النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ ج - ١١ باب طلاق الأمة ثنتان ٣٢٥٩- عن عائشة رضى الله عنها مرفوعا: ((طلاق الأمة تطليقتان وقرءها حيضتان)) رواه أبو داود والترمذى وابن ماجه، وصححه الحاكم، وفيه مظاهر بن أسلم وهو ضعيف. (دراية ٢٢٧). وفى "الجوهر النقى" (٣: ١٣٢): ذكره ابن حبان فى "الثقات" من أتباع التابعين. وقال الحاكم فى المستدرك: لم يذكره أحد من مقتدى مشايخنا بجرح. فالحديث إذا صحيح اهـ. قلت: غايته الاختلاف وهو لا يضر، كما ذكر غير مرة، وحقق أبن الهمام فى "فتح القدير": "أنه إن لم يكن صحيحا فهو حسن". (رد المحتار ٢: ٧٠٣). ومما يصحح الحديث عمل العلماء على وفقه. قال الترمذى: "والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب رسول الله عّ لّه وغيرهم". وفى الدار قطنى: قال القاسم وسالم: "وعمل به المسلمون". وقال مالك: " شهرة الحديث تغنى عن سند". كذا فى الفتح (روح المعانى ٢: ١١٤). باب طلاق الأمة ثنتان قوله: "عن عائشة" إلخ قال المؤلف: سنده فى سنن أبى داود هكذا: حدثنا محمد ابن مسعود نا أبو عاصم عن ابن جريج عن مظاهر عن القاسم بن محمد عن عائشة إلخ وفى "الدراية" (٢٢٧): وروى الدار قطنى من طريق زيد بن أسلم قال: سئل القاسم بن محمد عن عدة الأمة، فقال: "الناس يقولون: حيضتان، وأنا لا نعلم ذلك فى كتاب ولا سنة" انتهى وإسناده صحيح، وهو يبطل حديث مظاهر حيث رواه عن القاسم بن محمد اهـ. قال بعض الناس: لما صحّ الحديث المرفوع من طريق الثقات فلا بد من تأويل قول القاسم بن محمد، وهو أن يقال: إنه قال ذلك قبل روايته عن عائشة رضى الله عنها حال عدم علمه بالحديث، أو قال بعد روايته للحديث لكن نسيه بطول الزمان أو غيره، وهذا لا يبعد، فإن الحافظ قد ينسى. ولكن لما روى عنه الثقة لا يرد حديثه، وكيف يرد مع إمكان التأويل؟ فافهم حق الفهم. قلت: فهمنا وعلمنا قلة نظرك فى كتب القوم وإلا لم تردد فى الجواب واقتصرت على الجواب الأول. فقد روى البيهقى فى باب عدد طلاق العبد عن زيد بن أسلم، قال: سئل القاسم عن الأمة كم تطلق؟ قال: طلاقها اثنتان وعدتها حيضتان. فقيل له: أبلغك عن النبى عّ لّله قال: لا. (الجوهر النقى ١٣٢:٢). وهذا صريح فى أن زيد بن أسلم روى عنه قبل أن يسمع من عائشة ١٨٢ طلاق الأمة ثنتان إعلاء السنن ٣٢٦٠- أخبرنا إبراهيم بن يزيد المكى قال: سمعت عطاء بن أبى رباح يقول: قال على بن أبى طالب: "الطلاق بالنساء والعدة بنهن". رواه الإمام محمد فى "الموطأ" (٢٥١). وإبراهيم هذا من رجال الترمذى والنسائى، وهو إن كان ضعيفا لكن كفى به توثيقا احتجاج المجتهد بحديثه وبقية رجاله رجال الجماعة، وفى "الجوهر النقى" (١٢٠:٢): صحح ابن حزم عن على رضى الله عنه أنه قال: "السنة(١) بالنساء، يعنى الطلاق والعدة" اهـ. ما قضى رسول الله عَّ فى هذا الباب. وقال أبو بكر الرازى فى أحكام القرآن له: "وقد استعملت الأمة هذين الحديثين (أى حديث عائشة وابن عمر طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان) فى نقصان العدة، وإن كان وروده من طريق الآحاد، فصار فى حيز التواتر. تواتر الحديث بتلقى الناس له بالقبول لأن ما تلقاه الناس بالقبول من أخبار الآحاد فهو عندنا فى معنى المتواتر، لما بيناه فى مواضع ولم يفرق الشارع فى قوله هذا بين من كان زوجها حرا أو عبدا، فثبت بذلك اعتبار الطلاق بها دون الزوج". (٣٨٦:١). وقال الترمذى: "والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب رسول الله عٍَّ وغيرهم". وفى الدار قطنى: قال القاسم وسالم: "عمل به المسلمون". وتمامه فى "فتح القدير" كذا فى "رد المحتار" (٧٠٣:٢). وفى "موطأ الإمام محمد" (٢٥١): "الطلاق بالنساء والعدة بهن، لأن الله عز وجل قال: "فطلقوهن لعدتهن". فإنما الطلاق للعدة. فإذا كانت الحرة وزوجها عبد فعدتها ثلاثة قروء، وطلاقها ثلاث تطليقات للعدة، كما قال الله تبارك وتعالى، وإذا كان الحر تحته الأمة فعدتها حيضتان، وطلاقها للعدة تطليقتان، كما قال الله عز وجل" اهـ وفى "التعليق الممجد": "وهذا استنباط لطيف وتوجيه شريف" اهـ. وأما فى "الدراية" (٢٢٧) حديث: ((الطلاق بالرجال(٢) والعدة بالنساء)). لم أجده مرفوعا، وأخرجه ابن أبى شيبة عن ابن عباس بإسناد صحيح، وأخرجه الطبرانى(٣) عن ابن مسعود موقوفا، وأخرجه عبد الرزاق موقوفا أيضا على عثمان بن عفان وزيد بن ثابت وابن عباس اهـ. وفى (١) هكذا فى الأصل وفى التلخيص الحبير: البت (٢: ٣١٩). (٢) أى يعتبر بالرجال قاله ابن الجوزى كما فى الدر النثير. (٣) ولفظه: "الطلاق للرجال والعدة بالنساء" كذا فى مجمع الزوائد (٣٣٧:٤). ولا حجة فيه للخصم، فلا نزاع فى أن الطلاق للرجال، وهو كقوله: "الطلاق لمن أخذ الساق". ١٨٣ ج - ١١ باب أن الطلاق إلى العبد الناكح دون المولى ٣٢٦١- عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: "أتى النبى عَّه رجل فقال: يا رسول الله عَّه! سيدى زوجنى أمته وهو يريد أن يفرق بينى وبينها. قال: فصعد رسول الله عَّه المنبر، فقال: يا أيها الناس ما بال أحدكم يزوج عبده أمته ثم يريد أن يفرق بينهما. إنما الطلاق لمن أخذ بالساق" رواه ابن ماجه والدارقطنى والطبرانى وابن عدى. وفى إسناد ابن ماجه ابن لهيعة وكلام الأئمة فيه معروف، وفى إسناد الطبرانى الزيلعي (٣١:٢): روى عبد الرزاق فى "مصنفه": أنبأ ابن جريج قال: كتب إلى عبد الله بن زياد ابن سمعان أن عبد الله بن عبد الرحمن الأنصارى أخبره عن نافع عن أم سلمة: "أن غلاما لها طلق امرأة له حرة تطليقتين، فاستفتت أم سلمة النبى عّ لّه، فقال: حرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره" أهـ. فالجواب عن الموقوفات: أنها لا تصلح لمعارضة المرفوع، وأما المرفوع فلا يساوى شيئا، بل يحتمل أن يكون موضوعا، فإن عبد الله بن زياد بن سمعان قد نسب إلى الكذب والوضع، كما بسطه فى "تهذيب التهذيب" (٢٢٠:٥ و٢٢١). وأما ما فى سنن أبى داود (٣٠٥:١): "عن ابن عباس فى مملوك كانت تحته مملوكة فطلقها التطليقتين ثم عتقا بعد ذلك، هل يصلح له أن يخطبها؟ قال: نعم! قضى بذلك رسول الله عَ لَّه" اهـ. وفى بعض نسخ السنن بعد ذكر الاختلاف فى بعض الرواة: وليس العمل على هذا الحديث". فالجواب عنه: أن ما ذكرناه فى المتن صريح بالمقصود، وهذا الحديث لیس کذلك، فإن ابن عباس لم يذكر مفصلا ما قضى به النبى ◌ّ ◌ُّه فيرجح ذلك على هذا، على أنه متروك العمل فلا يحتج به وإن كان صريحا، وفى سنده عمر بن معتب عن أبى الحسن، فذكر البيهقى عن ابن المبارك أنه قال: "من أبو الحسن هذا؟ لقد تحمل صخرة عظيمة"، يريد به إنكار ما جاء به من هذا الحديث، ثم ذكر عن ابن المدينى أن عمر ابن معتب مجهول. كذا فى الجوهر النقى (١٢٠:٢). قلت: أما أبو الحسن فمقبول كما فى "التقريب" (٢٥١)، وعمر بن معتب ضعيف من السادسة كما فيه أيضا (١٥٧). باب أن الطلاق إلى العبد الناكح دون المولى قال المؤلف: دلالة أحاديث الباب عليه ظاهرة. وظاهر قوله تعالى: ﴿إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن﴾ وقوله تعالى: ﴿إذا طلقتم النساء﴾ الآية يدل على الباب فافهم. فائدة: فى "الهداية" (٣٤٩:٢ و٣٥٠): "وإذا وصف الطلاق بضرب من الزيادة والشدة : ١٨٤ حق الطلاق للعبد الناكح دون المولى إعلاء السنن يحيى الحمانى وهو ضعيف، وفى إسناد ابن عدى والدارقطنى عصمة بن مالك كذا قيل، وفى التقريب: أنه صحابى وطرقه يقوى بعضها بعضا (نيل الأوطار ٦: ١٦٣ و١٦٤). وفيه أيضا: وأما يحيى الحمانى فقال فى التذكرة: "وثقه يحيى بن معين". وقال ابن عدى: "أرجو أنه لا بأس به اهـ". قلت: وابن لهيعة أيضا مختلف فيه، والاختلاف غير مضر كما عرفت كل ذلك غير مرة. ٣٢٦٢- عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقول: من أذن لعبده أن ينكح فالطلاق بيد العبد، ليس بيد غيره من طلاقه شىء. فإما أن يأخذ الرجل أمة غلامه أو أمة وليدته فلا جناح عليه. رواه الإمام مالك فى "الموطأ" (٢٠٩)، وإسناده صحيح جليل. كان بائنا مثل أن يقول: أنت طالق بائن أو البتة إلى أن قال: فتقع واحدة بائنة إذا لم تكن له نية أو نوى الثنتين، أما إذا نوى الثلث فثلث" اهـ، وفيه أيضا: "وبقية الكنايات إذا نوى بها الطلاق كانت واحدة بائنة، وإن نوی ثلثا کان ثلثا، وإن نوی ثنتين كانت واحدة بائنة، وهذا مثل قوله: أنت بائن وبتة وبتلة وحرام، وحبلك على غاربك، والحقى بأهلك، وخلية وبرية إلخ (٢: ٣٥٤)، وفى " فتح البارى" (٣٢٤:٩): "فجاء عن على" بأسانيد يعضد بعضها بعضا وأخرجها ابن أبى شيبة والبيهقى وغيرهما، قال: البرية والخلية والبائن والحرام والبت ثلاث ثلاث" اهـ وفيه أيضا: "وعن زيد بن ثابت فى البرية والبتة والحرام ثلاث ثلاث" اهـ، وفى "نيل الأوطار" (١٥٠:٦): "عن ركانة بن عبد الله أنه طلق امرأته سهيمة البتة، فأخبر النبى معَ ◌ِّ بذلك، فقال: والله ما أردت إلا واحدة! فقال رسول الله عَّ: والله ما أردت إلا واحدة؟ قال ركانة: والله ما أردت إلا واحدة! فردها إليه رسول الله عّ لّه، وطلقها الثانية فى زمان عمر بن الخطاب، والثالثة فى زمن عثمان رواه الشافعى وأبو داود والدار قطنى، وقال أبو داود: هذا حديث حسن صحيح" اهـ. وفيه أيضا: "وصححه أيضا ابن حبان والحاكم" اهـ. فهذا الحديث المرفوع يدل على من طلق امرأته البتة فإن نوى به واحدة رجعية كانت واحدة رجعية وإلا فهى ثلاث. ويحمل عليه ما ذكرناه عن على وزيد. فهذا يخالف ما ذكر فى الهداية. والجواب أما عن المرفوع فبأن معنى قوله: "فردها إليه رسول الله عَ ليه "، أى ردها بنكاح جدید. وأما عن الموقوفات فبأن هذه الألفاظ لعلها صارت صريحة فى الثلاث فى عرفهم. كما روى مالك كذلك فى "البتة" عن مروان وعمر بن عبد العزيز وغيرهما أنهم قضوا فيه بالطلقات الثلاث، وهذا ج - ١١ ١٨٥ باب وقوع الطلاق ثلاثا مجموعا قبل الدخول ٣٢٦٣- أخبرنا مالك أخبرنا الزهرى عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن محمد بن إياس بن بكير، قال: طلق رجل امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها. ثم بدا له أن ينكحها فجاء يستفتى، قال: فذهبت معه فسأل أبا هريرة وابن عباس، فقالا: لا ينكحها حتى تنكح زوجا غيره، فقال: إنما كان طلاقى إياها واحدة. قال ابن عباس: أرسلت من يدك ما كان لك من فضل. رواه الإمام محمد فى "الموطأ" (٢٥٩)، قلت: رجاله رجال الصحيح. ٣٢٦٤- قال محمد: "إذا طلق الرجل امرأته ثلاثا جميعا فقد خالف السنة وأثم بربه وإن دخل بها أو لم يدخل سواء، ثم قال: بلغنا ذلك عن رسول الله عَ لّه وعن على وابن مسعود وابن عباس وغيرهم رضوان الله عليهم أجمعين". (فتح القدير ٣: ٣٩٢). لا ينافى ما فى الهداية فإنه محمول على ما إذا لم تكن صريحة فى الثلاث بكثرة الاستعمال فيها، أو يقال: معنى قول على وزيد: "أنها ثلاث" أى إذا نوى بها الثلاث فثلاث، والله تعالى أعلم. والدليل على كون البتة تطليقة بائنة لا رجعية ما روى عن عبد الله بن مسعود بسند صحيح أنه جعل استغلحى بأمرك أو أمرك لك أو وهبها لأهلها تطليقة بائنة. كذا فى "الجوهر النقى" (١١٥:٢)، ولاشك أن البتة أغلظ منها، فكيف لا تكون بائنة؟ لا يقال: هذا معارضة المرفوع بالموقوف. لأنا نقول: إن المرفوع ليس بصريح فی کون البتة رجعیا، لاحتمال أن یراد بالرد الرد بنكاح جديد، وأيضا: فإن حديث ركانة قد ضعفوه لما فيه من الاضطراب كما تقدم، فيجوز لنا تأويله بقول الصحابى. وأخرج البيهقى عن على فى الحرام: "أنها ثلاث إذا نوى". كما فى "الجوهر النقى" أيضا (١١٦:٢)، وهذا يؤيد التأويل الذى ذكرناه فافهم. باب وقوع الطلاق ثلاثا مجموعا قبل الدخول قوله: "أجبرنا مالك" إلخ. قال المؤلف: دل الحديث على أن من طلق ثلاثا قبل الدخول تحرم عليه المرأة، ولا تحل حتى تنكح زوجا غيره. والظاهر من قوله: "إنما كان طلاقى إياها واحدة"، كون الثلاث مجتمعة فإنها لو كانت متفرقة بانت بالأولى فلا تبقى محلا للأخريين. والدليل على أنها بانت بالأولى ما رواه مالك فى "الموطأ" (٢٠٧) عن يحيى بن سعيد عن بكير بن عبد الله بن الأشج عن النعمان بن أبى عياش الأنصارى عن عطاء بن يسار، أنه قال: "جاء رجل يسأل عبد الله ١٨٦ إعلاء السنن باب ذكر بعض ألفاظ الكنايات للطلاق واشتراط النية فيها ٣٢٦٥- مالك أنه بلغه أنه كتب إلى عمر بن الخطاب من العراق: "أن رجلا قال لامرأته حبلك على غاربك. فكتب عمر بن الخطاب إلى عامله: أن مره أن يوافينى بمكة فى الموسم، فبينا عمر رضى الله عنه يطوف بالبيت إذ لقيه الرجل فسلم عليه، فقال عمر: من أنت؟ فقال: أنا الرجل الذى أمرت أن أجلب عليك. فقال عمر: أسألك برب هذا البيت ما أردت بقولك حبلك على غاربك؟ فقال الرجل: يا أمير المؤمنين! لو استحلفتنى فى غير هذا الموضع ما صدقتك، أردت بذلك الفراق. فقال عمر بن الخطاب: هو ما أردت"، كذا فى "الموطأ" (٢٠٠). وبلاغات مالك حجة. ٣٢٦٦- عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد: "أن رجلا كانت تحته وليدة بن عمرو بن العاص عن رجل طلق امرأته ثلاثا قبل أن يمسها، قال عطاء: فقلت: إنما طلاق البكر واحدة، فقال لى عبد الله بن عمرو بن العاص: إنما أنت قاص، الواحدة تبينها والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجا غيره" اهـ. قلت: رجاله رجال الصحيح. وروى مالك أيضا: فى الموطأ عن يحيى بن سعيد عن بكير بن عبد الله بن الأشج أنه أخبره معاوية بن أبى عياش الأنصارى أنه كان جالسا مع عبد الله بن الزبير وعاصم بن عمر قال: "فجاءهما محمد بن إياس بن البكير فقال: إن رجلا من أهل البادية طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها، فماذا تريان؟ فقال عبد الله بن الزبير: إن هذا الأمر ما بلغ لنا فيه قول، فاذهب إلى عبد الله بن عباس وأبى هريرة، فإنى تركتهما عند عائشة فسألهما ثم إئتنا فأخبرنا، فذهب فسألهما، فقال ابن عباس لأبى هريرة: أفته يا أبا هريرة فقد جاءتك معضلة. فقال أبو هريرة: الواحدة تبينها والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجا غيره. وقال ابن عباس مثل ذلك" (٢٠٨). قلت: رجاله رجال الصحيح إلا معاوية وأنى وإن لم أطلع عليه لكنه ثقة، فإن مالكا لا يروى إلا عن الثقات وهو أمر مشهور بينهم. وإذ وقعت الثلاث على غير المدخول بها فوقوعها على المدخول بها أولى، فبطل ما زعمه أهل الظاهر من عدم وقوع الثلاث فى مجلس واحد كما مر. باب ذكر بعض ألفاظ الكنايات للطلاق واشتراط النية فيها قوله: "مالك" إلخ. قال المؤلف: دلالته على أن من قصد بالكنايات الطلاق يقع بها ظاهرة. قوله: عن يحيى إلخ قال المؤلف: دلالته على أن هذا اللفظ من الكنايات يقع به الطلاق ظاهرة. ج - ١١ ذكر بعض ألفاظ الكنايات للطلاق واشتراط النية فيها ١٨٧ لقوم، فقال لأهلها: شأنكم بها، فرأى الناس أنها تطليقة واحدة". رواه مالك فى "الموطأ" (٢٠١)، وإسناده صحيح. ٣٢٦٧- عن يونس بن يزيد قال: ((سألت ابن شهاب عن رجل جعل امرأته بيد أبيه قبل أن يدخل بها فقال أبوه: هى طالق ثلاثا. كيف السنة فى ذلك؟ فقال: أخبرنى محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان مولى بنى عامر بن لؤى أن محمد بن إياس بن البکیر الليثى، وكان أبوه شهد بدرا، أخبره أن أبا هريرة قال: بانت عنه فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، وأنه سأل ابن عباس عن ذلك، فقال مثل قول أبى هريرة، وسأل عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال مثل قولهما". رواه أبو بكر البرقانى فى كتابه المخرج على الصحيحين (نيل الأوطار ١: ١٥٢). ٣٢٦٨- عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقول: "إذا ملك الرجل امرأته أمرها فالقضاء ما قضت، إلا أن يذكر عليها فيقول: لم أرد إلا واحدة فيحلف على ذلك. ويكون أملك بها ما كانت فى عدتها". رواه الإمام مالك فى "الموطأ" (٢٠٠)، وإسناده صحیح جليل. ٣٢٦٩ - أخبرنا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم: "أن عمر بن الخطاب وعبد الله ابن مسعود كانا يقولان فى المرأة إذا خيرها زوجها فاختارته: فهى امرأته وإن اختارت نفسها فهى تطليقة وزوجها أملك بها". ٣٢٧٠ - أخبرنا أبو حنيفة حدثنا حماد عن إبراهيم: "أن زيد بن ثابت كان يقول: إذا اختارت زوجها فلا شىء وهى امرأته. وإذا اختارت نفسها فهى ثلاث. وهى عليه حرام حتى تنكح زوجا غيره. قوله: "عن يونس" إلخ. قال المؤلف: هذا الأثر يدل على من جعل أمر امرأته بيد غيره يقع الطلاق على ما قصد به غيره إذا لم يخالف نية الزوج، كما يظهر من أثر ابن عمر الآتى. قوله: "عن نافع" إلخ. قال المؤلف: دلالته على ما دل عليه ما قبله ظاهرة، إلا أنه يدل على أن الزوج لو قصد بهذا اللفظ الواحدة يقع به الرجعى، وهو يخالف المذهب، وقول الصحابى ذى الرأى حجة عندنا. فالجواب عنه: أن الحنفية عملوا بقول ابن مسعود، وهو مذكور بعد أثر ابن عمر رضى الله عنه فإنه أحوط. ١٨٨ ذكر بعض ألفاظ الكنايات للطلاق واشتراط النية فيها إعلاء السنن ٣٢٧١- وكان على بن أبي طالب رضى الله عنه يقول: إذا اختارت زوجها فهى واحدة، والزوج أملك بها، وإذا اختارت نفسها فهى واحدة، وهى أملك بنفسها". ٣٢٧٢- أخبرنا أبو حنيفة حدثنا حماد عن إبراهيم عن عائشة رضى الله عنها، قالت: "خيرنا رسول الله عَّ له فاخترناه فلم يعد ذلك علينا طلاقا". روى الثلاثة محمد فى "الآثار" (٧٩). وأسانيدها صحاح غير ما فيها من إرسال النخعى، وقد غرفت صحة مراسيله. قال محمد: فأخذنا بقول عائشة الذى روت عن النبى عَّيه، وبقول عمر وابن مسعود (وزيد بن ثابت) أنها إذا اختارت زوجها فلا شىء، وأخذنا بقول على إذا اختارت نفسها فهى تطليقة واحدة، وهى أملك بنفسها وهو قول أبى حنيفة اهـ. ٣٢٧٣- عن شعبة عن أبى حصين عن يحيى بن وثاب عن مسروق عن عبد الله: "إذا قال: استفلحى بأمرك، أو أمرك لك أو وهبها لأهلها، فقبلوها فهى واحدة بائنة". رواه البيهقى وصححه صاحب الجوهر النقى (٢: ١١٥). وأخرجه الطبرانى أيضا، كما فى " جمع الفوائد" (١: ٢٣٢). وسكت عنه، فهو حسن أو صحيح على قاعدته، وفى مجمع الزوائد (٤: ٣٣٧) عنه: "إذا قال لامرأته: أمرك بيدك، أو استفتحى بأمرك أو وهبها لأهلها فقبلوها فهى واحدة بائنة". رواه الطبرانى ورجاله رجال الصحيح. ٣٢٧٤- أخرج ابن أبى شيبة بسند صحيح إلى الشعبى، قال: قال ابن مسعود: "إذا خير الرجل امرأته فاختارت نفسها فواحدة بائنة، وإن اختارت زوجها فلا شىء". (الجوهر النقى ٢: ١٤). قوله: "عن شعبة" إلخ. قال المؤلف: دلالته على وقوع البائن بهذه الألفاظ صريحة. والذى بعد هذا يوضح المقصود، ودلالته الأثرين على ما ذكر فيهما ظاهرة. وفى "الجوهر النقى (١١٤:٢): عن البيهقى: "الشعبى عن ابن مسعود منقطع" اهـ. فالجواب عنه: أما أولا: فهو أن الانقطاع لا يضر عندنا، وأما ثانيا: فإن مثل هذا الانقطاع ينبغى أن لا يكون جرحا عند المحدثين أيضا، ففى "الجوهر النقى" (٣٤٣:١): قال أبو عمر فى أوائل التمهيد: " وكل من عرف فإنه لا يأخذ إلا عن ثقة، فتدليسه وترسيله مقبول، فمراسيل سعيد ابن المسيب ومحمد بن سيرين وإبراهيم النخعى عندهم صحاح" إلخ. وفى "التهذيب التهذيب" (٦٨:٥): وقال الآجرى عن أبى داود: "مرسل الشعبى أحب إلى من مرسل النخعى" اهـ. فلما ج - ١١ ذكر بعض ألفاظ الكنايات للطلاق واشتراط النية فيها ١٨٩ ٣٢٧٥- حدثنا على بن نصر بن على قال: نا سليمان بن حرب قال: نا حماد بن زيد قال: "قلت لأيوب: هل علمت أحدا قال فى أمرك بيدك إنها ثلاث إلا الحسن؟ قال: لا، ثم قال: اللهم غفرا إلا ما حدثنى قتادة عن كثير مولى بنى سمرة عن أبى سلمة عن أبى هريرة، عن النبى عَّ ◌ُّه قال: ثلاث قال أيوب: فلقيت كثيرا مولى ابن سمرة فسألته فلم يعرفه، فرجعت إلى قتادة فأخبرته فقال: نسى". (رواه الترمذى ١٤٠:١) وقال: هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث سليمان بن حرب عن حماد بن زيد. وسألت محمدا عن هذا الحديث فقال: حدثنا سليمان بن حرب عن حماد بن زيد بهذا. أو إنما هو عن أبى هريرة موقوف، ولم يعرف حديث أبى هريرة مرفوعا. وكان على بن نصر حافظا صاحب حدیث اه. وروى أبو داود بنحوه (١: ٣٠٧)، وسكت عنه. ٣٢٧٦ - أخبرنا أبو حنيفة قال: حدثنا الهيثم بن أبى الهيثم يرفعه إلى رسول الله عَ ◌ّ أنه قال لسودة: ((اعتدى. فجعلتها تطليقة يملكها، فجلست طريقه يوما فقالت: يا رسول الله! راجعنى فو الله ما أقول هذا حرصا منى على الرجال، ولكنى أريد أن أحشر يوم القيامة مع أزواجك، واجعل يومى منك لبعض أزواجك. قال: فراجعها)). رواه الإمام محمد فى "كتاب الآثار" (٧٦ و ٧٧). قلت: رجاله ثقات لكنه معضل، فإن لم يكن إرسال النخعى جرحا فى أحاديثه لا يكون إرسال الشعبى جرحا بالأولى. وأما ما روى عن ابن مسعود رضى الله عنه فى روايات أخرى وقوع الطلاق الرجعى بهذا اللفظ فتكلم فى أسانيدها صاحب الجوهر النقى وجرحها (١١٤:٢ و١١٥). قوله: "حدثنا على" إلخ. قال المؤلف: قول البخارى يحتمل المعنيين: أحدهما: أن سليمان ابن حرب وإن حدثه مرفوعا لكن فى التحقيق هذا الحدیث موقوف. وثانيهما: أنه حدث به موقوفا لا كما روى عنه على بن نصر. وهذا هو الظاهر بل هو المتعين، لقول الترمذى: "وكان على" إلخ. فإنه قصد بهذا القول أن عليا ليس ممن يخطئ حيث يجعل الموقوف مرفوعا، فلا ريب فى أنه سليمان حدثه به مرفوعا وإن كان حدثه به البخارى موقوفا فافهم. قلت: وقد حقق فى موضعه أن زيادة الثقة مقبولة، والرفع زيادة. والحديث محمول على ما إذا نوى الزوج الثلاث بهذا اللفظ. قوله: "أخبرنا أبو حنيفة" إلخ. قال المؤلف: دلالته على الجزء الأول من الباب ظاهرة. .....:. ١٩٠ ذكر بعض ألفاظ الكنايات للطلاق واشتراط النية فيها إعلاء السنن شيخ الإمام أبى حنيفة فيه من أتباع التابعين(١). قال فى "التقريب" (١٩٦): " صدوق من السادسة اهـ". وقد تقوى باحتجاج الإمام به. ٣٢٧٧ - عن ابن مسعود رضى الله عنه فى الرجل يحرم امرأته، قال: "إن كان يرى طلاقا وإلا فهى يمين". رواه عبد الرزاق فى مصنفه (كنز العمال ٣٤٤:٨). وأخرجه الطبرانى أيضا كما فى جمع الفوائد (١: ١٣٤) وسكت عنه، فهو صحيح أو حسن. وفى "مجمع الزوائد" (٢: ٣٣٧): وفى رواية عنه: "إن كان نوى طلاقا وإلا فهى يمين". رواه الطبرانى ورجاله ثقات إلا أن مجاهدا عن ابن مسعود منقطع. ٣٢٧٨- عن كعب بن مالك فى الحديث الطويل فى قصة توبته: "أن النبى معَّ ◌ُِّ لما أرسل إليه أن يعتزل امرأته. فقال: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: لا! بل اعتزلها ولا تقربها. فقال لامرأته: الحقى بأهلك، فتكونى عندهم حتى يقضى الله فى هذا الأمر". الحديث أخرجه البخارى (٢: ٦٣٥) واللفظ له وغيره. قوله: "عن ابن مسعود" إلخ. قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة. قلت: وقد وافق ابن مسعود على ذلك ابن عباس فقد أخرج الشيخان عنه قال: من حرم امرأته فليس بشىء، وقرأ: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾. وفى رواية: "إذا حرم الرجل عليه امرأته فهى يمين يكفرها، وقرأ الآية". وللنسائى: قال رجل: إنى جعلت امرأتى على حراما، قال: كذبت! ليست عليك بحرام، ثم تلا: "يا أيها النبى لم تحرم ما أحل الله لك". عليك أغلظ الكفارة، عتق رقبة". كذا فى جمع الفوائد (٢٣١:١). هذا هو الأصل فى التحريم أنه يمين، ثم استعمله الناس فى الطلاق فأفتی ابن مسعود بأنه إن کان یری الطلاق (أی ینویه) فهو طلاق، وإلا فيمين، ولعل بعض أهل البلدان تعارفوه فى الطلاقات الثلاث فأفتاهم على وزيد بن ثابت وغيرهما بألثلاث. وقد جاء عن على التصريح: "بأنها ثلاث إذا نوى"، فليحمل المطلق من الروايات على ذلك كما تقدمت الإشارة إليه، ومن أراد تفصيل الآثار فى الكنايات فليراجع فتح البارى (٣٢٣:٩ و٣٢٥). قوله: "عن كعب بن مالك" إلخ. قلت: فيه دلالة على عدم وقوع الطلاق " بالحقى بأهلك إذا لم ينوها. وفى حديث عائشة بعده دلالة على وقوعه بهذه اللفظة إذا نواه، وهو مذهب أصحابنا (١) هذا من رواية الكبار من الصغار فإن الإمام تابعى جليل. ١٩١ ج - ١١ ٣٢٧٩- وأخرج البخارى عن عائشة رضى الله عنها: أنه عّ لّه قال لابنة الجون: "لقد عذت بعظيم، الحقى بأهلك". وزاد الذهنى فى الزهريات فى آخره قال الزهرى. "جعلها تطليقة". كذا فى "فتح البارى" (٩: ٣١١). باب أن الخيار مقصور على مجلسه ذلك ٣٢٨٠- عن ابن مسعود رضى الله عنه: "إذا ملكها أمرها فتفرقا قبل أن يقضى بشىء فلا أمر لها". رواه عبد الرزاق وأخرجه الطبرانى والبيهقى من طريقه، ورجاله ثقات إلا أن فيه أنقطاعا. (دراية: ٢٢٧، ٢٢٨). قلت: الانقطاع غير مضر عندنا. ٣٢٨١- عن جابر رضى الله عنه: "إذا خير الرجل امرأته فلم تخير فى مجلسها ذلك فلا خيار". أخرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح. وروى عبد الرزاق وابن أبى شيبة عن عمر وعثمان نحوه. وفى إسناده ضعف (دراية ٢٢٨). ٣٢٨٢ - أخبرنا أبو حنيفة: حدثنا عمرو بن دينار عن جابر قال: "إذا خير الرجل امرأته فقامت من مجلسها فلا خيار لها". أخرجه محمد فى "الآثار" (٧٩). وقال: به نأخذ، وهو قول أبى حنيفة اهـ. وسنده صحيح. ٣٢٨٣ - عن حجاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو، قال فى الرجل يخير امرأته: "لها الخيار ما دامت فى مجلسها". رواه ابن أبى شيبة (زيلعى ٢: ٣٣). قلت: إسناده حسن، وتفصيله فى الحاشية. الحنفية. والله تعالى أعلم. وفيما ذكرنا من الآثار عن ابن مسعود وغيره رد على من قال: إن الكنايات كلها رواجع، فهذا ابن مسعود قد صح عنه أنه جعل استفلحى بأمرك، أو أمرك لك، وهبتها لأهلها، واختارى نفسك، تطليقة بائنة فافهم. باب أن الخيار مقصور على مجلسه ذلك قوله: "عن ابن مسعود" إلخ. قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة. قوله: "عن جابر" إلخ. قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة. والضعاف نقلت للتائيد. قوله: "عن حجاج" إلخ. قال بعض الناس عن "تهذيب التهذيب" (١٩٧:٢): قال ابن المبارك: " كان الحجاج يدلس فكان يحدثنا بالحديث عن عمرو بن شعيب مما يحدثه العرزمى، متروك" اهـ. قلت: قد حسن الترمذى أحاديثه بالعنعنة كثيرا. فالحديث حسن إلا أن يقوم دليل : : : : : . : 1 ١٩٢ إعلاء السنن أبواب الأيمان فى الطلاق باب حکم تعليق الطلاق بالنكاح قبل النكاح ٣٢٨٤- مالك: أنه بلغه أن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمر وعبد الله بن مسعود وسالم (تابعی) بن عبد الله والقاسم بن محمد وابن شهاب وسليمان بن يسار كانوا يقولون: "إذا حلف الرجل بطلاق المرأة قبل أن ينكحها ثم أثم إن ذلك لازم له إذا نكحها" كذا فى "الموطأ" (٢١٤). على أنه دلسه عن العرزمى وإذا لا فلا. ودلالته على الباب ظاهرة. باب حكم تعليق الطلاق بالنكاح قبل النكاح قوله: "مالك" إلخ. قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة. وأما ما فى موطأ مالك ما نصه: " مالك أنه بلغه أن عبد الله بن مسعود كان يقول فيمن قال: كل امرأة أنكحها فهى طالق: أنه إذا لم يسم قبيلة أو امرأة بعينها فلا شىء عليه" (٢١٤). فالجواب عنه: ما قاله ابن العربى من المالكية، كما فى فتح البارى (٣٤٠:٩)، ونصه: ونظر مالك ومن قال بقوله فى مسألة الفرق بين المعينة وغيرها، أنه إذا عم سد على نفسه باب النكاح الذى ندب إليه، فعارض عنده المشروع فسقط. قال: وهذا على أصل مختلف فيه، وهو تخصيص الأدلة بالمصالح، وإلا فلو كان هذا لازما فى الخصوص للزم فى العموم، والله أعلم. فأخذت الحنفية بالأحوط فى باب الفروج، فإن الدليل يقتضى مساواة العموم والخصوص فى وقوع الطلاق. وأما تخصيص الأدلة بالمصالح فإن كان يقتضى عدم الوقوع فى صورة التعميم، ولكن إذا تعارض المحرم والمبيح يرجح المحرم، كما تقرر فى الأصول، وإلى هذا ذهب مجاهد وسالم بن عبد الله، فقالا بوقوع الطلاق فى صورة التعميم أيضا. فقد أخرج أبو عبيد من طريق خصيف: "أن أمير مكة قال: كل امرأة أتزوجها فهى طالق. قال خصيف: فذكرت ذلك لمجاهد. وقلت له: إن سعيد بن جبير قال: لیس بشىء طلق ما لم يملك. قال: فکره ذلك مجاهد وعابه. کذا فى فتح البارى (٣٣٨:٩). وقال ابن أبى شيبة: ثنا إسماعيل بن علية عن عبد الله، قلت لسالم بن عبد الله: "رجل قال: كل امرأة يتزوجها فهى طالق، وكل جارية يشتريها فهى حرة. فقال: أما أنا فلو كنت لم أنكح، ولم أشتر" كذا فى "الجوهر النقى" (١٠٩:٢). وهذا سند صحيح. وبمثله قال الزهرى كما سيأتى وإليه ذهب مالك، ومن قال بقوله: وجعله الشافعى فى حكم طلاقه لمن لم يتزوج، أو عتقه لمن ج - ١١ حكم تعليق الطلاق بالنكاح قبل النكاح ١٩٣ ٣٢٨٥ - أخبرنا مالك أخبرنا مجبر عن عبد الله بن عمر أنه كان يقول: "إذا قال الرجل: إذا نكحت فلانة فهى طالق، فهى كذلك إذا نكحها، وإن طلقها واحدة أو اثنتين أو ثلاثا فهو كما قال". رواه الإمام محمد فى "الموطأ" (٢٥٤). ورجاله ثقات. ٣٢٨٦- أخبرنا أبو حنيفة عن محمد بن قيس عن إبراهيم وعامر(١) عن الأسود ابن يزيد: "أنه قال لامرأة ذكرت له: إن تزوجتها فهى طالق فلم ير الأسود شيئا. وسئل أهل الحجاز فلم يروا ذلك شيئا. فتزوجها ودخل بها. فذكر ذلك لعبد الله بن مسعود، فأمره أن يخبرها أنها أملك بنفسها". رواه الإمام محمد فى "كتاب الآثار" (٧٦). ورجاله ثقات على اختلاف فی بعضهم، وهو غیر مضر فالسند محتج به. لم يملك. وذكر الاختلاف فيه عن الصحابة والتابعين، ولما اختلفوا تأملنا توجيه الأصول المتفق عليها، فوجدنا الرجل يقول: "كل ولد تلده مملو کتی هذه فهو حر". فتحمل بعد ذلك بأولاد، ثم تلدهم فيعتقون عليه، وقد كان وقت التعليق غير مالك لهم لأنهم غير مخلوقين. فروعى فيهم وقت الوقوع إلى وقت القول. فكان نظيره فى القياس أن لا يراعى الوقت الذى علق فيه بقوله: "فلانة طالق إن تزوجتها". ويراعى وقت وقوعه. ولا معنى لمراعاة ملك أمها، لأن المعتق الولد لا الأم. وقد قال ◌َّه لعمر لما استشاره فى صدقته مما حصل له من سهام خيبر: "احبس الأصل وسبل الثمرة". فكان فيه ما دل على جواز العقود فى الأشياء الحوادث التى لا يملكها عاقدوها وقت كلامهم. فمثله ما يعقده الرجل على ما يملكه فى المستقبل من المماليك، وعلى ما يتزوجه من النساء، وتأملنا فى قوله مَّ له: ((لا نذر لابن آدم فيما لا يملك)). (ولا طلاق قبل نكاح، ولا عتاق فیما لا يملك. أخرجه أبو داود وصححه الحاكم). ثم وجدنا قوله تعالى: ﴿ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن﴾، إلى قوله: ﴿بما أخلفوا الله ما وعدوه﴾، الآية. فكان ما كان منهم بقولهم: ﴿لئن آتانا من فضله لنصّدّقن﴾، ما قد أوجبه عليهم إذا آتاهم ما وعدوه أن يفعلوا فيه. وكان ذلك بخلاف من قولهم فيما لا يملكون، فمثل ذلك قول الرجل: "إن تزوجت فلانة فهى طالق"، يكون حكمه خلاف ما إذا قال: "هى طالق"، ولم يقل: "إذا تزوجتها" فيلزمه إذا علق، ولا يلزمه إذا نجز. قاله الطحاوى (المعتصر من المختصر ١٩٩:١). قوله: "أخبرنا مالك" إلخ. قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة. قوله: "أخبرنا أبو حنيفة" إلخ قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة. (١) الظاهر أنه الشعبى. ... ........... ... .. .... . ١٩٤ إعلاء السنن ٣٢٨٧- عن معمر عن الزهرى: "أنه قال فى رجل قال: كل امرأة أتزوجها فهى طالق: هو كما قال. فقال له معمر: أليس قد جاء: لا طلاق قبل نكاح. قال: إنما ذلك أن يقول: امرأة فلان طالق. أخرجه عبد الرزاق (دراية ٢٢٨). ورجاله رجال الصحيح. باب حكم الاستثناء فى الطلاق وغيره ٣٢٨٨- أخبرنا أبو حنيفة قال: حدثنا حماد عن إبراهيم فى رجل قال لامرأته: أنت طالق إن شاء الله، قال: "ليس بشىء ولا يقع عليها الطلاق". رواه الإمام محمد فى كتاب الآثار" (٢: ٣٣٦). ورجاله محتج بهم مع اختلاف، وهو غير مضر. ٣٢٨٩- عن ابن عباس رضى الله عنهما رفعه: "من قال لامرأته: أنت طالق إن قوله: "عن معمر" إلخ، قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة. وأما حديث: "لا طلاق قبل نكاح"، ففى الدراية (٢٢٨): وأقواها حديث عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده رفعه: "لا نذر لابن آدم فيما لا يملك، ولا طلاق له فيما لا يملك". صححه الترمذى ونقل عن البخارى أنه أصح شىء فى الباب اهـ. ولكن اختلف فيه على عمرو بن شعيب. فبعضهم يقول عن أبيه عن جده. وأخرجه الحاكم والبيهقى من طريق ابن جريج عن عمرو ابن شعيب عن طاوس عن معاذ بن جبل. وفيه اختلاف آخر. فأخرج سعيد بن منصور من وجه آخر عن عمرو بن شعيب: أنه سئل عن ذلك فقال كان أبى عرض على امرأة يزوجنيها فأبيت أن أتزوجها، وقلت: هى طالق البتة يوم أتزوجها، ثم ندمت فقدمت المدينة، فسألت سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير. فقالا: قال رسول الله عَ له: ((لا طلاق إلا بعد نكاح)). وهذا يشعر بأن من قال فيه عن أبيه عن جده سلك الجادة، وإلا فلو كان عنده عن أبيه عن جده لما احتاج أن يرحل فيه إلى المدينة، ويكتفى بحديث مرسل قاله الحافظ فى الفتح (٣٣٧:٩). وفى "نيل الأوطار" (١٦٥:٦): عن المسور بن مخرمة أن النبى معَ ◌ّه قال: "لا طلاق قبل نكاح، ولا عتق قبل ملك". رواه ابن ماجه، وحسنه الحافظ فى التلخيص ولكنه اختلف فيه على الزهرى. فروى عنه عن عروة عن المسور، وروى عنه عن عروة عن عائشة اهـ. قلت: ومع ذلك فقد أوله الزهرى بحمله على المنجز، كأن يقول: امرأة فلان طالق، ولم يحمله على المعلق. والمسئلة من معترك الآراء، ومن الخلافيات المشهورة، وتأويل المرفوع عندنا ما قاله الزهرى إنما ذلك أن يقول: امرأة فلان طالق. باب حكم الاستثناء فى الطلاق و غيره قوله: "عن ابن عباس" إلى قوله: "عن معديكرب". قلت: فهذه ثلاث طرق، اثنان منها ج - ١١ حكم الاستثناء فى الطلاق وغيره ١٩٥ شاء الله، أو لغلام أنت حر أو قال: على المشى إلى بيت الله إن شاء الله فلا شيء عليه". رواه ابن عدى وفيه إسحاق بن أبى يحيى الكعبى وهو ضعيف. (دراية ٢٢٨). ٣٢٩٠ - عن معديكرب (الهمدانى) أن النبى معَّ خلّه قال: ((من طلق أو أعتق واستثنى فله ثنياه)). أخرجه أبو موسى المدينى فى ذيل الصحابة قاله الحافظ فى "التلخيص الحبير" (٢: ٣١٩). وسكت عنه ههنا، وضعفه فى "الإصابة" (٦: ١٢٣). وفيه عمر بن موسى الوجيهى ضعيف له ترجمة طويلة فى "اللسان" (٤: ٣٣٢). وفى "التلخيص" أيضا: قال البيهقى: "وروى عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده والراوى عنه الجارود بن يزيد ضعيف اهـ". ضعيفان، إذا ضم بعضها إلى بعض حدثت لها قوة، وتأيد أيضا بقول جمهور العلماء بمعناه. قال الحافظ فى الفتح: "واتفقوا على دخول الاستثناء فى كل ما يحلف به إلا الأوزاعى، فقال: لا يدخل فى الطلاق والعتق والمشى إلى بيت الله. وكذا جاء عن طاوس، وعن مالك مثله، وعنه إلا المشى. وقال الحسن وقتادة وابن أبى ليلى والليث: يدخل فى الجميع. وعن أحمد يدخل الجميع إلا العتق. واحتج بتشوف الشارع له. وورد فيه حديث عن معاذ رفعه: إذا قال لامرأته: أنتَ طالق إن شاء الله لم تطلق، وإن قال لعبده: أنت حر إن شاء الله فإنه حر. قال البيهقى تفرد به حميد بن مالك وهو مجهول، واختلف عليه فى أسناده" اهـ (٥٢٢:١١). وقال الجصاص فى أحكام القرآن له: "هذا حديث شاذ واهى السند غير معمول عليه عند أهل العلم" اهـ (٢١٣:٣). قلت: حميد هذا هو اللخمى ضعفه يحيى وأبو زرعة وغيرهما، وذكره فى "الضعفاء" العقيلى والساجى. وقال النسائى: "لا أعلم روى عنه غير إسماعيل بن عياش ثقتان"، كذا فى "اللسان" (٣٦٦:٢). ومعنى قول النسائى هذا أنه أى حميد بن مالك مجهول لم يرو عنه ثقتان فيما أعلم غير إسماعيل. ويرحم الله بعض الناس، حيث فهم من هذا الكلام أن النسائى قد وثق إسماعيل وحميدا كليهما. وهذا المعنى أبعد من كلامه بمراحل، ثم أسس على هذا المعنى الفاسد بناء طويلا لا يرفع إليه من ماس الحديث رأسا. فحميد هذا ضعيف عند الكل، لم يوثقه أحد. ذكره عبد الحق فى "أحكامه" من جهة الدارقطنى. وقال: "فى إسناده حميد بن مالك وهو ضعيف". وقال البيهقى: "هو حديث ضعيف ومكحول عن معاذ منقطع". وقال فى "التنقيح": "الحمل فيه على حميد تكلم فيه أبو زرعة وأبو حاتم وابن عدى والأزدى" اهـ كذا فى "نصب الراية (٣٦:٢). ١٩٦ حكم الاستثناء فى الطلاق وغيره إعلاء السنن ٣٢٩١- عن ابن عمر رضى الله عنهما رفعه: ((من حلف على يمين فقال إن شاء الله فلا حنث عليه)). رواه الترمذى وحسنه، كذا فى "الدراية" (٢٢٨). وفى "الفتح" (٥٢٤:١١). وصححه الحاكم اهـ. لا يقال: إن أحمد احتج به وهو مجتهد فى الفقه والحديث. واحتجاج مثله بحديث تصحيح له، لأنا لا نسلم احتجاجه به، وما روى عنه: "أن الاستثناء لا يدخل فى العتق". إنما هو رواية عنه، واحتج بتشوف الشارع له دون هذا الحديث. كما هو ظاهر كلام الحافظ. وإن كان مجرد موافقة قوله للحديث داخلا فى الاحتجاج فنقول: ما ذكرناه من الأحاديث فى المتن قد وافقه قول الجمهور من الفقهاء والمحدثين المجتهدين. فهو أولى بالأخذ منه كما لا يخفى. وفى الجوهر النقى: ثم ذكر البيهقى حديثا فى سنده حميد بن مالك. فقال: مجهول. قلت: روى عنه ابنه الربيع وإسماعيل بن عياش ومعاوية بن حفص والمسیب ابن شریك. کذا ذکر ابن عدی، فليس هو بمجهول لكنه ضعيف اهـ (١١٨:٢). قوله: "عن ابن عمر" إلخ. قلت: اليمين فى الأصل القوة، ثم استعمل فى القسم لكونه مؤكدا. فهو فى الأصل يعم كل كلام مؤكد لازم الأثر فيدخل فيه الطلاق والعتاق بجامع لزوم الأثر، وأيضا، فقوله تعالى: ﴿ولا تقولن لشىء إنى فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله﴾، يفيد أن هذا الضرب من الاستثناء يدخل لرفع حکم الكلام، حتی یکون وجوده وعدمه سواء. وذلك لأن الله تعالى ندبه إلى الاستثناء بمشية الله تعالى لئلا يصيره كاذبا بالحلف فدل على أن حكمه ما وصفنا. ويدل عليه أيضا: قوله عز وجل حاكيا عن موسى عليه السلام: ﴿ستجدنى إن شاء الله صابرا﴾. فلم يصبر، ولم يك كاذبا لوجود الاستثناء فى كلامه فدل على أن معناه ما وصفناه من دخوله فى الكلام لرفع حكمه. فوجب أن لا يختلف حكمه فى دخوله على اليمين، أو على إيقاع الطلاق، أو على العتاق. كذا قال الجصاص فى "أحكام القرآن" (٢١٣:٣). الفائدة: قال الحافظ فى الفتح: "واتفق العلماء كما حكاه ابن المنذر على أن شرط الحكم بالاستثناء أن يتلفظ المستثنى به، وأنه لا يكفى القصد إليه بغير لفظ. قال ابن المنذر: واختلفوا فى وقته، فالأكثر على أنه يشترط أن يتصل بالحلف. قال مالك: إذا سكت أو قطع كلامه فلا ثنيا. وقال الشافعى: يشترط وصل الاستثناء بالكلام الأول، ووصله أن يكون نسقا، فإن كان بينهما سكوت انقطع إلا إن كانت سكتة تذكر، أوعى، أو انقطاع صوت. وكذا يقطعه الأخذ فى كلام آخر. وعن طاوس والحسن: له أن يستثنى ما دام فى المجلس وعن أحمد نحوه. وقال: ما دام فى ج - ١١ ١٩٧ باب طلاق المريض باب أن المطلقة بطلقة قاطعة للنكاح فى مرض موت الزوج ترث منه ٣٢٩٢- ثنا عباد بن العوام عن أشعب عن الشعبى: "أن أم البنين ابنة عيينة بن ذلك الأمر. وعن إسحاق مثله، وقال: إلا أن يقع سكوت. وعن قتادة: إذا استثنى قبل أن يقوم أو يتكلم. وعن عطاء: قدر حلب ناقة. وعن سعيد بن جبير: إلى أربعة أشهر، وعن مجاهد: بعد سنتين. وعن ابن عباس أقوال، منها: ولو بعد حين. وعنه كقول سعيد، وعنه سنة، وعنه شهر وعنه أبدا. قال أبو عبيد: وهذا لا يؤخذ على ظاهره، لأنه يلزم منه أن لا يحنث أحد فى يمينه، وأن لا تتصور الكفارة التى أوجبها الله تعالى على الحالف. قال: ولكن وجه الخبر سقوط الإثم عن الحالف لتركه الاستثناء لأنه مأمور به فى قوله تعالى: ﴿ولا تقولن لشىء إنى فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله". فقال ابن عباس: إذا نسى أن يقول إن شاء الله يستدركه. ولم يرو أن الحالف إذا قال ذلك بعد أن انقضى كلامه أن ما عقده باليمين ينحل. وحاصله حمل الاستثناء المنقول عنه على لفظ إن شاء الله فقط، وحمل(١) إن شاء الله على التبرك. ومن الأدلة على اشتراط اتصال الاستثناء بالكلام قوله فى حديث الباب: "فليكفر عن يمينه". فإنه لو كان الاستثناء يفيد بعد قطع الكلام لقال فليستثن، لأنه أسهل من التكفير، و کذا قوله تعالى: لأيوب: ﴿خذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث﴾ فإن قوله: استثن أسهل من التحيل لحل اليمين بالضرب، وللزم منه بطلان الإقرارات والطلاق والعتاق. فيستثنى من أقر أو طلق أو أعتق بعد زمان، ويرتفع حكم ذلك فالأولى تأويل ما نقل عن ابن عباس وغيره من السلف فى ذلك" اهـ. ملخصا (٥٢١:١١). باب أن المطلقة بطلقة قاطعة للنكاح فى مرض موت الزوج ترث منه قوله: "ثنا إلخ". قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة. ولا ذكر فيه لنوع الطلاق لكن (١) قال الحافظ: "وعليه حمل الحديث المرفوع الذى أخرجه أبو داود وغيره موصولا ومرسلا: أن النبى معَ ةٍ قال: ((والله لأغزون قريشا ثلاثا)). ثم سكت، ثم قال: ((إن شاء الله، أو على السكوت لتنفس ونحوه)) اهـ. وأجاب الجصاص فى أحكام القرآن: "بأن شريكا رواه عن سماك (عن عكرمة) أنه مرٍّ قال: والله لأغزون قريشا ثلاثا، ثم قال فى آخرهن: إن شاء الله. فأخبر أنه استثنى فى آخرهن، وذلك يقتضى اتصاله باليمين، وهو أولى" اهـ. (٢١٤:٣). قلت: ورواية شريك هذه أخرجها أبو داود وابن حبان كما فى التلخيص، وأخرج أبو داود عن مسعر عن سماك عن عكرمة يرفعه بلفظ: "والله لأغزون قريشا، ثم قال: إن شاء الله، ثم قال: والله لأغزون قريشا إن شاء الله، ثم قال: والله لأغزون قریشا، ثم سكت: ثم قال: إن شاء الله" اهـ. (١١٦:٢) .. ١٩٨ المطلقة فى مرض موت الزوج ترث منه إعلاء السنن حصين كانت تحت عثمان بن عفان رضى الله عنه فلما حصر طلقها، وقد كان أرسل إليها يشترى منها ثمنها، فأبت. فلما قتل أتت عليا رضى الله عنه فذكرت ذلك له فقال: تركها حتى إذا أشرف على الموت طلقها فورثها". رواه ابن أبى شيبة، وهذا السند رجاله على شرط مسلم (الجوهر النقى ٢: ١١٩). ٣٢٩٣- فى مصنف ابن أبى شيبة: ثنا جرير بن عبد الحميد عن مغيرة عن إبراهيم عن شريح، قال: "أتانى عروة البارقى من عند عمر فى الرجل يطلق امرأته ثلاثا فى مرضه: أنها ترثه ما دامت فى العدة ولا يرثها". (الجوهر النقى ٢: ١١٨). وفيه أيضا: قال ابن حزم: "وإنما يصح من هذا الطريق اهـ". ٣٢٩٤- قال ابن أبى شيبة: ثنا يزيد بن هارون أنا سعيد بن أبى عروبة عن هشام ابن عروة عن أبيه عن عائشة قالت فى المطلقة ثلاثا وهو مريض: "ترثه ما دامت فى العدة". (الجوهر النقى ٢: ١١٨). قلت: رجاله ثقات مشهورون ومن رجال الجماعة لكن فيه انقطاعا، فإن سعيدا لم يسمع عن هشام وهو غير مضر عندنا. ٣٢٩٥- عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان قال: " كانت عند يحمل على القاطع، لما ورد فى آثار أخرى، علا أنه لو كان رجعيا لم تكن تحتاج المرأة إلى الاستفسار من سيدنا على رضى الله عنه فى التوريث، فإن الرجعى يبقى معه النكاح. قوله: "فى مصنف" إلخ. قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة. وقال بعض الناس: "لكن قول عمر رضى الله عنه: ولا يرثها لم نعمل به" اهـ. وهذا غلط بين منشأه الجهل بمذهب الحنفية. فقد صرح فى "الهداية" و"فتح القدير" بحرمان الزوج عن ميراثها بتطليقه إياها طلاقا بائنا. ففى "الهداية": "والزوجية فى هذه الحالة ليست بسبب لإرثه عنها، فتبطل فى حقه خصوصا إذا رضى به" اهـ. قال المحقق فى الفتح: "قوله: فتبطل برفع الأم أى فتبطل الزوجية بالطلاق البائن فى حق الرجل حقيقة وحكما، فلا يرثها إذا ماتت" اهـ (٤: ٤). فمذهب الحنفية فى الباب موافق لقول عمر رضى الله عنه سواء. قوله: "قال ابن أبى شيبة" إلخ. قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة. قوله: "عن يحيى" إلخ. قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة. ١٩٩ ج - ١١ المطلقة فى مرض موت الزوج ترث منه جدی حبان امرأتان هاشمية وأنصارية. فطلق الأنصارية وهى ترضع. فمرت بها سنة ثم هلك ولم تحض، فقالت: أنا أرثه لم أحض، فاختصمتا إلى عثمان بن عفان، فقضى لها بالميراث. فلامت الهاشمية عثمان. فقال: هذا عمل ابن عمك، هو أشار علينا بهذا يعنى على ابن أبى طالب رضى الله عنه". رواه الإمام مالك فى "موطأ" (٢٠٨). قلت: رجاله رجال الجماعة وسنده صحيح. قال بعض الناس: ويشير الأثر إلى أن مذهب عثمان رضى الله عنه كان توريث المرأة فى العدة دون بعد انقضائها، فإنه لا بد من أن يذكر عنده أنها لم تحض ولم تنقض عدتها، فلو كان مذهبه رضى الله عنه توريثها بعد انقضائها لقال لو حضت وانقضت عدتك لورثتك. فما نقل عنه رضی الله عنه وسیأتی فی حواشی آخر آثار الباب من أنه ورث امرأة بعد انقضاء عدتها إن ثبت عنه كان مرجوعا عنه، فافهم. قلت: ولو رأى بعض الناس هذا الأثر فى التلخيص الحبير لاستغنى عن قوله، فإنه لا بد أن يذكر عنده أنها لم تحض ولم تنقض عدتها. قال الحافظ: "حديث حبان بن منقذ أنه طلق امرأته طلقة واحدة، وكانت لها منه بنية صغيرة ترضعها، فتباعد حيضها، ومرض حبان، فقيل له: إنك إن مت ورثتك، فمضى إلى عثمان وعنده على وزيد، فسأله عن ذلك. فقال لعلى وزيد: ما تريان؟ فقالا: نرى أنها إن ماتت ورثها وإن مات ورثته، لأنها ليست من القواعد اللائی يئسن من المحيض، ولا من اللائی لم يحضن. فحاضت حيضتين ومات حبان قبل انقضاء الثالثة. فورثها عثمان. الشافعى (رواه) عن سعيد بن سالم (حسن الحديث) عن ابن جريج عن عبد الله بن أبى بكر، أن رجلا من الأنصار يقال له حبان بن منقذ، طلق امرأته وهو صحيح، وهى ترضع ابنته فذكره بتمامه. وأخرجه البيهقى من هذا الوجه" اهـ (٣٢٧:٢). وفيه دلالة صريحة على أن عثمان إنما ورثها منه لكونه مات فى عدتها ولم تحض حيضة ثالثة، وفيه دلالة أيضا على أن العدة بالحيض دون الأطهار. واستبان به أن هذا الأثر لا يليق بالباب، لكون حبان لم يطلق ثلاثا ولا بائنا، وإنما طلقها طلقة واحدة وهو صحيح، ثم مرض فى أثناء عدتها. وفى مثل ذلك يتوارثان بالاتفاق إذا مات أحدهما قبل انقضاء العدة. قال المحقق فى الفتح: "وقيد بالبائن لأن فى الرجعى يرثها وترثه فى العدة، وإن طلق فى الصحة، لقيام النكاح. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم أن فى طلاق يملك الرجعة بعد الدخول يتوارثان فى العدة" اهـ (٢:٤). وفى الاستذكار: "روى عن عمر وعلى فى المطلق ثلاثا وهو مريض أنها ترثه إن مات فى مرضه ذلك. وروى مثله عن عائشة، ولا أعلم لهم مخالفا من ٢٠٠ المطلقة فى مرض موت الزوج ترث منه إعلاء السنن ٣٢٩٦- أخبرنا هشيم عن الحجاج بن أرطاة عن ابن أبى مليكة عن عبد الله بن الزبير: "أن عبد الرحمن بن عوف طلق امرأته وهو مريض البتة. فحاضت حيضتين ثم مات. فورثها منه عثمان بن عفان رضى الله عنه. فقال ابن الزبير: فلولا أن عثمان رضى الله عنه ورثها ما رأينا للمطلقة الثلاث ميراثا". رواه الإمام محمد فى كتاب الحجج (٣٦٧). قلت: رجاله رجال الصحيحين والحجاج فيه كلام مشهور لكنه مختلف فيه، فلا يسقط عن درجة الاحتجاج، ورواه ابن حزم بإسناده عن ابن الزبير نحوه (الجوهر النقي ٢: ١١٩). ٣٢٩٧- عن ابن جريج أخبرنى ابن أبى مليكة: "أنه سأل عبد الله بن الزبير فقال الصحابة، وجمهور علماء المسلمين وافقوا الصحابة إلا طائفة فإنهم وافقوا ابن الزبير فى أن لا ترث مبتوتة بحال" اهـ. كذا فى "الجوهر النقى" (١١٩:٢). قلت: إجماع الصحابة مقدم على خلاف ابن الزبير، فلا يكون قادحا، على أن ابن الزبير لعله خالفهم أولا برأيه، ثم رجع إلى قضاء عثمان، كما دلت الآثار عليه. قوله: "أخبرنا هشيم" إلخ. قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة. وهذا يدل على أن ابن الزبير رجع عن قوله السابق، وهو أن لا ترث مبتوتة بحال كما نقله فى "الجوهر النقى" عن "الاستذكار" (١١٩:٢) إلى قول عثمان رضى الله عنه. قوله: "عن ابن جريج" إلخ. قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة. وفى موطأ مالك عن ابن. شهاب عن طلحة بن عبد الله بن عوف. قال: وكان أعلمهم بذلك. وعن أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف: "أن عبد الرحمن بن عوف طلق امرأته البتة وهو مريض، فورثها عثمان بن عفان منه بعد انقضاء عدتها" اهـ (٢٠٨). فهذا يدل على خلاف حديث ابن جريج. وقال الإمام الشافعى رضى الله عنه: هذا منقطع، وحديث ابن الزبير متصل، (وهو حديث ابن جريج رواه الشافعى بواسطة عنه كما فى "التلخيص" ٣٢١:٢). وفى "الجوهر النقى" (١١٨:٣) عن البيهقى أنه قال (أى الشافعى رحمه الله) فى الإملاء: "ورثها عثمان بعد انقضاء العدة، وهو فيما يخيل إلى أثبت الحديثين" اهـ. وفيه أيضا (١١٨:٢): "وفى الاستذكار: اختلف عن عثمان رضى الله عنه هل ورث زوجة عبد الرحمن فى العدة أو بعدها، وأصح الروايات أنه ورثها بعد انقضاء العدة" اهـ. قلت: فقد تعارض قولا الشافعى رضى الله عنه، لكن الترجيح عندنا لحديث ابن جريج لموافقته