النص المفهرس
صفحات 141-160
١ ١٤١ المنع من طلاق فى الحيض أمسك بعد، وإ شاء طلق قبل أن يمس)) الحديث. رواه البخارى (٧٩٠:٢). وفى فتح البارى (٣٠٨:٩): وعند الدارقطنى فى رواية شعبة عن أنس بن سيرين عن ابن عمر فى القصة فقال عمر: يا رسول الله! أفتحتسب بتلك التطليقة؟ قال: "نعم!" ورجاله إلى شعبة(١) ثقات، أى والباقون من رجال الصحيح، فإن البخارى رواه من طريق شعبة عن أنس ابن سیرین عن ابن عمر. الحقيقة الشرعية مقدم على اللغوية اتفاقا. قاله الحافظ فى "الفتح" (٢٠٧:٩) على تصريح صاحب القصة بأنها حسبت عليه تطليقة، والقياس فى معارضة النص فاسد الاعتبار، وقد عورض بقياس أحسن من قياسه. فقال ابن عبد البر: "ليس الطلاق من أعمال البر التى يتقرب بها، وإنما هو إزالة عصمة فيها حق آدمى، فكيفما أوقعه وقع سواء أجر فى ذلك أو اثم، ولو لزم المطيع ولم يلزم العاصى لكان العاصى أخف حالا من المطيع". وأما التنصيص على صريح الأمر بالرجعة فلا يسع لأحد انكاره، فقد توافقت الروايات على ذلك وتواترت. وأما تصريح صاحب القصة بأنها حسبت عليه تطليقة، فقد أخرجه البخارى بطریق شعبة عن أنس بن سیرین، و عن قتادة عن يونس بن جبير عن ابن عمر. قلت: تحتسب؟ قال: "أ رأيته إن عجز واستحمق". وأخرجه مسلم فذكره أتم منه، وفى أوله: سأل ابن عمر عن رجل طلق امرأته وهى حائض، وفيه: "مره فليراجعها، ثم إن بدأ له طلاقها طلقها فى قبل عدتها وفى قبل طهرها"، قال: قلت لابن عمر: أفتحتسب طلاقها ذلك طلاقا؟ قال: "نعم! أرأيت إن عجز واستحمق". وأخرج البخارى بطريق سعيد بن جبير عن ابن عمر قال: حسبت على بتطليقة وأجاب ابن حزم عن قول ابن عمر هذا: بأنه لم يصرح بمن حسبها عليه، ولا حجة فى أحد دون رسول الله مَ له. وتعقب بأنه مثل قول الصحابى: أمرنا فى عهد رسول الله ◌َّ بكذا فإنه ينصرف إلى من له الأمر حينئذ، وهو النبى معَّه بل هذا أقوى منه وأصرح فإن النبى معَّ هو الآمر بالمراجعة، وهو المرشد لاين عمر فيما يفعل إذا أراد طلاقها بعد ذلك وإذا أخبر آبن عمر أن الذى وقع منه حسبت عليه بتطليقة كان احتمال أن يكون الذى حسبها عليه غير النبى عَّه بعيدا جدا. وقد أخرج ابن وهب فى "مسنده" عن ابن أبى ذهب أن نافعا أخبره: أن ابن رى فافهم. ١٤٢ إعلاء السنن باب إيقاع الثلاث مجموعة معصية وإن وقعن كلهن. ٣٢٤٤ - عن محمود بن لبيد رضى الله عنه قال: أخبر رسول الله عَّ له عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا، فقام غضبانا ثم قال: ((أ يلعب بكتاب الله وأنا بين عمر طلق امرأته وهى حائض. فسأل عمر رسول الله عَّ ةٍ عن ذلك. فقال: "مره فليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر". قال ابن أبى ذئب فى الحديث عن النبى مرّ له: ((وهى واحدة)). قال ابن أبى ذئب: وحدثنى حنظلة بن أبى سفيان أنه سمع سالما يحدث عن أبيه عن النبى عَ ظله. وأخرجه الدار قطنى من طريق يزيد بن هارون عن ابن أبى ذئب وابن إسحاق جميعا عن نافع عن ابن عمر عن النبى عّ لّ، قال: "هى واحدة". وهذا نص فى موضع الخلاف فيجب المصير إليه. وعند الدارقطنى فى رواية شعبة عن أنس بن سيرين عن ابن عمر فى القصة فقال عمر: يا. رسول الله! أفتحتسب بتلك التطليقة؟ قال: "نعم". وقد أورده بعض العلماء على ابن حزم. فأجابه. بأن قوله: "هى واحدة". لعله ليس من كلام النبى ◌ّ فألزمه بأنه نقض أصله، لأن الأصل لا يدفع بالاحتمال. (وأيضا فما زاده أبو الزبير من قوله: "ولم يرها شيئاً". يحتمل كذلك، أنه ليس مضافا إلى النبى معَّه بل الضمير راجع إلى ابن عمر، وأنه لم يربهذه التطليقة بأسا حتى عاتبه النبى معَ له فافهم). وعند الدار قطنى من طريق سعيد بن عبد الرحمن الجمحى عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن رجلا قال: إنى طلقت امرأتى البتة وهى حائض، فقال: "عصيت ربك وفارقت امرأتك"، قال: فإن رسول الله مرّه امر ابن عمر أن يراجع امرأته. قال: "إنه امر ابن عمر أن يراجعها بطلاق بقى له، وأنت لم تبق ما ترتجع به امرأتك". وفى هذا السياق رد على من حمل الرجعة فى قصة ابن عمر على المعنى اللغوى. قال ابن عبد البر: واحتج بعض من ذهب إلى أن الطلاق لا يقع بما روى عن الشعبى قال: إذا طلق الرجل امرأته وهى حائض لم يعتد بها فى قول ابن عمر. قال ابن عبد البر: وليس معناه ما ذهب إليه، وإنما معناه لم تعتد المرأة بتلك الحيضة فى العدة، كما روى عنه منصوصا أنه قال: يقع عليها الطلاق، ولا تعتد بتلك الحيضة اهــ ملخصاً من "فتح البارى (٣٠٧:٩ و٣٠٨ و٣٠٩)، والله تعالى أعلم، ومن أراد البسط، فليراجعه. باب إيقاع الثلاث مجمو عة معصية وإن وقعن كلهن قال المؤلف: دلالة مجموع أحاديث الباب على مجموعه ظاهرة. أما ما رواه الإمام أحمد، كما فى "النيل" (١٥١:٦) عن سهل بن سعد قال: لما لاعن أخو بنى عجلان امرأته، قال: "يا رسول الله! ظلمتها إن أمسكتها هى الطلاق، هى الطلاق، وهى الطلاق" اهـ. فهذا يدل على ١٤٣ ج - ١١ حكم الطلاق الثلاث أظهر كم؟)) حتى قام رجل وقال: يا رسول الله عّ لّه! ألا أقتله؟ رواه النسائي (٩٩:٢). وقال فى "الجوهر النقى": بسند صحيح (١١٣:٢)، وفى "النيل" (١٥٠:٦): قال ابن كثير: إسناده جید. ٣٢٤٥- عن أنس، "أن عمر رضى الله عنه كان إذا أتى برجل طلق امرأته ثلاثا أوجع ظهره". أخرجه سعيد بن منصور وسنده صحيح (فتح البارى ٣١٥:٩). جواز إيقاع الثلاث فى مجلس حيث لم ينكر عليه النبى معَ له، ونفس اللعان لا يبينها عندنا. فالجواب عنه أنه واقعة حال فلا يعارض ما مر من الأحاديث الدالة على كونها معصية فافهم. وأما ما رواه أبو داود عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال: "طلق ركانة بن عبد يزيد امرأته ثلاثا فى مجلس واحد، فحزن عليها حزنا شديدا، فسأله النبى عّ لّ كيف طلقتها؟ قال: ثلاثا فى مجلس فقال النبى عدّ له: ((إنما تلك واحدة، فارتجعها إن شئت، فارتجعها)). وأخرجه أحمد رحمه الله وأبو یعلی وصححه من طريق محمد بن إسحاق وهذا كله فى "فتح البارى" (٣١٦:٩). فالجواب عنه: أما أولا فبأنه مضطرب المتن جدا كما ستعرفه، وأيضا فإنه يعارض فتوى ابن عباس مما مر فى المتن بأسانيد صحيحة، فلا يظن بذلك الحبر التقى أنه كان عنده هذا الحكم عن النبى عَّ ◌ُلّه ثم يفتى بخلافه إلا بمرجح ظهر له، وراوى الخبر أخبر من غيره بما روى، فالمعتمد على قول الراوى دون روايته، فيقال: إنه ثبت عنده نسخ تلك الرواية تأمل. ويقوى هذا الجواب ما فى "فتح البارى": "أخرج مسلم من طريق عبد الرزاق عن معمر عن عبد الله بن طلوس عن أبيه عن ابن عباس قال: "كان الطلاق على عهد رسول الله عز له وأبى بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة. فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا فى أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم". ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه أن أبا الصنهباء قال لابن عباس: أتعلم إنما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد رسول الله عَ لّه وأبى بكر وثلاثا من إمارة عمر؟ قال ابن عباس: "نعم"! ومن طريق حماد بن زيد عن أيوب عن إبراهيم بن ميسرة عن طاوس أن أبا الصهباء قال لابن عباس: ألم يكن طلاق الثلاث على عهد رسول الله عّ لّه واحدة؟ قال: "قد كان ذلك فلما كان فى عهد عمر تتابع الناس فى الطلاق فأجازه عليهم". وهذه الطريق الأخيرة أخرجها أبو داود ولكن لم يسم إبراهيم بن ميسرة، وقال بدله عن غير واحد، ولفظ المتن: "أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة الحديث" اهـ. ١٤٤ حكم الطلاق الثلاث إعلاء السنن ٣٢٤٦- ثنا ابن نمير عن الأعمش عن مالك بن الحارث عن ابن عباس أتاه رجل فقال: إن عمى طلق امرأته ثلاثا، فقال: "إن عمك عصى الله فأندمه الله فلم يجعل له مخرجا". أخرجه ابن أبى شيبة وهذا سند صحيح (الجوهر النقى، ١١٢:٢). ٣٢٤٧- عن مجاهد قال: كنت عند ابن عباس رضى الله عنهما فجاءه رجل فقال: إنه طلق امرأته ثلاثا. فسكت حتى ظننت أنه سيردها إليه، فقال: ينطلق أحدكم فيركب الأحموقة ثم يقول يا ابن عباس يا ابن عباس، إن الله قال: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجا﴾. وإنك لم تتق الله فلا أجد لك مخرجا، عصيت ربك، وبانت منك امرأتك. أخرجه أبو داود بسند صحيح (فتح البارى، ٢١٦:٩). وفيه أيضا: أخرج أبو داود من طريق يزيد النحوى عن عكرمة عن ابن عباس قال: "كان الرجل إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثا فنسخ ذلك" اهـ (٣١٦:٩ و٣١٧). وهذا صريح فى النسخ فيجب المصير إليه. ويحمل ما رواه مسلم وغيره عن ابن عباس كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد رسول الله وأبى بكر وثلاثا من إمارة عمر على أن بعض الناس كانوا يرونها واحدة لعدم علمهم بالنسخ حتى أظهره عمر رضى الله عنه فأجمعوا عليه، وأما ثانيا فيما فى "فتح البارى". "أن أبا داود رجح أن ركانة إنما طلق امرأته البتة. كما أخرجه هو من طريق آل بيت ركانة، وهو تعليل قوى لجواز أن يكون بعض رواته حمل البتة على الثلاث فقال: طلقها ثلاثا، فبهذه النكتة يقف الاستدلال بحديث ابن عباس" (٣١٦:٩). وفى "فتح البارى" أيضا: " وفى الجملة فالذى وقع فى هذه المسألة نظير ما وقع فى مسألة المتعة سواء، أعنى قول جابر أنها كانت تفعل ..... فى عهد النبى مرّه وأبى بكر وصدر من خلافة عمر، قال: ثم نهانا عمر عنها فانتهينا، فالراجح فى الموضعين تحريم المتعة وإيقاع الثلاث للإجماع الذى انعقد فى عهد عمر رضي الله عنه على ذلك. ولا يحفظ أن أحدا فى عهد عمر خالفه فى واحدة منهما، وقد دل إجماعهم على وجود ناسخ وإن کان خفی عن بعضهم قبل ذلك حتى ظهر لجميعهم فى عهد عمر، فالمخالف بعد هذا الإجماع منابذ له. والجمهور على عدم اعتبار من أحدث الاختلاف بعد الاتفاق" (٣١٩:٩). والجواب الكلى عن أثر ركانة وأثر طاوس عن ابن عباس أن أثر ركانة مضطرب المتن. فقد رواه بعضهم بلفظ: "طلق ركانة امرأته ثلاثا". وبعضهم بلفظ: "طلقها البتة". وقد عرفت أن أبا داود رجح أن ركانة إنما طلق امرأته البتة، فلا حجة فى المرجوح وإن استويا فلا حجة فى واحد ج - ١١ حكم الطلاق الثلاث ١٤٥ ٣٢٤٨- عن يونس بن يزيد رحمه الله قال: سألت ابن شهاب عن رجل جعل أمر امرأته بيد أبيه قبل أن يدخل بها، فقال أبوه: هى طالق ثلاثا، كيف السنة فى ذلك؟ فقال: أخبرنى محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان مولى بنى عامر بن لؤى أن محمد بن إياس بن بكير الليثى وكان أبوه شهد بدرا أخبره أن أبا هريرة قال: "بانت عنه فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره ". وأنه سأل ابن عباس عن ذلك فقال مثل قول أبى هريرة وسأل منهما. وأثر طاوس عن ابن عباس تفرد به طاوس عنه وخالفه الأكثرون فرووا عن ابن عباس أنه أمضى الثلاث ولم يجعل له مخرجا، وظاهر سياق أثر طاوس يقتضى النقل عن جميعهم أن معظمهم کانوا یرون ذلك. والعادة فى مثل هذا أن یفشوا الحکم وینتشر، فکیف ینفرد به واحد عن واحد؟ فهذا الوجه يقتضى التوقف عن العمل بظاهره وإن لم يقتض القطع ببطلانه مع وقوع الاضطراب فى متنه أيضا. فقد أخرجه أبو داود بلفظ: "أن الرجل كان إذا طلق المرأة ثلاثا(١) قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة"، الحديث كما تقدم. قال القرطبى: "وحجة الجمهور فى اللزوم من حيث النظر ظاهرة جدا، وهو أن المطلقة ثلاثا لا تحل للمطلق حتى تنكح زوجا غيره، ولا فرق بين مجموعها ومفرقها لغة وشرعا، وما يتخيل من الفرق صورى ألغاه الشرع اتفاقا فى النكاح والعتق والأقارير. فلو قال الولى أنكحتك هؤلاء الثلاث فى كلمة واحدة انعقد، كما لو قال أنكحتك هذه وهذه وهذه، وكذا فى العتق والإقرار وغير ذلك من الأحكام، كذا فى "فتح البارى." (٣١٨:٩). وأما الاحتجاج بأقيسة ترجع إلى مسألة أن النهى يقتضى الفساد وأن الطلاق الحرام باطل بالنكاح، فقد عورضت بقياس أحسن منه كما ذكرناه عن ابن عبد البر سبابقا، وأنه لو لزم المطيع ولم يلزم العاصى لكان العاصى أخف حالا من المطيع، وهذا خلاف موضوع الشرع فافهم. ولا تكن من الغافلين. قلت: والعجب من الشيعة هداهم الله أنهم كيف جعلوا الطلقات الثلاث واحدة؟ وقد روى الدار قطنى عن سلمة بن الفضل عن عمرو بن أبى قيس عن إبراهيم بن عبد الأعلى عن سويد بن غفلة قال: كانت عائشة الخثعمية عند الحسن ابن على بن أبى طالب، فلما أصيب على وبويع الحسن بالخلافة قالت: لتهنك الخلافة يا أمير المؤمنين! فقال: يقتل على وتظهرين الشماتة؟ اذهبى فأنت طالق ثلاثا، قال: فتلفعت نساجها وقعدت حتى انقضت عدتها، وبعث إليها (١) معناه إذا طلقها ثلاثا متفرقات، وأما إذا طلقها ثلاثا مجتمعات بكلمة واحدة فھی ثلاث اتفاقا، کما سیأتی ذلك عن ابن عباس صريحا (المؤلف). ١٤٦ حكم الطلاق الثلاث إعلاء السنن عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال مثل قولهما. رواه أبو بكر البرقانى فى كتابه المخرج علی الصحیحین (نيل الأوطار ١٥٢:١). بعشرة آلاف متعة، وبقية بقى لها من صداقها. فقال: متاع من جيب مفارق. فلما بلغه قولها بكى، وقال: لو لا أنى سمعت جدى، أو حدثنى أبى أنه سمع جدى يقول: "أيما رجل طلق امرأته ثلاثا مبهمة أو ثلاثا عند الأقراء لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره"، لراجعتها اهـ. وسنده حسن ليس فيه أحد متكلم فيه غير عمرو بن أبى قيس الأزرق، ولكنه صدوق له أوهام. وقال أبو داود: لا بأس به فى حديثه خطأ، وغير راويه سلمة بن الفضل قاضى الرى. ولكن قال ابن معين: هو يتشيع وقد كتبت عنه وليس به بأس، كذا فى "التعليق المغنى" (٤٣٧:٢). وفى "مجمع الزوائد" (٣٣٩:٤): رواه الطبرانى وفى رجاله ضعف وقد وثقوا اهـ. فالحديث حسن حجة على الكل لا سيما على الشيعة، فإن من تكلم فيه من رواته إنما تكلم فيه لأجل تشيعه. وقد أخرجه الدار قطنى بطريق آخر وفيه: فبكى وقال: لو لا أنى أبنت الطلاق لها لراجعتها، ولكنى سمعت رسول الله عَ ◌ّه يقول: ((أيما رجل طلق امرأته ثلاثا عند كل طهر تطليقة، أو عند رأس كل شهر تطليقة، أو طلقها ثلاثا جميعا لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره". وفى سنده عمرو بن شمر الجعفى الكوفى الشيعى. قال ابن حبان: رافضى يشتم الصحابة كذا فى التعليق المغنى. فهو حجة على الإمامية خاصة. وقد أخرج البيهقى عن بسام الصير فى قال: سمعت جعفر بن محمد يقول: "من طلق امرأته ثلاثا بجهالة أو علم فقد برئت". وعن مسلمة ابن جعفر الأحمس قال: قلت لجعفر بن محمد رضى الله عنهما: يزعمون أن من طلق ثلاثا بجهالة رد إلى السنة يجعلونه واحدة يروونها عنكم. قال: "معاذ الله! إما هذا من قولنا من طلق ثلاثا فهو كما قال:، وما أخذ به الإمامية يروونه عن على كرم الله وجهه مما لا ثبت له، والأمر على خلافه وقد افتراه على على رضى الله عنه شيخ بالكوفة وقد أقر بالافتراء لدى الأعمش رحمه الله تعالى. فليحفظ ما تلوناه فإنى لا أظنك تجده مسطورا فى كتاب كذا فى "تفسير روح المعانى" (١٢٠:٢). ومن أراد البسط فى الباب فليراجع رسالة "الإنقاذ من الشبهات فى إنفاذ المكروه من الطلقات" لبعض الأحباب ألحقناها بحاشية الكتاب تتميما للفائدة وتعميما للعائدة، والله الموفق. ١٤٧ ج - ١١ الإنقاذ من الشبهات فى إنفاذ المكروه من الطلقات بسم الله الرحمن الرحيم حامدا ومصليا - أما بعد! فيقول حبيب أحمد الكيرانوى: لما رأيت ابن القيم وأتباعه يكثرون الشغب فى مسألة وقوع الطلاق البدعى، وطلاق الثلاث جملة، سواء كان بلفظ واحد أو بثلاث ألفاظ، ويقولون: الطلاق البدعى لا يقع، ولا يقع من الثلاث إلا واحدة، ويخالفون فيه جمهور الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين، رأيت أن أتكلم على المسألتين بكلام مشبع مزيل لشغبهم، فألفت رسالة تحتوى على عامة مباحث هاتين المسألتين متمسكا بالإنصاف ومتجنبا عن الاعتساف، وجعلتها جزء بحواشى الإعلاء السنن، تتميما للفائدة، فأقول: الكلام ههنا فى مسألتين، المسألة الأولى فى وقوع الطلاق فى الحيض وكل طلاق بدعى، والثانية فى وقوع الطلقات الثلاث جملة بلفظ واحد وبثلاثة ألفاظ. فنقول: المسألة الأولى فى وقوع الطلاق فى الحيض والطلاق البدعى. حدثنا: إسماعيل بن عبد الله قال: حدثنى مالك عن نافع عن ابن عمر أنه طلق امرأته وهى حائض على عهد رسول الله عَّ له، فسأل عمر بن الخطاب رسول الله عَ له عن ذلك فقال رسول الله عَّ ◌ُله: ((مره فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض، ثم تطهر ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التى امر الله أن يطلق لها النساء". أخرجه البخارى. وحدثنا: سليمان بن حرب حدثنا شعبة عن أنس بن سيرين قال: سمعت ابن عمر قال: طلق ابن عمر امرأته وهى حائض، فذكر عمر لنبى عرّه، فقال: "ليراجعها" قلت: تحتسب؟ قال: "فمه"؟ وعن قتادة عن يونس بن جبير عن ابن عمر قال: "مره فليراجعها"، قلت: تحتسب؟ قال: "أرأيته إن عجز واستحمق". أخرجهما البخارى. حدثنا: أبو معمر حدثنا عبد الوارث حدثنا أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عمر قال: "حسبت على بتطليقة". أخرجه البخارى. وعن ابن شهاب قال: أخبرنى سالم أن عبد الله بن عمر أخبره أنه طلق امرأته وهى حائض، فذكر عمر لرسول الله عَّ له، فتغيظ فيه رسول الله عَ لّه ثم قال: "ليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض فتطهر، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهرا قبل أن يمسها، فتلك العدة كما أمره الله". أخرجه البخارى. وحدثنا: قتيبة قال: حدثنا الليث عن نافع: "أن ابن عمر طلق امرأته وهى حائض تطليقة واحدة، فأمره رسول الله عَ لِّ أن يراجعها ثم يمسكها، حتى تطهر ثم تحيض عنده حيضة أخرى، ١٤٨ إعلاء السنن ثم يمهلها حتى تطهر من حيضتها، فإذا أراد أن يطلقها فليطلقها حتى تطهر من قبل أن يجامعها، فتلك العدة التى أمر الله أن يطلق لها النساء". وكان عبد الله إذا سئل عن ذلك (أى عن الطلاق فى الحيض) قال لأحدهم: "إن كنت طلقتها ثلاثا فقد حرمت عليك حتى تنكح زوجا غيره". زاد فيه غيره عن الليث، قال: حدثنى نافع قال ابن عمر: "لو طلقت مرة أو مرتين، فإن النبى معَّل أمرنى بهذا" رواه البخارى. وحدثنا محمد بن عبد الله بن نمير قال: نا أبى قال: نا عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال: طلقت امرأتى على عهد رسول الله عَّ وهى حائض، فذكر ذلك عمر الرسول الله عَّ ◌ُله، فقال: "مره فليراجعها، ثم ليدعها حتى تطهر، ثم تحيض حيضة أخرى، فإذا طهرت فليطلقها قبل أن يجامعها. فإنها العدة التى أمر الله أن يطلق لها النساء". قال عبيد الله: قلت لنافع: ما صنعت التطليقة؟ قال: واحدة اعتد بها، رواه مسلم. ورواه أيضا أيوب عن نافع، وقال فى رواية: فكان ابن عمر إذا سئل عن الرجل يطلق امرأته وهى حائض، يقول: "أما أنت طلقتها واحدة أو اثنتين أن رسول الله مَّ أمره أن يراجعها، ثم يمهلها حتى تحيض حيضة أخر، ثم يمهلها حتى تطهر، ثم يطلقها قبل أن يمسها. وأما أنت طلقتها ثلاثا فقد عصيت ربك فيما أمرك به من طلاق امرأتك، وبانت منك". أخرجه مسلم وأخرجه مسلم أيضا عن ابن أخى الزهرى عن عمه عن سالم بن عبد الله وقال فيه: " وكان عبد الله طلقها تطليقة فحسبت من طلاقها، وراجعها عبد الله كما أمره رسول الله عّ لّه". ورواه أيضا عن الزبيدى عن الزهرى عن سالم وقال فيه: قال ابن عمر: "فراجعتها وحسبت لها التطليقة التى طلقتها" . ورواه مسلم أيضا عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر: أنه طلق امرأته وهى حائض، فسأل عمر عن ذلك رسول الله مرّه، فقال: "مره فليراجعها حتى تطهر، ثم تحيض حيضة أخرى ثم تطهر، ثم يطلق بعد أو يمسك". ورواه أيضا مسلم عن عبد الملك عن أنس بن سيرين قال: سألت ابن عمر عن امرأته التى طلق وساق الحديث. ثم قال: قلت: فاعتددت بتلك التطليقة التى طلقت وهى حائض؟ قال: "ما لى لا أعتد بها وإن كنت عجزت واستحمقت". قلت: دلت هذه الأحاديث قاطبة على أن النبى معَّ إنما كان أمر ابن عمر أن يراجع امرأتها حين طلقها وهى حائض، وليس فى شىء متها أنه حكم ببطلان تلك الطلقة وإلغاءها رأسا، ثم الذى فهم ابن عمر من أمره بالمراجعة هو أنه لا يبطل ذلك الطلاق، بل يحتسب عليه، كما رواه ذلك عنه أنس ابن سيرين، وسعيد بن جبير ونافع، وسالم بن عبد الله بن عمر، ويونس بن جبير. وقد رواه مسلم عن أبى الزبير أن سمع عبد الرحمن بن أيمن مولى عزة يسأل ابن عمر، وأبو الزهر ج - ١١ الإنقاذ من الشبهات فى إنفاذ المكروه من الطلقات ١٤٩ يسمع، كيف ترى فى رجل طلق امرأته حائضا؟ فقال: طلق ابن عمر امرأته وهى حائض. فقال له النبى معَِّ: "ليراجعها". فردها. وقال: "إذا طهرت فليطلق أو ليمسك". وهذا يدل على أن قول النبى معَّ إنما كان هو قوله: "ليراجعها"، وقوله: "فردها"، من قول ابن عمر أورده على وجه التفسير لقوله عليه السلام ليراجعها، والتفريع عليه والاستنتاج منه، فيكون معنى قوله: "فردها")، أنه لم يقرها لا أنه أبطلها وألغاها، لأن قوله: "فردها"، وقع من ابن عمر على وجه التعريع على قوله: "ليراجعها". والاستنتاج منه، وقد عرفت أن الذى استنج منه هو وقوع الطلاق مع وجوب المراجعة، فلا بد أن يكون معنى كلامه هو ما قلنا، لئلا يلزم توجيه القول بما لا يرضى به قائله. وقد رواه أيضا أبو داود عن عبد الرزاق عن ابن جريج عن أبى الزبير أنه سمع عبد الرحمن ابن أيمن مولى عروة يسأل ابن عمر وأبو الزبير يسمع. قال: كيف ترى فى رجل طلق امرأته حائضا؟ قال: "طلق ابن عمر امرأته وهى حائض". قال عبد الله: "فردها على ولم يرها شيئا" اهـ. وقد عرفت من رواية مسلم أن الذى قاله مُّه إنما هو قوله: "ليراجعها". وقول ابن عمر: "فردها"، نتيجة لقوله: "ليراجعها"، ثم تصرف فيه الرواة على وجه الرواية بالمعنى، فحذفوا قوله: "قال رسول الله عَ ليهِ: ليراجعها". وأقاموا مقامه "فردها"، ثم تصرفوا فيه فزادوا فيه قوله: "على". وقالوا: "فردها على"، ثم فسروه بقولهم: "ولم يرها شيئاً"، فيكون معنى قوله: "لم يرها شيئاً"، هو معنى قوله: "ردها على". ويكون معنى قوله: "ردها على"، هو معنى قوله: "ليراجعها". وقد عرفت أن معنى قوله: "ليراجعها"، عند ابن عمر هو وقوع الطلاق مع وجوب المراجعة، فيكون معنى قوله: "ردها على ولم يرها شيئا"، هو ذلك، فيكون معناه: فردها على ولم يكتف بها بل أوجب على الرجعة منها، ولم يرها شيئا يعتد به بحيث لا يحتاج إلى الرجعة منها، وحينئذ يكون رواية أبى الزبير موافقة لسائر الرواة، ومذهب ابن عمر فى طلاق الحائض. ويبطل قول من احتج بهذه الرواية على بطلان طلاق الحائض وغيره من الطلقات البدعية، ولا يحتاج إلى القول بنكارة هذه الرواية وردها بالنكارة، كما فعل أبو داود وغيره. وقال ابن القيم فى "زاد المعاد": "إن حديث أبى الزبير صريح فى أن رسول الله مرّ طلي لم يرها شيئا، وسائر الأحاديث مجملة لا بيان فيها، لأن قوله: "فحسبت من طلاقها"، فعل مجهول، وليس فيه بيان أن رسول الله عّ لّه حسبها حتى تلزم الحجة به، وتحرم مخالفة، وكذا قوله: "أرأيت إن عجز واستحمق"، ليس فيه أيضا بيان أن رسول الله عَّ حسبها. ولو كان رسول الله عَ ليه حسبها واعتد بها عليه لم يعدل عن الجواب بفعله ١٥٠ إعلاء السنن وشرعه إلى "أرأيت" الدالة على نوع من الرأى، وعجز المطلق وحمقه لا يدل على وقوع طلاقه، بل الأظهر فيه أنه لا يعتد به، وأنه ساقط من فعل فاعله، لأنه ليس فى دين الله حكم نافذ سببه العجز والحمق عن امتثال الأمر إلا أن يكون فعلا لا يمكن رده، بخلاف العقود المحرمة التى من عقدها على الوجه المحرم فقد عجز واستحمق، فيقال: هذا أدل على الرد منه على الصحة واللزوم، فإنه عقد عاجز أحمق على خلاف الله ورسوله، فيكون مردودا باطلا، فهذا الرأى والقياس أدل على بطلان طلاق من عجز واستحمق منه على صحته واعتباره أهـ"، بملخصه. وفيه نظر. أما أولا فلأن قوله: "حديث أبى الزبير صريح فى أن رسول الله (مٍَّ لم يرها شيئا". مسلم، ولكن الكلام فى معناه، هل معناه أنه أبطله وألغاه أو معناه أنه لم يكتف به بل أوجب الرجعة؟ وقد عرفت أن معناه هو الثانى دون الأول، فلا صراحة فى حديثه على ما ادعاه من بطلان الطلاق، بل ولا دلالة، وأما ثانيا، فلأن قوله: ((لم يرها شيئا)). من قول ابن عمر أو من دونه ورد على وجه التفسير لقوله عليه السلام: ((ليراجعها)). فإن كان هذا التفسير بالرأى والاجتهاد فلا حجة فى الرأى والاجتهاد عند ابن القيم، وحينئذ يسقط الاحتجاج بهذا القول، وإن كان بالسماع فإن كان معناه إبطال ذلك الطلاق وإلغاءه فكيف ساغ لابن عمر الاجتهاد على خلاف النص؟ وإن كان معناه هو عدم الاكتفاء بذلك الطلاق من غير إبطاله وإلغائه ثبت مذهب ابن عمر بالنص، فاندفع كلام ابن القيم. وأما ثالثا، فلأن دعوى الإجمال فى غير حديث أبى الزبير باطل، لأن قول ابن عمر: "حسبت على بتطليقة" من قبيل قول ابن عباس: "إن الثلاث كانت تجعل واحدة على عهد رسول الله عَ ليه وأبى بكر"، لأنه كما أنه ليس فى قوله: "حسبت على بتطليقة"، بيان أن الحاسب کان هو رسول الله مێے، كذلك لیس فى حديث ابن عباس بيان أن الجاعل للثلاث واحدة كان هو رسول الله عَ ليه. فجعل أحدهما مجملا والآخر مفسرا تحكم بحت. وقد روى الدارقطنى من حديث عثمان بن أحمد الدقاق عن محمد ابن عبد الملك أبى قلابة (الرقاشى) عن بشر بن عمر عن شعبة عن أنس ابن سيرين قال: سمعت ابن عمر يقول: طلقت امرأتى وهى حائض إلى أن قال: فقال عمر: يا رسول الله! أفتحسب بتلك التطليقة؟ فقال: "نعم" اهـ. وفيه بيان للحاسب أنه هو رسول الله عَ ليه. ولكن فى سنده أبو قلابة الرقاشى، وقال فيه الدارقطنى: صدوق كثير الخطأ فى الأسانيد والمتون، كان يحدث من حفظه فكثر الأوهام فى روايته، وكذا نسبه إلى كثرة الوهم والخطأ أبو القاسم ابن بنت منيع، وقال سلمة: كان ثقة متقنا يحفظ حديث شعبة كما يحفظ السورة. وقال ابن جرير: ما رأيت أحفظ منه: ج - ١١ الإنقاذ من الشبهات فى إنفاذ المكروه من الطلقات ١٥١ وقال ابن خزيمة: كان اختلط، وأخرج الدارقطنى أيضًا من حديث سعيد بن عبد الرحمان الجمحى عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر: ((أن رجلا أتى عمر، فقال: إنى طلقت امرأتى البتة (أى ثلاثا)، وهى حائض. فقال: عصيت ربك وفارقت امرأتك، فقال الرجل: فإن رسول الله عَ ليه أمر ابن عمر حين فارق امرأته أن يراجعها. قال له عمر: إن رسول الله مَّه أمره أن يراجع امرأته بطلاق بقى له، وأنه لم يبق لك ما ترتجع به امرأتك))، قال لنا أبو القاسم: روى هذا الحديث غير واحد ولم يذكر فيه كلام عمر. ولا أعلمه روى هذا الكلام غير سعيد بن عبد الرحمان الجمحى، قلت: سعيد بن عبد الله عن الجمحى من رجال مسلم، وأخرج له البخارى فى كتابه فى خلق أفعال العباد، وروى أبو داود والنسائى، وقال ابن حجر فى التقريب: صدوق له أوهام. وأفرط ابن حبان فى تضعيفه. وما رواه لا يخالف ما رواه غيره، وإنما يزيد عليهم، فالحديث حجة، وهو يدل على أن الحاسب كان هو رسول الله عَ ليه، لأنه أمره أن يراجعها بطلاق بقى له، ويؤيده ما روى الدار قطنى عن طريق عثمان بن أحمد الدقاق عن الحسن بن سلام عن محمد بن سابق عن شیبان عن خروس عن الشعبى، قال: ((طلق ابن عمر امرأته واحدة وهى حائض، فانطلق عمر إلى رسول الله مرّ له فأخبره، فأمره أن يراجعها، ثم يستقبل الطلاق فى عدتها، وتحتسب بهذه التطليقة التى طلق أول مرة) اهـ، لأنه يدل على أن الحاسب كان هو رسول الله عرّ جله، وأما رابعا: فلأن قوله: ((لو كان رسول الله عرّه قد حسبها عليه لم يعدل عن الجواب بفعله وشرعه إلى أرأيت)) غير مسلم، لأنه يحتمل أن يكون عنده نص ولكن لم يذكر النص بل ذكر ما يقوى حكم النص من جهة القياس. ألا ترى أنه لو قال فى جوابه: "نعم!" ولم يقل: سمعت رسول الله عرّه، أو قال رسول الله مرّ له لكفى ولم يدل هذا على انتفاء النص، فكيف يدل قوله: أرأيت إن عجز واستحمق)) على انتفائه، وأما خامسا: فلأن قوله: "دلالة العجز والحمق على عدم الوقوع أظهر من دلالة على وقوعه"، غير مسلم، لأنه إذا استحمق وارتكب الحموقة باختياره استحق العقوبة على فعله، والعقوبة فى أن يعتبر تصرفه ويجر على الرجعة دون أن يبطل تصرفه، لأن فى إبطاله رحمة له وهو لا يستحق الرحمة لأجل التحمق، فالاستدلال مطابق لما استدل عليه، ولذا سكت السائل، ولو كان غير مطابق لعارضه بما قال ابن القيم. وقال ابن القيم أيضًا: "إنه روى محمد بن عبد السلام الخشنى عن محمد بن بشار عن عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفى عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر، أنه قال فى رجل يطلق ١٥٢ إعلاء السنن امرأته وهى حائض: "لا يعتد بذلك"، وهو إسناد صحيح كالشمس. والحديث صريح فى عدم الاعتداد بالطلاق فى حالة الحيض، فتعارض فتاويه وبقى رواية أبى الزبير سالما". وهو كلام باطل عجيب من مثل ابن القيم، لأنك قد عرفت أنه قد رواه مسلم عن ابن نمير عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أنه قال: "يعتد بها"، وتابعه عليه أيوب عن نافع عن ابن عمر، وتابع نافعا سالم وغيره عن ابن عمر، لرواية عبد الوهاب بن عبد المجيد عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أنه قال: "لا يعتد بذلك"، إما وهم من عبد الوهاب، لأنه قد كان تغير فى آخره، أو مؤول بأنه لا يعتد بذلك بمعنى أنه لا يكتفى به، بل يؤمر بالرجعة والطلاق ثانيا، ليتفق الروايات. وادعاء التهافت فى كلام الأئمة والتساقط من غير ضرورة باطل. والحق أن رواية أبى الزبير وغيره وعبد الوهاب بن عبد المجيد وغيره كلها متفقة على وقوع الطلاق ولا تعارض بينها، وادعاء التعارض من سوء الفهم وخطأ التأويل. وبهذا يظهر بطلان ما قال ابن القيم: "إنه لا حجة فى فتوى ابن عمر وإنما الحجة فى. رواية". لأنك قد عرفت أنه لا مخالفة بين فتواه وروايته، بل كلاهما متفق على وقوع الطلاق مع لزوم الرجعة، وجملة الكلام أنه لم يثبت عن النبى معَّ فى طلاق ابن عمر غير أنه ما رضى به وأمره بالمراجعة، ولم يثبت عن ابن عمر غير أنه فهم منه وقوع الطلاق ووجوب المراجعة. فلا حجة لمن منع وقوع الطلاق وألغاه، لا فى حديث رسول الله عَّةٍ ولا فى قول ابن عمر أو غيره: "فردها على ولم يرها شيئاً". وهذا يبطل تأويله الأمر بالرجعة: "بأن الرجعة فى كلامه ليس بالمعنى المعروف، بل المراد ههنا هو الرد الحسى إلى الحالة التى كان عليها أولا" ، لأنه مخالف لما فهم منه أبن عمر وهو صاحب القصة، وخلاف الظاهر أيضًا، فاندفع ما قال ابن القيم فى هذا الحديث بحذافيره. وقال ابن القيم أيضًا: "إن هذا طلاق غير مأذون من الله، وما لا يكون مأذونا من الله يكون باطلا إذا لم يكن مما لا مرد له كالأمور الحسية من الزنا وغيره، لأنه من الاعتبارات الشرعية، فلا يكون وجودها إلا من اعتبار الشرع. ولم يعتبره الشرع، فلا يكون موجودا شرعا وإن كان موجودا حسا، كما قال الأجنبية: أنت طالق، ثم عدم الإذن من الشارع حجر له، وحجر القاضى يكون مبطلا للتصرفات، فكيف لا يكون حجر الشارع مبطلا"؟. والجواب: إنا لا نسلم أن كل ما لم يأذن به الشارع لا يكون معتبرا عند الشارع، لأن عدم الإذن قد يكون إبطالا للتصرف كما قال الله تعالى: ﴿لا تنكحوا ما نكح آباؤكم﴾، وكقول الشارع: لا طلاق إلا فى ملك، وقد لا يكون إيطالا لنفس التصرف، بل نفس التصرف يكون مشروعا ويكون عدم الإذن لأمر عارض. وهذا ج - ١١ الإنقاذ من الشبهات فى إنفاذ المكروه من الطلقات ١٥٣ التفصيل يعرفه الراسخون فى العلم كابن عمر وغيره حيث جزموا بوقوع الطلاق فى الحيض مع العلم بأنه غير مأذون فيه. وإن لم يعرفه ابن القيم وأمثاله، فليس كل نهى حجرا من الشارع، ولا إبطالا للتصرف، ومن ادعى فعليه البيان. وبهذا تبين بطلان قياسه على حجر القاضى، فاستقر عرش التحقيق على وقوع الطلاق البدعى مع كونه غير مأذون من الشارع، واندفع شغب المخالفين ولله الحمد. وقال ابن القيم: الخلاف فى وقوع الطلاق المحرم لم يزل ثابتا بين السلف والخلف، وقد وهم من ادعى الإجماع على وقوعه وقال بمبلغ علمه، وخفى عليه من الخلاف ما اطلع عليه غيره، وقد قال الإمام أحمد: من ادعى الإجماع فهو كاذب، وما يدريه لعل الناس اختلفوا، كيف؟ والخلاف بين الناس معلوم الثبوت عن المتقدمين والمتأخرين. قال محمد بن عبد السلام الخشنى: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفى، حدثنا عبيد الله بن عمر عن نافع مولى ابن عمر عن ابن عمر أنه قال فى رجل يطلق امرأته وهى حائض: "لا يعتد بذلك". ذكره أبو محمد بن حزم فى "المحلى" بإسناده إليه، وقال عبد الرزاق فى "مصنفه": عن ابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه، أنه كان لا يرى طلاقا ما خالف وجه الطلاق ووجه العدة، وكان يقول: وجه الطلاق أن يطلقها طاهرا من غير جماع إذا استبان حملها. وقال الخشنى، حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الرحمان بن مهدى، حدثنا همام بن يحيى عن قتادة عن خلاس بن عمرو، أنه قال فى الرجل يطلق امرأته وهى حائض، قال: "لا يعتد به". قال أبو محمد بن حزم: والعجب من جرأة من ادعى الإجماع على خلاف هذا، وهو لا يجد فيما يوافق قوله فى إمضاء الطلاق فى الحيض، أو فى طهر جامعها فيه كلمة من أحد من الصحابة غير رواية عن ابن عمر قد عارضها ما هو أحسن منها عن ابن عمر. وروايتين ساقطتين عن عثمان وزيد بن ثابت، إحداهما رويناها من طريق ابن وهب عن ابن سمعان عن رجل أخبره، "أن عثمان كان يقضى فى المرأة التى يطلقها زوجها وهى حائض، أنها لا تعتد بحیضتها تلك وتعتد بعدها بثلاثة قروء". قلت: وابن سمعان هو عبد الله بن زياد بن سمعان الكذاب، وقد رواه عن مجهول لا يعرف. قال أبو محمد: والأخرى من طريق عبد الرزاق عن قيس بن سعد مولى أبى علقمة عن رجل سماه عن زيد بن ثابت، أنه قال فيمن طلق امرأته وهى حائض: "يلزمه الطلاق وتعتد بثلاث حيض سوى تلك الحيضة" اهـ. وقال فى موضع آخر: إن أثر عثمان فيه كذاب عن مجهول لا يعرف عينه ولا حاله، فإنه من رواية إسماعيل بن سمعان عن رجل، وأثر زيد فيه مجهول عن ١٥٤ إعلاء السنن مجهول قيس بن سعد عن رجل سماه، فيا للعجب! أين هاتان الروايتان من رواية عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفى عن عبيد الله حافظ الأمة عن نافع عن ابن عمر، أنه قال: "لا تعتد بها". فلو كان هذا الأثر من قبلكم لصلتم وحبلتم" اهـ. قلت: فيه مقال من وجوه، أما أولا: فلأن من يدعى الإجماع لا يدعى الإجماع القطعى، بل الإجماع الظاهر، وهو عدم ثبوت الخلاف، فمن ادعى الخلاف فعليه إقامة الدليل على دعواه. وما قال أحمد فهو إنما قال فيمن يدعى الإجماع القطعى، كما يدل عليه قوله: "وما يدريك لعل الناس اختلفوا". وأما ثانيا: فلأن الروايات التى نقلها فى إثبات الخلاف غير كافية لإثبات مدعاه، أما رواية ابن عمر فلأنك قد عرفت أن وقوع الطلاق والاعتداد بها قد ثبت عن عبيد الله وعن نافع وعن ابن عمر بدلائل لا مرد لها. ورواية عبد الوهاب إما مردودة، لأنه كان قد اختلط وقد خالف الحفاظ، أو مؤولة بما قلنا فيما سبق، فلا حجة فى هذه الرواية. وأما رواية طاوس فلأنه يحتمل أن يكون معناه أنه لا يرى ما خالف وجه الطلاق، ووجه العدة طلاقا معتدا به بحيث لا يحتاج بعده إلى الرجعة، بل كان يأمر بالرجعة كما أمره رسول الله عَّه ابن عمر، فلا حجة فيه أيضًا. وأما رواية خلاس بن عمرو فهو أيضاً يحتمل التأويل بنحو ما أولناه رواية عبد الوهاب بن عبد المجيد وطاوس، فلا حجة فيه، فينبغى أن يحتج برواية صريحة فيما يدعونه، وأنى لهم ذلك؟ وأما ثالثا: فلأنا سلمنا أن ما روى عن زيد بن ثابت وعثمان بن عفان لا يخلو عن مقال، ولكن لم ينقل عن واحد من الصحابة لا بسند صحيح ولا ضعيف أنه خالف ابن عمر فى وقوع طلاق الحائض، بل نقل عن كثير من الصحابة أنهم أفتوا بوقوع الثلاث بفم واحد وهو نظير طلاق الحائض فى كونه طلاقا خلاف السنة، فيكون حكمهم فى الحائض هو ما كان فى الطلقات الثلاث، فلا يضرنا ضعف هذين السندين. وأما رابعا: قال: إن ابن سمعان وقد صرح ابن حزم كما نقله ابن القيم عنه أنه عبد الله بن زياد بن سمعان. وأما خامسا: فلأنه قال: "قيس بن سعد مجهول". وهو خطأ، لأن قيس بن سعد من رجال مسلم وأبى داود والنسائى وابن ماجه، وثقه أحمد وأبو زرعة ويعقوب بن شيبة وغيره. وأما سادسا: فلأنه قال: "يا لله العجب أين هاتان الروايتان من رواية عبد الوهاب بن عبد المجيد عن عبيد الله حافظ الأمة عن نافع عن ابن عمر أنه قال لا يعتد بها". وهو عجيب من مثله، لأنه قد روى عن ابن عمر سعيد بن جبير وأنس بن سیرین وسالم بن عبد الله بن عمر ویونس بن جبير: "أنه يعتد بها". ورواه ليث وأيوب عن نافع عن ابن عمر: "أنه يعتد بها": وروى عبد الله ج - ١١ الإنقاذ من الشبهات فى إنفاذ المكروه من الطلقات ١٥٥ ابن نمير عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر: "أنه يعتد بها": وقد أخرج عبد الرزاق عن ابن جريج قال: "أرسلنا إلى نافع وهو يترجل فى دار الندوة ذاهبًا إلى المدينة ونحن مع عطاء، هل حسبت تطليقة عبد الله بن عمر امرأته حائضا على عهد رسول الله مَّ له؟ قال: نعم!" رواه ابن القيم نفسه فى زاد المعاد، فأين رواية عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفى يجنب رواية هؤلاء الأعلام الذين اتفقوا على أنه يعتد بهذا، وهل يجوز لمدعى الإنصاف أن يغض البصر عن رواية هؤلاء الأعلام ويتشبت برواية عبد الوهاب بن عبد المجيد؟ مع أنها ليست بصريحة فيما ادعاه، كما أسلفنا لك، لأنه يحتمل أن يكون معناه أنه لا يكتفى بها بل يؤمر بالرجعة، بل هو المتعين، لأن عبد الله بن نمير روى عن عبيد الله، "أنه يعتد بها"، فكيف يروى عبيد الله لعبد الوهاب أنه "لا يعتد بها" من غير أن يكون معناه هو ما قلنا؟ وقد روى ليث وأيوب وابن جريج عن نافع أنه قال: "يعتد بها". فکیف یروی نافع بعبيد الله أنه "لا يعتد بها"، إلا أن یکون معناه هو ما قلنا، وقد روی سعید بن جبير وسالم بن عبد الله وأنس بن سيرين ويونس بن جبير عن ابن عمر أنه قال: "يعتد بها"، فكيف يروى ابن عمر لنافع أنه "لا يعتد بها"، إلا أن يكون معناه هو ما قلنا. فظهر أنه ما قاله ابن القيم شطط محض، والصحيح أن رواية عبد الوهاب ليست بمخالفة لسائر الروايات، وإلا فهى مردودة. ولعله رواها فى حال الاختلاط فإنه قد كان اختلط فى آخر عمره وتغير، والعجب أنه قال: "أما حديث ابن جريج عن نافع: إن تطليقة أبن عمر حسبت عليه، فهذا غايته أن يكون من كلام نافع، ولا يعرف من الذى حسبها، أ هو عبد الله نفسه أو أبوه عمر أو رسول الله عٍَّ؟ ولا يجوز أن يشهد على رسول الله عّ لّه بالوهم والحسبان، وكيف يعارض صريح قوله: "ولم يرها شيئا"، بهذا المجمل؟ اهـ. ولا يدرى هذا القائل أن نسبة إبطال الطلاق إلى رسول الله عَّ ◌ُّ لقول الراوى: "أنه لم يرها شيئاً"، قول عليه بالوهم والحسبان، لأنه لا يدرى أ هذا هو قول ابن عمر أو من تحته من الرواة؟ وإن كان هو قول ابن عمر فالظاهر أن معناه أنه لم يرها شيئا يكتفى به ولا يحتاج إلى المراجعة، فالقول بأنه أراد بذلك إبطال الطلاق وإلغائه قول بالوهم والحسبان، فيكون نسبة إبطال الطلاق إلى رسول الله مرّ له بمجرد الوهم والحسبان، وهو غير جائز عنده، فكيف ساغ له هذه النسبة ولا سيما مع ادعاء الصراحة وعدم احتمال الخلاف؟ فهل هذا إلا عجب عجاب. ١٥٦ إعلاء السنن ثم مقصودنا من هذه الرواية هو إثبات أن ما رواه عبد الوهاب عن عبيد الله عن نافع أنه قال: "لا يعتد بذلك"، خطأ على معنى أراده ابن القيم، وهو حاصل سواء حسبه رسول الله عرّفّ أو عمر أو ابن عمر نفسه، وكذا مقصودنا هو إثبات أن تفسير قوله: "لم يرها شيئا"، بإبطال الطلاق خطأ، لأن غايته أن يكون ذلك قول ابن عمر وهو لا يرى بطلان الطلاق، فكيف ينسب إلى رسول الله ◌َّه أنه أبطلها؟ لأنه حينئذ يكون معناه أنه أبطلها رسول الله عَّه ولا أبطلها، وهو باطل بداهة، فاحفظ هذا التحقيق، والله أعلم. والمسألة الثانية فى وقوع الطلقات الثلاث جملة بلفظ واحد وبثلاثة ألفاظ روى عبد الرزاق عن سفيان الثورى عن سلمة بن كهيل ثنا زيد بن وهب: "أنه رفع إلى عمر بن الخطاب رجل طلق امرأته ألفا، فقال له عمر: أطلقت امرأتك؟ فقال: إنما كنت ألعب، فعلاه عمر بالدرة، وقال: إنما يكفيك من ذلك ثلاث". رواه ابن القيم فى "زاد المعاد" ساكتا عليه، وهو سند صحيح رجاله رجال الجماعة. وقال سعيد بن منصور: حدثنا سفيان (ابن عيينة) عن شقيق (ابن أبى عبد الله) أنه سمع أنسا يقول: "قال عمر فى الرجل يطلق ثلاثا قبل أن يدخل بها، قال: هى ثلاث لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره". رواه ابن القيم فى "إغاثة اللهفان" ساكتا عنه. ورجاله ثقات. وروى وكيع عن جعفر بن يرقان عن معاوية بن أبى يحيى قال: "جاء رجل إلى عثمان بن عفان، فقال: طلقت امرأتى ألفا، فقال: بانت منك بثلاث". رواه ابن القيم فى "زاد. المعاد" ساكتا عنه. وما عثرت على ترجمة معاوية بن أبى يحيى فليحرر. وروى وكيع عن الأعمش عن حبيب بن أبى ثابت، قال: جاء رجل إلى على بن أبى طالب، فقال: إنى طلقت امرأتى ألفا، فقال له على كرم الله وجهه: بانت منك بثلاث. واقسم سائرهن بين نسائك". رواه ابن القيم فى "زاد المعاد"، ورواه فى إغاثة اللهفان عن أبى نعيم عن الأعمش عن حبيب بن أبى ثابت عن بعض أصحابه، وسكت عليه فى كلا الموضعين، وروى البيهقى من حديث ابن أبى ليلى عن على فيمن طلق امرأته ثلاثا قبل الدخول، قال: "لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره". رواه ابن القيم فى الإغاثة ساکتا عنه. وقال الطحاوى: حدثنا يونس قال: أخبرنا سفيان عن عاصم بن بهدله عن شقيق (هو ابن سلمة) عن عبد الله بن مسعود، قال فى الرجل يطلق البكر ثلاثا: "إنها لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره". ورواه أيضًا عن صالح بن عبد الرحمن عن سعيد بن منصور عن سفيان وأبى عوانة عن ج - ١١ الإنقاذ من الشبهات فى إنفاذ المكروه من الطلقات ١٥٧ منصور عن أبى وائل عن ابن مسعود. وروى عن ابن مرزوق عن بشر بن عمر عن شعبة عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله، أنه سئل عن رجل طلق امرأته مائة، قال: "ثلاث تبينها منك وسائرها عدوان" (معانى الآثار). قلت: هذه روايات صحاح، وقال مالك عن يحيى بن سعيد بن بكير بن عبد الله بن الأشج، أنه أخبره عن معاوية بن أبى عياش أنه كان جالسا مع عبد الله بن الزبير وعاصم بن عمر، قال: فجاءهما محمد بن إياس بن البكير، فقال: "إن رجلا من أهل البادية طلق (١) امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها، فما ذا تريان؟ فقال عبد الله بن الزبير: إن هذا الأمر ما بلغ لنا فيه قول، فاذهب إلى ابن عباس وأبى هريرة، فإنى تركتهما عند عائشة فاسألهما ثم ائتنا فأخبرنا، فذهب فسألهما، فقال ابن عباس لأبى هريرة: أفته يا أبا هريرة! فقد جاءتك معضلة. فقال أبو هريرة: الواحدة (٢) تبينها، والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجا غيره، وقال ابن عباس مثل ذلك". ورواه أيضًا مالك عن ابن شهاب عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن محمد بن إياس بن البكير، وقال: "إنه طلق رجل امرأته ثلاثا (٣) قبل أن يدخل بها، ثم بدا له أن ينكحها، فجاء يستفتى فذهبت معه أسأل له، فسأل عبد الله بن عباس وأبا هريرة عن ذلك، فقالا: لا نرى أن تنكحها حتى تنكح زوجا غيرك، قال: فإنما كان(٤) طلاقى إياها واحدة، قال ابن عباس: أرسلت من يدك ما كان لك من فضل" (موطأ مالك). وقال أبو داود: حدثنا حميد بن سعدة، نا إسماعيل، أنا أيوب عن عبد الله بن كثير عن مجاهد قال: "كنت عند ابن عباس فجاءه رجل، فقال: إنه طلق امرأته ثلاثا، قال: فسكت حتى ظننت أنه رادها إليه، ثم قال: ينطلق أحدكم فيركب الحموقة، ثم يقول يا ابن عباس يا ابن عباس! وأن الله قال: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجا﴾، وأنك لم تتق الله فلا أجد لك مخرجا، عصيت ربك، وبانت منك امرأتك، وأن الله قال: ﴿يا أيها النبى إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾. وقال (١) أى بقوله أنت طالق ثلاثا. (٢) يعنى إن طلق واحدة فقط تبين المرأة ولا تحرم، وإن طلق ثلاثا بقوله: أنت طالق ثلاثا، تبين وتحرم. (٣) أعنى مجموعة بقوله: "أنت طالق ثلاثا، لأن الواحدة تبينها من غير عدة فإن طلقها ثلاثا متفرقة بقوله: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق تبين بالأول ولا تقع الثانية والثالثة، وقد حكم بوقوع الثلاث، وهذا قرينة على أنه كان طلقها مجموعة غير متفرقة. (٤) يعنى أنه قال: كان لى أن أطلقها واحدة، وتبين منها، فلما طلقت زائدا عليها ينبغى أن لا يقع، كما لو قلت: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق. وحاصل الجواب أنك كنت مالكا للثلاث وهى محل لها، وأرسلت كل ما كنت تملك فيقع الكل، بخلاف لو طلقت متفرقة لأنها بانت بالأولى، ولم تبق محلا الثانية والثالثة لعدم العدة فافترقا (المؤلف). ١٥٨ إعلاء السنن أبو داود: روى هذا الحديث حميد الأعرج وغيره عن مجاهد عن ابن عباس. ورواه شعبة عن عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وأيوب وابن جريج جميعا عن عكرمة بن خالد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وابن جريج عن عبد الحمید بن رافع عن عطاء عن ابن عباس، ورواه الأعمش عن مالك بن الحارث عن ابن عباس، وابن جريج عن عمرو بن دينار عن ابن عباس، كلهم قالوا فى الطلاق الثلاث: "إنه أجازها وقال: بانت منك". نحو حديث إسماعيل عن أيوب عن عبد الله بن كثير (أبو داود). وروى عبيد الله عن نافع عن ابن عمر: "إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره". رواه ابن القيم فى "الإغاثة" ساكتا عليه. وروى مسلم عن أيوب عن نافع عن ابن عمر حديثا وقال فيه: "أما أنت طلقتها ثلاثا، فقد عصيت ربك فيما أمرك به من طلاق امرأتك، وبانت منك ". وروى البخارى عن ليث بن سعد عن نافع عن ابن عمر، وقال فيه: " كان عبد الله إذا سئل عن ذلك (أى الطلاق فى الحيض) قال لأحدهم: إن كنت طلقتها ثلاثا فقد حرمت عليك حتى تنكح زوجا غيره". ورواه مسلم أيضًا من حديثه، وقال مالك: "عن يحيى بن سعيد عن بكير بن عبد الله بن الأشج عن النعمان بن أبى عياش الأنصارى عن عطاء بن يسار، أنه قال: "جاء رجل يسأل عبد الله ابن عمرو بن العاص عن رجل طلق امرأته ثلاثا قبل أن يمسها، قال عطاء: فقلت: إنما طلاق البكر واحدة، فقال لى عبد الله بن عمرو بن العاص: إنما أنت قاص، الواحدة تبينها، والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجا غيره" (موطأ مالك). وروى البيهقى من حديث معاذ حدثنا شعبة عن طارق بن عبد الرحمن سمعت قيس بن أبى عاصم قال: "سأل رجل المغيرة وأنا شاهد عن رجل طلق امرأته مائة، فقال: ثلاثة تحرم وسبع وتسعون فضلا". رواه ابن القيم فى "الإغاثة" ساكتا عنه. وروى ابن أبى شيبة عن سهل بن يوسف عن حميد عن رافع: "أن عمران بن حصين سئل عن رجل طلق ثلاثا فى مجلس، فقال: أثم بربه وحرمت عليه امرأته" ، ورواه ابن التركمانى فى "الجوهر النقى"، وذكره ابن القيم فى "الإغاثة" نقلا عن البيهقى من غير سند وسكت عليه، فهذه الروايات تدل على أن عمر وعثمان وعليا وابن عباس وابن عمر وابن مسعود وعبد الله بن عمرو بن العاص وأبا هريرة ومغيرة بن شعبة وعمران بن حصين، كلهم متفقون على وقوع الطلقات الثلاث جملة، وهؤلاء من أجلة أصحاب ج - ١١ الإنقاذ من الشبهات فى إنفاذ المكروه من الطلقات ١٥٩ رسول الله عَّه وأوعية علمه، ولا يثبت عن واحد من الصحابة خلافهم. وهذا دليل على أن الصحابة أجمعوا عليه وما قال ابن الوضاح وابن المغيث: "إن عليا وابن مسعود والزبير وابن عوف وابن عباس خالفوا فى هذه المسألة عن جمهور الصحابة". فقال ابن القيم: "لعله إحدى الروايتين عنهم، وإلا فقد صح بلا شك عن ابن مسعود وابن عباس وعلى الإلزام بالثلاث إن أوقعها جملة. وصح عن ابن عباس أنه جعلها واحدة، ولم نقف على نقل صحيح عن غيره(١) من الصحابة بذلك، فلذا لم نعد ما حكى عنهم فى الوجوه المبينة للنزاع. وإنما نعد ما وقفنا عليه فى مواضعه ونعزوه إليها (إغاثة اللهفان ١٧٩). فظهر بذلك أن ابن القیم لا يثبت الخلاف من غیر ابن عباس، ويسلم له روايتين صحيحتين فى المسألة، إحداهما إجازة الثلاث، والثانية جعل الثلاث واحدة، فنقول: حجة ابن القيم فى ذلك أنه روى أبو داود عن حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال: "إذا قال أنت طالق ثلاثا بفم واحد فهى واحدة". والجواب أن أبا داود أشار إلى ضعف هذه الرواية بوجهين: أحدهما: أنه مخالف لما رواه عنه الأکثر من أصحابه، فإنه رواه عنه مجاهد وسعيد بن جبير وعطاء ومالك بن الحارث وعمرو بن دينار وغيرهم أنه أجاز الثلاث، وقال: بانت منك. والثانى: أنه خالفه ابن علية، فقال: عن أيوب عن عكرمة، ولم يقل عن ابن عباس: ومعلوم أن الرواية قد تكون ضعيفة مع وثاقة الرواة، لأن الثقات غير مأمونين من السهو والخطأ، وإن كانوا مأمونين من الكذب، ولو سلم صحة الرواية فنقول: معناها إذا قال الرجل: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق ثلاث مرات بكلام متصل بغير الدخول بها فهى واحدة، لأنه إذا قال: أنت طالق، بانت منه، فلغا الثانى والثالث. وإنما قيدنا بغير المدخول بها لأن أكثر الأسولة إنما كانت تكون عن حكم غير الدخول بها، كما يدل عليه قيد عدم الدخول فى كثير من الروايات التى نقلناها، وهى المسألة التى كانت مشكلة عليهم، حتى قال ابن عباس لأبى هريرة: أنته يا أبا هريرة فقد جاءتك معضلة، وقال ابن الزهير: ما بلغ لنا فيه قول، ثم قد ثبت عن ابن عباس أنه أفتى فى غير المدخول بها، إذا طلقها زوجها ثلاثا مجموعة أنها تحرم على الزوج، فالمدخول بها أولى، ولا فرق فيها بين الجمع والتفريق، وإنما هو فى غير المدخول بها، فوجب التقييد بغير المدخول بها جمعا بين الروايات. (١) وقع فى "نسخة المطبوعة المصرية" عن غيرهم وهو خطأ، والصحيح عن غيره كما يدل عليه السیاق فتنبه له. ١٦٠ إعلاء السنن وإنما جعلنا قوله: "ثلاثا" قيدا لقال لا لقوله: "طالق"، لأنا لو جعلنا قيدا لطالق لكان قوله يغم واحد تأكيدا محضًا من غير ضرورة، ولو جعلناه قيدا لقال لكان تأسيسا وتقييدا، لأن القول أنت طالق ثلاث مرات يحتمل وجهين، أحدهما أن يكون بكلام متصل، والثانى أن يكون بكلام منفصل، والكلام المتصل محتمل لأن يكون فى حكم قوله: أنت طالق ثلاثا فبين ابن عباس أنه ليس فى حكمه بل قوله: أنت طالق ثلاثا ثلاث وقوله: أنت طالق أنت طالق أنت طالق بكلام متصل واحدة فثبت أن معنى الحديث هو ما قلنا ولا حجة لابن القيم على أن معناه من قال أنت طالق ثلاث طلقات بكلام واحد فهى واحدة، فبطل تلك الحجة، وحجته أيضًا: "أنه روى عبد الرزاق عن معمر عن أيوب قال: دخل الحكم بن عتيبة على الزهرى بمكه وأنا معهم فسألوه عن البكر تطلق(١) ثلاثا، فقال: سئل عن ذلك ابن عباس وأبو هريرة وعبد الله بن عمر، فكلهم قالوا: لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، قال: فخرج الحكم وأنا معه فأتى طاوس وهو فى المسجد فأكب عليه، فسأله عن قول ابن عباس فيها وأخبره بقول الزهرى قال: فرأيت طاوسا رفع يديه تعجبا من ذلك. والجواب عنه أن فتوى ابن عباس وأبى هريرة إنما كان فى واقعة خاصة، وهى أنه طلق رجل امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها، ثم بدا له أن ينكحها فجاء يستفتى، فسأل ابن عباس وأبا هريرة، فقالا: "لا نرى أن تنكحها حتى تنكح زوجا غيرك". كما رواه مالك عن الزهرى عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن محمد بن إياس بن البكير، وطلاق البكر ثلاثا يحتمل وجهين: أحدهما: أن يقول لها أنت طالق ثلاثا. والثانى: أن يقول أنت طالق أنت طالق أنت طالق، وقد علم ابن عباس أن الرجل إنما قال: أنت طالق ثلاثا، فأفتاه هو وأبو هريرة "بأنها لا تحل لك حتى تنكح زوجاً غيره"، ولكن لما لم يكن فى الحديث تفصيل الجمع والتفريق وفهم منه ابن شهاب أن هذه الفتوى فى كل بكر تطلق ثلاثا سواء يقال لها أنت طالق ثلاثا، أو أنت طالق طالق طالق، وبناء على هذا أفتى فى البكر التى يقال لها أنت طالق أنت طالق أنت طالق بأن ابن عباس يقول: إنها ثلاث تطليقات وتعجب منه طاوس، لأنه علم من ابن عباس أنه قال فى هذه الصورة أى فى صورة يقال لها أنت طالق أنت طالق أنت طالق أنها واحدة، لأن البكر تبين بأول الطلقات، ويلغو الثانى والثالث، فلا دلالة فى هذه الرواية على أن ابن عباس كان ينكر وقوع الطلقات الثلاث ويقول: إنها (١) أى بقوله: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق منه.