النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ بيان حكم النكاح إذا أسلم أحد الزوجين ج - ١١ ٣١٨٦- قال ابن شبرمة: " كان الناس على عهد رسول الله عّ لّ. يسلم الرجل قبل المرأة، والمرأة قبل الرجل، فأيهما أسلم قبل انقضاء عدة المرأة فهى امرأته، وإن أسلم بعد العدة فلا نكاح بينهما". ذكره ابن القيم فى زاد المعاد (٣٣٠:٢). وأعله بالانقطاع ليس إلا وهو ليس بعلة عندنا فى القرون الفاضلة. "التلخيص" (٣٠٤:٢). فإن معناه ردت إليه بنكاح جديد إن كان قد أسلم بعد ما هاجرت، أو بالنكاح الأول إن كان قد أسلم قبل هجرتها، وانقضاء عدتها، بدليل ما رواه ابن عباس نفسه عند أبى داود والترمذى، وقد ذكرناه آنفا. ولا يعارضه أيضا ما رواه مالك عن الزهرى: أن صفوان بن أمية أسلمت زمن الفتح فلم يفرق النبى معَّ بينهما، واستقرت عنده حتى أسلم صفوان وكان بين إسلاميهما نحو من شهر" اهــ فإن مكة كانت دار الإسلام إذ ذاك فلا تجب البينونة إلا بعرض الإسلام على زوجها، ولما عرض عليه الإسلام لم يأب ولم ينكر، بل طلب المهلة، فأجله النبى معَ له. ونحن لا نقول بوجوب البينونة إلا بالإباء بعد العرض، دون الاستمهال. ولا يرد علينا أيضا ما رواه مالك عن الزهرى: "أن أم حكيم بنت الحارث بن هشام وكانت تحت عكرمة بن أبى جهل، فأسلمت يوم الفتح وهرب زوجها من الإسلام حتى قدم اليمن، فارتحلت أم حكيم فدعته إلى الإسلام فأسلم، وقدم على رسول الله مٍَّ فلما رآه رسول الله عَّ وثب فرحا حتى بايعه، فثبت على نكاحها ذلك" (٩٨). فإن مكة كانت دار الإسلام، فلا تبين المرأة قبل عرض الإسلام على زوجها، وحين عرض عليه لم یأب ولم ینکر، وعكرمة لم يهرب من الإسلام بعد عرضه عليه، بل هرب قبله، فافهم. ولا ما رواه الشافعى رحمة الله عليه عن جماعة من أهل العلم من قريش وأهل المغازى وغيرهم عن عدد مثلهم: "أن أبا سفيان أسلم بمر الظهران وامرأته هند بنت عتبة كافرة بمكة، ومكة يومئذ دار حرب، وكذلك حكيم بن حزام". كما فى "التلخيص" (٣٠٤:٢). فإن مر الظهران كانت دار حرب أيضا، وقد قدمنا أن البينونة لا تجب فى دار الحرب ما لم تحض المرأة ثلاث حيض بعد إسلامها، أو إسلام زوجها. وأما أن مر الظهران كانت دار حرب، فلكونها من توابع مكة، وتوابع البلد تبع له فى كونها دار حرب أو دار الإسلام. وإن سلمنا أنها كانت دار الإسلام لكونها معسكر المسلمين فيإسلام الزوج فى دار الإسلام لا تبين منه امرأته ما لم يعرض عليها، ولم يوجد تباين الدارين لكون أبى سفيان، وحكيم بن حزام جاءا مستأمنين، أجارهما عباس بن عبد المطلب رضى الله عنه. ولم يجيئا مأسورين، ولا مهاجرين، وبذلك يتحقق تباين الدار، لا بمجرد دخول ١٠٢ بيان حكم النكاح إذا أسلم أحد الزوجين إعلاء السنن ٣١٨٧ - أخبرنا محمد بن أبان بن صالح عن حماد عن إبراهيم قال: "كتب عمر ابن عبد العزيز إلى عبد الحميد (هو عامله على الكوفة): إذا أسلمت المرأة قبل زوجها الحربى دار الإسلام. وذهب أهل الظاهر إلى أن المرأة إذا أسلمت ولها زوج كافر ذمى أو حربى فحين إسلامها انفسخ نكاحها منه، سواء أسلم بعدها بطرفة عين أو أكثر أو لم يسلم، لا سبيل له عليها إلا بابتداء نكاح برضاها، وإلا فلا، وإن أسلم هو قبلها، والمرأة غير كتابية فساعة إسلامه قد انفسخ نكاحها منه أسلمت بعده بطرفة عين فأكثر، لا سبيل له عليها إلا بابتداء نكاح برضاها إن أسلمت، وإلا فلا، سواء حرببين كانا أو ذميين. وهو قول عمر بن الخطاب وجابر بن عبد الله وابن عباس رضى الله عنهم، وبه يقول حماد بن زيد والحكم بن عتيبة وسعيد بن جبير وعمر بن عبد العزيز وعدى ابن عدى الكندى والحسن البصرى وقتادة والشعبى وغيرهم ذكره ابن حزم فى المحلى (٣١٢:٧). قلت: لم يثبت عن عمرو بن عباس وعكرمة وعمر بن عبد العزيز ما عزاه إليهم بل الثابت منهم التفريق بعد عرض الإسلام كما ذكرناه فى المتن، وروى ابن حزم نفسه من طريق حماد بن زيد عن أيوب السختيانى عن عكرمة عن ابن عباس فى اليهودية أو النصرانية تسلم تحت اليهودى أو النصرانى، قال: "يفرق بينهما، الإسلام يعلو ولا يعلى" اهـ. لم يقل: بانت منه امرأته ساعة إسلامها، وإنما قال: يفرق بينهما، فلا بد من مفرق، وهو الإمام أو نائبه. ومن طريق عبد الرزاق عن أبى الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: "نساء أهل الكتاب لنا حل ونساؤنا عليهم حرام" اهـ (٣١٤:٧). وهذا مما لا نزاع فيه، بل هو مما أجمعنا عليه وأنتم، وإنما النزاع فى وجوب البينونة بمجرد الإسلام أو بتفريق الحاكم، ولم يتعرض له جابر أصلا، ألا ترى أن عمر رضى الله عنه طلق امرأتين كانتا له بالشرك حين نزل قوله تعالى: ﴿لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن﴾، إلى قوله تعالى: ﴿ولا تمسكوا بعصم الكوافر واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا﴾ الآية. أخرجه الطبرى فى "التفسير" (٤٧:٢٨) بسند صحيح، فإن كان إسلام أحد الزوجين يقتضى الفرقة من ساعة لم يكن لعمر حاجة إلى التطليق. وقد صح عنه أنه طلق فدل ذلك أن الآية لا توجب الفرقة بإسلام أحد الزوجين من فوره. وإنما توجب عدم الإمساك ووجوب التخلية، سواء كان بالطليق أو بالتفريق بعد عرض الإسلام على الآخر، أو بانقضاء العدة. وإذا كان كذلك وجب الرجوع إلى حديث الرسول وآثار الصحابة. فوجدناه عّ لّ لم يفرق بين الزوجين بتقدم أحدهما إلى الإسلام وتأخر ١٠٣ بيان حكم النكاح إذا أسلم أحد الزوجين ج - ١١ عرض على زوجها الإسلام، فإن أسلم فهما على نكاحهما الأول وإن أبى أن يسلم فرق الآخر، كما مر برواية مالك عن ابن شهاب. وإن تعلل ابن حزم ومن على دينه بإرساله، فقد قال ابن عبد البر: إن شهرة هذا الحديث أقوى من إسناده (زاد المعاد ٢٢٠:٢). وقد وصله الطحاوى فى "معانى الآثار" من طريق ابن إسحاق عن الزهرى عن أبى بكر بن عبد الرحمن قال: ((رد النبى معَّةٍ على عكرمة بن أبي جهل أم حكيم بنت الحارث بن هشام بعد أشهر أو قريب من سنة". أهـ (١٤٩:٢). ولو لا إقراره عَ ◌ّه الزوجين على نكاحهما وإن تأخر إسلام أحدهما عن الآخر بعد صلح الحديبية وزمن الفتح، لقلنا بتعجيل الفرقة بالإسلام من غير اعتبار عرض ولا عدة، لقوله تعالى: ﴿لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن) وقوله: ﴿ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾ وأن الإسلام سبب الفرقة، وكل ما كان سببا للفرقة تعقبه الفرقة. كالرضاع والردة ونحوهما، لكن الذى أنزل عليه قوله تعالى: ﴿ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾ وقوله: ﴿لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن﴾ لم يحكم بتعجيل الفرقة، بأبى هو وأمى عّ لّه، واتفاق الزوجين فى التلفظ بكلمة الإسلام معا فى لحظة واحدة معلوم الانتفاء. قال ابن القيم: " وما حكاه ابن حزم عن عمر رضى الله عنه (من تعجيل الفرقة بمجرد إسلام أحدهما) فما أدرى من أين حكاه؟ والمعروف عنه خلافه. ثم ذكر ما ذكرناه فى المتن، وقال: فهذه الآثار صريحة فى خلاف ما حكاه أبو محمد بن حزم عنه، وهو حكاه وجعلها روايات أخر (وهى فى الأصل رواية واحدة قد اختلفت الرواة فى التعبير عنها بألفاظ مختلفة معناها واحد). وإنما تمسك أبو محمد بآثار فيها: أن عمرو ابن عباس وجابرا رضى الله عنهم فرقوا بين الرجل وامرأته بالإسلام. وهى آثار مجملة ليست بصريحة فى تعجيل التفرقة، ولو صحت فقد صح عن عمر رضى الله عنه ما حكيناه، وعن على رضى الله عنه ما تقدم وبالله التوفيق" اهـ، ملخصا (٢٢٠:٢). ثم رجعنا إلى آثار الصحابة، فرأينا عمر رضى الله عنه وعمر بن عبد العزيز رضى الله عنه قد حكما بالتفرقة بعد عرض الإسلام على الزوج وإبائه عنه، ووافقهما على ذلك الزهرى والحسن وإبراهيم النخعى من التابعين، وهذا إذا أسلمت المرأة وهى وزوجه كلاهما فى دار الإسلام. فإن التفريق والعرض لا يتيسر إلا هناك، وهو المتبادر من الآثار التى حكيناها عنهم، وأما إذا أسلم أحد الزوجين فى دار الحرب فلم نر أحدا من الصحابة تعرض لبيان ذلك غير على كرم الله تعالى وجهه. فروى عنه فى الزوجين الكافرين يسلم أحدهما هو أملك ببضعها ما دامت فى دار هجرتها أى فى دار الحرب، وروى ابن شبرمة مرسلا: " كان الناس على عهد رسول الله عّ لّه يسلم الرجل قبل ١٠٤٠ بيان حكم النكاح إذا أسلم أحد الزوجين إعلاء السنن بينهما". رواه محمد فى الحجج له (٣٥٤): وسنده حسن، وفى ابن أبان مقال من قبل المرأة، والمرأة قبل الرجل، فأيهما أسلم قبل انقضاء عدة المرأة فهى امرأته، وإن أسلم بعد العدة فلا نكاح بينهما". وهو محمول على إسلام أحد الزوجين فى دار الحرب، لما عرفت فى قول العمرين من عدم اعتبار العدة إذا أسلم وهما فى دار الإسلام، فقول على يفيد عدم وقوع البينونة بإسلام أحدهما فى دار الحرب مطلقا، سواء أسلم الزوج ولم تسلم المرأة، أو بالعكس. ومرسل ابن شبرمة يقتضى وقوع الفرقة بانقضاء العدة فى الصورتين كليهما، ولا شك أنه لا بد من الفرقة دفعا للفساد، ولا سيما فى إسلام المرأة وبقاء الزوج كافرا، فجعلنا مرسل ابن شبرمة مفسرا لما فى قول على من الإجمال، وقلنا: مراده بكونه أملك ببضعها ما دامت فى دار هجرتها أنها لا تبين منه إلا إذا حاضت ثلاثا منذ أسلمت، لأن الإسلام ليس سببا للفرقة، فإن إضافة انقطاع النكاح إلى الإسلام لا نظير له فی الشرع. ولا أصل یلحق به قیاسا بجامع صحیح، ولا سمعی یفیده، فلا بد من سبب تضاف الفرقة إليه، والإسلام عاصم، واختلاف الدين منتقض بتزوج المسلم كتابية، فلم يبق إلا إباء الإسلام، لأنه يصلح قاطعا فأضفنا انقطاع النكاح إليه، فكان هو المناسب، والعرض على الإسلام فى دار الحرب متعذر لقصور الولاية، فأقمنا شرطها وهو مضى الحيض الذى هو شرط البينونة فى الطلاق الرجعى مقام السبب، وهو تفريق القاضى عند إباء الزوج الإسلام. ولم يتنبه ابن حزم لهذا المعنى، ولم يكن ليدرك ما أدركه أبو حنيفة، فقد رزق من الفقه ما لم ينله أجلة الفقهاء المجتهدين المحدثين، فكيف بابن حزم الذى لا يعرف إلا ظاهر الرواية، ولم ينل ما ناله الفقهاء من "الدراية"؟ فتراه يقول فى "المحلى": "أما قول أبى حنيفة فظاهر الفساد، لأنه لا حجة له لا من قرآن ولا سنة ولا إجماع، وهو أيضا قول لا يعرف مثل تقسيمه لأحد من أهل الإسلام قبله، وكذا قول مالك سواء سواء" اهـ (٣١٢:٧). وقد عرفت أن قول أبى حنيفة هو الذى تجتمع به الآثار كلها لا يقوت منها شىء، وما ذهب إليه ابن حزم من تعجيل الفرقة بمجرد الإسلام أحد الزوجين لا يساعده نص ولا سنة، ولا قول صاحب ولا تابع، ولا قياس صحيح، وما تمسك به من الآثار المجملة لا يصلح متمسكا له لوقوع التصريح بخلافه عن الصحابة والتابعين، وكيف يعرف مثل تقسيم أبى حنيفة من لم يعرف طريق الجمع بين مختلف الآثار؟ فافهم، والله يتولى هداك. وقد روى ابن حزم عن عمر رضى الله عنه روايات عديدة، رواها بعض الرواة مجملة لا بد من التنبيه عليها. فمنها ما رواه من طريق شعبة عن الحكم بن عتيبة: "أن هانئ بن هانئ بن قبيصة الشيبانى وكان نصرانيا عنده أربع نسوة فأسلمن، فقدم المدينة ونزل على عبد الرحمن بن عوف. ج - ١١ بيان حكم النكاح إذا أسلم أحد الزوجين ١٠٥ الحفظ، قال أحمد: "لم يكن ممن يكذب". وقال أبو حاتم: " يكتب حديثه ولا يحتج به فأقرهن عمر عنده، قال شعبة: قلت للحكم: عمن هذا؟ قال: هذا شىء معروف" اهــ ومعناه أقرهن عنده لكونه قد أسلم بعد ما عرض الإسلام عليه، فلم يكن عمر ليقر المسلمة تحت كافر وقد علم بقوله تعالى: ﴿لا هن حل لهم ولا هم یحلون لهن﴾. ومنها ما رواه من طريق حماد بن سلمة عن أيوب السختيانى وقتادة عن ابن سيرين عن عبد الله بن يزيد الخطمى: "أن نصرانيا أسلمت امرأته، فخيرها عمر بن الخطاب إن شاءت فارقته، وإن شاءت أقامت عليه" وهو محمول على أن النصرانى لم يكن حاضرا حتى يعرض عليه الإسلام، فخير امرأته بين أن تنتظر حضوره فيعرض عليه الإسلام، أو لا تنتظر وتتزوج بعد تفريق الحاكم بينهما. ومنها ما رواه عن طريق حماد بن سلمة عن داود الطائى عن زياد بن عبد الرحمن: "أن حنظلة بن بشر زوج ابنته وهى مسلمة من ابن أخ له نصرانى، فركب عوف بن القعقاع إلى عمر رضى الله عنه فأخبره بذلك. فكتب عمر فى ذلك إن أسلم فهى امرأته، وإن لم يسلم فرق بينهما، فلم يسلم، ففرق بينهما، فتزوجها عوف بن القعقاع" اهـ. ومعنى قوله: "إن أسلم فهى امرأته". أى يجدد العقد بينهما ولا يتزوجها غيره لكونه أحق بها، وهى بنت عمه، وفهم ابن حزم منه أنه إن أسلم فهى امرأته بالنكاح الأول وكيف بتصور صحة نكاح المسلمة بالكافر؟ وهل يجوز لمسلم أن يظن بعمر ذلك وهو أعرف الناس بالشريعة وحدودها؟ وأعمل الناس بها، والله تعالى يقول: ﴿ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا﴾. ومنها ما رواه من طريق ابن أبى شيبة: نا محمد بن فضيل عن مطرف بن طريف عن الشعبى عن على قال: "إذا أسلمت امرأة اليهودى أو النصرانى كان أحق ببضعها، لأن له عهدا". ومعناه هو أحق بها، إن أسلم. وإلا فقد رواه سفيان بن عيينة عن مطرف عن الشعبى بلفظ آخر قد أودعناه فى المتن، ووافقه عليه سعيد بن المسيب، فهو الصحيح الراجح دون ما تفرد به محمد بن فضيل، فافهم. وأحسن الله عزاءنا فيك يا ابن حزم! حيث لم تتنبه للمجمل والمفسر، وجعلت المجملة روايات برأسها مع إمكان إرجاعها إلى المفسر الذى هو قاض على المجمل دائما، قال: وروينا من طریق عبد الرحمن بن مهدی ومحمد بن جعفر غندر، قال عبد الرحمن عن سفيان الثورى عن منصور والمغيرة بن مقسم وقال غندر: عن شعبة نا حماد ابن أبى سليمان كلهم عن إبراهيم النخعى فى ذمية أسلمت تحت ذمى قال: تقره عنده. وبه أفتى حماد بن أبى سليمان اهـ (٣١٣:٧). ١٠٦ بيان حكم النكاح إذا أسلم أحد الزوجين إعلاء السنن اهـ". من اللسان (٣١:٥). والظاهر أنه جد مشكد أنه يروى عن أبى إسحاق السبيعى، Cc قلت: معناه تقر عنده، إن أسلم بعد عرض الإسلام عليه، بدليل ما رواه محمد الإمام فى "الحجج" له (ص٣٥٥): أخبرنا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم قال: "إذا كانا يهوديين أو نصرانيين، فأسلم الزوج فهما على نكاحها، أسلمت المرأة أو لم تسلم، وإذا أسلمت المرأة عرض على الزوج الإسلام، فإن أسلم أمسك بنكاحه الأول، وإن أبى أن يسلم فرق بينهما. وإن كانا مجوسيين فأسلم أحدهما عرض الإسلام على الآخر، فإن أسلم كانا على نكاحهما الأول وإن أبى فرق بينهما" إلخ وهذا مفسر بين، وهو قاض على المجمل كما لا يخفى. قال الموفق فى "المغنى": "إنه إذا أسلم أحد الزوجين وتخلف الآخر حتى انقضت عدة المرأة، انفسخ النكاح فى قول عامة العلماء. قال ابن عبد البر: لم يختلف العلماء فى هذا إلا شىء روى عن النخعى، شذ فيه عن جماعة العلماء، فلم يتبعه عليه أحد، زعم أنها ترد إلى زوجها وإن طالت المدة (أى إذا أسلم) لما روى أبو داود واحتج به أحمد عن ابن عباس أن رسول الله رد زينب على زوجها أبى العاص بنكاحها الأول. قيل له (أى لأحمد): أليس يروى أنه ردها بنكاح مستأنف؟ قال: ليس له أصل، وقيل: كان بين إسلامها وردها إليه ثمان سنين. ولنا قول الله تعالى: ﴿لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن﴾. وقوله سبحانه: ﴿ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾. والإجماع المنعقد على تحريم تزويج المسلمات على الكفار، فأما قصة أبى العاص مع امرأته فقال ابن عبد البر: لا يخلو من أن تكون قبل نزول تحريم المسلمات على الكفار، فتكون منسوخة بما جاء بعدها (وهو الراجح وإليه ذهب الزهرى وقتادة كما ذكرناه فى المتن) أو تكون حاملا استمر حملها حتى أسلم زوجها (قلت: كانت حاملا متما فنسخها هبار بن الأسود حين خرجت من مكة مهاجرة بعد بدر، فأسقطت حملها. فسقط هذا الاحتمال كما تقدم ذكره) أو مريضة لم تحض ثلاث حيضات حتى أسلم (قلت: وهل تبقى على من أسقطت عدة؟ والإسقاط بمعنى الوضع) أو تكون ردت إليه بنكاح جديد، فقد روى ابن أبى شيبة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبى معَّ- ردها على أبى العاص بنكاح جديد. رواه الترمذى، وقال: سمعت عبد بن حميد يقول: سمعت يزيد بن هارون يقول: "حديث ابن عباس أجود إسنادا، والعمل على حديث عمرو بن شعيب" اهـ (٥٣٦:٦). قلت: هذا الشىء الذى روى عن النخعى لعله لم يصح عنه، فإن أبا حنيفة رحمه الله أقعد الناس بمذهب إبراهيم وأتبعهم له، وأعرف الناس به وبأقواله، ولا أثر لذلك فی ما حكاه عنه من الآثار غير ما مر ذكره أن الزوجين إذا كانا فى دار الإسلام فأسلم أحدهما عرض الإسلام على ١٠٧ بيان حكم النكاح إذا أسلم أحد الزوجين ج - ١١ وطبقته: وعنه أبو داود وأبو الوليد الطيالسيان كما فى التهذيب (٥:٩). ولم يذكره أحد بجرح ولا تعديل. الآخر، فإن أسلم فهى امرأته، وإن أبى فرق بينهما، ولا معنى للعدة فى ذلك، إنما العدة أى تربص ثلاثة قروء إنما هو إذا أسلم فهى امرأته، وإن أبى فرق بينهما، ولا معنى للعدة فى ذلك، إنما العدة أى تربص ثلاثة قروء إنما هو إذا أسلم أحدهما فى دار الحرب. دليل ثبوت الفرقة باختلاف الدارين: قال ابن التركمانى: وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى العمل بحديث عمرو بن شعيب، وأن أحد الحربيين إذا أسلم وخرج إلينا وبقى الآخر بدار الحرب وقعت الفرقة باختلاف الدارين لقوله تعالى: ﴿فلا ترجعوهن إلى الكفار﴾. فلو كانت الزوجية باقية كما يقوله الشافعى كان هو أحق بها، وقال تعالى: ﴿لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن﴾. قال تعالى: ﴿وآتوهم ما أنفقوا﴾. فأمر برد المهر على الزوج، فلو كانت الزوجية لما استحق البضع وبدله، وقال تعالى: ﴿ولا جناح عليكم أن تنكحوهن﴾. ولو كان النكاح الأول باقيا لما جاز لها أن تتزوج، وقال تعالى: ﴿ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾. فنهانا الله أن نمنع من نكاحها لأجل زوجها الحربى، وفواعل قد تطلق على الرجال، قال ابن عطية فى "تفسيره": رأيت لأبى على الفارسى أنه قال: "سمعت الفقيه أبا الحسن الكرخى يقول فى تفسير قوله تعالى: ﴿ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾، أنه فى الرجال والنساء، فقلت له: النحويون لا يرون هذه إلا فى النساء، لأن كوافر جمع كافرة، فقال: وأيش يمنع هذا، أليس الناس يقولون طائفة كافرة وفرقة كافرة، فبهت وقلت هذا تائيدا انتهى. وقال تعالى: ﴿والمحصنت من النساء إلا ما ملكت أيمانكم). قال أبو سعيد الخدرى: نزلت فى سبايا أوطاس، وقال عليه السلام فيهن: "لا توطأ حامل حتى تضع، ولا عائل حتى تستبرأ بحيضة". واتفق الفقهاء على جواز وطئ المسبية بعد الاستبراء ولو كان لها ثمه زوج لم يسب معها، ولأن الفرقة إما أن تتعلق بإسلامها، أو بحدوث الملك، أو باختلاف الدار. واتفقوا على أنها لا تتعلق بإسلامها، وثبت أيضا أنها لا تتعلق بحدوث الملك، فإنه لو باع أمته المزوجة فلا فرقة، وكذا لو مات عنها وانتقلت للوارث، فتعين أنها تتعلق باختلاف الدار، ومعنى الاختلاف أن يكون أحدهما من أهل دارنا إما بالإسلام أو ذمة، والآخر حربيا من أهل دارهم، حتى لو دخل مسلم دارهم بأمان أو دخل حربى دارنا أو أسلما ثمه ثم خرج أحدهما إلينا فلا فرقة اهـ (٢: ٩١). ويدل على أن المعنى فيه ما ذكرنا من اختلاف الدارين أنهما لو خرجا (من دار الحرب) مسلمين أو ذميين لم تقع بينهما فرقة لأنهما ١٠٨ بيان حكم النكاح إذا أسلم أحد الزوجين إعلاء السنن لم تختلف بهما الداران، وأن الحربية إذا خرجت إلينا مسلمة أو ذمية ثم لم يلحق بها زوجها وقعت الفرقة بلا خلاف (ولم يوجد السبى). وقد حكم الله تعالى بذلك فى المهاجرات فى قوله: ﴿ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن﴾. ثم قال: ﴿ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾ اهـ، قاله الجصاص فى "أحكام القرآن" (١٣٨:٢). وفيه أيضا: فإن احتجوا بحديث أبى سعيد الخدرى فى قصة سبايا أوطاس وسبب نزول الآية عليها وهو قوله: ﴿والمحصنت من النساء إلا ما ملكت أيمانكم﴾. لم يفرق بين من سبيت مع زوجها أو وحدها. قيل له روى حماد قال: أخبرنا الحجاج عن سالم المكى عن محمد بن على قال: لما كان يوم أوطاس لحقت الرجال بالجبال وأخذت النساء. فقال المسلمون: كيف نصنع ولهن أزواج؟ فأنزل الله تعالى ﴿والمحصنت من النساء﴾ الآية. فأخبر أن الرجال لحقوا بالجبال، وأن السبايا كن منفردات عن الأزواج، والآية فيهن نزلت، وأيضا لم يأسر النبى معَ له فى غزاة حنين من الرجال أحدا فيما نقل أهل المغازى، وإنما كانوا من بين قتيل أو مهزوم، وسبى النساء، ثم جاءه الرجال بعد ما وضعت الحرب أوزارها فسألوه أن يمن عليهم باطلاق سباياهم، وأما إذا لم يخل مراد الله تعالى فى المعنى الموجب للفرقة فى المسبية من أحد وجهين إما اختلاف الدارين بهما أو حدوث الملك، ثم قامت دلالة السنة واتفاق الخصم معنا على نفى إيجاب الفرقة بحدوث الملك، (ولذا لم تقع الفرقة بشرى الأمة المزوجة وهبتها وبالميراث وغيره من وجوه الأملاك الحادثة) قضى ذلك على مراد الآية بأنه اختلاف الدارين، وأوجب ذلك مخصوص الآية فى المسبيات دون أزواجهن اهـ. قلت: وللخصم أن يقول: إن المعنى الموجب للفرقة فى المسبية حدوث الرق بعد ما كانت حرة، ولذا تقع الفرقة ولو سبى الزوجان معا، لحدوث الرق فيهما بعد ما كانا حرين، ولم يوجد ذلك المعنى فى بيع الأمة المزوجة وهبتها وموروثيتها فافهم. فالصحيح الاستدلال بالنص الوارد فى المهاجرات، أو يقال: إن وقوع الفرقة بالرق غير معقول المعنى، فإن الرق لا يمنع ابتداء النكاح فلان لا يمنع بقاؤه أولى والله تعالى أعلم. ودلالة الآثار التى أودعناها فى المتن على معنى الباب وتائيد مذهب الحنفية فى ذلك ظاهرة بالتقرير الذى تضمنه كلامنا بأبسط وجه ولله الحمد. وبهذا يطلع الناظر فى المحلى أن ابن حزم رحمه الله نسب إلى كثير ممن سماه من التابعين خلاف ما ذهبوا إليه، إنما اغتر بما روى عنهم مجملا، ولم يتنبه لما روى عنهم فى هذا الباب مفسرا، والله ولى التوفيق يؤتى الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا، اللهم اجعلنا منهم، ونور قلوبنا بنور الإيمان والحكمة، ج - ١١ ١٠٩ باب الولد يتبع خير الأبوين إذا أسلم أحدهما ٣١٨٨- أخبرنا محمود بن غيلان قال: ثنا عبد الرزاق قال: ثنا سفيان عن عثمان البتى عن عبد الحميد بن سلمة الأنصارى عن أبيه عن جده، أنه أسلم وأبت مرأته أن تسلم، فجاء ابن لهما صغير لم يبلغ الحلم. فأجلس النبى معَِّ الأب ههنا، والأم ههنا، ثم خيره، فقال: "اللهم اهده" فذهب إلى أبيه. رواه النسائى (١١:٢ و١٢): وسكت عنه فهو صحیح عنده. ٣١٨٩- حدثنا إبراهيم بن موسى الرازى أنا عيسى ثنا عبد الحميد بن جعفر أخبرنى أبى عن جدى رافع بن سنان أنه أسلم وأبت امرأته أن تسلم، فأتت النبى محمد له فقالت: ابنتى وهى فطيم أو شبهه، وقال رافع: ابنتى. فقال له النبى معَّ له: "اقعد ناحية" وقال لها: "اقعدى ناحية". وأقعد الصبية بينهما، ثم قال: "ادعواها"، فمالت الصبية إلى أمها، فقال النبى معَّهِ: ((اللهم اهدها)). فمالت إلى أبيها فأخذها. رواه أبو داود (٣١٢:١): وسكت عنه. واختم لنا بالحسنة ونضر الله ابن حزم وأنزل عليه شأبيب الرحمة والغفران فقد فتح لنا باب التوسع فى الرواية كما فتح لنا الفقهاء أبواب الدراية، وصلى الله على خاتم فص الرسالة والهداية، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أولى النصرة والحماية، صلاة سلاما متلازمين متواترين إلى غير النهاية. باب الولد يتبع خير الأبوين إذا أسلم أحدهما قال المؤلف: دلالة حديثى الباب عليه ظاهرة، وفى سند الأول كلام، وهو أن عبد الحميد وأباه وجده لا يعرفون، قاله الدار قطنى كما فى "تهذيب التهذيب" (١١٥:٦). قلت: لما سكت عليه النسائى وقد تقرر أن ما سكت عليه فهو صحيح عنده، علم أنهم معروفون عنده فافهم. ووجه دلالة الحديث على الباب من حيث أنه مرّ له دعا للولد بالهداية إلى أبيه المسلم، فدل على أن المطلوب تبعية الولد لخير أبويه، وأنما خيره تطييبا لقلوبهما واعتمادا على استجابة دعائه، ولا شك أن دعاءه مستجاب، فعلم أن تخيير الولد مخصوص به مّ ل ضرورة أن الصغير لا يهتدى بنفسه إلى الصواب، والهداية من الله تعالى للصواب بغير هذا الولد غير لازمة، بخلاف هذا فقد وفق المخير بدعائه مَّهِ، والله تعالى أعلم. ويؤيد نفى التخيير ما مر عن ابن عباس: "الإسلام يعلو ولا يعلى" وغيره من النصوص العامة الواردة فى تغليب الإسلام على الكفر فافهم. ١١٠ إعلاء السنن أبواب القسم باب وجوب العدل بين الأزواج فيما يطاق ٣١٩٠- عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبى معَّه قال: ((من كانت له امرأتان يميل لإحداهما على الأخرى جاء يوم القيامة يجر أحد شقيه ساقطا أو مائلا)). رواه الخمسة والدارمى وابن حبان والحاكم قال: وإسناده على شرط الشيخين، واستغربه الترمذى مع تصحيحه (نيل ١٣٨:٦). ومن قال بالتخيير قيده بما إذا بلغ الصبى سبع سنين أو ثمان سنين، وفى لفظ أبى داود: أنه مرّ ◌ُلِّ خير صبية كانت فطيما"، والفطيم لا يطلق على من بلغ سبعا، لأنهم كانوا يفطمون لنحو حولين، فلا حجة فيه فى محل النزاع، وأيضا لا يصح إثبات التخيير بهذا الحديث على مذهب الشافعى رحمه الله لأن التخيير إنما يكون بين شخصين من أهل الحضانة والأم ليست من أهل الحضانة عنده، لأنها كافرة والأب مسلم، فكيف يحتج له بحديث لا يقول بموجبه؟ وذكر الطحاوى هذا الحديث من وجه آخر، وفيه أنه عليه السلام قال لهما: "هل لكما أن تخيراه"؟ ففيه أن التخيير كان باختيارهما، (والشافعى ومن وافقه لا يقولون بذلك، فالظاهر ما قلنا من كونه مخصوصا بالنبى مر آه، ويؤيده ما سيأتى فى حضانة بنت حمزة رضى الله عنه من عدم تخييره عّ لّه إياها، بل قضى بحضانتها لعمها جعفر لكون خالتها أسماء تحته فانظر) كذا فى "الجوهر النقى" (١٢٦:٢ و١٢٧). والحديث مضطرب الإسناد والمتن كما تراه، فبعضهم يقول: عبد الحميد بن سلمة عن أبيه عن جده، وهم لا يعرفون، وفيه أن الخصومة كانت فى ابن صغير، وبعضهم يقول: عبد الحميد بن جعفر عن أبيه عن جده رافع بن سنان، وهو وأبوه ثقتان وجده رافع بن سنان معروف، ولذا رجحه ابن القطان، وفيه أن النزاع كان فى بنت فطيم. وقد عرفت أنه لا يصلح حجة للشافعى بل هو حجة عليه والله أعلم. باب وجوب العدل بين الأزواج فيما يطاق قال المؤلف: دلالة الأحاديث على الباب ظاهرة. واستدل الحنفية بظاهر هذه الأحاديث وبظاهر قوله تعالى: ﴿فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة﴾ الآية على وجوب التسوية بين البكر والثيب. وأما ما رواه البخارى عن أنس قال: "من السنة إذا تزوج الرجل البكر على الثيب أقام عندها سبعا وقسم، وإذا تزوج الثيب على البكر أقام عندها ثلاثا ثم قسم". قال أبو قلابة: ولو شئت لقلت أن أنسا رفعه إلى النبى عّ لّه. وقال عبد الرزاق: أخبرنا سفيان عن أيوب وخالد، قال ج -. ١١ وجوب العدل بين الأزواج فيما يطاق ١١١ ٣١٩١- عن حماد بن سلمة عن أيوب عن أبى قلابة عن عبد الله بن يزيد عن عائشة رضى الله عنهم. أن النبى ◌ّ له كان يقسم بين نسائه فيعدل، ويقول: ((اللهم هذا قسمى فيما أملك فلا تلمنى فيما تملك ولا أملك)). رواه الأربعة وصححه ابن حبان والحاكم، قال الترمذى: يعنى به الحب والمودة، كذلك فسره أهل العلم. قال الترمذى: خالد: ولو شئت لقلت رفعه إلى النبى عَ ◌ٍّ (٢: ٧٨٥). والجواب عنه ما فى العناية: محمول على التفصيل بالبداءة دون الزيادة، كما ذكر فى حديث أم سلمة أنه عليه السلام قال: "إن شئت سبعت لك وسبعت لهن". ونحن نقول للزوج أن يبتدى بالجديدة ولكن بشرط أن يسوى بينهما. وأما ما فى "النيل" (٣: ٣٠١) عن أم سلمة رضى الله عنها: أن النبى عرّ لما تزوجها أقام عندها ثلاثة أيام، وقال: إنه ليس بك هوان على أهلك، فإن شئت سبعت لك وإن سبعت لك(١) سبعت لنسائى. رواه أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجه، ورواه الدار قطنى ولفظه: أن النبى معَّه قال لها حين دخل بها: ليس بك على أهلك هوان، إن شئت أقمت عندك ثلاثا خالصة لك، وإن شئت سبعت لك وسبعت لنسائى. قالت: تقيم معى ثلاثا خالصة اهـ. وفيه أيضا لفظ الدار قطنى فى حديث أم سلمة فى إسناده الواقدى وهو ضعيف جدا. فالجواب عنه أن الحديث أخرجه ابن أبى حاتم فى "علله" عن أبى قتيبة عن إسرائيل عن أبى إسحاق عن أبى سلمة بن عبد الرحمن عن أم سلمة أن النبى معَّ ◌ّه لما خطبها قال لها: إن شئت سبعت لك وإن سبعت لك سبعت لنسائى وإن شئت زدت فى مهرك وزدت فى مهورهن (٤٠٥:١). ورجاله كلهم ثقات، وفيه أنه مګ قال لها ذلك حین خطبها، فكان يرى تسويتها لسائر أزواجه قبل التزوج بها فى كل شىء حتى فى المهر أيضا، فكيف يصح أنه أقام عندها ثلاثا خالصة؟ ولأنه لو كانت الثلاث حقا لها دون سائر النساء لكان إذا أقام عندها سبعا كانت ثلاث منهن غير محسوبة عليها، ولوجب أن يكون لسائر النساء أربع أربع، فلما كان لسائر النساء إذا أقام عندها سبعا سبع كان كذلك إذا أقام عندها ثلاثا لكل واحدة منهن ثلاث ثلاث، هذا هو النظر الصحيح. والجواب عن رواية الدار قطنى بطريق الواقدى، نفسه روى عن عائشة مرفوعا: "البكر إذا (١) فيه دلالة على جواز القسم بالتسبيع أن يقيم عند كل واحدة سبعا سبعا، وهو حجة على من منع القسم بأزيد من يوم وليلة أو من ثلاث كما ذكره العينى فى "العمدة" (٤٤٩:٩) (المؤلف). ١١٢ وجوب العدل بين الأزواج فيما يطاق إعلاء السنن رواه غير واحد عن حماد بن زيد عن أيوب عن أبى قلابة مرسلا، وهو أصح من رواية حماد بن سلمة. وقد أخرج البيهقى من طريق على بن أبى طلحة عن ابن عباس فى قوله؛ ﴿ولن تستطيعوا﴾ الآية. قال: فى الحب والجماع، وعن عبيدة بن عمرو السلمانى مثله (فتح البارى لحافظ الدنيا العسقلانى، ٢٧٤:٩ و٢٧٥). نكحها رجل وله نساء لها ثلاث ليال وللثيب ليلتان". أخرجه الدار قطنى أيضاً (٤٠٩:٢). وإذا تعارضا تساقطا، وروايات غير الواقدى ليست بصريحة فى أنه إذا أقام عند البكر سبعا لا يسع لبقية أزواجه، وإذا ثلث للثيب لا يثلث للبواقى، وإنما فى بعضها: "إذا تزوج الثيب فلها ثلاث ثم يقسم"، وفى بعضها: "للبكر سبعة وللثيب ثلاثة ثم يعود إلى نسائه". وفى بعض روايات أم سلمة: "وإلا فثلثت ثم أدور". وكل ذلك محتمل كما لا يخفى والمذهب عندنا هو التسوية بين الحقوق الواجبة والنافلة من المأكول والملبوس، كما فى "الدر المختار": "يجب وظاهر الآية أنه فرض، نهر، أن يعدل أى أن لا يجوز فيه أى فى القسم بالتسوية فى البيتوتة، وفى المأكول والملبوس والصحبة" إلخ (٦٥٢:٢ و٦٥٣ مع "رد المحتار"). وأما ما رواه البخارى عن عائشة رضى الله عنه قالت: " كان الناس يتخيرون بهداياهم يؤمى، وقالت أم سلمة: إن صواحبى اجتمعن فذكرت له فأعرض عنها" اهـ. وروى أيضا عنها: "أن نساء رسول الله عَّ كن حزبين، فحزب فيه عائشة رضى الله عنها وحفصة وصفية وسودة، والحزب الآخر أم سلمة رضى وسائر نساء رسول الله م آه، وكان المسلمون قد علموا حب رسول الله ◌َّ عائشة، فإذا كانت عند أحدهم هدية يريد أن يهديها إلى رسول الله عَ لِّ أخرها، حتى إذا كان رسول الله عَّ ◌ُّه فى بيت عائشة بعث صاحب الهداية إلى رسول الله عَ لّه فى بيت عائشة، فكلم حزب أم سلمة، فقلن لها: كلمى رسول الله مَّ يكلم الناس، فيقول: من أراد أن يهدى إلى رسول الله ◌ّ هدية فليهدها حيث كان من نسائه، فكلمته أم سلمة بما قلن، فلم يقل لها شيئا فسألنها فقالت: ما قال لى شيئا، فقلن لها: كلميه حتى يكلمك، فدار إليها فكلمته، فقال لها: ((لا تؤذينى فى عائشة فإن الوحى لم يأتنى فى ثوب امرأة إلا عائشة)) قالت فقلت: أتوب إلى الله من أذاك يا رسول الله عَ ◌ّه! ثم إنهن دعون فاطمة بنت رسول الله عَّه، فأرسلت إلى رسول الله معد له تقول: إن نساءك ينشدنك العدل فى بنت أبى بكر فكلمته، فقال: "يا بنية ألا تحسبين ما تحبين ما أحب؟" قالت: بلى! فرجعت إليهن فأخبرتهن، فقلن ارجعی إلیه، فأبت أن ترجع، فأرسلن زينب بنت جحش، فأتته فأغلظت، وقالت: إن نساءك ينشدنك الله العدل فى بنت ابن أبى قحافة، فرفعت 8 ج - ١١ ١١٣ باب كيف القسم بين الأمة والحرة ٣١٩٢- نا دعلج بن أحمد نا محمد (١) بن على بن زيد نا سعيد بن منصور نا هشيم عن ابن أبى ليلى عن المنهال بن عمرو عن عباد بن عبد الله الأسدى عن على رضى الله عنه أنه كان يقول: "إذا تزوج الحرة على الأمة قسم للأمة الثلث، وللحرة الثلثين". رواه الدارقطنى (٢: ٤١٠). صوتها حتى تناولت عائشة رضى الله عنها وهى قاعدة" إلخ. وفى "فتح البارى": وأنه لا حرج على المرء فى إيثار بعض نسائه بالتحف، وإنما اللازم العدل فى المبيت والنفقة ونحو ذلك من الأمور اللازمة، كذا قرره ابن بطال عن المهلب. فالجواب عنه ما فى فتح البارى أيضا: وتعقبه ابن المنير بأن النبى معٍَّ لم يفعل ذلك، وإنما فعله الذين أهدوا له وهم باختيارهم فى ذلك، وإنما لم يمنعهم النبى معَِّ لأنه ليس من كمال الأخلاق أن يتعرض الرجل بمثل ذلك، لما فيه من المتعرض لطلب الهدية، وأيضا فالذى يعدى لأجل عائشة كأنه ملك الهدية بشرط، والتمليك يتبع فيه تحجير المالك، مع أن الذى يظهر أنه مرّه كان يشركهن فى ذلك، وإنما وقعت المنافسة لكون العطية تصل إليهن من بيت عائشة اهـ (١٥١:٥ و١٥٢). قلت: وهذا الأخير أرجح عندى، وإنما وقعت المنافسة لوصول الهدايا إليهن من بيت عائشة لما فيه من إيهام تفضيل الصحابة السيدة عائشة على سائر الأزواج، وهن أمهاتهم، ولا ينبغى لهم أن يفرقوا بين أمهاتهم فافهم. فإن بعض الناس لم يتفطن لهذه النكتة، ورد على ابن المنير لسوء فهمه. الفائدة: أخرج الدولابى فى "الكنى" بسنده عن جابر بن زيد (أبى الشعاء صاحب ابن عباس قال: كان لى امرأتان فكنت أقسم بينهما حتى أعد القبل اهـ (١٤٧:١). وهذا من كمال الورع، وليس بواجب. فإن قلت: لم يكن القسم واجبا عليه عَّ له، فكيف يستدل على المقصود بفعله؟ قلت: إن سلم بناء على أشهر الأقوال فالجواب عنه أنه كان يعامل فيه معاملة من وجب عليه، كما يدل عليه سياق الآحادیث. باب كيف القسم بين الأمة والحرة قوله: نا دعلج إلخ. قال المؤلف: وفى الزيلعى: المنهال بن عمرو فيه مقال، وعباد الأسدى ضعيف. قال فى "التنقيح": قال البخارى: فيه نظر. وحكى ابن الجوزى عن ابن المدينى أنه ضعفه (١) قلت: هو الحصائغ الراوى كتاب السنن عن سعيد بن منصور كما فى تهذيب التهذيب (٨٩:٤). ١١٤ كيفية القَسْم بين الحرة والأمة إعلاء السنن ٣١٩٣- عن سليمان بن يسار قال: " من السنة أن الحرة إن أقامت على مضزار فلها يومان وللأمة يوم". رواه البيهقى (التلخيص الحبير، ٣١٤:٢). قلت: سليمان هذا تابعى ثقة، كما فى التقريب (١٠٣) فالحديث مرسل. ٣١٩٤- أخبرنا عباد بن العوام قال: أخبرنا الحجاج بن أرطاة عن حصين بن عبد الرحمن الحارثى عن الحارث عن على بن أبي طالب رضى الله عنه أنه قال: "لا تنكح الأمة على الحرة، وتنكح الحرة على الأمة، فيكون لها ثلثان من ماله ونفسه، وللأمة الثلث". رواه الإمام محمد فى الحجج (٣١٢). ورجاله ثقات وإن كان أكثرهم قد . ، اختلفت فيهم. اهـ (٢٦:٢). قلت: أما المنهال هذا فذب عنه فى التعليق المغنى بما نصه: تكلم فيه شعبة ووثقه ابن معين والنسائى والعجلى. وقال الدار قطنى: صدوق، وله عند البخارى حديثان فثبت أنه ثقة. وأجاب العلماء عن كلام شعبة فيه بجواب صحيح (٢: ٤١٠). وعباد هذا مختلف فيه، فقد ذكره ابن حبان فى "الثقات" كما فى "الميزان" (١١:٢). والاختلاف غير مضر كما مر مرارا، ودلالته على الباب ظاهرة. قوله: عن سليمان أهـ: قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة. قوله: "أخبرنا عباد" إلخ. قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة. وفى "الدر المختار" : "وللأمة والمكاتبة وأم الولد والمدبرة والمبعضة نصف ما للحرة، أى من البيتوتة والسكنى معها، أما النفقة فبحالهما" اهـ (٦٥٧:٢). قال بعض الناس: فهذا يخالف الأثر المذكور فى آخر الباب فى أمر الأموال، حيث لم يعتبر التنصيف فى النفقة، ويمكن الجواب عنه بأن مرادهم بالنفقة هو النفقة اللازمة المفروضة، فإنه لو نصف فيها تستضر الأمة فى بعض الأحوال، والأثر يجب أن يحمل على النفقة التبى يتبرع بها، ولكن لم أر هذا التفصيل فى كتب الفقه، غير أن الإمام محمدا روى هذا الأثر ولم يتكلم عليه، ولا ذكر تأويلا له، فهذا بظاهره دليل على أن التنصيف يجرى عنده فى النفقة أيضا فليتأمل وليتتبع فى كتب الفقه اهـ. قلت: لا تخالف فإن عليا رضى الله عنه إنما أوجب التثليث فى ماله ونفسه، ونحن نقول بالتسوية فى المأكول والمشروب والملبوس، لأن ذلك من الحاجات اللازمة فيستوى فيه الحرة والأمة كما فى "البدائع" (٢٣٣:٢). والمال لا يطلق على النفقة اللازمة عرفا، فالظاهر أن مراد على التثليث فى ما سوى ذلك، والله تعالى أعلم. ١١٥ ج - ١١ باب استحباب القرعة لاستصحاب واحدة منهن فى السفر ٣١٩٥- عن عائشة رضى الله عنها: "أن النبى عّ. كان إذا أراد أن يخرج سفرا أقرع بين أزواجه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه. متفق عليه(نيل الأوطار ١٣٩:٦). باب صحة ترك النوبة لضرتها ٣١٩٦- عن عائشة رضى الله عنها: ((كان رسول الله عَّه لا يفضل بعضنا على بعض فى القسم)). الحديث وفيه: ولقد قالت سودة بنت زمعة حين أسنت وخافت أن باب استحباب القر عة لاستصحاب واحدة منهن فى السفر قال المؤلف فى "رد المحتار": قوله: ولا قسم فى السفر إلخ. لأنه لا يتيسر إلا بحملهن معه، وفى إلزامه ذلك من الضرر ما لا يخفى نهر، ولأنه قد يثق بإحداهما فى السفر وبالأخرى فى الحضر والقرار فى المنزل لحفظ الأمتعة أو لخوف الفتنة، أو يمنع من سفر إحداهما كثرة سمنها، فتعيين من يخاف صحبتها فى السفر للسفر لخروج قرعتها إلزام للضرر الشديد، وهو مندفع بالنافى للحرج فتح، وانظر ما لو سافر بهن هل يقسم(١) اهـ. وفيه أيضا: قلنا: كان استحبابا لتطبيب قلوبهن، لأن مطلق الفعل لا يقتضى الوجوب مع أنه مَّه لم يكن القسم واجبا عليه، وتمامه فى "الفتح والبحر" (٦٥٧:٢). قلت: ليس هناك مطلق الفعل بل هو فعل مستمر متصل بكان وإذا الدالتين على الإستمرار، فالجواب أما على مذهب من لم يقل بكون الفعل موجباً مطلقا فظاهر، وأما على مذهب من قال بكونه موجبا فباعتبار وقوع الحرج المنفى عن الشريعة فافهم. الفائدة: فى الطحاوى: القرعة بالضم طينة أو عجينة مدورة مثلا يدرج فيها رقعة يكتب فيها اسم للسفر والحضر ثم يسلم إلى صبى يعطى كل امرأة واحدة منهن، حلبى عن القهستانى (١٤٣:٢). باب صحة ترك النوبة لضرتها قال المؤلف: دلالة الحديث على الباب ظاهرة. وفى "الدر المختار": "ولها الرجوع من ذلك، لأنه ما وجب فما سقط" (٦٥٧:٢ و٦٥٨)، قلت: وفى الحديث جواز طلاق المرأة لأجل كبرها (١) قال العينى فى "شرح البخارى": "وعماد القسم فى حق المسافر وقت نزوله، وحالة السير ليست منه ليلا كان أو نهاراً" اهـ (٤٩٧:٩). وفيه أيضا: قال ابن القصار: "ليس له أن يسافر بمن شاء منهن بغير قرعة، وهو قول مالك وأبى حنيفة والشافعي" اهـ. فلينظر فيه فإن قول أبى حنيفة المشهور فى المتون بخلاف ذلك أن الإقراع بينهن مستحب غير واجب (المؤلف). ١١٦ صحة ترك النوبة لضرّتها إعلاء السنن 0. يفارقها رسول الله عَّ له: يا رسول الله عّ لّه! يومى لعائشة فقبل ذلك منها، فقيها وأشباهها نزلت: ﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا﴾ الآية. رواه أبو داود، وتابعه ابن سعد عن الواقد عن ابن أبى الزناد فى وصله، ورواه سعيد بن منصور عن ابن أبى الزناد مرسلا لم يذكر فيه عن عائشة رضى الله عنها، وعند الترمذى من حديث ابن عباس موصولا نحوه، وكذا قال عبد الرزاق عن معمر بمعنى ذلك، فتواردت هذه الروايات على أنها خشيت الطلاق فوهبت. ٣١٩٧- وأخرج ابن سعد بسند رجاله ثقات من رواية القاسم بن أبى بزة مرسلا: ((أن النبى عَّ طلقها فقعدت له على طريقه، فقالت: والذى بعثك بالحق ما لى فى الرجال حاجة، ولكن أحب أن أبعث مع نسائك يوم القيامة، فأنشدك بالذى أنزل عليك الكتاب هل طلقتنى لموجدة وجدتها على؟ قال: "لا"! قالت: فأنشدك لما راجعتنى فراجعها، قالت: فإنى قد جعلت يومى وليلتى لعائشة حبة رسول الله عَ لّه)). (فتح البارى، ٢٧٢:٩). وزيادة سنها إذا شك فى رغبتها وشهوتها للمجامعة، أو ظن أن لها حاجة إلى الرجال ولم ترض نفسه بمجامعتها، وأما إذا علم أنها لا حاجة لها إلى الرجال وأنها راضية بترك مجامعتها فأولى إمساكها، كما فعله رسول الله عَّهِ، وفيه أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر فافهم، وكن من الشاکرین. * ١١٧٠ ج - ١١ كتاب الرضاع باب أن الرضاع يحرم ما يحرمه النسب إذا كان فى مدته وقليله وكثيره سواء ٣١٩٨- عن عائشة رضى الله عنها مرفوعا فى حديث طويل: ((الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة)). رواه البخارى (٧٦٤). مَ له: ألا تتزوج ابنة ٣١٩٩- عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: قيل للنبى عد ◌ّ حمزة؟ قال: "إنها ابنة أخى من الرضاعة". رواه البخارى (٧٦٤). ٣٢٠٠- عن قتادة رحمه الله قال: كتبنا إلى إبراهيم بن يزيد النخعى نسأله عن الرضاع، فكتب أن شريحا حدثنا أن عليا رضى الله عنه وابن مسعود رضى الله عنه كانا يقولان: "يحرم من الرضاع قليله وكثيره". رواه النسائى (٨٢:٢). باب أن الرضاع یحرم ما يحرمه النسب إذا کان فى مدته، وقليله و کثیره سواء قال المؤلف: دلالة مجموع أحاديث الباب عليه ظاهرة. وأما ما يخالف الباب فالأول منها رواه الجماعة إلا البخارى كما فى "النيل" (٢٤٦:٦) عن عائشة رضى الله عنها أن النبى عّ لّه قال: ((لا تحرم المصة ولا المصتان". وأخرجه مسلم كما فى "فتح البارى" (١٢٦:٩) من حديث أم الفضل زوج العباس، أن رجلا من بنى عامر قال: يا رسول الله! هل تحرم الرضعة الواحدة؟ قال "لا". وفى رواية له عنها: ((لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان ولا المصة والمصتان)) اهـ. والثانى ما روى عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت: "كان فيما نزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفى رسول الله عَّ وهن فيما يقرأ من القرآن"، أخرجه مسلم أيضا (زيلعى ٢٧:٢). والثالث: ما فى "النيل" (٢٥٠:٦ و٢٥١) عن زينب بنت أم سلمة قالت: قالت أم سلمة لعائشة رضى الله عنهما أنه يدخل عليك الغلام الأيفع الذى ما أحب أن يدخل على، فقالت عائشة: أما لك فى رسول الله عَّالله أسوة حسنة؟ وقالت: إن امرأة أبى حذيفة قالت: يا رسول الله عَّه! إن سالما يدخل على وهو رجل، وفى نفس أبى حذيفة منه شىء، فقال رسول الله عَّهِ: ((ارضعيه حتى يدخل عليك". رواه أحمد ومسلم. وفى رواية عن زينب عن أمها أم سلمة أنها قالت: أبى سائر أزواج النبى معَّ طِّ أن يدخلن عليهن أحدا بتلك الرضاعة، وقلن لعائشة: ما نرى هذا إلا رخصة أرخصها رسول الله مَِّلّه لسالم خاصة، فما هو بداخل علينا أحد بهذه ولا رأينا. رواه أحمد ومسلم والنسائى وابن ماجة. وقد قال بعض أهل العلم: إن هذه السنة بلغت ١١٨ حكم الرضاع إعلاء السنن ٣٢٠١- أخبرنا مالك أخبرنا ثور بن زيد أن ابن عباس كان يقول: "ما كان فى الحولين وإن كانت مصة واحدة فهى تحرم" رواه الإمام محمد فى "الموطأ" (٢٧٢). قلت: إسناده صحيح. طرقها تصاب التواتر اهـ، وفى "فتح البارى" (١٢٨:٩). وذكر الطبرى فى "تهذيب الآثار" فى "مسند على رضى الله عنه" هذه المسألة وساق بإسناده الصحيح عن حفصة مثل قول عائشة وهو مما يخص به عموم قول أم سلمة: "أبى سائر أزواج النبى (مَ ◌ّه" إلخ -- والجواب عن الأول والثانى: ما فى فتح البارى تحت الحديث الثالث ما نصه: "قال القرطبى: هو أنص ما فى الباب إلا أنه يمكن حمله على ما إذا لم يتحقق وصوله إلى جوف الرضيع. وقوى مذهب الجمهور بأن الأخبار اختلفت فى العدد، وعائشة التى روت ذلك قد اختلفت عليها فيما يعتبر من ذلك. فوجب . الرجوع إلى أقل ما ينطلق عليه الإسم، ويعضده من حيث النظر أنه معنى طارئ يقتضى تأبيد التحريم فلا يشترط فيه العدد كالصهر، أو يقال: ماء يلج الباطن فيحرم فلا يشترط فيه العدد كالمنى، والله أعلم. وأيضا فقول عائشة رضى الله عنها: عشر رضعات معلومات ثم نسخن بخمس معلومات فمات النبى معَّه وهن مما يقرأ"، لا ينتهض للاحتجاج على الأصح من قولى الأصوليين لأن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر. والراوى روى هذا على أنه قرآن لا خبر، فلم يثبت كونه قرآنا، ولا ذكر الراوى أنه خبر ليقبل قوله فيه" (١٢٦:٩ و ١٢٧). قلت: قد روى أبو داود وسكت عنه من حديث عائشة مرفوعا فى قصة بنی سالم، فقال لها النبى معَِّ: ((ارضعيه)): فأرضعته خمس رضعات، فكان بمنزلة ولدها من الرضاعة الحديث (٢٨٨:١). وفى الجوهر النقى: "وقد ورد أنه عليه السلام قال لها: ((ارضعيه عشر رضعات، ثم ليدخل عليك)). قال ابن حزم: إسناده صحيح" (١٣٦:٢). فهذا اختلاف فى الباب أشار إليه القرطبى، ويمكن الخلاص منه أيضا بأن قصة سالم قد رويت من وجوه مختلفة، وهى واقعة حال قد اختلف فيها، وقوله مَّ له: ((الرضاعة تحرم)) إلخ قاعدة كلية فكيف تعارض واقعة الحال قاعدة كلية؟ مع أن العلماء قالوا كما سأذكر أن تلك الواقعة فيها احتمال الخصوصية بأهلها، فالحكم للقاعدة الكلية، ويرد على من قال: لا يحرم المصة ولا المصتان، قوله تعالى: ﴿وأمهاتكم اللاتى أرضعنكم﴾. فإنه مطلق وهو متواتر، فكيف يقيد بخبر الواحد؟ نعم! لو كانت الآية مجملة كان يمكن أن تفسر بخبر الواحد هذا، وبالقراءة الثابتة من خبر الواحد وهى قراءة خمس رضعات، وكان يمكن التطبيق بين حديث المصة والمصتين، والقراءة المذكورة، بأن الأول محمول على التمثيل ج - ١١ حكم الرضاع ١١٩ ٣٢٠٢- عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: "لا رضاع إلا ما كان فى الحولين". رواه البيهقى وقال: هذا هو الصحيح موقوف، ثم ذكر من حديث الهيثم بن جميل، ثنا سفيان فذكره عن ابن عباس رضى الله عنهما مرفوعا، قلت: الهيثم هذا وثقه ابن حنبل وغيره، قال الدارقطنى: حافظ، فعلى هذا الحكم له على ما هو الأصح عندهم، لأنه ثقة وقد زاد الرفع (الجوهر النقى ١٣٨:٢). دون التحديد، والثانى على التحديد. وفى "الجوهر النقى": ذكر صاحب الاستذكار أنه (أى عدم تقييد الحرمة بخمس رضعات ونحوها) قول على وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وابن المسيب والحسن ومجاهد وعروة وعطاء وطاوس ومكحول والزهرى وقتادة والحكم وحماد وأبى حنيفة ومالك وأصحابهما والثورى والليث والأوزاعى والطبرى، وقال الليث: أجمع المسلمون على أن قليل الرضاع وكثيره يحرم فى المدة، قال أبو عمر: لم يقف الليث على الخلاف فى ذلك (١٣٧:٢). والجواب عن الثالث: ما فى "فتح البارى": "ومنها دعوى الخصوصية بسالم وامرأة أبي حذيفة، والأصل فيه قول أم سلمة وأزواج النبى معَّ له: " ما نرى إلا هذا رخصة أرخصها رسول الله مَِّ بسالم خاصة" اهـ وفيه أيضا وقرره آخرون بأن الأصل أن الرضاع لا يحرم، فلما ثبت ذلك فى الصغر خولف الأصل له وبقى ما عداه على الأصل، وقصة سالم واقعة عين يطرقها احتمال الخصوصية فيجب الوقوف عن الاحتجاج بها" اهـ (١٢٨:٩). قلت: ويؤيد احتمال الخصوصية ظاهر أمر الأرضاع بغير قيد أن يلقى لبن المرأة فى شىء ثم يشرب منه، فإن مس جسم امرأة هى غير محرم له لا يجوز كما هو كلية الشريعة فافهم. وكيف لا يقال بالخصوصية؟ مع أن أحاديث الباب تدل على تحديد أحكام الإرضاع فى الحولين، وما ثبت من أول حديث الباب قد استثنوا منه بعض النساء، ففى "فتح القدير": "وقد جمعت فى قوله: يفارق النسب الرضاع فى صور كأم نافلة(١) وجدة الولد وأم عم وأخت ابن وأم أخ وأم خال وعمة ابن اعتمد وفيه أيضا: ثم قالت طائفة: هذا الإخراج تخصيص للحديث أعنى: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب"، بدليل العقل، والمحققون على أنه ليس تخصيصا، لأنه أحال ما يحرم بالرضاع على ما يحرم بالنسب، وما يحرم بالنسب هو ما تعلق به خطاب تحريمه. وقد تعلق بما عبر عنه بلفظ (١) فى "رد المحتار": أشار بالكاف إلى عدم الحصر فى ذلك إلخ (٢: ٦٦٥) (مؤلف). ١٢٠ حكم الرضاع إعلاء السنن ٣٢٠٣- عن عائشة رضى الله عنها قالت: دخل على رسول الله عّ لّه وعندى رجل، فقال: ((من هذا؟" قلت: أخى من الرضاعة! قال: ((يا عائشة -رضى الله عنها !- أنظرن من إخوانكن، فإنما الرضاعة من المجاعة)). رواه الجماعة إلا الترمذى (نيل الأوطار ٢٥٣:٦). الأمهات والبنات وأخوانكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت. فما كان من مسمى هذه الألفاظ متحققا فى الرضاع حرم فيه، والمذكورات ليس شىء منها من مسمى تلك، فكيف تكون مخصصة وهى غير متاولة، ولذا إذا خلا تناول الإسم فى النسب جاز النكاح، كما إذا ثبت النسب من اثنين ولكل منهما بنت جاز لكل منهما أن يتزوج بنت الآخر وإن كانت أخت ولده من النسب. وأنت إذا حققت مناط الإخراج أمكنك تسمية صور أخرى" اهـ (٣: ٣١١ و٣١٢). قال الموفق فى "المغنى": "كل امرأة حرمت من النسب حرم مثلها من الرضاع، وهن الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت، على الوجه الذى شرحناه فى النسب بقول النبى معَّ له، فذكر ما ذكرناه فى المتن، ثم قال: وقال النبى معَّ له فى درة بنت أبى سلمة: ((إنها لو لم تكن ربيبتى فى حجرى ما حلت لى، إنها ابنة أخى من الرضاعة، أرضعتنى وإياه ثوبية" متفق عليه. ولأن الأمهات والأخوات منصوص عليهن، والباقيات يدخلن فى عموم لفظ سائر المحرمات، ولا نعلم فى هذا خلافا" اهـ (٧: ٤٧٦). وأخرج الدار قطنى من حديث أبى حصين عن أبى عطية قال: "جاء رجل إلى أبى موسى فقال: إن امرأتى ورم ثديها فمصصته فدخل فى حلقى شىء سبقنى، فشدد عليه أبو موسى (وقال: حرمت عليك امرأتك) فأتى عبد الله ابن مسعود فقال: سألت أحدا غيرى؟ قال: نعم! أبا موسى فشدد على، فأتى أبا موسى، فقال: أرضيع هذا؟ فقال أبو موسى: لا تسألونى ما دام هذا الحبر بين أظهر كم" اهـ (٤٥٨:٢). وأخرجه من طريق أبى موسى الهلالى عن أبيه أيضا، وزاد قال رسول الله معدّ له: ((لا يحرم من الرضاع إلا ما أنبت اللحم وأنشز العظم". قال الحافظ فى "التلخيص": "الحديث رواه أبو داود أيضا من حديث أبى موسى الهلالى عن أبيه. قال أبو حاتم: مجهولان، ولكن أخرجه البيهقى من وجه آخر من حديث أبى حصين عن أبى عطية" اهـ (٣٣١:٢). قلت: فالحديث حسن، وقال الطحاوى فى "مشكله": "روى عن النبى معَّ له: ((لا تحرم المصة من الرضاع ولا المصتان))، مداره على عروة بن الزبير، فمن رواته من رواه عنه عن عائشة.