزاعى يقول: "يجتنب
أو يترك من قول أهل الحجاز خمس، ومن قول أهل العراق خمس، من أقوال أهل الحجاز استماع
الملاهى، والمتعة، وإتيان النساء فى أدبارهن، والصرف، والجمع بين الصلاتين بغير عذر. ومن أقوال
أهل العراق شرب النبيذ، وتأخير العصر حتى يكون ظل الشىء أربعة أمثاله، ولا جمعة إلا فى سبعة
أمصار، والفرار من الزحف، والأكل بعد الفجر فى رمضان". وروى عبد الرزاق عن معمر: "لو

٢٦٣
إعلاء السنن
٣٣٩١- عن أبى هريرة رضى الله عنه، قال: قال رسول الله عَ ليه: ((ملعون من أتى
امرأة فى دبرها)). رواه أحمد وأبو داود. قال الحافظ فى بلوغ المرام: إن رجال حديث
أبى هريرة هذا ثقات، لكن أعل بالإرسال (نيل الأوطار ١٢٠:٦). ورمز لصحته فى
الجامع الصغير فالحديث صحيح، ولا يبالى بالاختلاف كما عرفت غير مرة.
باب ما ورد فى الاستمناء بكفه
٣٣٩٢- عن أنس رضى الله عنه مرفوعا: ((سبعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة،
ولا يزكيهم ولا يجمعهم مع العالمين، يدخلهم النار أول الداخلين، إلا أن يتوبوا، إلا أن
يتوبوا، إلا أن يتوبوا، فمن تاب تاب الله عليه. الناكح يده، والفاعل(١) والمفعول به،
ومدمن الخمر، والضارب أبويه حتى يستغيثا، والمؤذى جيرانه حتى يلعنوه، والناكح
حليلة جاره)). رواه الحسن بن عرفة فى جزءه والبيهقى فى "شعب الإيمان". (كنز
العمال ١٩٢:٨). رواه جعفر الفريابى من حديث عبد الله بن عمرو وفيه ابن لهيعة وهو
ضعيف (التلخيص الحبير ٣٠٩:٢). قلت: قد ثبت كونه محتجا به كما مر غير مرة.
أن رجلا أخذ بقول أهل المدينة فى استماع الغناء وإتيان النساء فى أدبارهن، ويقول أهل مكة فى
المتعة والصرف، وبقول أهل الكوفة فى المسكر، كان شر عباد الله" اهـ (٣٠٩:٢).
قلت: لم يقل الحنفية من أهل الكوفة بجواز المسكر من النبيذ، وإنما قالوا بجواز ما لم يسكر
منه، کما سیأتی فى أبواب الحدود إن شاء الله تعالى.
باب ما ورد فى الاستمناء بكفه
قال المؤلف: دلالة الأحاديث على الباب ظاهرة من حيث أن المستمنى قد توعد، والوعيد
لا يكون إلا على ترك الواجب.
قال بعض الناس: "وفى "رد المحتار" (١٦٠:٢): استدل (أى الزيلعى شارح الكنز) على
عدم حله بالكف بقوله تعالى: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون﴾ الآية. وقال: فلم يبح الاستمتاع
إلا بهما أى بالزوجة والأمة اهـ. فأفاد عدم حل الاستمتاع أى قضاء الشهوة بغيرهما" اهـ.
قلت: فإن لم يوجد سند الأحاديث محتجا به فلا يضر المستدل، فإن الدعوى ثابتة بالقرآن
(١) أراد به من أتى دبر الرجل أو الغلام والرجل الذى فعل به ذلك.

ج - ١١
الاستمناء بكفه
٢٦٤
٣٣٩٣ - عن بشر (١) بن عطية مرفوعا: ((ألا لعنة الله والملائكة والناس أجمعين على
من انتقص شيئا من حقى، وعلى من أبى عترتى، وعلى من استخف بولايتى، وعلى من
ذبح لغير القبلة، وعلى من انتفى من ولده، وعلى من برئ من مواليه، وعلى من سرق
من منار الأرض وحدودها، وعلى من أحدث فى الإسلام حدثا، أو آوى محدثا، وعلى
ناكح البهيمة، وعلى ناكح يده، وعلى من أتى الذكران من العالمين)) الحديث. رواه
الباوردى وضعف (كنز العمال، ١٩٤:٨).
٣٣٩٤- عن الحارث عن على رضى الله عنه، قال: قال رسول الله عَ له: ((سبعة
لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، يقال لهم ادخلوا النار مع الداخلين، إلا أن
يتوبوا، إلا أن يتوبوا، إلا أن يتوبوا، الفاعل والمفعول به، والناكح يده، والناكح حليلة
جاره. والكذاب الأشر، ومعسر المعسر، والضارب والديه حتى يستغيثا)). رواه ابن جرير
(فى تهذيبه) وقال: لا يعرف عن رسول الله عَّ ◌ُله إلا رواية على. ولا يعرف له مخرج
عن على إلا من هذا الوجه، غير أن معانيه معان قد وردت عن رسول الله عَ له بها أخبار
بألفاظ خلاف هذه الألفاظ (كنز العمال ٢٣٤:٨).
٣٣٩٥- عبد الرزاق عن سفيان الثورى عن عبد الله بن عثمان عن مجاهد، قال:
سئل ابن عمر عن الاستمناء، فقال: "ذلك نائك نفسه".
المجيد، وجعله صاحب "الدر المختار" مكروها تحريما" (١٦٠:٢ مع رد المحتار).
قلت: ولا يخفى أن الاستمتاع بهما يجوز بالتفخيذ والتبطين والماس بجميع البدن فالظاهر
جواز الاستمناء بكف الزوجة والأمة فافهم. نعم! لا يجوز استمناء الرجل بكفه أصلا، لكونه
استمتاعا بغيرهما، اللهم إلا أن يخشى العنت فهو خير من الزنا، ومن عمل قوم لوط، ومن ابتلى
ببليتين فليختر أهونهما، إلا أننا نكرهه لأنه ليس من مكارم الأخلاق، ويضر بصحة الجسم ضررا
بينا لا يكاد يخفى على عاقل، ومن عتاد ذلك يعجز عن النساء بالكلية، ولو داوى نفسه لا يقدر
على المرأة كقدرة الفحول من الرجال، بل كقدرة العنين. فاحفظ منيك أن يصب فإنه ماء الحياة
يصب فى الأرحام.
(١) ذكر فى الصحابة الحافظ ابن حجر فى الإصابة (١: ٣١٢).

٢٦٥
الاستمناء بكفه
إعلاء السنن
٣٣٩٦- وعن: سفيان الثورى عن الأعمش عن أبى رزين عن أبى يحيى عن
عباس: "أن رجلا قال له: إنى أعبث بذكرى حتى أنزل قال: أف نكاح الأمة خير منه.
وهو خير من الزنا". ذكره ابن حزم فى المحلى. وقال: الأسانيد عن ابن عباس وابن عمر
فى كلا القولين مغموزة.
٣٣٩٧- عبد الرزاق نا ابن جريج أخبرنى إبراهيم بن أبى بكر عن رجل عن ابن
عباس: أنه قال: "وما هو إلا أن يعرك أحدكم زبه حتى ينزل الماء".
٣٣٩٨- عن قتادة عن رجل عن ابن عمر، أنه قال: "إنما هو عصب تدلكه". رواه
ابن حزم فى "المحلى" (٣٩٣:١١). وفيهما كما ترى مجهول.
٣٣٩٩- عن قتادة عن العلاء بن زياد عن أبيه: "أنهم كانوا يفعلونه فى المغازى،
یعنی الاستمناء یعبث الرجل بذ کره يدلكه حتی ینزل".
٣٤٠٠- قال قتادة: وقال الحسن فى الرجل یستمنی یعبث بذکره حتى ينزل،
قال: " كانوا يفعلونه فى المغازى".
٣٤٠١ - وعن جابر بن زيد أبى الشعثاء، قال: هو ماؤك فأهرقه يعنى الاستمناء.
٣٤٠٢- وعن مجاهد قال: "كان من مضى يأمرون شبابهم بالاستمناء
يستعفون بذلك".
٣٤٠٣ - قال عبد الرزاق وذكره معمر عن أيوب السختيانى أو غيره عن مجاهد
عن الحسن: "أنه كان لا يرى بأسا بالاستمناء".
قال فى الدر: و کره تحریما أی الاستمناء بالکف، حدیث: ناکح الید ملعون، ولو خاف الزنا
يرجى أن لا وبال عليه اهـ. قال الشامى: الظاهر أنه غير قيد، بل لو تعين الخلاص من الزنا به وجب،
لأنه أخف. وزاد فى معراج الدراية وعن أحمد والشافعى فى القديم الترخص فيه، وفى الجديد
يحرم. ويجوز أن يستمنى بيد زوجته وخادمته (أى أمته) اهـ وسيذكر الشارح فى الحدود عن
الجوهرة: أنه تكره، ولعل المراد كراهة التنزيه، فلا ينافى قول المعراج: يجوز، تأمل اهـ (١٦٠:٢).
قلت: وقد رأيت اختلاف السلف فى كراهته وإباحته فلذا رخصوا فيه لمن خشى على نفسه
الابتلاء بالزنا. والله تعالى أعلم.

٢٦٦
ج - ١١
٣٤٠٤- وعن عمرو بن دينار: "ما أرى بالاستمناء بأسا". ذكره ابن حزم أيضا.
وقال: الكراهة صحيحة عن عطاء، والإباحة المطلقة صحيحة عن الحسن، وعن عمرو
بن دينار، وعن زياد أبى العلاء، وعن مجاهد. ورواه من رواه من هؤلاء عمن أدركوا،
وهؤلاء كبار التابعين لا يكادون يروون إلا عن الصحابة اهـ.
باب حرمة السحاق بین النساء
٣٤٠٥- عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه أن رسول الله عَ لّه قال: ((لا ينظر
الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة، ولا يفضى الرجل إلى الرجل فى
ثوب واحد ولا تفضى المرأة إلى المرأة فى الثوب الواحد. رواه مسلم (المحلى ١١: ٣٩١).
٣٤٠٦- نا أبو الأحوص عن منصور بن المعتمر عن أبى وائل عن شقيق بن سلمة
عن عبد الله بن مسعود، قال: ((نهى رسول الله مِّ ◌ُّه أن تباشر المرأة المرأة فى ثوب
واحد))، الحديث. رواه ابن أبى شيبة (المحلى ١١: ٣٩٢) ورجاله رجال الصحيح.
٣٤٠٧ - عن واثلة، قال: قال رسول الله عَّ ◌ُله: ((السحاق بين النساء زنا بينهن)).
رواه الطبرانى ورواه أبو يعلى ولفظه: ((قال رسول الله عَّ له: سحاق النساء بينهن زنا)).
ورجاله ثقات (مجمع الزوائد ٢٥٦:٦).
باب حرمة السحاق بين النساء
قوله: "عن أبى سعيد" إلى آخر الباب. قال ابن حزم: "اختلف الناس فى السحق، فقالت
طائفة: تجلد كل واحد منهما مائة، ثم اسند من طريق عبد الرزاق: حدثنى ابن جريج أخبرنى ابن
شهاب قال: أدركت علماءنا يقولون فى المرأة تأتى المرأة بالرفعة وأشباهها: تجلدان مائة الفاعلة
والمفعول بها. وبه إلى عبد الرزاق عن معمر عن ابن شهاب بمثل ذلك، ورخصت فيه طائفة، فأسند
من طريق عبد الرزاق: أنا ابن جريج أخبرنى من أصدق عن الحسن البصرى: أنه كان لا يرى بأسا
بالمرأة تدخل شیئا ترید الستر تستغنى به عن الزنا.
(قلت: ليس ذلك من السحاق فى شىء، فإن السحاق إنما يكون بين امرأتين، والذى رخص
فيه الحسن إنما هو ما تفعله المرأة وحدها، فكان كالاستمناء سواء فاندحض ما أورده عليه ابن حزم:
"من أن المرأة إذا أباحت فرجها بغير زوجها فلم تحفظه فقد عصت الله، وصح أن بشرتها محرمة
على غير زوجها الذى أبيحت له بالنص، فإذا أباحت بشرتها لامرأة أو رجل غير زوجها فقد

٢٦٧
السحاق بين النساء
إعلاء السنن
٣٤٠٨ - وعن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله عَ ليه: ((إذا استحلت أمتى ستا
فعليهم الدمار، إذا ظهر فيهم التلاعن، وشربوا الخمور، ولبسوا الحرير، واتخذوا القيان،
واكتفى النساء بالنساء. والرجال بالرجال)). رواه الطبرانى فى "الأوسط"، وفيه عباد بن
كثير الرملى، وثقه ابن معين وغيره، وضعفه جماعة. (مجمع الزوائد ٨: ٣٣٢).
٣٤٠٩ - ورواه الطبرانى من طريق عتى السعدى عن ابن مسعود أيضا بلفظ: "إن
من أعلام الساعة وأشراطها أن يكتفى الرجال بالرجال، والنساء بالنساء". وفيه سيف بن
مسكين وهو ضعيف (مجمع الزوائد ٨: ٣٣٢). قلت: ولا بأس به فى المتابعات.
أباحت الحرام" اهـ (٣٩١:٩). فإن كل ذلك ليس بوارد على ما قاله الحسن، فليس فيه إباحة
البشرة لغير زوجها. وإنما فيه معالجة المرأة الإنزال بنفسها بإدخال شىء فى فرجها بيدها) وقال
آخرون: هو حرام. ولا حد فيه ولا تعزير، قال ابن حزم بعد ذكر ما ذكرناه عنه فى المتن: فهذه
نصوص جلية على تحريم مباشرة الرجل الرجل والمرأة المرأة على السواء: فالمباشرة منها لمن نهى عن
مباشرته عاص لله تعالى مرتكب حرام على السواء. فإذا استعملت بالفروج كانت حراما زائدا
ومعصية مضاعفة. والمرأة إذا أدخلت فرجها شيئا غير ما أبيح لها من فرج زوجها أو ما ترد به
الحيض فلم تحفظه. وإذ لم تحفظه فقد زادت معصية. فإذا قد صح أن المرأة المساحقة للمرأة عاصية
فقد أتت منكرا، فوجب تغيير ذلك باليد كما أمر رسول الله عَ له: ((من رأى منكرا أن يغيره بيده
فعليه التعزير)) اهـ. ملخصا (٣٩٢:١١).
قال ابن حزم: فلو عرضت فرجها شیئا دون أن تدخله حتی ینزل فیکره هذا ولا إثم فیه،
وكذلك الاستمناء للرجال سواء سواء" أهـ.
قلت: كلا بل كلاهما يأثمان إن فعلا ذلك لاستجلاب الشهوة وقضاء الوطر من غير
اضطرار. ونرجوا أن لا وبال عليهما إن خافا على أنفسهما الزنا والعنت، فإن قضاء الوطر لا يجوز
للمرأة إلا بالزوج، وللرجل إلا بالزوجة أو ما ملكت يمينه. فمن ابتغى غير ذلك فأولئك هم
العادون. فقول ابن حزم: "إن التعمد لإنزال المنى ليس بحرام، لأنه ليس مما فصل لنا تحريمه" إلخ.
باطل فإنه من ابتغاء غير ما أحل الله ابتغاءه لقضاء الوطر فافهم.
وأما حرمة المساحقة بين المرأتين فلم نر فيه خلافا. والذى ظنه ابن حزم خلافا فليس بخلاف
كما أشرنا إليه، والله تعالى أعلم. واستدلوا لحرمته بحديث أبى هريرة مرفوعا: ثلاثة لا تقبل لهم

ج - ١١
٢٦٨
أبواب حضانة الولد ومن أحق به
باب أن الأم أحق بالولد بعد الطلاق ما لم تنكح
٣٤١٠- عن عبد الله بن عمرو: "أن امرأة قالت: يا رسول الله عّ لّه! إن ابنى هذا
كان بطنى له وعاء، وثديى له سقاء، وحجرى له حواء، وأن أباه طلقنى وأراد أن ينتزعه
منى. فقال لها رسول الله عَّ له: ((أنت أحق به ما لم تنكحى)). رواه أبو داود (٣١٧:١)
وسكت عنه. وصححه الحاكم (دراية ٢٣٤).
شهادة أن لا إله إلا الله، الراكب والمركوب، والراكبة والمركوبة والإمام الجائر". رواه الطبرانى
وفيه عمر بن راشد المدنى الجارى وهو كذاب (مجمع الزوائد ٢٧٢:٦). وله شواهد قد
ذكرناها فى المتن.
باب أن الأم أحق بالولد بعد الطلاق ما لم تنکح
قال المؤلف: دلالة الأحاديث على الباب ظاهرة. ولا تعارض بين الأثرين بأن قال فى الأول
جدة الغلام وفى الآخر أم عاصم وهى أم الغلام، لأنه يمكن أن تكونا جميعا. فذكر بعضهم أحدهما
وترك الأخرى، وعكس ذلك بعضهم، وفى الآثار دلالة على تقدم الأم ومن يدلى بها على
العصبات فى الحضانة.
فإن قلت: "قول الصديق الأكبر حتى يشب الصبى يدل على أن الأب لا يسع أخذ ابنه من
أمه إلا بعد شبابه إذا اختاره، وقال الحنفية: يسع له الأخذ بعد سبع سنين". قلت: قال الطحاوى:
قوله: "أو يشب الصبى يريد به حالا يخرج بها من الحضانة ويستغنى عنها، فيكون لأبيه دون
أمه". كذا فى مشكل الآثار والمعتصر منه (٢٠٦:١).
فإن قيل: "قول أ بكر: فيختار لنفسه لا يساعد هذا التأويل، فإنكم لا تقولون بتخيير
الصبى إذا بلغ سبعا. فالظاهر أن المراد بالشباب ما يتبادر به حرفا أى بلوغه الحلم". قلنا: لفظة
فيختار لنفسه" لم نره إلا فى هذا السند الذى فيه سعيد بن أبى عروبة، ولم يذكرها يحيى بن
سعيد عن القاسم كما مر، ولا عاصم الأحول عن عكرمة، كما أخرجه الطحاوى فى مشكله:
حدثنا على بن شيبة ثنا يزيد بن هارون ثنا عاصم الأحول عن عكرمة، قال: "خاصم عمر بن
الخطاب امرأته التى طلق إلى أبى بكر فى ولدها فقال أبو بكر: هى أحق به ما لم تتزوج أو يشب
الصبى. وقال: هى أحناً وأعطف وألطف وأرأف وأرحم" اهـ. (١٨١:٤). وسعيد بن أبى عروبة

٢٦٩
الأم أحق بالولد بعد الطلاق ما لم تنكح
إعلاء السنن
٣٤١١- عن يحيى بن سعيد، أنه قال: سمعت القاسم بن محمد يقول: " كانت
عند عمر بن الخطاب امرأة من الأنصار، فولدت له عاصم بن عمر. ثم إنه فارقها. فجاء
عمر بن الخطاب قباء فوجد ابنه عاصما يلعب مع الصبيان بفناء المسجد. فأخذ بعضده
فوضعه بين يديه على الدابة. فأدركته جدة الغلام، فنازعته إياه. حتى أتيا أبا بكر الصديق
فقال عمر: ابنى، وقالت المرأة: ابنى. فقال أبو بكر الصديق: خل بينها وبينه. قال: فما
راجعه عمر الكلام". رواه الإمام مالك فى "الموطأ"، ورجاله رجال الجماعة لكنه
منقطع، فإن القاسم لم يدرك عمر رضى الله عنه.
وإن كان من رجال الجماعة فإنه قد اختلط فى آخره. وسماع محمد بن بشر منه بعد الاختلاط،
فإن سعيدا توفى ١٥٥ سنة. وقيل: مات ١٥٠ سنة. ولا يحتج إلا بما روى عنه القدماء، مثل يزيد
بن زريع وابن المبارك، ويعتبر برواية المتأخرين دون الاحتجاج بها. كذا فى "التهذيب" (٦٥:٤).
ولا شك أن محمد بن بشر من المتأخرين، فإنه توفى ٢٠٣ هـ كما فى التهذيب أيضا (٧٤:٩).
وسياقه يخالف سياق مالك عن يحيى بن سعيد، فلا يصلح للاحتجاج به. وإن سلم، فنقول: إن
قول أبى بكر: حتى يشب الصبى فيختار لنفسه" يدل على أن العصبة لا حق له فى حضانة الصبى
قبل البلوغ أصلا، وهذا خلاف الإجماع، فإن الذين قالوا بالتخيير قيدوه بسبع سنين ونحوها كما
بسط ابن القيم فى الهدى (٢٣٠:٢). وهو أيضا خلاف قوله مَّ ليه: ((مروا أولادكم بالصلاة إذا
بلغوا سبعا، واضربوهم عليها إذا بلغوا عشرا، وفرقوا بينهم فى المضاجع.)) وهو حديث صحيح
كما مر فى الجزء الثانى من الكتاب. وفيه أمر للأولياء بتعليم الصبى وتمرينه للصلاة ونحوها من
أحكام الدين. وليس ذلك إلا إلى العصبات من الرجال دون النساء كما لا يخفى. إلا إذا لم يكن له
ولى من العصبات فعلى الأم ونحوها أن تعلم الأولاد وتؤد بهم بقدر وسعها.
وأيضا: فإن حجر الأم وريحها لا يكون خيرا للصبى إذا بلغ سبعا أو عشرا، بل المشاهد
بالتجربة أن حجرها وريحها خير له قبل ذلك. وأما بعده فحضانة الأب ونحوه خير له، کی لا
يكون من أحلاس البيت متخلقا بأخلاق النساء. نعم حجر الأم وريحها خير للبنات حتى يبلغن
النكاح. وأما الأبناء فليس حجرها خيرا لهم بعد سبع سنين، فلا يصح حمل قوله: "حتی یشب
على المتبادر، بل لا بد من تأويله إلى ما قاله الطحاوى.
وأما التخيير: فقد أبطله حديث حضانة ابنة حمزة، حيث لم يخيرها النبى مٍّ ودفعها إلى
جعفر، لكون خالتها عنده، كما سيأتى. وأبطله أيضا قوله عّ لّه: ((أنت أحق به ما لم تنكحى))

ج - ١١
الأم أحق بالولد بعد الطلاق ما لم تنكح
٢٧٠
٣٤١٢- حدثنا محمد بن بشر ثنا سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن سعيد بن
المسيب: "أن عمر بن الخطاب طلق أم عاصم، ثم أتى عليها وفى حجرها عاصم، فأراد
أن يأخذه منها، فتجاذباه بينهما حتى بكى الغلام، فانطلقا إلى أبى بكر، فقال له أبو
بكر: يا عمر! مسحها وحجرها وريحها خير له منك حتى يشب الصبى، فيختار
لنفسه". رواه ابن أبى شيبة فى "مصنفه" (الزيلعى ٢: ٥٢). ورجاله رجال الجماعة.
ولو خير الطفل لم تكن هى أحق به إلا إذا اختارها.
وأما ما فى الزيلعى (٥٤:٢): "روى ابن أبى شيبة فى مسنده: حدثنا وكيع عن على بن
المبارك عن يحيى بن أبى كثير عن أبى ميمونة عن أبى هريرة، قال: جاءت امرأة إلى رسول الله عدّ له
وقد طلقها زوجها، فأراد أن يأخذ ابنها. فقال عليه السلام: ((اسهما فيه، فقال عليه السلام للغلام:
تخير أيهما شئت)) قال: فاختار أمه فذهبت به" اهـ. وفى الدراية (٢٣٥): "وصححه ابن القطان"
اهـ. وفى سنن أبى داود (٣١٢:١) مع سكوته عليه عن رافع بن سنان: "أنه أسلم وأبت امرأته أن
تسلم، فأتت النبى معَّه. فقالت: ابنتى وهى فطيم أو شبهه. وقال رافع: ابنتى. فقال له النبى عد له:
(اقعد ناحية، وقال لها: اقعدى ناحية، وأقعد الصبية بينهما، ثم قال: ادعوها! فمالت الصبية إلى
أمها، فقال النبى معَّه: اللهم اهدها. فمالت إلى أبيها فأخذها)) اهـ. ورواه الحاكم فى المستدرك
وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه (٥٤:٢). وقد تكلم فى الحديث بكلام غير مضر وقد فصله
الزيلعى (٥٤:٢، ٥٥). وفى الزيلعى (٥٤:٢): "روى عبد الرزاق فى "مصنفه": أخبرنا ابن جريج
أنه سمع عبد الله بن عبيد بن عمير يقول: اختصم أب وأم فى ابن لهما إلى عمر بن الخطاب فخيره
فاختار أمه فانطلقت به". قلت: رجاله رجال مسلم.
فالجواب عن الأول: أنه يحمل للتطبيق بين الحديثين على أنهما رضيا على الإسهام. وقد
رغبهما فيه ◌ّ له لارتفاع التنازع على الطريق الأحسن. فهذا وجه الإسهام بينهما، لا أن الإسهام
كان حجة شرعية فافهم. وعن الثانى: ما فى "الهداية" (٤١٦:٢): فقلنا: قد قال اليه السلام: اللهم
اهده. فوفق لاختياره الأنظر بدعائه عليه السلام" اهـ. وفى "الجوهر النقى" (١٤٦:٢): "وذكر
الطحاوى هذا الحديث من وجه آخر، وفيه: أنه عليه السلام قال لهما: هل لكما أن تخيرا؟ فقالا:
نعم! ففيه أن التخيير كان باختيارهما" اهـ. قال بعض الناس: إن صح فهو متعين.
قلت: قد صح بلا ريب، فإن الطحاوى أخرجه من وجوه عديدة فى مشكل الآثار، ثم قال:

٢٧١
إعلاء السنن
باب أن الخالة بمنزلة الأم ولا يسقط حق الحضانة
لمن ثبت لها بعد نكاحها بذى رحم محرم من الولد
٣٤١٣- عن البراء بن عازب: "أن ابنة حمزة اختصم فيها على رضى الله عنه
وجعفر وزيد، فقال على رضى الله عنه: أنا أحق بها هى ابنة عمى. وقال جعفر: بنت
عمى وخالتها تحتى. وقال زيد: أبنة أخى فقضى بها رسول الله عَّ له لخالتها. وقال:
الخالة بمنزلة الأم". متفق عليه. (نيل الأوطار ٦: ٢٦٨).
ففى هذا الحديث أيضا أن تخيير النبى معَّ لذلك الصبى إنما كان بعد اختيار أبويه أن يخير بينهما،
فوجب بتصحيح ما روينا فى هذا الباب أن لا يخرج عن شىء مما رويناه عن رسول الله معرّ له فيه
ولا يترك إلخ (٤: ١٨٠). وفيه ما يدل على صحة ما رواه من الزيادة وعن الثالث: أنه محمول على
ما حمل عليه الأول.
باب أن الخالة بمنزلة الأم ولا يسقط حق الحضانة
لمن ثبت لها بعد نکاحها بذی رحم محرم من الولد
قوله: "عن البراء" إلخ. قال بعض الناس: "دلالة الحديث على الباب ظاهرة.
قلت: وكيف يكون دلالته عليه ظاهرة؟ وكانت الخالة متزوجة بجعفر ولم يكن ذا رحم
محرم لابنة حمزة، بل كان ابن عمها ممن يجوز له التزوج بها بعد موت خالتها أو المفارقة عنها.
ومثل ذلك ليس بذى رحم محرم للمرأة فافهم. وفقه الحديث أن حضانة ابنة حمزة رجعت إلى
عصباتها، لكون الخالة متزوجة بغير ذى رحم محرم منها. وكان جعفر من العصبات أيضا. فقضى
النبى معَّمه بحضانتها له من بين العصبات لكون خالتها عنده. ثم رجعت حضانتها إلى الخالة، لأن
الخالة إنما تمنع من الحضانة لزوجها لو كان زوجها ليس من أهل الحضانة. وأما إذا كان من أهل
الحضانة عادت بذلك إلى حكمها لو كان زوجها ذا رحم محرم منها ولم يمنعها منها إن كانت
ذات زوج، لأنها إن لم تعد الحضانة إليها عادت إلى زوجها أو إلى من هو مثله من عصباتها. وإذا
عادت إلى زوجها لم یکن مانعا لها من حضانتها بل تعود حضانتها إليها، لأنها تحاجه تقول له إذا
کنت إنما أُمنع بك کنت أنا بمنعی إیاك من حضانة ابنة اختی أولی وباستحقاق ذلك علیك أحرى.
قاله الطحاوى فى مشكله (١٧٦:٤). ولله دره من فقيه فالحديث فيه دلالة على عدم سقوط حق
الحضانة لمن كانت متزوجة بمن هو من أهل الحضانة وإن کان غیر ذی رحم محرم للولد.

٢٧٢
ج - ١١ لا يسقط حق الحضانة لمن ثبت لها بعد نكاحها بذى رحم محرم من الولد
٣٤١٤ - حدثنا ابن جريج حدثنا أبو الزبير عن رجل صالح من أهل المدينة عن
أبى سلمة بن عبد الرحمن، قال: "كانت امرأة من الأنصار تحت رجل من الأنصار،
فقتل عنها يوم أحد وله منها ولد، فخطبها عم ولدها ورجل آخر إلى أبيها. فأنكح
الآخر، فجاءت إلى النبى معَّهِ، فقالت: أنكحنى أبى رجلا لا أريده وترك عم ولدى،
فأخذ منى ولدى. فدعا رسول عّ لّه أباها. فقال: أنت الذى لا نكاح لك اذهبى فانكحى
عم ولدك". أخرجه عبد الرزاق فى مصنفه. وهذا سند حسن صالح للاحتجاج به كما
فصله ابن القيم فى ٠ "زاد المعاد" (٢: ٣٢٦).
قوله: "حدثنا ابن جريج" إلخ. قال ابن القيم: "واعترض أبو محمد بن حزم على الاستدلال
بهذا الحديث، بأن حديث أبى سلمة هذا مرسل، وفيه مجهول. ورد بأن أبا سلمة من كبار التابعين.
وفد حكى القصة عن الأنصارية، ولا ينكر لقاءه لها فلا يتحقق الإرسال (وجهالة الصحابى لا تضر
إجماعا) ولو تحقق فمرسل جيد له شواهد مرفوعة موقوفة، وعنى بالمجهول الرجل الصالح الذى
شهد له أبو الزبير بالصلاح، والمجهول إذا عدله الراوى عنه الثقة تثبت عدالته وإن كان واحدا على
أصح القولين. هذا مع أن أحد القولين أن مجرد رواية العدل عن غيره تعديل له وإن لم يصرح
بالتعديل، كما هو أحد الروايتين عن أحمد رحمه الله. وأما إذا روى عنه وصرح بتعديله خرج عن
الجهالة التى ترد لأجلها روايته، وأبو الزبير وإن كان فيه تدليس فليس معروفا بالتدليس عن المتهمين
والضعفاء، بل تدليسه من جنس تدليس السلف لم يكونوا يدلسون عن متهم ولا مجروح. وإنما
كثر هذا النوع من التدليس فى المتأخرين" اهـ (٣٢٧:٢). وفى الحديث دلالة على سقوط حضانة
الأم بتزوجها بغير ذى رحم محرم للولد ورجوعها إلى العصبات فإنه عّ لّه لم ينكر على العم أخذ
الولد منها لما تزوجت بل أنكحها إياه لتبقى لها الحضانة ففيه دليل على سقوط الحضانة بالنكاح
وبقائها إذا تزوجت بذى رحم محرم أو بمن هو من أهل الحضانة فافهم.
الفائدة: روى وكيع فى مصنفه عن الحسن ابن عقبة عن سعيد بن الحارث، قال: "اختصم
عم وخال إلى شريح فقضى به للعم. فقال الخال: أنا أنفق عليه من مالى، فدفعه شريح إلى الخال".
كذا فى زاد المعاد (٣٢٠:٢). وفيه أن العم مقدم على الخال، وهو مذهبنا كما فى الدر المختار
وغيره. وفيه أيضا: أن الحاضن البعيد إذا تبرع بالحضانة مجانا قدم على الحاضن القريب كما فى
الدر، أو أبت الأم أن تربيه مجانا والأب معسر، والعمة تقبل تربيته مجانا. قيل للأم إما أن تمسكيه

٢٧٣
إعلاء السنن
أبواب النفقة
باب تقديم نفقة الزوجة على نفقة غيرها
٣٤١٥- عن أبى هريرة رضى الله عنه، قال: قال رسول الله عَّ له: ((دينار أنفقته
فى رقبة ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجرا الذى
أنفقته على أهلك)). رواه مسلم (١: ٣٢٢).
٣٤١٦- عن جابر رضى الله عنه فى حديث مرفوع طويل: ((ابدأ بنفسك فتصدق
عليها، فإن فضل شىء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شىء فلذى قرابتك، فإن فضل عن
ذى قرابتك شىء فهكذا وهكذا. يقول: فبين يديك وعن يمينك وعن شمالك)). رواه
مسلم (السابق).
مجانا أو تدفعيه للعمة. وفى المنية: تزوجت أم صغير توفى أبوه، وأرادت تربيته بلا نفقة مقدرة،
وأراد وصيه تربيته بها دفع إليها لا إليه إبقاء لما له. اهـ (٢: ١٠٤٥). والله تعالى أعلم.
باب تقديم نفقة الزوجة على نفقة غيرها
قوله: قال المؤلف: دلالة حديثى الباب عليه ظاهرة. قال الموفق فى المغنى: نفقة الزوجة
واجبة بالكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى: "لينفق ذو سعة من سعته". وقال الله تعالى: ﴿قد علمنا ما فرضنا
عليهم فى أزواجهم﴾ الآية. وأما السنة فما روى جابر: أن رسول الله عّ لّه خطب الناس فقال:
اتقوا الله فى النساء، فإنهن عوان عندكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله،
ولهن علیکم رزقهن و کسوتهن بالمعروف. رواه مسلم وأبو داود. ورواه الترمذى عن عمرو بن
الأحوص. قال: ألا أن لكم على نساءكم حقا ولنساءكم عليكم حقا. فأما حقكم على نساء كم فلا
يؤطين فرشكم من تكرهون، ولا يأذن فى بيوتكم لمن تكرهون. ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا
إليهن فى كسوتهن وطعامهن. وقال هذا حديث حسن صحيح. وجاءت هند إلى رسول الله عَ ليه،
فقالت: يا رسول الله! إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطنى من النفقة ما يكفنى وولدى. فقال:
((خذى ما يكفيك وولدك بالمعروف)). متفق عليه: (ولم يكن ذلك قضاء على الغائب بل كان
بطريق الإفتاء). وفيه دلالة على وجوب النفقة لها على زوجها، وأن ذلك مقدر بكفايتها (إذا كان
الزوج موسرا). وأن نفقة ولده عليه لا عليها مقدر بكفايتهم، وأن ذلك بالمعروف، وأن لها أن تأخذ

٢٧٤
ج - ١١
باب تعتبر حال الزوج فى النفقة
٣٤١٧- عن معاوية القشيرى قال: ((أتيت رسول الله عَّ له. قال فقلت: ما تقول
فى نساءنا؟ قال: أطعموهن مما تأكلون، واكسوهن مما تكتسون، ولا تضربوهن ولا
تقبحوهن)). رواه أبو داود والنسائى وابن ماجه والحاكم وابن حبان وصححاه، وعلق
البخارى طرفا منه، وصححه الدارقطنى فى "العلل" (نيل الأوطار ٢٦١:٦).
ذلك بنفسها من غير علمه إذا لم يعطها إياه. وأما الإجماع فاتفق أهل العلم على وجوب نفقات
الزوجات على أزواجهن إذا كانوا بالغين إلا الناشز منهن. ذكره ابن المنذر وغيره. وفيه ضرب من
العبرة (والقياس) وهو أن المرأة محبوسة على الزوج يمنعها من التصرف والاكتساب، فلا بد من أن
ينفق عليها كالعبد مع سيده" اهـ (٢٣٠:٩).
باب تعتبر حال الزوج فى النفقة
قوله: "عن معاوية" إلخ. قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة. ويدل عليه قوله تعالى:
﴿لينفق ذو سعة من سعته ومن قُدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها﴾.
وفى الدر المختار: "بقدر حالهما وبه يفتى". وفى "رد المحتار" (١٠٦٢:٢): " كذا فى الهداية، وهو
قول الخصاف، وفى الولوجية: وهو الصحيح وعليه الفتوى، وظاهر الرواية اعتبار حاله فقط، وبه
قال جمع كثير من المشايخ ونص عليه محمد. وفى التحفة والبدائع أنه الصحيح بحر، لكن المتون
والشروح على الأول" اهـ. قلت: العجب منهم كيف عدلوا عن ظاهر الرواية وأصل المذهب مع
أن دليله قوى كما ترى، واستدل صاحب الهداية لقول الخصاف بما نصه (٤١٧:٢): "وجه الأول
قوله عليه السلام لهند امرأة أبى سفيان: "خذى من مال زوجك ما يكفيك وولدك بالمعروف".
اعتبر حالها وهو الفقه، فإن النفقة تجب بطريق الكفاية، والفقيرة لا تفتقر إلى كفاية الموسرات، فلا
معنى للزيادة. وأما النص: فنقول بموجبه أنه يخاطب بقدر وسعه والباقى دين فى ذمته" اهـ.
قلت: حديث هند رواه الجماعة إلا الترمذى بلفظ: عن عائشة أن هندا قالت: يا رسول الله
إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطينى ما يكفينى وولدى إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم، فقال:
((خذى ما يكفيك وولدك بالمعروف)). كذا فى النيل (٢٦٢:٦).
قال بعض الناس: وهذا الحديث لا يعارض الآية ليحتاج إلى التأويل المتكلف فيه، فإن معنى
الحديث أنه يجوز لك الأخذ من ماله بما عرف لك من الحق الشرعى، وهو قدر وسعة الزوج، فافهم

٢٧٥
الزوج إذا أعسر هل يثبت للمرأة حق فسخ النكاح أم لا؟
إعلاء السنن
حق الفهم ولكل وجهة.
قلت: ما أبعد هذا المعنى من سياق الحديث وفقهه، بل الظاهر أن معناه خذى ما يكفيك
وولدك فى العادة المعروفة من غير إسراف ولا تقتير، ولا يخفى أن الكفاية بالمعروف تخالف
باختلاف أحوال المتفق، وعلى هذا فاستدلال الخصاف به تام، وتحمل الآية على ما مر من التأويل،
ولا تعسف فيه، فإن الآية إنما نفت التكليف بما فوق الوسع، ونفى التكليف لا يوجب نفى الوجوب
مطلقا، فإن الوجوب نوعان، نفس الوجوب ووجوب الأداء، والمنتفى بنفى التكليف إنما هو الثانى
دون الأول، أى لا يتيقن بانتفاء الأول وإن كان يحتمله، ومع الاحتمال لا يصح الاستدلال.
فائدة: ههنا مسئلة مختلف فيها، وهى أن الزوج إذا أعسر هل يثبت للمرأة حق فسخ
النكاح أم لا؟ فعندنا لا يثبت وعند آخرين يثبت. وفى "نيل الأوطار" (٢٦٤:٦): "إن الزوج إذا
أعسر عن نفقة امرأته واختارت فراقه فرق بينهما. وإليه ذهب جمهور العلماء كما حكاه فى فتح
البارى، وحكاه صاحب البحر عن الإمام على وعمر وأبى هريرة والحسن البصرى وسعيد بن
المسيب وحماد وربيعة ومالك وأحمد بن حنبل والشافعى والإمام يحيى، وحكى صاحب "الفتح"
عن الكوفيين أنه يلزم المرأة الصبر، وتتعلق النفقة بذمة الزوج، وحكاه فى البحر عن عطاء والزهرى
والثورى والقاسمية وأبى حنيفة وأصحابه وأحد قولى الشافعى" اهـ.
قلت: قد ورد حديثان مرفوعان يدلان بالتبادر على ما ذهب إليه الخصوم، ففى نيل الأوطار:
"عن أبى هريرة عن النبى معَّه، قال: ((خير الصدقة ما كان منها عن ظهر غنى، واليد العليا خير من
اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، فقيل: من أعول؟ يا رسول الله! قال: امرأتك ممن تعول، تقول:
أطعمنى وإلا فارقنى، جاريتك تقول: أطعمنى واستعملنى، ولدك يقول: إلى من تتركنى)). رواه
أحمد والدارقطنى بإسناد صحيح. وأخرجه الشيخان فى الصحيحين وأحمد من طريق آخر،
وجعلوا الزيادة المفسرة فيه من قول أبى هريرة رضى الله عنه، وعن أبى هريرة رضى الله عنه: ((أن
النبى مَّه قال فى الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته، قال: يفرق بينهما)). رواه الدار قطنى" اهـ.
فالجواب عن الأول: بأن الزيادة موقوفة، ففى البخارى فى هذا الحديث: قالوا: يا أبا هريرة
رضى الله عنه! سخَبعت هذا من رسول الله عَّه؟ قال: لا! هذا من كيس أبى هريرة كما فى
"النيل" (٢٦٣:٦) على أن الموقوف أيضا ليس فيه إلا مطالبتها بالفراق، والمطالبة لا تستلزم أن
ينفسخ بها النكاح، بل أريد بهذا بيان ما يقع عرفا فافهم. وأيضا فالسياق يدل على أنه فيمن يقدر

ج - ١١
الزوج إذا أعسر هل يثبت للمرأة حق فسخ النكاح أم لا؟
٢٧٦
على الإنفاق ولا ينفق، ولا خلاف أن الفرقة ههنا غير مستحقة، والعجب من الجمهور أنهم كيف
استدلوا بهذا الحديث ولا حجة لهم فيه والجواب عن الثانى: أنه أعله أبو حاتم كما فى "النيل"
(٢٦٣:٦) وذكر فى "التلخيص الحبير" (٣٣٣:٢) علة الحديث مفصلة ناقلا عن ابن القطان فلا
يصح الاستدلال به أصلا.
قال الحافظ: "للرواية الأولى (وهى ما حكوها عن أبى هريرة: ((أنه معَ ◌ّه قال فى الرجل
لا يجد ما ينفق على امرأته: يفرق بينهما)) علة بينها ابن القطان وابن المواق. وذلك أن الدار قطنى
أخرج من طريق شيبان عن حماد عن عاصم عن أبى صالح عن أبى هريرة عن النبى مرّ ◌ِلّه، قال:
((المرأة تقول لزوجها أطعمنى أو طلقنى)) الحديث. وعن حماد عن يحيى بن سعيد عن ابن المسيب
أنه قال فى الرجل يعجز عن نفقة امرأته، قال: إن عجز فرق بينهما. ثم أخرج من طريق إسحاق بن
منصور عن حماد عن يحيى عن سعيد بذلك، وبه إلى حماد عن عاصم عن أبى صالح عن أبى
هريرة مثله. قال ابن القطان: ظن الدارقطنى كما نقله من كتاب حماد بن سلمة أن قوله "مثله"
يعود على لفظ سعيد بن المسيب، وليس كذلك. وإنما يعود على حديث أبى هريرة. وتعقبه ابن
المواق بأن الدارقطنى لم يهم فى شىء، وغايته أنه أعاد الضمير إلى غير الأقرب، لأن فى السياق ما
يدل على صرفه للأبعد انتهى. وقد وقع البيهقى ثم ابن الجوزى فيما خشيه ابن القطان، فنسبا لفظ
ابن المسيب إلى أبى هريرة مرفوعا، وهو خطأ بين، فإن البيهقى أخرج أثر ابن المسيب، ثم ساق
رواية أبى هريرة. فقال: مثله، وبالغ فى الخلافيات. فقال: روى عن أبى هريرة مرفوعاً فى الرجل
لا يجد ما ينفق على امرأته. يفرق بينهما. كذا قال واعتمد على ما فهمه من سياق الدار قطنى. والله
المستعان" اهـ. (٣٣٣:٢). وقال ابن التر كمانى فى الجوهر النقى: "وليس الأمر كما فهمه
البيهقى، ولا يعرف هذا مرفوعا فى شىء من كتب الحديث، بل قوله: "مثله" راجع إلى الحديث
الأول. (قال: المرأة لزوجها إلخ) كما ذكرنا" اهـ. (١٤١:٢)، وفى الجوهر النقى (١٣٩:٢) أيضا.
باب الرجل لا يجد نفقة امرأته
وذكر (البيهقى - المؤلف) فيه أن عمر كتب إلى أمراء الأجناد فى رجال غابوا عن نسائهم،
فأمرهم أن تأخذوهم فإن ينفقوا أو يطلقوا.
قلت: ذكر ابن حزم أنه لا حجة لهم فيه، لأنه لم يخاطب بذلك إلا أغنياء قادرين على
النفقة، وليس فيه ذكر حكم المعسر بل قد صح عن عمر إسقاط طلب المرأة للنفقة إذا أعسر بها
الزوج. ثم ذكر البيهقى عن أبى الزناد: سألت ابن المسيب عن الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته،

٢٧٧
الزوج إذا أعسر هل يثبت للمرأة حق فسخ النكاح أم لا؟
إعلاء السنن
سے
قال: يفرق بينهما. قال: قلت: سنة؟ فقال سعيد: سنة! قلت: ذكره ابن حزم ثم قال: روينا من
طريق عبد الرزاق عن الثورى عن يحيى الأنصارى عن ابن المسيب قال: إذا لم يجد الرجل ما ينفق
على امرأته أجبر على طلاقها، ثم قال: لم نجد لأهل هذه المقالة حجة أصلا إلا تعلقهم بقول ابن
المسيب "أنه سنة". وقد صح عنه قولان، أحدهما يجبر على مفارقتها وإلا يفرق بينهما، وهما
مختلفان ولم يقل: إنه سنة رسول الله عّ لّه، ولو قال ذلك كان مرسلا، ولعله أراد سنة عمر، كما
روينا من فعله، ثم قال: روينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج: سألت عطاء عمن لم يجد منا
يصلح امرأته من النفقة، قال: ليس لها إلا ما وجدت ليس لها أن يطلقها. ومن طريق حماد بن
سلمة عن غير واحد عن الحسن، فى الرجل يعجز عن نفقة امرأته. قال: تواسيه وتتقى الله عز وجل
وتصبر، وينفق عليها ما استطاع. ومن طريق عبد الرزاق عن معمر: سألت الزهرى عن رجل لا
يجد ما ينفق على امرأته، أيفرق بينهما؟ قال: تستأنى به ولا يفرق بينهما، وتلا: ﴿لا يكلف الله
نفسا إلا وسعها، سيجعل الله بعد عسر يسرا﴾ قال معمر: وبلغنى عن عمر ابن عبد العزيز مثل قول
الزهرى سواء، ومن طريق عبد الرزاق عن الثورى فى المرأة يعسر زوجها لنفقتها: قال: هى امرأة
ابتلیت فلتصبر، ولا تأخذ بقول من یفرق بينهما اهـ.
وفى كتاب الحجج لمحمد بن الحسن الإمام (٣٤٣): "وبلغنا عن النبى عّ لّه((أن رجلا أتاه
يشكو إليه الحاجة، فقال: اذهب فتزوج)) أفترون أن رسول الله عّ لّه كان يأمر رجلا أن يفرق امرأة
من نفسه؟ وهل كان الصالحون من أهل الفقر إذا أراد أحدهم أن يتزوج بخبر أنه فقير لا يجد شيئا
أم كان يتزوج ولا يخبر بذلك، ما سمعنا أحدا مما مضى قال هذا عند النكاح، فإن كانوا لا يقولون
هذا عند النكاح فقد غروا امرأة من أنفسهم فى قول أهل المدينة، ولا ينبغى لمسلم أن يغر من نفسه
المسلم أعظم حرمة من أن يفرق بينه وبين امرأته لفقر أو بلاء يصيبه" اهـ.
قلت: وبلاغات محمد عندنا حجة كما ذكرناه فى المقدمة. وقد رواه الثعلبى من رواية
الدراوردى عن ابن عجلان: أن رجلا أتى النبى معَّهِ فشكى إليه الحاجة والفقر، فقال: ((عليك
بالباه)). (وهو النكاح. والدراوردى وابن عجلان ثقتان، فالظاهر أنه مرسل صحيح). ولعبد الرزاق
عن معمر عن قتادة أن عمر قال: "عجبت لرجل لا يطلب الغناء بالباه، والله تعالى يقول فى كتابه:
﴿إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله﴾. وعن هشام بن حسبان عن الحسن عن عمر نحوه. (وفيه
انقطاع ولكنه لا يضرنا).

٢٧٨
الزوج إذا أعسر هل يثبت للمرأة حق فسخ النكاح أم لا؟
ج - ١١
وأخرج الثعلبى فى تفسيره والديلمى من حديث مسلم بن خالد عن سعيد بن أبى صالح عن
ابن عباس رفعه: ((التمسوا الرزق بالنكاح)). ومسلم فيه لين وشيخه، ولكن له شاهد أخرجه البزار
والدارقطنى فى العلل والحاكم، كلهم من رواية أبى السائب سلم بن جنادة عن أبى أسامة عن هشام
عن أبيه عن عائشة مرفوعا: ((تزوجوا النساء فإنهن يأتين بالمال)). قال الحاكم: تفرد به سلم وهو ثقة
اهـ. من المقاصد الحسنة للسخاوى (٤٠) ثم طالعت المستدرك للحاكم فوجدته قد قال: " هذا
حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه لتفرد سلم بن جنادة بسنده، وسالم ثقة مأمون"
اهـ. وأقره عليه الذهبى فى "تلخيصه" (١٦١:٢). وفى "مجمع الزوائد": "رواه البزار ورجاله
رجال الصحيح خلا سلم بن جنادة وهو ثقة". (٤: ٢٥٥).
هذا وقد روى مسلم عن جابر أن أبا بكر قال: ((يا رسول الله! لو رأيت ابنة خارجة سألتنى
النفقة، فقمت إليها فوجأت عنقها النفقة، فضحك رسول الله عرّ له وقال: هن حولى كما ترى
سألتنى النفقة، فقام أبو بكر إلى عائشة يجأ عنقها، وقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها، كلاهما يقول:
تسألن رسول الله عَّله ما ليس عنده)). ومن المحال المتيقن أن يضربا طالبة حق. قاله ابن حزم كما فى
"الجوهر النقى" (١٤٠:٢). أى فثبت أن الزوجة لا تستحق على زوجها المعسر طلب ما ليس
عنده، ولا تستحق المطالبة بالفراق، وإلا لم يجز ضربها على سؤال أحد الأمرين. والله تعالى أعلم.
وقال محمد فى الحجج له: "وكيف وقعت الفرقة إذا لم يجد النفقة ولم يوقتوا له فى أن
لا يجد النفقة؟ أرأيتم إن كان موسرا إلا أن ماله عنه غائب، فلم يقدر على نفقتها شهرا ولم يجد
من يدينه، أ تفرقون بينه وبينها؟ أرأيتم إن كان له رزق أو عطاء فى الديوان وأبطئ ذلك عنه، وفيه
وفاء بنفقتها ونفقته، أيفرق بينهما لذلك؟ فقد رأينا أصحاب اليسار والأموال الكثيرة يعوزون فى
بعض الحالات حتى لا يقدرون على النفقة، أرأيتم إن كان رجلا من أهل العراق موسرا معروفا
بذلك فحج فسرقت نفقته بالمدينة، فلم يقدر على ما ينفق عليها، ولم يعرف أحدا يقرضه فيقترض،
أ يفرق بينه وبين امرأته؟ لئن كان هذا ما يستقيم لرجل تكرهه امرأته أن يحجج بها ولا يسافر،
وكيف قلتم: إن بالعسر يفرق بينه وبين امرأته؟ وما كان أصحاب محمد عَّه عامة إلا القليل منهم
إلا أهل العسرة، ما يجدون ما يأكلون ولا يطعمون أهاليهم، وما كان الصالحون إلا أهل الحاجة
والفقر. ولقد بلغنا عن النبى ◌ّه، قال: ((لفقر زين على المسلم من الغدار الحسن على الفرس
الكريم))، ولا أرى الخير إلا قد ذهب به أهل اليسار، فلا يفرق بينهم وبين نسائهم. وأما أهل العسرة

٢٧٩
إعلاء السنن
باب أن المطلقة المبتوتة لها السكنى والنفقة
٣٤١٨- نا عثمان بن أحمد الدقاق نا عبد الملك بن محمد أبو قلابة نا أبى
نا حرب بن أبى العالية عن أبى الزبير عن جابر عن النبى معَّ له، قال: ((المطلقة ثلاثا لها
السكنى والنفقة)). رواه الدار قطنى فى سننه (٤٣٣:٢). قلت: كلهم ثقات على اختلاف
فى بعضهم، وسيأتى بيانه فى الحاشية، وكلهم رجال مسلم إلا الأول والثانى.
فيفرق بينهم وبين نسائهم، وليس لهم ما يشترون به الأماء ينتفعون بهن، فيبقون لا ذوى الأزواج
ولا ذوى الأماء، ومثل هذا يخاف منه الفتنة العظيمة مع الذى روى عنه عَّ له: ((أن امرأة أتته،
فقالت: يا رسول الله! زوجنى رجلا. فقام إليه رجل فسأله أن يزوجها فقال له النبى عليه:
" أصدقها بشىء، فقال: ما عندى ما أصدقها، فبلغنا أنه زوجها إياه على أن يعلمها سورة من القرآن)).
(متفق عليه كما مر فى باب الصداق). فهذا قد استبان أنه لا يقدر على شىء ينفقه عليها وقد
زوجه على علم بذلك، فإن كان هذا مما ينبغى أن يفرق به بين الرجل وامرأته، أن هذا مما
لا ينبغى أن يفعل بالمرأة، فقد كان ينبغى فى قولكم أن تبطلوها فلا تزوجوها من كان هكذا حتى
يستأمرها" اهـ (٣٤٢).
قلت: لله دره من فقيه كان والله من بحور العلم. قال محمد: "أخبرنا هشيم بن بشر قال:
أخبرنى من أثق به عن الشعبى، أنه كان يقول فى الرجل إذا عجز عن نفقة امرأته: فإن وجد فلينفق،
فإن لم يجد فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها. محمد قال: أخبرنا ابن المبارك عن معمر بن راشد،
قال: كتب عمر بن عبد العزيز فى الرجل يعجز عن نفقة المرأة، قال: لا يفرق بينهما. وقال: كتب
أيضا لا يكلف الله نفسا إلا وسعها" اهـ (٣٤٣). وسنده صحيح.
باب أن المطلقة المبتوتة لها السكنى والنفقة
قوله: "نا عثمان" إلخ. قلت: أما رجاله فعثمان هذا قد وثقه الدار قطنى كما فى "ميزان
الاعتدال" (١٧٨:٢). وعبد الملك هذا مختلف فيه كما فى "الميزان" (١٥٣:٢)، والاختلاف غير
مضر كما علمت غير مرة، وأبوه هو محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الملك بن مسلم الرقاشى
بقاف خفيفة ثم معجمة البصرى، ثقة من رجال الصحيحين كما فى "التقريب" (١٨٧). وحرب
هذا من رجال مسلم مختلف فيه كما فى "تهذيب التهذيب" (٢٢٥:٢)، وأبو الزبير هو محمد
ابن مسلم، وهو من رجال مسلم، وهو مختلف فيه كما فى "الميزان" (١٣٤:٣، ١٣٥). وفيه

٢٨٠
المطلقة المبتوتة لها السكنى والنفقة
ج - ١١
٣٤١٩- حدثنا نصر بن مرزوق وسليمان بن شعيب قالا: ثنا الخصيب بن ناصح
قال: ثنا حماد بن سلمة عن حماد عن الشعبى عن فاطمة بنت قيس: ((أن زوجها طلقها
ثلاثا، فأتت النبى معَّ ◌ُلّه، فقال: لا نفقة لك ولا سكنى)) قال: فأخبرت بذلك النخعى،
فقال: قال عمر بن الخطاب وأخبر بذلك: لسنا بتاركى آية من كتاب الله وقول رسول
الله عَّ ◌ُّه لقول امرأة لعلها أوهمت، سمعت رسول الله عَّه يقول: ((لها السكنى
والنفقة)). رواه الطحاوى (٣٩:٢). وسنده منقطع ولكنه من مرسلات النخعى وهى
أيضا: هو من أئمة العلم اعتمده مسلم وروى له البخارى متابعة (١٣٤:٣). وفى الزيلعى بعد نقل
حديث الباب (٢: ٥٦): "قال عبد الحق فى أحكامه: إنما يؤخذ من حديث أبى الزبير عن جابر ما
ذكر فيه السماع، أو كان عن الليث عن أبى الزبير، وحرب بن أبى العالية أيضا لا يحتج به " إلخ.
قلت: قد علمت أنه من رجال مسلم والاختلاف فى التوثيق لا يضر، وأما أبو الزبير فما قال
فيه عبد الحق هو رأى ابن حزم فيه لا جمهور المحدثين، وغايته الاختلاف وهو غير مضر، ففى
الميزان (١٢٤:٣): " وأما ابن المدينى فسأله عنه محمد بن عثمان العبسى، فقال: ثقة ثبت، وأما أبو
محمد بن حزم فإنه یرد من حديثه ما يقول فيه عن جابر ونحوه، لأنه عندهم ممن يدلس" إلخ. وفى
صحيح مسلم (٤٣٩:١): أحاديث عن أبى الزبير عن جابر، وليس فيها ذكر ليث، فالسند رجاله
محتج بهم. قال بعض الناس: وأما الحديث الثانى فقد ذكره الطحاوى فى معرض الاحتجاج
(٢: ٤١) حيث قال: وخالفت سنة رسول الله عَّله، لأن عمر قد روى عن رسول الله عَّ خلاف
ما روت إلخ، فالحديث ثابت عنده، فإن المجتهد إذا احتج بالحديث يكون تصحيحا له، نعم فيه
انقطاع وهو غير مضر عندنا إذا كان المرسل لا يرسل إلا عن ثقة، وإبراهيم النخعى كذلك، ففى
تهذيب التهذيب (١٧٨:١، ١٧٩): وقال الحافظ أبو سعيد العلائى: هو مكثر من الإرسال
وجماعة من الأئمة صححوا مراسيله، وخص البيهقى ذلك بما أرسله عن ابن مسعود اهـ. وقال أبو
عمر بعد ذكره قول الأعمش: قلت للنخعی: إذا حدثنی فأسنده، وجواب النخعى له ما نصه: فی
هذا ما يدل على أن مراسيله أقوى من أسانيده، وقال فى موضع آخر: مراسيله عن ابن مسعود
وعمر صحاح كلها، وما أرسل منها أقوى من الذى أسند، حكاه يحيى القطان وغيره، كذا فى
الجوهر النقى (١٤٤:٢). ولم يزد الحافظ ابن حجر الكلام فى هذا الأثر غير أنه قال: إنه منقطع
فی فتح الباری (٤٢٤:٩، ٤٢٥).