النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ إعلاء السنن باب أن الدلالة على الصيد كاصطياده فى إيجاب الجزاء والتحريم ٢٩٢٧- عن أبى قتادة فى حديث طويل: أن رسول الله عّ لّه خرج حاجا، فخرجوا معه، فصرف طائفة منهم فيهم أبو قتادة، فقال: خذوا ساحل البحر، فلما انصرفوا أحرموا إلا أبا قتادة لم يحرم، فبينماهم يسيرون إذ رأوا حمر وحش، فحمل أبو قتادة على الحمر، فعقر منها أتانا، فنزلوا، فأكلوا من لحمها، وقالوا: أ نأكل لحم صيد ونحن محرمون؟ فحملنا ما بقى من لحم الأتان، فلما أتوا رسول الله عَّ له ذكروا ذلك باب أن الدلالة على الصيد كاصطياده فى إيجاب الجزاء والتحريم قوله: "عن أبى قتادة" إلخ، قال الموفق فى "المغنى": لا خلاف بين أهل العلم فى تحريم قتل الصيد واصطياده على المحرم، وقد نص الله تعالى عليه فى كتابه: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم). وقال تعالى: ﴿وحرم عليكم صيدا البر ما دمتم حرما﴾. وتحرم عليه الإشارة إلى الصيد، والدلالة عليه، ولا تحل له الإعانة على الصيد بشىء، فإن فى حديث أبى قتادة المتفق عليه: فقلت لهم: ناولونى السوط والرمح، قالوا: والله لا نعينك عليه. وفى رواية: فاستعنتهم فأبوا أن يعينونى. وهذا يدل على أنهم اعتقدوا تحريم الإعانة، والنبى ◌ّ له أقرهم عليه، وسؤال النبى مّ ◌ُله: ((هل منكم أحد أمره أو أشار إليها))؟ يدل على تعلق التحريم بذلك لو وجد منهم، ويضمن الصيد بالدلالة، فإذا دل المحرم حلالا على الصيد فأتلفه فالجزاء كله على المحرم، روى ذلك عن على، وابن عباس، وعطاء، ومجاهد، وبكر المزنى، وإسحاق، وأصحاب الرأى. وقال مالك، والشافعى: لا شىء على الدال؛ لأنه يضمن بالجناية، فلا يضمن بالدلالة كالآدمى. ولنا قول النبى ◌َ ◌ّه لأصحاب أبى قتادة: ((هل منكم أحد أمره))؟ إلخ، ولأنه سبب يتوصل به إلى إتلاف الصيد، فتعلق به الضمان كما لو نصب أحبولة، ولأنه قول على وابن عباس، ولا نعرف لهما مخالفا فى الصحابة اهـ (٢٨٧:٣). قلت: وتقرير الاستدلال بحديث أبى قتادة ما ذكره المحقق فى "الفتح"، ونصه: ووجه الاستدلال به أنه عّ لّ علق الحل على عدم الإشارة، وهى تحصل الدلالة بغير اللسان، فأحرى أن لا يحل إذا دله باللفظ، فقال: هناك صيد ونحوه قالوا: الثابت بالحديث حرمة اللحم على المحرم إذا . دله باللفظ، فقال: هناك صيد ونحوه قالوا: الثابت بالحديث حرمة اللحم على المحرم إذا دل. قلنا: فيثبت أن الدلالة من محظورات الإحرام بطريق الالتزام لحرمة اللحم، فيثبت أنه محظور إحرام هو ج - ١٠ الدلالة على الصيد كاصطياده فى إيجاب الجزاء والتحريم ٣٦٢ له، قال: ((أ منكم أحد أمره أن يحمل عليها، أو أشار إليها؟)) قالوا: لا، قال: ((فكلوا ما بقى من لحمها)). رواه البخارى، وفى رواية له بطريق أبى حازم: وخبأت العضد معى، وفيه: ((معكم منه شئ؟))، فناولته العضد، فأكلها حتى تعرقها. وفى رواية لمسلم: ((هل منكم أحد أمره أو أشار إليه بشىء؟))، وفى رواية له: ((هل أشرتم أو أعنتم أو اصطدتم)). "فتح البارى" (٤-٣٥). جناية على الصيد اهـ. (٥:٣). وقال شمس الأئمة فى "المبسوط": محرم دل محرما أو حلالا على صيد، فقتله المدلول، فعلى الدال الجزاء عندنا استحسانا. وفى القياس لا جزاء على الدال، وبه أخذ الشافعى رحمه الله تعالى، قال: لأن الجزاء واجب بقتل الصيد بالنص، والدلالة ليست فى معنى القتل؛ لأن القتل فعل متصل من القاتل بالمقتول، والدلالة والإشارة غير متصل بالمحل وهو الصيد، والحكم الثابت بالنص لا يجوز إثباته فيما ليس فى معنى المنصوص. والدليل عليه جزاء صيد الحرم، يجب على القاتل الحلال، ولا يجب على الدال إذا كان حلالا بالاتفاق للمعنى الذى قلنا. وأيضا فإن حرمة الصيد فى حق المحرم لا تكون أقوى من حرمة مال المسلم ونفسه، ولا يضمن الدال على مال المسلم ولا على نفسه شيئا بسبب الدلالة، فكذلك هنا، إلا أنا تركنا القياس بأتفاق الصحابة رضى الله عنهم، فإن رجلا سأل عمر رضى الله عنه، فقال: إنى أشرت إلى ظبى وأنا محرم، فقتله صاحبى، فقال عمر لعبد الرحمن بن عوف عَّ له: ماذا ترى عليه؟ فقال: أرى عليه شاة، فقال عمر رضى الله عنه: وأنا أرى عليه ذلك. وأن عليا وابن عباس رضى الله عنهما سئلا عن محرم دل على بيض نعامة، فأخذه المدلول عليه فشواه، فقال: على الدال جزاءه. والقياس يترك بقول الفقهاء من الصحابة رضى الله عنهم، وما نقل عنهم فى هذا الباب كالمنقول عن رسول الله ◌َّهِ، إذ لا يظن بهم أنهم قالوا: جزافا، والقياس لا يشهد لقولهم حتى يقال: قالوا ذلك قياسا، فلم يبق إلا السماع. ثم ثبت باتفاقهم أن الدلالة على الصيد من محظورات الإحرام. وذلك ثابت بالنص أيضا. فإن النبى معَّ قال لأصحاب أبى قتادة رضى الله عنهم: ((هل أعنتم، هل أشرتم، هل دللتم))؟، فجعل الإشارة كالإعانة، فعرفنا أنه من محظورات الإحرام (فإن الإعانة محظور اتفاقا) وذلك يوجب الجزاء، وبه فارق صيد الحرم، فإن الموجب للحظر هناك معنى فى المحل، وهو أمن الصيد ٣٦٣ الدلالة على الصيد كاصطياده فى إيجاب الجزاء والتحريم إعلاء السنن ٢٩٢٨- عن عمر: أن رجلا قال له: إنى أشرت إلى ظبى وأنا محرم، فقتله صاحبى، فقال عمر لعبد الرحمن بن عوف: ما ترى؟ قال: شاة، قال: وأنا أرى ذلك. رواه الطحاوى فى "اختلاف العلماء" له "الجوهر النقى" (١-٣٥٣)، واحتج به، بسبب الحرم، فلا بد أن يكون فعله متصلا بالمحل، وهنا الحظر بسبب معنى فى الفاعل، وهو كونه محرما، فكان فعله محظور الإحرام وإن لم يتصل بالمحل، ولهذا كان معنى الجزاء هنا راجحا، ومعنى غرامة المحل هناك راجح على ما نبينه إن شاء الله تعالى. وقياس المحرم على المودع يدل سارقا على سرقة الوديعة أشبه؛ لأن الإحرام عقد خاص قد تضمن ترك التعريض للصيد بعقده كقبول الوديعة، فإذا تعرض له بالدلالة فقد باشر بخلاف ما التزمه، بخلاف الدلالة على مال المسلم ونفسه، فإنه ما التزم ترك التعرض لذلك بعقد خاص. اهـ ملخصا مع تقديم وتأخير فى العبارة دواما للاختصار (٤: ٨٠). قال المحقق فى "الفتح": أى بخلاف الحلال؛ لأنه لم يلتزم عدم التعرض لصيد الحرم ولا للمسلم (ولما له) بعقد خاص، بل بعموم حكم الإسلام، وترك ذلك يوجب استحقاق عذاب الآخرة، ويعزر فى الدنيا من غير تضمين اهـ، ملخصا (٣: ٥١). قوله: "عن عمر" إلخ، لم أقف على سنده، وإنما ذكرته اعتضادا. وفى "الجوهر النقى": قال صاحب "التمهيد": فى حديث أبى قتادة دليل على أن المحرم إذا أعان على الصيد بما قل أو كثر فقد فعل ما لا يجوز له(١) وهذا إجماع من العلماء، واختلفوا فى المحرم يدل المحرم أو الحلال على الصيد، فكرهه مالك والشافعى ولا جزاء عليه. وقال أبو حنيفة وأصحابه: عليه الجزاء(٢)، وبه قال أحمد وإسحاق، وهو قول على، وابن عباس، وقال الطحاوى: لم يرو عن أحد من الصحابة خلاف ذلك، فصار إجماعا. وفى "الإشراف" لابن النذر: هو قول سعيد بن جبير، والشعبى، والحارث العكلى، وبكر بن عبد الله المزنى اهـ (٣٥٣:١). قلت: وفى كل ذلك دليل واضح على شدة اتباع الحنفية للآثار، وتركهم القياس لأجلها، فرحم الله طائفة أغمضت عن كل ذلك، ورمت الحنفية باتباع الرأى والقياس بمعرض النصوص، وهم كما ترى بمعزل عن ذلك، وأشد الناس اتباعا للآثار. (١) ولا يخفى أن عدم جواز هذه الإشارة والإعانة ليس إلا لأجل الإحرام، فقد أجمعوا على أن الدلالة على الصيد جناية على الإحرام اهـ (٢) أى لأجل جنايته على الإحرام؛ وهى توجب الجزاء اتفاقا. ج - ١٠ " الدلالة على الصيد كاصطياده فى إيجاب الجزاء والتحريم ٣٦٤ واحتجاج مثله بحديث حجة كما ذكرنا فى المقدمة. قال الحافظ فى "الفتح" فى شرح حديث قتادة: واختلفوا فى وجوب الجزاء على المحرم إذا دل على الصيد بإشارة أو غيرها، أو أعادٍ عليه، فقال الكوفيون، وأحمد، وإسحاق: يضمن المحرم ذلك. وقال مالك، والشافعى: لا ضمان عليه، كما لو دل الحلال حلالا على قتل صيد الحرم. قالوا: ولا حجة فى حديث الباب؛ لأن السؤال عن الإعانة والإشارة إنما وقع ليبين لهم هل يحل لهم أكله أولا؟ ولم يتعرض لذكر الجزاء. واحتج الموفق بأنه قول على وابن عباس، ولا نعلم فهما مخالفا من الصحابة. وأجيب بأنه اختلف فيه على ابن عباس، وفى ثبوته عن على نظر. (قلت: لا يجدى ذلك شيئا ما لم يبين الاختلاف والنظر، وإلا فقد جزم الموفق، وصاحب "التمهيد" ابن عبد البر، والطحاوى، بنسبة هذا القول إليهما، وادعى الطحاوى أنه لم يرو عن أحد من الصحابة خلاف ذلك، فصار إجماعاً، وجزم أمثال هؤلاء حجة كافية لتصحيح ما جزموا به). قال: ولأن القاتل انفرد باختياره مع انفصال الدان عنه. (قلت: فيلزمك القول بأن ما صاده الحلال بدلالة المحرم وإشارته يحل أكله للمحرم لهذه العلة، وإن قلت بحرمته عليه فما وجه الفرق بين الحرمة والجزاء؟ حيث وجبت مع انفصال الدال عنه ولم يجب) قال: فصار كمن دل محرما أو ضائما على امرأة فوطئها، فإنه يأثم بالدلالة، ولا يلزمه كفارة، ولا يفطر بذلك أهـ (٣٤:٤). قلت: قد تبين جوابه بما ذكره شمس الأئمة فى "مبسوطه"، وحاصله أن دلالة المحرم على الصيد جناية على إحرامه، وهى توجب الجزاء، بخلاف دلالة المحرم أو الحلال أحدا على امرأة أو . مال مسلم؛ فإنها جناية على الإسلام، وهى توجب استحقاق العذاب فى الآخرة، والتعزير فى الدنيا، دون الجزاء بالهدى، أو الصيام أو الطعام فأفهم، فإن الحنفية أئمة المعانى حقا. قال الحافظ فى "الفتح": اتفقوا كما تقدم على تحريم الإشارة إلى الصيد ليصطاده على سائر وجوه الدلالات على المحرم. لكن قيده أبو حنيفة بما إذا لم يمكن الاصطياد بدونها اهـ (٣٤:٤). . قلت: لم يقيد التحريم بذلك فلا يجوز للمحرم الإشارة والدلالة على الصيد بحال. وإنما قيد وجوب الجزاء به، صرح به فى "المبسوط" (٨٠:٤). ج - ١٠ ٣٦٥ باب یجوز للمحرم أکل ما صاده الحلال إذا لم يدله عليه ولم يشر إليه ولم يعنه بشىء ٢٩٢٩- عن أبى قتادة فى حديث طويل: أنه اصطاد حمارا وحشيا وهو غير محرم وأصحابه محرمون، فوقعوا فيه يأكلونه، ثم إنهم شكوا فى أكلهم إياه وهم حرم،. فرحنا وخبأت العضد معى، فأدركنا رسول الله بّ له، فسألناه عن ذلك، فقال: ((هل باب يجوز للمحرم أکل ما صاده الحلال. إذا لم يدله علیه ولم یشر إليه ولم يعنه بشىء قوله: "عن أبى قتادة" إلخ، قال فى "الهداية": ولا بأس بأن يأكل المحرم لحم صيد اصطاده حلال وذبحه، إذا لم يدل عليه ولا أمره بصيده، أما إذا اصطاده الحلال لمحرم صيدا بأمره اختلف فيه عندنا، فذكر الطحاوى تحريمه على المحرم، وقال الجرجانى: لا يحرم؛ (لأن مجرد الأمر ليس من التأثير فى شىء، فكأنه لم يفعل فى الصيد شيئا)، قال القدورى: هذا غلط، واستمد على رواية الطحاوى اهـ "فتح القدير" (٢٥:٣). قلت: ولعل رواية الجرجانى هى التى اغتربها الحافظ فى "الفتح"، حيث قال: ولكن قيده أبو حنيفة بما إذا لم يمكن الاصطياد بدونها اهـ. وإنما قيد بذلك إيجاب الجزاء على الدال، وأما حرمة الدلالة بأنواعها وحرمة ما صاده المدلول على المحرم فليس بمقيد بذلك عندنا فافهم. قال فى "الهداية": خلافا لمالك فيما إذا اصطاده لأجل المحرم، (يعنى بغير أمره). له قوله معَّه: ((لا بأس بأكل المحرم لحم صيد ما لم يصيده أو يصاد له)) اهـ (٣: ٢٥ مع "الفتح"). قلت: ويقول مالك قال الشافعى وأحمد، صرح به ابن قدامة فى "المغنى" (٢٨٩:٣). واحتجوا لذلك بما رواه الخمسة إلا ابن ماجة عن جابر: أن النبى معَّه قال: ((صيد البر لكم حلال وأنتم حرم ما لم تصيدوه أو يصد لكم)). وقال الشافعى: هذا أحسن شىء روى فى هذا الباب وأقيس، والحديث أخرجه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، والدارقطنى، والبيهقى. كذا فى "النيل" (٢٤٢:٤). وأجاب أصحابنا عنه أولا على وجه المعارضة بحديث أبى قتادة، فإنهم لما سألوه ◌َّ لم يجب بحله لهم حتى سألهم عن وانع الحل أكانت موجودة أم لا؟، فقال عزِّ: ((أمنكم أحد أمره أن يحمل عليها، أو أشار إليها، أو أعانه عليها))؟ قالوا: لا، قال: ((فكلوا إذا). فلو كان من الموانع أن يصاد لهم لنظمه فى سلك ما يسأل عنه منها فى التفحص عن الموانع، ليجب بالحكم عند خلوه عنها، وهذا المعنى كالصريح فى نفى كون الاصطياد للمحرم مانعا، فيعارض ٣٦٦ يجوز للمحرم أكل ما صاده الحلال إذا لم يعنه بشيئ إعلاء السنن معكم منه شئ؟)) فقلت: نعم، فناولته العضد، فأكلها وهو محرم. متفق عليه مختصر، ولمسلم: ((هل أشار إليه إنسان أو أمره بشىء؟)) قالوا: لا، قال: ((فكلوه)). وللبخارى: حديث جابر، ويقدم عليه لقوة ثبوته؛ إذ هو فى "الصحيحين" وغيرهما من الكتب الستة بخلاف ذلك. قاله المحقق فى "الفتح" (٢٦:٣). قلت: بل الظاهر من حديث أبى قتادة أنه كان قد اصطاد ذلك الحمار الوحشى لأصحابه المجرمين لا لنفسه وحده؛ لما فى بعض طرقه عند الشيخين: فأبصروا حمارا وحشيا وأنا مشغول أخصف نعلى، فلم يؤذنونى، وأحبوا لو أنى أبصرته، "نيل الأوطار" (٤: ٢٤٠). وقال الحافظ فى "الفتح": وفى رواية على بن المبارك: فبصر أصحابى بحمار وحش، فجعل بعضهم يضحك إلى بعض. زاد فى رواية أبى حازم: وأحبوا لو أنى أبصرته. هكذا فى جميع الطرق والروايات أهـ (١٩:٤). وفى ذلك ما يشعر بأن أبا قتادة إنما حمل على الحمار بعد ما تفرس من أصحابه أنهم يحبون اصطياده لهم، ومع ذلك أباح لهم رسول الله مَّ الأكل منه، ولم يسأل أبا قتادة أنه صاده لنفسه أو لأصحابه المحرمين؟ فدل على أن التحريم إنما يتعلق بالإشارة، والأمر، والدلالة، دون الاصطياد لأجل المحرم. قال الطحاوى: فقد علمنا أن أبا قتادة لم يصده فى وقت ما صاده إرادة أن يكون له خاصة، وإنما أراد أن يكون له ولأصحابه الذين كانوا معه، فقد أباح رسول الله معرّ له ذلك له ولهم، ولم يحرمه عليهم لإرادته أن يكون لهم، وفى حديث عثمان بن عبد الله بن موهب: أن رسول الله عَّه سألهم فقال: ((أشرتم أو صدتم أو قتلتم))؟ قالوا: لا، قال: ((فكلوا)). فدل ذلك أنه إنما يحرم عليهم إذا فعلوا شيئا من هذا، ولا يحرم عليهم بما سوى ذلك اهـ (٣٨٩:١). وحديث جابر الذى احتجوا به لا يقاوم حديث أبى قتادة هذا، فإنه فى نفسه معلول، أما أولا: فلأن عمرو بن أبى عمرو قد اضطرب فيه، فرواه مرة عن المطلب بن عبد الله عن جابر، ورواه عبد العزيز بن محمد الدراوردى عن عمرو عن رجل من بنى سلمة عن جابر، والدراوردى احتج به الشيخان وبقية الجماعة، قال ابن معين: ثقة حجة، ووثقه القطان وأبو حاتم وغيرهما، وقد جعل السند مجهولا. وأما ثانيا: فلأن عمرو بن أبى عمرو مع اضطرا به فى هذا الحديث متكلم فيه، قال ابن معين وأبو داود: ليس بالقوى. زاد يحيى: وكان مالك يستضعفه. وقال السعدى: مضطرب الحديث. وأما ثالثا: فإن المطلب متكلم فيه أيضا، قال ابن سعد: لیس یحتج بحديثه؛ لأنه يرسل عن النبى معَّه كثيرا، وعامة أصحابه يدلسون. وأما رابعا: فإن الحديث مرسل. ٣٦٧ ج - ١٠ يجوز للمحرم أكل ما صاده الحلال إذا لم يعنه بشيئ (هل منكم أحد أمره أن يحمل عليها، أو أشار إليها؟)) قالوا: لا، قال: ((فكلوا ما بقى من لحمها). "نيل الأوطار" (٤-٢٤٠). قال الترمذى: المطلب لا يعرف له سماع من جابر. فظهر بهذا أن الحديث فيه أربع علل، وقد أخرجه الطحاوى من وجه آخر عن المطلب عن أبى موسى، (وهذه علة خامسة). وقال ابن حزم فى "المحلى": هو خبر ساقط. كذا فى "الجوهر النقى" (٢٥٣:١). وقال الحافظ فى "التلخيص": عمرو بن أبى عمرو (مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب) مختلف فيه وإن كان من رجال "الصحيحين"، ومولاه قال الترمذى: لا يعرف له سماع عن جابر، وقال فى موضع آخر: قال محمد: لا أعرف له سماعا من أحد من الصحابة إلا قوله: حدثنى من شهد خطبة رسول الله عَّ ◌ُله. وسمعت عبد الله بن عبد الرحمن يقول: لا نعرف له سماعا من أحد من الصحابة. وقد رواه الشافعى: عن الدراوردى، عن عمرو، عن رجل من الأنصار، عن جابر، قال الشافعى: إبراهيم بن محمد بن أبى يحيى أحفظ من الدراوردى. ومعه سليمان ابن بلال، يعنى أنهما قالا فيه: عن المطلب قلت: ورواه الطبرانى فى "الكبير" من رواية يوسف بن خالد السمنى، عن عمرو، عن المطلب، عن أبى موسى. ويوسف متروك، ووافقه إبراهيم ابن سويد عن عمرو عند الطحاوى، وقد خالفه إبراهيم بن أبى يحيى وسليمان بن بلال اهـ، ملخصا (٢٢٥:١). قلت: يوسف بن خالد ليس بأنزل من إبراهيم بن أبى يحيى، فكلاهما مترو كان عند المحدثين، وإبراهيم بن سويد من رجال "الصحيح"، وثقه ابن معين وأبو زرعة وغيرهما. "تهذيب" (١٢٦:١). فموافقته ليوسف كموافقة سليمان بن بلال لإبراهيم بن أبى يحيى، فقوى الاضطراب. وأما موافقة الدراوردى لابن أبى يحيى فى جعله الحديث من مسند جابر فلا يجديه شيئا؛ فإنه قد خالفه فى المطلب كما مر. وبالجملة فالحديث مضطرب الإسناد جدا كما قاله صاحب "الجوهر النقى". والعجب من الشافعى رحمه الله أنه کیف جعله أحسن شىء فى الباب والحال هذه؟ وأما قوله: "وأقيس" أى أنه أقيس شىء فى الباب، فقال الطحاوى: ومن جهة النظر حديث أبى قتادة أولى من حديث المطلب؛ لأن الشىء لا يحرم على الإنسان بنية غيره، ولأنهم لا يختلفون أن لحم الصيد إذا ذكى فى الحل ثم أدخل الحرم جاز أكله، فكذلك إذا أحرم (أى كذلك الإحرام أيضا يحرم على المحرم الصيد الحى، ولا يحرم عليه لحمه إذا تولى الحلال صيده وذبحه قياسا على ما ذكرنا من حكم المحرم)، ذكره صاحب "الجوهر النقى" (٣٥٣:١). ٣٦٨ يجوز للمحرم أكل ما صاده الحلال إذا لم يعنه بشئ إعلاء السنن .وأجاب علماءنا عنه ثانيا بالتأويل فى معناه لدفع المعارضة، قال صاحب "الهداية": واللام فيما روى لام تمليك، فيحمل على أنه يهدى إليه الصيد (حيا) دون اللحم، أو معناه أن يصاد بأمره اهـ. قال المحقق فى "الفتح": وبعد ثبوت ما ذهبنا إليه بما ذكرنا يقوم دليل على ما ذكره المصنف من التأويل اهـ. وقال فى "الكفاية": واغلم أن هذا الحديث روى بالرفع "أو يصاد"، وحينئذ لا تمسك له (أى للشافعى ومن وافقه) بهذه الرواية؛ لأنه صار معطوفا على المغيا لا على الغاية، ورواية كتب الحديث مثل سنن أبي داود والترمذى والنسائى هكذا، وإنما يصح له التمسك به على ما روى : . "أو يصد له"، ليصير معطوفا على الغاية، وهى ضعيفة اهـ (٢٦:٣). قلت: والحديث أخرجه الطحاوى بالألف، وكذا الحافظ فى "التلخيص الحبير"، وعزاه إلى أصحاب السنن وابن خزيمة والحاكم وابن حبان (٢٢٥:١). ولكن للخصم أن يقول: هو عطف على المجزوم على المعنى، وليس بمرفوع. بل منصوب، هذا هو الظاهر، وعطفه على المغيا ليس بظاهر، ولا يقبله الذوق السليم ههنا، والله تعالى أعلم. واحتجوا أيضا بحديث ابن عباس عند مسلم قال: أهدى الصعب بن جثامة الليثى لرسول الله مَِّ لحم حمار وحشى وهو بالأبواء أو بودان، فرده عليه، فلما رأى ما فى وجهه قال: ((إنا لم نرده إلا أنا حرم)). وفى رواية: رجل حمار وحش يقطر دما. قالوا: إنما رده عليه لكونه صيد لأجله كذا فى "فتح البارى" ملخصا (٢٧:٤). قلت: لا دلالة فى الحديث على أن علة الرد كانت هذه، والذى فيه أنه معَّه إنما رده لكونه محرما، فهو دليل من حرم الأكل من لحم الصيد على المحرم مطلقا، وهو قول على، وابن عمرو، والليث، والثورى، وإسحاق، قاله الحافظ فى "الفتح" أيضا (٨:٤). على أن البخارى رحمه الله قد أشار فى ترجمة بابه لهذا الحديث إلى أن الروايات التى تدل على أنه أهدى للنبى مَّه حمار! مذبوحا موهمة، فبوب له: "إذ أهدى للمحرم حمارا وحشيا حيا لم يقبل". ثم أخرج الحديث بطريق مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عبد الله بن عباس، عن الصعب بن جثامة الليثى: أنه أهدى لرسول الله حمارا وحشيا الحديث. قال الحافظ فى "الفتح": لم تختلف الرواة عن مالك فى ذلك، وتابعه عامة الرواة عن الزهرى، وخالفهم ابن عيينة عن الزهرى، فقال: لحم حمار وحش، أخرجه مسلم، لكن بين ج - ١٠ يجوز للمحرم أكل ما صاده الحلال إذا لم يعنه بشيئ ٣٦٩ الحميدى -صاحب سفيان- أنه كان يقول فى هذا الحديث: حمار وحش. ثم صار يقول: لحم حمار وحش. فدل على اضطرا به فيه. وقال الشافعى فى "الأم": حديث مالك: أن الصعب أهدى حمارا. أثبت من حديث من روى أنه أهدى لحم حمار، وقال الترمذى: روى بعض أصحاب الزهرى فى حديث الصعب: لحم حمار وحش. وهو غير محفوظ اهـ ملخصا (٢٧:٤). قال الحافظ: واتفقت الروايات كلهما على أنه معدّ لآه رده عليه إلا ما رواه ابن وهب والبيهقى من طريقه بإسناد حسن من طريق عمرو بن أمية: أن الصعب أهدى للنبى عرِّ عجز حمار وحش وهو بالجحفة، فأكل منه وأكل القوم اهـ. قال البيهقى: إسناد صحيح، فكأنه رد الحى وقيل اللحم اهـ من الجوهر النقى (٣٥٤:١). قال المحقق فى "الفتح" بعد ما أطال الكلام فى هذا الحديث وفى الجمع بين طرقه المختلفة ما نصه: وعلى كل حال ففى هذا الحديث اضطراب ليس مثله فى حديث أبى قتادة، فكان هو أولى. فإن قيل: إن حديث أبى قتادة كانت سنة ست عام الحديبية، وحديث الصعب فى حجة الوداع، فيكون ناسخا لما قبله. قلنا: (من شرط الناسخ كونه معارضا للمنسوخ، وقد عرفت أنه لا يصلح معارضا لحديث أبى قتادة؛ لما فيه من الاضطراب)، أما أن حديث الصعب كان فى حجة الوداع فلم يثبت عندنا، وإنما ذكره الطبرى وبعضهم، ولم نعلم لهم فيه ثبتا صحيحا، وأما حديث أبى قتادة فوقع عند عبد الرزاق عنه: قال: انطلقنا مع رسول الله مرِّ عام الحديبية، فأحرم أصحابه ولم أحرم. ففى "الصحيحين" عنه خلاف ذلك، وهو ما روى عنه: أن النبى معَّ خرج حاجا فخرجوا معه، (ذكرناه فى المتن)، ومعلوم أنه ◌ّ له لم يحج بعد الهجرة إلا حجة الوداع، فكان بالتقديم أولى اهـ (٢٧:٣ - ٢٨). وقال الجصاص فى "أحكام القرآن" له: وقد اختلف فى حديث الصعب بن جثامة: أنه أهدى إلى النبى معَّه لحم حمار وحش وهو محرم، فرده عليه، فرأى فى وجهه الكراهة، فقال: (ليس بنا رد عليك ولكنا حرم)). وخالفه مالك فرواه عن الزهرى: أنه أهدى إلى النبى معَّه حمار وحش. قال ابن إدريس: فقيل لمالك: إن سفيان (هو ابن عيينة) يقول: رجل حمار وحش. فقال: ذاك غلام، ذاك غلام. ورواه ابن جريج عن الزهرى بإسناد كرواية مالك، وقال فيه: أنه أهدی له حمار وحش. وروى الأعمش عن حبي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن الصعب بن ٣٧٠ يجوز للمحرم أكل ما صاده الحلال إذا لم يعنه بشئ إعلاء السنن ٢٩٣٠- عن عبد الرحمن بن عثمان بن عبد الله التيمى - وهو ابن أخى طلحة- قال: كنا مع طلحة ونحن حرم، فأهدى لنا طير وطلحة راقد، فمنا من أكل، ومنا من تورع فلم يأكل، فلما استيقظ طلحة وفق من أكله، وقال: أكلناه مع رسول الله عَّ له. رواه أحمد، ومسلم، والنسائى. "نيل" (٤-٢٣٨). جثامة أهدى إلى النبى عّ لّ حمار وحش وهو محرم، فرده. فهذا يدل على وهاء حديث سفيان، وأن الصحيح ما رواه مالك، لاتفاق هؤلاء الرواة عليه اهـ (٢: ٤٨١). وقال أيضا قبل ذلك بشیء: قال الله: ﴿وحرم علیکم صید البر ما دمتم حرما﴾، فروی عن على وابن عباس أنهما كرها أكل صيد اصطاده حلال، إلا أن إسناد حديث على ليس بالقوى، يرويه على بن زيد، وبعضهم برفعه إلى النبى معَّ، وبعضهم يقفه، وروى عن عثمان، (وعمر) وطلحة بن عبيد الله، وأبى قتادة، وجابر، وغيرهم إباحته، ثم ذكر بعض الآثار الذى ذكرناه فى المتن، وقال: وقد روى فى إباحته أخبار أخر غير ذلك، كرهت الإطالة بذكرها، لاتفاق فقهاء الأمصار عليه، قال: ومن أباحه ذهب إلى قوله: ﴿وحرم عليكم صيد البر﴾ إذا كان يتناول الاصطياد وتحريم المصيد نفسه، فإن هذا الحيوان إنما يسمى صيدا ما دام حيا، وأما اللحم فغير مسمى بهذا الاسم بعد الذبح، فإن سمى بذلك فإنما يسمى به مجازا على أنه كان صيدا، فأما اسم الصيد فليس يجوز أن يقع على اللحم حقيقة، ويدل على أن لفظ الآية لم ينتظم اللحم، أنه غير محظور عليه، أى على المحرم التصرف فى اللحم بالإتلاف والشرى والبيع وسائر وجوه التصرف سوى الأكل عند القائلين بتحريم أكله، ولو كان عموم الآية قد اشتمل عليه لما جاز له التصرف فيه بغير الأكل كهو إذا كان حيا، ولكان على متلفه إذا كان محرما ضمانه، كما يلزم ضمان إتلاف الصيد الحى؛ لأن قوله تعالى: ﴿وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما﴾، يتناول تحريم سائر أفعالنا فى الصيد فى حال الإحرام. فإن قبل: بيض الصيد محرم على المحرم وإن لم يكن ممتنعا ولا مسمى صيدا، فكذلك لحمه. قلنا: إنا لم نحرم لفرخ والبيض بعموم الآية، وإنما حرمناهما بالاتفاق اهـ ملخصا (٢: ٤٨٠). قلت: وسيأتى ذكر الاتفاق فى المسألة، فانتظر. قوله: "عن عبد الرحمن بن عثمان" إلخ، وجه الاستدلال منه ومما يأتى بعده من حديث البهزى أن ترك الاستفصال فى وقائع الأحوال ينزل منزلة العموم فى المقال، قاله المحقق فى "الفتح" (٢٨:٣)؛ فإن طلحة لم يسأل من أهدى لأصحابه الطير: أنه صاده لهم أو لنفسه؟ ٣٧١ ج - ١٠ يجوز للمحرم أکل ما صاده الحلال إذا لم یعنه بشيئ ٢٩٣١- عن عمير بن سلمة الضمرى، عن رجل من بهز: أنه خرج مع رسول الله یرید مکة، حتى إذا كانوا فى بعض وادى الروحاء وجد الناس حمار وحش عقيرا، فذ کروا للنبى ءێے، فقال: ((أقروه حتی یأتی صاحبه))، فأتى البهزى و كان صاحبه، فقال: يا رسول الله! شأنكم هذا الحمار، فأمر رسول الله عَ ليه أبا بكر، فقسمه فى الرفاق وهم محرمون. رواه أحمد والنسائى، ومالك فى الموطأ وصححه ابن خزيمة وغيره كما قال فى الفتح، نيل الأوطار (٢٣٩:٤). ٢٩٣٢- مالك عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله أنه سمع أبا هريرة يحدث عبد الله بن عمر: أنه مر به قوم محرمون بالربذة، فاستفتوه فى لحم صيد وجدوا ناسا أحلة يأكلونه، فأفتاهم بأكله، قال: ثم قدمت المدينة على عمر بن الخطاب، فسألته عن ذلك، فقال: بم أفتيهتم؟ قال: فقلت: أفتيهتم بأكله، قال: فقال عمر: لو أفتيهتم بغير ذلك لأوجعتك. رواه مالك فى "الموطأ" (١٣٦)، والطحاوى وزاد: إنما نهيت أن تصطاده. (١- ٣٩٠). وكذلك النبى معَّ لم يسأل البهزى عن ذلك، فدل على أن ما صاده الحلال هل أكله للمحرم، سواء صاده لنفسه أوله وللمحرم، ما لم يشر إليه ولم يأمره به، والله تعالى أعلم. قوله: "مالك عن ابن شهاب"، إلخ، قلت: وأخرج مالك فى "الموطأ" عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار: أن كعب الأحبار أقبل من الشام فى ركب محرمين، حتى إذا كانوا ببعض الطريق وجدوا لحم صيد، فأفتاهم كعب بأكله، قال: فلما قدموا المدينة على عمر بن الخطاب ذكروا ذلك له، قال: من أفتاكم بهذا؟ قالوا: كعب، قال: فإنى قد أمرته عليكم حتى ترجعوا. الحديث، (١٣٦) سنده صحيح. وأخرج الطحاوى: حدثنا أبو بكرة، ثنا مؤمل، ثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود: أن كعبا سأل عمر عن الصيد يذبحه الحلال فيأكله المحرم؟ فقال عمر: لو تركته لرأيتك لاتفقه شيئا اهـ (٣٩٠:١)، وهذا إسناد حسن، وفى كل ذلك دليل على إباحة ما صاده الحلال للمحرم، خلاف ما روى عن على وابن عباس رضى الله عنهم من كراهته له مطلقا، وفيه دليل على إباحته له سواء اصطاده الحلال لنفسه أو لأجل المحرم؛ لأن عمر لم يستفصل. قال الطحاوى: فلم يكن عمر رضى الله عنه ليعاقب رجلا من أصحاب رسول الله عّ لّه فى فتياه هذا بخلاف ما يرى. (كما قال لأبى هريرة: لو أفتيته بغير ذلك لعلوتك بالدرة. أخرجه الطحاوى ٣٧٢ إعلاء السنن يجوز للمحرم أكل ما صاده الحلال إذا لم يعنه بشيئ ٢٩٣٣- عن عبد الله بن شماس يقول: أتيت عائشة فسألتها عن لحم الصيد يصيده الحلال ثم يهديه للمحرم، فقالت: اختلف فيه أصحاب رسول الله عّ لّه، فمنهم من حرمه، ومنهم من أحله. وما أرى بشىء منه بأسا. رواه الطحاوى (٣٨٧:١)، وفيه عبيد الله بن عمران شيخ شعبة، روى عنه وأثنى عليه، قال أبو حاتم: شيخ، وذكره ابن حبان فى الثقات. وعبد الله بن شماس أظنه عبد الرحمن بن شماسة. كذا فى "تعجيل المنفعة" (١٧٢). أخطأ شعبة فى اسمه، وربما أخطأ فى الأسماء ولا يخطئ فى المتون كما مر غير مرة، وعبد الرحمن بن شماسة من رجال مسلم والأربعة، ثقة، قال أبو حاتم: روايته عن عائشة مرسلة. وقال اللالكائى: سمع منها. "تهذيب التهذيب" (١٩٥:٦). وسیاق هذا الإسناد یؤید اللالكائی کما تری، وهو عندی إسناد حسن. ٢٩٣٤ - أخبرنا أبو حنيفة، قال: حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن جده الزبير ابن العوام، قال: كنا نحمل لحم الصيد صفيفا، ونتزود ونأكله ونحن محرمون مع رسول الله مظله. أخرجه محمد فى "الآثار" (١٥٤) وسنده صحيح، وابن خسرو فى "مسنده" لأبى حنيفة، ذكره الشيخ فى "الإمام". "زيلعى" (٥٤٠:١). وروى هذا الحديث حماد بن أبى سليمان شيخ الإمام عن أبى حنيفة رحمه الله لجلالة قدره. "جامع المسانيد" (٥٥٥:١). وأخرجه مالك فى "الموطأ" عن هشام بن عروة، عن أبيه مختصرا: أن الزبير بن العوام كان يتزود صفيف الظباء فى الإحرام. قال مالك: والصفيف القدير (١٣٥). بسند صحيح)، والذى عنده فى ذلك مما يخالف ما أفتى به رأيا، ولكن ذلك عندنا - والله أعلم- لأنه كان أخذ علم ذلك من غير جهة الرأى اهـ (١: ٣٩٠). وقول عمر رضى الله عنه: إنما نهيت أن تصطاده. كالصريح فيما قلنا، أى ولم تنه عما اصطاده غيرك بأى نية كان اصطاده. قوله: عن عبد الله بن شماس إلخ، دلالة قول عائشة رضى الله عنها: وما أرى بشىء منه بأسا، بعمومه على إباحة ما اصطاده الحلال للمحرم بأى نية كان اصطاده ظاهرة. قوله: "أخبرنا أبو حنيفة حدثنا هشام" إلخ، دل على إباحة لحم الصيد للمحرم إذا كان اصطاده قبل الإحرام، وكذلك ما صاده الحلال وأهداه للمحرم، ومن ادعى الفرق فعليه البيان. ج - ١٠ يجوز للمحرم أکل ما صاده احلال إذا لم یعنه بشىئ ٣٧٣ ٢٩٣٥ - أخبرنا أبو حنيفة، عن محمد بن المنكدر، عن عثمان بن محمد، عن طلحة بن عبيد الله، قال: تذاكرنا لحم الصيد يصيده الحلال فيأكله المحرم والنبى عرّ ض له نائم، فارتفعت أصواتنا، فاستيقظ النبى معَّه، فقال: ((فيم تتنازعون؟)) فقلنا: فى لحم يصيده الحلال فيأكله المحرم، قال: فأمرنا بأكله. أخرجه محمد فى "الآثار" (٥٤)، وأبو محمد البخارى، والحافظ طلحة بن محمد، والحافظ ابن خسرو، والقاضى ابن عبد الباقى فى مسانيدهم للإمام "جامع المسانيد" (٥٤٢:١). وعثمان بن محمد بن أبي سويد روى عنه الزهرى. ومحمد بن المنكدر، ذكره ابن حبان فى الثقات، من التابعين. "تعجيل المنفعة" (٢٨٣) فالحديث حسن صحيح. قوله: "أخبرنا أبو حنيفة عن محمد بن المنكدر" إلخ، دلالة قوله: "فأمرنا بأكله" على إباحة لحم الصيد للمحرم يصيده الحلال بأى نية كان اصطاده ظاهرة. وفى الحديث من الفقه ما قاله محمد: وأراهم فى هذا الحديث قد تنازعوا فى الفقه، فارتفعت أصواتهم، فاستيقظ النبى معَّ له فلم يعبه عليهم اهــ (أى فلا بأس برفع الصوت بالفقه والبحث والنزاع فيه إذا كان ذلك بإخلاص ونية صالحة). وقال الجصاص فى "أحكام القرآن" له فى تفسير قوله تعالى: ﴿لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾ الآية: يعنى الآيات التى سألوها الأنبياء عليهم السلام، فأعطاهم الله إياها كما قال مقسم، فأما السؤال عن أحكام غير منصوصة فلم يدخل فى حظر الآية -ثم ذكر آثارا فى سؤال الصحابة رسول الله عَّه عن أحكام الدين- وقال: وأحاديث كثيرة فى سؤال قوم سألوه عن أحكام شرائع الدين فيما ليس بمنصوص عليه غير مخطور على أحد، (بل مأذون فيه بقوله عليه السلام: ((إنما شفاء العي السؤال))). وروى شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ بن جبل، قال: قلت: يا رسول الله! إنى أريد أن أسألك عن أمر، وبمعنى مكان هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسئلوا عن أشياء﴾. فقال: ((ما هو))؟. قلت: العمل الذى يدخلنى الجنة، قال: ((قد سألت عظيما، وإنه ليسير، شهادة أن لا إله إلا الله، وأنى رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة؛ وحج البيت، وصوم رمضان)). فلم يمنعه السؤال ولم ينكره، وذكر محمد بن سيرين عن الأحنف عن عمر، قال: تفقهوا قبل أن تسودوا، وكان ٣٧٤ يجوز للمحرم أكل ما صاده الحلال إذا لم يعنه بشيئ إعلاء السنن ٢٩٣٦- أخبرنا أبو حنيفة، قال: حدثنا الهيثم بن أبى الهيثم، عن الصلت بن حنين، عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما، قال: أهدى له ظبيان وبيض نعام فى الحرم، فأبى أن يقبله وقال: هلا ذبحتهما قبل أن تجىء بهما؟. أخرجه محمد فى "الآثار". قال محمد: وبه نأخذ، إذا دخل شىء من الصيد الحرم حيا لم يحل ذبحه ولا بيعه وخلى سبيله، وهو قول أبى حنيفة اهـ (٥٥). لم أعرف الصلت هذا، ولكن محمدا احتج به، واحتجاج المجتهد بحديث تصحيح له كما مر فى المقدمة. ٢٩٣٧- أخبرنا أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، قال: إذا أهللت بهما جميعا أصحاب رسول الله عَّ يجتمعون فى المسجد، يتذاكرون(١) حوادث المسائل فى الأحكام، وعلى هذا المنهاج جرى أمر التابعين ومن بعدهم من الفقهاء إلى يومنا هذا، وإنما أنكر هذا قوم حشو جهال قد حملوا أشياء من الأخبار لا علم لهم بمعانيها وأحكامها؛ فعجزوا عن الكلام فيها واستنباط فقهها، وقد قال النبى معَّهِ: ((رب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)). وهذه الطائفة المنكرة لذلك كمن قال الله تعالى: ﴿مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا﴾ اهـ (٤٨٤:٢). قوله: "أخبرنا أبو حنيفة حدثنا الهيثم" إلخ، قلت: هكذا فى نسخة "كتاب الآثار" الموجودة عندنا عن الصلت بن حنين، وفى "جامع المسانيد" للإمام، الصلت بن جبير، وظنى أنه الصلت بن الحجاج الكوفى، أو صلة بن زفر العبسى، وقع فيه التصحيف، فإن الصلت بن حنين لم أجده فى كتب الرجال، ولا أعرف أحدا من الرواة يسمى بالصلت ينسب إلى حنين، وإنما ذكرته فى المتن لاحتجاج محمد به، واحتجاج مثله بشىء حجة، والله تعالى أعلم. وفيه دلالة على جواز إدخال الصيد فى الحرم مذبوحا، وكذلك المحرم يجوز أن یهدى إليه الصيد بعد ما ذبحه الحلال له، ولا يجوز أن يهدى إليه حيا، ومن ادعى الفرق فعليه البيان. قوله: "أخبرنا أبو حنيفة عن حماد" إلخ، قلت: هذه مسألة خلاف بين العلماء، قال الموفق فى "المغنى": وإن قتل القارن صيدا فعليه جزاء واحد، نص عليه أحمد، وهؤلاء (أى الحنفية) (١) محمد قال: أخبرنا أبو حنيفة، عن الهيثم، عن الشعبى، قال: كان ستة من أصحاب محمد مّ﴾ يتذاكرون الفقه، منهم على بن أبى طالب، وأبى، وأبو موسى على حدة، وعمر، وزيد، وابن مسعود (على حدة) "كتاب الآثار" (١٢٣) وذكره ابن القيم فى "أعلام الموقعين" (٦:١). ٣٧٥ يجوز للمحرم أكل ما صاده الحلال إذا لم يعنه بشئ ج - ١٠ العمرة والحج فأصبت صيدا فإن عليك جزئين، فإن أهللت بعمرة كان عليك جزاء، وإن أهللت بحج كان عليك جزاء. أخرجه محمد فى "الآثار" وقال: وبه نأخذ، وهو قول أبى حنيفة اهـ (٥٤). يقولون: فى ذلك جزاءان، فيلزمهم أن يقولوا فى صيد الحرم ثلاثة، لأنهم يقولون فى الحل اثنان، ففى الحرم ينبغى أن يكون ثلاثة، وهذا قول مالك، والشافعى، وقال أصحاب الرأى: علیه جزاءان، قال القاضى (الخرقى، إمام الحنابلة): وإذا قلنا: عليه طوافان لزمه جزاءان قال الموفق: ولنا قوله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾. ومن أوجب جزائين فقد أوجب مثلين، ولأنه صيد واحد، فلم يجب فيه جزاءان، كما لو قتل المحرم فى الحرم صيدا، ولأنه لا يزيد على محرمين قتلا صيدا، وليس عليهما إلا فداء واحد، وكذلك محرم وحلال قتلا صيدا حرميا اهـ (٤٩٦:٣). قلنا: قد أشار القاضى رحمه الله إلى الجواب عن كل ذلك فى قوله: وإذا قلنا: عليه طوآفان، لزمه جزاءان. وحاصله ما ذكره الجصاص فى أحكام القرآن له بما نصه: والخصم يحتج علينا بهذه الآية فى القارن، فإنه لا يجب عليه إلا جزاء واحد بظاهر الكتاب. والجواب عن هذا أنه محرم عندنا بإحرامين على ما سنذكره فى موضعه (فى الفقه)، وإذا صح لنا ذلك ثم أدخل النقص عليهما وجب أن يجبرهما بدمين اهـ (٢: ٤٧٧). وأما قوله: فيلزمهم أن يقولوا فى صيد الحرم ثلاثة إلخ، قلت: ويلزمكم مثل ذلك أن تقولوا فى محرم قتل صيد الحرم أن عليه جزائين؛ لأنكم تقولوا فى صيد الحل جزاء، مع قولكم بأن الاصطياد من مخطورات الإحرام، فما هو جوابكم فهو جوابنا. ولأن الأصل أنه إذا اجتمع موجبان لحكم واحد يضاف الحكم إلى أقواهما، ويجعل الآخر تبعا له كالعدم، كالحافر مع الدافع، والحاز للرقبة مع الجارح، وحرمة الإحرام أقوى من حرمة الحرم؛ لأنها توجب حرمات كثيرة غير الصيد بخلاف حرمة الحرم، فاستتبعت أقوى الحرمتين الأخرى، قاله المحقق فى "الفتح" (٣٦:٣). لا يقال: كذلك القارن لما جمع بين إحرامى الحج والعمرة، وكلاهما ليسا بمساويين، بل إحرام الحج أقوى لكونه فرضا والعمرة سنة، فينبغى القول بالاستتباع. لأنا نقول: بعد الشروع فيهما صارا متساويين، لأن السنة تصير واجبة بعد الشروع فيها للأمر بإتمامها، والنهى عن إبطالها بقوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾. وأيضا فكون الحج فريضة والعمرة سنة لا يستلزم التفاوت بين إحراميهما فى الإيجاب والحظر، كتحريمة الصلاة فإنها كما هى موجبة للقراءة والقيام والقعود ٣٧٦ يجوز للمحرم أكل ما صاده الحلال إذا لم يعنه بشيئ إعلاء السنن ٢٩٣٨- أبو حنيفة، عن حماد عن إبراهيم، قال: إذا اشترك القوم المحرمون فى صيد فعلى كل واحد منهم جزاؤه. قال محمد: وبه نأخذ، وهو قول أبى حنيفة. " کتاب الآثار" (١٥٤). والركوع والسجود، وحاظرة عن الكلام والسلام والطعام وغيرها فى الصلاة المفروضة، كذلك فى السنن والنوافل سواء فافهم. وأما قوله: ولأنه لا يزيد على محرمين قتلا صيدا، فممنوع، فإنا قائلون بتعدد الجزاء فى هذه الصورة، وكذلك محرم وحلال قتلا صيدا حرميا، فإنا قائلون بأنه إذا اشترك محرمون ومحلون فى قتل صيد الحرم وجب جزاء واحد يقسم على عددهم، ويجب على كل محرم مع ما خصه من ذلك جزاء كامل، صرح به المحقق فى "الفتح" (٣٦:٣). تنبيه: قال فى "الهداية": وكل شىء فعله القارن مما ذكرناه أن فيه على المفرد دما فعليه دمان لحجته وعمرته، إلا أن يتجاوز الميقات غير محرم بالعمرة أو الحج. فيلزمه دم واحد؛ لأن المستحق عليه عند الميقات إحرام واحد، وبتأخير واجب واحد لا يجب إلا جزاء واحد (٣٦:٣ مع "الفتح") ودلالة أثر إبراهيم على ما قالت الحنفية فى جزاء القارن ظاهرة. وقال الحكم أيضا: عليه هديان. كما فى "المغنى" (٤٩٦:٣). قوله: "أبو حنيفة عن حماد وهو آخر الباب" إلخ، قال فى "الهداية": وإذا اشترك محرمان فى قتل صيد فعلى كل واحد منهما جزاء كامل؛ لأن كل واحد منهما بالشركة يصير جانيا جناية تفوق الدلالة، فيتعدد الجزاء بتعدد الجناية، وإذا اشترك حلالان فى قتل صيد الحرم فعليهما جزاء واحد؛ لأن الضمان بدل عن المحل، لا جزاء عن الجناية، فيتحد باتحاد المحل، كرجلين قتلا رجلا خطأ، تجب عليهما دية واحدة؛ (لكون الدية بدلا عن النفس وهى واحدة)، وعلى كل واحد منهما كفارة؛ (لكون الكفارة جزاء عن الجناية، وكلاهما جانيان، فتتعدد الكفارة بتعدد الجناية) (٣٧:٣ مع "الفتح"). قلت: وفيه خلاف للشافعى وأحمد كما فى "المغنى" (٢٨٨:٣)، فقالا: يشتركان فى الجزاء، واحتجا بقوله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾، دل على أن الجزاء إنما هو واحد، ولم يفرق بين أن يكونوا جماعة أو واحدا، فكيف يقال: بأنه يجب عليهم جزاءان أو ثلاثة أو أكثر من ذلك؟. ولنا أن هذا الجزاء ينصرف إلى كل واحد منهم، ونحن لا نقول: إنه يجب على كل واحد ج - ١٠ يجوز للمحرم أكل ما صاده الحلال إذا لم يعنه بشيئ ٣٧٧ جزاءان وثلاثة، وإنما يجب عليه جزاء واحد، والذى يدل على أنه منصرف إلى كل واحد قوله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل﴾ ولم يقل: مثل ما قتلوا، فدل على أنه أراد واحدا واحدا. قال الحافظ الجصاص فى "أحكام القرآن" له: قوله تعالى: ﴿ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل﴾ ينتظم الواحد والجماعة إذا قتلوا فى إيجاب جزاء تام على كل واحد، لأن (لفظة) "من" يتناول كل واحد على حياله فى إيجاب جميع الجزاء عليه، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة﴾، قد اقتضى إيجاب الرقبة على كل واحد من القاتلين إذا قتلوا نفسا واحدة (خطأ). وقال تعالى: ﴿ومن يظلم منكم نذقه عذاباً كبيرا﴾، وعيد لكل واحد على حياله. وقوله عز وجل: ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا﴾، وعيد لكل واحد من القاتلين، وهذا معلوم عند أهل اللغة لا يتدافعونه، وإنما يجهله من لاحظ له فيها. فإن قيل: فلو قتل جماعة رجلا كانت على جميعهم دية واحدة، والدية إنما دخلت فى اللفظ حسب دخول الرقبة. قيل له: الذى يقتضيه حقيقة اللفظ وعمومه إيجاب ديات بعدد القاتلين. وإنما اقتصر فيه على دية واحدة بالإجماع، وإلا فالظاهر يقتضيه، أ لا ترى أنهما لو قتلاه عمدا كان كل واحد منهما كأنه قاتل على حياله، ويقتلان جميعا به؟، ألا ترى أن كل واحد من القاتلين لا يرث، وأنه لو كان بمنزلة من قتل بعضه لوجب أن لا يحرم الميراث مما قتله منه غيره؟، (أى كان حرمانه من الميراث بمثل ما عليه من الدية)، فلما اتفق الجميع على أنهما جمیعا لا یرثان، وأن كل واحد منهما كأنه قاتل له وحده، كذلك فی إيجاب الكفارة، إذ كانت النفس لا تتبعض، وكذلك قاتلوا الصيد كل واحد كأنه متلف للصيد على حياله، فتجب على كل واحد كفارة تامة، وبدل عليه أن الله تعالى سمى ذلك كفارة بقوله: ﴿أو كفارة طعام مساكين﴾، وجعل فيها صوما، فأشبهت كفارة القتل اهـ (٤٧٧:٢). قلت: وبقولنا قال الشعبى، وسعيد بن جبير، والحارث العكلى، كما فى "المغنى" (٤٨٧:٣)، وهو قول إبراهيم النخعى، كما دل عليه الأثر المذكور فى المتن، والله تعالى أعلم. ذبيحة المحرم ميتة لا يحل أكلها لأحد فائدة: إذا ذبح المحرم الصيد صار مبتة يحرم أكله على جميع الناس، وهذا قول الحسن، والقاسم، وسالم، ومالك، والأوزاعى، والشافعى، وأصحاب الرأى. قال الحكم، والثورى، وأبو ثور: لا بأس بأكله. قال ابن المنذر: هو بمنزلة ذبيحة السارق (أى فيكره أكله ولا يحرم)، وقال ٣٧٨ يجوز للمحرم أكل ما صاده الحلال إذا لم يعنه بشئ إعلاء السنن عمرو بن دينار، وأيوب السختياني: يأكله الحلال. وحكى عن الشافعى قول قديم: إنه يحل لغيره الأكل منه؛ لأن من أباحت ذكاته غير الصيد أباحت الصيد كالحلال. ولنا أنه حيوان حرم عليه ذبحه لحق الله تعالى، فلم يحل ذبحه، (فصار كذبيحة المجوسى) وبهذا فارق سائر الحيوانات، وفارق غير الصيد؛ فإنه لا يحرم ذبحه، وكذلك الحكم فى صيد الحرم إذا ذبحه الحلال. قاله الموفق فى "المغنى" (٣-٣٩٣). وقال الجصاص فى "أحكام القرآن" له: وقد دل قوله تعالى: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾. أن كل ما يقتله المحرم من الصيد فهو غير ذكى؛ لأن الله تعالى سماه قتلا، والمقتول لا يجوز أكله، وإنما يجوز أكل المذبوح على شرائط الذكاة. وما ذكى من الحيوان لا يسمى مقتولا؛ لأن كونه مقتولا يفيد أنه غير مذكى، وكذلك قول النبى مرّ له: ﴿خمس يقتلهن المحرم فى الحل والحرم﴾، قد دل على أن هذه الخمسة ليست مما يؤكل؛ لأنه مقتول غير مذكى، ولو كان مذكى لم يكن يسعى بذلك، وكذلك قال أصحابنا فيمن قال: لله على ذبح شاة: إن عليه أن يذبح، ولو قال: الله على قتل شاة. لم يلزمه شىء، وكذلك لو قال: لله على ذبح ولدى أو نحره. فعليه شاة، ولو قال: لله على قتل ولدى. لم يلزمه شىء؛ لأن اسم الذبح متعلق بحكم الشرع فى الإباحة والقربة، وليس كذلك القتل. وروى عن سعيد بن المسيب فى قوله: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾، قال: قتله حرام فى هذه الآية، وأكله حرام فى هذه الآية، يعنى أكل ما قتله المحرم منه، وروى الأشعث عن الحسن قال: كل صيد يجب فيه الجزاء فذلك الصيد ميتة لا يحل أكله. وروى عنه يونس أيضا: أنه لا يؤكل. (قلت: أخرج ابن أبى حاتم وأبو الشيخ من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ فنهى المحرم عن قتله فى هذه الآية وأكله وأخرجا كلاهما وابن المنذر عن سعيد بن جبير قال: حرم صيده ههنا وأكله ههنا. كذا فى "الدر المنثور" ٢-٣٢٧). وقال الحكم، وعمرو ابن دينار: يأكله الحلال، وهو قول سفيان، وقد ذكرنا دلالة الآية على تحريم ما أصابه المحرم من الصيد، وأنه لا يكون مذكى، ويدل على أن تحريمه عليه من طريق الدين على أنه حق الله تعالى، فأشبه صيد المجوسى والوثنى. وليس بمنزلة الذبح بسكين مغصوب، أو ذبح شاة مغصوبة؛ لأن تحريمه تعلق بحق الآدمى، ألا ترى أنه لو أباحه جاز؟ اهـ ملخصا. (٢-٤٦٨). قلت: وقد أجمعت ج - ١٠ يجوز للمحرم أكل ما صاده الحلال إذا لم يعنه بشئ ٣٧٩ الأئمة الأربعة ومن تبعهم على حرمة ما ذبحه المحرم من الصيد، وأنه ميتة لا يحل أكلها لأحد من الناس، كما ذكره الموفق فى "المغنى"، والإجماع اللاحق يرفع الخلاف السابق، فلا عبرة بقول من إباحة الحلال، أو قال بكراهته دون حرمته فافهم. إذا اضطر المحرم إلى أكل الميتة أو الصيد يتناول الصيد: فائدة: لو اضطر المحرم إلى أكل الميتة أو الصيد يأكل الميتة لا الصيد على قول زفر، لتعدد جهات حزمته عليه، وعلى قول أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله تعالى يتناول الصيد، ويؤدى الجزاء؛ لأن حرمة الميتة أغلظ، ألا ترى أن حرمة الصيد ترتفع بالخروج من الإحرام؟ فهى موقتة بخلاف حرمة الميتة، فعليه أن يقصد أخف الحرمتين دون أغلظهما، والصيد وإن كان محظور الإحرام لكن عند الضرورة يرتفع الحظر، كالحلق عند الأذى، فيقتله ويأكل منه، ويؤدى الجزاء. هكذا فى "المبسوط" (١٠٦:٤). قلت: وهذا أصح مما نقله صاحب "الفتح" عن "فتاوى قاضى خان" (٢٠٣). وقال الموفق فى "المغنى": وإذا اضطر المحرم فوجد صيدا وميتة أكل الميتة، وبهذا قال الحسن، والثورى، ومالك. وقال الشافعى، وإسحاق، وابن المنذر: يأكل الصيد، (وهو قول أبى حنيفة الإمام الأعظم)، وهذه المسئلة مبنية على أنه إذا ذبح الصيد كان ميتة، فيساوى الميتة فى التحريم، ويمتاز بإيجاب الجزاء وما يتعلق به من هتك حرمة الإحرام، فلذلك كان أكل الميتة أولى، إلا أن لا تطيب نفسه بأكلها فيأكل الصيد، كما لو لم يجد غيره اهـ. (٣-٢٩٣). قال المحشى (السيد محمد رشيد رضا): فيه (أى فى قوله: فيساوى الميتة فى التحريم) أن الميتة محرمة لذاتها، والصيد محرم بسبب عارض. (قلت: إيراد صحيح، وهو عين ما قاله أبو حنيفة وأبو يوسف). وقوله: إن تذكية المحرم له تجعله كالميتة، ليس نصا من الشارع، وإنما هى كلمة فقيه لا تصح إلا من باب التشبيه (قلت: كبرت كلمة تخرج من أفواههم، وهل حرمت الميتة إلا لقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير﴾ الآية وإذا كان كذلك فما الفرق بينه وبين قوله: ﴿وحرم عليكم ضيد البر﴾ مع قوله: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾. سماه قتلا، والذبح المشروع ليس بقتل كما تقدم، فهل هذا كلمة فقيه أو نص من الشارع)؟ قال: ثم إن أكل الميتة ضار فى الغالب، والتعرض للضرر حرام فى نفسه. (قلت: لا شىء أضر من جلب سخط الله ٣٨٠ يجوز للمحرم أكل ما صاده الحلال إذا لم يعنه بشيئ إعلاء السنن عند المؤمن، فهو الذى يضره فى الدنيا والآخرة، وهذا مشهد السلف منا وذوقهم، ومع ذلك فقد راعوا مشهد الضعفاء من المتأخرين الذين حرموا كمال الإيمان، ورضوا بضرر الدين للدنيا، حيث قالوا: إلا أن لا تطيب نفسه بأكلها فيأكل الصيد، كما لو لم يجد غيره اهـ. فقد أباحوا له أكل الصيد للكراهة الطبيعة عن أكل الميتة، وللكراهة الطبية عنها بالأولى، فافهم وتدبر؛ فإن السلف الصالح أغزر منك علما، وأعمق فهما، وأتقى لربهم). قتل المحرم الصيد عامدا أو مخطيا أو ناسيا كلهم سواء فى إيجاب الجزاء فائدة: أخرج ابن المنذر، وابن جرير، وابن أبى حاتم، والبيهقى فى "سننه"، عن ابن عباس. فى قوله: ﴿ومن قتله منكم متعمدا﴾ قال: إن قتله متعمدا أو ناسيا أو خطأ حكم عليه فيه. وأخرج ابن أبى شيبة، وابن جرير، وابن أبى حاتم، عن الحكم: أن عمر كتب أن يحكم عليه فى الخطأ والعمد. وأخرج الشافعى، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: ﴿ومن قتله منكم متعمدا﴾ فمن قتله خطأ يغرم؛ وإنما جعل الغرم على من قتله متعمدا؟، قال: نعم، تعظم بذلك حرمات الله، ومضت بذلك السنن، ولئلا يدخل الناس فى ذلك. وأخرج الشافعى وابن المنذر، عن عمرو بن دينار، قال: رأيت الناس أجمعين يغرمون فى الخطأ. وأخرج ابن أبى شيبة، وابن جرير، وابن أبى حاتم، وأبو الشيخ، عن سعيد بن جبير، قال: إنما كانت الكفارة فيمن قتل الصيد متعمدا، ولكن غلظ عليهم فى الخطأ كى يتقوا وأخرج ابن جرير عن الزهرى، قال: نزل القرآن بالعمد، وجرت السنة فى الخطأ، يعنى فى المحرم يصيب الصيد. اهـ من "الدر المنثور" (٢-٣٢٨). وقال الجصاص فى "أحكام القرآن" له: اختلف الناس فى ذلك على ثلاثة أوجه: فقال قائلون -وهم الجمهور -: سواء قتله عمدا أو خطأ فعليه الجزاء، وهو قول عمر، وعثمان، والحسن رواية، وإبراهيم، وفقهاء الأمصار، وجعلوا فائدة تخصيصه العمد بالذكر فى نسق التلاوة من قوله تعالى: ﴿ومن عاد فينتقم الله منه﴾، وذلك يختص بالعمد؛ لأن المخطئ لا يجوز أن يلحقه الوعيد، فخص العمد بالذكر ليصح رجوع الوعيد إليه، وإن كان الخطأ والنسيان مثله (فى إيجاب الجزاء). ثم ذکر قول ابن عباس أنه کان لا یری فی الخطأ شیئا، (وقد اختلف فيه علیه. فقد ذ کرنا عنه ما يوافق الجمهور فتذكر)، وقول مجاهد: إنه إذا كان عامدا لقتله ناسيا لإحرامه فعليه الجزاء، وإن کان ذا کرا لإحرامه عامدا لقتله فلا جزاء علیه. وفى بعض الروايات: قد فسد حجه، وعليه الهدى