النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٦١
ج - ١٠
العمرة تطوع أى سنة وليست بفريضة
وليس كذلك. واعترضه الشيخ (ابن دقيق العيد) فى "الإمام" بأن عبد الباقى بن قانع
من كبار الحفاظ، وأكثر عنه الدارقطنى، وبقية الإسناد ثقات. وقوله فى أبى صالح
ماهان الحنفی: إنه ضعيف. ليس بصحيح، فقد وثقه ابن معين، وروى عنه جماعة
مشاهير اهـ زيلعى (٥٤٣:١). قلت: فالحديث حسن صحيح.
٣٠٠٩- عن القاسم أبى عبد الرحمن عن أبى أمامة عن النبى معَّه قال: ((من
مشى إلى صلاة مكتوبة فأجره كحجة، ومن مشى إلى صلاة تطوع فأجره كعمرة
تامة)). رواه يحيى بن الحارث. وأعله ابن حزم بضعف القاسم، ورواه أيضا عن حفص
ابن غيلان عن مكحول عن أبى أمامة. قال ابن حزم: حفص بن غيلان مجهول،
ومكحول لم يسمع من أبى أمامة. قال الشيخ فى "الإمام": قوله: حفص بن غيلان
مجهول، عجيب منه، فإنه أبو معيد شامى مشهور. "زيلعى" (٥٤٥:١).
قلت: أما القاسم صاحب أبى أمامة فصدوق حسن الحديث، احتج به أصحاب
السنن وهو من ثقات المسلمين، وإنما يجبئ المناكير فى حديثه إذا روى عنه الضعفاء،
كما يظهر من مراجعة أقوال المعدلين. تهذيب (٣٢٣:٨ و ٣٢٤). وأما حفص بن غيلان
فمن رجال النسائى وابن ماجة، وثقه ابن معينٍ، ودحيم، ومحمد بن المبارك الصورى،
وأبو زرعة، وأبو حاتم، وابن عدى، وابن حبان، والحاكم. وتكلم فيه آخرون.
"تهذيب" (٤١٨:٢) وابن حزم مفرط فى تجهيل المعروفين. وسماع مكحول عن أبى
أمامة مختلف فيه، وغايته الإرسال، والمرسل إذا تأيد بموصول تقوى، فالحديث حسن
صالح للاحتجاج به. وأخرجه الطبرانى وسكت عنه الحافظ فى "التلخيص" (٢٠٤:١)،
ولا يسكت فيه إلا عن صالح عنده، كما ذكرناه فى المقدمة.
٣٠١٠- حدثنا ابن إدريس وأبو أسامة عن سعيد عن أبى معشر عن إبراهيم قال:
قال عبد الله بن مسعود: الحج فريضة، والعمرة تطوع. أخرجه ابن أبى شيبة.
"زيلعى" (٥٤٤:١). وأبو معشر من قدماء أصحاب إبراهیم، اسمه زياد بن کلیب،
ثقة من رجال مسلم. قال ابن حبان: كان من الثقات المتقنين "تهذيب (٣٨٢:٣).
وقد تقدم غير مرة أن مراسيل إبراهيم صحاح لا سيما عن ابن مسعود.
مسعود صريح فى ما ذهبنا إليه، وكفى به قدوة.

ج - ١٠
٤٦٢
ج
أبواب الحج عن الغير
باب إذا حج عن غيره من لم يحج لنفسه صح حجه عن الغیر ویکره
٣٠١١- عن عبد الله بن الزبير قال: جاء رجل من خثعم إلى رسول الله عَّ له
فقال: إن أبى أدركه الإسلام، وهو شيخ كبير لا يستطيع ركوب الرحل والحج مكتوب
عليه، أفأحج عنه؟ قال: ((أنت أكبر ولده؟)) قال: نعم، قال: ((أرأيت لو كان على أبيك
دین فقضيته عنه، أ كان يجزئ ذلك عنه؟)) قال: نعم، قال: ((فاحجج عنه)). رواه أحمد
والنسائى بمعناه، وقال الحافظ: إن إسناده صالح. "نيل" (١٦٦:٤).
٣٠١٢- عن ابن عباس أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبى عّ لّ فقالت: إن أمى
باب إذا حج عن غیرہ من لم یحج لنفسه صح حجه عن الغیر ویکرہ
قوله: "عن عبد الله بن الزبير وعن ابن عباس" إلخ. قال ابن تيمية فى حديث ابن عباس:
وهو يدل على صحة الحج حتى عن الميت من الوارث وغيره حيث لم يستفصله لوارث هو أم لا؟
وشبهه بالدین اهـ.
قلت: وأما سؤاله مَّ ◌ُّه عن رجل من خثعم ((أنت أكبر ولده؟)) فمحمول على أن الأفضل
أن يتولى الحج عن الأب العاجز أكبر أولاده، فافهم.
قال الشوكانى فى "النيل": واستدل بأحاديث الباب على أنه يصح ممن لم يحج أن يحج
نيابة عن غيره، لعدم استفصاله عّ لّ لمن سأله عن ذلك، وترك استفصال فى مقام الاحتمال ينزل
منزلة العموم فى المقال، وبه قال الكوفيون. وخالفهم الجمهور فخصوه بمن حج عن نفسه،
واستدلوا بحديث ابن عباس الآتى اهـ (١٦٨:٤). قلت: وأيضا يدل على ذلك تشبيهه عدّ له قضاء
الحج عن أبيه وأمه بقضاء الدين، وقد اتفق الجميع على جواز قضاء الولد دينهما وهو مديون،
ألا ترى أن الرجل لو قضى دين أبيه وهو لم يقض دين نفسه صح قضاءه لدين أبيه، فكذا إقضاء
الحج عنه. قال الطحاوى بعد الكلام على حديث ابن عباس الذى أشار إليه الشو کانی وسيأتى
بيانه ما نصه: ولما لم نجد فى هذه الآثار ما يدلنا على الواجب فى هذا الباب طلبناه فى غيرها،
فوجدنا رسول الله عَ ليه لما سأله من سأله عن الحج عن غيره فأطلق ذلك له، ولم يسأله أحججت
عن نفسك حجة الإسلام أم لا؟ فدل ذلك أنه قد أطلق له أن يحج عن غيره وإن لم يحج عن نفسه

٤٦٣
الحج عن الغير
إعلاء السنن
نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟ قال: ((نعم، حجى عنها. أرأيت لو
قبل ذلك حجة الإسلام (٢٢٧:٣).
قلت: وحديث ابن عباس الذى احتج به الجمهور رواه أبو داود وابن ماجة من حديث عبدة
ابن سليمان عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن عزرة بن ثابت عن سعيد بن جبير عنه بلفظ: إن
النبى معَّ سمع رجلا يقول: لبيك عن شبرمة، فقال النبى معَ له: ((من شبرمة))؟ قال: أخ لى أو
قريب لى. قال: ((أحججت عن نفسك؟)) قال: لا. قال: ((حج عن نفسك ثم عن شبرمة)). والدار
قطنى، وابن حبان، والبيهقى من هذا الوجه بلفظ: ((هذه عنك، ثم حج عن شبرمة)). قال البيهقى:
إسناده صحیح ولیس فی الباب أصح منه، وروی موقوفا رواه غندر عن سعيد كذلك، وعبدة نفسه
محتج به، وقد تابعه على رفعه محمد بن بشر ومحمد بن عبد الله الأنصارى. وقال ابن معين: أثبت
الناس فى سعيد عبدة. وكذا رجح عبد الحق وابن القطان رفعه. وأما الطحاوى فقال: الصحيح أنه
موقوف. وقال أحمد بن حنبل: رفعه خطأ. وقال ابن المنذر: لا يثبت رفعه. ورواه سعيد بن منصور
عن سفيان بن عيينة عن ابن جريج عن عطاء عن النبى عُ له مرسلا. وهو كما قال، وخالفه ابن أبى
ليلى، ورواه عن عطاء عن عائشة، وخالفه الحسن بن ذكوان، فرواه عن عمرو بن دينار عن ابن
عباس، وقال الدار قطنى: إنه أصح.
قلت: وهو كما قال، لكنه يقوى المرفوع لأنه عن غير رجاله. وقد رواه الإسماعيلى فى
"معجمه" من طريق أخرى عن أبى الزبير عن جابر، وفى إسنادها من يحتاج إلى النظر فى حاله،
فيجتمع من هذا صحة الحديث. وتوقف بعضهم عن تصحيحه بأن قتادة لم يصرح بسماعه من
عزرة، فينظر فى ذلك (لكون قتادة مدلسا فلا تقبل عنعنته ولا تكون محمولة على السماع بمجرد
إمكان اللقاء). وقال ابن عبد البر: روى عن قتادة عن سعيد بإسقاط عزرة، وأعله ابن الجوزى بعزرة
فقال: قال يحيى بن معين: عزرة لا شىء ووهم فى ذلك، إنما قال ذلك فى عزرة بن قيس، وأما هذا
فهو ابن عبد الرحمن ویقال فیه: ابن یحیی، وثقه یحیی بن معین و علی بن المدینی وغيرهما، وروی
له مسلم. وقال الشافعى: نا سفيان عن أيوب عن أبى قلابة قال: سمع ابن عباس رجلا يلبى عن
شبرمة الحديث. قال ابن المفلس: أبو قلابة لم يسمع عن عباس، قلت: واستبعد صاحب "الإمام"
تعدد القصة بأن تكون وقعت فى زمن النبی مګ وفى زمن ابن عباس على مساقة واحدة، كذا فى
"التلخيص الحبير" (٢٦٣:١). ومراد صاحب "الإمام" أن هذا ليس مما يرجح فيه الوصل على
الإرسال، لكونه زيادة ثقة لا ينافى أصل الحديث، بل هذه زيادة منافية موجبة للتعارض، فيكون

٤٦٤
الحج عن الغير
ج - ١٠
كان على أمك دين أ كنت قاضية؟ اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء)). رواه البخارى
الترجيح لما أجمع عليه الجماعة من الثقات، أو لما رواه من هو أوثق من غيره، وخلافه يكون شاذا
معللا، فافهم.
قال المحقق فى "الفتح": وليس هذا مثل ما ذكرناه غير مرة فى تعارض الرفع والوقف من
تقديم الرفع؛ فإن ذلك فى حكم مجرد عن قصة واقعة فى الوجود رواه واحد عن الصحابى يرفعه
وآخر عن نفسه فقط، فإن هذا يتقدم فيه الرفع؛ لأن الموقوف حاصله أن الصحابى ذكره ابتداء على
وجه الإفتاء، أو جوابالسؤال، ولا ينافى هذا كون ما ذكره مأثورا عنده عن النبى معَّه، وأما فى
مثل هذه وهى حكاية قصة أن النبى معَّه سمع من يلبى عن شبرمة فقال له ما قال، أو أن ابن عباس
سمعه فقال له ذلك، فهو حقيقة التعارض فى شىء وقع فى الوجود أنه وقع فى ذلك الزمن أو فى
زمن آخر بحضرة النبی مێ، وتجویز أن یکون وقع فى زمن ابن عباس سماعه رجلا آخر یلبی عن
شبرمة فقال له: من شبرمة؟ فقال: أخ أو قريب له، بمثل ما وقع للنبى عّ لّ، فهو وإن لم يمتنع عقلا
لكنه بعيد جدا فى العادة، فلا يندفع به حكم التعارض الثابت ظاهرا، فيتهاتران، أو يرجح وقوعه
فى زمن ابن عباس (لوجوب الاحتياط فى نسبة قول إلى النبى مِّ له، وأما النسبة إلى الراوى فلا بد
منها لكونها مشتركة بين الروايتين، إما رواية وإما رأيا، فيحمل على أنه من قول ابن عباس رضى
الله عنهما رأيا منه). لأن ابن المفلس ذكر فى كتابه أن بعض العلماء ضعف هذا الحديث بأن سعيد
بن أبى عروبة كان يحدث بالبصرة فيجعل هذا الكلام من قول ابن عباس رضى الله عنهما ثم كان
بالكوفة يسنده إلى النبى عّ لّه، وهذا يفيد اشتباه الحال على سعيد (١)، وقد عنعنه قتادة ونسب إليه،
فلا تقبل عنعنته، ولو سلم فحاصله أمر بأن يبدأ بالحج عن نفسه، وهو يحتمل الندب فيحمل عليه
بدليل، وهو إطلاقه عرّه قوله للخثعمية: ((حجى عن أبيك)) من غير استخبارها عن حجها لنفسها
قبل ذلك، وترك الاستفصال فى وقائع الأحوال ينزل منزلة عموم الخطاب، فيفيد جوازه عن الغير
مطلقا، وحديث شبرمة استحباب تقديم حجة لنفسه، وبذلك يحصل الجمع. والذى يقتضيه النظر
أن حج الضرورة عن غيره إن كان بعد تحقق الوجوب عليه بملك الزاد والراحلة والصحة فهو
مكروه كراهة تحريم؛ لأنه يتضيق عليه والحالة هذه فى أول سنى الإمكان فيأثم بتركه، وكذا لو
تنفل لنفسه، ومع ذلك يصح، لأن النهى ليس لعين الحج المفعول بل لغيره، وهو خشية أن لا يدرك
(١) وكان قد اختلط فى آخر عمره اختلاطا قبيحا، كما ذكره الحافظ فى "التهذيب" مفصلا.

٤٦٥
الحج عن الغير
إعلاء السنن
والنسائى بمعناه. وفى رواية لأحمد والبخارى: ((جاء رجل فقال: إن أختى نذرت
بالحج)). "نيل الأوطار" (١٦٦:٤).
الفرض، إذ الموت فى سنة غير نادر، فعلى هذا يحمل قوله عليه السلام: ((حج لنفسك ثم عن
شبرمة)) على الوجوب، ومع ذلك لا ينفى الصحة ويحمل ترك الاستفصال فى حديث الخثعمية
على علمه بأنها حجت عن نفسها أولا. وإن لم يرو لنا طريق علمه بذلك جمعا بين الأدلة كلها،
والله سبحانه أعلم. اهـ ملخصاً (٧٨:٣، ٧٩).
وفى "الجوهر النقى". ذكر الطحاوى فى "المشكل" حديث: ((حج عن نفسك ثم عن
شبرمة)). ثم قال ما ملخصه: تعلق به قوم فقالوا: تكون الحجة عن نفسه (لا عن غيره) ثم قاسوا
على ذلك من لم يحج فتطوع أنه يكون عن حجة الإسلام، وخالفوا ذلك فيمن صام رمضان
تطوعا فلم يجوزوه عن رمضان ولا التطوع، فإن كان هذا الحديث ثابتا فقياس صوم التطوع عليه
وجعله عن رمضان أولى؛ لأن الوقت لصوم رمضان لا غير، ووقت الحج وقت الفرض والنفل
والصحيح فى الحديث أنه موقوف. ودليل من قال من أهل المدينة والكوفة: إن الحج يكون تطوعا
لا عن حجة الإسلام قوله معَّ له: ((أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته. فإن أكملها كتبت
كاملة، وإن لم يكن أكملها قال الله تعالى لملائكته: ((انظروا هل تجدون لعبدى من تطوع فأكدوا به
ما ضيع من فريضته)) والزكاة مثل ذلك، ثم تؤخذ الأعمال على حساب ذلك. (أخرجه فى
"مشكل الآثار" عن محمد بن على بن داود عن عاصم بن على بن عاصم: ثنا همام بن يحيى عن
قتادة عن الحسن عن حریث بن قبيصة عن أبى هريرة وبسند آخر: حدثنا أحمد بن شعیب حدثنا
إسحاق بن إبراهيم وابن راهويه ثنا النضر بن شميل ثنا حماد بن سلمة عن الأزرق بن قيس عن .
يحيى بن يعمر عن أبى هريرة (٢٢٨:٣). والسند الأول حسن والثانى صحيح كما هو ظاهر)،
فدل أنه قد يكون منه حج التطوع ولم يحج الفرض قبل ذلك، أو يحج عن غيره الفرض قبل نفسه،
وكما جاز له إذا دخل وقت الصلاة أن يتطوع ثم يفترض كذلك إذا دخل وقت الحج له أن يتطوع
عن نفسه أو يفترض عن غيره أهـ (٣٣٥:١).
والحق أن حديث ابن عباس: ((حج عن نفسك ثم عن شبرمة)) لا يدل على بطلان الحج عن
الغير قبل الحج عن نفسه، وغاية ما فيه وجوب تقديم الحج عن نفسه على الحج عن غيره. وقوله:
((هذه عنك ثم حج عن شبرمة))، معناه اجعل هذه عنك، لا أنه ينقلب إلى الحج عن نفسه من دون

ج - ١٠
٤٦٦
باب حج الصبى
٣٠١٣ - عن ابن عباس: أن النبى عّ لّه لقى ركبا بالروحاء فقال: ((من
القوم؟)) قالوا: المسلون، من أنت؟ فقال: ((رسول الله عَّه)). فرفعت إليه امرأة صبيا
قصد منه وإرادة، بدليل قوله: ((حج عن نفسك أو لا)). فافهم.
واحتج الجمهور أيضا بحديث: ((لا ضرورة فى الإسلام)) أخرجه أبو داود وابن ماجة وأحمد
والحاكم وصححه كما فى العزيزى (٤٣٨:٣). ولا حجة فيه، فقد قال الخطابى: له تفسیران:
أحدهما أنه الرجل الذى انقطع عن النكاح وتبتل على مذهب رهبان النصارى، والآخر أنه الذى
لم يحج، فمعناه على هذه أن سنة الدين أن لا يبقى أحد من الناس يستطيع الحج فلا يحج حتى
لا يكون ضرورة فى الإسلام. وقيل أراد أن من قتل فى الحرم قتل، ولا يقبل منه قوله: إنى ضرورة
ما حججت ولا عرفت حرمة الحرم كما كانت تفعل الجاهلية كذا فى العزيزى والحفى على الجامع
الصغير للسيوطي (٤٣٧:٣).
وقد بسط الكلام فى معنى هذا الحديث الحافظ الجهبذ الطحاوى فى "مشكل الآثار"
فليراجع (٣: ١١١). فيجوز عندنا حج الضرورة وهو الذى لم يحج عن نفسه، إلا أن الأفضل كما
فى "البدائع" أن يكون قد حج عن نفسه للخروج عن الخلاف الذى هو مستحب بالإجماع ولأنه
بالحج عن غيره يكون تاركا لإسقاط الفرض عن نفسه. فيتمكن فى هذا الإحجاج ضرب كراهة
(إذا كان الضرورة قد وجب عليه الحج). فالحق ما قاله ابن الهمام. إن مقتضى النظر أن حج
الضرورة عن غيره بعد تحقق الوجوب عليه مكروه كراهة تحريم اهـ ملخصا من "شرح اللباب
للقارى (٢٥٦). أى وقيل تحقق الوجوب عليه مكروه كراهة تنزيه. هذا ما فهمته من كلام
علماءنا فى الباب. والله تعالى أعلم بالحق والصواب.
باب حج الصبى
قوله: "عن ابن عباس" إلخ. قال النووى: فيه حجة للشافعى ومالك وأحمد وجماهير
العلماء أن حج الصبى منعقد صحيح يثاب عليه وإن كان لا يجزيه عن حجة الإسلام بل يقع
تطوعا، وهذا الحديث صريح فيه. وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: لا يصح حجه، قال أصحابه:
وإنما فعلوه تمرينا له ليعتاده فيفعله إذا بلغ، وهذا الحديث يرد عليهم. قال القاضى: لا خلاف بين
العلماء فى جواز الحج بالصبيان، وإنما منعه طائفة من أهل البدع، ولا يلتفت إلى قولهم، بل هو

٤٦٧
حج الصبى
إعلاء السنن
فقالت: ألهذا حج؟ قال: ((نعم ولك أجر)). رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائى.
"نيل الأوطار" (١٦٤:٤).
مردود بفعل النبى مَّةٍ وأصحابه، وإجماع الأمة، وإنما خلاف أبى حنيفة فى أنه هل ينعقد حجه
ويجرى عليه أحكام الحج ويجب فيه الفدية، ودم الجبران وسائر أحكام البالغ؟ فأبو حنيفة يمنع
ذلك كله ويقول: إنما يجب ذلك تمرينا على التعليم، والجمهور يقولون: يجرى عليه أحكام
الحج فى ذلك ويقولون: حجه منعقد يقع نفلا؛ لأن النبى مظلة جعل له حجا. قال القاضى:
وأجمعوا على أنه لا يجزئه إذا بلغ عن فريضة الإسلام إلا فرقة شذت فقالت: يجزئه، ولم تلتفت
العلماء إلى قولها اهـ (٤٣٢:١).
قلت: لم يصب النووى ولا القاضى فى نسبة عدم الصحة وعدم الانعقاد إلى أبى
حنيفة رحمه الله، وإنما خلافه فى إيجاب الجناية على الصبى فحسب، فقد صرح فى "اللباب" بأنه
ينعقد إحرام الصبى المميز للنفل لا للفرض، ويصح أداءه بنفسه، ولا يصح من غيره فى الأداء
ولا الإحرام، بل یصحان من ولیه له، فیحرم عنه من کان أقرب إلیه، وینبغی لولیه أن یجنبه من
محظورات الإحرام، وإن ارتكب شيئا من المحظورات لا شىء عليه ولا على وليه. وكل ما قدر
عليه الصبى بنفسه لا تجوز فيه النيابة عنه، بل يفعل هو بنفسه وإلا جاز فيه النيابة عنه إلا ركعتى
الطواف، ولو أفسد نسكه أو ترك شيئا منه لا جزاء علیه ولا قضاء، ولو بلغ فى إحرامه أى فى
أثنائه- فإن جدده للفرض قبل الوقوف سقط عنه الفرض وإلا فهو نفل اهـ ملخصا (٤٨).
وقال القارى فى شرحه عن اختلاف المسائل: واختلفوا فى حج الصبى، قال أبو حنيفة:
لا يصح منه، قال يحيى بن محمد: معنى قول أبى حنيفة على ما قاله أصحابه أنه لا يصح صحة
يتعلق بها وجوب الكفارات إذا فعل شيئا من المحظورات. لا أنه يخرجه من ثواب الحج.
وفى "الغاية": إن اعتكاف الصبى وصومه وحجه صحيح شرعى بلا خلاف، وأجره له
دون أبويه اهـ. أى لهما أجر التعليم والإرشاد إذا فعلا ذلك. وانعقدت الأئمة الأربعة (أى أجمعت)
على أن الصبى يثاب على طاعاته، وتكتب له حسنات، سواء كان مميزا أو غير مميز، لكن اختلف
أصحابنا هل تكون حسناتهِ له دون أبويه، أو يكون الأجر لوالديه من غير أن ينقص من أجر الولد
شىء؟ ثم رجح القول الثانى بدليل الأثر، فليراجع (٤٩). وفيه أيضا، وفى "الهداية" ما يدل على
انعقاده نفلا اهـ.

ج - ١٠
حج الصبى
٤٦٨
٣٠١٤- عن السائب بن يزيد، قال: حج بى مع رسول الله عَ طّه فى حجة الوداع
وأنا ابن سبع سنين. رواه أحمد والبخارى والترمذى وصححه. نيل الأوطار (٤: ١٧٤).
٣٠١٥- عن جابر قال: حججنا مع رسول الله عَ لّ معنا النساء والصبيان، فلبينا
عن الصبيان ورمينا عنهم. رواه أحمد، وابن ماجة، وابن أبى شيبة وفى إسناده أشعث
ابن سوار وهو ضعيف "نيل" (١٧٤:٤).
٣٠١٦- عن ابن عباس مرفوعا قال: ((أيما صبى حج ثم بلغ فعليه حجة الإسلام،
قوله: عن السائب بن يزيد إلخ. حج بى. كذا للأكثر بضم أوله على البناء للمجهول، وقال
ابن سعد الواقدی عن حاتم: "حجت بی امی"، وللفاکھی من وجه آخر عن محمد بن یوسف عن
السائب: "حج بى أبى". ويجمع بينهما بأنه كان مع أبويه، قاله الحافظ في "الفتح" (٤: ٦١).
قوله: "عن جابر" إلخ. قلت: أشعث بن سوار أخرج له مسلم فى المتابعات، ووثقه ابن معين
فى رواية ابن الدورقى عنه. وروى عنه شعبة، والثورى، وهشيم، وحفصٍ ابن غياث، وأبو خالد
الأحمر، وابن نمير، ومعمر، وعلى بن مسهر، ويزيد بن هارون، وغيرهم من أجلة الثقات. وهو ممن
يعتبر به. وقال عثمان بن أبى شبة: صدوق، قيل: حجة؟ قال: لا. وقال البزار: لا نعلم أحدا ترك
حديثه إلا من هو قليل المعرفة. اهـ ملخصا من "التهذيب" (٣٥٣:١ و ٣٥٤). ومثله حسن
الحديث عندنا، كما مر غير مرة. والحديث رواه الترمذى من هذا الوجه بلفظ آخر: قال: كنا إذا
حججنا مع رسول الله مَِّ فكنا نلبى عن النساء ونرمى عن الصبيان. قال ابن القطان: ولفظ ابن
شيبة (المذكور فى المتن) أشبه بالصواب؛ فإن المرأة لا يلبى عنها غيرها، أجمع على ذلك أهل العلم.
كذا فى "النيل" (٤-١٧٤) قال ابن المنذر: كل من حفظت عنه العلم من أهل العلم يرى الرمى
عن الصبى الذى لا يقدر على الرمى، وكان ابن عمر يفعل ذلك. وبه قال عطاء، والزهرى،
ومالك، والشافعى، وإسحاق وعن ابن عمر: أنه كان يحج صبيانه وهم صغار، فمن استطاع منهم
أن يرمى رمى، ومن لم يستطع رمى عنه. وعن أبى إسحاق: أن أبا بكر طاف بابن الزبير فى خرقة.
رواهما الأثرم. وقد روى عن عائشة: أنها كانت تجرد الصبيان (عن المحيط) إذا دنوا من الحرم قال
عطاء: يفعل بالصغير كما يفعل الكبير، ويشهد به المناسك كلها إلا أنه لا يصلى عنه كذا فى
"المغنى" لابن قدامة (٢٠٤:٣).
قوله: "عن ابن عباس" إلخ، قال ابن بطال: أجمع أئمة الفتوى على سقوط الفرض عن

٤٦٩
حج الصبى
إعلاء السنن
وأيما عبد حج ثم عتق فعليه حجة الإسلام)). أخرجه ابن خزيمة، والإسماعيلى، والحاكم،
والبيهقى، وابن حزم وصححه من حديث محمد بن المنهال عن يزيد بن زريع عن
شعبة عن الأعمش عن أبى ظبيان عنه. قال ابن خزيمة: الصحيح موقوف. قال البيهقى:
تفرد برفعه محمد بن المنهال. قال الحافظ فى "التلخيص": لكن تابعه الحارث بن سريج
عن يزيد بن زريع عند الإسماعيلى والخطيب، ويؤيد صحة رفعه ما رواه ابن أبى شيبة:
نا أبو معاوية عن الأعمش عن أبى ظبيان عن ابن عباس قال: احفظوا عنى ولا تقولوا:
قال ابن عباس: فذكره. وهذا ظاهره أنه أراد أنه مرفوع، فلذا نهاهم عن نسبته إليه.
"التلخيص الحبير" (٢٠٢:١).
الصبى حتى يبلغ، إلا أنه إذا حج كان له تطوعا عند الجمهور، وقال أبو حنيفة: لا يصح إحرامه (فيه
ما فيه فتذكر) ولا يلزمه شىء من محظورات الإحرام، وشذ بعضهم فقال: إذا حج الصبى أجزأه
ذلك عن حجة الإسلام؛ لظاهر قوله معَّه: "نعم" فى جواب قوله: ألهذا حج؟ وقال الطحاوى
لا حجة فى قوله مێ نعم، على أنه يجزئه عن حجة الإسلام، بل فيه حجة على من زعم أنه لا حج
له. قال: لأن ابن عباس راوى الحديث قال: أيما غلام حج به أهله ثم بلغ فعليه حجة أخرى، ثم
ساقه بإسناد صحيح كذا فى النيل (٤: ١٧٤). وفيه أيضا: فيؤخذ من مجموع هذه الأحاديث أنه
يصح حج الصبى ولا يجزئه عن حجة الإسلام إذا بلغ، وهذا هو الحق، فيتعين المصير إليه جمعا بين
الأدلة اهـ.
قلت: وهو مذهب الحنفية كما تقدم عن "اللباب" وشرحه: والله تعالى أعلم بالصواب. قال
الطحاوى فى "معانى الآثار" له: إن هذا الحديث إنما فيه أن رسول الله عَّ له. قال: ((إن للصبى
حجا))، وهذا مما قد أجمع الناس جميعا عليه. ولم يختلفوا أن للصبى حجا كما أن له صلاة
وليست تلك الصلاة بفريضة عليه، فكذلك أيضا قد يجوز أن يكون له حج وليس ذلك الحج
بفريضة عليه. ويدل على أن ذلك الحج لا يجزيه عن حجة الإسلام قوله عدّ له: ((رفع القلم عن ثلاثة
عن الصغير حتى يكبر))، قد ذكرت ذلك بأسانيده فى غير هذا الموضع، فإن عليه أن يستأنف الحج
بعد بلوغه. وهو قول أبى حنيفة وأبى يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى اهـ ملخصا (٤٣٦:١).
وفيه ما يدل على أن حج الصغير منعقد تطوعا عند أئمتنا جميعا، فمن حكى عنهم خلاف ذلك
لا يلتفت إليه أصلا، فافهم.

٤٧٠
ج - ١٠
أبواب الهدى
باب أن الهدى من الإبل، أو البقر، أو الغنم، أو شرك من دم
٣٠١٧ - عن أبى جمرة قال: سألت ابن عباس رضى الله عنهما عن المتعة فأمرنى
بها، وسألته عن الهدى فقال: فيها جزور أو بقرة أو شاة أو شرك فى دم. الحديث رواه
البخارى "فتح البارى" (٤٢٦:٢).
٣٠١٨- عن ابن عباس: أن النبى ◌َّ لّ أتاه رجل فقال: إن على بدنة وأنا موسر
ولا أجدها فأشتريها؟ فأمره رسول الله مع ◌ٍ أن يبتاع سبع شياه فيذبحهن. رواه أحمد،
وابن ماجة. قال الشوكانى: ورجاله رجال الصحيح لكن عطاء (الخراسانى) لم يسمع
من ابن عباس. "نيل الأوطار" (٣٣٠:٤). قلت: وهو مختلف فيه فالحدیث حسن، وقد
تقدم حديث جابر المتفق عليه بلفظ: أمرنا رسول الله مدّ ه أن نشترك فى الإبل والبقر
کل سبعة منا فى بدنة.
فائدة:
وقد دل حديث ابن عباس الذى ختمنا به الباب على جواز حج العبد وانعقاده نفلا، وأن
ذلك لا يغنى عن حجة الإسلام، بل يجب عليه أن يحج حجة الإسلام بعد عتقه، وهو المذهب.
قال فى "اللباب" وشرحه: ينعقد إجماعا إحرام المملوك بإذن سيده بغير إذنه للنفل لا للفرض فى
الصورتين، وللمولى أن يحلله إن أحرم بلا إذن، وكره بعد إذنه. وإن ارتكب محظورا فى إحرامه
لزمه جزاءه، فإن كان صوما ففى الحال وإلا فبعد العتق ولو عتق فى الإحرام لا يمكن فسخه؛ لأن
إحرامه ملزم له فيجب عليه إتمامه، بخلاف الصبى إذا بلغ. ولا يسقط بهذا الحج الفرض لو فرض
عليه بعد عتقه اه ملخصا (٥١).
باب أن الهدى من الإبل والبقر والغنم أو شرك من دم
قوله: عن أبى جمرة" إلخ، دلالته على أجزاء الباب كلها ظاهرة. وبجواز الاشتراك فى الإبل
والبقر قال أبو حنيفة والشافعى والجمهور، سواء كان الهدى تطوعا أو واجبا، وسواء كانوا كلهم
متقربين، أو كان بعضهم يريد التقرب وبعضهم يريد اللحم، وعند أبى حنيفة يشترط فى الاشتراك
أن يكونوا كلهم متقربين بالهدى (لأن الهدى اسم لما يهدى إلى البيت تقربا إلى الله تعالى، فإذا لم

٤٧١
باب الهدی
إعلاء السنن
٣٠١٩- عن حذيفة قال: شرك رسول الله عّ لّه فى حجته بين المسلمين فى البقرة
عن سبعة. رواه أحمد. وقد أورده الحافظ فى "التلخيص" وسكت عنه، وقال فى
مجمع الزوائد": رجاله ثقات "نيل" (٣٣٠:٤).
يرد المشتركون كلهم التقرب خرج عن كونه هديا). وعن زفر مثله بزيادة أن تكون
أسبابهم واحدة، وعن داود وبعض المالكية يجوز فى هدى التطوع دون الواجب، وعن مالك
لا يجوز مطلقا.
واحتج له إسماعيل القاضى بأن حديث جابر إنما كان بالحديبية حيث كانوا محصرين، وأما
حديث ابن عباس فخالف أبا جمرة عنه ثقات أصحابه، فرووا عنه: ما استيسر من الهدى شاة.
انتهى. وليس بين ما رواه أبو جمرة وبين رواية غيره منافاة؛ لأنه زاد ذكر الاشتراك ووافقهم على
ذكر الشاة. وأما رواية محمد بن سيرين عنه قال: ما كنت أرى أن دما واحدا يقضى عن أكثر من
واحد. فمنقطعة، ومع ذلك لو كانت متصلة احتمل أن یکون ابن عباس أخبر أنه کان لا يرى ذلك
من جهة الاجتهاد، حتى صح عنده النقل بصحة الاشتراك، وبهذا تجتمع الأخبار، وهو أولى من
الطعن فى رواية من أجمع العلماء على توثيقه والاحتجاج بروايته، وهو أبو جمرة الضبعى.
وقد روى عن ابن عمر: أنه كان لا يرى التشريك ثم رجع عنه. أخرج أحمد بطريق مجالد عن
الشعبى قال: سألت ابن عمر قلت: الجزور والبقرة تجزئ عن سبعة؟ قال: يا شعبى! ولها سبعة
أنفس؟ قال: قلت: فإن أصحاب محمد يزعمون أن رسول الله عَّ له سن الجزور عن سبعة والبقرة
عن سبعة. قال: فقال ابن لرجل: أ كذلك يا فلان؟ قال نعم، قال: ما شعرت بهذا.
وأما تأويل إسماعيل القاضى لحديث جابر بأنه كان بالحديبية، فلا يدفع الاحتجاج بالحديث،
بل روى مسلم من طريق أخرى عن جابر فى أثناء حديث قال: فأمرنا رسول الله مَ ◌ٍّ إذا أحللنا أن
نهدى ونجمع النفر منا فى الهدية. (وكان ذلك فى حجته لمّ). وهذا يدل على صحة أصل.
الاشتراك (وقد روى حذيفة أنه عّ لّل شرك فى حجته بين المسلمين فى البقرة عن سبعة، رجاله ثقات
كما فى المتن).
واتفق من قال بالاشتراك على أنه لا يكون فى أكثر من سبعة، إلا إحدى الروايتين عن سعيد
ابن المسيب فقال: تجزئ عن عشرة، وبه قال إسحاق بن راهويه، وابن خزيمة من الشافعية، واحتج
لذلك فى صحيحه وقواه. واحتج له ابن خزيمة بحديث رافع بن خديج: أنه ێۍ قسم فعدل عشرا

٤٧٢
ج - ١٠
باب يستحب الأكل من لحوم الهدايا إذا كانت للتمتع أو القران
أو تطوعا، ولا يؤكل من جزاء الصيد والنذر ولا من الفدية
٣٠٢٠- عن جابر فى حديثه الطويل: ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثا
وستين بيده، ثم أعطى عليا فنحر ما غبر، وأشركه فى هديه، ثم أمر من كل بدنة
من الغنم ببعير. الحديث. (ولا حجة فيه؛ لأن ذلك التعديل كان فى القسمة وهى غير
محل النزاع). وأجمعوا على أن الشاة لا يصح الاشتراك فيها اهـ ملخصا من كلام الحافظ فى
"الفتح" (٤٢٧:٣).
واحتج إسحاق ومن تبعه بحديث ابن عباس عند الخمسة إلا أبى داود قال: كنا مع
النبى معَّ فى سفر فحضر الأضحى، فذبحنا البقرة عن سبعة والبعير عن عشرة. "نيل"
(٣٣١:٤). ولا حجة فيه؛ لأنه لا يقاوم حديث جابر المتفق عليه المؤيد بحديث حذيفة، فقد قال
الترمذى: حديث ابن عباس حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث الفضل بن موسى.
(١٨١:١). وأيضا فإنه خارج عن محل النزاع، لأنه فى الأضحية. فإن قالوا: يقاس عليها الهدى.
قلنا: هو قياس مصادم للنصوص، وأيضا فإنه قصة سفر ولا نقول بوجوب الأضحية على المسافر،
ويمكن أن يكون وقوع تلك القصة قبل الحديبية وحجة الوداع، فيكون منسوخا. قال المظهر: عمل
به إسحاق بن راهويه، وقال غيره: إنه منسوخ، والأظهر أن يقال: معارض بالرواية الصحيحة، كذا
فى حاشية الترمذى (١: ١٨١). وبسط الكلام فى المسألة موضعه أبواب الأضحية إن شاء الله تعالى.
وأخرج محمد فى "الموطأ" عن مالك عن عمرو بن عبيد الأنصارى أنه سئل سعيد بن
المسيب عن بدنة جعلتها امرأته عليها، فقال سعيد: البدن من الإبل، فإن لم تجد فبقرة، فإن لم تكن
بقرة فعشر من الغنم. قال: ثم سألت سالم بن عبد الله فقال مثل ما قال سعيد، غير أنه قال: إن
لم تجد بقرة فسبح من الغنم. قال: ثم جئت خارجة بن زيد فقال مثل ما قال سالم. ثم جئت عبد الله
ابن محمد بن علی فقال مثل ما قال سالم اهـ (٢٠٠). وسنده صحیح، وفیه دلیل علی أن سعید بن
المسيب قد شذ عن الجمهور بهذا، ولم يوافقه أحد من الفقهاء. والله تعالى أعلم.
باب يستحب الأكل من لحوم الهدايا إذا كانت للتمتع أو القران
أو تطوعا، ولا يؤكل من جزاء الصيد والنذر ولا من الفدية
قوله: "عن جابر" إلخ، دلالته على الجزء الأول من الباب ظاهرة، قال النووى: وأجمع
العلماء على أن الأكل من هدى التطوع وأضحيته سنة ليس بواجب اهـ.

٤٧٣
الأكل من لحوم الهدايا أو جزاء الصيد والنذر والفدية
إعلاء السنن
ببضعة فجعلت فى قدر فطبخت، فأكلا من لحمها وشربا من مرقها. الحديث
رواه مسلم (٣٩٩:١).
٣٠٢١- عن نافع عن ابن عمر رضى الله عنهما: لا يؤكل من جزاء الصيد
والنذر، ويؤكل مما سوى ذلك. علقه البخارى ووصله الطبرى. فتح البارى (٣: ٤٤٤).
٣٠٢٢ - عن عطاء قال: يأكل ويطعم من المتعة. علقه البخارى، ووصله عبد
الرزاق عن ابن جريج عنه.
٣٠٢٣- وروى سعيد بن منصور من وجه آخر عن عطاء: لا يؤكل من جزاء
الصيد، ولا مما يجعل للمساكين من النذر وغير ذلك، ولا من الفدية، ویؤ کل مما
سوی ذلك.
٣٠٢٤ - وروى عبد بن حميد من وجه آخر عنه: إن شاء أكل من الهدى
والأضحية، وإن شاء لم يأكل. "فتح البارى" (٤٤٤:٣) وسكوته عن الأحاديث المزيدة
فى "الفتح" دليل على صحتها أو حسنها، كما صرح به فى المقدمة.
قوله: "عن نافع إلخ" قال الحافظ: وهذا القول إحدى الروايتين عن أحمد، وهو
قول مالك وزاد: إلا فدية الأذى. والرواية الأخرى عن أحمد: ولا يؤكل إلا من هدى
التطوع والتمتع والقران. وهو قول الحنفية بناء على أصلهم أن دم التمتع والقران دم نسك
لا دم جبران اهـ (٤٤٤:٣).
قوله: "عن عطاء" إلخ. دلالته على مذهب الحنفية ظاهرة. وقول عطاء صريح فى جواز
الأكل من دم المتعة. ويؤيده ما رواه الشيخان عن عائشة رضى الله عنها قالت: فدخل علينا يوم
النحر بلحم بقر، فقلت: ما هذا؟ فقيل: ذبح النبى معَِّ عن أزواجه. "فتح البارى" (٤٤٠:٣).
وفيه أيضا: وروى النسائى من طريق يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة عن أبى هريرة قال:
ذبح رسول الله عَظِلّ عمن اعتمر من نسائه فى حجة الوداع بقرة بينهن. (أى وبقرة عن عائشة وعن
أخرى معها، كما فى رواية عمار الذهبى عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت:
ذبح عنا رسول الله مرّة يوم حججنا بقرة بقرة. أخرجه النسائى أيضا، وقد تقدم فى باب
وجوب الدم لرفض العمرة أن رسول الله عَّ أمر عائشة لرفضها العمرة بدم فتذكر). وتبين
بذلك أنه هندى التمتع اهـ. ومع ذلك فدخل عليهن بلحمه ولم يدخل إلا ليأكلن منها، فدل

٤٧٤
ج - ١٠
باب يستحب نحر الإبل قياما مقيدة والذبح فى البقر والغنم
وأن يسمى ويكبر ويباشره بيده ويجوز الاستنابة فيه
٣٠٢٥- عن أنس فى حديث: ونحر النبى عليه بيده سبع بدن قياما، وضحى
بالمدينة كبشين أملحين أقرنين. رواه البخارى. فتح البارى (٤٤٢:٣).
٣٠٢٦- عن جابر: أن النبى عَّه وأصحابه كانوا ينحرون البدنة معقولة اليسرى
قائمة على ما بقی من قوائمها. رواه أبو داود وسكت عنه هو والمنذرى، ورجاله رجال
الصحيح. "عون المعبود" (٨٣:٢).
على جواز الأكل من دم المتعة.
قال العينى فى "العمدة": واختلف فى مقدار ما يؤكل منها وما يتصدق، فذكر علقمة أن
ابن مسعود أمره أن يتصدق بثلثه ویأ کل ثلثه ویہدی ثلثه، وروى عن عطاء وهو قول الشافعى
وأحمد وإسحاق. وقال الثورى: يتصدق بأكثره. وقال أبو حنيفة: ما يجب أن يتصدق بأقل من
الثلث. وقال صاحب "الهداية": يأكل من لحم الأضحية، قال: هذا فى غير المنذورة، وأما فى
المنذورة لا يأكل الناذر سواء كان معسرا أو موسوا، وبه قالت الثلاثة أعنى مالكا والشافعى
وأحمد. وعن أحمد: يجوز الأكل فى المنذور أيضا. ثم الأكل من الأضحية مستحب عند أكثر
العلماء، وعند الظاهرية واجب، وحكى ذلك عن أبى حفص الوكيل من أصحاب الشافعى. قال
صاحب "الهداية": ويطعم الأغنياء والفقراء ويدخر، ثم روى حديث جابر عند مسلم عن أبى
الزبير عنه عن النبى معَّ الله أنه نهى عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلث. ثم قال بعد: ((كلوا وتزودوا
وادخروا)) انتهى. قال: ومتى جاز أن يأكله وهو غنى جاز أن يؤكله غنيا. ثم قال: ويستحب أن
لا تنقص الصدقة من الثلث، لأن الجهات ثلاثة الأكل والادخار والإطعام فانقسم عليها أ ثلاثا اهـ
(٧٣٥:٤).
باب يستحب نحر الإبل قياما مقيدة، والذبح فى البقر والغنم
وأن يسمى ويكبر ويباشره بيده، ويجوز الاستنابة فيه
قوله: "عن أنس إلى آخر الباب"، دلالة الآثار على معنى الباب بجميع أجزاءه ظاهرة، وفى
أثر ابن عمر وقوله: ابعثها قياما مقيدة سنة محمد عدّ له. فى رواية الحربى بلفظ: انحرها قائمة، فإنها
سنةٍ محمد عّ لّه. وفى هذا الحديث استحباب نحر الإبل على الصفة المذكورة وعن الحنفية يستوى

٤٧٥
كيفية النحر والذبح
إعلاء السنن
٣٠٢٧- عن زياد بن جبير قال: كنت مع ابن عمر بمنى، فمر برجل وهو ينحر
بدنته وهى باركة فقال: ابعثها قياما مقيدة، سنة محمد عدّ له. أخرجه الشيخان وأبو
داود. "عون المعبود" (٨٣:٣).
٣٠٢٨- عن أنس قال: ضحى رسول الله بكبشين أملحين أقرنين، فرأيته
واضعا قدميه على صفاحهما يسمى ويكبر فذبحهما بيده. رواه الجماعة،
"نيل الأوطار" (٣٥٤:٤).
٣٠٢٩ - عن جابر فى حديثه الطويل: ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثا وستين
بيده، ثم أعطى عليا فنحر ما غبر. الحديث رواه مسلم (٣٩٩:١).
٣٠٣٠- عن أبى هريرة قال: ذبح رسول الله مآ عمن اعتمر من نسائه فى حجة
الوداع بقرة بينهن. أخرجه النسائي، والحاكم وصححه. "فتح البارى" (٤٤٠:٣).
نحرها قائمة وباركة فى الفضيلة، واستحب عطاء أن ينحرها باركة معقولة، وروى ابن أبى شيبة
عن عطاء: إن شاء قائمة، وإن شاء باركة. وعن الحسن باركة أهون عليها. كذا فى "العمدة"
للعینی (٧٢٧:٤).
قال النووى: وهذا الذى ذكرنا من استحباب نحرها قياما معقولة هو مذهب الشافعى
ومالك وأحمد والجمهور، وقال أبو حنيفة والثورى: يستوى نحرها قائمة وباركة فى الفضيلة.
وحكى القاضى عن طاوس أن نحرها باركة أفضل، وهذا خلاف السنة اهـ (٤٢٤:١). قلت: وفيه
تعريض على الحنفية بأنهم خالفوا السنة فى المسئلة، وهو غير صحيح؛ فإن المذهب عندهم
استحباب(١) النحر فى الإبل، قال فى "الهداية": المستحب فى الإبل النحر، وفى البقر والغنم
الذبح. وفی "البدائع": أما الذی یرجع إلى نفس التضحية فما ذکرنا فی کتاب الذبائح، وهو أن
المستحب هو الذبح فى الشاة والبقر، والنحر فى الإبل، ويكره القلب من ذلك اهـ.
ومنشأ الغلط ما روى عن أبى حنيفة أنه قال: نحرت بدنة قائمة فلم أشق علیہا، فكدت
أهلك ناسا؛ لأنها نفرت فاعتقدت أن لا أنحرها إلا باركة معقولة اهـ. وليس معناه ترجيح النحر
باركة على نحرها قائمة أو تسويتهما مطلقا، بل مراده إن لم يحسن النحر فلينحرها باركة كيلا
(١) قلت: وفيه أن استحباب النحر بإطلاقه لا يدل على استحباب نحرها قائمة، وهو محل النزاع دون مطلق النحر، فالأولى أن
يستدل على ذلك بقول صاحب "الهداية" الذى ذكرناه بعد كلام "البذل".

٤٧٦
ج - ١٠
كيفية النحر والذبح
باب يتصدق بجلود الهدايا وجلالھا ولا يعطى الجزار منها شيئا فى جزارتها
٣٠٣١- عن على رضى الله تعالى عنه قال: أمرنى رسول الله عّ لّه أن أقوم على
بدنه وأقسم جلودها وجلالها، وأمرنى أن لا أعطى الجزار منها شيئا. وقال: نحن نعطيه
من عندنا. أخرجه أبو داود، والبخارى، ومسلم، والنسائى، وابن ماجة. (عون المعبود
٨٣:٢). ولفظ البخارى: ولا يعطى فى جزارتها شيئا. زاد مسلم وابن خزيمة: ولا يعطى
فى جزارتها منها شيئا. فتح البارى (٤٤٣:٣).
يبهلك الناس، وأما من كان يحسنه فالأفضل له النحر قياما مقيدة كما ورد فى السنة، واختاره فى
"الهداية" و"البدائع". وبالجملة فالأفضل عندنا النحر قائمة، وإنما اختار أبو حذيفة البروك فى هذه
القصة لخوف النفار، فإذا أمن ذلك وأحسن النحر فالأفضل ما فعله رسول الله عَّ اهـ من بذل
"المجهود" بمعناه (٩٤:٣).
قال فى الهداية: ثم إن شاء نحر الإبل فى الهدايا قياما أو أضجعها، وأى ذلك فعل فهو
حسن، والأفضل أن ينحرها قياما، لما روى -فذكر الآثار التى أخرجناها فى المتن- قال: ولا يذبح
البقر والغنم قياما، والذبح هو السنة فيهما اهـ (٨٢:٣ مع "الفتح".
باب يتصدق بجلود الهدايا وجلالها ولا يعطى الجزار منها شيئا فى جزارتها
قوله: "عن على" إلخ دلالته على أجزاء الباب كلها ظاهرة. قال الخطابي: أى لا يعطى على
معنى الأجرة شيئا منها، فأما أن يتصدق به عليه فلا بأس به، والدليل على هذا قوله: نعطيه من
عندنا. أى أجر عمله، وبهذا قال أكثر أهل العلم. وروى عن الحسن قال: لا بأس أن يعطى الجزار
الجلد. اهـ من "عون المعبود" (٨٣:٢).
وقال الحافظ فى "الفتح": قال أى ابن خزيمة: والنهى عن إعطاء الجزار المراد به أن لا يعطى
منها عن أجرته، وكذا قال البغوى فى "شرح السنة". قال: وأما إذا أعطى أجرته كاملة ثم تصدق
عليه إذا كان فقيرا كما يتصدق على الفقراء فلا بأس بذلك. وقال غيره: إعطاء الجزار على سبيل
الأجرة ممنوع؛ لكونه معاوضة (عما سبيله التصدق على النفس أو على غيره) وأما إعطاءه صدقة
أو هدية أو زيادة على حقه فالقياس الجواز، ولكن إطلاق الشارع ذلك قد يفهم منه منع الصدقة،
لئلا تقع مسامحة فى الأجرة لأجل ما يأخذه فيرجع إلى المعاوضة.
قال القرطبى: ولم يرخص فى إعطاء الجزار منها فى أجرته إلا الحسن البصرى وعبد الله

٤٧٧
إعلاء السنن
باب جواز الركوب على الهدى إذا اضطر إليه وإلا فلا
٣٠٣٢- عن أبى الزبير قال: سمعت جابر بن عبد الله سئل عن ركوب الهدى،
فقال: سمعت رسول الله عَ لّم يقول: ((اركبها إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهرا)). رواه
مسلم (٤٢٦:١).
٣٠٣٣- أخبرنا مالك أخبرنا هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: إذا اضطررت إلى
ابن عبيد بن عمير، واستدل به على منع بيع الجلد. قال القرطبى: فيه دليل على أن جلود الھدی
وجلالها لاتباع، لعطفها على اللحم (فى لفظ البخارى: أمره أن يقسم بدنه كلها لحومها وجلودها
وجلالها) وإعطاءها حكمه، وقد اتفقوا على أن لحمها لا يباع فكذلك الجلود والجلال، وأجازه
الأوزاعى وأحمد وإسحاق وأبو ثور، وهو وجه عند الشافعية، قالوا: ویصرف عنه فى مصرف
الأضحية واستدل أبو ثور بأنهم اتفقوا على جواز الانتفاع به، وكل ما جاز الانتفاع به جاز بيعه.
وعورض باتفاقهم على جواز الأكل من هدى التطوع ولا يجوز بيعه وأقوى ما يرد به قوله
ما أخرجه أحمد فى حديث قتادة بن النعمان مرفوعا: ((لا تبيعوا لحوم الأضاحى والهدى، وتصرفوا
وكلوا واستمتعوا بجلودهما ولا تبيعوا، وإن أطعمتم من لحومها فكلوا إن شئتم)). (٣: ٤٤٤).
وسيأتى الكلام فى بيع الجلود فى أبواب الأضحية إن شاء الله تعالى.
باب جواز الركوب على الهدى إذا اضطر إليه وإلا فلا
قوله: "عن أبى الزبير" إلخ. قال النووى: فى ركوب البدنة المهداة مذاهب، مذهب الشافعى
رحمه الله تعالى أنه يركبها إذا احتاج، ولا يركبها من غير حاجة، وإنما يركبها بالمعروف من
. غير إضرار، وبهذا قال ابن المنذر وجماعة، وهو رواية عن مالك. وقال عروة بن الزبير ومالك فى
رواية وأحمد وإسحاق: له ركوبها من غير حاجة بحيث لا يضرها، وبه قال أهل الظاهر. وقال أبو
حنيفة: لا یر کبها إلا ان لا يجد منه بدا.
وحكى القاضى عن بعض العلماء أنه أوجب ركوبها لمطلق الأمر، ولمخالفة ما كانت الجاهلية
عليه من إكرام البحيرة والسائبة والوصيلة وإهمالها بلا ركوب. دليل الجمهور أن رسول الله عرّظله.
اهدی ولم یر کب هديه، ولم يأمر الناس بركوب الهدايا، ودليلنا على عروة وموافقيه رواية جابر
المذكورة، والله أعلم اهـ (٤٢٦:١).
قلت: رواية جابر حجة لأبى حنيفة على الشافعى وموافقيه أيضا، فإن قوله عرّ له: ((إذا ألجئت

ج - ١٠
الركوب على الهدي
٤٧٨
بدنتك فار كبها ركوبا غير قادح. أخرجه محمد فى "الموطأ" (٢٠٠) وسنده صحيح.
إليها)) صريح فى معنى الاضطرار وهذا ما يقوله أبو حنيفة: لا يركبها إلا أن لا يجد منه بدا، فافهم.
قال الحافظ فى "الفتح": واستدل به أى بحديث أبى هريرة رضى الله عنه: أن رسول
الله مَّ رأى رجلا يسوق بدنة فقال: ((اركبها))، فقال: إنه بدنة، فقال: (اركبها، ويلك))(١) فى
الثانية أو الثالثة، على جواز ركوب الهدى، سواء كان واجبا أو متطوعا به، لكونه مرّ ◌ُلّه لم
يستفصل صاحب الهدى عن ذلك، فدل على أن الحكم لا يختلف بذلك. وأصرح منه ما أخرجه
أحمد من حديث على أنه سئل هل يركب الرجل هديه؟ قال: لا بأس، قد كان النبى مّ لهيمر
بالرجال يمشون فأمرهم يركبون هديه. أى هدى النبی مِّ. إسناده صالح، وبالجواز مطلقا قال
عروة بن الزبير، ونسبه ابن المنذر لأحمد وإسحاق، وبه قال أهل الظاهر، وهو الذى جزم به النووى
فى "الروضة" تبعا لأصله فى الضحايا. ونقله فى "شرح المهذب" عن القفال والماوردى، ونقل فيه
عن أبى حامد والبند نيجى وغيرهما تقييده بالحاجة.
وقال الرؤيانى: تجويزه بدون الحاجة يخالف النص، وهو الذى حكاه الترمذى عن الشافعى .
وأحمد وإسحاق، وأطلق ابن عبد البر كراهة ركوبها بغير حاجة عن الشافعى ومالك وأبى حنيفة
وأكثر الفقهاء، وقيده صاحب الهداية من الحنفية بالاضطرار إلى ذلك، وهو المنقول عن الشعبى
عند ابن أبى شيبة، ولفظه: لا يركب الهدى إلا من لا يجد منه بدا. ولفظ الشافعى الذى نقله ابن
المنذر وترجم له البيهقى: يركب إذا اضطر إليه ركوبلغير قادح. وقال ابن العربى عن مالك:
يركب للضرورة، فإذا استراح نزل.
والدليل على اعتباره القيود الثلاثة وهى الاضطرار والركوب بالمعروف وانتهاء الركوب
بانتهاء الضرورة ما رواه مسلم، فذكر حديث جابر المذكور فى المتن. وفى المسئلة مذهب خامس،
وهو المنع مطلقا، نقله ابن العربى عن أبى حنيفة وشنع عليه، ولكن الذى نقله الطحاوى وغيره
الجواز بقدر الحاجة (٤٣٠:٣)، قال العينى: الذى نقله الطحاوى وغيره أن مذهب أبى حنيفة
ما ذكره صاحب "الهداية" اهـ (٧٠٥:٤).
(١) قلت: ولا حجتهقيه لجواز الركوب على الهدى مطلقا، فيحتمل أن يكون الرجل مضطرا إليه، قد عرف النبى مر ذلك من
حاله، ولم يكن يركب لظنه عدم جواز الركوب على البدنة المهداة مطلقا، ولذلك لما أصر على عدم الركوب ثكلّ له
النبى مَّ: (اركبها ويلك)) وهذه كلمة تستعمل للترحم أيضا.

٤٧٩
إعلاء السنن
باب من أهدى تطو عا ثم ماتت فى الطريق فليس عليه إبدالها
٣٠٣٤- عن ابن عمر (مرفوعا): ((من أهدى تطوعا ثم ضلت فإن شاء أبدلها وإن
شاء ترك، وإن كان فى نذر فليتبدل)). رواه الحاكم، والبيهقى. "كنز العمال" (٢١:٣).
٣٠٣٥- أخبرنا مالك أخبرنا نافع: أن ابن عمر أو عمر -شك محمد- كان
يقول: من أهدى بدنة فضلت أو ماتت فإن كانت نذرا أبدلها، وإن كانت تطوعا فإن
شاء أبدلها، وإن شاء تركها. أخرجها محمد فى "الموطأ" (٢٠١). وفى "التعليق
الممجد": وفى موطأ يحيى عن ابن عمر من غير شك اهـ.
وقال الشوكانى فى "النيل": والطحاوى أقعد بمعرفة مذهب إمامه، وقد وافق أبا حنيفة
الشافعى على ضمان النقص فى الهدى الواجب (وعند أبى حنيفة يضمن ما نقص مطلقا سواء كان
واجبا أو تطوعا). واختلف من أجاز الركوب هل يجوز أن يحمل عليه متاعه؟ فمنعه مالك
وأجازه الجمهور، وهل يحمل عليها غيره؟ أجاز الجمهور أيضا على التفصيل المذكور. ونقل
عياض الإجماع على أنه لا يؤجرها. واختلفوا فى اللبن إذا احتلب منه شيئا، فعند الشافعية
والحنفية يتصدق به، فإن أكله تصدق بثمنه. وقال مالك: لا يشرب من لبنه، فإن شرب
لم يغرم. اهـ ملخصا (٤: ٣٣٤).
ولعلك قد عرفت بما ذكرنا من اختلاف أقوال العلماء فى مسألة الركوب على الهدى أنه
ما من إمام من الأئمة إلا وقد روى عنه مثل قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى.
باب من اهدی تطو عا ثم ماتت فى الطريق فليس عليه إبدالها
قوله: "عن ابن عمر إلى آخر الباب". قلت: دلالته على معنى الباب ظاهرة. قال فى
"الهداية": ومن ساق هديا فعطب فإن كان تطوعا فليس عليه غيره؛ لأن القربة تعلقت بهذا المحل
وقد فات اهـ. وأورد عليه فى "النهاية" و"فتح القدير" (٨٣:٣) من مسألة اشتراء الفقير الأضحية
ووجوبها عليه بمجرد الاشتراء ما لا يرد ههنا؛ فإن صاحب "الهداية" لم ينكر وجوب هذا الهدى
المتطوع به عينا، وإنما ينكر وجوبه فى الذمنة، وكذلك الفقیر إذا اشترى أضحية وجب عليه ذبحها
فإن ضاعت أو ماتت ليس عليه إبدالها لعدم وجوبها فى ذمته فافهم.
قال الموفق فى "المغنى": إن من تطوع بهدى غير واجب لم يخل من حالين: أحدهما: أن
ينويه هديا، ولا يوجب بلسانه ؤلا بإشعاره وتقليده، فهذا لا يلزمه إمضاءه، وله أولاده ونماءه.

٤٨٠
ج - ١٠
باب ما يفعل بالهدى إذا خاف عليه العطب
٣٠٣٦- عن ابن عباس رضى الله عنهما: أن ذويبا أبا قبيصة حدثه: أن رسول
الله عَّ كان يبعث معه بالبدن ثم يقول: ((إذا عطب منها شىء فخشيت عليه موتا
فانحرها، ثم اغمس نعلها فى دمها ثم اضرب به صفحتها، ولا تطعمها أنت ولا أحد من
أهل رفقتك))، رواه مسلم (٤٢٧:١).
الثانى: أن يوجب بلسانه فيقول: هذا هدى، أو يقلده أو يشعره ينوى بذلك إهداءه، فيصير واجبا
معينا يتعلق الوجوب بعينه دون ذمة صاحبه، ويصير فى يدى صاحبه كالوديعة، يلزمه حفظه
وإيصاله إلى محله، فإن تلف بغير تفريط منه أو سرق أو ضل لم يلزمه شىء؛ لأنه لم يجب فى
الذمة، إنما تعلق الحق بالعين فسقط بتلفها كالوديعة. وقد روى الدار قطنى بإسناده عن ابن عمر
رضى الله عنهما قال: سمعت رسول الله معرّ له يقول: ((من أهدى تطوعا ثم ضلت فليس عليه البدل
إلا أن يشاء، فإن كان نذرا فعليه البدل)). وفى رواية: قال: (من أهدى تطوعا ثم عطب فإن شاء
أبدل وإن شاء أكل، وإن كان نذرا فليبدل)). فأما إن أتلف بتفريط منه فعليه ضمانة؛ لأنه أتلف
واجبا لغيره فضمنه كالوديعة اهـ (٥٦٠:٣).
وفيه أيضا: يتعين الهدى بقوله: هذا هدى، أو تقليده أو إشعاره مع النية. وبهذا قال الثورى
وإسحاق؛ لأن الفعل مع النية يقوم مقام اللفظ إذا كان الفعل يدل على المقصود، كمن بنى مسجدا
وأذن فى الصلاة فيه، وكذلك الأضحية تتعين بقوله: هذه أضحية فتصير واجبة بذلك. هذا مقصود
الشافعى، وقال مالك وأبو حنيفة: إذا اشتراها بنية الأضحية صارت أضحية لأنه مأمور بشراء
أضحية؛ فإذا اشتراها بالنية وقعت عنه كالوكيل. قال صاحب المحرر: وهو ظاهر كلام أحمد اهـ
ملخصا (٥٥٩:٣).
باب ما یفعل بالهدی إذا خاف عليه العطب
قوله: "عن ابن عباس إلى آخر الباب" قلت: وأخرج محمد فى "الآثار": أخبرنا أبو حنيفة
حدثنا منصور بن المعتمر عن إبراهيم النخعى عن خالته عن عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها قالت:
سألتها عن الهدى إذا عطب فى الطريق كيف يصنع به؟ قالت: أکله أحب إلى من تركه للسباع.
وقال أبو حنيفة (فی تفسیر قولها): إن كان واجبا فاصنع به ما أحببت وعلیك مكانه، وإن كان
. تطوعا فتصدق به على الفقراء، فإن كان ذلك فى مكان لا يوجد فيه الفقراء فانحره، واغمس نعله