النص المفهرس

صفحات 441-460

٠ ٤٤١
باب الاشتراط فى الحج والعمرة
٢٩٩٥- حدثنى يونس(١) قال: أخبرنا ابن وهب، أخبرنى يونس، عن ابن شهاب،
عن سالم، قال: كان عبد الله بن عمر ينكر الاشتراط فى الحج ويقول: أليس حسبكم
سنة رسول الله عَّ؟ إن حبس أحدكم عن الحج طاف بالبيت والصفا والمروة، ثم حل
أدل شىء على أن يحله الحرم؛ لأنه لو كان محل الإحصار - وهو الحل- محلا للهدى لما قال:
﴿والهدى معكوفا أن يبلغ محلّه﴾ فلما أخبر عن منعهم الهدى عن بلوغ محله، دل ذلك على أن
الحل ليس بمحل له، وهذا يصلح أن يكون ابتداء دليل فى المسئلة.
فإن قيل: فإن لم يكن النبى معَّه وأصحابه ذبحوا الهدى فى الحل، فما معنى قوله:
﴿والهدى معكوفا أن يبلغ محلّه﴾؟ قيل له: لما حصل(٢) أدنى منع جاز أن يقال: إنهم منعوا، وليس
يقتضى ذلك أن يكون أبدا ممنوعا، فلما كان المشركون منعوا الهدى بدبا من الوصول إلى الحرم،
جاز إطلاق الاسم عليهم بأنهم منعوا الهدى عن بلوغ محله، ثم لما وقع الصلح بين النبى عد ◌ّه
وبينهم، أطلقوه حتى ذبحه فى الحرم. (قلت: لكن حديث ناجية المتقدم ذكره يدفع الإطلاق،
فالصحيح القول بأن المشركين قد صدوا الهدى معكوفا أن يبلغ محله، ولكنه لا يستلزم أن يكون
النبى عَّ ◌ُله امتنع عن إبلاغه المحل بحيلة ما، ألا ترى أن رجلا لو منع آخر حقه جاز أن يقال: منعه
حقه، وإن كان هو قد أخذ حقه منه بحيلة فافهم)، ويحتمل أن يراد به المحل المستحب فيه الذبح،
وهو عند المروة أو بمنى، فلما منع ذلك أطلق فيه ما وصفت. انتهى ملخصا (٢٧٤:١).
باب الاشتراط فى الحج والعمرة
قوله: "حدثنى يونس" إلخ، قلت: أخرجه الدار قطنى أيضا، ولفظه: قال: حسبكم سنة
نبيكم عَّ ◌ُلّ إنه لم يكن يشترط، فإن حبس أحدكم حابس فإذا وصل البيت طاف به وبين الصفا
والمروة، ويحلق ويقصر، وعليه الحج من قابل اهـ. قال فى "التعليق المغنى": وسنده صحيح.
(٢٦٢:٢). وأخرجه الترمذى بطريق عبد الله بن المبارك، عن معمر عن الزهرى، وأخرجه النسائى
من طريق ابن وهب، عن يونس، عن الزهرى. قاله الحافظ فى "الفتح" (٧:٤). ودلالته على إنكار
(١) هو يونس بن عبد الأعلى الصدفى من رجال مسلم والنسائى وغيرهما، روى عنه الطحاوى، والطبرى، ومسلم وغيرهم، كما
فى "تهذيب التهذيب" وغيره.
(٢) حاصله أن هذه قضية مطلقة، وهى لا تقتضى الدوام فافهم.

٤٤٢
الاشتراط فى الحج والعمرة
إعلاء السنن
من كل شىء حتى يحج عاما قابلا، ويهدى أو يصوم إن لم يجد هديا. أخرجه الإمام
الطبرى فى تفسيره (١٣١:٢). وسنده صحيح. وأخرجه البخارى مختصرا كما مر فى
آخر أبواب الإحصار من هذا الكتاب.
الاشتراط ظاهرة، وهو قولنا معشرا لحنفية، وذهب إليه جماعة من التابعين، وبه قالت المالكية، كما
فى "الفتح" أيضا (٨:٤). قال الحافظ: والذى تحصل من الاشتراط فى الحج والعمرة أقوال: أحدها
مشروعيته، ثم اختلف من قال به، فقيل: واجب لظاهر الأمر (فى حديث ضباعة وسنذكره) وهو
قول الظاهرية. وقيل: مستحب، وهو قول أحمد. وغلط من حكى عنه إنكاره. وقيل: جائز، وهو
المشهور عند الشافعية، وقطع به الشيخ أبو حامد اهـ (٨:٤).
قلت: وتظهر ثمرة الاختلاف فى حق المحصر، فالذين قالوا بمشروعيته أجازوا له التحلل بغير
الهدى إذا اشترط عند إحرامه، والذين أنكروه قالوا: إذا تحقق الإحصار صبر محرما حتى يزول
المانع، فإن أدرك الحج فيها وإلا تحلل بأفعال العمرة، بأن يطوف ويسعى ويحلق، وإن أراد استعجال
التحلل بالهدى جاز أيضا دفعا لضرر امتداد الإحرام، وإن لم يجد الهدى أو ثمنه أو من يبعث
بهديه بقى محرما حتى يجد أو يزول، وإلا بقى محرما أبدا، ولا يفيد اشتراط الإحلال عند
الإحرام شيئا. "لباب"، كذا فى غنية الناسك (١٦٧). وحجتنا أثر ابن عمر الذى فتحنا به الباب.
قال الحافظ: وأشار ابن عمر بإنكار الاشتراط إلى ما كان يفتى به ابن عباس، قال البيهقى:
لو بلغ ابن عمر حديث ضباعة فى الاشتراط لقال به اهـ (٧:٤). قلت: يا للعجب، أ فيظن بابن
عمر أنه يعرف بفتيا ابن عباس ويردها عليه، ولا يعرف حجته التى كان يحتج بها؟ هذا من أمحل
المحال؛ فإن فقيها لا يرد على فقيه إلا بعد معرفته بدلائل الجانبين، وترجيح أحدهما على الآخر،
فالحق أن حديث ضباعة قد عرفه ابن عمر كما عرفه ابن عباس، ولكن ابن عباس لم يمل إليه، ولزم
السنة التى عرفها من النبى عدّ له.
وحديث ضباعة أخرجه الشافعى رحمه الله، عن ابن عيينة. عن هشام بن عروة، عن أبيه: أن
رسول الله عَّ ◌ُّه مر بضباعة بنت الزبير، فقال: ((أما تريدين الحج))؟، فقالت: إنى شاكية، فقال لها:
((حجى واشترطى أن محلى حيث حبستنى)). قال البيهقى: قد ثبت هذا الحديث من أوجه عن
النبى عَ ◌ّهِ، ثم ساقه من طريق عبد الجبار بن العلاء عن ابن عيينة موصولا بذكر عائشة فيه، وقال:
وقد وصله عبد الجبار وهو ثقة. قال: ولقد وصله أبو أسامة ومعمر كلاهما عن هشام، ثم ساقه من

٤٤٣
الاشتراط فى الحج والعمرة
ج - ١٠
٢٩٩٦- أخبرنا أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم فى الرجل يشترط فى الحج
طريق أبى أسامة، وقال: أخرجه الشيخان.
قلت: طريق أبى أسامة أخرجها للبخارى فى كتاب النكاح لا فى الحج، بل حذف منه ذكر
الاشتراط أصلا. وأما رواية معمر فأخرجها أحمد عن عبد الرزاق، ومسلم من طريق عبد الرزاق،
عن معمر، عن هشام، والزهرى فرقهما، كلاهما عن عروة عن عائشة، ولقصة ضباعة شواهد،
منها حديث ابن عباس: أن ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب أتت رسول الله عَ ليه، فقالت: إنى.
امرأة ثقيلة - أى فى الضعف- وأنى أريد الحج، فما تأمرنى؟ قال: ((أهلى بالحج واشترطى أن محلى
حيث تحبسنى))، قال: فأدركت أخرجه مسلم، وأصحاب السنن، والبيهقى من طرق عن ابن
عباس. قال الترمذى: وفى الباب عن جابر، وأسماء بنت أبى بكر. قلت: وعن ضباعة نفسها، وعن
معدى بنت عوف، وأسانيدها كلها قوية، وصح لقول بالاشتراط عن عمر، وعثمان، وعلى،
وعمار، وابن مسعود، وعائشة، وأم سلمة، وغيرهم من الصحابة، ولم يصح إنكاره عن أحد من
الصحابة إلا عن ابن عمر، قاله الحافظ فى "الفتح" (٧:٤ و ٨).
قلت: ويؤيد ابن عمر رضى الله عنهما أن النبى معَّ لّه لم يشترط فى حجه ولا فى عمرة من
عمره، ولم يأمر أحدا من أصحابه بذلك غير ضباعة، مع أن الحاجة ماسة إليه عموما، ولا يأمن أحد
من عروض العوارض، فلو كان حكم الاشتراط عاما لأمر أصحابه به، وأخذ به بنفسه، فلما
لم يكن شىء من ذلك ثبت أن الحكم خاص بضباعة، وهو واقعة عين لا عموم لها.
والظاهر أنه معَّه قال ذلك لضباعة تطييبا لقلبها وتسكينا له، فإن القلب ربما لا ينشرح
للإحرام إذا خاف عدم وفاءه بحقه؛ لما فيه من خلف الوعد ظاهرا، وإن أمكن تدار كه بالهدى
ونحوه، ألا ترى أن عائشة رضى الله عنها لم ترض لمكالمة ابن الزبير لما حلفت أن لا تكلمه، وإن
كان تدار كه بالكفارة ممكنا، فلما خشت فى يمينها بشفاعة بعض الصحابة ولجاج ابن الزبير وبكاءه
عندها فكلمته. أعتقت ليمينها أربعين رقبة، ولم يطمئن قلبها بهذا القدر أيضا. فكانت تبكى
وتقول: ليتنى لم أطلق اليمين وعينت. فكذلك لم ترض ضباعة بإطلاق الإحرام وهى تخالف على
نفسه عدم وفاءها بحقه. فقال لها رسول الله عَّ له: ((أهلى واشترطى))؛ كيلا يضطرب قبلها عند
التحلل بالهدى ونحوه؛ فإن الهدى إنما هو كفارة التحلل فحسب، وأما اضطراب الفؤاد فليس
تدار كه إلا بالاشتراط، كيلا يلزم خلف الوعد بربها أصلا، وهذا مما يعرفه أصحاب القلوب فافهم.

٤٤٤
الاشتراط فى الحج والعمرة
إعلاء السنن
قال: ليس شرطه بشىء. أخرجه محمد فى "الآثار" (٦٢). وسنده حسن صحيح. قال
محمد: وبه نأخذ، وهو قول أبى حنيفة اهـ.
وأما إنها يجوز لها التحلل بغير الهدى وبغير أفعال العمرة لأجل هذا الاشتراط فلا دلالة
للحديث على ذلك، ومن ادعى فعليه البيان. ونحن معشر الحنفية لا تنكر الاشتراط، بأن لا يجوز
التكلم بلفظ: اللهم محلى حيث حبستنى. بل معنى إنكارنا له أنه لا يفيد جواز التحلل بغير الهدى
أو أفعال العمرة، فلا يضرنا صحة حديث ضباعة، ولا صحة القول بالاشتراط عن بعض الصحابة؛
فإن القدر الذى صح منه وثبت قد قلنا به. والذى أنكرناه لم يثبت بالحديث فافهم.
ويؤيد ابن عمر أيضا حديث الحجاج بن عمرو الأنصارى الذى تقدم فى أول أبواب
الإحصار من هذا الكتاب، قال: سمعت رسول الله عَّ ◌ُلّه يقول: ((من كسر أو عرج فقد حل وعليه
حجة أخرى)). قال عكرمة: فذكرت ذلك لابن عباس وأبى هريرة، فقالا: صدق. رواه الخمسة
وأحمد ولفظه: ((من حبس بكسر أو مرض)) فذكر معناه، حسنه الترمذى، وصححه ابن خزيمة،
والحاكم، والذهبى فى "تلخيص المستدرك"، كما فى بذل المجهود (٣: ١٣٦). فإن الحديث قد دل
على جواز التحلل بالمرض ونحوه، سواء اشترط أو لم يشترط، وتأويله بأن من كسر أو عرج فقد
جاز له التحلل إذا كان اشترط عند إحرامه، بعيد جدا، لا يقبله من له أدنى ممارسة بالحديث وفقهه.
ويؤيد ابن عمر أيضا قوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى﴾، فإنه يدل على
توقف التحلل من الإحرام على ذبح ما استيسر من الهدى، والذى يقول بالاشتراط يجوز التحلل
منه بدونه، مع أن حديث ضباعة ليس بنص فيه. وإن سلم فهو يخالف النص القرآنى، ولا يجوز
ترك العمل به للخبر الواحد عندنا، كما هو مقرر فى الأصول. قال الأبى: وتأول آخرون الحديث
على أن المراد بالتحلل فيه (أى فى قوله: اللهم محلى حيث حبستنى) التحلل بعمرة، وكذلك جاء
الحديث مفسرا من رواية ابن المسيب: أنه عّ لِّ أمر جماعة أن تشترط: اللهم الحج أردت فإن تيسر
وإلا فعمرة ونحوه عن عائشة أنها كانت تقول: للحج خرجت فإن منع منه بشىء فهو عمرة أهـ.
(٣٤١:٣). قلت: هذا كما ترى منشأه تطبيب القلب، وتخفيف ثقل العهد عنه فقط، فإن الحاج
إذا تعسر عليه الحج يجوز له التحلل بالعمرة اتفاقا، اشترط أو لم يشترط، لكنه إذا اشترط كان فى
تحلله بالعمرة أنشط قلبا، وأوسع صدرا منه إذا لم يشترط، والله تعالى أعلم. ولا بد له من إهداء
الهدى على الحالين كما تقدم.

٤٤٥
ج - ١٠
باب فوات الحج وما على من فاته ولا يجب عليه الهدى للفوات
٢٩٩٧- عن يحيى بن عيسى النهشلى، عن محمد بن أبى ليلى، عن عطاء، عن
ابن عباس، قال: قال رسول الله عَ ليه: ((من أدرك عرفات فوقف بها والمزدلفة فقد تم
حجه، ومن فاته عرفات فقد فاته الحج، فليتحلل بعمرة، وعليه الحجّ مث قابل)). أخرجه
الدار قطنى، والنهشلى متكلم فيه، وقال فى "التنقيح": روى له مسلم. "زيلعى"
(٥٤٢:١). قلت: وقال أحمد: ما أقرب حديثه. وقال أبو داود: بلغنى عن أحمد أنه
أحسن الثناء عليه. وقال العجلى: ثقةٍ. وقال أبو معاوية: اكتبوا عنه، فطالما رأيته عند
الأعمش. ذكره ابن حبان فى الثقات، وقال مسلمة: لا بأس به. وضعفه ابن معین، قال
النسائى: ليس بقوى. (وهذا تليين هين) كذا فى "التهذيب" (٢٦٣:١١). فالحديث
صحیح حسن.
باب فوات الحج وما على من فاته ولا يجب عليه الهدى للفوات
قوله: "عن يحيى بن عيسى" إلخ، قال فى "الهداية": ومن أحرم بالحج وفاته الوقوف بعرفة
حتى طلع الفجر من يوم النحر فقد فاته الحج، لما ذكرنا أن وقت الوقوف يمتد إليه، وعليه أن يطوف
ويسعى، ويقضى الحج من قابل، ولا دم عليه؛ لقوله عليه السلام -فذكر حديث المتن- ثم قال:
والعمرة ليست إلا الطواف والسعى، ولأن الإحرام ما بعد ما انعقد صحيحا لا طريق للخروج عنه
إلا بأداء أحد النسكين، وههنا عجز عن الحج فتتعين عليه العمرة، ولا عمرة عليه؛ لأن التحلل وقع
بأفعال العمرة، فكانت فى حق فاتت الحج بمنزلة الدم فى حق المحصر، فلا يجمع بينها اهـ. قال
المحقق فى "الفتح": وقوله: لأن التحلل إلخ، المراد أن لزوم الدم على المحصر لكونه تعجل الإحلال
قبل الأعمال، وهذا قد حل بالأعمال، فلا يجب عليه الدم، لا ما يتخايل من ظاهر العبارة ليقال
عليه: مقتضاه أن لا يجب على المحصر عمرة فى قضاء الحجة حينئذ اهـ (٦١:٣).
ووجه دلالة الحديث أما على وجوب التحلل بأفعال العمرة فظاهرة، وأما على عدم وجوب
الهدى فلأنه معِّ لم يأمر به حين بيانه لحكم الفوات، والموضع موضع بيان، فدل على أنه لا يجب
عليه الهدى للفوات. وذهب الجمهور إلى وجوب الهدى على فائت الحج، واحتجوا لذلك بما
روى عن عمر رضى الله عنه أنه قال لأبى أيوب لما أضل راحلته ففاته الحج: أصنع كما يصنع المعتمر
ثم قد حللت، فإذا أدر كك الحج من قابل فاحجج واهد ما استيسر من الهدى. أخرجه مالك بإسناد

٤٤٦
فوات الحج وما على من فاته
ء السنن
٢٩٩٨- عن ابن عمر: أن رسول الله عَ لّه قال: ((من وقف بعرفة بليل فقد أدرك
الحج، ومن فاته عرفات بليل فقد فاته الحج، فليحلل بعمرة، وعليه الحج من قابل)).
أخرجه الدارقطنى، وفيه رحمة بن مصعب قال الدارقطنى: ضعيف، وقد تفرد به
"زيلعى" (٥٤٢:١). قلت: قال الآجرى: سألت أبا داود عنه، فأثنى عليه خيرا، وذكره
ابن حبان فى الثقات، كذا فى "اللسان" (٤٥٨:٢). فالحدیث حسن.
صحيح، إلا أنه اختلف فيه على سليمان بن يسار هل هو عن أبى أيوب أو عن هبار بن الأسود؟
قاله الحافظ فى "الدراية" (٢١١). وفى "النيل": ولكن سليمان بن يسار لم يدرك القصة اهـ.
(٣٢٠:٤)، فهو مع ثقة رجاله منقطع. وبما أخرج الشافعى رحمه الله: أخبرنا أنس بن عياض، عن
موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، فذكر مثل ما عن أبيه رضى الله عنهما. قال الحافظ فى
"الدراية": وهذا موقوف صحيح. وبما أخرجه ابن أبى شيبة عن عطاء، أن النبى معَ لّه قال: ((من لم
يدرك الحج فعليه دم ويجعلها عمرة، وعليه الحج من قابل)). قال الحافظ فى "الدراية": وهو مرسل
فى إسناده ضعف اهـ (٢١١). وكل ذلك بعد تسليم صحته محمول عندنا على الندب؛ لما قدمنا
من الحديث المرفوع أنه ◌ّ. لم يأمر بالهدى حين بيانه لحكم الفوات، وتأيد بما ذكره صاحب
الهداية من المعنى، وهو أن فائت الحج قد تحلل بالأعمال، فلا يجب عليه الدم، بخلاف المحصر فإنه
يتعجل الإحلال قبل الأعمال، والله تعالى أعلم.
قال ابن قدامة فى "المغنى": إن آخر وقت الوقوف آخر ليلة النحر، فمن لم يدرك حتى طلع
الفجر يومئذ فاته الحج، لا نعلم فيه خلافا، ومن فاته الحج يتحلل بطواف وسعى وحلاق، وهذا هو
الصحیح من المذهب، وروی ذلك عن عمر بن الخطاب، وابنه، وزید ابن ثابت، وابن عباس، وابن
الزبير، ومروان بن الحكم، وهو قول مالك، والثورى، والشافعى، وأصحاب الرأى. ورواية أخرى
(فى المذهب) يمضى فى حج فاسد، وهو قول المزنى. ولنا قول من سمينا من الصحابة، ولم نعرف
لهم مخالفا، فكان إجماعا. ويلزمه القضاء من قابل، سواء كان الفائت واجبا أو تطوعا، روى ذلك
عن عمز، وابن عباس، وابن الزبير، ومروان، وهو قول مالك، والشافعى، وأصحاب الرأى وعن
أحمد: لا قضاء عليه، بل إن كانت فرضا فعلها بالوجوب السابق، وإن كانت نفلا سقطت؛ لأن
النبى معَّه لما سئل عن الحج أكثر من مرة قال: ((بل مرة واحدة))، ولو أوجبنا القضاء كان أكثر من
مرة. وجه الرواية الأولى ما ذكرنا من الحديث (أشار إلى حديث ابن عباس المذكور فى المتن)

٤٤٧
ج - ١٠
باب جواز العمرة فى جميع السنة إلا أيام التشريق يوم عرفة ويوم النحر
٢٩٩٩- عن ابن عباس، أن النبى عّ لّه، قال: ((عمرة فى رمضان تعدل حجة)).
رواه الجماعة إلا الترمذى، لكنه له من حديث أم معقل. "نيل الأوطار" (١٨٢:٤).
وأخرجه ابن حبان بلفظ: ((عمرة فى رمضان تعدل حجة معى)). "فتح البارى" (٤٠:٣)
وفيه أيضا: قال ابن العربى: حديث العمرة هذا صحيح اهـ. وفى طريق لمسلم:
((تقضى حجة أو حجة معى)). وفى رواية لأبى داود: ((تعدل حجة معى)). من غير شك.
"فتح القدير" (٣: ٦١).
وإجماع الصحابة، ولأن الحج يلزم بالشروع فيه فصار كالمنذور. والمراد بالحديث أن الواجب
بأصل الشرع حجة واحدة، وهذه إنما تجب بإيجابه لها بالشروع فيها كالمنذورة. قال: والهدى يلزم
من فاته الحج فى أصح الروايتين، وهو قول من سمينا من الصحابة والفقهاء إلا أصحاب الرأى،
فإنهم قالوا: لا هدى عليه، وهى الرواية الثانية عن أحمد؛ لأنه لو كان الفوات سببا لوجوب الهدى
للزم المحرم هديان للفوات والإحصار. ولنا حديث عطاء وإجماع الصحابة اهـ (٣: ٥٥١).
قلت: أما حديث عطاء فمرسل ضعيف كما ذكرنا، وأما إجماع الصحابة فمحمول على
الندب دون الوجوب، بدليل ما ذكرنا من الحديث المرفوع فى المتن، والمعنى الفقهى فى الحاشية
فافهم، والله تعالى أعلم. وقال العينى فى "البناية": روى عن الأسود أنه قال: سمعت عمر: من فاته
الحج یحل بعمرة ولا دم علیه، وعلیه الحج من قابل. ثم لقیت زید بن ثابت بعد ذلك بثلاثين سنة،
فقال مثل ذلك، وعن عثمان مثله اهـ (١٦٠٧:١). قلت: وأثر عمر وزيد ذكره محمد فى
"المبسوط" بلاغا (١٧٤:٤)، وبلاغاته حجة عندنا. وأما أثر عثمان فلم أعرف من أخرجه وهذا
يؤيد حملنا أقوال الصحابة فى الهدى على الندب دون الوجوب.
باب جواز العمرة فى جميع السنة إلا أيام التشريق ويوم عرفة ويوم النحر
قوله: عن ابن عباس: إلخ، فيه دلالة على جواز العمرة فى جميع السنة وفضلها فى رمضان.
قال المحقق فى "الفتح": وأما أفضل أوقاتها فرمضان، وذكر حديث ابن عباس هذا وقال: كان
السلف رحمهم الله يسمونها الحج الأصغر اهـ (٦١:٣).
وقال الحافظ فى "الفتح": فالحاصل أنه عَّ أعلمها أن العمرة فى رمضان تعدل الحجة فى
الثواب، لا أنها تقوم مقامها فى إسقاط الفرض؛ للإجماع على أن الاعتمار لا يجزئ عن حج

٤٤٨
جواز العمرة فى جميع السنة إلا أيام التشريق يوم عرفة ويوم النحر
إعلاء السنن
٣٠٠٠- عن قتادة سألت أنسا كم اعتمر النبى عدّ له؟ قال: أربع، عمرة الحديبية
فى ذى القعدة حيث صده المشركون، وعمرة من العام المقبل فى ذى القعدة حيث
صالحهم، وعمرة الجعرانة. وفى رواية قال: اعتمر أربع عمر فى ذى القعدة إلا التى
اعتمر مع حجته. الحديث رواه البخارى فتح البارى (٤٧٩:٣).
٣٠٠١- عن عائشة: أن النبى عَّه اعتمر عمرتين فى ذى القعدة، وعمرة فى
شوال. رواه أبو داود وسكت عنه، ورجاله رجال الصحيح نيل (١٨٢:٤).
الفرض. ونقل الترمذى عن إسحاق بن راهويه: أن معنى الحديث نظير ما جاء: ((أن قل هو الله أحد
تعدل ثلث القرآن)). وقال ابن العربى: حديث العمرة هذا صحيح، وهو فضل من الله ونعمته، فقد
أدركت العمرة منزلة الحج بانضمام رمضان إليها. وقال ابن الجوزى: فيه أن ثواب العمل يزيد
بزيادة شرف الوقت، كما يزيد بحضور القلب وبخلوص القصد. وقال بعضهم: يحتمل أن يكون
مخصوصا بهذه المرأة، ففى رواية أحمد بن منيع: قال سعيد بن جبير: ولا نعلم هذا إلا لهذه المرأة
وحدها. ووقع عند أبى داود فى حديث أم معقل فى آخره قال: فكانت تقول: الحج حجة، والعمرة
عمرة، وقد قال هذا رسول الله عَّ له لى، فما أدرى ألى خاصة تعنى أو للناس عامة. قال الحافظ:
والظاهر حمله على العموم (لعموم قوله عّ لآه) والسبب فى التوقف استشكال ظاهره، وقد صح
جوابه، والله أعلم اهـ ملخصا (٤٨٢:٢).
قوله: "عن قتادة وعن عائشة" إلخ، دلالتهما على جواز العمرة فى جميع السنة وفى أشهر
الحج ظاهرة. قال الشوكانى فى "النيل": وأحاديث الباب وما فى معناها مما تقدم تدل على
مشروعية العمرة فى أشهر الحج، وإليه ذهب الجمهور، وذهبت الهادوية إلى أن العمرة فى أشهر
الحج مكروهة، وعللوا ذلك بأنبها تشغل عن الحج فى وقته، وهذا من الغرائب التى يتعجب الناظر
منها؛ فإن الشارع عّه إنما جعل عمره كلها فى أشهر الحج لإبطال ما كانت عليه الجاهلية من منع
الاعتمار فيها كما عرفت، فما الذى سوغ مخالفة هذه الأدلة الصحيحة والبراهين الصريحة، وألجأ
إلى مخالفة الشارع وموافقة ما كانت عليه الجاهلية؟ اهـ (١٨٣:٤).
قلت: عسى أن يكون ألجأهم إلى ذلك قوله تعالى: ﴿الحج أشهر معلومات﴾. وقد أخرج
ابن جرير فى تفسيره بسند صحيح عن ابن عمر قال: أن تفصلوا بين أشهر الحج والعمرة فتجعلوا
العمرة فى غير أشهر الحج، أتم لحج أحدكم، وأتم لعمرته. وبسند صحيح بطريق شعبة عن قيس

٤٤٩
ج - ١٠
جواز العمرة فى جميع السنة إلا أيام التشريق يوم عرفة ويوم النحر
٣٠٠٢- عن شعبة، عن يزيد الرشك، عن معاذة، عن عائشة رضى الله عنها،
قالت: حلت العمرة فى السنة كلها إلا أربعة أيام: يوم عرفة، ويوم النحر، ويومان بعد
ذلك. أخرجه البيهقى. "زيلعى" (٥٤٣:١). قلت: المذكور من السند صحيح،
والمحدث لا يحذف من أوله إلا ما لا كلام فيه.
٣٠٠٣- أخبرنا أبو حنيفة، عن يزيد بن عبد الرحمن، عن عجوز من العتيك، عن
عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها، أنها قالت: لا بأس بالعمرة فى أى السنة شئتِ ما خلا
خمسة أيام: يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق. أخرجه محمد فى "الآثار" (٧٢)،
وقال: وبه نأخذ. والعجوز من العتيك هى معاذة العدوية، أخرج ابن خسرو الحديث من
طريق يزيد الرشك عنها. قاله الحافظ فى "تعجيل المنفعة" (٥٦٧). وهذا سند صحيح
جليل، ويزيد بن عبد الرحمن هو يزيد بن أبى يزيد الرشك من رجال الجماعة ثقة.
وكذا معاذة ثقة حجة. "تهذيب" (٤٥٢:١٢).
٣٠٠٤- عن إسماعيل بن عياش عن إبراهيم ونافع عن طاوس قال البحر یعنی ابن
ابن مسلم، عن طارق بن شهاب، قال: قلت لعبد الله (هو ابن مسعود): امرأة منا قد حجت،
أو هى تريد أن تحج، أ فتجعل مع حجها عمرة؟ فقال: ما أرى هؤلاء إلا أشهر الحج. وبسند
صحيح عن القاسم بن محمد قال: إن العمرة فى أشهر الحج ليست بتامة. وعن محمد ابن
سيرين قال: ما أحد من أهل العلم شك أن عمرة فى غير أشهر الحج أفضل من عمرة فى
أشهر الحج اهـ (٢: ١٥١ و١٥٢).
وقد وقع خلاف هل الأفضل العمرة فى رمضان لهذا الحديث (أى حديث: ((عمرة فى
رمضان تعدل حجة))) أو فى أشهر الحج؛ لأن النبى معَّي لم يعتمر إلا فيها، فقيل: إن العمرة فى
رمضان لغير النبى معَّ أفضل، وأما فى حقه فما صنعه فهو أفضل؛ لأنه فعله للرد على أهل
الجاهلية، وهو لو كان مكروها لغيره لكان فى حقه أفضل، وقد كان يترك العمل - وهو يجب أن
يعمله- خشية أن يفرض على أمته، وخوفا من المشقة عليهم. قاله الحافظ فى "الفتح" (٤٨٢:٣).
قوله: "عن شعبة" وقوله: "أخبرنا أبو حنيفة".
وقوله: "عن إسماعيل بن عياش" إلخ، قلت: قد خالف شعبة وأبو حنيفة رحمهما الله فى
متن الأثر عن عائشة، فقال شعبة: فى السنة كلها إلا أربعة أيام. وقال أبو حنيفة: ما خلا خمسة أيام.

٤٥٠
جُواز العمرة فى جميع السنة إلا أيام التشريق يوم عرفة ويوم النحر
إعلاء السننّ.
عباس: خمسة أيام: يوم عرفة، ويوم النحر، وثلاثة أيام التشريق، اعتمر قبلها وبعدها ما
شئت. ذكره الشيخ تقى الدين فى الإمام ولم يعزه زيلعى (٥٤٣:١). وقال العينى فى
"البناية" (١٦٠٧:١): رواه سعيد بن منصور اهـ. وإسماعيل بن عياش مختلف فیه إذا
روی عن غیر الشامیین، فالأثر حسن.
٣٠٠٥- عن ابن مسعود مرفوعًا: ((تابعوا بين الحج والعمرة، فإن متابعة بينهما
تنفى الذنوب والفقر كما ينفى الكير خبث الحديد، وليس للحجة المبرورة ثواب
والراجح قول أبى حنيفة؛ فإن له شاهدا من أثر ابن عباس كما ترى، ولم نعرف لشعبة متابعا
فيما قاله، على أن الزيادة من الثقة مقبولة كما تقرر فى الأصول. قال فى "الهداية": وهى أى
العمرة جائزة فى السنة كلها إلا خمسة أيام يكره فيها فعلها - فذكرها- ثم قال: لما روى عن
عائشة رضى الله عنها أنها كانت تكره العمرة فى هذه الأيام الخمسة اهـ. قال العينى فى
"البناية": رواية عائشة لا يوافق كلام المصنف، ولا يوافقه إلا حديث ابن عباس رضى عنهما على
ما لا يخفى اهـ (١٦٠٧:١).
قلت: لم يطلع العينى إلا على لفظ البيهقى بطريق شعبة، ولو اطلع على لفظ محمد فى
"الآثار" بطريق أبى حنيفة لم يقل ما قال، وبهذا يظهر سعة إطلاع صاحب "الهداية" على الآثار.
قال العينى: وقال الشافعى رحمه الله: لا يكره فى وقت من السنة. وقال مالك: تكره فى أشهر
الحج تعظيما لأمر الحج. وقد اختلف السلف فى العمرة فى أشهر الحج، وكان عمر رضى الله عنه
ينهى عنها، ويقول: الحج فى الأشهر (أى أشهر الحج) والعمرة فى غيرها أكمل لحجكم
وعمرتكم. (قلت: اختلفت الروايات عنه، والراجح أنه كان يرى إفراد العمرة عن الحج بأن ينشئ
لكل منهما سفرا أفضل من الجمع بينهما فى سفر كما تقدم) والصحيح أن العمرة جائزة فيها
بلا كراهة (ما خلا خمسة أيام)، بدليل ما روى البخارى فى الصحيح بإسناده: أن رسول الله عَ ليه
اعتمر أربع عمر فى ذى القعدة اهـ (١٦٠٧:١).
قوله: "عن ابن مسعود مرفوعا" إلخ، دلالته على جواز العمرة فى أشهر الحج من قول
النبى عّ ظاهرة، فإن المتابعة بين الحج والعمرة أن يكونا متعاقبين، سواء تقدمت العمرة على الحج
أو تأخرت عنه، واندحض به ما قاله ابن القيم رحمه الله فى "الهدى" ونصه: لم ينقل أنه مَّ اله
اعتمر مدة إقامته بمكة قبل الهجرة، (قلنا: تأخر نزول أحكام الحج والعمرة عن الهجرة بكثير)

ج - ١٠
جواز العمرة فى جميع السنة إلا أيام التشريق يوم عرفة ويوم النحر
٤٥١
إلا الجنة)). أخرجه الترمذى وغيره. "فتح البارى" (٤٦٨:٣). وسكت عنه الحافظ، فهو
صحيح أو حسن. وقال الترمذى: حديث حسن صحيح غريب (١٠٠:١).
ولا اعتمر بعد الهجرة إلا داخلا إلى مكة، ولم يعتمر قط خارجا من مكة إلى الحل ثم يدخل مكة،
كما يفعل الناس اليوم (قلنا: اختيار الأفضل لا يستلزم عدم مشروعية المفضول، ومن ادعى فعليه
البيان) ولا ثبت عن أحد من الصحابة أنه فعلى ذلك فى حياته إلا عائشة وحدها انتهى. قال الحافظ
فى "الفتح": وبعد أن فعلته عائشة بأمره دل على مشروعيته اهـ (٣: ٤٨٢).
قلت: بل قد ثبتت عنها المواظبة على الاعتمار من التنعيم بعد الحج أبدا، أخرج مسلم فى
"صحيحه" عن أبى الزبير، عن جابر فى إهلال عائشة بعمرة، وساق الحديث بمعنى حديث الليث،
وزاد فى الحديث قال: وكان رسول الله عَ لّه رجلا سهلا، إذا هويت الشىء تابعها عليه، فأرسلها
مع عبد الرحمن بن أبى بكر، فأهلت بعمرة من التنعيم. قال أبو الزبير: فكانت عائشة إذا حجت
صنعت كما صنعت مع نبى الله عَ ◌ّ اهـ (٣٩١:١). فكفى بنها قدوة للمسلمين والمسلمات؛ فإنها
أعرف الناس بمراد رسول الله عَّه وصاحبة القصة، فإن كان الاعتمار من التنعيم بعد الفراغ من
الحج مكروها كما يشعر به كلام ابن القيم لم تواظب عليه بعد النبى معَّه. وأخرج الحاكم
وصححه وأقره عليه الذهبى بسكوته عنه عن نافع: أن ابن عمر رضى الله عنهما أخبره: أن
النبى معَّ له حلق رأسه فى حجة الوداع. قال: فكان الناس يحلقون فى الحج، ثم يعتمرون عند النفر،
ويقولون: بما يحلق هذا؟ فيقول: امرر الموسى على رأسك اهـ (٤٨٠:١). والاعتمار بعد النفر
لا يكون إلا خارجا من مكة، ولم ينكر ذلك ابن عمر، فدل على أن الاعتمار بعد الحج كما هو
عادة الحجاج ليس ببدغة، ولا مما يجوز إنكاره، والله تعالى أعلم.
هذا، وحديث ابن مسعود مرفوعا بلفظ: ((تابعوا بين الحج والعمرة)) يدل على استحباب
الاستكثار من الاعتمار، وطلب المتابعة بينهما، ودخل فى عمومها ما يفعله الناس اليوم من الاعتمار
بعد الحج من التنعيم أيضا، فلا وجه لإنكاره أصلا. وفيه رد على من قال: يكره أن يعتمر فى السنة
أكثر من مرة كالمالكية. ومن قال مرة فى الشهر من غيرهم. واستدل لهم بأن النبى عرّ له لم يفعلها
إلا من سنة إلى سنة، وأفعاله على الوجوب أو الندب. وتعقب بأن المندوب لم ينحصر فى أفعاله،
فقد كان يترك لشىء وهو يستحب فعله لرفع المشقة عن أمته، وقد ندب إلى ذلك بلفظه، فثبت
الاستحباب من غير تقييد، واتفقوا على جوازها فى جميع الأيام لمن لم يكن متلبسا بأعمال الحج،

٤٥٢
جواز العمرة فى جميع السنة إلا أيام التشريق يوم عرفة ويوم النحر
إعلاء السنن
إلا ما نقل عن الحنفية: أنه يكره فى يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق، ونقل الأثرم عن أحمد: إذا
اعتمر فلا بد أن يحلق أو يقصر، فلا يعتمر بعد ذلك إلى عشرة أيام؛ ليمكن حلق الرأس فيها.
(قلت: وأى حاجة إلى ذلك؟ فيكفيه إمرار الموسى على رأسه كما تقدم فى باب الحلق
والتقصير من الكتاب). قال ابن قدامة: وهذا يدل على كراهة الاعتمار عنده فى دون عشرة أيام،
(قلت: فيه ما فيه فتأمل) وفى حديث ابن مسعود إشارة إلى جواز الاعتمار قبل الحج،
وقد فعله النبى معَّ كما هو معروف، ذكره الحافظ فى "الفتح" (٤٧٦:٣).
وقال أيضا: واختلفوا هل يتعين التنعيم لمن اعتمر من مكة؟ فروى الفاكهى وغيره من طريق
محمد ابن سيرين قال: بلغنا أن رسول الله عَّ ◌ُلّه وقت لأهل مكة التنعيم. ومن طريق عطاء قال: من
أراد العمرة ممن هو من أهل مكة أو غيرها فليخرج إلى التنعيم، أو إلى الجعرانة، فليحرم منها.
وأفضل ذلك أن يأتى وقتا أى ميقاتا من مواقيت الحج اهـ (٤٨٣:٣). قلت: فلا عبرة بما قاله
طاوس: الذين يعتمرون من التنعيم ما أدرى يؤجرون عليها أو يعذبون. قيل له: فلم يعذبون؟ قال:
لأنه يدع الطواف بالبيت، ويخرج إلى أربعة أميال ويجئ، وإلى أن يجئ من أربعة أميال قد طاف
مائتى طواف، وكلما طاف بالبيت كان أفضل من أن يمشى فى غير شىء اهـ ذكره الموفق فى
"المغنى"، ولم يعزه.
ولنا أن مشيه لو كان فى غير شىء لم يعمر النبى عّ لّه عائشة من التنعيم، ولقال لها: ((طوفى
بالبيت مائة مرة فهو خير لك من الاعتمار بالخروج إلى الحل»، ولما واظبت على ما صنعت مع
النبى معَِّ بعده أبدا، وكيف يكون ذلك فى غير شىء؟ وقد روى أبو هريرة عن النبى عرّ له أنه
قال: ((العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة)). رواه البخارى كما
فى "فتح البارى" (٤٧٦:٣). والاعتمار يزيد على الطواف وحده بالإحرام والتلبية فاتحة، وبالسعى
والحلق أو التقصير خاتمة.
فائدة:
روى أحمد وغيره من حديث جابر مرفوعا: ((الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة)). قيل:
يا رسول الله! وما بر الحج؟، قال: ((إطعام الطعام وإنشاء السلام)). ففى هذا تفسير المراد ببر الحج،
قاله الحافظ فى "الفتح" (٤٧٢:٣) وسكت عنه، فهو حسن أو صحيح.

٤٥٣
ج - ١٠
باب أن العمرة تطوع أى سنة وليست بفريضة
٣٠٠٦- عن جابر رضى الله عنه: أن النبى عّ لّه سئل عن العمرة أ واجبة هى؟
قال: ((لا، وأن تعتمروا هو أفضل)). رواه الترمذى (١١٢:١)، وقال: هذا حديث حسن
صحيح.
٣٠٠٧- وعنه أن رجلا قال: يا رسول الله! أخبرنى عن العمرة، أ واجبة هى؟
باب أن العمرة تطوع أى سنة وليست بفريضة
قوله: "عن جابر وعنه" إلخ، قلت: دلالته على معنی الباب ظاهرة، وهو نص فى الباب. قال
المحقق فى "الفتح" بعد ما ذكر أدلة المخالفين: ولنا ما أخرجه الترمذى فذكر حديث الباب وقال:
حديث حسن صحيح، هكذا وقع فى رواية الكروخى، ووقع فى رواية غيره: حديث حسن،
لا غیر، قيل: هو الصحیح، فإن الحجاج بن أرطاة هذا فیه مقال، وقد ذكرنا فى باب القران ما فيه،
وأنه لا ينزل به عن كون حديثه حسنا، والحسن حجة اتفاقا وإن قال الدار قطنى: إن الحجاج
لا يحتج به، فقد اتفقت الرواة عن الترمذى على تحسين حديثه هذا، ثم ذكر له طرقا وشواهد
قد ذكرنا الكثير منه فى المتن، وقال: فبعد إرخاء العنان فى تحسين حديث الترمذى تعدد طرقه يرفعه
إلى درجة الصحيح على ما حققناه كما أن تعدد طرق الضعيف يرفعه إلى الحسن، وقد تحقق ذلك،
فقام ركن المعارضة والافتراض لا يثبت مع المعارضة لأنها تمنعه عن إثبات مقتضاه، وإذا تعارض
مقتضيات الوجوب والنفل فلا يثبت شىء، ويبقى مجرد فعله معّ له وأصحابه والتابعين، وذلك
يوجب السنية، فقلنا بها. والله سبحانه وتعالى أعلم اهـ ملخصا (٣: ٦٤).
وهذا يدل على أن العمرة سنة عندنا، صرح به فى "الهداية". وفى "البدائع": قال أصحابنا:
إنها واجبة كصدقة الفطر والأضحية والوتر، ومنهم من أطلق اسم السنة، وهذا لا ینافى الواجب.
وفى "شرح اللباب" للقارى: هى سنة مؤكدة على المختار، وقيل: واجبة، صححه قاضیخان، وبه
جزم صاحب "البدائع" اهـ ملخصا من "بذل المجهود". قلت: وجزم الحافظ أبو بكر الجصاص
الرازى والعلامة العينى والحافظ الزيلعى بأنها تطوع عندنا، فالصحيح ما ذكره فى "الهداية" أنها
سنة أى مؤكدة فافهم.
قلت: لیس عند الخصم حديث مرفوع صحیح، وإنما عنده قول زيد بن ثابت وابن عمر
وابن عباس، ولنا قول ابن مسعود، وكفى بعبد الله قدوة.

٤٥٤
العمرة تطوع أى سنة وليست بفريضة
إعلاء السنن
قال: ((لا، وأن يعتمر خير لك)) رواه أحمد، والترمذى وقال: حسن صحيح، وأبو يعلى،
واحتج القائلون بوجوب العمرة بما رواه الحاكم فى "المستدرك" والدارقطنى فى "سننه" من
حديث محمد بن سعيد أبى يحيى: حدثنا محمد بن كثير الكوفى، ثنا إسماعيل بن مسلم، عن
محمد ابن سيرين، عن زيد بن ثابت، قال: قال رسول الله عَّ له: ((إن الحج والعمرة فريضتان،
لا يضرك بأيهما بدأت)). قال الحاكم: الصحيح عن زيد بن ثابت من قوله، فيه إسماعيل بن مسلم
المكى ضعفوه، وقال ابن القطان فى كتابه: محمد بن سعيد هذا قال البخارى: منكر الحديث،
ولم یرضه ابن حنبل وقال: خرقنا حدیثه. قال: ورواه هشام بن حسان عن محمد ابن سیرین عن
زید بن ثابت موقوفا.
وبما أخرجه الدارقطنی فی "سننه" عن معتمر بن سلیمان، عن أبيه، عن یحیی بن یعمر، عن
ابن عمر، عن عمر بن الخطاب: أن رجلا قال: يا رسول الله! ما الإسلام؟ قال: ((أن تشهد أن لا إله
إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأن تقيم الصلاة وتؤتى الزكاة، وأن تحج وتعتمر))، قال صاحب
"التنقيح": الحديث مخرج فى الصحيحين ليس "وتعتمر"، وهذه الزيادة فيها شذوذ.
وبحديث أبى رزين العقيلى قال: يا رسول الله! إن أبى شيخ كبير لا يستطيع الحج
ولا العمرة ولا الظعن، قال: ((أحجج عن أبيك واعتمر)) رواه ابن حبان والحاكم والترمذى،
وصححاه. قال أحمد: لا أعلم فى إيجاب العمرة حديثا أصح من هذا. قال صاحب "التنقيح":
وفيه نظر، فإن هذا الحديث لا يدل على وجوب العمرة، إذا الأمر فيه ليس للوجوب، فإنه لا يجب
عليه أن يحج عن أبيه ويعتمر. سبقه إلى هذا الشيخ تقى الدين فى "الإمام" فقال: وفى دلالته على
وجوب العمرة نظر؛ فإنها صيغة أمر للولد بأن یحج عن أبيه ویعتمر، لا أمر له بأن یحج عن نفسه،
وحجه وعمرته عن أبيه ليس بواجب عليه بالاتفاق، فلا يكون صيغة الأمر فيه للوجوب.
وبحديث ابن لهيعة عن عطاء عن جابر: أن رسول الله عَ لّه قال: ((الحج والعمرة فريضتان
واجبتان)). قال البيهقى: وابن لهيعة غير محتج به، وكذا أعله به ابن عدى فى "الكامل". (قلت:
وأما ما قاله الحافظ فى "الفتح" (٣: ٤٧٥): روى ابن الجهم المالکی بإسناد حسن عن جابر: "ليس
مسلم إلا عليه عمرة" موقوف على جابر، فيعارضه ما رواه ابن جريج عن ابن المنكدر عن جابر
موقوفا: سئل عن العمرة أ واجبة هى؟ قال: لا، وأن تعتمر خير لك. قال الحافظ فى "التلخيص"
(٢٠٤:١): والصحيح عن جابر من قوله، كذلك رواه ابن جريج عن ابن المنكدر عن جابر اهـ.

٤٥٥
العمرة تطوع أى سنة وليست بفريضة
ج - ١٠
وابن خزيمة، والدارقطنى، وسعيد بن منصور. "كنز العمال" (٢٣:٢) وأحاديث ابن
وبحديث عائشة عند أحمد وابن ماجة بطريق حبيب بن أبى عمرة عن عائشة بنت طلحة
عنها قالت: يا رسول! على النساء جهاد؟ قال: ((عليهن جهاد لا قتال فيه، الحج والعمرة)). قال
صاحب "التنقيح": وقد أخرجه البخارى فى صحيحه من رواية غير واحد عن حبيب، وليس فيه
ذكر العمرة، وأخرجه البخارى أيضا عن سفيان عن معاوية بن إسحاق بن طلحة عن عمته عائشة،
وليس فيه أيضا ذكر(١) العمرة.
وبما رواه الدارقطنى بطريق سليمان بن داود عن الزهرى عن أبى بكر بن محمد بن عمرو
ابن حزم عن أبيه عن جده: أن النبی مێے کتب إلى أهل الیمن کتابا، وبعث به مع عمرو بن حزم،
وفيه: ((إن العمرة الحج الأصغر)). قال صاحب "التنقيح": وسليمان بن داود هذا قال فيه غير واحد:
إنه سليمان بن أرقم وهو متروك.
وبما أخرجه الحاكم فى "المستدرك" بطريق ابن جريج: أخبرنى نافع مولى ابن عمر أن
عبد الله بن عمر كان يقول: ليس أحد من خلق الله إلا عليه حجة وعمرة واجبتان من استطاع إلى
ذلك سبيلا، فمن زاد بعدها شيئا فهو خير وتطوع. قال ابن جريج: وأخبرت عن ابن عباس أنه
قال: لعمرة واجبة كوجوب الحج من استطاع إليه سبيلا. وقال: صحيح على شرط الشيخين،
وعلقه البخاری فی "صحيحه".
وبما أخرجه الحاكم بطريق إسماعيل بن مسلم عن عطاء عن ابن عباس قال: الحج والعمرة
فريضتان على الناس كلهم إلا على أهل مكة؛ فإن عمرتهم طوافهم، فليخرجوا إلى التنعيم ثم
ليدخلوها، فوا الله ما دخلها رسول الله عَّ له إلا حاجا أو معتمرا. وقال: صحيح على شرط مسلم.
ذكره الحافظ الزيلعى فى "نصب الراية" (٥٤٤:١). وقال الحافظ فى "الدراية": فيه إسماعيل بن
مسلم وهو ضعيف اهـ (٢١١).
قلت: وأثر ابن عباس هذا إنما هو فيمن دخل مكة قادما، فأوجب عليه أن لا يدخلها
(١) وإن سلمنا فنقول: إن على فيه بمعنى اللام، بدليل ما فى روايات البخارى بلفظ: قالت: قلت: يا رسول الله! ألا نغزو أو نجاهد
معكم؟ فقال: ((لكن أحسن الجهاد وأفضله الحج، حج مبرور)). فقالت عائشة: فلا أدع من الحج بعد إذ سمعت هذا من رسول
الله مَّدٍ. "فتح البارى" (٤-٦٣). وفى لفظ له: قالت: يا رسول الله! نرى الجهاد أفضل العمل. قال: «لكن أفضل الجهاد حج
مبرور)). "فتح البارى"، (٣-٣٠٢). فمعنى قوله فى حديث ابن ماجة أن للنساء جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة، وإذا جاء
الاحتمال بطل الاستدلال، لا سيما إذا كان منشأ الاحتمال فى لفظ هذا الحديث بعينه فافهم.

٤٥٦
العمرة تطوع أى سنة وليست بفريضة
إعلاء السنن
خزيمة صحاح على أصله، وقد حسنه الترمذى وصححه، كما مر.
إلا محرما بحج أو عمرة، ولا يدخلها من غير إحرام، يدل عليه قوله: فو الله ما دخلها رسول
الله عَظِّ إلا حاجا أو معتمرا. وقول ابن جريج عند الحاكم: وأخبرت عن ابن عباس أنه قال: العمرة
واجبة إلخ مرسل، والخصم لا يحتج بمثله، والذى صح عن ابن عباس ما علقه البخارى ووصله
الشافعى وسعيد بن منصور أنه قال: والله إنها لقرينتها فى كتاب الله عز وجل ﴿وأتموا الحج والعمرة
اللّه﴾؛ كذا فى "فتح البارى" (٤٧٦:٣)، ولا دلالة فيه على وجوب العمرة فى الأصل كما
سيأتى، كيف وقد أخرج ابن جرير بسند حسن عن ابن عباس فى قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج
والعمرة لله﴾ يقول: من أحرم بحج أو بعمرة فليس له أن يحل حتى يتمها تمام الحج يوم النحر، إذا
رمى جمرة العقبة وزار البيت فقد حل من إحرامه كله، وتمام العمرة إذا طاف بالبيت وبالصفا
والمروة فقد حل (١٢٠:٢). وهذا صريح فى أن الأمر فيه محمول عنده على إلزام الإتمام بعد
الدخول فيهما، لا على إلزام الابتداء بهما. والله أعلم. فليس عند الخصم ما يحتج بمثله إلا قول ابن
عمر وزيد بن ثابت، وبعارضه قول ابن مسعود كما سيأتى أيضا، فلا يصح القول بفرضيتها والحال
هذه.
قال العينى فى "البناية" (١٦٠٩:١): واستدل من قال بفرضية العمرة بقوله تعالى: ﴿وأتموا
الحج والعمرة لله﴾؛ لأن الله تعالى عطف العمرة على الحج وأمر بهما، والأمر للوجوب. والجواب
من هذا أن عمر، وعليا، وابن مسعود، وسعيد بن جبير، وطاوس رضى الله عنهم قالوا: إتمامها أن
يحرم بها من دوبرة أهله. فجعلوا الإتمام تقديم الإحرام بها على المواقيت لا فرض العبادة. (فليس
فى الآية دلالة على وجوب شىء منهما بل على وجوب إتمامهما، وقلنا بفرضية الحج بقوله تعالى:
﴿ولله على الناس حج البيت) الآية، وبالأحاديث المتواترة بفرضيته، وبالإجماع)، وقال ابن
القصار: استدلالهم بهذه غلط؛ لأن من أراد أن يأتى بالسنة فواجب عليه أن يأتى بها تامة، كمن
أراد أن يصلى تطوعا يجب عليه أن يكون على طهارة، ويأتى بها تامة الأركان والشروط. وما
قالوه يبطل بعمرة ثانية وثالثة، فإنه يجب إتمامها والمضى فيها والاجتناب عن إفسادها وإن لم تكن
واجبة فى الأصل. وقال أبو عمر (ابن عبد البر) حافظ المغرب: إن الله سبحانه وتعالى لم يوجب
العمرة، ولا أوجبها رسول الله عَ ليه فى باب النقل، ولا أجمع على فرضيتها المسلمون، والمفروض
لا يثبت إلا من هذه الوجوه، وقد ثبت فى الصحيح أنه عليه الصلاة والسلام قال: ((بنى الإسلام
على خمس)) وذكر منها حج البيت ولم يذكر العمرة، فلو كانت فريضة كالحج كما زعموا

ج - ١٠
العمرة تطوع أى سنة وليست بفريضة
٤٥٧
لذكرها، فسقط قول من ادعى أنها فريضة اهـ (١٦١٠:١).
قال القاضى أبو بكر بن العربى فى "أحكام القرآن" له: اختلف العلماء فى وجوب العمرة،
فقال الشافعى: هى واجبة، ويؤثر ذلك عن ابن عباس، وقال جابر بن عبد الله: هى تطوع، وإليه مال .
مالك وأبو حنيفة، وليس فى هذه الآية حجة للوجوب؛ لأنه تعالى إنما قرنها بالحج فى وجوب
الإتمام لا فى الابتداء، فإنه ابتدأ إيجاب الصلاة والزكاة فقال تعالى: ﴿وأقيموا الصلوة وآتوا
الزكوة﴾، وابتدأ بإيجاب الحج فقال: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾، ولما
ذكر العمرة أمر بإتمامها لا بابتداءها، فلو حج عشر حجج أو اعتمر عشر عمر لزم الإتمام فى
جميعها، وإنما جاءت الآية لإلزام الإتمام لا لإلزام الابتداء اهـ (١: ٥٠).
وقال الجصاص فى "أحكام القرآن" له (٢٦٤:١): قد اختلف السلف فى وجوب العمرة،
فروى عن عبد الله بن مسعود وإبراهيم النخعى والشعبى أنها تطوع، وقال مجاهد فى قوله تعالى:
﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ قال: ما أمرنا به فيهما. (ولفظ ابن جرير بسند حسن عنه قال: ما أمروا
فيهما ١٢٠:٢). وقالت عائشة، وابن عباس، وابن عمر، والحسن، وابن سيرين: هى واجبة،
وروى نحوه عن مجاهد. وروى عن طاوس عن أبيه (فيه مسامحة كما لا يخفى) قال: العمرة
واجبة. واحتج من أوجبها بظاهر قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾. وأجاب عنه بمثل ما
أجاب به ابن العربى وابن القصار بزيادة فى التقرير.
ثم قال: ومما يدل على أنها ليست بواجبة ما روى عن النبى معَّه أنه قال: ((العمرة هى الحج
الأصغر)). وإذا ثبت أن اسم الحج يتناول العمرة ثم ثبت عن النبی مێ ان الأقرع بن حابس سأله یا
رسول الله! الحج فى كل سنة أو مرة واحدة؟ قال: ((بل مرة واحدة فما زاد فتطوع)). انتفى بذلك
وجوب العمرة إذا كانت قد تسمى حجا. ثم ذكر حديث جابر بطريق الحجاج عن محمد بن
المنكدر عنه قال: سئل النبى معَ له عن العمرة أ واجبة هى؟ قال: ((لا، ولأن تعتمر خير لك)). قال:
ورواه أيضا عباد بن كثير عن محمد بن المنكدر مثل حديث الحجاج. (قلت: عباد بن كثير أسوأ
حالا من ابن لهيعة والحجاج، فلا یجدی متابعته شيئا). ويدل عليه أيضا حدیث جعفر بن محمد
عن أبيه جابر عن النبى عّ لّه قال: ((دخلت العمرة فى الحج إلى يوم القيامة)). ومعناه أنه ناب عنها،
لأن أفعال العمرة موجودة فى أفعال الحج وزيادة.

٤٥٨
العمرة تطوع أى سنة وليست بفريضة
إعلاء السنن
ومما يحتج به لذلك من طريق النظر بأن الفروض(١) مخصوصة بأوقات يتعلق وجوبها
كالصلاة والزكاة والصيام والحج، فلو كانت العمرة فرضا لوجب أن تكون مخصوصة بوقت،
فلما لم تكن كذلك وكانت مطلقة أشبهت الصلاة التطوع والصوم النفل. فإن قيل: إن الحج النفل
مخصوص بوقت وليس بواجب، قيل له: هذا لا يلزم، فإنا نقول: إن الفرض لا يكون إلا
مخصوصا بوقت، وليس أن كل ما هو مخصوص بوقت فهو فرض فكل ما كان غير مخصوص
بوقت فهو نافلة، وما هو مخصوص بوقت فعلی ضربین، منه فرض: ومنه نفل.
ومما يحتج به أيضا من طريق الأثر ما رواه عمر بن قيس (فيه مقال. ضعفه كثيرون) عن
طلحة بن موسى عن عمه إسحاق بن طلحة عن طلحة بن عبد الله مرفوعا: ((الحج جهاد
والعمرة تطوع))، (وأخرجه بن قانع بسند رجاله ثقات كما مر فى المتن) وما روى سالم الأفطس
عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعا. ((الحج جهاد والعمرة تطوع))، (أخرجه ابن قانع وفيه
دون سالم ثلاثة مجاهيل، قاله الشيخ تقى الدين فى "الإمام". زيلعى ٤٤٥:١).
واحتج من رآها واجبة بما روى ابن لهيعة عن عطاء عن جابر مرفوعا: ((الحج والعمرة
فريضتان واجبتان))، وبما روى أنه عّ لّه سئل عن الإسلام فذكر الصلاة وغيرها ثم قال: ((وأن تحج
وتعتمر))، وبقول صبى بن معبد: وجدت الحج والعمرة مكتوبتين على. قال ذلك لعمر فلم ينكر
علیه، وبحدیث أبی رزين وفيه: ((احجج عن أبيك واعتمر)).
فأما حديث جابر فى وجوب العمرة من طريق ابن لهيعة فضعيف، وإسناد حديث جابر الذى
رويناه فى عدم وجوبها أحسن من إسناد ابن لهيعة، ولو تساويا لكان أكبر أحوالهما أن يتعارضا
فيسقطا جميعا، ويبقى لنا حديث طلحة وابن عباس (وأبى هريرة) من غير معارض.
فإن قيل: ليس حديث الحجاج فى نفى الإيجاب بمعارض لحديث ابن لهيعة فى الإيجاب؛
لأن حديث الحجاج وارد على الأصل، وحديث ابن لهيعة ناقل عنه، ومتى ورد خبران أحدهما
ناف والآخر مثبت فالمثبت منهما أولى، وكذلك إذا كان أحدهما موجبا والآخر غير موجب؛ لأن
الإيجاب يقتضى حظر تركه، والخبر الحاظر أولى من المبيح.
قيل له: هذا لا يجب من قيل أن حديث ابن لهيعة فى إيجابها لو كان ثابتا لورد النقل به
(١) أراد ما يتعلق منها بالعمل من العبادات، فلا يرد الإيمان ونحوه.

٤٥٩
العمرة تطوع أى سنة وليست بفريضة
ج - ١٠
مستفيضا لعموم الحاجة إليه، ولوجب أن يعرفه كل من عرف وجوب الحج، فغير جائز فيما كان
هذا وصفه أن يكون وروده من طريق الآحاد مع ما فى سنده من الضعف ومعارضة غيره إياه.
المثبت إنما يقدم على النافی إذا وردت الروايتان من جهتين:
وأيضا فمعلوم أن الروايتين وردتا عن رجل واحد، فلو كان خبر الوجوب متأخرا فى التاريخ
عن خبر نفيه لبينه فى حديثه، ولقال: قال رسول الله عّ لّ فى العمرة: إنها تطوع، ثم قال بعد ذلك:
إنها واجبة. إذ غير جائز أن يكون عنده الخبران جميعا مع علمه بتاريخهما فيطلق الرواية تارة
بالإيجاب وتارة بضده من غير ذكر تاريخ. فدل ذلك على أن الخبرين وردا متعارضين، وإنما يعتبر
خبر المثبت، والنافى على ما ذكرنا إذا وردت الروايتان من جهتين.
قال: وأما قوله حين سئل عن الإسلام: ((أن تحج وتعتمر)) فإن النوافل من الإسلام، وكذلك
كل ما يتقرب به إلى الله تعالى لأنه من شرائعه، وقد روى: ((أن الإسلام بضع وسبعون شعبة منها
إماطة الأذى عن الطريق)). وأما قول صبى بن معبد فإنه إنما قال: هما مكتوبان على. ولم يقل:
مكتوبان على الناس، فظاهره يقتضى أن يكون نذرهما، فصارا مكتوبين عليه بالنذر. وأيضا
(فيحتمل) أنه إنما قال ذلك تأويلا منه للآية، وفيها مساغ للتأويل، فلم ينكره عمر، وهو بمنزلة قول
القائلين بوجوب العمرة، فلا يستحقون النكير إذا كان الاجتهاد سائغا فيه. وأما قول النبى عرّ له
للرجل الذى سأله عن الحج عن أبيه، وقوله: ((حج عن أبيك واعتمر)) فلا دلالة فيه على وجوبها،
لأنه لا خلاف أن هذا القول لم يخرج مخرج الإيجاب، إذ ليس عليه أن يحج عن أبيه، ولا أن
يعتمر. ثم أجاب عن دلائل الخصم التى احتج بها بطريق النظر فأفاد وأجاد، وشفى واشتفى ومن
أراد البسط فليراجعه (٢٦٧:١).
وقال الإمام ابن جرير الطبرى فى تفسيره بعد نقل الآثار المفسرة لقوله تعالى: ﴿وأتموا الحج
والعمرة لله﴾ ما نصه: وأما أولى القولين اللذين ذكرنا بالصواب فى تأويل قوله: ((والعمرة لله))،
فقول ابن مسعود ومن قال بقوله إن معنى ذلك ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ إلى البيت بعد إيجابكم
إياهما، لا أن ذلك أمر من الله عز وجل بابتداء عملهما. وذلك أن الآية محتملة للمعنيين، وإذا كان
كذلك فلا حجة فيها لأحد الفريقين على الآخر إلا وللآخر عليه مثلها، وإذا كان كذلك ولم یکن
بإيجاب فرض العمرة خبر عن الحجة للعذر قاطعا، وكانت. الأمة فى وجوبها متنازعة، لم يكن
لقول من قال هى فرض بغير برهان دال على صحة قوله معنى، إذ كانت الفروض لا تلزم العباد

٤٦٠
العمرة تطوع أى سنة وليست بفريضة
إعلاء السنن
٣٠٠٨- حدثنا بشر بن موسى ثنا جرير وأبو الأحوص عن معاوية بن إسحاق عن
أبى صالح عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله عَّه: ((الحج جهاد، والعمرة تطوع)).
أخرجه عبد الباقى بن قانع، وأعله ابن حزم وقال: إنما هو من طريق أبى صالح ماهان
الحنفى عن النبى عَّه مرسل، وماهان ضعيف، وأوهم بن قانع أنه أبو صالح السمان
إلا بدلالة على لزومها إياهم واضحة فإن ظن ظان أنها واجبة وجوب الحج بما حدثنى به حاتم بن
بكير الضبى بسنده عن محمد بن جحادة عن رجل عن زميل له عن أبيه قال: أتيت النبي عرّ ◌ِلّه
فقلت: يا رسول الله! أنبئى بعمل ينجينى من عذاب الله ويدخلنى جنته، فقال: ((اعبد الله ولا تشرك
به شيئا))، وفيه: ((وحج واعتمر)) الحديث، وما حدثنى يعقوب بن إبراهيم بسنده عن أبى رزين
العقیلی، وفيه: (حج عن أبيك واعتمر).
وبما حدثنى به يعقوب بسنده عن قتادة. أن رسول الله عَّ خطب فقال: ((اعبدوا الله
ولا تشركوا به شيئا، وأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وحجوا، واعتمروا، واستقيموا يستقيم لكم
الأمر)). وما أشبه ذلك من الأخبار، فإن هذه أخبار لا يثبت بمثلها فى الدين حجة لو هى أسانيدها،
وأنها مع وهى أسانيدها لها فى الأخبار إشكال تنبئ عن أن العمرة تطوع لا فرض واجب. فذكر
حديث جابر بطريق ابن المبارك عن حجاج عن محمد بن المنكدر عنه، وحديث أبى صالح ماهان
الحنفی، وقد تقدما.
قال: وقد زعم بعض أهل الغباء أنه قد صح عنده أن العمرة واجبة، بأنه لم يجد تطوعة
إلا وله إمام من المكتوبة، فلما صح أن العمرة تطوع وجب أن يكون لها فرض، فيسأل(١) عن
الاعتكاف أ واجب هو أم غير واجب؟ فإن قال: واجب، خرج من قول جميع الأمة، وإن قال:
تطوع، قيل: فما الذى أوجب أن يكون الاعتكاف تطوعا والعمرة فرضا؟ فلن يقول فى أحدهما
شيئا إلا ألزم فى الآخر مثله. وبما استشهدنا من الأدلة فإن أولى التأويلين فى قوله: ﴿وأتموا الحج
والعمرة لله﴾ تأويل ابن عباس الذى ذكرنا عنه من رواية على بن أبى طلحة عنه من أنه أمر من
الله بإتمام أعمالهما بعد الدخول فيهما، وإن أولى القولين فى العمرة الصواب قول من قال: هى
تطوع لا فرض! هـ ملخصاً (١٢٢:٢ و١٢٣).
قوله: "حدثنا بشر بن موسى إلى آخر الباب". دلالتها على معنى الباب ظاهرة، وقول ابن
(١) وألزم الجصاص بأنه قد يتطوع بالطواف بالبيت وليس له أصل فى الفرض مفرد، فكذلك العمرة يتطوع بها وإن لم يكن لها
أصل فى الفرض. فإن قيل: الطواف فرض فى الحج قلنا: وكذلك العمرة إنما هى الطواف والسعى ولذلك أصل فى الحج.