النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ ج - ١١ جواز نكاح المسلم نساء أهل الكتاب إلا المجوسيات ٣١١٢- نا إبراهيم بن الحجاج، نا أبو رجاء جار لحماد بن سلمة، نا الأعمش عن زيد بن وهب، قال: "كنت عند عمر بن الخطاب، فذكر من عنده المجوس فوثب عبد الرحمن بن عوف، فقال: أشهد بالله على رسول الله عَّ له، لسمعته يقول: إنما المجوس طائفة من أهل الكتاب، فاحملوهم على ما تحملون عليه أهل الكتاب". رواه ابن أبى عاصم فى كتاب النكاح بسند حسن (التلخيص الحبير ٣٠٢:٢). سنة أهل الكتاب": قال مالك: يعنى فى الجزية، كما فى "التلخيص"، وفى "الجوهر النقى": "قال صاحب "التمهيد" فى قوله عليه السلام فى المجوس: ((سنوا بهم سنة أهل الكتاب) يعنى فى الجزية، دليل على أنهم ليسوا أهل كتاب، وعلى ذلك جمهور الفقهاء، وقد روى عن الشافعى أنهم كانوا أهل کتاب فبدلوا، وأظنه ذهب فى ذلك إلی شیء، روى عن على من و جه فیه ضعف، ثم ذکر هذا الأثر، ثم قال: وأكثر أهل العلم يأبون ذلك. ولا يصححون هذا الأثر، والحجة لهم قوله تعالى: ﴿أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا﴾ يعنى اليهود والنصارى، وقال تعالى: ﴿يا أهل الكتاب لستم على شىء حتى تقيموا التوراة والإنجيل﴾". فدل على أن أهل الكتاب هم أهل التوراة والإنجيل اليهود والنصارى لا غير" اهـ (٢١٠:٢). قلت: فاللفظ الذى رواه ابن أبى عاصم فى حديث عبد الرحمن بن عوف، من قوله: ((إنما المجوس طائفة من أهل الكتاب)) محمول على الرواية بالمعنى، فلا حجة فيه، وإن صح فهو محمول على أنهم مثل أهل الكتاب فى الجزية، وأما أثر على فمع ضعفه لا يدل إلا على أنهم كانوا أهل الكتاب فى القديم، ثم لما سلب عنهم العلم، وأسرى على كتابهم، لم يبقوا أهل الكتاب بعد ذلك، وبالجملة فالمجوس فى زمن النبى معَّةٍ وبعده ليسوا بأهل الكتاب البتة، بدليل قوله تعالى: أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا". وأيضا: فإن قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾. يفيد حرمة نكاح الكتابيات بأسرها، لكونهن مشركات، وكان ابن عمر إذا سئل عن نكاح النصرانية واليهودية، قال: "إن الله حرم المشركات على المؤمنين ولا أعلم من الإشراك شيئا أعظم من أن تقول المرأة ربها عيسى، وهو عبد من عباد الله". رواه البخارى كما فى "جمع الفوائد" (٢٢٢:١). وقال ابن عباس: نزلت هذه الآية: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾ فحجز الناس عنهن، حتى نزلت هذه الآية التى بعدها: ﴿اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم، وطعامكم حل لهم، والمحصنات من المؤمنات، والمحصنات من الذين أوتوا ٤٢ جواز نكاح المسلم نساء أهل الكتاب إلا المجوسيات إعلاء السنن ٣١١٣- عن قيس (وهو ابن الربيع الزيلعى) بن مسلم عن الحسن (تابعی جليل) ابن محمد بن على: ((أن النبى معَّ كتب إلى مجوس هجر يعرض عليهم الإسلام، فمن أسلم قبل منه، ومن لم يسلم ضربت علیه الجزية، غیر ناکحی نسائهم، ولا آكلی ذبائحهم)). رواه عبد الرزاق وابن أبى شيبة فى مصنفيهما. وذكره ابن أبى شيبة فى النكاح وعبد الرزاق فى كتاب أهل الكتاب، ولفظه فيه: "ولا تؤكل لهم ذبيحة، ولا ينكح فيهم امرأة» (زيلعى ٤:٢)، قلت: سند مرسل وقيس مختلف فيه(١). وهو حسن الحديث على الأصل الذى ذكرناه غير مرة. الكتاب من قبلكم﴾. فنكح الناس نساء أهل الكتاب. رواه الطبرانى فى الكبير كما فى "جمع الفوائد" أيضا، وسكوت المغزلى عنه يدل على أنه صحيح، أو حسن على قاعدته، فإذا كان جواز نكاح الكتابيات على خلاف القياس بآية المائدة، لا بد أن يقتصر على الكتابيات التى علم كونهن من أهل الكتاب بالنص، أو بدليل قطعى غيره، وأثر عبد الرحمن وعلى من خبر الآحاد، فلا يجوز الزيادة به على النص، فافهم. وقد روى عبد الرزاق عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: المجوس أهل الكتاب؟ قال: لا، وقال أيضا: أخبرنا معمر قال: سمعت الزهرى سئل، أتؤخذ الجزية ممن ليس من أهل الكتاب؟ نعم! أخذها رسول الله عَّ من أهل البحرين، وعمر من أهل السواد، وعثمان ... من بربر، كذا فى "الجوهر النقى" (٢٠١:٢). وقول عمر "ما أدرى ما أصنع فى أمرهم" ؟ أى المجوس، فيه دليل على أنهم لم يكونوا عنده من أهل الكتاب، ولا عند أحد من الصحابة، وإلا لم يكن للتردد فى وضع الجزية عليهم معنى، ثم لما روى عبد الرحمن بن عوف أنه سمع النبى معَ لّ يقول: ((سنوا بهم سنة أهل الكتاب))، لم يكن معناه عندهم أنهم من أهل الكتاب، بل كان معناه عندهم أن أخذ الجزية غير مخصوص بأهل الكتاب، بل الكفار كلهم فى ذلك سواء، ألا ترى أن عثمان أخذها من بربر وليسوا من المجوس؟ والله تعالى أعلم. وقال أبو بكر الجصاص الرازى فى أحكام القرآن له: "واختلف فى المجوس، فقال أجل السلف وأكثر الفقهاء: ليسوا أهل الكتاب، وقال آخرون: هم أهل الكتاب والقائلون بذلك شواذ، (١) فى "التلخيص": قال البيهقى: وإجماع أكثر المسلمين عليه يؤكده (٣٠٢٢). ٤٣ جواز نكاح المسلم نساء أهل الكتاب إلا المجوسيات ج - ١١ ٣١١٤- أخبرنا محمد بن عمر هو الواقدى، حدثنى عبد الحكم بن عبد الله بن أبى فروة عن عبد الله بن عمرو بن سعيد بن العاص: ((أن رسول الله عَ ◌ّ كتب إلى والدليل على أنهم ليسوا أهل الكتاب قوله تعالى: ﴿وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون، أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا﴾. فأخبر تعالى: أن أهل الكتاب طائفتان، فلو كان المجوس أهل الكتاب لكانوا ثلاث طوائف. فإن قيل: إنما حكى الله ذلك عن المشركين، وجائز أن يكونوا قد غلطوا قيل له: إن الله لم يحك هذا القول عن المشركين، ولكنه قطع بذلك عذرهم، فهذا إنما هو قول الله تعالى واحتجاج منه على المشركين فى قطع عذرهم بالقرآن، وأيضا: فإن المجوس لا ينتحلون شيئا من كتب الله المنزلة على أنبيائه، وإنما يقرؤون كتاب زرادشت، وكان متنبيا كذابا، فليسوا إذا أهل كتاب، ويدل على أنهم ليسوا أهل كتاب، حديث يحيى بن سعيد، عن جعفر بن محمد عن أبيه، قال: قال عمر: ما أدرى كيف أصنع بالمجوس، وليسوا أهل كتاب؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: سمعت النبى معَِّ يقول: ((سنوا بهم سنة أهل الكتاب))، فصرح عمر بأنهم ليسوا أهل كتاب، ولم يخالفه عبد الرحمن، ولا غيره من الصحابة، ويدل على أنهم ليسوا أهل كتاب أن النبى معَ له كتب إلی صاحب الروم: ﴿يا أهل الكتاب! تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبینکم﴾ و کتب إلی کسری، ولم ينسبه إلى كتاب. وروى فى قول تعالى: ﴿آلم غلبت الروم﴾ أن المسلمين أحبوا غلبة الروم، لأنهم أهل كتاب. وأحبت قريش غلبة فارس، لأنهم جميعا ليسوا بأهل كتاب، فخاطرهم أبو بكر رضى الله عنه والقصة فى ذلك مشهورة. وأما من قال: إنهم كانوا أهل كتاب، ثم ذهب منهم بعد ذلك، ويجعلهم من أجل ذلك من أهل الكتاب، فإن هذا لا يصح ولا يعلم ثبوته وإن ثبت أوجب أن لا يكونوا من أهل الكتاب، لأن الكتاب قد ذهب منهم، وهم الآن غير منتحلين بشىء من كتب الله تعالى" اهـ (٣٢٧:٢). قلت: وحديث مخاطرة أبى بكر رضى الله عنه أخرجه الترمذى، عن ابن عباس بلفظ: كان المشركون يحبون أن يظهر أهل فارس على الروم، لأنهم وإياهم أهل الأوثان، وكان المسلمون يحبون أن يظهر الروم على فارس، لأنهم أهل كتاب" الحديث وعن نيار بن مكرم الأسلمى: "كان المسلمون يحبون ظهور الروم عليهم، لأنهم وإياهم أهل كتاب، وفى ذلك قول الله تعالى: ﴿ويومئذ يفرح المؤمنون﴾. وكانت قريش تحب ظهور فارس لأنهم وإياهم ليسوا بأهل كتاب، ٤٤ جواز نكاح المسلم نساء أهل الكتاب إلا المجوسيات إعلاء السنن مجوس هجر، يعرض عليهم الإسلام فإن أبوا أعرض عليهم الجزية. بأن لا ينكح نسائهم، ولا تؤكل ذبائحهم)). وفيه قصة رواه ابن سعد فى "الطبقات" (زيلعى ٤:٢) قال: "وفى الواقدى، كلام". قلت: ولكن الراجح توثيقه، كما قدمناه مرارا. ولا إيمان ببعث" الحديث، وكلاهما حديث حسن صحيح غريب، قاله الترمذى (١٥٠:٢ و١٥١). وأخرج الحاكم فى المستدرك حديث ابن عباس، وصححه على شرط الشيخين، وأقره عليه الذهبى (٤١٠:٢). ومما يدل على أن الجزية لا تختص بأهل الكتاب، ما أخرجه الحاكم فى مستدر كه عن ابن عباس. قال: "مرض أبو طالب فجاءت قريش، فجاء النبى عّ لّه، وعند رأس أبى طالب مجلس رجل، فقام أبو جهل كى يمنعه ذاك، وشكوه إلى أبى طالب، فقال: يا ابن أخى! ما تريد من قومك؟ قال: يا عم! إنما أريد منهم كلمة تذل لهم بها العرب، وتؤدى إليهم بها جزية العجم. قال: كلمة. واحدة، قال: ما هى؟ قال: "لا إله إلا الله". الحديث، وقال: صحيح الإسناد، وأقره عليه الذهبى (٤٣٢:٢) ولا يخفى أن العجم يعم غير العرب كلهم، وفيه دليل على نفى الجزية عن كفار العرب أيضا، لما فيه من التقسيم وهو ظاهر. تذييل: قد منع بعض الأئمة كالشافعى رحمه الله ومن وافقه، نكاح الأمة مع طول الحرة، ونكاح الإماء من أهل الكتاب، واحتجوا فى ذلك بقوله تعالى: ﴿فمن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات﴾ إلى قوله: ﴿ذلك لمن خشى العنت منكم وأن تصبروا خيرا لكم﴾. الآية، والاستدلال به مبنى على قاعدة خلافية ذكرها الأصوليون فى تقييد الحكم بشرط، أو صفة هل يوجب نفيه عما سواه أو لا؟ قال أبو بكر الرازى فى "أحكام القرآن" له: "الذى اقتضته هذه الآية إباحة نكاح الإماء المؤمنات عند عدم الطول إلى الحرائر المؤمنات، لأنه لا خلاف أن المراد بالمحصنات ههنا الحرائر، وليس فيها حظر لغيرهن، لأن تخصيص هذه الحال بذكر الإباحة لا يدل على حظر ما عداها، كقوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق﴾، لا دلالة فيه على إباحته عند زوال هذه الحال، وقوله تعالى: ﴿لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة﴾ لا يدل على إباحته إذا لم يكن أضعفا مضاعفة، وقد بينا ذلك فى أصول الفقه. ج - ١١ جواز نكاح المسلم نساء أهل الكتاب إلا المجوسيات ٤٥ وقد روى عن أبى يوسف أنه تأول قوله تعالى: ﴿ومن لم يستطع منكم طولاً﴾، على عدم الحرة(١) فى ملكه، وأن وجود الطول هو كون الحرة تحته، وهذا تأويل سائغ، لأن من ليس عنده حرة، فهو غير مستطيع للطول إليها، إذ لا يصل إليها، ولا يقدر على وطئها، فكان وجود الطول عنده هو ملك وطئ الحرة، وهو أولى من تأويل من تأوله على القدرة على تزوجها، لأن القدرة على المال لا توجب له ملك الوطئ إلا بعد النكاح، فوجود الطول بحال ملك الوطئ أخص منه) بوجود المال الذى به يتوصل إلى النكاح، ويدل عليه أنا وجدنا لملك وطأ الزوجة تأثيرا فى منع نكاح أخرى، ولم نجد هذه المزية لوجود المال فإذا لاحظ لوجود المال فى منع نكاح الأمة، فتاویل أبى يوسف الآية على ملك وطئ الحرة أصح من تأويل من تأولها على ملك المال" اهـ (١٦٢:٢). فكان معنى الآية جواز نكاح الأمة، لمن ليس تحته حرة، وأما من كان تحته حرة، فقد دلت الآثار على عدم جواز نكاح الأمة له: روى البيهقى عن الحسن، "نهى رسول الله عرّ ضله أن ينكح الأمة على الحرة"، ثم قال: مرسل إلا أنه فى معنى الكتاب. قلت: يريد قوله تعالى: ﴿فمن لم يستطع منكم طولا﴾. كذا فى "الجوهر النقي" (٨٦:٢) وعدم إعلال البيهقى إياه بما سوى الإرسال، يدل على صحة إسناده إلى الحسن، والمرسل حجة عندنا، قال أبو بكر الرازى: "وروى مجاهد، عن النبى معَّ مثله، ولو لا ما ورد من الأثر، لم يكن تزويج الأمة على الحرة محظورا، إذ ليس فى القرآن ما يوجب حظره، والقياس يوجب إباحته، ولكنهم اتبعوا الأثر، والله أعلم" (١٦٢:٢). ومما يدل على جواز نكاح الأمة، وإن قدر على تزوج الحرة، إذا لم تكن تحته قوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلث ورباع فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم﴾. قد حوت هذه الآية الدلالة من وجهين على جواز تزويج الأمة مع القدرة على نكاح الحرة: أحدهما: إباحة النكاح على الإطلاق فى جميع النساء من العدد المذكور من غير تخصيص لحرة من أمة. والثانى: قوله تعالى فى نسق الخطاب: ﴿أو ما ملكت أيمانكم﴾ ومعلوم أن قوله: ﴿أو ما ملكت أيمانكم﴾ غير مكتف بنفسه فى إفادة الحكم وإنه مفتقر إلى مقدر، ومقدره هو ما تقدم (١) أى وحمل قوله: ﴿أن ينكح المحصنات﴾ على معنى أن يطأهن، فإن النكاح - تيقة فى الوطأ مجاز فى العقد كما قاله الزمخشرى، وهو أقعد الناس باللغة (مؤلف). ٤٦ جواز نكاح المسلم نساء أهل الكتاب إلا المجوسيات إعلاء السنن . ٣١١٥- عن أبى ميسرة (هو عمرو بن شرحبيل تابعى جليل) هو الهمدانى قال: "إماء أهل الكتاب بمنزلة حرائرهم". رواه ابن أبى شيبة بسند صحيح (الجوهر النقي ٨٧:٢). ذكره مظهرا فى الخطاب، وهو عقد النكاح، فكان تقديره فاعقدوا نكاحا على ما طاب لكم من النساء أو على ما ملكت أيمانكم، وغير جائز إضمار الوطأ فيه إذ لم يتقدم له ذكر، فثبت بدلالة هذه الآية أنه مخير بين تزويج الأمة أو الحرة. ويدل عليه أيضا قوله تعالى: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عباد كم، وإمائكم﴾. وذلك عام يوجب جواز نكاح الإماء، كما اقتضى جواز نكاح الحرائر، ويدل عليه أيضا قوله تعالى: ﴿ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم﴾ ومحال أن يخاطب بذلك، إلا من قدر على نكاح المشركة الحرة، ومن وجد طولا إلى الحرة المشركة، فهو يجد طولا إلى الحرة المسلمة، فاقتضى ذلك جواز نكاح الأمة مع وجود الطول إلى الحرة المسلمة، كما اقتضاه مع وجوده إلى الحرة المشركة، قاله الجصاص الرازى فى أحكام القرآن له (١٥٩:٢). وفى "الجوهر النقى": قال ابن حزم: روينا عن عبد الرزاق قال: سألت سفيان عن نكاح الأمة، قال: لم ير على به بأسا، (وجزم مثل سفيان بأثر حجة ولو لم يسنده كما ذكرناه فى "المقدمة") وذكر عبد الرزاق أيضا عن الثورى عن ليث عن مجاهد، قال: مما وسع الله به على هذه الأمةنكاح الأمة والنصرانية، وإن كان موسرا، وبه يأخذ سفيان" اهـ (٨٧:٢). وقال الجصاص: "وروى عن على، وأبى جعفر، ومجاهد، وسعيد بن جبير: وسعيد بن المسيب رواية وإبراهيم والحسن رواية والزهرى، قالوا: ينكح الأمة وإن كان موسرا، وعن عطاء وجابر بن زيد: أنه إن خشى أن يزنى بها، تزوجها" اهـ (١٥٨:٢). قلت: وروى عن ابن عباس قال: "لا ينكح الحر من الإماء إلا واحدة"، ولكن سنده ضعيف، كما فى "الجوهر النقي" (٨٦:٢). وفيه أيضا: ولابن أبى شيبة، عن الحارث قال: "يتزوج الحر من الإماء أربعا"، وله أيضا بسند صحيح عن الزهرى قال: "يتزوج الحر أربع إماء وأربع نصرانيات، والعبد كذلك"، (أى يتزوج اثنتين لما سيأتى). وأُخرج محمد فى "الآثار" عن أبى حنيفة عن حماد عن إبراهيم، قال: "للحر أن يتزوج أربع مملوكات، وثلاثا واثنتين وواحدة" اهـ (٦٠)، والله تعالى أعلم. قوله: "عن شقيق" إلخ(١). استدل به من لم ير نكاح الزانية، لقول عمر رضى الله عنه: (١) أى فى الحديث الأول من هذا الباب. ٤٧ ج - ١١ باب جواز النكاح فى حالة الإحرام ٣١١٦ - عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: ((تزوج رسول الله عَ ليه ميمونة رضى الله عنها وهو محرم)). رواه الأئمة الستة فى كتبهم. وزاد البخارى: ((وبنى بها وهو حلال، وماتت بسرف)) (زيلعى ٤:٢). ٣١١٧- حدثنا محمد بن خزيمة قال: حدثنا معلى بن أسد قال: حدثنا أبو عوانة عن مغيرة عن أبى الضحى عن مسروق عن عائشة، قالت: ((تزوج رسول الله عرّ ض له بعض نسائه وهو محرم)). رواه الطحاوى (٤٤٢:١). ورجاله ثقات، وفى "فتح البارى" (١٤٣:٩): صححه ابن حبان. "لكن أخاف أن تكون مومسة". ولا حجة لهم فيه، لجواز حمله على الأولى والأحب، ولا نزاع فى أن الأولى المؤمن أن لا يتزوج زانية ما دامت زانية ومتهمة بالزنا، وإنما الكلام فى الجواز وصحة النكاح، وأما قوله تعالى: ﴿الزانى لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين﴾ فمحمول على الزانية والزانى، وهما زانيان لم يتوبا عنه، فلا يجوز للمؤمن أن ینکح زانیة وهی علی زناها، ولا للمؤمنة أن تنكح الزانى وهو علی زناه لم يتب منه، ولذا قلنا: لا يكون الزانى كفوا للعفيفة الصالحة، وكذا بالعكس، فافهم، وسيأتى لذلك مزيد، إن شاء الله تعالى - والأثر رواه محمد فى "الآثار": أخبرنا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم عن حذيفة بن اليمان: "أنه تزوج يهودية بالمدائن، فكتب إليه عمر بن الخطاب: أن خل سبيلها، فكتب إليه: أحرام هى يا أمير المؤمنين؟ فكتب إليه: أعزم عليك أن لا تضع كتابى حتى تخلى سبيلها، فإنى أخاف أن يقتدى بك المسلمون، فيختاروا نساء أهل الذمة لجمالهن، وكفى بذلك فتنة نساء المسلمين". قال محمد: "وبه نأخذ لا نراه حراما، ولكنا نرى أن يختار عليهن نساء المسلمين وهو قول أبى حنيفة" اهـ (٦٤). ليس فيه قوله: "لكن أخاف أن تكون مومسة" ، والله تعالى أعلم. باب جواز النكاح فى حالة الإحرام قوله: "عن ابن عباس" إلخ، قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة. قوله: "حدثنا محمد إلخ" قال المؤلف: قد ذكرت فى المتن أن رجاله ثقات، فتفصیله أن أحمد بن خزيمة مشهور ثقة، كما فى "الميزان" (٥٢:٣). ومعلى بن أسد وثقوه وهو من رجال الصحيحين، إلا أن أبا حاتم قال: "ثقة، ما أعلم أنى عثرت له على خطأ غير حديث واحد"، ٤٨ جواز النكاح فى حالة الإحرام إعلاء السنن ٣١١٨- ثنا سليمان بن شعيب الكيسانى ثنا خالد بن عبد الرحمن الخراسانى ثنا كامل أبو العلاء عن أبى صالح. عن أبى هريرة: ((تزوج رسول الله عَّة، وهو محرم)). رواه الطحاوى فى مشكل الحديث، (الجوهر النقى ٩٥:٢). ورجاله ثقات. ٣١١٩- حدثنا روح بن الفرج قال: ثنا أحمد بن صالح قال: ثنا ابن أبى فديك قال: حدثنى عبد الله بن محمد بن أبى بكر قال: سألت أنس بن مالك عن نكاح المحرم، فقال: وما بأس به هل هو إلا كالبيع. رواه الطحاوى (٤٤٤:٢). ورجاله رجال الصحيح، إلا الأول، وقد وثقه الخطيب، وقال فى "فتح البارى" (١٤٣:٩). إسناده قوى. كما فى "تهذيب التهذيب" (٢٣٦:١٠ و٢٣٧). فإن قلت: يحتمل أن يكون ذلك الحديث هذا الذى فى المتن، قلت: هذا الاحتمال يجرى فى كل حديث من أحاديث الصحيحين أيضا، فما هو الجواب عنهما فهو جوابنا عن الطحاوى، ولا ريب أن الطحاوى من الحفاظ المتقنين، كما أن أصحاب الصحيحين من أهل الفن، وهذا مع احتمال أن يكون أبو حاتم أخطأ فى تخطئته، وأما بقية رجاله فقال الطحاوى: " ثم قد روى عن عائشة رضى الله عنها أيضا ما قد وافق ما روى عن ابن عباس وروى ذلك عنها من لا يطعن أحد فيه أبو عوانة عن مغيرة عن أبى الضحى عن مسروق، فكل هؤلاء أئمة يحتج برواياتهم" (٤٤٣:١). ودلالته على الباب ظاهرة. قوله: "ثنا سليمان بن شعيب" إلخ. قال المؤلف: فى الجوهر النقي: والكيسانى وثقه أبو سعيد السمعانى، وخالد وثقوه كذا فى التهذيب للمزى، وكامل وثقه ابن معين والعجلى. وذكره ابن شاهين فى "الثقات"، وأخرج له الحاكم فى "المستدرك" (٩٥). قلت: بقى أبو صالح، ففى "التقريب": "ذكوان أبو صالح السمان الزيات المدنى، ثقة، ثبت" اهـ. ورمز له للستة (٧٥). ودلالة الحديث على الباب ظاهرة، وفى "الجوهر النقى": وقال (أى الطحاوى) فى "مشكل الحديث": "لم يختلف فى ذلك عن عائشة رضى الله عنها" اهـ، وفيه أيضا: قال الطحاوى: "وهذا مما لا نعلم أيضا عن أبى هريرة فيه خلافا (٢: ٩٥). قوله: "حدثنا روح" إلخ. قال المؤلف: وفى "الجوهر النقى" بعد نقل هذا الأثر: "وروح وثقه الخطيب، وأخرج له صاحب" (المستدرك ٩٥). قلت: أحمد بن صالح هذا من رجاله الجماعة إلا النسائى، وثقوه وتكلم فيه بعضهم كما فى "تهذيب التهذيب"، وقد مر مرارا أن الاختلاف ٤٩ ج - ١١ جواز النكاح فى حالة الإحرام ٣١٢٠- حدثنا محمد بن خزيمة قال: "ثنا حجاج (وهو ابن منهال) قال: ثنا جرير بن حازم عن سليمان الأعمش، عن إبراهيم، أن ابن مسعود كان لا يرى بأسا أن يتزوج المحرم". رواه الطحاوى (١٤٣:١). ورجاله ثقات. غير مضر، وابن فديك هذا هو محمد بن إسماعيل من رجال الجماعة صدوق، كما فى "التقريب" (٢١٥). وعبد الله هذا صدوق من رجال الصحيحين، كما فى "التقريب" (١٤١). ودلالة الأثر على الباب ظاهرة. قوله: "حدثنا محمد بن خزيمة" إلخ. قال المؤلف: أما رجاله فمحمد هذا ثقة، کما مر فى تقرير الحديث الذى قبله، وحجاج هذا هو ابن منهال، وهو ثقة فاضل من رجال الجماعة، كما فى: "التقريب" (٥٠). وجرير بن حازم فقال فى "التقريب" بعد الرمز له للستة: ثقة لكن فى حديثه عن قتادة ضعف، وله أوهام إذا حدث من حفظه (٤٢). قلت: لم يرو هنا عن قتادة. والجواب عن احتمال الوهم فى الحديث ما هو الجواب عن أحاديث أصحاب الصحاح، فإن الطحاوى من أهل الفن كاصحاب الصحاح، وسليمان الأعمش. من رجال الجماعة، ثقة حافظ عارف بالقراءة ورع، لكنه يدلس، كما فى "التقريب" (١٠٢" و ١٠٣). والتدليس غير مضر عندنا وقد مر غير مرة. وإبراهيم هو النخعى وهو مشهور لا يحتاج إلى البيان. فالسند رجاله ثقات محتج بنهم. ودلالته على الباب ظاهرة. وأما ما يعارض هذه الأحاديث، فمنها: ما رواه مسلم مرفوعا: ((لا ينكح المحرم، ولا ينكح، ولا يخطب)) (٤٥٣:١). وما رواه أيضا عن يزيد ابن الأصم قال: حدثنى ميمونة بنت الحارث: أن رسول الله عّلّه تزوجها. وهو حلال. قال: وكانت خالتى وخالة ابن عباس (٤٥٤:١). ومنها ما فى "الدراية": روى مالك أن طريقا تزوج امرأة وهو محرم، فرد عليه عمر رضى الله عنه نكاحه (٢١٧): وروى أبو داود وسكت عنه، عن سعيد بن المسيب قال: وهم ابن عباس فى تزويج ميمونة وهو محرم (٢٦٢:١). والجواب عن الأول، بأنه محمول على الكراهة، لدفع تعارض فعله وقوله عّ لّه، وإنما يقدم القول على الفعل ويسقط به إذا لم يمكن التطبيق، وفى "الجوهر النقى": "هو محمول على الوطئ (لم اختر هذا الشق لكونه بعيدا: مؤلف) أو الكراهة، لكونه سببا للوقوع فى الرفث لا أن عقده لنفسه أو لغيره بأمره ممتنع، ولهذا قرنه بالخطبة، ولا خلاف فى جوازها وإن كانت مكروهة، فكذا النكاح والإنكاح، وصار كالبيع وقت النداء" اهـ. ٥٠ جواز النكاح فى حالة الإحرام إعلاء السنن والجواب عن الثانى بما فيه أيضا: "وفى "التمهيد": ذكر الأثرم عن أبى عبيدة قال: لما فرغ ◌ٍّ من خيير، وتوجه إلى مكة معتمرا ستة سبع، وقدم عليه جعفر بن أبى طالب من أرض الحبشة، وخطب عليه ميمونة بنت الحارث، وكانت أختها لأمها أسماء بنت عميس عنده، وأختها لأبيها، وأمها أم الفضل تحت العباس، فأجابت جعفر، وجعلت أمرها إلى العباس، فانكحها النبى معَّ فلما رجع بنى لها بسرف حلالا، ويجعلها أمرها إلى العباس مشهور، وذكره موسى ابن عقبة أيضا، وذكره ابن إسحاق قال: وقيل: جعلت أمرها إلى أم الفضل، فجعلت أم الفضل أمرها إلى العباس، وفى الاستيعاب لأبى عمر: ذكر سيد عن زيد بن الحباب عن أبى معشر عن شرحبيل ابن سعد قال: لقى العباس رسول الله عّ لّه بالجحفة، حين اعتمر عمرة العقبة، فقال: يا رسول الله عَّ! تايمت ميمونة، هل لك أن تزوجها؟ فتزوجها رسول الله عَّ ◌ُله وهو محرم: فلما أن قدم مكة أقام ثلاثا: الحديث، وفى آخره: فخرج فبنى بها بسرف، فلما جعلت أمرها إلى غيرها يحتمل أن يخفى عليها الوقت الذى عقد فيه العباس، فلم تعلم به إلا فى الوقت الذى بنى بنها فيه وعلم ابن عباس أنه كان قبل ذلك، فالرجوع إليه أولى، كيف؟ وقد تأيد برواية أبى هريرة، وعائشة" (٩٣:٢ و ٩٤). والجواب عن الثالث أنه فعل الصحابى، فلا يعارض فعل النبى معَ له، ويمكن حمله على التأديب، لكيلا يقع المتزوج على المرأة فى حالة الإحرام وعن الرابع، إن نسبة الوهم إلى ابن عباس جرأة. علا أن سنده فيه رجل لم يسم، وإن سكت عنه أبو داود فلا يرد به ما صح عن ابن عباس موصولا. فائدة: فى "حاشية الطحاوى": "قال الإمام العينى: فإن قلت: يحتمل أنه زوج ميمونة حلالا وظهر أمر تزويجها وهو محرم» قلت: هذا لا يجدى شيئا، لأنه عليه السلام قدم مكة محرما لا حلالا إجماعا" (٤٤٤:١). فإن قيل: إذا حمل الحديث القولى الناهى عن النكاح فى الإحرام على الكراهة، يلزم أن النبى عّ لّه ارتكب المكروه، قلنا: لا، فإنه عليه الصلاة والسلام فعل ذلك بيانا للجواز، وبمصلحة التشريع ترتفع الكراهة، كان هناك رافعا للكراهة فلا ارتكاب، فلا محذور، والله تعالى أعلم. ٥١ ج - ١١ باب عدم جواز النكاح بالأمة على الحرة وجواز عكسه ٣١٢١- عن الحسن رضى الله عنه: ((نهى رسول الله مرّ له أن ينكح الأمة على الحرة)). رواه البيهقى فى "سننه"، وقال: "مرسل" كما فى (الجوهر النقى ٨٦:٣). وهو حجة عندنا. ٣١٢٢- عن جابر رضى الله عنه: "لا تنكح الأمة على الحرة وتنكح الحرة على الأمة". أخرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح (دراية ٢١٨). باب لا تباح للحر بالتزوج إلا الأربع من النساء ٣١٢٣- حدثنا مسدد نا هشيم - رحمه الله تعالى- ونا وهب بن بقية عن ابن أبى ليلى عن حميضة بن الشمردل عن الحارث بن قيس، قال مسدد بن عميرة: وقال وهب الأسدى: قال: "أسلمت وعندى ثمان نسوة، قال: فذكرت ذلك للنبي عَّ له، فقال: ((اختر منهن أربعًا)). وحدثنا به أحمد بن إبراهيم: نا هشيم بهذا الحديث، فقال: قيس بن الحارث مكان الحارث بن القيس. قال أحمد بن إبراهيم: هذا هو الصواب، يعنى قيس ابن الحارث. رواه أبو داود (٣١١:١) فى سننه وسكت عنه. باب عدم جواز النكاح بالأمة على الحرة وجواز عكسه قال المؤلف: دلالة مجموع أحاديث الباب على الباب ظاهرة. باب لا تباح للجر بالتزوج إلا الأربع من النساء قوله: "حدثنا مسدد" إلخ. قال المؤلف فى "نيل الأوطار": فى إسناده محمد بن عبد الرحمن بن أبى ليلى، وقد ضعفه غير واحد من الأئمة اهـ (٦١:٦). قلت: هو مختلف فیه، كما مر غير مرة، وقد صحح الترمذى حديثه، كما مر فى كتاب الحج وغيره، والاختلاف لا يضر. ودلالته على الباب ظاهرة. إلا التقييد بالحر، فإنه يتحصل بما سيأتى فى الباب الذى بعد هذا من جواز تزوج العبد بامرأتين فقط، وكذا دلالة باقى الأحاديث من الباب. وقد علمت من هذا الباب أن تحريم الزائدة على الأربع ثابت بدليل قوى، وقد صحح حديث غيلان أئمة الفن، فلا يجترأ على القول بجواز التزوج من الزائدة على الأربع إلا من اتخذ إلهه هواه، وفى "النيل": قال فى ٥٢ لا تباح للحر بالتزوج إلا الأربع من النساء إعلاء السنن ٣١٢٤- عن الزهرى، عن أبيه: "أن غيلان أسلم وتحته عشر نسوة، فقال النبى عَّ: ((اختر منهن أربعا، وفارق سائرهن)). رواه الإمام الشافعى والترمذى وابن ماجه وابن حبان فى "صحيحه"، والحاكم فى "مستدركه"، وأبو داود عن الزهرى، وقال أبو حاتم: "زيادة وهى من الثقة مقبولة". وصححه البيهقى وابن القطان أيضا (كنز العمال ٢٥١:٨). ٣١٢٥- عن ابن عمر قال: "أسلم غيلان وعنده عشر نسوة، فقال رسول الله ◌َّ لِ: أمسك أربعا، وفارق سائرهن)). رواه ابن حبان فى "صحيحه" (كنز العمال ٣٩١:٨). وسنده صحيح على قاعدة العلامة الحافظ السيوطى. "الفتح": اتفق العلماء على أن من خصائصه منّ ◌ُّ الزيادة على أربع نسوة يجمع بينهنَ (٦٣:٦). قلت: وقد أوهم قوم من الجهال أن قوله تعالى: ﴿مثنى وثلاث ورباع﴾ الآية، تبيح للرجل تسع نسوة ولم يعلموا أن مثنی عند العرب عبارة عن اثنين وثلاث عبارة عن ثلاث مرتين، ورباع عبارة عن أربع مرتين، فيخرج من ظاهره على مقتضى اللغة إباحة ثمان عشرة امرأة، ولا يخفى جهل من قال به. وقال بعضهم: إن ذكر العدد لا يستلزم نفى ما عداه، فالآية تبيح للرجل ما شاء من الأعداد، وعضدوا جهالتهم بأن النبى ◌ّ ◌ٍ كان تحته تسع نسوة، ولم يعلموا أن له فى النكاح وفى غيره خصائص ليست لأحد غيره، بيانها فى سورة الأحزاب. وقد ذكر الحافظ فى "الفتح" اتفاق العلماء على أن من خصائصه مرّ ت الزيادة على أربع من النساء، يجمع بينهن كما مر، ومن تدبر سياق هذه الآية، وتأمل معناها تبين له أن المقصود بها تاكيد الإقساط، والنهى عن الجور، وأمر الناس بالعدل فى اليتامى والأزواج، بدليل قوله سابقا: ﴿فإن خفتم أن لا تقسطوا فى اليتامى﴾ وقوله لاحقا: ﴿فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة﴾. وهذا يفيد حمل قوله: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلث ورباع﴾ على حصر الأزواج فى أربع، والنهى عن الزيادة على هذا العدد، لما لا يخفى أن الإطلاق فى عدد الأزواج يناقض الأمر بالإقساط والعدل، فإن مراعاته مع كثرة الأزواج إلى ما لا نهاية لها متعذر متعسر جدا، كما لا يخفى، وإنكاره مكابرة صريحة، فحمل العدد فى الآية على الحصر بما لا محيص عنه لدلالة السياق والسباق عليه، مع قيام الإجماع على أنه لا يجوز للرجل الزيادة على أربع فى النكاح، وقد حكى الإجماع صاحب "فتح البارى"، والمهدى فى "البحر"، والنقل عن الظاهرية لم يصح، فإنه قد أنكر ذلك. منهم من هو أعرف ٥٣ ج - ١١ ٣١٢٦- أخبرنا أبو حنيفة قال: حدثنا قيس بن مسلم الجدلى (ثقة كما فى "التقريب" ص ٢١١) عن الحسن (تابعى جليل) بن محمد بن على بن أبي طالب فى قول الله: ﴿والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم). قال: كان يقول: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلث ورباع﴾. قال: أحل لكم أربع، أو حرمت عليكم أمهاتكم﴾ إلى آخرِ الآية، قال: "حرمت عليكم المحصنات إلا ما ملكت أيمانكم بعد الأربع". رواه الإمام محمد فى "كتاب الآثار" (٦٠). باب لا يجوز أن يتزوج العبد فوق امرأتين ٣١٢٧ - روى الشافعى عن عمر رضى الله عنه قال: ينكح العبد امرأتين. ورواه عن على وعبد الرحمن بن عوف، قال الشافعى: ولا يعرف لهم من الصحابة مخالف. وأخرجه ابن أبى شيبة عن عطاء والشعبى والحسن وغيرهم (التلخيص الحبير ٢٠٣:٢). بمذهبهم، قاله الشوكانى فى "السيل الجرار" كما فى "روضة الندية" (١٩٥) فبطل بذلك ما قاله مؤلف "الروضة": " وذهبت الظاهرية إلى أنه يحل للرجل أن يتزوج تسعا، وحكى ذلك عن ابن الصباغ والعمرانى وبعض الشيعة، وحكى عن القاسم بن إبراهيم أيضا" (١٩٦). فإن الرواية عن الظاهرية لم تصح، كما قاله الشوكانى، وكذا عن ابن الصباغ وغيره. وأما الشيعة قاتلهم الله فلا عبرة بقولهم، ولا يقدح خلافهم فى صحة الإجماع وأيضا: فإن ابن الصباغ وإبراهيم بن القاسم والعمرانى ونحوهم، من المتأخرين عن الأئمة المقتدى بهم فى الدين، لا يقدح خلافهم فى الإجماع المنعقد قبلهم، وهؤلاء الأئمة الأربعة وأصحابهم الذين دارت عليهم الفتوى فى عصرهم واتفقت الأئمة على الأخذ بأقوالهم مجمعون على تحريم الزيادة على أربع بالنكاح، ولم نعلم واحدا من الصحابة ذهب إلى جواز هذه الزيادة، فرحم الله مؤلف الروضة " أمير البوفال، حيث جره حب ديدن الأمراء والسلاطين إلى إحياء هذا القول الميت ونشره بعد طيه، وهل هذا إلا ضلال: أفرس تحت رجلك أم حمار فسوف ترى إذا انكشف الغبار باب لا يجوز أن يتزوج العبد فوق امرأتین قال المؤلف: دلالة آثار الباب عليه ظاهرة وقد نقل فى النيل بلفظ التضعيف عن أبى الدرداء رضى الله عنه جواز الأربع للعبد كالحر (٦٣:٦). فالجواب على تقدير الثبوت عنه أنه مخالف إعلاء السنن ٣١٢٨- عن الحكم بن عتيبة: "أجمع الصحابة على أن لا ينكح العبد أكثر من اثنتين". رواه ابن أبى شيبة، والبيهقى من طريقه (التلخيص الحبير ٣٠٣:٢). باب الرجل يكون عنده أربع نسوة فيطلق واحدة بائنة أنه لا يتزوج أخرى حتى تنقضى عدة التى طلق ٣١٢٩- أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا إسماعيل بن إسحاق بن حازم عن أبى الزناد عن سليمان بن يسار: "أن خالد بن عقبة كن تحته أربع نسوة، فطلق واحدة ثلاثا، فزوج الخامسة قبل أن تنقضى العدة، ففرق بينهما مروان بن الحكم وأصحاب النبى عّ لّم يومئذ متوافرون". رواه الإمام محمد فى "كتاب الحجج" (٣٣٤ و٣٣٥). ولم أعرف إسماعيل بن إسحاق، وبقيته ثقات، ورواه عبد الرزاق بسند صحيح، كما ذكرناه فى الحاشية. لإجماع أكثر الصحابة، على أن المحرم يقدم على المبيح، ولا يصح الاحتجاج بإطلاق قوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ الآية، فإن المخاطب بقوله: ﴿فانكحوا﴾ وقوله: ﴿فإن لم تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم). ليس إلا الأحرار، فإن العبد لا يملك النكاح إلا بإذن سيده، ولا تملك يمينه أحدا من المماليك ما دام عبدا، ومن تأمل سياق الآية وسياقها تبين له أن المخاطب بها وبما بعدها من كان من أهل الولاية والوصية قادرا على النكاح والإنكاح وملك اليمين ونحوها، والعبد بمعزل عن كل ذلك، فليس داخلا تحت الخطاب بها. والله تعالى أعلم. ومن أراد البسط فليراجع أحكام القرآن للرازى. باب الرجل يكون عنده أربع نسوة فيطلق واحدة بائنة أنه لا يتزوج أخرى حتى تنقضى عدة التى طلق قوله: "أخبرنا محمد بن عمر" إلخ. قال بعض الناس: "لم أقدر على تعيين رجاله، ولكنه ثابت السند للقاعدة المشهورة بين أهل الأصول من أن المجتهد إذا احتج بحدیث کان تصحيحا له، والله تعالى أعلم، ودلالته على الباب ظاهرة". قلت: محمد بن عمر هو الواقدى متكلم فيه، ولكن. الراجح توثيقه، كما مر نقلا عن "شرح المنية". وإسماعيل بن إسحاق لم أعرفه، وأبو الزناد وسليمان بن يسار من رجال الجماعة، ثقتان، وخالد بن عقبة هو ابن أبي معيط الأموى، وهو من ج - ١١ لا يجوز أن ينكح خامسة قبل انقضاء عدة واحدة من الأربع ٥٥ ٣١٣٠- أخبرنا إسماعيل بن عياش قال: حدثنى سعيد بن يوسف عن يحيى بن كثير (الصحيح عندى: يحيى بن أبي كثير، مؤلف) قال: "قضى على بن أبى طالب رضى الله عنه فى الرجل يكون تحته أربع نسوة فيطلق إحداهن، قال: لا تنكح امرأة حتى يخلو أجل التى طلق". رواه الإمام محمد فى الحجج (٣٣٥) وسنده منقطع محتج به. ٣١٣١- أخبرنا عباد بن العوام قال: أخبرنا سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن الحسن فى الرجل يكون تحته أربع نسوة فيطلق إحداهن ثلاثا، قال: "كان لا يرى بأسا مسلمة الفتح صحابى، كما فى "تعجيل المنفعة" (١١٥). قوله: "أخبرنا إسماعيل بن عياش" إلخ. قال المؤلف: أما رجال السند فإسماعيل هذا حديثه محتج به إن كان من أهل الشام كما مر غير مرة، وسعيد بن يوسف مختلف فيه، وقد ذكره ابن حبان فى "الثقات". وقال أبو حاتم "ليس بالمشهور، وحديثه ليس بالمنكر". كما يتحصل من "تهذيب التهذيب" (١٠٣:٤ و١٠٤). ويحيى هذا هو يحيى بن أبي كثير، كما يظهر من ترجمة سعيد، وهو من رجال الجماعة مختلف فيه، لم يدرك عليا رضى الله عنه. وقال أبو حاتم: "يحيى إمام لا يحدث إلا عن ثقة"، هذا محصل ترجمته فى "تهذيب التهذيب" (٢٦٨:١١ و ٢٦٩ و٢٧٠). فالسند منقطع، محتج برجاله، ودلالته على الباب ظاهرة. قوله: "أخبرنا عباد بن العوام" إلخ. قال المؤلف: دلالته على الباب من قول ابن عباس ظاهرة، ومخالفة الحسن البصرى غير مضرة، فإنه تابعى والحبر صحابي جليل. فإن قلت: فى "التقريب" فى ترجمة سعيد بن أبى عروبة: ثقة حافظ له تصانيف، لكنه كثير التدليس، واختلط، وكان من أثبت الناس فى قتادة (٩٣). فما الجواب عن اختلاطه؟ قلت: ما هو الجواب عن البخارى ومسلم فى إخراجهما حديثه بالعنعنة، فهو الجواب عن الإمام العلام، فافهم. وقال الجصاص فى "أحكام القرآن" له (٤٢٥:١): "روى ابن المبارك قال: حدثنا أشعث عن الشعبى عن مسروق قال: بلغ عمر أن امرأة من قريش تزوجها رجل من ثقيف فى عدتها، فأرسل إليهما عمر، ففرق بينهما، وعاقبهما، وقال: لا ينكحها أبدا، وجعل الصداق فى بيت المال، وفشا ذلك بين الناس، فبلغ عليا كرم الله تعالى وجهه، فقال: رحم الله أمير المؤمنين، ما بال الصداق وبيت المال؟ إنهما جهلا فينبغى للإمام أن يردهما إلى السنة. قيل: فما تقول أنت فيها؟ قال: لها الصداق بما استحل من فرجها، ويفرق بينهما، ولا جلد عليهما، وتكمل عدتها من الأول، ٥٦ لا يجوز أن ينكح خامسة قبل انقضاء عدة واحدة من الأربع إعلاء السنن بأن يتزوج خامسة ما لم تكن التى طلق حاملا، وكذلك فى الأختين". قال سعيد: وحدثنا قتادة عن ابن عباس أنه قال: "لا يتزوج خامسة حتى تنقضى عدة التى طلق ثم تكمل العدة من الآخر، ثم يكون خاطبا، فبلغ ذلك عمر فقال: يا أيها الناس! ردوا الجهالات إلى · إِلسنة. وروى ابن أبى زائدة عن أشعث مثله وقال فيه: فرجع عمر إلى قول على" اهـ والمذكور من السند صحيح، وفى "التلخيص الحبير": أما قول عمر فرواه مالك والشافعى عنه، عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار، وذكرا القصة، وفيها: ثم قال عمر: أيما امرأة نكحت فى عدتها فإن كان زوجها الذى تزوجها لم يدخل بها فرق بينهما، ثم اعتدت بقية عدتها من زوجها الأول، وكان خاطبا من الخطاب، وإن كان دخل فرق بينهما، ثم اعتدت بقية عذتها من زوجها الأول ثم اعتدت من الآخر ثم لم ينكحها أبدا. قال البيهقى: وروى الثورى عن أشعت عن الشعبى عن مسروق عن عمر أنه رجع فقال: لها مهرها ويجتمعان إن شاء اهـ (٣٢٨:٢). قال الجصاص: "واختلف فقهاء الأمصار فى ذلك أيضا، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر: يفرق بينهما، ولها مهر مثلها، فإذا انقضت عدتها من الأول تزوجها الآخر إن شاء، وهو قول الثورى والشافعى. وقال مالك والأوزاعى والليث بن سعد: لا تحل له أبدا، قال مالك والليث: ولا يملك اليمين. قال أبو بكر الجصاص: لا خلاف بين من ذكرنا قوله من الفقهاء، أن رجلا لو زنى بامرأة جاز له أن يتزوجها، والزنا أعظم من النكاح فى العدة، فإذا كان الزنا لا يحرمها عليه تحريما مؤبدا، فالوطأ بشبهة أحرى أن لا يحرمها عليه" اهـ، وفى "الجوهر النقى": أن الشافعى احتج على انقطاع الزوجية (بالطلاق البائن وحل نكاح الخامسة فى عدتها) بانقطاع أحكامها من الإيلاء والظهار واللعان وغير ذلك، وهو قول القاسم وسالم، قلت: قد اختلف عنهما، كذا ذكر صاحب "الاستذكار"، وقد بقى من أحكام النكاح الحبس، والمنع من التزويج، ولحوق النسب والكسوة والنفقة إن كانت حاملا، ثم ذكر البيهقى عن ابن المسيب فى رجل تحته أربع نسوة فطلق واحدة منهن، قال إن شاء تزوج الخامسة فى العدة. وكذلك قال فى الأختين. قلت: قد جاء عن ابن المسيب بسند صحيح على شرط الجماعة خلاف هذا، قال ابن أبى شيبة: ثنا ابن عيينة: عن عبد الكريم هو الجزرى عن سعيد بن المسيب، قال: لا يتزوج حتى تنقضى عدة التى طلق. ورواه عبد الرزاق عن ابن جريج والثورى عن الجزرى عن ابن المسيب، وعن معمر عن الجزرى عن ابن المسيب، أنه كرهها، قال: ويقولون فى الأختين مثل ذلك. وقال ابن حزم: صح ج - ١١ لا يجوز أن ينكح خامسة قبل انقضاء عدة واحدة من الأربع ٥٧ حاملا كانت أو غير حامل، وكذلك فى الأختين". رواه الإمام محمد فى "الحجج" (٣٣٥) ورجاله رجال الجماعة إلا أن السند منقطع بين قتادة وابن عباس. ذلك عن ابن عباس وابن المسيب والشعبى والنخعى وغيرهم، ثم قال البيهقى: ورويناه يعنى الجواز عن الحسن، وعطاء بن أبى رباح، قلت: قد ثبت عنهما خلاف ذلك، قال ابن أبى شيبة: ثنا عبد الأعلى هو ابن عبد الأعلى عن يونس هو ابن عبيد عن الحسن: أنه كان يكره أن يتزوج حتى تنقضى عدة التى طلق، وبه أيضا عن الحسن، كان يكره إذا كانت له امرأة، فطلقها ثلاثا أن يتزوج أختها، حتى تنقضى عدة التى طلق، وهذا السند على شرط الجماعة. (قلت: والكراهة فى عرف المتقدمين بمعنى الحرمة، كما هو ظاهر على من له نظر فى كلامهم). وله أيضا بسند صحيح عن عطاء، سئل عن رجل كان له أربع نسوة، وطلق إحداهن ثلاثا أ يتزوج خامسة؟ قال: حتى تنقضى عدة التى طلق. وروى مثل هذا عن جماعة من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم. وروى ابن أبى شيبة بسند لا بأس به عن على قال: لا يتزوج خامسة حتى تنقضى عدة التى طلق، وله أيضًا بسند صحيح منه سئل عن رجل طلق امرأة، فلم تنقض عدتها حتى تزوج أختها، ففرق على بينهما، وجعل لها الصداق بما استحل من فرجها، وقال: تكمل الأخرى عدتها وهو خاطب، وله أيضا بسند صحيح عن عمرو بن شعيب قال: طلق رجل امرأته ثم تزوج أختها فقال ابن عباس لمروان: فرق بينه وبينها حتى تنقضى عدة التى طلق. وفى "مصنف عبد الرزاق" عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، أتى مروان وهو أمير فى رجل كان عنده أربع نسوة، فطلق واحدة فبتها، ثم نكح الخامسة فى عدتها، فناداه ابن عباس، وهو جالس فى طائفة الدار، لأُفرق بينهما حتى تنقضى عدة التى طلق. وفيه عن الثورى عن أبى الزناد عن سليمان بن يسار، لا أعلمه إلا عن زيد بن ثابت قال: إذا طلق الرابعة فلا يتزوج حتى تنقضى عدة التى طلق. وكذا رواه ابن أبى شيبة، وله بسند صحيح عن عبيدة: لا يحل له أن يتزوج الخامسة حتى تنقضى عدة التى طلق، وله بأسانيد صحيحة عن مجاهد، وابن أبى نجيح، والنخعى وأبى صادق مثل ذلك. وله أيضا عن الشعبى: سئل عن رجل نكح امرأة ثم طلقها، ثم تزوج أختها فى عدتها قال: يفرق بينهما. وفى "الاستذكار": عند الثورى وأبى حنيفة وأصحابه لا يتزوج فى العدة أى عدة الرابعة. وروى ذلك عن على وزيد بن ثابت، وعبيدة، وعمر بن عبد العزيز، ومجاهد، وإبراهيم" اهـ (٨٣:٢). ٥٨ إعلاء السنن باب أن جواز نكاح المتعة منسوخ ٣١٣٢- عن: سبرة الجهنى: ((أنه كان مع رسول الله عَ ◌ّه، فقال: يا أيها الناس! إنى قد كنت أذنت لكم فى الاستمتاع من النساء وأن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شىء فليخل سبيله، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئًا)). رواه مسلم (١: ٤٥١). باب أن جواز نكاح المتعة منسوخ قوله: "عن سبرة إلخ": قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة، وفى "شرح مسلم" للنووى رحمه الله: "وانعقد الإجماع على تحريمه، ولم يخالف فيه إلا طائفة من المبتدعة" اهـ (٤٥١:١). وفى المقام تفصيل حسن، وبيان لطيف "فى شرح مسلم". الفائدة الأولى: فى سنن الترمذى عن فيروز الديلمى: قال: "أتيت النبى معَّه، فقلت يا رسول الله! إنى أسلمت وتحتى أختان، فقال رسول الله مَّه: ((اختر أيتهما شئت)). هذا حديث حسن غريب اهـ (١٤٤:١). فهذا يدل على أن الرجل يختار أيتهن شاء، وقال أبو حنيفة رحمه الله " ويختار الأقدم منهن". فالجواب عنه أن ذلك خلاف النص، فإن قوله تعالى: ﴿وأن تجمعوا بين الأختين﴾، يفيد حرمة الجمع بينهما، ولا يتأتى الجمع إلا بالثانية فكان العقد عليها محرما باطلا دون الأولى، لعدم وجود الجمع عند التزوج بها، فيحمل الحديث على أنه كان نكحهما معا، فخيره مرّ ◌ِلّه بينهما، ليختار إحداهما للتزويج بها ثانيا، والله تعالى أعلم. أو كان لا يعرف الأقدم منهما من المتأخرة، وهذا هو الجواب عما ورد فى حديث غيلان الثقفى: أنه أسلم وتحته عشرة نسوة، فأمره مُ لّه أن يختار منهن أربعا، ويفارق سائرهن، أو يحمل التخيير على التخيير بالأقدمية، دون الحسن والجمال وغيرهما، وأما ما جاء فى حديث نوفل بن معاوية، وقد أسلم وتحته خمس نسوة، قال: "فعمدت إلى أقدمهن صحبة عجوز عاقر معى منذ ستين سنة، فطلقتها" اهـ. ففيه أن ذلك كان باجتهاد من نوفل، ألا ترى أنه طلقها ولم يكن حاجة إلى التطليق، وإنما العمدة قوله مظلّه له: "أمسك أربعا، وفارق الأخرى". أخرجه الشافعى رحمه الله كما فى "التلخيص الحبير" (٣٠١:٢). وهو نص فى مفارقة المتأخرة منهن، والله تعالى أعلم. ٥٩ جوار دخاح المتعه منسوح ٣١٣٣- عن أبى هريرة مرفوعًا: ((حرم أو هدم المتعة النكاح والطلاق، والعدة، والميراث)). أخرجه الدار قطنى وقال ابن القطان فى "كتابه": "إسناده حسن" (زيلعى ٢: ٩). وفى "الدراية" "إسناده حسن"اهـ. وإن سلمنا، فنقول: كل ذلك محمول على أن ذلك كان قبل تحريم الجمع بين الخمس والأختين، فعلى هذا يكون العقد حين وقع صحيحا، ثم طرأ التحريم بعد، فيكون له الخيار إذ لا عموم فى قوله عّه، فيحمل على ما ذكرنا، والمسلم لو تزوج أختين معا، أو خمسا معا، فارقهن كلهن، ولو تزوج متعاقبا فارق المتأخرة، فكذا من أسلم، لقوله عليه الصلاة والسلام فى حديث بريدة: "فإن هم أجابوك فأعلمهم أن لهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين"، ولأن تحريم الجمع .... يستوى فيه الابتداء، والبقاء، كما لو تزوج صغيرتين، فأرضعتهما امرأة حرمتا، وإذا استوى الابتداء والبقاء، لا يخير بعد الإسلام لذوات المحارم، بل كان كالمسلم يجمع بين الأختين أو يتزوج خمسا قاله فى "الجوهر النقى" (٨٨:٢). والله تعالى أعلم. وقد تكلم صاحب "الجوهر النقى" على سائر أحاديث الباب، وحكى عن البخارى أنه لا يصح فى الباب شىء، ومن أراد البسط، فليراجعه. الفائدة الثانية: اعلم أن جواز نكاح المتعة وإن كان منسوخا لكن لا يحد فاعله، لأن الحدود تدرأ بالشبهات، وفيه شبهتان، الأولى يمكن أن الناسخ لم يبلغ ذلك الفاعل، والأخرى الاختلاف فيها فى القرن الأول والثانى، ففى "التلخيص الحبير" (٢٩٧:٢): عن ابن حزم رحمه الله: " وقد ثبت على تحليلها بعد رسول الله مرّ جماعة من السلف، منهم من الصحابة رضى الله عنهم أسماء بنت أبى بكر، وجابر بن عبد الله، وابن مسعود، وابن عباس، ومعاوية، وعمرو بن حريث، وأبو سعيد، وسلمة، ومعيد أبنا أمية بن خلف، قال: ورواه جابر عن الصحابة مدة رسول الله عَ ليه، ومدة أبى بكر، ومدة عمر، إلى قرب آخر خلافته" اهـ. وفيه عن ابن حزم أيضا (٢٩٧:٢): "وقال به من التابعين طاوس، وعطاء، وسعيد بن جبير، وسائر فقهاء مكة، قال: وقد تقصينا الآثار بذلك فى كتاب الإيصال" اهـ. وفيه أيضا (٢٩٦:٢): "أخرج البيهقى من طريق الزهرى، قال: ما مات ابن عباس حتى رجع عن هذه الفتياء، وذكره أبو عوانة فى صحيحه أيضا" اهـ. وأما ما رواه الإمام العلام مالك فى الموطأ: عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير: "أن خولة بنت حكيم دخلت على ابن ٦٠ إعلاء السنن باب إذا ثبت النكاح بحجة عند الحاكم وحکم به ولم یکن فی نفس الأمر فھو نكاح ظاهرًا وباطنًا ٣١٣٤- قال محمد رحمه الله تعالى فى "الأصل": بلغنا عن على كرم الله وجهه: "أن رجلا أقام عنده بينة على امرأة أنه تزوجها، فأنكرت، فقضى له بالمرأة، فقالت: إنه لم يتزوجنى، فأما إذا قضيت على فجدد نكاحى. فقال: لا أجدد نكاحك، الشاهدان زوجاك. (رد المحتار ٤: ٥١٦). ورواه أبو يوسف عن عمرو بن المقدام، عن أبيه عن على، وهو مرسل حسن. كما ذكرناه فى الحاشية. الخطاب، فقالت: إن ربيعة (١) بن أمية استمتع بامرأة مولدة، فحملت منه، فخرج عمر بن الخطاب فزعا يجر رداءه، فقال: هذه المتعة، ولو كنت تقدمت(٢) فيها لرجمت". اهـ والسند رجاله رجال مسلم، فهذا الأثر يثبت الحد على من فعل ذلك عالما به، فأجاب عنه الإمام محمد فى "موطئه" (٢٦١): "وقول عمر رضى الله عنه: "لو كنت تقدمت فيها لرجمت". إنما نضعه من عمر على التهديد، وهذا قول أبى حنيفة والعامة من فقهائنا" اهـ. قلت: وإنما تأول قول عمر رضى الله عنه إلى هذا الحديث مرفوع ثبت به درء الحدود بالشبهات، وسيأتى فى الحدود. باب إذا ثبت النكاح بحجة عند الحاكم وحکم به، ولم یکن فى نفس الأمر فهو نكاح ظاهرا وباطنا قوله: "قال محمد رحمه الله" إلخ، قال المؤلف: قال محمد رحمه الله بعد نقل الأصل فى الأثر كما فى رد المختار، ما نصه: "فلو لم ينعقد النكاح بينهما باطنا بالقضاء لما امتنع من تجديد العقد عند طلبها، ورغبة الزوج فيها، وقد كان فى ذلك تحصينها من الزنا وصيانة مائه" (٥١٧:٤) اهـ. وفى "التعليق الممجد": ذكروا (أى فقهاء الحنفية) أن بلاغات محمد مسندة، فإن قيل: (١) أسلم يوم الفتح، وشهد حجة الوداع، ثم أن عمر غربه فى الخمر إلى خيير، فلحق بهرقل، فتنصر، فقال: لا أغرب بعده أبدا كما ذكره ابن حجر فى الإصابة كذا فى "التعليق الممجد" (٢٦١) مؤلف. (٢) قوله: "تقدمت ورجمت" بصيغة المتكلم المعلوم فى كليهما، يعنى لو أعلمت الناس قبل ذلك أن المتعة لا تحل، لرجمت من فعل ذلك بعد تقدمى، كذا فسره الشافعى فى الأم، وضبطه بعضهم: لو كنت تقدمت على الخطاب، وكذا قوله لرجمت بزنة المخاطب المجهول، والمعنى أنك سومحت بالعقوبة لجهلك بالنسخ والحدود تندرئ بالشبهة، كذا فى "حاشية الموطأ عن المحلى" (مؤلف).