النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
ج - ١٠
أبواب الإحصار
باب أن الإحصار لا يختص بالعدو
ووجوب القضاء على المحصر وما استيسر من الهدى
٢٩٨٠ - عن الحجاج بن عمرو، قال: سمعت رسول الله عَ لّم يقول: ((من كسر
أو عرج فقد حل وعليه حجة أخرى)). قال عكرمة: فذكرت ذلك لابن عباس،
وأبى هريرة، فقالا: صدق. رواه الخمسة. وفى رواية لأبى داود وابن ماجه: ((من عرج
باب أن الإحصار لا يختص بالعدو
ووجوب القضاء على المحصر وما استيسر من الهدى
قوله: "عن الحجاج" إلخ، الحديث نص فى محل النزاع، وقد اختلف السلف فى حكم.
المحصر على ثلاثة أنحاء: الأول أن الإحصار بختص بالعدو أو يعمه والمرض سواء، فقال ابن عمر:
إن المريض لا يحل ولا يكون محصرا إلا بالعدو. وهو قول مالك، والليث، والشافعى. وقال الزبير،
وعروة وابن الزبير: إن المرض والعدو سواء، ولكن لا يحل إلا بالطواف. ولا نعلم لهما موافقا من
فقهاء الأمصار. وقال ابن مسعود، وابن عباس: العدو والمرض سواء، يبعث بدم ویحل به إذا نحر
فى الحرم. وهو قول أبى حنيفة، وأبى يوسف، ومحمد، وزفر، والثورى. كذا فى "أحكام القرآن"
للجصاص (٣٦٨:١).
والسبب فى هذا الاختلاف أنهم اختلفوا فى تفسير الإحصار؛ فالمشهور عن أكثر أهل اللغة
منهم الأخفش، والكسائى، والفراء، وأبو عبيد، وأبو عبيدة، وابن السكيت، وثعلب، وغيرهم: أن
الإحصار إنما يكون بالمرض، وأما بالعدو فهو الحصر. وقال بعضهم: إن أحصر وحصر بمعنى واحد.
كذا فى النيل (٤: ٣٢١) وأنكره أبو العباس المبرد والزجاج وقالا: هما مختلفان فى المعنى، ولا يقال
فى المرض: حصره، ولا فى العدو: أحصره، قالا: وإنما هذا كقولهم حبسه إذا جعله فى الحبس،
وأحبسه أى عرضه للحبس، وقتله أوقع به القتل، وأقتله أى عرضه للقتل، وقبره دفنه فى القبر،
وأقبره عرضه للدفن فى القبر، وكذلك حصره حبسه وأوقع به الحصر، وأحصره عرضه للخصر،
كذا فى "أحكام القرآن" للرازى (٣٦٨:٢)، ومثله فى تفسير ابن جرير تحت قوله تعالى: ﴿فإن
أحصر تم ﴾ الآية.

٤٢٢
أحكام الإحصار
إعلاء السنن
أو كسر أو مرض)). فذكر معناه وفى رواية لأحمد: ((من حبس بكسر أو مرض))،
والحديث سكت عنه أبو داود، والمنذرى، وحسنه الترمذى، وأخرجه أيضا ابن خزيمة،
والحاكم. "نيل الأوطار" (٣٢٠:٤).
وأما ما روى الشافعى رحمه الله فى "مسنده" عن ابن عباس قال: لا حصر إلا حصر العدو،
فأما من حبسه الله بكسر أو مرض فليس بحصر. صحح الحافظ إسناده، كما فى "النيل"
(٣٢٠:٤). فليس فيه ما يضرنا ويفيد الخصم، فقد أخبر ابن عباس رضى الله تعالى عنهما: أن
الحصر يختص بالعدو، وأن المرض لا يسمى حصرا. وهذا موافق لقول من ذكرنا قولهم من أهل
اللغة فى معنى الاسم. ومن الناس من يظن أن هذا يدل على أن المريض لا يجوز له أن يحل،
ولا يكون محصرا. وليس فى ذلك دلالة على ما ظن؛ لأنه إنما أخبر عن معنى الاسم، ولم يخبر عن
معنى الحكم.
فإن قيل: لم يختلف الرواة أن هذه الآية نزلت فى شأن الحديبية، وكان النبى معَّ له وأصحابه
ممنوعين بالعدو، فأمرهم الله بهذه الآية بالإحلال من الإحرام، فدل على أن المراد بالإحصار هو
حصر العدو. قيل له: لما ثبت بما قدمته من قول أهل اللغة أن اسم الإحصار يختص بالمرض ونحوه،
وجب أن يكون اللفظ مستعملا فيما هو حقيقة فيه، وهو المرض، ویکون العدو داخلا فيه بالمعنى،
ولو كان مراد الله تعالى تخصيص العدو بذلك دون المرض (ونحوه كإعواز النفقة، والضلال فى
الطريق، وبقاء السفينة فی البحر) لذ کر لفظا يختص به دون غيره، ومع ذلك لو كان اسما للمعنيين
لم يكن نزوله على سبب موجبا للاقتصار بحكمه عليه، بل كان الواجب اعتبار عموم اللفظ دون
السبب، كذا قاله الجصاص فى "أحكام القرآن" (٢٦٩:١).
قلت: ويمكن أن يقال: إن فى لفظ الإحصار إشارة إلى أن العدو لم يحصر النبى عليّ.
وأصحابه عن دخول مكة، بل كان عرضهم للحصر لأمر سماوى، ألا ترى أنه معَّم لما سار
بأصحابه حتى إذا كان بالثنية التى يهبط عليهم منها بركت به راحلته، فقال الناس: خلأت
القصواء، خلأت القصواء، فقال النبى ◌ّ: ((ما خلأت القصواء، وما ذاك لها يخلق، ولكن
حبسها حابس الفيل)). ثم قال: ((والذى نفسى بيده لا يسألوننى خطة يعظمون فيها حرمات إلا
أعطيتهم إياها)) ثم زجرها فوثبت، فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية. ذكره البخارى فى
"صحيحه" فى باب الشروط فى الجهاد والمصالحة. وقال تعالى: ﴿ولو لا رجال مؤمنون ونساء

٤٢٣
أحكام الإحصار .
ج - ١٠
مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله فى رحمته من يشاء، لو
تزيّلوا لعذبّنا الذين كفروا منهم عذابا أليما﴾: فلأجل الإشارة إلى هذه الحقيقة عدل ههنا عن لفظ
"حصرتم" إلى قوله: "أحصرتم"، ولأجل التشنيع على المشركين فى إرادتهم صد النبى معَ ◌ّه
وأصحابه عن البيت، قال: ﴿هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدى معكوفا أن
يبلغ محله﴾. فاعتبر الحقيقة مرة، وجعل حصرهم كلا حصر، والصورة أخرى لحكمة التشنيع
والتفريع، فكون الآية فى شأن الحديبية لا يدل على أن المراد بالإحصار هو حصر العدو لا غير .
فافهم فإنه من المواهب، والحمد لله العلى المتعال.
ومما يدل على تحقق الإحصار بغير العدو هذا الحديث الذى بدأنا به الباب، وهو نص فى .
محل النزاع؛ فإنه معَّ قال: ((من كسر أو عرج فقد حل)) أى جاز أن يحل، بأن يبعث هديا إلى
الحرم ينحر فيه، كما يقال للمرأة المعتدة التى انقضت عدتها: حلت للأزواج، ویریدون به قد جاز
لها أن تحل بالتزويج. ويدل عليه من جهة النظر أن المحصر بالعدو لما جاز له الإحلال لتعذر وصوله
إلى البيت -وكان ذلك موجودا فى المرض- وجب أن يكون بمنزلته، ألا ترى أنه متى لم يتعذر
وصوله إلى البيت بمنع العدو لم يجز له أن يحل؟ فدل ذلك على أن المعنی فیه تعذر وصوله إلى
البيت. ويدل على ذلك موافقة مخالفينا إيانا على أن المرأة إذا منعها زوجها من حجة التطوع بعد
الإجرام جاز لها الإحلال، وكانت بمنزلة المحصر مع عدم العدو، و کذلك من حبس فی دین
أو غيره، فتعذر عليه الوصول إلى البيت، كان فى حكم المحصر، فكذلك المريض. كذا فى "أحكام
القرآن" للجصاص (٢٦٩:١).
وقد أطال رحمه الله فى الأجوبة عن الدلائل القیاسیة للشافعية، فأجاد وأفاد بما لا مزید علیه،
وقد تركناها مخافة التطويل، فمن شاء فليراجعه. وقوله عّ لّه فى حديث الحجاج: ((وعليه
حجة أخرى))، يدل على وجوب القضاء على المحصر، وقد أوجبه عليه العراقيون، ومجاهد،
وعكرمة، والنخعى، والشعبى، استدلالا بأنه عليه الصلاة والسلام وأصحابه اعتمروا فى العام
المقبل قضاء لتلك العمرة، ولذلك سميت عمرة القضاء، ولحديث الحجاج هذا، كذا فى
"الجوهر النقى" (٣٥٧:١).
وقال الجصاص فى "أحكام القرآن" له: واختلفوا أيضا فيمن أحصر وهو محرم بحج تطوع

٤٢٤
أحكام الإحصار
إعلاء السنن
٢٩٨١- حدثنى المثنى، ثنا أبو صالح، ثنى معاوية، عن على، عن ابن عباس،
قوله: ((فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى))، يقول: من أحرم بحج أو بعمرة، ثم حبس
أو بعمرة تطوع، فقال أصحابنا: عليه القضاء(١) سواء كان الإحصار بمرض أو عدو إذا حل منهما
بالهدى، وأما مالك والشافعى فلا يريان الإحصار بمرض، ويقولان: إن حصر بعدو فحل فلا قضاء
عليه فى الحج ولا فى العمرة. والدليل على وجوب القضاء قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾،
وذلك يقتضى الإيجاب بالدخول، ولما وجب بالدخول صار بمنزلة حجة الإسلام والنذر، فيلزمه
القضاء بالخروج منه قبل إتمامه، سواء كان معذورا فيه أو غير معذور؛ لأن ما قد وجب لا يسقطه
العذر، فلما اتفقوا على وجوب القضاء بالإفساد وجب عليه مثله فى الإحصار. وأيضا فإن من ترك
موجبات الإحرام لا يختلف فيه المعذور وغيره، والدليل عليه أن الله تعالى قد عذر حالق رأسه
من أذى، ولم يخله من إيجاب فدية عليه، سواء كان ذلك فى إحرام فريضة أو تطوع، واتفق
الجميع أن على المريض القضاء إذا فاته الحج وإن كان معذورا فى الفوات، كما يلزمه لو قصد إلى
الفوات من غير عذر، والمعنى فى استواء حكم المعذور وغير المعذور ما لزمه من الإحرام بالدخول،
وهو موجود فى المحصر، فوجب أن لا يسقط عنه القضاء، ويدل عليه من جهة السنة حديث
الحجاج بن عمرو: ((كسر أو هرج فقد حل وعليه الحج من قابل))، ولم يفرق بين حجة الإسلام
والتطوع اهـ (٣٧٩:١).
وبهذا ظهر الجواب عما قاله الشافعى رحمه الله كما فى "فتح البارى": ولا قضاء عليه من
قبل أن الله تعالى لم يذكر قضاء اهـ (٤: ١٠). قلنا: وكذا لم يذكر الله تعالى أن على المريض
القضاء إذا فاته الحج، وإنما قال: ﴿فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه فقدية من صيام
أو صدقة أونسك﴾. فذكر الفدية ولم يذكر القضاء إذا فاته الحج لأجل مرضه، وقد اتفق الجميع
على وجوب القضاء علیه.
قوله: "حدثنى المثنى" إلخ، دلالته على تحقق الإحصار بالمرض وبكل عذر يحبسه، وعلى
وجوب القضاء على المحصر ظاهرة. وقد روى عن ابن عباس فيه قول آخر، وهو ما رواه عبد
(١) وقد أغرب الحافظ فى "الفتح" حيث قال: واستدل به أى بحديث ابن عباس: "قد أحصر رسول الله مَّه، فحلق رأسه،
وجامع نساءه، ونحر هديه حتى اعتمر عاما قابلاً". على أن من تحلل بالإحصار وجب عليه قضاء ما تحلل منه، وهو ظاهر
الحديث. وقال الجمهور: لا يجب، وبه قال الحنفية، وعن أحمد روايتان اهـ. (٤-٦). فنسب إلى الحنفية القول بعدم وجوب
القضاء، وهم أول قائل بالوجوب.

٤٢٥
ج - ١٠
أحكام الإحصار
عن البيت بمرض يجهده، أو عذر يحبسه، فعليه قضاؤها. أخرجه الإمام الطبرى فى
تفسيره (١٢٤:٢)، وسنده صالح حسن، وعلى بن أبى طلحة عن ابن عباس مرسل
بينهما مجاهد، وذكر البخارى فى التراجم وغيرها من تفسيره رواية معاوية بن صالح
عنه من أبن عباس شيئا كثيرا، ولكنه لا يسميه، كذا فى "التهذيب" (٣٤٠:٧).
٢٩٨٢- حدثنا ابن مرزوق، ثنا بشر بن عمر، ثنا شعبة، عن الحكم، قال: سمعت
إبراهيم يحدث عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: أهل رجل من النخع بعمرة يقال له:
الرزاق: ثنا الثورى، عن ابن أبى نجيح، عن عطاء، ومجاهد، عن ابن عباس، قال: الحبس حبس
العدو، فإن حبس ولیس معه هدی حل مكانه، وإن کان معه هدی حل به، ولم يحل حتى ينحر
الهدى، وليس عليه حج ولا عمرة. (ذكره البخارى معلقا بلفظ: إنما البدل على من نقص حجه
بالتلذذ، فأما من حبسه عذر أو غير ذلك فإنه يحل ولا يرجع).
وقد روى عن عطاء إنكار ذلك على رواية رواها محمد بن بكر، قال: أخبرنا ابن جريج،
عن عمرو بن دينار، قال: قال ابن عباس: ليس على من حصره العدو هدى، حسب أنه قال:
ولا حج ولا عمرة. قال ابن جريج: فذكرت ذلك لعطاء قلت: هل سمعت ابن عباس يقول: ليس
على المحصر هدى ولا قضاء إحصاره؟ قال: لا، وأنكره. كذا فى "أحكام القرآن" للجصاص
(٢٧٨:١). قال: وهذه رواية لعمرى منكرة خلاف نص التنزيل، وما ورد بالنقل المتواتر اهـ.
قلت: ومحمد بن بكر هذا هو ابن عثمان البرسانى أبو عبد الله، أو أبو عثمان البصرى، من
رجال الجماعة ثقة. روى عن ابن جريج، وشعبة، وسعيد بن أبى عروبة، وطبقتهم، وعنه أحمد،
وإسحاق، وابن المدينى، ويحيى بن معين وغيرهم. كذا فى "التهذيب" (٧٧:٩). ولم أجد رواية
محمد بن بكر هذا فى الكتب الموجودة عندى، ولكن الجصاص ثقة فى النقل، فيجوز لنا
الاعتماد عليه.
قوله: "حدثنا ابن مرزوق" إلخ. قلت: أما شيخ الطحاوى فقد مر توثيقه فى الكتاب غير
مرة، وبشر بن عمر هو ابن الحكم بن عقبة الزهرانى البصرى، من رجال الجماعة ثقة مأمون. كذا
فى "تهذيب" (٤٥٥:١). وبقية الرواة ثقات معروفون لا يسئل عنهم، ودلالته على أن الإحصار
لا يختص بالعدو، وأن عليه قضاء ما أحصر عنه وما استیسر من الهدى، وأن الهدی لا ینحر حيث
أحصر، بل يجب عليه بعثه إلى الحرم ظاهرة. وهذا هو مذهب أصحابنا الحنفية، وفيه رد على من

٤٢٦
أحكام الإحصار
إعلاء السنن
عمير بن سعيد، فلدغ، فبينا هو صريع فى الطريق إذا طلع عليهم ركب فيهم ابن
مسعود رضى الله عنه، فسألوه، فقال: ابعثوا بالهدى، واجعلوا بينكم وبينه يوما أمارة،
فإِذا كان ذلك فلیحل. قال الحكم: وقال عمارة بن عمير: و کان حدثتك به عن عبد
الرحمن بن يزيد أن ابن مسعود قال: وعليه العمرة من قابل. قال شعبة: سمعت سليمان
حدثه به مثل ما حدث به الحكم سواء. أخرجه الطحاوى (٤٣٢:١). وسنده صحيح.
٢٩٨٣- روى الواقدى فى المغازى عن جماعة من مشايخه قالوا: لما دخل هلال
ذى القعدة سنة سبع أمر رسول الله عَّ له أصحابه أن يعتمروا قضاء عمرتهم التى صدوا
عنها، وأن لا يتخلف أحد ممن شهد الحديبية، فلم يتخلف ممن شهدها إلا من قتل بخيير
أو مات، وخرج معه ناس ممن لم يشهد الحديبية، فكان عدة من معه من المسلمين ألفين.
ذكره الحافظ فى "التلخيص الحبير" (٢٣١:١). وقال: والواقدى إذا لم يخالف الأخبار
الصحيحة ولا غيره من أهل المغازى مقبول فى المغازى عند أصحابنا اهـ. قلت:
ولما ذكره الواقدى شواهد ذكرناها فى الحاشية.
قال: لا إحصار فى العمرة، لأنها لا وقت لها، بل يجب على المعتمر أن لا يحل حتى يزول
الإحصار، فيطوف بالبيت ويسعى. وقال الجصاص فى "أحكام القرآن" له: وحكى عن محمد ابن
سيرين: أن الإحصار يكون من الحج دون العمرة، وذهب إلى أن العمرة غير موقتة، وأنه لا يخشى
لفوات. وقد تواترت الأخبار بأن النبى معَّ طِّ كان محرما بالعمرة عام الحديبية، وأنه أحل من عمرته
بغير طواف، ثم قضاها فى العام القابل، وسميت عمرة القضاء اهـ (٢٧١:١).
قوله: "روى الواقدى" إلخ، قلت ويشهد ما ذكره ابن هشام فى "السيرة" عن ابن إسحاق:
أن النبى معَّ خرج فى ذى القعدة -فى الشهر الذى صده فيه المشركون- معتمرا عمرة القضاء،
مکان عمرته التى صدوه عنها. قال ابن إسحاق: وخرج معه المسلمون ممن كان صد معه فى عمرته
تلك، وهى سنة سبع اهـ (٢١١:١). وقال الشافعى: لم يأمر النبى ◌ّ أحدا ممن أحصر معه فى
الحديبية بأن يقضى، ولو لزمهم القضاء لأمرهم، وقد علمنا من متوطئ أحاديثهم أى أهل المغازى
أنه كان معه عام الحديبية رجال معروفون، ثم اعتمر عمرة القضية، فتخلف بعضهم بالمدينة من غير
ضرورة فى نفس ولا مال. كذا فى "فتح البارى" (١٠:٤).
قلت: قد جزم أهل المغازى بأن الذين كانوا معه عام الحديبية أمرهم النبى معَّة بالقضاء فى

ج - ١٠
أحكام الإحصار
٤٢٧
٢٩٨٤- عن ابن عمر، أنه كان يقول: أليس حسبكم سنة رسول الله عَ ليه؟ إن
حبس أحدكم عن الحج طاف بالبيت وبالصفا والمروة، ثم يحل من كل شىء حتى يحج
العام المقبل، ولم يتخلف منهم أحد عن عمرة القضاء إلا من قتل بخيير أو مات، والشافعى رحمه
الله جازم بأنه مَّ لم يأمرهم بالقضاء، وقد تخلف بعض منهم بغير عذر، ولا يخفى أن الشافعى
رحمه الله ناف لما أثبته آخرون، والمثبت مقدم على النافى. قال الحافظ فى "الفتح": ويمكن الجمع
بينهما بأن الأمر كان على طريق الاستحباب اهـ. وهذا كله تمشية للمذهب، وإلا فأهل المغازى لم
يجزموا بما قالوا إلا ولهم مستند فيه، والشافعى رحمه الله لم يذكر لما ادعاه سندا يعول عليه،
والمرسل ليس بحجة عنده، فکیف یلزم غيره بما ذكره مرسلا من غير سند؟
وأيضا فقد ثبت عن ابن عباس: أن النبى معَِّ أمر أصحابه أن يبدلوا الهدى الذى نحروا عام
الحديبية فى عمرة القضاء. كما سيأتى فى الباب الآتى، وبعيد أن يأمرهم بإبدال الهدى ولا يأمرهم
بقضاء العمرة؛ فإن الهدى الذى نحروه حيث أحصروا كان قد بلغ محله عند الشافعى رحمه الله،
فلم يكن عليهم قضاءه، والعمرة أحلوا منها من غير طواف بالبيت والسعى بين الصفا والمروة،
ومثل تلك العمرة التى يحل منها صاحبها يجب عليه قضاءها عند الشافعى فى غير المحصر، فكان
القياس أن يؤمروا بقضاء العمرة أولا، وبإبدال الهدى ثانيا، ولا يتصور أن يؤمروا بإبدال الهدى
ولا يؤمروا بقضاء العمرة فافهم. فإن فى أثر ابن عباس هذا تأييدا لأهل المغازى فى قولهم: إن
النبى معَّه أمر أصحابه أن يعتمروا قضاء عمرتهم التى صدوا عنها. ولو سلمنا أنه لم يأمرهم بذلك،
فترك أمره مَّه لا ينتهض المعارضه ما تقدم مما يدل على وجوب القضاء؛ لأن ترك الأمر ربما كان
لعلمهم بوجوب القضاء على من أحصر بدليل آخر، كحديث الحجاج بن عمرو؛ لأن حكم الحج
والعمرة واحد، وكقوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾. والله تعالى أعلم.
قوله: "عن ابن عمر" إلخ، قلت: حذف البخارى من الحديث أوله، وسنذكره فى باب
الاشتراط فى الحج فانتظره. وقوله: طاف بالبيت وبالصفا إلخ، معناه إن حبس أحدكم عن الحج ثم
زال الإحصار وقدر على العمرة، طاف بالبيت وسعى ثم يحل إلخ، ولو لم يقدر على العمرة فله أن
يحل فى موضعه بأن يبعث الهدى إلى الحرم، ويوقت لنحره وقتا معلوما، ثم يحل لذلك الوقت،
وقد وقع فى رواية عبد الرزاق فى هذا الأثر: إن حبس أحدا منكم حابس عن البيت فإذا وصل إليه
طاف به، الحديث. كذا فى "فتح البارى" (٨:٤) وفيه تأييد لما قلنا. وفيه دليل على أن المحصر عن

٤٢٨
أحكام الإحصار
إعلاء السنن
عاما قابلا، فيهدى، أو يصوم إن لم يجد هديا. رواه البخارى، والنسائى. "نيل
الأوطار" (٣٢٠:٤).
الحج يجب عله عمرة وحجة، وسيأتى دليل ذلك مفصلا إن شاء الله تعالى.
وقوله: "حتى يحج عاما قابلا"، فيه دليل على وجوب القضاء على المحصر. وقوله: فيهدى
أو يصوم إلخ، فيه دليل على وجوب الهدى عليه، ولكن الإحصار الذى وقع فى عهد النبى معَّ له
إنما وقع فى العمرة، فقاس العلماء الحج على ذلك، وهو من الإلحاق بنفى الفارق. قال الحافظ
فى "الفتح": قال ابن التيمى: ذهب مالك إلى أنه لا هدى على المحصر، والحجة عليه هذا
الحديث؛ لأنه نقل فيه حكم وسبب، فالسبب فيه الحصر، والحكم النحر، فاقتضى الظاهر تعلق
الحكم بذلك السبب اهـ (٩:٤).
قلت: وغفل رحمه الله قوله: "حتى يحج عاما قابلا"؛ فإن ابن عمر رضى الله عنه ذكر
للحصر حكمين: الحج عاما قابلا، والهدى. ففيه دليل على وجوب القضاء على المحصر أيضا، ولم
يقل به الشافعى رحمه الله. قال فى "النيل": وإلى وجوب الهدى على المحصر ذهب الجمهور، وهو
ظاهر الأحاديث الثابتة عنه عَ ◌ّ أنه فعل ذلك فى الحديبية، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿فإن أحصر تم
فما استيسر من الهدى﴾، وذكر الشافعى أنه لا خلاف فى ذلك فى تفسير الآية، وخالف فى ذلك
مالك، فقال: إنه لا يجب الهدى على المحصر، وعول على قياس الإحصار على الخروج من الصوم
للعذر، والتمسك بمثل هذا القياس فى مقابل ما يخالفه من القرآن والسنة من الغرائب التى يتعجب
من وقوع مثلها من أكابر العلماء اهـ (٣٢١:٤).
قلت: ولو صدر مثل هذا القياس فى مقابلة النص من أصحابنا الحنفية لصاح المحدثون
بأجمعهم، وأطلقوا ألسنتهم بذم الرأى وأهله، وسلخوا جلودنا على أبداننا، وإذا وقع ذلك من مالك
والشافعى وغيرهما نكسوا رؤسهم، ولم ينطقوا بحرف بيد أن يتعجبوا، ولا يعدون هؤلاء من
أصحاب القياس، ولا يلقبونهم بأهل الرأى كما لقبوا به الحنفية، فهل هذا إلا تحامل وتحكم بارد؟
وسيعلم الناظر فى كتابنا هذا أن الحنفية أتبع الناس للأثر، وغيرهم أتبع للرأى منهم.
هذا، وظنى أن مالكا رحمه الله لم يعول فى المسئلة على القياس، ولم يتمسك بالرأى، بل
تمسك بما رواه عمرو بن دينار عن ابن عباس: ليس على من حصره العدو هدى. حسب أنه قال:
ولا حج ولا عمرة. ومعناه أن المحصر إن لم يكن معه هدى حل مكانه، ولا هدى عليه للإحصار،

٤٢٩
ج - ١٠
باب تحقق الإحصار فى العمرة كالحج
٢٩٨٥- نافع أن عبد الله بن عبد الله، وسالم بن عبد الله، كلما عبد الله حين نزل
الحجاج لقتال ابن الزبير، فقالا: لا يضرك أن لا تحج العام، فإنا نخشى أن يكون بين
الناس قتال، ومحال بينك وبين البيت. قال: إن حيل بينى وبينه فعلت كما فعل رسول
الله عَّه وأنا معه حين حالت كفار قريش بينه وبين البيت، أشهد كم أنى قد أوجبت
عمرة. فانطلق حتى أتى ذا الحليفة فلبى بالعمرة، ثم قال: إن خلی سبیلی قضيت عمرتی،
وإن حيل بينى وبينه فعلت كما فعل رسول الله عَّ له وأنا معه، ثم تلا: ﴿لقد كان لكم
فى رسول الله أسوة حسنة﴾، ثم سار حتى إذا كان بظهر البيداء قال: ما أمرهما
إلا واحد، إن حيل بينى وبين العمرة حيل بينى وبين الحج، أشهدكم أنى قد أوجبت
حجة مع عمرتى. الحديث، رواه مسلم (٤٠٤:١) واللفظ له، والبخارى.
وإن كان معه هدى حل به، ولم يحل حتى ينحر الهدى. ولعله حمل قوله تعالى: ﴿فإن أحصر تم
فما استيسر من الهدى﴾ علی من کان معه هدی، فهو الذى استیسر له الهدى ظاهرا، وقد قدمنا
ما فى الروايات عن ابن عباس من الاختلاف، وقد أنكر عطاء على من روى عنه: ليس على المحصر
هدى ولا قضاء. وقد روى على بن أبى طلحة عنه وجوب القضاء عليه، وروى أبو حاضر عنه أنه
أمر المحصر بإبدال الهدی الذی نحره خارج الحرم، وقد مر، وروى عنه سعيد بن جبير وجوب
الهدى والقضاء عليه جميعا كما سيأتى، وإذا اختلفت الأقوال عن مجتهد فالأولى الأخذ بما وافق
فيه الكتاب والسنة والجماعة، وترك ما خالفهم فيه، فالظاهر أنه رجع عن قوله المخالف لهم إلى
ما يوافقهم، أو نشأ الاختلاف من اختلاف أفهام أصحابه، فلم يضبط بعضهم ما قاله، فرواه كما
فهمه، والله تعالى أعلم.
باب تحقق الإحصار فى العمرة کالحج
قوله فى حديث نافع عن ابن عمر: "ما أمرهما إلا واحدا" إلخ، فيه دلالة على أن حكم
العمرة والحج فى الإحصار سواء، وبه قال الجمهور بيد ما حكى عن ابن سيرين كما تقدم، وأسنده
الطبرى عن ابن عباس، وابن عمر رضى الله عنهم، ثم رجح القول بأن المحصر سواء كان إحصاره
عن الحج أو عن العمرة، يجوز له أن يحل حيث أحصر إذا بلغ الهدى محله، وذلك لتواتر الأخبار
عن رسول الله ◌ّ أنه صد عام الحديبية عن البيت وهو محرم وأصحابه بعمرة، فنحر هو وأصحابه

٤٣٠
الإحصار فى العمرة كالحج
إعلاء السنن
أمره الهدى، وحلوا من إحرامهم قبل وصولهم إلى البيت، ثم قضوا إحرامهم(١) الذى حلوا
منه فى العام الذى يعده، ولم يدع أحد من أهل العلم بالسير ولا غيرهم أن رسول الله عَ لّه ولا
أحد من أصحابه أقام على إحرامه انتظارا للوصول إلى البيت والإحلال به وبالسعى بين الصفا
والمروة اهـ (١٣٢:٢).
قلت: والذى أسنده الطبرى عن ابن عباس وابن عمر إنما هو فى المحصر بالمرض ونحوه،
وأما المحصر بالعدو فيجوز أن يحل حيث أحصر إذا بلغ الهدى محله عندهما أيضا، والفرق بينهما
قد أبطله النص، وهو ما رواه الحجاج بن عمرو: من كسر أو عرج أو مرض وهو محرم فقد حل
وعليه الحج من قابل. وصدقه ابن عباس. وأبو هريرة. فلعل ابن عباس رجع عن القول الذى وافق
فيه ابن عمر إلى ما قاله الجمهور، وابن عمر أيضا رجع عن قوله: "لا إحصار فى العمرة" إلى
ما قاله الجمهور، بدليل ما أخرجه الشيخان عنه: ما أمرهما أى الحج والعمرة إلا واحدا. فدل على
أن حكم العمرة والحج فى الإحصار سواء، والله تعالى أعلم.
قال الموفق فى "المغنى": أجمع أهل العلم على أن المحرم إذا أحصره عدو من المشركين
أو غيرهم، فمنعوه الوصول إلى البيت، ولم يجد طريقا آمنا، فله التحلل، وقد نص الله تعالى عليه
بقوله: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى﴾. وثبت أن النبى عّ لّه أمر أصحابه يوم حصروا
فى الحديبية أن ينحروا ويحلقوا ويحلوا. وسواء كان الإحرام بحج، أو بعمرة، أو بهما، فى
قول إمامنا، وأبى حنيفة، والشافعى. وحكى عن مالك: أن المعتمر لا يتحلل؛ لأنه لا يخاف
الفوات. وليس بصحيح؛ لأن الآية نزلت فى حصر الحديبية، وكان النبى عّ لّه وأصحابه
معتمرين اهـ (٣٧١:٣).
قلت: ولكن الرواية عن مالك لم تصح؛ فقد قال ابن العربى فى "أحكام القرآن" له:
لا خلاف بين علماء الأمصار أن الإحصار عام فى الحج والعمرة، وقال ابن سيرين: للإحصار فى
العمرة إلخ (٥١:١). فلم يذكر فيه إلا خلاف ابن سيرين دون مالك رحمه الله، ولو كان فيه
خلاف مالك لم يخف عليه؛ لكونه من أجل العلماء بمذهب مالك فافهم.
(١) فيه دلالة على أن عمرته ◌ّ له بعد الحديبية كانت قضاء للعمرة التى صد عنها، وقد أنكر الشافعى رحمه الله كونها قضاء لها
كما تقدم، والإمام الطيرى شافعى المذهب، ولكنه خالف فى ذلك إمامه ووافق الجمهور.
٠

٤٣١
ج - ١٠
باب يحب على المحصر عن العمرة عمرة
وعلى المحصر عن الحج حجة وعمرة قضاء
٢٩٨٦- حدثنا عبيد بن إسماعيل الهبارى، ثنا عبد الله بن نمير، عن الأعمش، عن
إبراهيم، عن علقمة: ((فإن أحصرتم)) قال: إذا أهل الرجل بالحج فأحصر قال: يبعث بما
استيسر من الهدى شاة، قال: فإن عجل قبل أن يبلغ الهدى محله، أو حلق رأسه، أو
مس طيبا، أو تداوى، كان عليه فدية من صيام، أو صدقة، أو نسك، ﴿فإذا أمنتم﴾ فإذا
برأ فمضى من وجهه ذلك حتى أتى البيت حل من حجه بعمرة، وكان عليه الحج من
قابل، وإن هو رجع ولم يتم إلى البيت من وجهه ذلك، فإن عليه حجة وعمرة، ودما
باب يجب على المحصر عن العمرة عمرة
وعلى المحصر عن الحج حجة وعمرة قضاء
قوله: " حدثنا عبيد بن إسماعيل" إلخ، قلت: قوله: فإذا برأ فمضى من وجهه ذلك حتى أتى
البيت (بعد انقضاء الحج وفوات وقته) حلى من حجه بعمرة، وكان عليه الحج من قابل، وإن هو
رجع ولم يتم إلى البيت من وجهه ذلك، فإن عليه حجة وعمرة اهـ، ظاهر فى أن المحصر عن الحج
إذا لم يصل إلى البيت من وجهه ذلك وحل حيث أحصر، فعليه حجة وعمرة من قابل، وهذا هو
مذهب أصحابنا الحنفية.
قال الجصاص فى "أحكام القرآن" له: واختلف السلف وفقهاء الأمصار فى المحصر بالحج إذا
حل بالهدى، فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس، ومجاهد عن عبد الله بن مسعود، قالا: عليه
حجة وعمرة، فإن جمع بينهما فى أشهر الحج فعليه دم، وهو متمتع، وإن لم يجمعهما فى أشهر
الحج فلا دم علیه، و کذلك قال علقمة، والحسن، وإبراهيم، وسالم، والقاسم، ومحمد ابن سیرین،
وهو قول أصحابنا. وروى أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس(١) قال: أمر الله بالقصاص أو يأخذ
منكم العدو، إن حجة بحجة، وعمرة بعمرة. وإنما يوجب أبو حنيفة عليه حجة وعمرة إذا أحل
بالدم ثم لم يحج من عامه ذلك، فلو أنه أحل من إحرامه قبل يوم النحر، ثم زال الإحصار فأحرم.
بالحج وحج من عامه، لم يكن عليه عمرة؛ وذلك لأن هذه العمرة إنما هى التى يلزم بالفوات؛ لأن
(١) لم نقف على سنده مفصلا، والذى ذكرناه فى المتن موصول عن ابن عباس بسند صحيح، وهو قول ابن مسعود، أخرجه ابن
أبى حاتم عنه كما سيأتى عن "الدر المنثور" فانتظر.

٤٣٢
وجوب القضاء بعد الإحصار
إعلاء السنن
لتأخير العمرة، فإن هو رجع متمتعا فى أشهر الحج، فإن عليه ما استيسر من الهدى شاة،
فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام فى الحج، وسبعة إذا رجع. قال إبراهيم: فذكرت ذلك
لسعيد بن جبير، فقال: كذلك قال ابن عباس فى ذلك كله. أخرجه الإمام الطبرى فى
تفسيره (١٤٣:٢)، ورجاله رجال الصحيح، وشيخه عبيد بن إسماعيل الهبارى أخرج
له البخارى فى "الصحيح". كما فى "التهذيب" (٥٩:٧).
٢٩٨٧- حدثنا يزيد بن سنان، ثنا يحيى بن سعيد القطان، عن الأعمش، عن
إبراهيم، عن علقمة: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى﴾،
قال: إذا أحصر الرجل بعث بالهدى. ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدى محله
فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه فقدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾، فإن
عجل فحلق قبل أن يبلغ الهدى محله فعليه فدية من صيام أو صدقة، أو نسك، صيام
ثلاثة أيام، أو تصدق على ستة مساكين، كل مسكين نصف صاع، والنسك شاة، فإذا
أمن مما كان به ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج﴾ فإن مضى من وجهه ذلك فعليه حجة،
وإن أخر العمرة إلى قابل فعليه حجة وعمرة. ﴿وما استيسر من الهدى، فمن لم يجد
فصيام ثلاثة أيام فى الحج﴾ آخرها يوم عرفة، ﴿وسبعة إذا رجعتم﴾. قال: فذكرت ذلك
لسعيد بن جبير، فقال: هذا قول ابن عباس، وعقد ثلاثين. أخرجه الطحاوى فى "معانى
الآثار" له (٤٣٢:١). وسنده صحيح. ويزاد فيه ما تقدم عن الواقدى: أنه عّ لّه أمر
أصحابه أن يعتمروا قضاء عمرتهم التى صدوا عنها إلخ. وفيه دليل على وجوب العمرة
على المحصر عن العمرة.
من فاته الحج فعليه أن يتحلل لعمرة، فلما حصل حجه فائتا كان عليه عمرة للفوات، والدم الذى
عليه فى الإحصار إنما هو للإحلال، ولا يقوم مقام العمرة التى تلزم بالفوات؛ وذلك لأنه ليس
فى الأصول عمرة يقوم مقام دم، ولا يسوغ لمالك والشافعى أن يجعلا دم الإحصار قائما مقام
العمرة الواجبة بالفوات؛ لأنهما يقولان: الذى يفوته الحج عليه مع عمرة الفوات هدى.
فهدى الإحصار عندهما هو الذى يلزم بالفوات، فلا يقوم مقام العمرة، كما لا يقوم مقامه
بعد الفوات اهـ (٢٧٧:١ و٢٧٨).
قوله: "حدثنا يزيد بن سنان" إلخ، رجاله رجال الجماعة غير يزيد فمن رجال النسائى

٤٣٣
ج - ١٠
باب هل يجب على المحصر الحلق إذا حل فى مكانه ولم يصل إلى البيت
٢٩٨٨- عن المسور ومروان فى حديث عمرة الحديبية والصلح: أن النبى معَ ◌ّه
فرغ من قضية الكتاب قال لأصحابه: ((قوموا فانحروا ثم احلقوا))، قال: فو الله ما قام
منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة،
فذكر لها ما لقى من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبى الله! أ تحب ذاك؟ أخرج ثم لا تكلم
أحدا منهم كلمة حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلم أحدا
منهم حتى فعل ذلك، نحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا،
وجعل بعضهم يحلق بعضا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما. الحديث، أخرجه
البخارى مطولا (٣٨٠:١).
صدوق ثقة نبيل. كذا فى "التهذيب" (٣٣٥:١١). وإنما ذكرت هذا الأثر بسندين لئلا يغتر أحد
بما ذكره الحافظ فى "الدراية" تحت قول صاحب "الهداية": عن ابن عمرو ابن عباس أن المحصر
بالحج إذا تحلل فعليه حجة وعمرة: لم أجده، نعم ذكره أبو بكر الرازى عن ابن عباس وابن مسعود
بغير إسناد اهـ (٢١١). فقد نبهناك على أن الأثر مروى عن علقمة وعن ابن عباس بسند صحيح
متصل، وقول علقمة هو قول عبد الله بن مسعود، يدل على ذلك صنيع الحافظ السيوطى؛ فإنه ذكر
هذا الأثر فى "الدر المنثور" وعزاه إلى سعيد بن منصور وابن جرير، وعبد بن حميد، وابن أبى
حاتم، من طريق إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود اهـ (٢١٢:١). وأما ابن عمر فقد روى عنه
البخارى والنسائى ما يدل على وجوب حجة وعمرة على المحصر عن الحج، ولفظه: أنه كان يقول:
أُليس حسبكم سنة رسول الله عَّه؟ إن حبس أحدكم عن الحج طاف بالبيت وبالصفا والمروة، ثم
يحل من كل شىء حتى يحج عاما قابلا، فيهدى أو يصوم إن لم يجد هديا. فقوله: "طاف بالبيت
وبالصفا والمروة" ظاهر فى وجوب العمرة، وقوله: "حتى يحج عاما قابلاً" صريح فى وجوب
الحج عليه، فافهم واشكر، فقد اطلعناك على إسناد أثر لم يظفر مثل الحافظ بإسناده.
باب هل يجب على المحصر الحلق إذا حل فى مكانه ولم يصل إلى البيت؟
قوله: "عن المسور ومروان" إلخ، قلت: احتج بقوله مرّ له لأصحابه: ((قوموا فانحروا ثم
احلفوا)) إلخ، من قال بوجوب الحلق على المحصر بعد أن ينحر هديه للإحصار، وهو قول أبى
يوسف رحمه الله؛ فإن ظاهر الأمر الوجوب.

٤٣٤
هل يجب على المحصر الحلق إذا حل فى مكانه ولم يصل إلى البيت
إعلاء السنن
٢٩٨٩- عن المسور أن النبى عَّه نحر قبل أن يحلق، وأمر أصحابه بذلك.
أخرجه البخارى أيضا، وأحمد ولفظه: حلق بالحديبية فى عمرته، وأمر أصحابه بذلك،
ونحر بالحديبية قبل أن يحلق، وأمر أصحابه بذلك. كذا فى "نيل الأوطار" (٣٢٢:٤).
٢٩٩٠- عن عائشة (أم المؤمنين رضى الله عنها) زوج النبى معَ ◌ّم فى حديث
طويل: فقدمت مكة وأنا حائض، ولم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، فشكوت
ذلك إلى النبى معَّ، فقال: ((انقضى رأسك وامتشطى، وأهلى بالحج، ودعى العمرة))،
قال الجصاص فى "أحكام القران" له (٢٧٥:١): وقد اختلفوا فى المحصر هل عليه حلق أم
لا؟ فقال أبو حنيفة ومحمد: لا حلق عليه. وقال أبو يوسف فى إحدى الروايتين عنه: يحلق، فإن لم
يحلق فلا شيء عليه. وروى عنه: أنه لا بد من الحلق. لهما أن الحلق إنما ثبت نسكا مرتبا على قضاء
المناسك، ولم يثبت على غير هذا الوجه، فغير جائز إثباته نسكا إلا عند قيام الدلالة، إذ قد ثبت أن
الحلق فى الأصل ليس بنسك، ومن هنا لو أحرمت المرأة تطوعا بغير إذن زوجها، والعبد بغير إذن
مولاه، جاز للزوج والمولى أن يحللاهما بغير حلق ولا تقصير، وذلك بأن يفعل بهما أدنى ما
يحظره الإحرام من طيب أو لبس، وهذا يدل على أن الحلق غير واجب على المحصر؛ لأن هذين
بمنزلة المحصر، ولو كان الحلق واجبا وهو ممكن لكان على من يملك الإحلال أن يحللهما بالحلق
والتقصير، وإنما جاز له إحلال العبد والمرأة بغير حلق ولا تقصير لكونهما لم يفعلا سائر المناسك
التى رتب عليها الحلق، فوجب أن يجوز لسائر المحصورين الإحلال بغير حلق لهذه العلة.
ولأبى يوسف ما ورد فى الآثار من أمر النبى ◌ّه لأصحابه بالحلق عام الحديبية، وقد أحلوا
قبل أن يقضوا من المناسك شيئا، والقياس على العبد والأمة الغير المأذونين فاسد؛ لكونهما قد عرضا
إحراميهما للفساد إذا أحرما بدون إذن الزوج والمولى، فليسا بمحصرين وإن كانا بمنزلة المحصر فى
بعض الأحكام. هذا، وقد انتصر الجصاص الرازى فى "أحكام القرآن" للطرفين فرجح قولهما،
والطحاوى فى "معانى الآثار" لأبى يوسف فرجح قوله، ومن أراد البسط فى دلائل المسألة وأجوبة
الفريقين فليراجعهما.
قوله: "عن عائشة رضى الله عنها" إلخ، قلت: احتج به محمد وأبو حنيفة قالا: فقد أمر
النبى عَّ عائشة برفض العمرة قبل استيعاب أفعالها، ولم يأمرها بالحلق والتقصير حين لم تستوعب
أفعال العمرة، فدل ذلك على أن من جاز له الإحلال من إحرامه قبل قضاء المناسك فليس عليه

ج - ١٠
٤٣٥
ففعلت، فلما قضينا الحج أرسلنى النبى معَّ مع عبد الرحمن بن أبى بكر إلى التنعيم،
فاعتمرت، فقال: ((هذه مكان عمرتك))، الحديث، أخرجه البخارى (٢١١:١).
باب أن محل الهدى الحرم للمحصر وغيره دون الحل
وقول الله عز وجل: ﴿حتى يبلغ الهدى محله﴾
وقوله: ﴿هديا بالغ الكعبة﴾، وقوله: ثم محلها إلى البيت العتيق
٢٩٩١- عن عطاء بن أبى رباح، عن جابر قال: قال رسول الله عَّ له: ((كل عرفة
موقف، وكل منى منحر، وكل المزدلفة موقف، وكل فجاج مكة طريق ومنحر)).
الإحلال بالحلق. ويمكن أن يقال: إن قوله: انقضى رأسك وامتشطى)) فى معنى قوله: قصرى شعر
رأسك))؛ فإن بعض النساء تنكسر شعرها بالمشط كثيرا، فيكون الامتشاط فى حقها كالتقصير،
والله تعالى أعلم. وقول أبى يوسف هو الذى يميل إليه الفؤاد، وصلى الله تعالى على خبر العباد،
وسيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الأمجاد، إلى يوم التناد. وبدل لصحة قول أبى يوسف أنه عرض له
دعا للمحلقين بالمغفرة ثلاثا، وللمقصرين مرة فى قصة الحديبية، كما فى "فتح البارى" مفصلا
(٤٤٨:٣ و٤٤٩) وهذا يقتضى كون الحلق والتقصير نسكا للمحصرين، ولو لم يكن من المناسك
لما دخله التفضيل كسائر المباحات، بل ولم يفعله رسول الله عَ ليه؛ لأنه لم يكن من عادته فيفعله
عادة، ولا فيه فضل فى نفسه فيفعله لفضله، فثبت أن حلقه عّ بالحديبية وأمره به لم يكن إلا
لكونه نسكا للمحصرين كما هو نسك للحاج والمتعمرين فى غير. حالة الإحصار والله تعالى أعلم.
باب أن محل الهدی الحرم للمحصر و غيره دون الحل
وقوله تعالى: ﴿حتى يبلغ الهدى محله﴾، وقوله: ﴿هديا بالغ الكعبة﴾
وقوله: ﴿ثم محلها إلى البيت العتيق﴾
قوله: "عن عطاء" إلخ، قلت: فكما أن قوله عليه السلام: ((كل عرفة موقف وكل
المزدلفة (١) موقف)) (غير ما استثنى عنهما من بطن عرنة، ووادى محسر، فى بعض الروايات) دل
على أن ما سوى عرفة والمزدلفة ليس بموقف، كذلك قوله: ((كل منى منحر)) يدل على أن الهدى
لا ينحر إلا فى محل متعين له، ولو لا قوله مَّه: ((كل فجاج مكة طريق ومنحر)) لقلنا: إن محل
(١) ومعناه أن كل عرفة موقف للوقوف الذى هو فريضة الحج، وكل المزدلفة موقف للوقوف الذى هو واجب فيه، ولا يغنى
الوقوف بأحدهما عن الآخر فافهم.

٤٣٦
محل الهدى الحرم للمحصر وغيره دون الحل
إعلاء السنن
أخرجه أبو داود، وابن ماجة، وفيه أسامة بن زيد الليثى قال فى "التنقيح": روى له
الهدى منى فقط، فالهدى محله الحرم دون الحل، سواء كان دم الإحصار، أو دم الكفارات،
أو هديا ساقه المتمتع والقارن أو الحاج والمعتمر، أو كان جزاء الصيد.
واتفق الأئمة(١) فى سائر الهدى أن لا ينحر إلا فى الحرم غير دم الإحصار فاختلفوا فيه، فقال
أحمد، والشافعى، ومالك رحمهم الله تعالى: إن للمحصر نحره فى موضع حصره من حل
أو حرم، إلا أن يكون قادرا على أطراف الحرم ففيه وجهان: أحدهما يلزم نحره فيه؛ لأن الحرم كله
منحر، وقد قدر عليه. والثانى ينحره فى موضعه؛ لأن النبى معَّ ◌ُلِّ نحر هديه فى موضعه. وعن
أحمد: ليس للمحصر نحر هديه إلا فى الحرم، ويواطى رجلا على نحره فى وقت يتحلل فيه،
يروى هذا عن ابن مسعود فيمن لدغ فى الطريق، وروى نحو ذلك عن الحسن والشعبى والنخعى
وعطاء كذا فى "المغنى" لابن قدامة (٥١٩:٣).
واحتجوا بأن النبى عّ لّه وأصحابه نحروا هداياهم فى الحديبية، وهى من الحل قاله البخارى.
قال مالك وغيره: إن النبى معَّه وأصحابه حلقوا وحلوا من كل شىء قبل الطواف، وقبل أن يصل
الهدى إلى البيت، ولم يذكر أن النبى معَّ لّ أمر أحدا أن يقضى شيئا، ولا أن يعودوا له، ويروى
أن النبى معّ نحر هديه عند الشجرة التى كان تحتها بيعة الرضوان، وهى من الحل باتفاق أهل
السير، قاله ابن قدامة. وعن الشافعى: إن بعض الحديبية فى الحل، وبعضها فى الحرم، لكن إنما نحر
رسول الله عَّ فى الحل استدلالا بقوله تعالى: ﴿وصدوكم عن المسجد الحرام والهدى معكوفا أن
يبلغ محله﴾ قال: ومحل الهدى عند أهل العلم الحرم، وقد أخبر الله تعالى أنهم صدوهم عن ذلك،
فحيث ما أحصر ذبح وحل، ولا قضاء عليه من قبل أن الله تعالى لم يذكر قضاء. اهـ ملخصا من
"فتح البارى" (١٠:٤).
ولنا ما ذكرنا من الآيات فى ترجمة الباب، وهى نص فى أن محل الهدايا والبدن الحرم؛ فإن
الله عز وجل ذكر البدن والهدايا فقال: ﴿ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب لكم فيها
منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق)). فجعل محلها الحرم، ولا محل للهدى دونه،
وقد صرح الشافعى رحمه الله بأن محل الهدى عند أهل العلم الحرم. وأما قوله تعالى: ﴿وصدوكم
(١) قال الطيبى: ويجوز ذبح هدى الحصر حيث أحصر، ولا يجوز ذبح باقى الهدايا إلا فى الحرم. وقال أصحاب أبى حنيفة: لا
يراق هدى المحصر إلا فى الجرم انتهى من حاشية "المشكاة" (٢٠٠).

ج - ١٠
محل الهدى الحرم للمحصر وغيره دون الحل
٤٣٧
مسلم متابعة فيما أرى، ووثقه ابن معين فى رواية انتهى. قال الزيلعى: فالحديث حسن.
"نصب الراية" (٥٥٢:١).
عن المسجد الحرام والهدى معكوفا أن يبلغ محله﴾ فهو باعتبار الأكثر دون الكل، ألا ترى أنهم
لم يصدوا عثمان بن عفان عن المسجد الحرام، وأذنوا له (١) فى الطواف والسعى، إلا أنه لم يرض بأن
يتمتع بالبيت دون رسول الله مێے، فكذلك الهدى بقى بعضه معكوفا أن يبلغ محله، وبعضه نحر
فى الحرم، وهدى رسول الله عّ لّه إنما نحر فى الحرم.
قال الحافظ فى "الفتح": وكان عطاء يقول: لم ينحر (رسول الله عَ ليه) يوم الحديبية إلا فى
الحرم. ووافقه ابن إسحاق. وقال غيره من أهل المغازى: إنما نحر فى الحل. وروى يعقوب بن سفيان
من طريق مجمع بن يعقوب عن أبيه، قال: لما حبس رسول الله عٍَّ وأصحابه نحروا بالحديبية
وحلقوا، وبعث الله ريحا فحملت شعورهم فألقتها فى الحرم. قال ابن عبد البر فى "الاستذكار":
فهذا يدل على أنهم حلقوا فى الحل. قلت، ولا يخفى ما فيه؛ فإنه لا يلزم من كونهم ما حلقوا فى
الحرم أن لا يكونوا أرسلوا الهدى مع من نحره فى الحرم، وقد ورد ذلك فى حديث ناجية بن
جندب الأسلمى، قلت: يا رسول الله! ابعث معى بالهدى حتى أنحره بالحرم، ففعل. أخرجه
النسائى من طريق إسرائيل، عن مجزأة بن زاهر، عن ناجية وأخرجه الطحاوى من وجه آخر عن
إسرائيل، لكن قال: عن ناجية عن أبيه اهـ (٩:٤).
وفى "الجوهر النقى" (٣٥٧:١): ويدل على أنه عرّ ◌ُّ نحر فى الحرم ما أخرجه النسائى
بسند صحيح عن ناجية بن كعب الأسلمى، أنه أتى النبى معَّه حين صد الهدى، فقال: يا رسول
اللّه! ابعث به معى فأنا أنجره، قال: ((کیف))؟ قال: آخذ به فى أودية لا يقدر عليه، قال: فدفعه إليه،
فانطلق به حتى نحره فى الحرم اهـ. قلت: وفيه دلالة على أن المحصر محل هديه الحرم كسائر
الهدى، لا يجوز له النحر دونه إلا إذا لم يقدر عليه أصلاً، فعليه إبداله فى القضاء، ولو كان محل
هديه محل الإحصار لم يهتم النبى ◌ّ مثل تلك الحيلة لنحر هديه فى الحرم. وبهذا ظهر الجواب
عما ذكره ابن قدامة بلفظ: يروى أنه عَ ◌ِّ نحر هديه عند الشجرة إلخ، فإنه رواية عن مجهول من
غير سند، وما أخرجه النسائي عن ناجية سنده صحيح، فهو المعتمد، وبه جزم عطاء وابن إسحاق
أنه عٍَّ لم ينحر هديه يوم الحديبية إلا فى الحرم.
(١) كما فى سيرة ابن هشام برواية ابن إسحاق (٢-١٦٦).

٤٣٨
محل الهدى الحرم للمحصر وغيره دون الحل
إعلاء السنن
٢٩٩٢- عن عمرو بن ميمون، قال: سمعت أبا حاضر الحميرى يحدث أبى
ميمون بن مهران، قال: خرجت معتمرا عام حاصر أهل الشام ابن الزبير بمكة، وبعث
معى رجال من قومى بهدى، فلما انتهينا إلى أهل الشام منعونا أن ندخل الحرم، فنحرت
الهدى مكانى، ثم أحللت، ثم رجعت، فلما كان من العام المقبل خرجت لأقضى
عمرتى، فأتيت ابن عباس، فقال: أبدل الهدى؛ فإن رسول الله عَّ ◌ُلّه أمر أصحابه أن
يبدلوا الهدى الذى نحروا عام الحديبية فى عمرة القضاء. أخرجه أبو داود (٢٦٤:١)
قال الحافظ فى "الفتح": لكن لا يلزم من وقوع هذا وجوبه، بل ظاهر القصة أن أكثرهم
نحر فى مكانه، وكانوا فى الحل، وذلك دل على الجواز اهـ. قلت: كلا، بل الظاهر من اهتمام
ناجية بنحر هديه عَّ فى الحرم، وسؤاله عَّه عنه عن كيفيته، وذكر ناجية الحيلة فى ذلك،
وجوبه، وأن على المحصر ذبح هديه فى الحرم كيفما قدر عليه ولو بحيلة؛ لقوله تعالى: ﴿ثم محلها
إلى البيت العتيق﴾. وأما الأصحاب الذين نحروا فى مكانهم فى الحل، فالظاهر أنهم لم يتيسر لهم
من ينحر هداياهم فى الحرم، كما تيسرنا ناجية للنبى عَ له.
وأيضا فقد ظفرنا بحديث ابن عباس وسيأتى، وفيه: أن النبى عّ لِّ أمر أصحابه أن يبدلوا
الهدى الذى نحروا عام الحديبية فى عمرة القضاء. وهذا دليل واضح فى وجوب نحر الهدى فى
الحرم للمحصر، وإبداله الهدى فى القضاء إن كان ذبحه فى الحل فافهم. والله تعالى أعلم. وظنى
أن تأتيد مذهب الإمام أبى حنيفة فى هذه المسئلة كما هو حقه لم يسبقنى إليه أحد من أهل العلم،
وهذا من فضل ربى، اللهم ما أصبح بى من نعمة أو بأحد من خلقك، فمنك وحدك، لا شريك
لك، فلك الحمد ولك الشكر، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما تجب وكما ترضى.
قوله: "عن عمرو بن ميمون" إلخ، قلت: والمراد بأصحابه بعضهم الذين ذبحوا هداياهم
خارج الحرم، يعنى أمرهم بأن ينحروا بدل ما نحروا فى السنة المتقدمة؛ لعدم إجزاء الأول لعدم
وقوعه فى الحرم. قال الطيبى: يستدل بهذا الحديث من يوجب القضاء على المحصر إذا حل حيث
أحصر، ومن يذهب إلى أن دم الإحصار لا يذبح إلا فى الحرم، فإنه عّ لّه أمرهم بالإبدال؛ لأنهم
نحروا هداياهم فى الحديبية خارج الحرم انتهى. قال القارى: وفيه دلالة على أنه معِّ وبعض من
تبعه ذبحوا دم إحصارهم فى أرض الحرم، وهو مذهب أبى حنيفة رحمه الله. كذا فى "بذل
المجهود" (١٣٦:٣). قلت: ووجه الدلالة منه أن ابن عباس لم يقل: إن رسول الله عَّ له أيدل الهدى

ج - ١٠
محل الهدى الحرم للمحصر وغيره دون الحل
٤٣٩
وسكت عنه. وفى "الجوهر النقى" (٣٥٨:١): بسند حسن اهـ. وأخرجه الحاكم فى
"المستدرك" (٤٨٦:١) وزاد: قال عمرو (هو ابن ميمون): فكان أبى قد أهمه ذلك
الذى نحروا عام الحديبية، يقول: لا أدرى هل أبدل أصحاب النبى معَّ الهدايا التى
نحروا بالحديبية فى عمرة القضاء أم لا؟ حتى حدثه أبو حاضر. قال الحاكم: هذا حديث
صحيح الإسناد، وأبو حاضر شيخ من أهل اليمن مقبول صدوق اهـ. وأقره عليه الذهبى
فی "تلخيصه".
الذی نحره عام الحديبية فى عمرة القضاء، فلو کان هدیه قد نحر خارج الحرم لأُبدل هدیه فى
القضاء، ولذكره ابن عباس رضى الله عنهما فافهم. وقال الخطابى: من أوجه یعنی القضاء فإنه يلزمه
بدل الهدى؛ لقوله عز وجل: ﴿هديا بالغ الكعبة﴾، ومن نحر الهدى فى الموضع الذى أحصر فيه
وكان خارجا من الحرم، فإن هديه لم يبلغ الكعبة، فيلزمه إبداله أو إبلاغه الكعبة، وفى الحديث
حجة لهذا القول انتهى. كذا فى "الجوهر النقى" (٣٥٨:١).
وأما ما ذكره البيهقى وغيره عن حسين بن على رضى الله تعالى عنهما: أنه مرض بالسقيا
وهو محرم، وأن عليا أمر برأسه فحلق، ونحر عنه جزورا، فأطعم أهل الماء. وفيه أن عليا نحر
الجزور فى غير الحرم. قلت: ذكر الطحاوى أن هذا لا يصح؛ لأنهم لا يبيحون لمن لم يمنع من الحرم
أن يذبح فى غيره، وإنما يختلفون إذا منع منه، فلما نحر على فى غيره وهو واصل إليه، دل على أنه
لم يكن أراد به الهدى، ولكنه أراد به معنى أخر من الصدقة على أهل ذلك الماء، والتقريب إلى الله
تعالى بذلك، انتهى كلامه. وقال صاحب "الجوهر النقى": ثم هذا الأثر حجة على البيهقى
وأصحابه؛ لأنهم لا يرون الإحلال فى الإحصار بالمرض اهـ (٣٥٧:١).
ومما يدل على أنه سَِّ نحر هديه عام الحديبية فى الحرم ما ذكره الطحاوى: حدثنا ابن أبى
داود قال: حدثنا سفيان بن بشر الكوفى، ثنا يحيى بن أبى زائدة عن محمد بن إسحاق عن الزهرى
عن عروة عن المسور أن رسول الله عَّم كان بالحديبية خباءه فى الحل ومصلاه فى الحرم. رجاله
لهم ثقات غير سفيان بن بشر، فلم أقف على من ترجمه وفى كشف الأستار: سفيان بن بشر
الكوفى بن أيمن بن غالب الأسدى أبو الحسن الكوفى عن شريك، وعنه ابن أبى داود. وقال ابن
يونس فى "الغرباء": قدم مصر وحدث بها، وتوفى بمصر فى شوال سنة إحدى وأربعين ومأتين.
كذا فى المغانى (٤١). قال الطحاوى: فثبت بما ذكرنا أن النبى معَّه لم يكن صد عن الحرم، وأنه

٤٤٠
محل الهدى الحرم للمحصر وغيره دون الحل
إعلاء السنن
٢٩٩٣- عن ابن عباس: وإذا كان معه هدى وهو محصر نحر إن كان لا يستطيع
أن يبعث، وإ استطاع أن يبعث به لم يحل حتى يبلغ الهدى محله. رواه البخارى معلقا،
ووصله إسحاق بن راهويه فى تفسيره، وابن جرير الطبرى. "فتح البارى" (٩:٤). وهو
صحیح أو حسن.
٢٩٩٤- عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: أهل رجل منا بعمرة فلدغ، فطلع ر کب
فيهم عبد الله بن مسعود، فسألوه، فقال: يبعث بهدى، واجعلوا بينكم وبينه يوما أمارا،
فإذا كان ذلك اليوم فليحل. قال عمارة بن عمير: فكان حسبك به عن عبد الرحمن بن
يزيد عن عبد الله، وعليه العمرة من قابل، أخرجه الطبرى فى تفسيره (١٢٩:٢) بسند
صحیح، وفى رواية له: قال: يبعث معكم بثمن هدی.
قد كان يصل إلى بعضه، ولا يجوز فى قول أحد(١) من العلماء لمن قدر على دخول شىء من الحرم
أن ينحر هديه دون الحرم اهـ (٤٢٧:١). واحتجاج الطحاوى بهذا الأثر يدل على صحته عنده،
ويجمع بينه وبين أثر ناجية أنه مَّ كان مصلاه فى الحرم أول نزوله فى الحديبية، ثم لما صده
المشركون عن البيت تأخر عن أرض الحرم، حفظا لجانب حرمته عن وقوع القتال والجدال فيه،
وأرسل هديه على يد ناجية لينحره فى الحرم بحيلة حيث لا يراه المشركون والله تعالى أعلم.
قوله: "عن ابن عباس" إلخ. دلالته على معنى الباب ظاهرة، وأن المحصر إن استطاع أن يبعث
بهدیه إلى الحرم لم يحل حتى يبلغ الهدى محله.
قوله: "عن عبد الرحمن بن يزيد" إلخ، دلالته على ما دل عليه ما قبله ظاهرة. قال الطبرى:
حدثنى محمد بن المثنى، ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن الحكم، قال: سمعت إبراهيم النخعى
يحدث عن عبد الرحمن بن يزيد، فذكره. وهذا سند كما تراه رجاله كلهم ثقات لا يسئل عنهم.
فائدة: قال الجصاص فى "أحكام القرآن" له: فإن قيل: قال الله تعالى: ﴿هم الذين كفروا
وصدوكم عن المسجد الحرام والهدى معكوفا أن يبلغ محلّه﴾، وذلك فى شأن الحديبية، وفيه دلالة
على أن النبى عّ لّه وأصحابه نحروا هديهم فى غير الحرم، لو لا ذلك لكان بالغا محله. قيل له: هذا
(١) وفيه دلالة على أن ما ذكره ابن قدامة من الوجهين فى المحصر القادر على أطرف الحرم لا يصح، وإنما فيه وجه واحد فقط أنه
يلزمه نحره فى الحرم، وما ذكر فى دليل الوجه الثانى من أن النبى مَّ نحر هديه فى موضعه، ففيه أن القائلين بنحر هديه فى
الحل لا يقولون: إنه نحر خارج الحرم مع قدرته على النحر فيه، بل لكونه صد عن الحرم، والله تعالى أعلم.