النص المفهرس
صفحات 381-400
ج - ١٠ يجوز للمحرم أكل ما صاده الحلال إذا لم يعنه بشئ ٣٨١ ثم قال: والقول الأول هو الصحيح؛ لأنه قد ثبت أن جنايات الإحرام لا يختلف فيه المعذور وغير المعذور، ألا ترى أن الله تعالى قد عذر المريض ومن به أذى من رأسه، ولم يخلهما من إيجاب الكفارة؟ وكذلك لا خلاف فى فوات الحج لعذر أو غيره أنه غير مختلف الحكم، ولما ثبت ذلك فى جنايات الإحرام، وكان الخطأ عذرا (أيضا) لم يكن مسقطا للجزاء. فإن قيل: لا يجوز عندكم إثبات الكفارات قياسا، وليس فى المخطئ نص فى إيجاب الجزاء. قيل له: ليس هذا عندنا قياسا؛ لأن النص قد ورد بالنهى عن قتل الصيد فى قوله: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾، وذلك عندنا يقتضى إيجاب البدل على متلفه، كالنهى عن قتل صيد الآدمى أو إتلاف ما له. وأيضا فقد ثبت استواء حال المعذور وغير المعذور فى سائر جنايات الإحرام،. فكان مفهوما من ظاهر النهى تساوى حال العامد والمخطئ، وليس ذلك عندنا قياسا كما قلنا فى من سبقه الحدث فى الصلاة من يول أو غائط: إنه بمنزلة الرعاف والقبئ الذين جاء فيهما الأثر فى جواز البناء عليها؛ لأن ذلك غير مختلف فيما يتعلق بهما من أحكام الطهارة والصلاة، وكذلك حكم قاتل الصيد خطأ. وأما مجاهد فإنه تارك لظاهر الآية، لأن الله تعالى قال: ﴿ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾، فمن كان ذاكرا لإحرامه عامدا لقتل الصيد فقد شمله الاسم، (لكونه متعمدا) فوجب عليه الجزاء، ولا معنى لاعتبار كونه ناسيا لإحرامه عامدا لقتله اهـ ملخصا (٢ : ٤٧٠). المبتدئ والعائد سواء فى وجوب الجزاء فائدة: أخرج ابن أبى حاتم وأبو الشيخ من طريق نعيم بن قعنب عن أبى ذر: ﴿عفا الله عما سلف﴾ قال: عما كان فى الجاهلية، ﴿ومن عاد فينتقم الله منه﴾ قال: فى الإسلام. وأخرج ابن أبى شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن عطاء: ﴿عفا الله عما سلف﴾ قال: عما كان فى الجاهلية، ﴿ومن عاد﴾ قال: من عاد فى الإسلام ﴿فينتقم الله منه﴾ وعليه مع ذلك الكفارة .. وأخرج ابن جرير عن إبراهيم قال: كلما أصاب الصيد المحرم حكم عليه وابن جرير، وعبد بن حمید، وسعید بن منصور عن عطاء. قال: يحكم عليه كلما عاد. كذا فى الدر المنثور (٣٣١:٢). قال الجصاص فى قوله تعالى: ﴿ومن عاد فينتقم الله منه﴾: روى عن ابن عباس، والحسن، وشريح: إن عاد عمدا لم يحكم عليه، والله تعالى ينتقم منه. وقال سعيد بن جبير، وعطاء، ٣٨٢ إعلاء السنن باب قوله تعالى: ﴿یحک به ذوا عدل منكم﴾ ٢٩٣٩- عن محمد بن سيرين: إن رجلا جاء إلى عمر بن الخطاب، فقال: إنى أجريت أنا وصاحب لى فرسين نستبق إلى ثغرة ثنية، فأصبنا ظبيا ونحن محرمان، فما ذا ترى؟ فقال عمر لرجل بجنبه: تعال حتى نحكم أنا وأنت، قال: فحكما علیه بعنز، فولی الرجل وهو يقول: هذا أمير المؤمنين لا يستطيع أن يحكم فى ظبى حتى دعا رجلا فحكم معه. فسمع عمر قول الرجل، فدعاه، فسأله: هل تقرأ سورة المائدة؟ فقال: لا، فقال: هل تعرف هذا الرجل الذى حكم معى؟ فقال: لا، فقال: لو أخبرتنى أنك تقرأ سورة المائدة لأوجعتك ضربا، ثم قال: إن الله عز وجل يقول فى كتابه: ﴿يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة)، وهذا عبد الرحمن بن عوف. رواه مالك فى "الموطأ" عن عبد الملك بن قريب، عن محمد بن سيرين. وعبد الملك بن قريب هو الأصمعى ثقة. "نيل الأوطار" (٢٣٥:٤). ومجاهد: يحكم عليه أبدا. وحكم سر وعبد الرحمن بن عوف على قبيصة، ولم يسئلاه هل أصبت قبله شيئا أو لا؟، وهو قول نهاء الأمصار، وهو الصحيح؛ لأن قوله تعالى: ﴿ومن قتله منكم متعمدا فجزاء﴾ يوحب الجزاء فى كل مرة، كقوله: ﴿ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة﴾. وذكره الوعيد للعائد لا ينافى وجوب الجزاء، على أن قوله تعالى: ﴿ومن عاد فينتقم الله منه﴾ لا دلالة فيه على أن المراد العائد إلى قتل الصيد بعد قتله لصيد آخر قبله، لأن قوله: عفا الله عما سلف)) يحتمل أن يريد به عما سلف قبل التحريم، ومن عاد يعنى بعد التحريم، وإن كان أول صيد بعد نزول الآية، وإذا كان فيه احتمال ذلك لم يدل على أن العائد فى قتل الصيد بعد قتله مرة أخرى ليس عليه إلا الانتقام اهـ ملخصا (٤٧٦:٢). باب قوله تعالی: یحکم به ذوا عدل منکم قوله: "عن محمد بن سيرين" إلخ، قلت: وهذا الرجل هو قبيصة بن جابر، وكان الذى أصاب الظبى صاحبه، ولم يشتركا فى قتله، يدل عليه ما أخرجه ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبى حاتم والطبرانى، والحاكم وصححه، عن قبيصة بن جابر، قال حججنا زمن عمر، فرأينا ظبيا، فقال أحدنا لصاحبه: أ ترانى أبلغه؟ فرمى بحجر فما أخطأ خششاه (هو العظم الناتى خلف الأذن "مجمع البحار" ٣٤٤:١)، فقتله، فأتينا عمر بن الخطاب فسألناه، وإذا إلى جنبه رجل -يعنى عبد ٣٨٣ ج - ١٠ باب من كسر بيض النعامة فعليه قيمته وإن المراد بالمثل فى قوله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ المثل المعنوى وهو القيمة دون النظير من حيث الخلقة ٢٩٤٠- عن كعب بن عجرة: أن النبى معَّ له قضى فى بيض نعامة أصابه المحرم الرحمن بن عوف- فالتفت إليه فكلمه، ثم أقبل على صاحبنا فقال: اعمد إلى شاة فاذبحها، وتصدق بلحمها، واسق إهابها، يعنى ادفعه إلى مسكين يجعله سقاء، فقمنا من عنده، فقلت لصاحبى: أيها الرجل! أعظم شعائر الله، والله ما دری أمير المؤمنین ما یفتیك حتى شاور صاحبه، اعمد إلى ناقتك فانحرها، فلعل(١) ذلك، قال قبيصة: وما أذكر الآية فى سورة المائدة: ﴿يحكم به ذوا عدل منكم﴾، فبلغ عمر مقالتى، فلم يفجأنا إلا ومعه الدرة، فعلى صاحبى ضربا بها وهو يقول: أقتلت الصيد فى الحرم وسفهت الفتيا؟ ثم أقبل على يضربنى، فقلت: يا أمير المؤمنين! لا أحل لك منى شيئا مما حرم الله عليك، قال: يا قبيصة! إنى أراك شابا حديث السن فصيح اللسان فسيح الصدر، وأنه قد يكون فى الرجل تسعة أخلاق صالحة، وخلق سىء، فيغلب خلقه السىء أخلاقه الصالحة، فإياك وعثرات الشباب. كذا فى "الدر المنثور" (٣٢٩:٢). وقال صاحب "الهداية": والجزاء عند أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله أن يقوم الصيد فى المكان الذى قتل فيه. أو فى أقرب المواضع منه إذا كان فى برية، فيقومه ذوا عدل ثم هو مخير فى الفداء، إن شاء ابتاع بها هديا وذبحه إن بلغت هديا، وإن شاء اشترى بها طعاما، وتصدق على كل مسكين نصف صاع من برّ أو صاعا من تمر أو شعير، وإن شاء صام على ما نذكر.اهـ (٨:٣ مع "الفتح"): واختلفوا فى تعيين قول محمد، فحكى الطحاوى عنه أن الخيار إلى الحكمين، وحكى الكرخى قول محمد: إن الخيار إلى القاتل كما قاله الشيخان، والبسط فى "فتح القدير" (٨:٣) ودلالة الأثر على تحكيم ذوى عدل وطريقته ظاهرة وأما أنه هل يكفى الواحد العدل، أو يعتبر المثنى وجوبا؟ فسيأتى تحقيقه فى الباب الآتى: باب من كسر بيض النعامة فعليه قيمته وأن المراد بالمثل فى قوله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ المثل المعنوى وهو القيمة، دون النظير من حيث الخلقة قوله: "عن كعب بن عجرة" إلخ، قلت: لعلك قد عرفت بما ذكرنا من الطرق للحديث (١) هكذا فى "الدر" وفى تفسير ابن جرير: ففعل ذلك. (٧-٣٢). ٣٨٤ المراد بالمثل فى قوله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ إعلاء السنن بقيمته. رواه عبد الرزاق، والبيهقى، والدارقطنى، من حديث إبراهيم بن أبی یحبى، عن حسین بن عبد الله، عن عكرمة، عن ابن عباس، عنه، وحسین ضعيف. ورواه أبو داود، ومن آثار الصحابة المؤيدة له، أنه حديث حسن صالح للاحتجاج به. قال الموفق فى "المغنى" (٢٩٣:٣): إذا أتلف بیض صید ضمنه بقيمته أی صید کان. قال ابن عباس: فى بيض النعام قیمته. وروی ذلك عن عمر، وابن مسعود رضى الله عنهما، وبه قال النخعى(١) والزهرى، والشافعى، وأبو ثور، وأصحاب الرأى؛ لأنه روى عن النبى معَّ لّه قال: ((فى بيض النعام يصيبه المحرم ثمنه)). رواه ابن ماجه. وإذا وجب فى بيض النعام قيمته مع أنه من ذوات الأمثال فغيره أولى، ولأن البيض لا مثل له، فيجب فيه قيمته (قلت: كلام متناقض، فقد جعل البيض من ذوات الأمثال مرة ومن غيرها أخرى) كصغار الطير، فإن لم يكن له قيمة لكونه مذرا، أو لأن فرخه میت، فلا شىء فيه اهـ. وفى "نيل الأوطار": وقد اختلف فيما يلزم المحرم إذا أصاب بيضة نعام، فقال أبو حنيفة، وأصحابه، والشافعى: إنه يجب فيها القيمة. وقال مالك فى رواية عنه: قيمة عشر بدنة. وقال الشافعى فى رواية عنه: قيمة عشر النعامة. وقال الهادى: يجب فيها صوم يوم أهـ (٢٣٩:٤). واستدل الهادى بما رواه ابن أبى شيبة من طريق معاوية بن قرة: أن رجلا أوطأ بعيره بيض نعام فسأل عليا، فقال: عليك لكل بيضة ضراب ناقة، فانطلق إلى رسول الله عّ لِّ فأخبره، فقال: (قد سمعت ما قال، وعليك فى كل بيضة صيام يوم أو إطعام مسكين)) "زيلعى" (٥٣٧:١)، وهذا مرسل؛ فإن معاوية بن قرة لم يذكر من سمعه، وقال ابن أبى حاتم عن أبى زرعة: معاوية بن قرة عن على مرسل. كذا فى "التهذيب" (٢١٧:١). وبما أخرجه الشافعى، وأبو داود، والدار قطنى، والبيهقى، من حديث عائشة: أن رسول الله حکم فی بيض النعام فی کل بيضة صيام يوم. قال عبد الحق: لا یسند من وجه صحیح، وفى إسناد أبى داود رجل لم يسم. كذا فى "النيل" (٢٣٩:٤). وإن سلمنا فهو محمول على الضمان بالقيمة. فلعل قيمة البيضة كانت نصف صاع من حنطة، أو صاعا من شعير، وكان الرجل محرما، فحيره النبى عّ لّه بين الصيام والإطعام. (١) قلت: وبه قال مالك كما ستعرف، ودل كلام الموفق على إجماع الفقهاء عليه؛ لأنه لم يذكر فيه خلافا، وعادته ذكر الاختلاف فى مواضع الاختلاف، فصح ما ادعاه الجصاص من الإجماع فى هده المسألة فتذكر. ج - ١٠ المراد بالمثل فى قوله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ ٣٨٥ والدار قطنى، والبيهقى، من رواية ابن جريج، عن زياد بن سعد، عن أبى الزناد، عن رجل، عن عائشة. ورواه ابن ماجة، والدارقطنى، من حديث أبى المهزم، -وهو أضعف هذا، ودلالة الحديث على ضمان البيض(١) بالقيمة ظاهرة. وهذا لا خلاف فيه فيما علمنا، أما ضمان الصيد فقد اختلف فى كونه بالقيمة أو بالنظير، ومنشأه الاختلاف فى المراد بالمثل فى قوله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل﴾ فقيل: أراد به المثل المعنوى، وهو القيمة، هذا قول أبى حنيفة رحمه الله، وأبى يوسف. وقال محمد، والشافعى، (والجمهور): يجب فى الصيد النظير فيما له نظير، ففى الظبى شاة، وفى الضبع شاة، وفى الأرنب عناق، وفى اليربوع جفرة، وفى النعامة بدنة، وفى حمار الوحش بقرة؛ لقوله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾، ومثله من النعم ما يشبه المقتول صورة؛ لأن القيمة لا تكون نعما. والصحابة رضى الله عنهم أوجبوا النظير من حيث الحلقة والمنظر فى النعامة، والظبى، وحمار الوحش، والأرنب، على ما بينا. وقال مرّ ليه: ((الضبع صيد وفيه شاة))، وما ليس له نظير عند محمد رحمه الله تجب فيه القيمة، مثل العصفور، والحمام، وأشباههما، وإذا وجبت القيمة كان قوله كقولهما، والشافعى رحمه الله (وكذا أحمد) يوجب فى الحمامة شاة، ويثبت المشابهة بينهما من حيث أن كل واحد منهما يعب ويهدر. (قلت: فبطلت المثلية من حيث الخلقة والمنطر، ورجعت إلى الصفات، وعلى هذا فالعصفور الذكر مثل التيس أيضا فى كثرة السفاد ونحوها). ولأبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله تعالى أن المثل المطلق هو المثل صورة ومعنى، ولا يمكن الحمل عليه؛ (لخروج ما ليس له مثل صورى من تناول النص، وفى ذلك إهماله عن حكم الشرع)، فحمل على المثل معنى؛ لكونه معهودا فى الشرع فى حقوق العباد، أو لكونه مرادا بالإجماع، (فيما لا مثل له صورة، فلا يكون غيره مرادا، وإلا لزم عموم المشترك، أو الجمع بين الحقيقة والمجاز، وكلاهما غير جائز، وقد أجاب صاحب "الكفاية" عما أورد عليه من منع الاشتراك، ومنع كونه حقيقة فى أحدهما ومجازا فى الآخر، بأحسن جواب فليراجع. ٩:٣ مع الفتح) أو لما فيه من التعميم، وفى ضده التخصيص، والمراد بالنص -والله أعلم- فجزاء قيمة ما قتل (١) قال الموفق: وقد قيل فى قوله تعالى: ﴿ليبلونكم الله بشىء من الصيد تناله أيديكم﴾: يعنى الفرخ، والبيض، وما لا يقدر أن يفر من صغار الصید، "ورماحكم" یعنی الكبار اهـ. (٣٥٤:٣). قلت: قد أخرجه الإمام الطبری فی تفسیره عن مجاهد بأسانيد صحاح وحسان. (٢٦:٧). ٣٨٦ المراد بالمثل فى قوله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ إعلاء السنن من حسين أو مثله- عن أبى هريرة. " التلخيص الحبير" (٢٢٤:١). قلت: حسين بن عبد الله قال ابن أبى مريم عن يحيى: ليس به بأس، يكتب حديثه، و کذا قال ابن عدى: من النعم الوحشى، واسم النعم ينطلق على الوحشى والأهلى، كذا قاله أبو عبيدة والإصمعى رحمهما الله تعالى، والمراد بما روى التقدير به دون إيجاب المعين اهـ. كذا فى الهداية مع الكفاية والفتح (٩:٣و١٠). قال فى "المبسوط": وإيجاب الصحابة رضى الله عنهم لهذه النظائر لا باعتبار أعيانها، بل باعتبار القيمة، إلا أنهم كانوا أرباب المواشى (لا أرباب الدراهم والنقود، ويدل عليه قول عمر لكعب حين قال: فى جرادة درهم: إنكم أصحاب الدراهم، لتمرة خير من جرادة وسيأتى)، فكان ذلك أيسر عليهم من النقود اهـ. وفيه أيضا: وأبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله تعالى أخذا يقول ابن عباس رضى الله عنهما، فإنه فسر المثل بالقيمة، والمعنى الفقهى يشهد له، فإن الحيوان لا مثل له من جنسه، (للاختلاف الكثير بين فرد فرد منه فى صفاته وأفعاله وغيرها)، ألا ترى أن فى حقوق العباد يكون الحيوان مضمونا بالقيمة دون المثل (اتفاقا)؟ فكذلك فى حقوق الله تعالى، وكما أن المثل منصوص عليه هنا فكذلك فى حقوق العباد فى قوله تعالى: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم)، (وأريد بمثل الحيوان هناك قيمته اتفاقا، فكذلك ههنا حملا للمحتمل على المعهود شرعا)، يوضحه أن المماثلة بين الشيئين عند إتحاد الجنس أبلغ منه عند اختلاف الجنس فإذا لم تكن النعامة مثلا للبدنة (عند الإتلاف والغصب) كيف تكون البدنة مثلا للنعامة؟ والمثل من الأسماء المشتركة، فمن ضرورة كون الشىء مثلا لغيره أن يكون ذلك الغير مثلا له، فإذا لم تكن النعامة مثلا للبدنة عند الإتلاف فكذلك لا تكون البدنة مثلا للنعامة، وإذا تعذر اعتبار المماثلة صورة وجب اعتبارها بالمعنى، وهو القيمة، فأُما قوله: "من النعم". فقد قبل: فيه تقديم وتأخير، ومعناه: فجزاء مثل ما قتل يحكم به ذوا عدل منكم من النعم هديا بالغ الكعبة. ﴿أو كفارة طعام مساكين﴾ الآية (٨٣:٤). قلت: وهذا أولى مما قاله صاحب "الهداية": إن أسم النعم ينطلق على الوحشى والأهلى، فإنه إن سلم فلا ينطلق إلا على ذوات قوائم أربع، ولا ينطلق على الطيور أصلا، مع أن قوله تعالى: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ يعم كل صيد، سواء كان من ذوات القوائم أو من الطيور، وعلى تقدير كون "من النعم" بيانا لما قتل يبطل هذا العموم، ولا يكون النص شاملا نجزاء ما قتله المحرم من ٣٨٧ ج - ١٠ المراد بالمثل فى قوله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ هو ممن يكتب حديثه، فإنى لم أجد له حديثا منكرا قد جاوز المقدار اهـ. من "التهذيب" الطيور فافهم. فالحق أن قوله: " من النعم" حال مقدرة لقوله: "مثل ما قتل"، والمعنى: فعليه جزاء مثل ما قتل صائرا من التعم، "هديا بالغ الكعبة" بعد تقويم العدلين، أو كفارة طعام مساكين، أو عدل ذلك صياما الآية، يوضحه ما ذكره صاحب "الكشاف". فإن قلت: فما يصنع من يفسر المثل بالقيمة بقوله: "هديا بالغ الكعبة"؟ قلت: قد خير من أوجب القيمة بين أن يشترى بها هديا أو طعاما أو يصوم، كما خير الله تعالى فى الآية، فكان قوله: "من النعم" بيانا للهدى المشترى بالقيمة فى أحد وجوه التخيير؛ لأن من قوم الصيد واشترى بالقيمة فأهداه فقد جزى بمثل ما قتل من النعم، على أن التخيير الذى فى الآية بين أن يجزئ بالهدى، أو يكفره بالطعام، أو الصوم، إنما يستقيم استقامة ظاهرة بغير تعسف إذا قوم (أولا) ونظر بعد التقويم أى الثلاثة يختار، فأما إذا عمد النظير وجعله الواجب وحده من غير تخيير، فإذا كان شيئا لا نظير له قوم حينئذ، ثم يخير بين الإطعام والصوم ففيه نبأ عما فى الآية، وقالوا: فيه أى فى قوله تعالى: ﴿یحکم به ذوا عدل منكم﴾، دلیل على أن المثل القيمة، لأن التقويم مما يحتاج إلى النظر والاجتهاد دون الأشياء المشاهدة. اهـ ملخصا من "الكفاية" مع "الفتح" (١١:٣ و١٢). وحاصله أن أبا حنيفة وأبا يوسف رحمهما الله تعالى إنما حمل المثل على القيمة لدلالة النص عليه من وجهين: أما أولا فقوله: ﴿يحكم به ذوا عدل منكم﴾، فى حمله على النظير صورة من إبطال حكومة العدلين فيما له نظير، كما فى "المغنى" لابن قدامة: أن الصيد ضربان: أحدهما ما له مثل من النعم فيجب مثله، وهو نوعان: أحدهما قضت فيه الصحابة، ففيه ما قضت، أى لا يستأنف الحكم فيه، هذا قول أكثر أهل العلم، ومنهم الشافعى النوع الثانى ما لم تقض فيه الصحابة إلى قول عدلين، الضرب الثانى ما لا مثل له، وهو سائر الطيور، فيجب فيه قيمته أهـ ملخصا. (٣٥٠:٣ و٣٥٤). مع(١) أن الصحابة رضى الله عنهم لم يحكموا فى شىء مما له نظير، إلا بعد حكومة عدلين، ألا ترى أن عمر رضى الله عنه لم يحكم فى الظبى بشاة إلا بعد ما استشار (١) فإن قيل: إن الصحابة عدول، وقد قضوا بأشياء برأيهم، فالعمل بقضائهم هو العمل بحكومة عدئين. قلنا: قوله تعالى: ﴿یحکم به ذوا عدل منكم﴾ حال من: ﴿مثل ما قتل﴾ ويشترط فيها المقارنة، فلا يكون القضاء السابق داخلا فيها. وأيضا فيلزمكم أ لا تقولوا بإيجاب النظير إلا بعد العلم بكونه من قول اثنين من الصحابة، لا من قول واحد منهم، ودون إثباته خرط القتاد، فإن ما كان من أقوال الصحابة: من جنس القضاء والحكم فهو من قول اثنين منهم، وما كان منها من جنس الإفتاء فكونه من قول اثنین منهم ليس بلازم. ٣٨٨ المراد بالمثل فى قوله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ إعلاء السنن (٣٤١:٢، ٣٤٢) وقد عرف أن قول ابن معين: لا بأس به، وليس به بأس، توثيق منه. عبد الرحمن بن عوف؟ كما مر فى قصة قبيصة بن جابر، ولم يكن حكمه ذلك مغنيا عن الحكومة فى ظبى آخر قتله محرم بعده. بل كلما سئلوا عن صيد قتله محرم لم يحكموا فيه شىء إلا بعد حكومة عدلين به، فكيف يسوغ لنا أن نحكم فيما له نظير بنظيره بغير ذلك؟ وأما ثانيا فلما فيه من التخيير، وفى القول بإيجاب النظير إبطال هذا التخيير الذى ورد به النص فى الأشياء الثلاثة، فإن الذين ذهبوا إلى إيجاب النظير خلقة ومنظرا لا يقولون بالتخيير بين الثلاثة فيما له نظير، وإنما يقولون به فيما سواه، كما قاله صاحب "الكشاف" فافهم. وقال الجصاص فى "أحكام القرآن" له: قوله تعالى: ((فجزاء مثل ما قتل)) اختلف فى المراد به، فروى عن ابن عباس: أن المثل نظيره، فى الأروى بقرة، وفى الظبية شاة، وفى النعامة بعير. وهو قول سعيد بن جبير، وقتادة فى آخرين من التابعين، وهو قول مالك، ومحمد بن الحسن، والشافعى. وذلك فيما له نظير من النعم، فأما ما لا نظير له منه كالعصفور ونحوه ففيه القيمة. وروى الحجاج عن عطاء، ومجاهد، وإبراهيم، فى المثل أنه القيمة دراهم. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: المثل هو القيمة، ويشترى بالقيمة هديا إن شاء، وإن شاء اشترى طعاما، وأعطى كل مسكين نصف صاع، وإن شاء صام عن كل نصف صاع يوما. قال أبو بكر: المثل اسم يقع على القيمة، وعلى النظير من جنسه، وعلى نظيره من النعم، ووجدنا المثل الذى يجب فى الأصول على أحد وجهين: إما من جنسه، كمن استهلك لرجل حنطة فيلزمه مثلها، وإما من قيمته، كمن استهلك ثوبا أو عبدا، والمثل من غير جنسه ولا قيمته خارج عن الأصول، واتفقوا أن المثل من جنسه غير واجب، فوجب أن يكون المثل المراد بالآية هو القيمة. وأيضا لما كان ذلك متشابها محتملا للمعانى، وجب حمله على ما اتفقوا على معناه من المثل المذكور فى القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾، فلما كان المثل فى هذا الموضع فيما لا مثل له من جنسه هو القيمة، وجب أن يكون المثل المذكور للصيد محمولا عليه من وجهين: أحدهما: أن المثل فى آية الاعتداء محكم متفق على معناه بين الفقهاء، وهذا متشابه يجب رده إلى غيره. والثانى: أنه قد ثبت أن المثل اسم للقيمة فى الشرع، واتفق فقهاء الأمصار فیمن استهلك عبدا أن علیه قیمته، وحکم النبی مګّ على معتق عبد بينه وبين غيره بنصف قيمته إذا كان موسرا (وسيأتى فى باب الإعتاق) ولم يثبت أنه اسم للنظير من النعم، ج - ١٠ المراد بالمثل فى قوله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ ٣٨٩ وللحديث طرق عديدة إذا ضم بعضها إلى بعض حصلت له قوة. (وإيجاب الصحابة فى الأروى بقرة وفى الظبية شاة مثلا لا يدل على أنهم أوجبوا ذلك لكون النظير مثلا عندهم؛ لاحتمال كونهم أو جبوه من حيث القيمة كما تقدم)، فوجب حمله على ما قد ثبت اسما له، ولم يجز حمله على ما لم يثبت أنه اسم له. وأيضا قد اتفقوا أن القيمة مرادة بهذا المثل فيما لا نظير له من النعم، فوجب أن تكون هى المرادة من وجهين: أحدهما: أنه قد ثبت كون القيمة مرادة، فهو بمنزلة ما لو نص عليها، فلا ينتظم النظير من النعم. والثانى: أنه لما ثبت أن القيمة مرادة انتفى النظير من النعم، لاستحالة إرادتهما جميعا فى لفظ واحد؛ لأنهم متفقون على أن المراد أحدهما. ومن جهة أخرى أن قوله تعالى ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ لما كان عاما فيما له نظير وفيما لا نظير له، ثم عطف عليه: ((ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل))، وجب أن يكون ذلك المثل(١) عاما فى جميع المذكور، والقيمة بذلك أولى؛ لأنه إذا حمل عليها كان المثل عاما فى جميع المذكور، وإذا حمل على النظير كان خاصا فى بعضه دون بعض، وحكم اللفظ استعماله على عمومه ما أمكن، فلذلك وجب أن يكون اعتبار القيمة أولى. فإن قيل: كان يسوغ حمل الآية على القيمة لو لم يكن فى الآية بيان المراد بالمثل، وقد فسر فى نسق الآية معنى المثل فى قوله: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾، فأخبر أن المثل من النعم، ولا مساغ للتأويل مع النص. قيل له: إنما يكون على ما ادعيت اقتصر على ذلك، ولم يصله بما أسقط دعواك، وهو قوله: ﴿من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما﴾، فلما وصله بما ذكر، وأدخل عليه حرف التخيير، ثبت بذلك أن ذكر النعم ليس على وجه التفسير للمثل (بالمعنى الذى زعمته). ألا ترى أنه قد ذكر الطعام والصيام جميعا وليسا مثلا، وأدخل "أو" بينهما وبين النعم؟ ولا فرق إذ كان ذلك ترتيب الآية بين أن يقول: فجزاء مثل ما قتل طعاما أو صياما أو من النعم هديا، لأن تقديم ذكر النعم فى التلاوة لا يوجب تقديمه فى المعنى (وإلا لبطل التخيير)، بل الجميع كأنه مذكور معا، ألا ترى أن قوله تعالى: ﴿فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة﴾، لم يقتض كون الطعام مقدما على الكسوة، ولا الكسوة مقدمة على العتق فى المعنى؟ (١) هذا وجه ثالث لحمل الإمام المثل على القيمة بدلالة هذا النص بعينه. ٣٩٠ المراد بالمثل فى قوله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ إعلاء السنن فكذلك ههنا (فى جزاء الصيد). فإن قيل: روى عن جماعة من الصحابة أنهم حكموا فى النعامة ببدنة، ومعلوم أن القيم تختلف، وقد أطلقوا القول فى ذلك من غير اعتبار الصيد فى زيادة القيمة ونقصانها قيل: له: فما تقول أنت؟ هل توجب فى كل نعامة بدنة من غير اعتبار الصيد فى ارتفاع قيمته وانحفاضها، فتوجب فى أدنى النعام بدنة رفيعة، وتوجب فى أرفع النعام بدنة وضعية؟ فإن قيل: يا(١)، وإنما أوجب بدنة على قدر النعامة، إن رفيعة فبدنة رفيعة، وإن وضيعة فعلى قدرها، قيل له: فقد خالفت الصحابة؛ لأنهم لم يسئلوا عن حال الصيد، ولم يفرقوا بين الرفيعة منها والدنية، فاعتبرت خلاف ما اعتبروا. فإن قيل: هذا محمول على أنهم حكموا بالبدنة على حسب حال النعامة، وإن لم يذكروا ذلك ولم ينقله الراوى، قيل له: فكذلك يقول لك القائلون بالقيمة: إنهم حكموا بالبدنة؛ لأن ذلك قيمتها فى ذلك الوقت وإن لم ينقل ذلك إلينا. ويقال لهم: هل يدل حكمهم فى النعامة ببدنة على أنه لا يجوز غيرها من الطعام والصيام؟ فإن قالوا: لا، قيل لهم: فكذلك حكمهم. فيها بالبدنة غير دال على نفى جواز القيمة أهـ ملخصا (٤٧٢:٢ و٤٧٣). ولله دره! فقد أجاد وأفاد، وشفى واشتفى. ثم أعلم أن جزاء النعامة بالبدنة لم يثبت عن جماعة من الصحابة كما ادعاه الموفق فى "المغنى" (٣٥٠:٣)، وإنما هو عن ابن عباس وحده. قال الحافظ فى "التلخيص الحبير": حديث: أن الصحابة قضوا فى النعامة ببدنة (أخرجه) البيهقى عن ابن عباس بسند حسن، ومن طريق عطاء الخراسانى عن عمر، وعلى، وعثمان، وزيد بن ثابت، ومعاوية، وابن عباس، قالوا: فى النعامة يقتلها المحرم بدنة. وأخرجه الشافعى وقال: هذا غير ثابت عند أهل العلم، وبالقياس قلنا فى التعامة بدئة لا بهذا أهـ (٢٢٨:١). قال البيهقى: وسبب عدم ثبوته أن فيه ضعفا وانقطاعا، وذلك لأن عطاء (١) قال الموفق فى "المغنى": يجب فى كبير الصيد كبير مثله، وفى الصغير صغير، وفى الصحيح صحيح، وفي المعيب معيب، زفى الذكر ذكر، وفى الأنثى أنثى، وبهذا قال الشافعى: إلا الماخض - وهى الحامل- تفدى بقيمة مثلها اهـ (٣٥٣:٣). قلت: أما الصغر والكبر فقد ثيت عن الصحابة اعتبارهما، وأما غيرهما فلا، وإن استدل له بقوله: ﴿فجزاء مثل ما قتل﴾ فالمثل فيه متید بكونه هديا، ولا يجزئ فى الهدى صغير ولا معيب، ومن قال: إِن الهدى فيه مثيد بالمثل فقد عكس الأمر؛ لأن الهدى حال، والحال تكون قيدا لذی الحال لا بالعكس فافهم. ج - ١٠ المراد بالمثل فى قوله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ ٣٩١ ٢٩٤١- عن ابن عباس رضى الله عنهما، قال: فى بيض النعام يصيبه المحرم ثمنه. أخرجه عبد الرزاق من طريق صحيح منه، قاله الحافظ فى "الدراية" (٢٠٩). ٢٩٤٢- حدثنا ابن فضيل، عن خصيف، عن أبى عبيدة، عن عبد الله - هو ابن مسعود- قال: فى بيض النعام قيمته. ٢٩٤٣- حدثنا أبو حنيفة رضى الله عنه، عن خصيف به. أخرجه عبد الرزاق فى "مصنفه " زيلعى" (٥٣٧:١). وسكت عنه الحافظ فى "الدراية" (٢٠٩). ورجاله كلهم ثقات، وقد ذكرنا غير مرة أن الدارقطنى صحح أحاديث أبى عبيدة عن أبيه، فالأثر صحیح. ٢٩٤٤- حدثنا وكيع، وابن نمير، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عمر، قال: فى بيض النعام قيمته. قاله الشيخ فى "الإمام". وإبراهيم النخعى عن عمر منقطع اهـ. زيلعى (٥٣٧:١). قلت: نعم، ولكن مراسيله صحاح كما مر غير. الخراسانى ولد سنة خمسين، قاله ابن معين وغيره، ولم يدرك عمر؛ ولا عثمان، ولا عليا، ولا زيدا، وكان فى زمن معاوية صبيا، ولم يثبت له سماع من ابن عباس مع احتماله؛ فإن ابن عباس توفى سنة ثمان وستين، وعطاء الخراسانى مع انقطاع حديثه هذا متكلم فيه اهـ من الزيلعى (٥٣٦:١). قال ابن قدامة فى "المغنى": قضى فى النعامة عمر، وعلى، وعثمان، وزيد، وابن عباس، ومعاوية، رضى الله عنهم بيدنة. (قلت: لم يثبت عنهم غير ابن عباس)، وبه قال عطاء، ومالك، والشافعى، وأكثر العلماء. وحكى عن النخعى: أن فيها قيمتها، وبه قال أبو حنيفة، وخالفه فى ذلك صاحباه. (قلت: بل صاحبه محمد فقط) واتباع النص والآثار أولى اهـ (٣: ٣٥١) قلت: أما اتباعك للآثار فيما يبدو بل لأثر ابن عباس فقط فمسلم، وأما اتباعك للنص فلا، فقد عرفت أن النص يرجح تأويل المثل بالقيمة من وجوه ثالثة، وهو المثل المعهود شرعا فى حقوق العباد، فكذلك . فى حقوق الله، وهو المجمع عليه فيما لا نظير له، فيكون أرجع وأولی مما اختلف فيه، وسيأتيك ما يدلك على أن تقدير الصحابة بالنظائر لم يكن إلا تقويما، فاعلم ذلك فإن أبا حنيفة أتبع الناس للنصوص، وأعرفهم بمعانى الآثار، ينال الإيمان من الثريا إذا لم ينله غيره من الثرى. قوله: "عن ابن عباس رضى الله عنه" إلخ، دلالته على ما دل عليه قبله ظاهرة. وروى ابن أبى شيبة فى "مصنفه" أيضا: حدثنا وكيع، عن ابن أبى ليلى، عن عطاء، عابن عباس، قال: فى كل ٣٩٢ المراد بالمثل فى قوله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ إعلاء السنن ٢٩٤٥- عن نافع بن عبد الحارث، قال: قدم عمر مكة، فدخل دار الندوة يوم الجمعة، فألقى ردائه على واقف فى البيت، فوقع عليه طير، فخشى أن يسلح عليه فأطاره، فوقع عليه، فانتهرته حية فقتله، فلما صلى الجمعة دخلت عليه أنا وعثمان، فقال: احكما على فى شىء صنعته اليوم، فذكر لنا الخبر، فقلت لعثمان: کیف تری فی عنز ثنية عفراء؟ قال: أرى ذلك، فأمر بها عمر. أخرجه الشافعى، وإسناده حسن. "التلخيص الحبير" (٢٢٨:١). بيضتين درهم، وفى كل بيضة نصف درهم. ورواه البيهقى وقال: وهذا يرجع إلى القيمة اهـ. "زيلعى" (٥٣٧:١)، أى فلا يعارض الأثر المذكور فى المتن بطريق عبد الرزاق، على أن سنده صحیح، فقد رواه عن سفيان الثوری، عن عبد الكريم الجزری، عن عكرمة، عن ابن عباس، وفی سند ابن أبى شيبة ابن أبى ليلى، وفيه مقال، والله تعالى أعلم. ودلالة أثرى ابن مسعود وعمر رضى الله عنهما على معنى الباب ظاهرة. قوله: "عن نافع بن عبد الحارث" إلخ، فيه جزاء الحمامة بالشاة، وليس أحدهما نظيرا للآخر فى الخلقة والمنظر، فبطل ما ادعاه الجمهور أن الصحابة رضى الله عنهم قد أجمعوا على إيجاب المثل بالنظير. قال فى "الجوهر النقى" فى باب جزاء الحمام: ذكر (البيهقى) فيه عن جماعة من الصحابة أنهم أوجبوا فيه شاة، قلت: الشاة لا يشبه الحمامة من حيث المنظر، فعلمنا أنهم أوجبوه من حيث القيمة. وأيضا فقد تقدم أن الشاة يشبه الظبى، والظبى لا يشبه الحمامة، فكذا الشاة التى يشبه الظبى. (وأما ما قبل: إنه يشبهه فى العب والهدى، فقلما يخلو حيوان عن مشابهة حيوان فى بعض الصفات، فما وجه الفرق بين الحمام وبين ما دونه من العصافير ونحوها؟ فينبغى إيجاب الشاة فى جميعها، مع أن مشابهة شىء بشىء فى الصفات والأفعال لا تجعل أحدهما نظيرا للآخر ومثلا له، وإلا لكان النحل نظيرا للبقر فى أنه يخرج من بطونهما شراب سائغ فيه شفاء للناس فافهم). ثم إن الذين أوجبوا فيها أى فى الحمامة الشاة بعضهم أطلقها، ومقتضاه أنه تجب فيها الشاة مطلقا، والشافعى فرق، فأوجب فى حمام الحرم شاة، وفى حمام غير الحرم قيمته، كذا حكى عنه صاحب "الستذكار"، واستدل بما رواه البيهقى عن ابن عباس قال: ما كان سوى حمام الحرم ففيه ثمنه اهـ. ملخصا بمعناه (٣٥٥:١). وقال الجصاص فى "أحكام القرآن" له: ومما يدل على أن المثل القيمة دون النظير أن جماعة من الصحابة قد روى عنهم فى الحمامة شاة، ولا تشابه بين الحمامة والشاة ج - ١٠ المراد بالمثل فى قوله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ ٣٩٣ ٢٩٤٦- عن مجاهد، عن عبد الله، قال: فى الضب يصيبه المحرم حفنة من طعام. رواه ابن أبى شيبة. "التلخيص الحبير" (٢٢٨:١). وسكت عنه الحافظ فهو حسن أو صحيح. ٢٩٤٧- عن طارق قال: خرجنا حجاجا، فأوطأ رجل منا -يقال له: أربد. ضبا، ففزر(١) ظهره، فأتى عمر، فقال عمر: احكم يا أربد، قال: أرى فيه جديا قد جمع الماء والشجر، قال عمر: فذاك فيه: أخرجه الشافعى رحمه الله بسند صحيح. "التلخيص الحبير" (٢٢٨:١). ٢٩٤٨- عن عمر رضى الله عنه: أنه قضى فى الغزال بعنز، وفى الأرنب بعناق، وفى اليربوع بجفرة. رواه مالك والشافعى بسند صحيح. فى المنظر، فعلمنا أنهم أوجبوه على وجه القيمة. فإن قيل: روى عن النبى عرّ. أنه جعل فى الضبع كبشا. قيل له: لأن تلك كانت قيمته، ولا دلالة فيه على أنه أوجبه من حيث كان نظيرا له اهـ. (٤٧٢:٢). قوله: "عن مجاهد" وقوله "عن طارق". إلخ، قلت: اختلف قضاء الصحابة فى الضب يصيبه المحرم، فقال مجاهد عن عبد الله (وهو ابن عباس فيما أظن): فيه حفنة من طعام وقال عمر: فيه جدى. وفيه دليل على ما قلنا: إن المثل القيمة دون النظير، وإلا لم يختلف قضاءهم لكون النظير معلوما مشاهدا، وإنما اختلف لاختلاف قيمته، فمن الضب ما يساوى ثمنه حفنة من طعام، ومنه ما يساوى جديا، وهذا أولى من رد الآثار بعضها ببعض كما فعله ابن قدامة فى "الشرح الكبير" (٣٥١:٣). قوله: "عن عمر" إلخ، قلت: اختلف قضاء عمر رضى الله عنه فى الأرنب، فقضى فيه مرة بعناق، وأخرى ببقرة، وليس ذلك ليكون بعض الأرانب يشبه العناق، وبعضها البقرة، بل لاختلاف قیمتها لا غير، فرخصت فى وقت فقضى فيعا بعناق، وغلت فى زمان فقضى فيها ببقرة، وفيه دليل على ما قلنا: إن المثل هو القيمة دون النظير، وإلا لم يختلف القضاء فافهم. (١) هو بفاء ثم زاء معجمة بعدها راء مهملة، أى شقه. وفى تفسير ابن جرير: ففقر ظهره أى كسره، وهو ظاهر. ٣٩٤ المراد بالمثل فى قوله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ إعلاء السنن ٢٩٤٩- وقال ابن أبى شيبة: ثنا يزيد بن هارون، عن ابن عون، عن أبى الزبير، عن جابر: أن عمر قضى فى الأرنب ببقرة. كذا فى "التلخيص الحبير"، وسند ابن أبى شيبة صحيح أيضا. فائدة: دل أثر عمر من رواية طارق عنه على جواز أن يكون القاتل أحد العدلين، وبه قال الشافعى، وإسحاق، وابن المنذر وقال مالك، والنخعى: ليس له ذلك؛ لأن الإنسان لا يحكم لنفسه. ذكره ابن قدامة فى "الشرح الكبير" (٣-٤٥٢). قال: ولنا عموم قوله تعالى: ﴿يحكم به ذوا عدل منكم﴾، والقاتل مع غيره ذوا عدل وروى الشافعى فى "مسنده" عن طارق بن شهاب قال: خرجنا حجاجا فأوطأ رجل منا. يقال له: أربد ضبا، ففقر ظهره، فقدمنا على عمر رضى الله عنه، فسأله أربد، فقال: احكم يا أربد فيه، قال: أنت خير منى يا أمير المؤمنين، قال: إنما أمرتك أن تحكم، ولم آمرك أن تزكينى، فقال أربد: أرى فيه جديا قد جمع الماء والشجر، فقال عمر: فذلك فيه، فأمره عمر أن يحكم وهو القائل، وأمر أيضا كعب الأحبار أن يحكم على نفسه فى الجرادتين اللتين صادهما وهو محرم، ولأنه مال يخرج فى حق الله تعالى، فجاز أن يكون من وجب عليه أمينا فيه كالزكاة. قال ابن عقيل: إنما يحكم القاتل إذا قتل خطأ؛ لأن القتل عمدا ينافى (١) العدالة، فيخرج عنه أن يكون قد قتله جاهلا بالتحريم، فلا يمتنع أن يحكم؛ لأنه لا يفسق بذلك، والله تعالى أُعلم. وعلى قياس ذلك إذا قتله عند الحاجة إلى أكله (مضطرا)؛ لأن قتله مباح لكن يجب فيه الجزاء أهـ (٣٥٣:٣). وفى "الهداية": قالوا: والواحد يكفى، والمثنى أولى؛ لأنه أحوط وأبعد عن الغلط كما فى حقوق العباد. وقيل: يعتبر المثنى ههنا بالنص اهـ. قال المحقق فى "الفتح": والذين لم يوجبوه حملوا العدد فى الآية على الأولوية، والظاهر الوجوب أهـ (١٢:٣). قلت: وظنى أنهم أرادوا واحدا غير القاتل والقاتل مع غيره ذوا عدل عندهم كما قاله أحمد، والشافعى، وإسحاق، وابن المنذر، احتجوا بأثر طارق عن عمر، والله أعلم. والقاتل وحده لا يكفى عند واحد من العلماء على ما أدى إلیه نظری، ولا أعرف فيه خلافا (١) وعليه يحمل قصة عمر مع قبيصة بن جابر حيث لم يحكم القاتل؛ لكونه قتل الصيد عمداً وهو محرم. ٣٩٥ ج - ١٠ ٢٩٥٠- حدثنا محمد بن المثنى، ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن حماد، سمعت إبراهيم يقول: فى كل شئ من الصيد ثمنه. أخرجه الإمام ابن جرير الطبرى فى تفسيره (٧-٣١). وسنده صحيح. باب يذبح الهدى بالحرم ويتصدق بالطعام ويصوم حيث شاء وهو مخبر بین الثلاثة وإن کان ذا يسار ٢٩٥١- حدثنا هناد، ثنا ابن أبى عروبة، عن أبى معشر(١) عن إبراهيم، قال: ما قوله: "حدثنا محمد بن المثنى" إلخ، دلالة قول إبراهيم على أن المراد بالمثل فى الآية هو القيمة دون النظير ظاهرة. وظهر بذلك أن الإمام وصاحبه لم يتفرد بهذا القول، بل لهما سلف فى ذلك من فقهاء التابعين. هذا، وظنى أن تأتيد الإمام أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله فى هذه المسئلة بأبلغ وجه مما قد تفردت به، ولله الحمد، ومع ذلك فإنى إلى ما قاله محمد والجمهور أميل منى إلى ما قاله الشيخان، ومن أراد معرفة أقوال الصحابة فى إيجاب المثل بالنظائر بأبسط وجه فليراجع باب جزاء الصيد من الشرح الكبير لابن قدامة المقدسى رحمه الله (٣: ٣٥٠ و ٣٥٢). باب يذبح الهدى بالحرم ويتصدق بالطعام ويصوم حيث شاء وهو مخیر بین الثلاثة وإن کان ذا يسار قوله: "حدثنا هناد" إلخ، دلالته على الجزء الأول من الباب ظاهرة. قال الجصاص فى "أحكام القرآن" له: لا خلاف بين الفقهاء أن الهدى لا يجزئ إلا بمكة، وأن بلوغه الكعبة أن يذبحه هناك فى الحرم، وأنه لو هلك بعد دخوله الحرم قبل أن يذبحه أن عليه هديا آخر غيره، وإذا ذبحه فى الحرم بعد بلوغ الكعبة فإن سرق بعد ذلك لم يكن عليه شىء؛ لأن الصدقة تعينت فيه بالذبح، واتفق الفقهاء أيضا على جواز الصوم فى غير مكة، واختلفوا فى الطعام، فقال أصحابنا: يجوز أن يتصدق به حيث شاء. وقال الشافعى: لا يجزئ إلا أن يعطى مساكين مكة. والدليل على جوازه حيث شاء قوله تعالى: ﴿أو كفارة طعام مساكين﴾. وذلك عموم فى سائرهم، وغير جائز تخصيصه بمكان إلا بدلالة، ومن قصره على مساكين مكة فقد خص الآية بغير دليل. وأيضا ليس فى الأصول صدقة مخصوصة بمكان لا يجوز أداءها فى غيره، فلما كان صدقة وجب جوازها فى (١) أبو معشر هذا هو زياد بن كليب من قدماء أصحاب إبراهيم، وليس هو بأبى معشر نجيح مختلف فيه، بل هو ثقة متقن. ٣٩٦ يذبح الهدى بالحرم ويتصدق بالطعام ويصوم حيث شاء إعلاء السنن كان من دم فبمكة، وما كان من صدقة أو صوم حيث شاء. أخرجه الإمام الطبرى فى تفسیره (٣٦:٧). وسنده حسن صحيح. سائر المواضع قياساً على نظائرها من الصدقات، ولأن تخصيصه بمكان خارج عن الأصول، وما كان خارجا عن الأصول وظاهر الكتاب فهو ساقط مرذول. فإن قيل: فالهدى سبيله الصدقة، وهو مخصوص بالحرم. قلنا: ذبحه مخصوص بالحرم، فأما الصدقة فحيث شاء، وكذلك قال أصحابنا: إنه لو ذبحه فى الحرم ثم أخرجه فتصدق به فى غيره أجزأه. وأيضا لما اتفقوا جواز الصيام فى غير مكة - وهو جزاء الصيد وليس بذبح- وجب مثله فى الطعام لهذه العلة اهـ ملخصا (٤٧٧:٢). قال فى "الهداية": ونحن نقول: الهدى قربة غير معقولة، فيختص بمكان أو زمان، أما الصدقة قربة معقولة فى كل زمان ومكان أهـ (١٣:٣). قلت: وقد خالف الطبرى إمامه فى ذلك، فقال فى تفسيره بجواز الطعام حيث شاء مثل الصيام؛ لأن الله تعالى إنما شرط بلوغ الكعبة بالهدى فى قتل الصيد دون غيره من جزائه، فلجازى بغير الهدى أن يجزئه بالإطعام والصوم حيث شاء من الأرض، وبمثل الذى قلنا فى ذلك قال جماعة من أهل العلم اهـ. (٣٦:٧). قال الجصاص: وقد اختلف فى السن الذى يجوز فى جزاء الصيد، فقال أبو حنيفة: لا يجوز أن يهدى إلا ما يجزئ فى الأضحية والإحصار والقران، وقال أبو يوسف ومحمد: (ذكر غيره أبا يوسف مع الإمام) يجزئ الجفرة والعناق على قدر الصيد. والدليل على صحة القول الأول أن ذلك هدى تعلق وجوبه بالإحرام، وقد اتفقوا فى سائر الهدايا التى تعلق وجوبها بالإحرام أنها لا يجزئ منها إلا ما يجزئ فى الأضاحى، وهو الجذع من الضأن، أو الثنى من المعز والإبل والبقر فصاعدا، فكذلك هدى جزاء الصيد. وأيضا لما سماه الله هديا على الإطلاق كان بمنزلة سائر الهدايا المطلقة فى القرآن، فلا يجزئ دون السن الذى ذكرنا. وذهب أبو يوسف(١) ومحمد إلى ما روى عن جماعة من الصحابة أن فى اليربوع جفرة، وفى الأرنب عناق، وعلى أنه لو أهدى شاة فولدت ذبح ولدها معها، فأما ما روى عن الصحابة فجائز أن يكون على وجه القيمة، وأما ولد الهدى فإنه تبع لها، فيسرى الحق الذى فى الأم إليه من جهة التبع، ولا يصح ابتداء إيجاب هذا الحكم له على غير وجه التبع، ونظائر ذلك كثيرة، اهـ ملخصا (٤٧٤:٢). وفى "الهداية": وإذا وقع الاختيار على الهدى يهدى ما يجزئه فى الأضحية؛ لأن مطلق (١) قد عرفت أن أبا يوسف فى ذلك مع الإمام، ويحتمل أن يكون عنه روايتان. ٣٩٧ ج - ١٠ يذبح الهدى بالحرم ويتصدق بالطعام ويصوم حيث شاء ٢٩٥٢- حدثنا ابن وكيع، وابن حميد، قالا: ثنا جرير، عن منصور، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم) إلى قوله: ﴿أو عدل ذلك صياما﴾، قال: إذا أصاب المحرم الصيد حكم عليه جزاؤه من النعم، فإن لم يجد نظر كم ثمنه. قال ابن حميد: كم قيمته فقوم عليه ثمنه طعامًا، فصام مكان كل نصف صاع أسم الهدى منصرف إليه. وقال محمد والشافعى: (وبعضهم جعل قول أبى يوسف كقول محمد "فتح") يجرى صغار النعم فيها؛ لأن الصحابة أو جبوا عناقا وجفرة، وعند أبى حنيفة وأبى يوسف يجوز الصغار على وجه الإطعام، يعنى إذا تصدق أهـ. قال المحقق فى "الفتح": يعنى أن المنفى وقوع الصغار هديا تتعلق القرية فيه بنفسه بمجرد الإراقة لا جوازها مطلقا، بل نجيزها باعتبار القيمة إطعاما، (وكانوا أرباب المواشى، فكان التصدق بالعناق والجفرة أيسر عليهم من إطعام الطعام)، فيحتمل كون حكم الصحابة كان على هذا الاعتبار، وأما صيرورة ولد الهدى هديا فللتبعية كولد الأضحية اهـ. (٣: ١٤). قوله: "حدثنا ابن وكيع" إلخ، فيه دلالة على أنه إذا وقع الاختيار على الطعام يقوم الصيد المتلف بالطعام، فإن الضمير فى قوله: نظركم ثمنه أو قيمته، راجع إلى الصيد، وإلا لزم الانتشار. فيه دلالة أيضا على أنه يصوم مكان كل نصف صاع يوما، وهو المذهب كما ذكره فى "الهداية". وفيه دلالة أيضا على أنه لا إطعام فى الكفارة، وإنما ذكر فى الآية ليعدل به الصيام؛ لأن من قدر على الإطعام قدر على الذبح، وهذا خلاف ما سيأتى عن ابن عباس من التخيير فى الأشياء الثلاثة. قال الموفق فى "المغنى": إن قاتل الصيد مخير فى الجزاء بأحد هذه الثلاثة، بأيها شاء كفر، موسرا كان أو معسرا، وبهذا قال مالك، والشافعى، وأصحاب الرأى. وعن أحمد رواية ثانية: أنها علی الترتیب، فيجب المثل أو لا، فإن لم يجد أطعم، فإن لم يجد صام. وروی هذا عن ابن عباس، والثورى؛ لأن هدى المتعة على الترتيب، وهذا أو كد منه؛ لأنه بفعل مخطور. وعنه رواية ثالثة: أنه لا إطعام فى الكفارة، وإنما ذكر فى الآية ليعدل الصيام؛ لأن من قدر على الإطعام قدر على الذبح، هكذا قال ابن عباس، وهذا قول الشعبى وأبى عياض. ولنا قول الله تعالى: ﴿هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما﴾. و"أو" فى الأمر للتخيير، روى عن ابن عباس أنه قال: كل شىء (فى القرآن) "أو" "أو" فهو مخير، وأما ما كان "فمن لم يجد" فهو الأول الأول، وقد سمى الله الطعام كفارة، ولا يكون كفارة ما لم يجب إخراجه وجعله طعاما للمساكين، وإلا يجوز ٣٩٨٠ يذبح الهدى بالحرم ويتصدق بالطعام ويصوم حيث شاء إعلاء السنن يومًا، أو كفارة طعام مساكين، أو عدل ذلك صيامًا. قال: إنما أريد بالطعام الصيام، فإذا وجد الطعام وجد جزائه. أخرجه الإمام الطيرى أيضاً (٢٩:٧). وسنده حسن صحيح. صرفه إليهم لا يكون طعاما لهم. وقولهم: إنها وجبت بفعل محظور. يبطل بفدية الأذى، على أن لفظ النص صريح فى التخيير، فليس ترك مدلوله قياسا على هدى المنعة بأولى من العكس، وإذا اختار المثل ذبحه وتصدق به على مساكين الحرم؛ لأن الله تعالى قال: ﴿هديا بالغ الكعبة﴾، ولا يجزئه أن يتصدق به حیا علی المساکین؛ لأن الله تعالی سماه هدیا، والهدی یجب ذبحه، وله ذبحه أى وقت شاء، ولا يختص ذلك بأيام النحر اهـ (٥٤٣:٣). قلت: وذهب أحمد والشافعى إلى أنه متى اختار الطعام يقوم المثل بدراهم، والدراهم بطعام. وقال مالك (وأبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد فى الصحيح): يقوم الصيد لا المثل. وبه قال ابن عباس رواية، وإبراهيم، وعطاء، ومجاهد، ومقسم. وروى عن ابن عباس رواية: يقوم الهدى. والأول أصح؛ لأن جميع ذلك جزاء الصيد، فلما كان الهدى من حيث أنه جزاء معتبرا بالصيد، إما فى قيمته أو فى نظيره، وجب أن يكون الطعام مثله؛ لأنه قال: ﴿أو كفارة طعام مساكين﴾، جعل الطعام كفارة وجزاء، فاعتباره بقيمة الصيد أولى من اعتباره بالهدى، إذ هو بدل من الصيد لا من الهدى. وأيضا قد اتفقوا فيما لا نظير له من النعم أن اعتبار الطعام إنما هو بقيمة الصيد، فكذلك فيما له نظير؛ لأن الآية منتظمة للأمرين. وقال أصحابنا: إذا أراد الإطعام أطعم كل مسكين نصف صاع(١) من بر، ولا يجزيه أقل من ذلك ككفارة اليمين وفدية الأذى. وروى عن ابن عباس، وإبراهيم، وعطاء، ومجاهد، ومقسم، وقتادة، أنهم قالوا: لكل نصف صاع يوما. وروى عن عطاء أيضا أنه قال: لكل مد يوما. كذا فى "أحكام القرآن" للجصاص (٤٧٥:٢). وذهب أحمد إلى أنه يطعم كل مسكين مدا من بر، ونصف صاع من غيره، ويصوم عن مدبر يوما، أو عن نصف صاع من غيره يوما. كذا فى "المغنى" (٥٤٤:٣). والأولى ما قلنا؛ فإنه هو المعهود فى الفطرة، وفى كفارة الأذى، واليمين، فيرد المحتمل إلى المعهود. وإذ بقى ما لا يعدل كدون نصف صاع عند الجمهور، أو دون المد عند أحمد، صام يوما كاملا، وبه قال عطاء، والنخعى، وحماد، والشافعى، وأصحاب الرأى، ولا نعلم أحدا خالفهم؛ لأن الصوم لا يتبعض، فيجب تكميله. ولا يجب التتابع فى الصيام، وبه قال الشافعى، وأصحاب (١) أو صاع من شعير ونحوه. ج - ١٠ يذبح الهدى بالحرم ويتصدق بالطعام ويصوم حيث شاء ٣٩٩ ٢٩٥٣- حدثنا هناد بن السرى، ثنا ابن أبى زائدة، أخبرنا ابن جريج، عن عطاء، فى قول الله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾، قال: إن أصاب إنسان محرم نعامة. فإن له إن كان ذا يسار أن يهدى ما شاء جزورا، أوعدلها طعاما، أو عدلها صياما، قال: كل شئ فى القرآن أو أو فليختر منه صاحبه ما شاء. أخرجه الطبرى أيضا (٣٥:٧). وسنده صحيح. ٢٩٥٤- حدثنا هناد، تنا حفص، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: كل شىء فى القرآن أو أو، فصاحبه مخير فبه، وكل شئ فمن لم يجد، فالأول ثم الذى يليه. أخرجه الطبرى أيضا (٣٥:٧). وسنده حسن. وليث هو ابن أبى سليم، وفيه، وفيه مقال، ولكنه حسن الحديث كما مر غير مرة الرأى، فإن الله تعالى أمر به مطلقاً، فلا يتقيد بالتتابع من غير دليل قاله الموفق فى المغنى (٣: ٥٤٥). قوله: حدثنا هناد بن السرى إلى آخر الباب دلالة الأثرين على الجزء الثانى من الباب ظاهرة. فائدة: لا يجوز أن يصوم عن بعض الجزاء ويطعم عن بعض، نص عليه أحمد، وبه قال الشافعى والثورى، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر. وجوزه محمد بن الحسن إذا عجز عن بعض الإطعام. قال الموفق. ولا يصح؛ لأنها كفارة واحدة، فلا يؤدى بعضها بالإطعام ويضعها بالصيام كسائر الكفارات اهـ (٥٤٥:٣). قال الجصاص: وقال أصحابنا: إن شاء المحرم صام عن كل نصف صاع من الطعام يوما، وإن شاء صام عن بعض وأطعم بعضا، وفرقوا بينه وبين الصيام فى كفارة اليمين، فلم يجيزوا الجمع بينهما، وإنما أجازوا الجمع بينه وبين الطعام فى جزاء الصيد؛ لأن الله تعالى جعل الصيام عدلا للطعام بقوله: ﴿أو عدل ذلك صياما﴾، ومعلوم أنه لم يرد أن يكون مثلا له فى حقيقة معناه؛ إذ لا تشابه بين الصيام والطعام، فعلمنا أن المراد المماثلة بينهما فى قيامه مقام الطعام ونيابته عنه فمن صام بعضا فكأنه قد أطعم بقدر ذلك، فجاز ضمه إلى الطعام، فكان الجميع طعاما. وأما الصيام فى كفارة اليمين فإنما يجوز عند عدم الطعام، وهو بدل منه، فغير جائز الجمع بينهما، كالمسح على أحد الخفين وغسل الرجل الأخرى. اهـ ملخصاً (٢: ٤٧٦). قال الموفق: إذا قتل المحرم الصيد ثم أكله، صحته للقتل دون الأكل، وبه قال مالك، ٤٠٠ إعلاء السنن باب الجراد من صيد البر وفيها صدقة كحفنة كم طعام أو تمرة ٢٩٥٥- عن زيد بن أسلم: إن رجلا جاء إلى عمر بن الخطاب، فقال: يا أمير المؤمنين! إنى أصبت جرادات بسوطى وأنا محرم، فقال له عمر: أطعم قبضة من طعام. أخرجه مالك فى "الموطأ" (١٦٢)، وهو مرسل. ٢٩٥٦- عن يحيى بن سعيد: إن رجلا جاء إلى عمر بن الخطاب، فسأله عن والشافعی. وقال عطاء وأبو حنيفة رحمه الله: یضمنه للأكل أيضا، لأنه أکل من صيد محرم عليه، فيضمنه ولنا أنه صيد مضمون بالجزاء، فلم يضمن ثانيا اهـ "المغنى" (٣ :- ٢٩٢). وقال الجصاص فى "أحكام القرآن" له: قوله تعالى: ﴿ليذوق وبال أمره﴾ يحتج به لأبى حنيفة رحمه الله فى المحرم إذا أكل من الصيد الذى لزمه جزاءه، أن عليه قيمة ما أكل يتصدق به؛ لأن الله تعالى أخبر أنه أوجب عليه الغرم ليذوق وبال أمره بإخراج هذا القدر من ماله، فإذا أكل منه فقد رجع من الغرم فى مقدار ما أكل منه، فهو غير ذائق بذلك وبال أمره؛ لأن من غرم شيئا وأخذ مثله لا يكون (غارما ولا) ذائقا وبال أمره، فدل ذلك على صحة ما قاله. اهـ (٢: ٤٧٦). قلت: ولم يرد مثل ذلك فى صيد الحرم يقتله الحلال، ولا فى محرم يأكل من صيد قتله محرم آخر غيره، فلا يصح قياسهما عليه كما فعليه الموفق فافهم؛ فإن قوله: ﴿ليذوق وبال أمره﴾ راجع إلى من قتل الصيد محرما، والله تعالى أعلم. باب الجراد من صيد البر وفيها صدقة كحفنة من طعام أو تمرة قوله: "عن زيد بن أسلم" إلخ، قلت: مراسيل زيد بن أسلم عن عمر رضى الله عنه غالبها عن أبيه عن عمر لأنه من مواليه، وقد تقدم فى المقدمة عن ابن حبان ما يدل على قبول مراسيل كبار التابعين؛ لكونهم لا يرسلون إلا عن الصحابة. وعن ابن عبد البر: أن كل من عرف أنه لا يأخذ إلا عن ثقة فتدليسه وترسيله مقبول أهـ. وقد عرف أن زيد بن أسلم لا يرسل إلا عن ثقة، فقد قال العطاف بن خالد: حدث زيد بن أسلم بحديث فقال له رجل: يا أبا أسامة! عن من هذا؟ فقال: يا ابن أخى! ما كنا نجالس السفهاء. كذا فى "التهذيب" (٣٩٦:٣). على أن كل ما فى "الموطأ" من بلاغ أو مرسل فقد وجد موصولاً إلا أربعة ليس هذا منها، وقد وصله سعيد بن منصور كما سيأتى فهو حجة عند الکل. قوله: "عن يحيى بن سعيد" إلخ، وصله عبد الرزاق عن معمر، والثورى عن منصور، عن جز غير فار غير 25 F D