النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١ ج - ١١ مبحث المهر الحافظ (ابن حجر): إنه بهذا الإسناد حسن، ولا أقل منه، وحسنه البغوى كما فى شرح وإن شرط أن يسمى أموالا، هذا مقتضى الآية وظاهرها، ومن كان له درهم أو درهمان لا يقال عنده أموال، فلم يصح أن يكون مهرا بمقتضى الظاهر، فإن قيل: ومن عنده عشرة دراهم لا يقال عنده أموال وقد أجزتها مهرا قيل له: كذلك يقتضى الظاهر لكن أجزناها بالاتفاق، وجائز تخصيص الآية بالإجماع، وأيضا: قد روى حرام بن عثمان عن ابنى جابر عن أبيهما أن النبى عد اله قال: لا مهر أقل من عشرة دراهم (وهو حديث حسن كما فى المتن). وقال على: لا مهر أقل من عشرة دراهم. ولا سبيل إلى معرفة هذا الضرب من المقادير التى هى حقوق الله تعالى من طريق الرأى، وإنما طريقها التوقيف أو الاتفاق. وقد احتج بعض أصحابنا لاعتبار العشرة أن البضع عضو لا تجوز استباحته إلا بمال، فأشبه القطع فى السرقة، فلما كانت اليد عضوا لا تجوز استباحته إلا بمال، وكان المقدار الذى يستباح به عشرة على أصلهم فكذلك المهر يعتبر به" اهـ (١٤٠:٢). ثم أيد مذهب الحنفية بدلائل عديدة من النظر والنصوص. وأجاب عن دلائل الخصوم بما لا مزيدٍ عليه، فليراجع. ودليل عدم جواز القطع فى ما دون عشرة دراهم، ما أخرجه أحمد عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله مَّهِ: ((لا قطع فيما دون عشرة دراهم)) وفيه نصر بن باب ضعفه الجمهور، وقال أحمد: "ما كان به بأس". كذا فى "مجمع الزوائد". وفيه أيضا عن ابن مسعود قال: "لا تقطع اليد إلا فى دينار أو عشرة دراهم". رواه الطبرانى، والقاسم أبو عبد الرحمن ضعيف، وقد وثق. ورواه الطبرانى فى "الأوسط" عن ابن مسعود مرفوعا قال: "القطع فى دينار أو عشرة دراهم". وفيه سليمان داود الشاذكونى وهو ضعيف (٢٧٣:٦ و٢٦٤). قلت: الشاذكونى مختلف فيه، وثقه عبدان وابن عدى، كما فى "اللسان" (٨٤:٣-٨٥). فهذه أسانيد حسان، وإذا. ثبت ذلك دل على أن عشرة دراهم ليس بالشىء التافه، بل هى من الأموال عند الشارع، حيث أمر بقطع اليد المحترمة بسرقتها أو بسرقة ما يساويها فى القيمة، فافهم. فإن مدارك أبى حنيفة وأصحابه دقيقة جدا، وأنه ينال الإيمان من الثريا، والله تعالى أعلم. فإن قلت: إن الآية فى المهر مطلقة عن التحديد، ولا تجوز الزيادة على الكتاب بخير الواحد لا سيما إذا كان حسنا لا صحيحا على ما قالوا. قلت: إن المطلوب من تجويز المهر تعظيم البضع كما فهمه الفقهاء. ولو لا ذلك وكان المهر عوضا محضا لجاز النكاح ولم يجب مهر المثل إذا رضيا عليه، وإذا ليس فليس. فهل ترى أن يحصل بمطلق المال؟ لا أرى أنك تقول: نعم! فإذا ثبت هذا قلنا: إن الآية مجملة لا مطلقة، وتفسير الجمال يجوز عندهم بخبر الواحد. ٨٢ · مبحث المھر إعلاء السنن البخارى للشيخ برهان الدين الحلبى (فتح القدير، ١٨٦:٢). والآن نذكر ما يخالف من الأحاديث ما ذهب إليه الحنفية مع الجواب عنها، فالأول: منها ما فى البخارى (٧٧٤:٢): عن سهل بن سعد أن النبى عّ لّه قال الرجل: "تزوج ولو بخاتم من حديد" اهـ. وفى بعض ألفاظه: "اذهب فاطلب ولو خاتما من حديد" فذهب وطلب ثم جاء فقال: ما وجدت شيئا ولا خاتمًا من حديد (٧٧٤:٢). والجواب عنه أولا بأنه محمول على المبالغة، لأن خاتم الحديد ليس مالا معتدا به، وقد حققنا فى تقرير حديث الباب أن المال قد شرط لتعظيم البضع، فلا يعارض هذا الحديث حديث اشتراط عشرة دراهم فى المهر، فإنه ليس محمولا على حقيقته. وثانيا: أن الخاتم من الحدید منهى عنه، وصحح حديث النبى ابن حبان كما نقله فى "حاشية البخارى" (٨٧٢:٢). وفى "عمدة القارى": "قال ابن العربى: ذكر خاتم الحديد كان قبل النهى عنه بقوله مّ له: إنه حلية أهل النار. فنسخ النهى جوازه، وطلبه له (٤٣٣:٩). وأيضا: فقد ورد فى حديث ابن مسعود عند الدار قطنى (٣٩٤:٢): فقال رسول الله عَ ليه: ((قد أنكحتكها على أن تقرأها، وتعلمها، إذ أرزقك الله تعالى عوضتها، فتزوجها الرجل على ذلك)). قال الدارقطنى: تفرد به عتبة وهو متروك الحديث اهـ. قلت: ذكره ابن حبان فى الثقات وقال: "يخطئ ويخالف". كذا فى "اللسان" (١٢٨:٤). فالحديث غير ساقط من الاعتبار، وأيضا: فإن تأويل الحديث وتفسيره يصح بالقياس، فكيف لا يصح بالحديث الضعيف، وهو أولى من آراء الرجال عندنا. والثانى: ما صححه الترمذى كما فى "النيل" (٨١:٦): عن عامر بن ربيعة: "أن امرأة من بنى فزارة تزوجت على نعلين، فقال رسول الله عَّله: أرضيت من نفسك ومالك بنعلين؟ قالت: نعم! فأجازه" اهـ. والجواب عنه أنه يحتمل أن تكونا بلغتا قيمة عشرة دراهم ولا يبعد، فلا ينهض الحديث للاستدلال مع هذا الاحتمال. والثالث: ما فى البخارى: "سأل النبى معَ ◌ّل عبد الرحمن بن عوف، وتزوج امرأة من الأنصار، كم أصدقتها؟ قال: وزن نواة من ذهب" اهـ. وفى "فتح البارى": "وقع عند الطبرانى فى "الأوسط" فى آخر حديث: قال أنس رضى الله عنه: جاء وزنها ربع دينار" (٢٠٠:٩ و٢٠٢). وإسناده صحيح أو حسن على قاعدة الحافظ، فهذا يدل على أن المهر يجوز أقل من عشرة دراهم. والجواب عنه أنه إما محمول على المعجل، أو يقال: إنه مرجوح لحديث العشرة، لأن فيه زیادة، والأخذ بها متعین، فافهم. الرابع: ما أخرجه أبو داود عن جابر رفعه ورجح وقفه: "من أعطى فى صداق امرأة ملأ ج - ١١ مبحث المهر ٨٣ كفيه سويقا أو تمرا فقد استحل". كذا فى "الدراية" (٢٢٣). والجواب عنه ما مر فى الجواب الذى قبل هذا. والخامس: ما فى "النيل": أخرج مسلم من حديث ابن جريج عن أبى الزبير قال: سمعت جابرا يقول: "كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول الله عَ ليه". قال أبو بكر البيهقى: " وهذا وإن كان فى نكاح المتعة، ونكاح المتعة صار منسوخا، قائما نسخ منه شرط الأجل، فأما ما يجعلونه صداقا فإنه لم يرو فيه نسخ" (٨١:٦). والجواب أن الأمر ليس كما قال. الحافظ البيهقى، فإن أمر المتعة لما كان مبناه على المسامحة، فيحتمل أن يكون ما يتعلق به كذلك، بل هذا هو الظاهر، فنسخ كما نسخ الأصل، ولا أقل من الاحتمال، وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال، فافهم. السادس: ما فى "فتح البارى": أخرج النسائى وصححه من طريق جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس رضى الله عنه قال: "خطب أبو طلحة أم سليم، فقالت: والله ما مثلك يرد، ولكنك كافر وأنا مسلمة، ولا يحل لى أن أتزوجك، فإن تسلم فذاك مهرى، ولا أسألك غيره. فأسلم، فكان ذلك مهرها" (١٨٣:٩). والجواب أنه كان قبل نزول قوله تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم﴾ فافهم. فإن أبا طلحة تزوج أم سليم قبل مقدم النبى عرّه المدينة، لما فى هذا الأثر أن إسلامه كان بتحريض أم سلمة ودعوتها، وأبو طلحة ممن شهد العقبة، فكان إسلامه قبل الهجرة، وسورة النساء مدنية اتفاقا. السابع: ما فى البخارى فى حديث طويل، مروى عن سهل بن ساعد: فقام رجل فقال: يا رسول الله! أنكحنيها قال: هل عندك من شىء؟ قال: لا! قال: اذهب، فاطلب ولو خاتما من حديد، فذهب وطلب ثم جاء فقال: ما وجدت شيئا ولا خاتما من حديد، قال: هل معك من القرآن شىء؟ قال: معى سورة كذا وسورة كذا، قال: اذهب فقد أنكحتها بما معك من القرآن" (١٧٦:٩، إلى ١٧٩ مع "فتح البارى"). وفى "فتح البارى" (١٧٩:٩): وفى حديث أبى أمامة زوج النبى عدّة. رجلا من أصحابه امرأة على صورة من المفصل، جعلها مهرها وأدخلها، قال علمها". وإسناده صحيح أو حسن على قاعدة الحافظ. وفى سنن الترمذى بسند حسن عن أنس بن مالك: أن رسول الله عَ ◌ّه قال لرجل من أصحابه: ((هل تزوجت يا فلان؟ قال: لا والله يا رسول الله! ولا عندى ما أتزوج، قال: أليس معك قل هو الله أحد؟ قال: بلى! قال ثلث القرآن، قال: أليس معك ﴿إذا جاء ٨٤ مبحث المھر إعلاء السنن نصر الله والفتح﴾، قال: بلى، قال: ربع القرآن، قال: أليس معك ﴿قل يا أيها الكافرون﴾؟ قال: بلى! قال: ربع القرآن، قال: أليس معك إذا زلزلت الأرض؟ قال: بلى! قال: ربع القرآن قال: تزوج تزوج)) (١٢٧:٢). والجواب ما مر فى الذى قبله، وما مر من زيادة قوله فى حديث ابن مسعود: "وإذا رزقك الله فعوضها"، وهذا أصل المذهب عندنا أن المنافع الدينية لا تصلح مهرا، وقد وسع فيه المتأخرون، ففى "الدر المختار": "لكن فى النهر ينبغى أن يصح على قول المتأخرين، وفى "رد المحتار": أصله لصاحب البحر، حيث قال: وسيأتى إن شاء الله تعالى فى كتاب الإجارات أن الفتوى على جواز الاستئجار لتعليم القرآن والفقه، فينبغى أن يصح تسميته مهرا، لأن ما جاز أخذ الأجرة فى مقابلته من المنافع جاز تسميته صداقا، كما قدمنا، نقله عن "البدائع" (٢: ٥٤٧). قلت: لا تتوهم منه أن الحديث يحمل عليه عند المتأخرين، يعنى أنهم يقولون: إنه عُّ زوج رجلا على تعليم القرآن من حيث أنه عقد إجارة فصح كونه مهرا، لأنهم لا يقولون بأخذ الأجرة على تعليم القرآن فى زمن النبى ◌ّه، وتدل عليه الأحاديث التى ستأتى فى الإجارة إن شاء الله تعالى، فلا يمكن حمل الحديث عليه، وإنما تأويل الحديث عندهم ما قد ذكر. الثامن: ما فى "كنز العمال" عن أبى سعيد (مرفوعا وبسند صحيح على قاعدة السيوطى) رواه الحاكم فى "المستدرك": "لا يضر أحدكم بقليل من ماله تزوج أم بكثير بعد أن يشهد". (٢٤٩:٨). والجواب أن المراد به ما لم يقل من عشرة، قلت: ولم أجده فى "المستدرك" فى باب النكاح، والله تعالى أعلم. وفى "الجوهر النقى": " ثم ذكر البيهقى حديثا عن الخدرى مستشهدا به هو (أى المهر) ما اصطلح عليه أهلوهم وفى سنده أبو هارون العبدى، قال فيه حماد بن زيد: كذاب، وقال السعدى: كذاب مفتر، وقال أحمد: ليس بشىء، وقال هو والنسائى: متروك، وقال يحيى: ضعيف عندهم لا يصدق فى حديثه، وقال شعبة: لأن أقدم فيضرب عنقى أحب إلى من أن أحدث عنه، ومثل هذا كيف يستشهد به" اهـ (١٠١). وفيه أيضا فى تزوج عبد الرحمن على وزن نواة من ذهب، ذكر الخطابى أن النواة اسم لقدر معروف عندهم، وفسروها بخمسة دراهم من ذهب، وقال عياض: كذا فسرها أكثر العلماء، وقال النووى: هو الصحيح، وفى "الاستذكار" أكثر أهل العلم يقولون: وزنها خمسة دراهم، فظاهر هذا أنه تزوج بأكثر من ثلاثة مثاقيل من الذهب" إلخ (٩٩:٢). قلت: وأيضا، فقد قال الله تعالى: ﴿ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنت المؤمنات ٨٥ مبحث المھر ج - ١١ فمما ملكت أيمانكم). والطول هو المال كما فسره به غير واحد، ففيه دليل على أن كل قليل وكثير لا يصلح للمهر، وإلا لم يكن لاشتراط الطول معنى، وفى "التمهيد": قال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما والليث: لا يكون القرآن، ولا تعليمه مهرا، وهو أولى ما قيل به فى هذا الباب، لأن الفروج لا تستباح إلا بأموال لقوله تعالى: ﴿أن تبتغوا بأموالكم﴾ ولذكره تعالى الطول فى النكاح، وهو المال. والقرآن ليس بمال، ومعنى "أنكحتكها بما معك من القرآن" أى لكونه من أهل القرآن على جهة التعظيم للقرآن، كما روى أنس أنه عليه السلام زوج أم سليم أبا طلحة على إسلامه، وسكت عن المهر، لأنه معلوم أنه لا بد منه، كذا فى "الجوهر النقى" (١٠٣:٢). الفائدة الأولى فى "الدراية": قوله (أى قول صاحب "الهداية"): والمتعة ثلاثة أثواب من كسوة مثلها، وهی درع وخمار وملحفة. وهذا مروى عن ابن عباس وعائشة رضى الله عنهما، أما حديث ابن عباس فأخرجه البيهقى، وأما حديث عائشة رضى الله عنها، فلم أجده" (٢٣٢). وفى "التلخيص الحبير": وقال البیہقی روینا عن ابن عباس رضى الله عنه أنه قال: المتعة على قدر یسره و عسره، فإن کان موسرا متعها بخادم ونحوه، وإن كان معسرا فثلاثة أثواب أو نحو ذلك، وقد أخرجه ابن أبى حاتم من طريق على بن أبى طلحة عنه (٣١١:١). وهذا هو الأثر الذى مر عن "الدراية" الإشارة إليه، وفى "التلخيص": وفى ابن ماجة عن عائشة رضى الله عنها "أن عمرة بنت الجون تعوذت من رسول الله عَّه، فقال: لقد عذت بمعاد، فطلقها ومتعها بثلاثة أثواب رازقية". وفيه عبيد بن القاسم وهو واهى، وأصل قصة الجونية فى الصحيح بدون قوله: ومتعها وإنما فيه: "وأمر أبا أسيد أن يكسوها ثوبین رازقين" اهـ (٣١١:٢). الفائدة الثانية: فى "التلخيص" أيضا: " حديث ابن عمر: "لكل مطلقة متعة إلا التى فرض لها، ولم يدخل بها، فحسبها نصف المهر". موقوف الشافعى عن مالك عن نافع عنه بهذا، ورواه البيهقى من طريقه وقال: رويناه عن جماعة من التابعين القاسم بن محمد ومجاهد والشعبى اهـ. وفى "التلخيص" أيضا: روى عبد الرزاق عن ابن جريج عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر رضى الله عنه قال: أدنى ما أرى يجزى من متعة النساء ثلاثون درهما أو ما أشبها" (٣١١:٢). قلت: هذا إسناد رجاله رجال الصحيح ولعله محمول على قيمة الأثواب. ٨٦ إعلاء السنن باب وجوب مهر المثل عند عدم تسميته فى النكاح ٣١٥٧- عن علقمة قال: "أتى عبد الله فى امرأة تزوجها رجل ثم مات عنهما، ولم يفرض لها صداقا، ولم يكن دخل بها، قال: فاختلفوا إليه، فقال: أرى لها مثل مهر نسائها. ولها الميراث، وعليها العدة. فشهد معقل بن سنان الأشجعى أن النبى عدّ له- قضى فى بروع ابنة واشق بمثل ما قضى". رواه الخمسة، وصححه الترمذى، وصححه أيضا ابن مهدى. وقال ابن حزم: "لا مغمز فيه لصحة إسناده" (نيل الأوطار، ٨٩:٦). باب استحباب تعجيل شىء من المهر عند الدخول ٣١٥٨- عن رجل رضى الله عنه من أصحاب النبى معَّ له: "أن عليا رضى الله عنه لما تزوج فاطمة بنت رسول الله عَّه ورضى الله عنها أراد أن يدخل بها، فمنعه رسول الله عَّ له حتى يعطيها شيئا، فقال: يا رسول الله عَ ليه! ليس لى شىء. فقال له النبى عَّ له: أعطها درعك، فأعطاها درعه، ثم دخل بها. رواه أبو داود) ٢٩٦:١ و ٢٩٧). وسكت عنه. باب وجوب مهر المثل عند عدم تسميته فى النكاح قال المؤلف: دلالة الحديث على الباب ظاهرة. باب استحباب تعجيل شىء من المهر عند الدخول قال المؤلف: الحديث الأول يدل على منع الدخول بغير أداء شىء من المهر، والثانى يدل على خلافه، فحمل الأول على الاستحباب، والثانى على الجواز. الفائدة الأولى: عن أنس بن مالك رضى الله عنه: "أن رسول الله عَّ أعتق صفية، وجعل عتقها صداقها". رواه الترمذى، وقال: حسن صحيح" (١٤٢:١). فهذا يدل على صحة كون الإعتاق مهرا، ولم نقل به. فالجواب عنه ما فى "شرح مسلم" للإمام النووى: "اختلف فى معناه، فالصحيح الذى اختاره المحققون أنه أعتقها تبرعا بلا عوض ولا شرط، ثم تزوجها بلا صداق، وهذا من خصائصه عّ لّه، أنه يجوز نكاحه بلا مهر لا فى الحال، ولا فيما بعد بخلاف غيره" اهـ. ويؤيده ما فى بعض ألفاظ البخارى: "أصدقها نفسها" (٦٠٤:٢). وظاهر أن نفس المرأة لا تصلح للصداق إجماعا، فالمعنى أنه تزوجها بلا مهر. وفيه (أى فى "شرح مسلم") أيضا: " واختلف العلماء فى من أعتق أمته على أن تزوج به، ويكون عتقها صداقها، فقال الجمهور: لا يلزمها ٨٧ ج - ١١ ٣١٥٩- عن خيثمة عن عائشة رضى الله عنها قالت: ((أمرنى رسول الله عَّ له أن أدخل امرأة على زوجها قبل أن يعطيها شيئا)). رواه أبو داود (٢٩٧:١). وفى بعض نسخه المذكور فى الحاشية قال أبو داود: خيثمة لم يسمع من عائشة رضى الله عنها قلت: فالإسناد منقطع. وهو لا يضرنا. وقال ابن القطان: ينظر فى سماعه من عائشة رضى الله عنها (تهذيب، ١٧٩:٣). فدل على أن عدم سماعه منها ليس بمتيقن. وقد روى عن على والبراء بن عازب، وعدى بن حاتم، والنعمان بن بشير، فلا يبعد سماعه من عائشة، وعنعنة المعاصر الممكن اللقاء محمولة على الاتصال عند الجمهور، وهو المذهب المنصور. باب استحباب تقليل المھر ٣١٦٠- عن عائشة رضى الله عنها: ((أن رسول الله عَ لّه قال: إن أعظم النكاح أن نتزوج به، ولا يصح هذا الشرط، وممن قاله مالك والشافعى وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن وزفر أهـ (٤٥٩:١). قلت: والوجه أن الإعتاق ليس بمال يسلم إلى المرأة، ولا بد فى المهر من ذلك، وإنما هو فعل يحصل به حق الحرية، فافهم. الفائدة الأخرى: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن رسول الله عَ لّه قال: ((أيما امرأة نكحت على صداق أو حباء أو عدة قبل عصمة النكاح فهو لها، وما كان بعد عصمة النكاح فهو لمن أعطيه، وأحق ما يكرم عليه الرجل أبنته وأخته". رواه الخمسة إلا الترمذى، وسكت عنه أبو داود، وأشار المنذرى إلى أنه من رواية عمرو بن شعيب، وفيه مقال معروف قد تقدم بيانه فى أوائل هذا الشرح، ومن دون عمرو بن شعيب ثقات. كذا فى "النيل" (٩١:٦). قلت: قال الترمذى: "قال محمد بن إسماعيل: رأيت أحمد وإسحاق وذكر غيرهما يحتجون بحديث عمرو بن شعيب" إلخ (٤٥:١). فالحديث رجاله ثقات، وقد حسنه السيوطى فى "الجامع الصغير" (١٠٤:١). إلا فيه: "أو أخته" موضع " وأخته"، قلت: وتفصيل حكم ما يعطاه الزوج والزوجة عند النكاح وبعده بحث عنه الفقهاء فى كتب الفقه، فليراجع، وإنما نبهناك على الأصل الذى بنى عليه الفقهاء تفريعهم: والله تعالى أعلم. باب استحباب تقليل المهر قوله: "عن عائشة" إلخ. دلالة الأثرين على الباب ظاهرة، وقوله تعالى: ﴿وآتيتم إحداهن ٨٨ إعلاء السنن بركة أيسره مؤنة)). رواه أحمد (نيل، ٨٣:٦). وعزاه الإمام السيوطى فى الجامع الصغير (١: ٤٠) إلى مستدرك الحاكم، وشعب الإيمان للبيهقى أيضا، ثم صححه، ولفظه: ((أعظم النساء بركة أيسرهن مؤنة)) اهـ. ٣١٦١- عن عقبة بن عامر رضى الله عنه قال: قال رسول الله عَ ليه: ((خير الصداق أيسره)). رواه الحاكم وصححه (نيل، ٧٤:٦). باب وجوب المهر بالخلوة ٣١٦٢- عن محمد بن ثوبان: أن النبى عّ لّه قال: ((من كشف امرأة فنظر على عورتها فقد وجب الصداق)). رواه أبو داود فى المراسيل (٢٣ و٢٤) وسكت عنه. وفى التلخيص الحبير (٣١١:٢): "رجاله ثقات". وفى الجوهر النقى (١٠٤:٢): وهو سند على شرط الصحيح ليس فيه إلا الإرسال" .. قنطارا﴾، يدل على جواز تكثير المهر، وبه احتجت امرأة على عمر حين أراد المنع تكثير المهر والقصة بذلك مشهورة فى السير. وذكر الحفظ فى "التلخيص": "وتزوج عمر أم كلثوم بنت فاطمة على أربعين ألفا وتزوج الحسن بن على رضى الله عنه بعض نسائه على أكثر من ذلك". ذكر كل ذلك الهيثمى فى "مجمع الزوائد" (٢٨٣:٤ و ٢٨٤)، والله تعالى أعلم. باب وجوب المهر بالخلوة قوله: عن "محمد" إلخ: قال المؤلف: دلالته، والذى بعده على الباب ظاهرة. قال الموفق فى "المغنى": "وجملة ذلك أن الرجل إذا خلا بامرأته بعد العقد الصحيح استقر عليه مهرها، ووجبت عليه العدة وإن لم يطأ، روى ذلك عن الخلفاء الراشدين، وزيد وابن عمر، وبه قال على بن الحسين، وعطاء، والزهرى، والأوزاعى، وإسحاق، وأصحاب الرأى وهو قديم قولى الشافعى، وقال شريح والشعبى، وطاوس، وابن سيرين، والشافعى، فى الجديد: لا يستقر إلا بالوطأ، وحكى ذلك عن ابن مسعود، وابن عباس، وروى نحو ذلك عن أحمد، روى عنه يعقوب بن بختان أنه قال: إذا صدقته المرأة أنه لم يطأها لم يكمل لها الصداق، وعليها العدة، وذلك لقول الله تعالى: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم﴾ وهذه قد طلقها قبل أن يمسها، وقال تعالى: ﴿وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض﴾ والإفضاء الجماع، ولأنها مطلقة لم تمس أشبهت من لم يخل بها - ولنا إجماع الصحابة رضى الله عنهم. روى الإمام أحمد والأثرم ٨٩ ج - ١١ وجوب المهر بالخلوة ٣١٦٣- عن يحيى بن سعيد (الأنصارى) عن سعيد بن المسيب: "أن عمر بن الخطاب قضى فى المرأة إذا تزوجها الرجل أنه إذا أرخيت الستور فقد وجب عليه الصداق". رواه مالك في الموطأ (١٩١) ورجاله رجال الصحيح. ورواه عبد الرزاق فى مصنفه عن أبى هريرة، قال عمر: "إذا أرخيت الستور، وغلقت الأبواب فقد وجب الصداق". سكت عنه الحافظ فى التلخيص. ٣١٦٤- عن زرارة بن أو فى قال: "قضى الخلفاء الراشدون المهديون أنه إذا أغلق الباب وأرخى الستر فقد وجب الصداق". رواه أبو عبيد فى كتاب النكاح، وسكت عنه الحافظ فى التخليص (٣١١:٢) ورواه أحمد والأثرم أيضا وزاد: "وجبت العدة"، قاله الموفق فى المغنى (٦٢:٨). ٣١٦٥- أخبرنا مالك أخبرنا ابن شهاب عن زيد بن ثابت قال: "إذا دخل الرجل بامرأته، وأرخيت الستور فقد وجب الصداق". رواه محمد فى الموطأ (٢٤٠). ورجاله رجال الصحيح. بإسنادهما عن زرارة بن أوفى قال: قضى الخلفاء الراشدون المهديون (الحديث وقد ذكرناه فى المتن) وزاد. "وجبت العدة". ورواه أيضا عن الأحنف عن عمر وعلى وعن سعيد بن المسيب وعن زيد ابن ثابت: "عليها العدة ولها الصداق كاملا، وهذه قضايا تشتهر ولم يخالفهم أحد فى عصرهم فکان إجماعا، وما رواه عن ابن عباس لا يصح قال أحمد: یرویه لیث ولیس بالقوى، وقد رواه حنظلة خلاف ما رواه ليث، وحنظلة، أقوى من ليث، وحديث ابن مسعود منقطع، قاله ابن المنذر، ولأن التسليم المستحق وجد من جهتها فيستقر به البدل كما لو وطئها أو كما لم أجرت دارها أو : باعتها وسلمتها. وأما قوله تعالى: ﴿من قبل أن تمسوهن﴾ فيحتمل أنه كنى بالمسبب عن السبب الذى هو الخلوة، بدليل ما ذكرناه، وأما قوله تعالى: ﴿وقد أفضى بعضكم إلى بعض﴾ فقد حكى عن الفراء أنه قال: الإفضاء الخلوة دخل بها أو لم يدخل، وهذا صحيح، فإن الإفضاء مأخوذ من الفضاء، وهو (الخلاء) الخالى، فكأنه قال: ﴿وقد خلا بعضكم إلى بعض﴾ وأما تحريم الربيبة فعن أحمد أنه يحصل بالخلوة، وقال القاضى وابن عقيل: لا تحرم. وحمل القاضى كلام أحمد على أنه حصل مع الخلوة نظرا ومباشرة. والصحيح أنه لا يحرم لقول الله تعالى: ﴿فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم﴾ والدخول كناية عن الوطئ، والنص صريح فى إباحتها بدونه فلا يجوز ٩٠ إعلاء السنن باب أنه لا يجوز نكاح العبد إلا بإذن سيده ٣١٦٦- عن جابر رضى الله عنه قال: قال رسول الله عَّ له: ((أيما عبد تزوج بغير إذن سيده فهو عاهر)). رواه أحمد وأبو داود والترمذى وقال: "حديث حسن". وأخرجه أيضا ابن حبان والحاكم وصححاه (نيل ٦٤:٦). باب خيار الأمة إذا اعتقت ما لم توطئ بعد العتق ٣١٦٧ - عن عائشة رضى الله عنها قالت: "كان زوج بريرة رضى الله عنه حرا خلافه" اهـ، ملخصا (٦٣:١ و٦٤). باب أنه لا يجوز نکاح العبد إلا بإذن سيده قال المؤلف: دلالة الحديث على الباب ظاهرة حيث جعل فعل العبد هذا فى حكم الزنا، والزنا حرام، فهذا الفعل حرام أيضا، ولا دلالة فيه على بطلان النكاح وعدم توقفه على إذن السيد، فإن كون العبد عاهرا بهذا العقد ليس على حقيقته، ألا ترى أنه لا يوجب الحد، ويوجب المهر بالدخول عند بعض العلماء، قال الموفق فى "المغنى": "أجمع أهل العلم على أنه ليس للعبد أن ينكح بغير إذن سيده، فإن نكح لم ينعقد نكاحه فى قولهم جميعا. وقال ابن المنذر: أجمعوا على أن نكاحه باطل. والصواب ما قلنا (من أنه لا ينعقد) إن شاء الله، فإنهم اختلفوا فى صحته، فأظهر الروايتين عن أحمد أنه باطل، وهو قول عثمان وابن عمر، وبه قال شريح، وهو مذهب الشافعى، وعن أحمد أنه موقوف على إجازة السيد، فإن أجازه جاز، وإن رده بطل، وهو قول أصحاب الرأى، لأنه عقد يقف على الفسخ، فوقف على الإجازة كالوصية" اهـ ملخصا (٤١٠:٨). ثم استدل بقوله عَّ لي: ((أيما عبد تزوج بغير إذن مواليه فهو عاهر)) على أن نكاحه بغير إذن سيده باطل، وقد قدمنا أن الاستدلال به على ذلك ليس بتام. ألا ترى إلى قوله عَ له: ((من تزوج امرأة على صداق وهو لا يريد أن يفى لها به فهو زان)). أخرجه أحمد والطبرانى عن صهيب بن سنان، والبزار عن أبى هريرة والطبرانى عن ميمون الكردى عن أبيه، ورجال الأخير ثقات، وفى الأولين مقال، ولكن الطرق يقوى بعضها بعضا كما فى "مجمع الزوائد" (٢٨٤:٤). وقد أجمعوا على عدم بطلان هذا النكاح، فافهم، والله تعالى أعلم. باب خيار الأمة إذا أعتقت ما لم توطئ بعد العتق قوله: "عن عائشة رضى الله عنها إلخ. قال المؤلف: حديث الترمذى يدل على خيار الأمة ٩١ ج - ١١ لا يجوز نكاح العبد إلا بإذن سيده فخيرها رسول الله عَ له". رواه الترمذى (١٤٨:١) وقال: (حسن صحيح". وفى فتح البارى (٣٦٣:٩): عند أبى داود من طريق ابن إسحاق بأسانيد عن عائشة أن بريرة أعتقت، فذكر الحديث. وفى آخره: "إِن قربك فلا خيار لك" اهـ. وفيه أيضا: وفى رواية الدار قطنى: "إن وطئك فلا خيار لك اهـ" قلت: وإسناد كل منهما صحيح أو حسن على قاعدة الحافظ قدس سره. حين عتقت إذا كان زوجها حرا، ولكن عممنا الحكم سواء كان زوج المعتقة حرا أو عبدالحديث ابن سعد والدار قطنى، فإنه يدل على أنها ملكت بعضها، فملاك الأمر عتق المعتقة من غير تقييد أن يكون زوجها حرا أو عبدا، ولا يمكن اعتبار الكفوء سببا للعتق، فإنه لا دليل عليه، والحديث صريح فى ما عملنا به الحكم، وحديث أبى داود والدار قطنى المنقول من "فتح البارى" يدل على امتداد الخيار إلى الوطئ، وأما ما فى "نيل الأوطار" وعن ابن عباس رضى الله عنه قال: " كان زوج بريرة عبدا أسود يقال له مغيث عبدا لبنى فلان، كأنى أنظر إليه يطوف وراءها فى سكك المدينة". رواه البخارى وفى لفظ: "إن زوج بريرة كان عبدا أسود لبنى مغيرة يوم أعتقت بريرة رضى الله عنها، والله لكأنى به فى المدينة ونواحيها وأن دموعه لتسيل على لحيته بترضاها لتختاره فلم تفعل". رواه الترمذى وصححه (٦٥:٦). فيطبق بينه وبين حديث الباب بما فى "الجوهر النقى": "وإذا اختلفت الآثار فى زوجها وجب حملها على وجه لا تضاد فيه، والحرية يعقب الرق ولا ينعكس، فثبت أنه کان حرا عند ما خیرت لا عبدا، ومن أُخبر بعبوديته لم يعلم بحريته قبل ذلك. وقال ابن حزم ما ملخصه: أنه لا خلاف أن من شهد بالحرية يقدم على من شهد بالرق؛ لأن عنده زيادة علم، ثم لو لم يختلف أنه كان عبدا هل جاء فى شىء من الأخبار أنه عليه السلام إنما خيرها لأنها تحت عبد؟ هذا لا يجدونه أبدا، فلا فرق بين من يدعى أنه خيرها لأنه كان عبدا، وبين من يدعى أنه خيرها لأنه كان أسود، واسمه مغيث. فالحق إذا أنه إنما خيرها لكونها أعتقت، فوجب تخيير كل معتقة، ولأنه روى فى بعض الآثار أنه عليه السلام قال لها: ملكت نفسك (قد ذكر فى المتن معناه) فاختارى، كذا فى "التمهيد". فكل من ملكت نفسها يختار، سواء كانت تحت حر أو عبد، وإلى هذا ذهب ابن سيرين وطاوس والشعبى، ذكر ذلك عبد الرزاق بأسانيد صحيحة، وأخرجه ابن أبى شيبة عن النخعى ومجاهد وحكاه الخطابى عن حماد والثورى وأصحاب الرأى، وفى "التهذيب" للطبرى: وبه قال مكحول، وفى "الاستذكار": إنه قول ابن المسيب" (٩٨:٢). ٩٢ لا يجوز نكاح العبد إلا پاذن سیده إعلاء السنن ٣١٦٨ - وفى الدراية (٢٢٤): ابن سعد مرسل الشعبى أن النبى عّ لّم قال لبريرة لما عتقت: "قد عتق بضعك معك فاختارى" ووصله الدارقطنى من حديث عائشة رضى الله عنها بلفظ: "اذهبى، فقد عتق معك بضعك". ولما كان ملاك المسألة هو العتق، وكون الزوجة قد ملكت نفسها بعد ما كانت مملوكة، لا يضرنا هذا التعارض، ولا حاجة إلى تطويل الكلام فى كون زوج بريرة حرا أو عبدا. وأما ما فى "الدراية": "وروى مسلم من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضى الله عنها فى قصة بريرة رضى الله عنها: "وكان زوجها عبدا فخيرها رسول الله عَّ ◌ُّ ولو كان حرائم يخيرها". وبين النسائى فى رواية أن هذا كلام عروة" اهـ (٢٢٤). ففيه أمران - الأول كونه عبدا عن عائشة، فتعارض الأمر عنها، والثانى على تقدير كون لفظ: "ولو كان" إلخ. من كلام عائشة رضى الله عنها عدم التخير عند كون الزوج حرا. فالجواب عن الأول ما مر فى هذه الحاشية عن "الجوهر النقى"، وعن الثانى أنه قياس صحابية، فكيف يعارض الحديث المرفوع المثبت أن مدار التخيير هو العتق فقط، فافهم. وفى الباب كلام طويل للعلماء مذكور فى "المطولات". قال الموفق فى "المغنى": "قال أحمد: هذا ابن عباس وعائشة قالا فى زوج بريرة: أنه عبد رواية علماء المدينة وعملهم، وإذا روى أهل المدينة حديثا وعملوا به فهو أصح شىء، وإنما يصح أنه حر عن الأسود وحده، وأما غيره فليس بذلك (٥٩٢:٨). قلت: أخرج مسلم من طريق شعبة قال: سمعت عبد الرحمن بن القاسم قال: سمعت القاسم يحدث عن عائشة: "إنها أرادت أن تشترى بريرة للعتق"، فذكر الحديث، وفيه: "وخيرت فقال عبد الرحمن: وكان زوجها جرا" (٤٩٤:١). فإن قيل: وفيه أيضا قال شعبة: ثم سألته عن زوجها فقال: لا أدرى قلنا. مذهب أهل الحدیث فی نسیان الراوی حدیثه بعد ما حدث به: قد ذكر البيهقى فى "كتاب المعرفة" فى باب "لا نكاح إلا بولى" أن مذهب أهل العلم بالحديث وجوب قبول خبر الصادق وإن نسيه من أُخبره عنه. فإن قيل: قال البيهقى: وقد رواه سماك عن حرب عن عبد الرحمن، فأثبت كونه حرا، قلنا: شعبة إمام جليل وقد روى عن عبد الرحمن أنه كان حرا، فلا يضره نسيان عبد الرحمن على ما عرف، ولا يعارض بسماك، وهو متكلم فيه، قال أحمد: مضطرب الحديث، وقال ابن المبارك: ضعيف الحديث وكان شعبة يضعفه، ثم ذكر البيهقى حديث أسامة بن زيد عن القاسم عن عائشة رضى الله عنه وفيه: "إن شئت أن ٩٣ ج - ١١ أبواب نكاح الكفار باب تقرير الكفار على أنكحتهم ٣١٦٩- عن ابن شهاب أنه بلغه: "أن نسائكن فى عهد رسول الله عد اله بأرضهن، وهن غير مهاجرات، وأزواجهن حين أسلمن كفار، منهن بنت الوليد بن المغيرة، وكانت تحت صفوان بن أمية، فأسلمت يوم الفتح، وهرب زوجها صفوان بن أمية من الإسلام. فبعث إليه رسول الله عَ ◌ّ إلى أن قال: ثم رجع (أى صفوان) مع رسول الله عَّه وهو كافر، فشهد حنينا، رالطائف، وهو كافر وامرأته مسلمة، ولم يفرق رسول الله عّ لّه بينه وبين امرأته حتى أسلم صفوان، واستقرت عنده امرأته بذلك النكاح". رواه الإمام مالك فى "الموطأ" (١٩٧). تقرى تحت هذا العبد"، ثم قال: هذا يؤكد رواية سماك قلت: أسامة هذا هو ابن زيد بن أسلم ضعيف عندهم. ومع ضعفه قد اختلف عليه فيه، كما بينه البيهقى بعد، فكيف يعارض رواية شعبة بمثل هذا وبمثل رواية سماك، ثم أخرج البيهقى رواية عروة عن عائشة قالت: "كان زوجها عبدا فخيرها رسول الله عَّم فاختارت نفسها، ولو كان حرا لم يخيرها"، قلنا: قد تقدم بيان النسائى فى رواية أن قوله: "ولو كان حرا" إلخ من كلام عروة، أخرجه من طريق إسحاق الحنظلى عن جرير بن عبد الحميد عن هشام، ووافقه الطحاوى فى ذلك. وكذا ابن حبان فى "صحيحه". ولفظه: وقال عروة ولو كان حرا" إلخ. وذكر ابن حزم أنه روى عن عروة خلاف هذا. فأُخرج من طريق قاسم بن أصبغ: حدثنا أحمد بن يزيد حدثنا موسى بن معاوية حدثنا جرير عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضى الله عنها قالت: "كان زوج بريرة حرا" أهـ ملخصا من "عقود الجواهر" (١٦٧:١). فاندحض قول من زعم أن الأسود خالف الناس فى زوج بريرة، فقد رأيت أنه لم ینفرد بذلك بل وافقه علی ذلك القاسم وعروة فى روایة، وابن المسیب فی أخرى، روی عبد الرزاق عن إبراهيم بن يزيد عن عمرو بن دينار عن سعيد بن المسيب قال: " كان زوج بريرة حرا" كذا فى "العقود" أيضا. وأخرج الطحاوى عن طاوس بسندين صحيحين إليه، قال: "للأمة الخيار إذا أعتقت وإن كان تحت قرشى"، وفى لفظ له أنه قال: "لها الخيار فى العبد والحر" (٤٩:٢). باب تقرير الكفار على أنكحتهم قال المؤلف: دلالة أحاديث الباب عليه ظاهرة، وقد مر الأحاديث التى يتحصل منها ترجمة ٩٤ إعلاء السنن ٣١٧٠- حدثنى محمد ابن أُخى الزهرى عن عمه عن عروة عن عائشة رضى الله عنها مرفوعا: ((خرجت من نكاح غير سفاح)). رواه الواقدى (زيلعى، ٢: ٢٥). وفيه أيضا قال فى التنقيح: "الواقدی متكلم فيه اهـ". قلت: قد مر غير مرة أنه قد وثقه كثير، وأن الاختلاف غير مضر. ٣١٧١- عن عائشة رضى الله عنها مرفوعا: ((خرجت من نكاح غير سفاح)). رواه ابن سعد بسند حسن (الجامع الصغير، ٣:٢). ٣١٧٢- عن ابن عباس رضى الله عنهما مرفوعا: ((خرجت من لدن آدم من نكاح غير سفاح)). رواه ابن سعد بسند حسن (الجامع الصغير، ٣:٢). ٣١٧٣- عن على رضى الله عنه مرفوعا: ((خرجت من نكاح، ولم أخرج من سفاح من لدن آدم إلى أن ولدنى أبى وأمى، لم يصبنى من سفاح الجاهلية شىء). رواه العدنى وابن عدى فى الكامل والطبرانى فى الأوسط وسنده حسن (الجامع باب الصغير، ٣:٢). إذا أسلم أحد الزوجین یفرق بينهما بعد عرض الإسلام على الآخر وإبائه عنه ٣١٧٤- حدثنا أحمد بن منيع وهناد قالا: نا أبو معاوية عن الحجاج (هو ابن الباب فى باب لا يباح بالتزوج إلا أربع من النساء. باب إذا أسلم أحد الزوجين يفرق بينهما بعد عرض الإسلام على الآخر وإبائه عنه قوله: " حدثنا أحمد إلخ. قال المؤلف: تفصيل الكلام فى هذا السند ما فى "فتح البارى" بلفظ: "حكى الترمذى فى "العلل المفرد" عن البخارى أن حديث ابن عباس (سيأتى) أصح من حديث عمرو بن شعيب، وعلته تدليس حجاج بن أرطاة، وله علة أشد من ذلك وهى ما ذكره أبو عبيد فى كتاب النكاح عن يحيى القطان: أن حجاجا لم يسمعه من عمرو ابن شعيب، وإنما حمله عن العزرمى، والعزرمى ضعيف جدا" أهـ (٣٧٣:٩). قلت: قول البخارى أصح بظاهره يدل على أن حديث عمرو بن شعيب صحيح أو حسن عنده، والأثر الذى نقل فى المتن يقويه، والتدليس غير مضر عندنا لا سيما وقد حسن الترمذى حديثه بالعنعنة، والجواب عن ضعف العزرمى أنه ليس بجمع على تركه، فقد روى عنه شعبة والثورى كما فى "التهذيب" (٣٢٢:٩) وأبو حنيفة الإمام الأعظم كما فى "جامع المسانيد" ٩٥ بيان حكم النكاح إذا أسلم أحد الزوجين ج - ١١ أرطاة) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: ((أن رسول الله عّ لّه رد ابنته زينب على أبى العاص بن الربيع بمهر جديد ونكاح جديد)). رواه الترمذى (١٤٦:١). وقال: "هذا حديث فى إسناده مقال". قلت: وفى الجوهر النقى (٩١:٢): "حديث عمرو بن شعيب عندنا صحيح اهـ". وقد مر غير مرة أن الاختلاف لا يضر. ٣١٧٥ - عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس فى اليهودية أو النصرانية تكون تحت اليهودى أو النصرانى فتسلم، فقال: "يفرق بينهما، الإسلام يعلو ولا يعلى عليه". أخرجه الطحاوى وسنده صحيح (فتح البارى، ٩: ٣٧٠). (٣٥١:٢). ومن روى عنه أمثال هؤلاء من الأجلة لا يكون متروكا، لا سيما وشعبة لا يروى إلا عن ثقة عنده، كما ذكرناه مرارا. وكذا شيوخ إمامنا عندنا ثقات كلهم إلا من صرح بتضعيفه، والحديث صححه صاحب الجوهر النقى، ويشير إلى كونه محتجا به كلام الحافظ العلامة أبى عمر ابن عبد البر الآتى عن قريب. وأما ما فى الترمذى عن ابن عباس رضى الله عنه قال: "رد النبى معد له ابنته زينب على أبى العاص بن الربيع بعد ست سنين بالنكاح الأول، ولم يحدث نكاحا" "هذا حديث ليس بإسناده بأس، ولكن لا نعرف وجه الحديث، ولعله قد جاء هذا من قبل داود بن الحصين من قبل حفظه" اهـ (١٤٦:١). وفى "فتح البارى": " وصححه الحاكم، ووقع فى رواية بعضهم بعد السنتين، وفى أخرى بعد ثلاث، وهو اختلاف جمع بينه على أن المراد بالست ما بين هجرة زينب وإسلامه، وهو بین فی المغازى، فإنه أسر ببدر فأرسلت زينب من مكة فى فدائه فأطلق لها بغير فداء، وشرط النبى عد اله عليه أن يرسل له زينب، فوفى له بذلك وإليه الإشارة فى الحديث الصحيح بقوله مد لّ فى حقه: " حدثنى فصدقنى ووعدنى فوفى لى " والمراد بالسنتين أو الثلاث ما بين نزول قوله تعالى: ﴿لا هن حل لهم﴾ وقدومه مسلما فإن بينهما سنتين وأشهر " (٣٧٢:٩). فالجواب عنه بأن هذا الحديث أيضا متكلم فيه، ومختلف عليه، ففى "فتح البارى" ما نصه: "على أن الخطابى قال فى إسناد حديث ابن عباس رضى الله عنه هذه نسخة ضعفها على بن المدينى وغيره من علماء الحديث، يشير إلى أنه من رواية داود ابن الحصين عن عكرمة رحمه الله قال: وفى حديث عمرو بن شعيب زيادة ليست فى حديث ابن عباس، والمثبت مقدم على النافى غير أن الأئمة رجحوا إسناد حديث ابن عباس" اهـ (٣٧٣:٩). وفى "الميزان": "قال على بن المدينى: ما رواه عن عكرمة فمنكر" اهـ. وفيه أيضا: قال أبو داود: "أحاديثه عن عكرمة مناكير" (٢١٧:١). فلا فرق بين هذا الحديث، ٩٦ بيان حكم النكاح إذا أسلم أحد الزوجين إعلاء السنن ٣١٧٦- عن ابن عباس: "إذا أسلمت النصرانية قبل زوجها بساعة حرمت. علقه البخارى ووصله ابن أبى شيبة ولفظه: فهى أملك بنفسها (فتح البارى ٩: ٣٧٠). ٣١٧٧- عن إبراهيم الصائغ: "سئل عطاء عن امرأة من أهل العهد أسلمت ثم أسلم زوجها فى العدة أ هى امرأته؟ قال: لا! إلا أن تشاء هى بنكاح جديد وصداق". علقه البخارى فى صحيحه (فتح، ٣٧٠:٩). وحديث عمرو بن شعيب معتد به، والترجيح لحديث عمرو بن شعيب بما فى (فتح البارى": وجنح ابن عبد البر إلى ترجيح ما دل عليه حديث عمرو بن شعيب، وأن حديث ابن عباس لا يخالفه، قال: والجمع بين الحديثين أولى من إلغاء أحدهما، فحمل قوله فى حديث ابن عباس: بالنكاح الأول، أى بشروطه، وأن معنى قوله لم يحدث شيئا. أى لم يزد على ذلك شيئا، قال: وحدیث عمرو بن شعيب تعضده الأصول، وقد صرح فیه بوقوع عقد جدید ومهر جدید، والأخذ بالصريح أولى من الأخذ بالمحتمل، ويؤيده مذهب ابن عباس المحكى عنه فى أول الباب، (فى المتن) فإنه موافق لما دل عليه حديث عمرو بن شعيب" (٣٧٣:٩). قلت: فعلى قاعدتنا يكون الحديث منسوخا، فإن الراوى إذا عمل خلاف ما روى فالاعتبار بعمله، ويكون ذلك العمل علماً على نسخ الحديث، وفى "الجوهر النقى": "وذكر صاحب "التمهيد" حديث ابن عباس ثم قال: إن صح فهو متروك منسوخ عند الجميع، لأنهم لا يجيزون رجوعه إليها بعد العدة، وإسلام زينب رضى كان قبل أن ينزل الفرائض" (٩٠:٢). وفى "فتح البارى": "ثم قال يزيد: حديث ابن عباس أقوى إسناداً والعمل على حديث عمرو بن شعيب،" يريد عمل أهل العراق، وقال الترمذى فى حديث ابن عباس؛ لا يعرف وجهه وأشار بذلك إلى أن ردها إليه بعد ست سنين أو بعد سنتين أو ثلاث مشكل، لاستبعاد أن تبقى فى العدة هذه المدة. ولم يذهب أحد إلى جواز تقرير المسلمة تحت المشرك إذا تأخر إسلامه عن إسلامها إذا نقضت عدتها. وممن نقل الإجماع فى ذلك ابن عبد البر، وأشار إلى أن بعض أهل الظاهر قال بجوازه، ورده بالإجماع المذكور، وتعقب بثبوت الخلاف فيه قديما. وهو منقول عن على رضى الله عنه، وعن إبراهيم النخعى، أخرجه ابن أبى شيبة عنهما بطرق قوية، وبه أفتى حماد شيخ أبى حنيفة، وأجاب الخطابى عن الإشكال بأن بقاء العدة فى تلك المدة ممكن، وإن لم تجر العادة غالبا به، ولا سيما إذا كانت المدة إنما هى سنتان وأشهر، فإن الحيض قد يبطئ عن ذوات الأقراء لعارض علة أحيانا، وبحاصل هذا أجاب البيهقى وهو أولى ما يعتمد فى ذلك" اهـ (٣٧٣:٩). ٩٧ ج - ١١ بيان حكم النكاح إذا أسلم أحد الزوجين ٣١٧٨- حدثنا عباد بن العوام، عن أبى إسحاق الشيبانى عن يزيد بن علقمة: "أن عبادة بن النعمان بن زرعة التغلبى كان ناكحا بامرأة من بني تميم، فأسلمت، فقال له عمر بن الخطاب: إما أن تسلم وإما أن ننتزعها منك، فأبى، فنزعها عمر منه". رواه ابن أبى شيبة، كما فى المحلى (٣١٣:٧ و٣١٤)، وأعله بجهل يزيد بن علقمة أولا، ثم احتج به من طريق شعبة: أخبرنى أبو إسحاق الشيبانى قال: "سمعت يزيد بن علقمة أن جده وجدته كانا نصرانيين فأسلمت جدته، ففرق عمر بن الخطاب بينهما اهـ". وإذا كان شعبة فى إسناد فشد یدیك به. ٣١٧٩ - وفى زاد المعاد (٢٢٠:٢). صح عن عمر رضى الله عنه: "أن نصرانيا أسلمت امرأته فقال عمر رضى الله عنه: إن أسلم فهى امرأته، وإن لم يسلم فرق بينهما، فلم يسلم ففرق بينهما"، وكذلك قال لعبادة بن النعمان، وقد أسلمت امرأته اهـ. فالحديث صحيح وذكره محمد فى الحجج (٣٥٣) بلاغا ثم أسنده عن يعقوب بن إبراهيم (هو أبو يوسف الإمام) عن سليمان بن أبى سليمان (وهو أبو إسحاق) الشيبانى عن السفاح (هو ابن مطر) الشيبانى عن داود بن كردوس عن عمر نحوه، والسفاح بن مطر من رجال التهذيب مقبول، ذکره ابن حبان فى الثقات، وداود بن کردوس التغلبی ذكره ابن حبان فى الثقات أيضا، وقال: يروى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، إعداده فى أهل الكوفة، كذا فى كشف الأستار (٣٢). قلت: ولا يخفى ما فيه من التكلف والتعسف. قال ابن حزم: "أسلمت زينب أول ما بعث څے بلا خلاف، ثم هاجرت وبین إسلامها وإسلام زوجها أزيد من ثمان عشرة سنة، وولدت فی خلال ذلك ابنها عليا، فأين العدة؟ اهـ. وأيضا: فلا يخلو إذ ردها عليه أن يكون كافرا أو مسلما، فإن كان كافرا فهذا ما لا شك فيه أنه كان قبل نزول الفرائض والأحكام، إذ القرآن والسنة والإجماع على تحريم فروج المسلمات على الكفار. وإن كان مسلما فلا يخلو أن تكون حاملا، فتمادى حملها ولم تضعه حتى أسلم فردها عليه السلام إليه فى عدتها. وهذا لم ينقل فى خبر (بل الثابت خلافه كما سنذكره) أو يكون خرجت من العدة فيكون أيضا منسوخا بالإجماع أنه لا سبيل له عليها بعد العدة، كذا فى "الجوهر النقى" (٩٠:٢). قلت: وفى "سيرة ابن هشام": "أن زينب بنت رسول الله عَّ لما هاجرت، وذلك بعد خلاص أبى العاص من الأسر الذى حصل له ٩٨ بيان حكم النكاح إذا أسلم أحد الزوجين إعلاء السنن ٣١٨٠- عن قتادة عن سعيد بن المسيب: أن على بن أبى طالب قال فى الزوجين الكافرين يسلم أحدهما: "هو أملك ببضعهما ما دامت فى دار هجرتها". رواه حماد ابن سلمة کما فى المحلی (٣١٤:٧) وسنده صحيح. ٣١٨١ - عن مطرف بن طريف عن الشعبى عن على: "هو أحق بها ما لم يخرج من مصرها". رواه سفيان بن عيينة كما فى المحلى (٣١٤:٧) وسنده صحيح وقد أثبت بعضهم سماع الشعبى من على، كما ذكرناه فى الاستدراك وغيره من المواضع. ببدر، روعها هبار بن الأسود بالرمح، وهى فى هودجها، وكانت حاملا فيما يزعمون، فلما ريعت طرحت ذا بطنها" اهـ (٣٧٨:١). فأين العدة بعد ما وضعت وأسقطت؟ اللهم إلا أن يقال: إنها أسقطت سقطا لم يستبن خلقه، ودون إثباته خرط القتادة، وقصة نخس هبار زينب بنت رسول الله عَّه وإسقاطها بنسخه مشهورة فى السيرة. قاله الحافظ فى "الإصابة" (٢٩٩:٦). فإن قيل: إن الثابت بالحديث ارتفاع النكاح بالردة فمن أين زدتم قيد عرض الإسلام على الزوج، ثم إبائه عنه؟ قلنا: قلدنا فى ذلك ما روى عن عمر رضى الله عنه. أخرجه الطحاوى فى "معانى الآثار" (١٥١:١): حدثنا أبو بشر الرقى ثنا أبو معاوية الضرير عن أبى إسحاق الشيبانى عن السفاح عن داود بن كردوس قال: "كان رجل منا من بنى تغلب نصرانى تحته امرأة نصرانية، فأسلمت فرفعت إلى عمر، فقال: أسلم وإلا فرقت بينهما، فقال له: لم أدع هذا إلا استحياء من العرب أن يقولوا: إنه أسلم على بضع امرأة. قال: ففرق بينهما" حدثنا أبو بكرة ثنا هلال بن يحيى ثنا أبو يوسف ثنا أبو إسحاق الشیبانی عن السفاح عن کردوس بن داود التغلبی عن عمر نحوه قلت: أما أبو بشر الرقى شيخ الطحاوى فقد صحح حديثه النيموى فى "آثار السنن" (٣٤:٢). وهو عبد الملك بن مروان الأهوازى له ترجمة حافلة فى "التهذيب"، وثقه ابن حبان (٤٢٤:٦). وأبو معاوية الضرير من رجال الجماعة ثقة له ترجمة أحفظ الناس لحديث الأعمش (تق ١٨١)، وكذا أبو إسحاق الشيبانى من رجال الجماعة ثقة أيضا (تق ٧٨). والسفاح هو ابن مطر الشيبانى، ذكره ابن حبان فى "الثقات"، كذا فى "التهذيب" (١٠٦:٤). وداود بن كردوس التغلبی ذكره ابن حبان فى "الثقات" أيضا، كما فى "اللسان" (٤٢٥:٢). فالحديث حسن، وأثر ابن عباس المذكور فى المتن وأثر عمر هذا كلاهما فى ما إذا أسلمت المرأة فى دار الإسلام، وفيهما دلالة على أنها فى نكاح زوجها حتى يعرض عليه الإسلام فيأبى، فيفرق القاضى أو الإمام بينهما. وأما إذا أسلمت فى ج - ١١ بيان حكم النكاح إذا أسلم أحد الزوجين ٩٩ ٣١٨٢- نا معتمر بن سليمان عن معمر عن الزهرى: "إن أسلمت ولم يسلم زوجها فهما علي نكاحهما إلا أن يفرق بينهما سلطان". رواه ابن أبى شيبة. ٣١٨٣- نا عبدة بن سليمان عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن الحسن، قال: "إذا أسلمت وأبى أن يسلم فإنها تبين منه بواحدة". وقاله عكرمة، رواه ابن أبى شيبة (المحلى ٧: ٣٦٤) وسنده صحيح. دار الحرب فهى فى نكاح زوجها حتى تحيض ثلاث حيض فتطهر، وجعلوا ذلك الأجل بدلا من العرض الذى كانوا يعرضونه عليه لو كان فى دار الإسلام، إلا أن تخرج المرأة قبل ذلك إلى دار الإسلام، فينقطع الأجل بذلك ويجب به البينونة قاله الطحاوى (معانى الآثار ١٥٢:٢). وجنحوا فى ذلك إلى ما رواه الطحاوى بسند حسن عن على أنه قال: "هو أحق بنكاحها ما كانت فى دار هجرتها" (١٥٢:٢). أى فى الدار التى تجب عليها هجرتها، وهى دار الحرب. ومعنى قوله: "هو "أحق بنكاحها" أى فى العدة، لأن بقاءها فى عصمة الكافر دائما ولو تطاول بها الزمان بعيد جدا، فلا بد من تأويل قوله إلى ما ذكرنا، والله تعالى أعلم وعلمه أتم وأحكم. واحتجت الشافعية ومن وافقهم بقصة إسلام عكرمة بعد إسلام زوجها، وإسلام امرأة صفوان بن أمية قبل إسلام زوجها بشهر! وأن أبا سفيان أسلم وامرأته هند كافرة، ثم أسلمت، وثبتوا كلهم على النكاح، ولم يكن إسلام واحد منهم قبل الآخر مبطلا للنكاح. والجواب أن أبا سفيان أسلم بمر الظهران، وهى من توابع مكة، ومكة لم تكن فتحت فى ذلك الوقت، فلم تصر مر . الظهران دار إسلام بعد، فلم يختلف بهما الدار (وإسلام أحد الزوجين قبل الآخر لا يكون مبطلا للنكاح فى دار الحرب كما تقدم). وأما امرأة عكرمة فخرجت عقیب خروجه، فأدر کته ببعض الطريق، ولم يتيقن بأن ذلك الموضع معدود من دار الكفر، ولو كان من دار الكفر فلم يصل إلى هناك حتى فارقت امرأته مكة. وأما صفوان فإن عمير بن وهب أدركه وهو يريد أن يركب البحر، فرجع به، وفى "التجريد" للقدورى عن الواقدى: أنه أدركه بمرقاء السفن لأهل مكة، وهذا الموضع من توابع مكة. فلم يختلف به وبزوجه الدار، كذا فى "الجوهر النقى" (٨٩:٢). وقال محمد فى "كتاب الحجج" (٣٥٣): إذا أسلمت النصرانية وزوجها غائب، ثم أسلم هو فى غيبته هى امرأته، ولا تقع بينهما فرقه، ولو طال ذلك، ولو انقضت العدة لم يلتفت إلى ذلك أنها امرأته حتى يعرض عليه الإسلام، فإن أسلم كانت امرأته، وإن أبى أن يسلم فرق بينهما. وكانت العدة من حين فرق بينهما، فإن أسلم بعد ذلك وهى فى العدة لم يكن له أن يراجعها إلا ١٠٠ بيان حكم النكاح إذا أسلم أحد الزوجين إعلاء السنن ٣١٨٤- حدثنا عبيد الله بن محمد المؤدب ثنا على بن معبد ثنا عباد بن العوام عن . سفیان بن حسین، عن الزهرى: "أن أبا العاص بن ربيعة أخذ أسیرا یوم بدر، فأتی به النبى معَّهِ، فرد عليه ابنته، قال الزهرى: وكان هذا قبل أن ينزل الفرائض يعنى ابنة النبى معَّ، وردها على زوجها". رواه الطحاوى (١٥٢:٢). وفى سفيان مقال، وعبيد الله المؤدب ضعيف، كما فى "كشف الأستار" (٧٠). ٣١٨٥- حدثنا عبيد الله ثنا على ثنا عباد بن العوام عن سعيد عن قتادة: ((أن رسول الله عّ لّه رد على أبى العاص ابنته. قال قتادة: كان هذا قبل أن تنزل سورة براءة)). رواه الطحاوى (٧٠) أيضا، وفيه عبيد الله المذكور. وإنما ذكرنا الأثرين تأييدا للاحتمال الذى أبدیناه قياسا. بنكاح جديد" اهـ. هذا إذا كانا أى الزوجان كلاهما فى دار الإسلام. وإن كانا فى دار الحرب فلا تبين المرأة من زوجها حتى تنقضى عدتها، وتحيض ثلاثا منذ أسلمت. فإن أسلم زوجها وهى فى العدة كانا على نكاحهما، وإن أسلم بعد انقضاء العدة أو خرجت قبل ذلك إلى دار الإسلام وجبت البينونة، وانقطع الأجل. ذكره الطحاوى فى "معانى الآثار" (١٥٢:٢). وبهذا تجتمع الآثار الواردة فى الباب کلها. ولا يعارضه ما رواه أبو داود عن ابن عباس رضى الله عنه قال: "أسلمت امرأة على عهد رسول الله عَّ، فتزوجت، فجاء زوجها إلى النبى معَّ فقال: يا رسول الله! كنت أسلمت وعلمت بإسلامى، فنزعها رسول الله عَّ من زوجها الآخر، وردها على زوجها الأول"، وقال أيضا: إن رجلا جاء مسلما على عهد رسول الله عَ ليه، ثم جاءت امرأة مسلمة بعده، فقال: یا رسول الله! إنها أسلمت معی، فردها علیه". قال الترمذى: "حديث صحيح"، كذا فى "زاد المعاد" (٢١٨:٢). فإن المرأة فى الأول هاجرت بعد إسلام زوجها فى دار الحرب، وفى الثانى تأخرت هجرتها عن هجرة زوجها بعد ما أسلما فى دار الحرب معا. ولا ما فى صحيح البخارى عن ابن عباس: " كان المشركون على منزلتين من النبى معَّه والمؤمنين، كانوا مشركى أهل حرب يقاتلهم ويقاتلونه، ومشركى أهل عهد لا يقاتلهم ولا يقاتلونه، فكان إذا هاجرت امرأة من أهل الحرب لم تخطب حتى تحيض وتطهر، فإذا طهرت حل لها النكاح، فإن هاجر زوجها قبل أن تنكح ردت إليه"، كما فى