النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢١ أشهر الحج وأحكامها إعلاء السنن ٢٨٩٤- عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: من السنة أن لا يحرم بالحج إلا فى أشهر الحج. علقه البخارى، ووصله ابن خزيمة، والحاكم، والدار قطنى، من طريق الحاكم أشهر الحج، فيكون موجبا للحج فى وقته المشروط، وإن كان إيجابه قبله؟ ويدل عليه من جهة السنة حديث المواقيت، وقوله: ((هن لهن ولمن مر عليهن من غير أهلهن ممن أراد بالحج والعمرة)). وذلك عموم فى جواز الإحرام بالحج فى أى وقت مر عليهن من السنة اهـ ملخصا. ومن أراد البسط فليراجح "أحكام القرآن" له (٣٠٠:١ و٣٠٣)، فقد شفى واشتفى، وأتى من باب الاجتهاد والاستنباط بالعجب العجاب. قوله: "عن ابن عباس رضى الله عنه" إلخ، قلت: دلالته على كراهة الإحرام بالحج فى غير أشهر الحج ظاهرة. قال فى "الهداية": وأشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذى الحجة. كذا روى عن العبادلة الثلاثة (هم فى عرف أصحابنا: عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، رضى الله عنهم) وعبد الله بن الزبير (وحديث ابن مسعود أخرجه الدار قطنى وابن أبى شيبة، وحديث ابن الزبير أخرجه الدارقطنى "فتح القدير"). فإن قدم الإحرام بالحج عليها جاز إحرامه وانعقد حجااهـ. قال المحقق فى "الفتح": لكنه يكره، فقيل: لأنه يشبه الشرط لعدم اتصال الأفعال والركن، فالجواز للشبه الأول، والكراهة للثانى: وقيل: هو شرط، والكراهة للطول المفضى إلى الوقوع فى محظوره اهـ (٤٣٥:٢). قلت: والأولى التعليل بكونه خلاف السنة، كما يقتضيه أثر ابن عباس رضى الله عنهما، وهو مذكور فى المتن، وأثر عثمان رضى الله عنه: أنه كره أن يحرم من خراسان أو كرمان. علقه البخارى، وقد ذكرنا فى باب تقدم الإحرام على الميقات أن بين خراسان ومكة أكثر من مسافة أشهر الحج، فیستلزم أن يكون عبد الله بن عامر الذی لامه عثمان، و کره إحرامه من خراسان، قد أحرم فى غير أشهر الحج، قاله الحافظ فى "الفتح" (٣٣٤:٣). ولما لم يأمره عثمان بخروجه عن إحرام الحج إلى العمرة، دل على صحة الإحرام به فى غيرها، وهو المذهب. وقال ابن قدامة فى "المغنى": ويكره الإحرام بالحج قبل أشهره بغير خلاف علمناه؛ لكونه إحراما به قبل وقته، فأشبه الإحرام به قبل ميقاته، بل الكراهة هنا أشد؛ لأن فى صحته اختلافا، فإن. أحرم بالحج قبل ميقات المكان صح إحرامه بغير خلاف علمناه، إلا أنه يكره ذلك، وقد ذكرناه، وإن أحرم به قبل أشهره صح أيضا إذا بقى على إحرامه إلى وقت الحج، نص عليه أحمد فى رواية ج - ١٠ أشهر الحج وأحكامها ٣٢٢ عن مقسم عنه، وابن جرير من وجه آخر عن ابن عباس، قال: لا يصلح أن يحرم أحد بالحج إلا فى أشهر الحج. "فتح البارى" (٣٣٣:٣). جماعة، وهو قول النخعى، والثورى، وأبى حنيفة، ومالك وإسحاق، وقال عطاء وطاوس ومجاهد والشافعى: يجعله عمرة؛ لقول الله تعالى: ﴿الحج أشهر معلومات﴾، تقديره وقت الحج أو أشهر الحج، من قبيل حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وإذا ثبت أنه وقته لم يصح تقديمه عليه كأوقات الصلاة. ولنا قوله تعالى: ﴿يسئلونك عن الأهلة قل: هى مواقيت للناس والحج﴾، يدل على أن جميع الأشهر ميقات، والآية محمولة على أن الإحرام به إنما يستحب فيها اهـ (٢٢٣:٣). وأورد عليه المحشى السيد محمد رشيد رضا بأن هذا ضعيف جدا، ولو صح لجاز صيام رمضان فى شهر آخر؛ فإن قوله تعالى: ﴿الحج أشهر معلومات﴾ لا يختلف عن تعيين شهر رمضان بأسمه، فإن قوله: "معلومات" كتسميتها سواء اهـ. قلت: وغفل -عفا الله عنه- عن تعارض الآيتين فى باب الحج، وانتفاء مثل هذا التعارض فى باب الصيام، فلو لم يكن فى باب الحج إلا هذه الآية وحدها: ﴿الحج أشهر معلومات﴾ لزمنا القول بعدم صحة الإحرام به فى غيرها، كما قلنا بعدم صحة صيام رمضان فى شهر آخر سواه، ولكن عارض خصوص هذه الآية عموم آية أخرى، وهى: ﴿قل هى مواقيت للناس والحج﴾ فعملنا بالآيتين، وقلنا بصحة الإحرام بالحج فى الأشهر كلها، وعدم صحة أفعاله إلا فى الشهرين وبعض الثالث، ولم يوجد مثل هذا التعارض بين الآيتين فى باب صيام رمضان، فافترقا، وسقط ما أورده على المجتهدين من غير التدبر فى كلامهم. هذا إذا سلمنا كون الإحرام ركنا للحج، وإلا فقياس الإحرام قبل أشهر الحج على صيام رمضان فى غير رمضان فاسد؛ لكون الصيام عبادة مقصودة دون الإحرام؛ فإنه من شرائط الحج دون أركانه عند الحنفية والحنابلة، وقول الله تعالى: ﴿الحج أشهر معلومات﴾ لا يقتضى إلا كون الحج وأركانه موقتة بهن دون شرائطه، ألا ترى أنه يجوز التوضى والتطهر قبل وقت الصلاة، بل یستحب؟ وقد مر فی قول الجصاص أن فرض الحج فى أشهر معلومات معناه إيجابه فيهن، والفرض المذ کور هو لا محالة غیر الحج الذی علقه به، فلا يلزم من کون الحج موقتا بهن کون إيجابه فيهن موقتا بهن أيضا، ثم أوضح ذلك بمسألة النذر بالحج، فإنه يصح قبل أشهره اتفاقه، فافهم، فإن السلف أعرف الناس بمدارك للشرع، وأعمقهم فقها، وأقعدهم بهذه الشأن، لا يدرك المتأخرون شأوهم، ولا ينالون من الفقه والحكمة ما نالوا. ٣٢٣ إعلاء السنن باب إذا حاضت المرأة عند الإحرام اغتسلت وأحرمت وصنعت كما يصنعه الحاج غير أن لا تطوف بالبيت حتى تطهر ... ٢٨٩٥- عن عائشة رضى الله عنها، قالت خرجنا لا نرى إلا الحج، فلما كنا بسرف حضت، فدخل رسول الله عَّم وأنا أبكى، فقال: ((ما لك؟ أنفست؟)). قلت: نعم، قال: ((إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم، فاقضى ما يقضى الحاج، غير أن لا تطوفى بالبيت حتى تطهرى)). أخرجه الشيخان. "زيلعى" (١-٥٣٠). ٢٨٩٦- عن وكيع، ثنا سفيان، عن جابر، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عائشة، عن النبى صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم، قال: ((الحائض تقضى المناسك كلها إلا الطواف بالبيت)). رواه أحمد، وابن أبى شيبة. "زيلعى" (١-٥٣٠). وفيه جابر هو الجعفی مختلف فیه، وقد تأید بالذی قبله. باب إذا حاضت المرأة عند الإحرام اغتسلت وأحرمت وصنعت كما يصنعه الحاج غير أن لا تطوف بالبيت حتى تطهر هر قوله:"عن عائشة رضى الله عنها إلى آخر الباب"، دلالته على معنى الباب ظاهرة. قال صاحب "الهداية" بعد ذكر أثر عائشة المذكور فى المتن ما نصه: ولأن الطواف فى المسجد، والوقوف فى المفازة، وهذا الاغتسال للإحرام لا للصلاة، فيكون مفيدا اهـ. وقد ورد فى بعض ألفاظ حديث عائشة هذا: حتى إذا طهرت طافت بالكعبة وبالصفا والمروة، ثم قال: ﴿قد حللت من حجتك وعمرتك جميعا﴾، قالت: يا رسول الله! إنى أجد فى نفسى أنى لم أطف بالبيت حتى حججت، قال: ((فاذهب بها يا عبد الرحمن، فأعمرها من التنعيم)) اهـ. قال المحقق فى "الفتح": وقد يتمسك به من يكتفى لهما بطواف واحد، وهو غير لازم، ومعنى: ﴿قد حللت من حجتك وعمرتك﴾ لا يستلزم الخروج منهما بعد قضاء فعل كل منهما، بل يجوز ثبوت الخروج من العمرة قبل إتمامها وعليها قضاءها، ألا ترى إلى قولها فى الرواية الأخرى فى "الصحيحين": ينطلقون بحج وعمرة وأنطلق بحج؟ فأقرها على ذلك، ولم ينكر عليها، وأمر أخاها أن يعمرها من التنعيم، وسكوته مَّه إلى أن سألته إنما يقتضى تراخى القضاء لا عدم لزومه أصلا اهـ ملخصا (٤٣٨:٢). ج -١٠ ٣٢٤ باب إذا حاضت المتمتعة قبل الطواف ولم تطهر إلى يوم عرفة رفضت عمرتها وبطلت متعتها وعليها دم لرفض العمرة وقضائها عليوسيٍ، قالت: ٢٨٩٧- عن عروة بن الزبير، عن عائشة رضى الله عنها زوج النبى عدّة خرجنا مع النبى عَّ فى حجة الوداع، فأهللنا بعمرة، ثم قال النبى معَّ ◌ّه: ((من كان معه هدى فليهل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا))، فقدمت مكة وأنا حائض، ولم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمرة، فشكوت ذلك إلى النبى عد ◌ُّه، فقال: ((انقضى رأسك وامتشطى، وأهلى بالحج، ودعى العمرة))، ففعلت، فلما قضينا الحج قلت: وقد تقدم فى باب القارن يطوف طوافين: أنها رضى الله عنها كانت قد رفضت عمرتها، وأهلت بالحج بعد رفضها، ولم تكن قارنة. وتقدم أيضا أن قوله معدّ لآه لها: (قد حللت من حجك وعمرتك)) ونحوه كان وهو يظن أنها قد طافت بالبيت حين قدمت مكة مع صواحبها؛ بدليل ما فى بعض الروايات عند الشيخين أنه مَّه قال لها حين قالت: يرجع الناس بحج وعمرة وأرجع بحجة: ((أو ما كنت طفت بالبيت ليالى قدمنا مكة))؟ فقالت: لا، فأمر أخاها أن يعمرها من التنعيم، أى قضاء للعمرة التى كانت قد رفضتها؛ بدليل قوله بعد ما اعتمرت من التنعيم: "هذه مكان عمرتك" فتذكر، والله أعلم. باب إذا حاضت المتمتعة قبل الطواف ولم تطهر إلى يوم عرفة رفضت عمرتها وبطلت متعتها وعليها دم لرفض العمرة وقضاءها قوله: "عن عروة بن الزبير" إلخ، قلت: قد تقدم ذكر الاختلاف فى إهلال عائشة رضى الله عنها، وفيما أحرمت، فروى الأسود عنها عند البخارى: خرجنا مع النبى معٍَّ ولا ترى إلا أنه الحج. ولأبى الأسود عن عروة عنها: مهلين بالحج. ولمسلم من طريق القاسم عنها: لا نذكر إلا الحج، وله من هذا الوجه: لبينا بالحج. وظاهره أن عائشة مع غيرها من الصحابة كانوا محرمين بالحج، ولكن فى رواية عروة عنها هنا: فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج وعمرة، ومنا من أهل بالحسج. فيحمل الأول على أنها ذكرت ما كانوا يعهدونه من ترك الاعتمار فى أشهر الحج، فخرجوا لا يعرفون (وقت خروجهم) إلا الحج، ثم بين لهم النبى معَّه (عند الميقات ونحوه) وجوه الإحرام، وجوز لهم الاعتمار فى أشهر الحج، كما فى باب الاعتمار بعد الحج عند البخارى من طريق هشام بن عروة عن أبيه عنها، فقال: ((من أحب أن يهل بعمرة فليهل، ومن ٣٢٥ حكم الحائضة المتمتعة إعلاء السنن أرسلنى النبى ◌ّ مع عبد الرحمن بن أبى بكر إلى التنعيم، فاعتمرت، فقال: ((هذه مكان عمرتك))، الحديث. رواه البخارى. "فتح البارى (٣٣٠:٣). أحب أن يهل بحج فليهل)) وأما عائشة نفسها ففى أبواب العمرة وفى حجة الوداع فى المغازى عند البخارى من هذا الوجه فى أثناء هذا الحديث: قالت: وكنت ممن أهل بعمرة. فادعى إسماعيل القاضى وغيره: أن هذا غلط من عروة. وأن الصواب رواية القاسم والأسود وعروة: أنها أهلت بالحج مفردا، وتعقب بأن قول عروة عنها: أنها أهلت بعمرة. صريح (فى الحكاية عن نفسها). وأما قول الأسود وغيره عنها: لا ترى إلا الحج. فليس صريحا فى إهلالها بحج مفرد، فالجمع بينهما ما تقدم من غيره تغليط عروة، وهو أعلم الناس بحديثها، وقد وافقه جابر بن عبد الله الصحابى، كما أخرجه مسلم عنه، وكذا رواه طاوس ومجاهد عن عائشة، (وأحسن ما بجمع به فى مختلف أحاديثها أنها أهلت بالعمرة أولا، وهو ما حكاه عروة عنها، ثم لما حاضت حين قدمت مكة ولم تطهر إلا بعرفة كما فى رواية عند مسلم "عقود الجواهر" (١٤٦) شكت ذلك إلى النبى عَ ظله، فأمرها برفض العمرة والإهلال بالحج، وهو ما رواه الأسود والقاسم عنها) ولهذا قالت: يرجع الناس بحج وعمرة وأرجح بحج؟، كما فى رواية الأسود عنها عند البخارى أيضا. وتأول بعض العلماء فى معنى قوله مرّ ◌ُّ لها: ((ارفضى عمرتك)) أى اتركى التحلل منها، وأدخلى عليها الحج، فتصير قارنة. يؤيد قوله فى رواية لمسلم: ((وأمسكى عن العمرة))، واستبعد هذا التأويل لقولها فى رواية عطاء عنها: وأرجع أنا بحجة ليس معها عمرة؟ أخرجه أحمد، وهذا يقوى قول الكوفيين: إن عائشة تركت العمرة وحجت مفردة، وتمسكوا فى ذلك بقوله مبيّ لها فى الرواية المتقدمة (وهى المذكور ههنا فى المتن): ((دعى عمرتك))، وفى رواية: ((ارفضى عمرتك)) ونحو ذلك، واستدلوا به على أن للمرأة إذا أهلت بالعمرة متمتعة فحاضت قبل أن تطوف، أن تترك العمرة، وتهل بالحج مفردا كما فعلت عائشة، لكن فى رواية عطاء عنها ضعف، قاله الحافظ فى "الفتح" (٣: ٦٣٥ و٣٣٦) وقد تقدم أن ضعفه قد انجبر بما فى روايات "الصحيحين" من المؤيدات له، ويؤيده أيضا ما رواه الإمام أبو حنيفة وسيأتى، ودلالة الحديث على معنى الباب ظاهرة. بقى مسألة وجوب الدم للرفض، وسيأتى دليلها أيضا. ٠٠٠ ٣٢٦ ج - ١٠ حكم الحائضة المتمتعة ٢٨٩٨- عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة رضى الله عنها: أنها قدمت متمتعة وهى حائض، فأمرها النبى عّ لِّ، فرفضت عمرتها، فاستأنفت الحج، حتى إذا فرغت من حجها أمرها أن تصدر إلى التنعيم مع أخيها عبد الرحمن. رواه الإمام أبو حنيفة، وهذا سند صحيح، أخرجه أبو محمد البخارى فى "مسنده" لأبى حنيفة. جامع المسانيد (٥٥٣:١) وفى سنده إلى الإمام من لم أعرفه، وذكرته اعتضادا. ٢٨٩٩- أبو حنيفة، عن الهيثم، عن رجل، عن عائشة رضى الله عنها: أن رسول قوله: "عن حماد" إلخ، قلت: لا شك فى صحة سند الإمام إلى عائشة رضى الله عنها، وأما سند صاحب "المسند" إلى الإمام فلا حاجة لنا إلى التنقير عنه، بعد ما تلقت الأمة مسانيد أبى حنيفة بالقبول، واعتنى العلماء بها شرحا ورواية وإجازة وتخريجا واحتجاجا، كما تقدم ذلك فى غير موضع من هذا الكتاب، والحديث نص فيما ذهب إليه الحنفية أن عائشة رضى الله عنها أهلت بالعمرة أولا، ثم تركتها وحجت مفردة. قال الزبيدى شارح "القاموس" فى "عقود الجواهر" له: وفى بعض روايات هذا الحديث: ((هذه مكان عمرتك))، (وهو مذكور فى المتن ههنا) وفى بعض الروايات: ((هذه قضاء عن عمرتك))، وهو صريح فى أنها خرجت من عمرتها الأولى ورفضتها، إذ لا تكون الثانية مكان الأولى (ولا قضاء عنها) إلا والأولى مفقودة. وفى "التجريد" للقدورى: قال الشافعى رحمه الله: لا يعرف فى الشرع رفض العمرة بالحيض. قلنا: ما رفضتها بالحيض، ولكن تعذرت أفعالها، وكانت ترفضها بالوقوف، فأمرها بتعجيل الرفض اهـ (٢٤٦:١). ودلالة الحديث على ما دل عليه ما قبله ظاهرة. قوله: "أبو حنيفة" قلت: رواه الإمام أبو حنيفة بسندين فى أحدهما مجهول، وليس فى ثانيهما علة، فالأثر صالح للاحتجاج به، وفيه دليل لما قاله الحنفية: إن من لزمه رفض العمرة فعليه قضاءها، ودم لرفضها، كذا فى "شرح اللباب" للقارى (١٦١). فأما القضاء فقد ثبت بالحديثين. الذين تقدما، وأما دم الرفض فدليله هذا الأثر الذى رواه الإمام، وقد ثبت فى "الصحيح" عن جابر: أن رسول الله عَّمِ نحر عن عائشة بقرة يوم النحر. وهى غير البقرة التى ذبحها رسول الله عَ ليه عن أزواجه فى حجة الوداع؛ فإن حديث جابر أخرجه مسلم من وجهين: أحدهما بلفظ: نحر رسول الله عّم عن نسائه بقرة. وثانيهما بلفظ: ذبح رسول الله عَ ظله عن عائشة بقرة يوم النحر (٤٢٤:١)، فلا يترك أحدهما بالآخر، لا سيما وقد وقع التصريح فى رواية الإمام أنه أمر عائشة ٣٢٧ حكم الحائضة المتمتعة إعلاء السنن الله عَّ ذبح لرفضها العمرة بقرة. "عقود الجواهر المنيفة" (١-١٤٦). وأخرجه أبو محمد البخارى بسنده عن أبى حنيفة، عن عبد الملك بن عمير، عن ربعى بن حراش، عن عائشة: أن النبى عَّ أمر لرفضها العمرة دما. "جامع المسانيد" (٥٤٩:١). لرفضها العمرة بدم، فهذا غير ما أهداه عن أزواجه؛ لكونهن متمتعات، فإن هدى التمتع غير دم الرفض كما لا يخفى، وبهذا يجمع بين هذا الأثر، وبين ما روى هشام عن أبيه عن عائشة فى هذا الحديث: فقضى الله حجها وعمرتها، ولم يكن فى شىء من ذلك هدى ولا صدقة ولا صوم. رواه البخارى. وقد أشكل ذلك على القائلين بكونها قارنة، والقارن لا بد له من الهدى، حتى قال عياض: لم تكن عائشة فارنة، ولا متمتعة، وإنما أحرمت بالحج، وكأنه لم يسمع قولها: وكنت ممن أهل بعمرة. وادعى بعضهم منهم ابن بطال أن قوله: فقضى الله حجها وعمرتها إلى آخر الحديث ليس من قول عائشة، وإنما هو من كلام هشام بن عروة، حدث به هكذا فى العراق، فوهم فيه، ذكره الحافظ فى "الفتح" (٤٨٦:٣). وكل ذلك بناء الفاسد على الفاسد. وهو دعواهم أنها كانت قارنة، ولو كانت قارنة لوجب عليها الهدى للقرآن، ثم رأوا فى حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عنها: أن الله قضى حجها وعمرتها، ولم يكن فى شىء من ذلك هدى ولا صدقة ولا صوم فجعلوا يردونه تمشية لمذهبهم، وتقويما لما ادعوه من كونها قارنة، ولو قالوا بما قالته الحنفية لم يشكل عليهم شىء من ذلك؛ فإنها لم تكن قارنة عندهم، بل قدمت مكة مهلة بالعمرة متمتعة، ثم تعذرت عليها أفعال العمرة لحيضها، فرفضتها، وأبطلت متعتها، وأهلت بالحج مفردة، ثم اعتمرت بعد الحج قضاء لعمرتها المرفوضة، فقضى الله حجها وعمرتها، ولم يكن فى شىء من ذلك هدى ولا صدقة ولا صوم؛ لأنه لما بطلت المتعة سقط عنها هديها، ولا يلزم من سقوط هدى المتعة سقوط دم الرفض؛ فإنه دم جناية يجب جبرا للنقصان، ولا ينوب عنه الصدقة ولا الصيام، بخلاف هدى المتعة، فافهم واشكر، وكن على بصيرة من العلم هذا، وقد ذكر صاحب "الهداية" آخر باب التمتع مسألة سقوط طواف الصدر عن الحائض والنفساء وقد أفاضت يوم النحر، وقد ذكرنا دلائلها فى باب وجوب طواف الوداع فلا نعيدها. وقال ابن قدامة فى "المغنى": إن المتمتعة إذا حاضت قبل الطواف للعمرة لم يكن لها أن تطوف بالبيت؛ لأن الطواف بالبيت صلاة، ولأنها ممنوعة من دخول المسجد، ولا يمكنها أن تحل ج - ١٠ حكم الحائضة المتمتعة ٣٢٨ ٢٩٠٠- وروى مسلم عن جابر: نحر رسول الله عَ لّه عن عائشة بقرة يوم النحر. "عقود الجواهر". وفيه تقوية لما رواه الإمام. من عمرتها ما لم تطف بالبيت، فإن خشيت فوات الحج أحرمت بالحج مع عمرتها، وتصير قارنة، وهذا قول مالك، والأوزاعى، والشافعى، وكثير من أهل العلم. وقال أبو حنيفة: (قلت: بل علماء الكوفة كلهم كما سبق فى قول الحافظ ابن حجر) ترفض العمرة وتهل بالحج. قال أحمد: قال أبو حنيفة: قد رفضت العمرة فصار حجا، وما قال هذا غير أبى حنيفة. (قلت: لم يقل بفسخ العمرة إلى الحج، ولا بصيرورة العمرة حجة، بل قال برفض العمرة واستئناف الإهلال بالحج، وهو مصرح به فى روايته عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، كما مر فى المتن) واحتج بما روى عروة عن عائشة -فذكر حديث المتن الذى بدأنا به الباب- وقال: متفق عليه. وهذا يدل على أنها رفضت عمرتها، وأحرمت بحج من وجوه ثلاثة: أحدها: قوله: ((دعى عمرتك))، والثانى: قوله: ((وامتشطى))، (فإنه لا يجوز الامتشاط للمحرمة حال إحرامها) والثالث: قوله: "هذه عمرة مكان عمرتك)). ثم أجاب عنها بمثل ما مر من تغليط عروة فى رواية: وتأويل قوله. دعى عمرتك))، أى دعيها بحالها، وكل ذلك مردود بما فى بعض الروايات: ((اتركيبها وأرفضى عمرتك)). ثم قال: وهو مع ما ذكرنا مخالف للكتاب (أى قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾) والأصول؛ إذ ليس لنا موضع آخر يجوز فيه رفض العمرة مع إمكان إتمامها اهـ ملخصا (٥١١:٣). قلنا: أما الكتاب فمعناه أتموا الحج والعمرة لله ما قدرتم على إتمامها، والمتمتعة إذ حاضت ولم تطهر قبل الوقوف بعرفة ليست بقادرة على إتمام العمرة، ومن ادعى ذلك فليأت بيرهان، فإن من شرط القران والتمتع تقديم أفعال العمرة على أفعال الحج، ولم تر قارنا ولا متمتعا قد أتى أفعال الحج أو لا، وبأفعال العمرة ثانيا، وإلا لكان كل من أهل بالحج، وأتى بمناسكه حتى حل يوم النحر، ثم أهل بعمرة وأتى بأفعالها متمتعا، وقد تقدم أنه ليس بمتمتع إجماعا، وليس ذلك إلا لكونه أتی بأفعال العمرة بعد أفعال الحج؛ لا لأجل أنه أدخل العمرة على الحج؛ فإن ذلك يصح عندنا ولو بإساءة إن لم يؤخر أفعالها عن مناسك الحج، فمن ادعى صحة القران أو التمتع مع تأخير أفعال العمرة عن أفعال الحج فليأت ببرهان غير هذا أى حديث عائشة؛ فإنه محل النزاع، والذى ذهبنا إليه من كونها متمتعة قد منعت العمرة فرفضتها، واستأنفت الإهلال للحج، قوی رواية ودراية، ولا يلزمنا رد الأحاديث الصحيحة، ولا تغليط الرواة، كما فعلته الخصوم فافهم. ٣٢٩ إعلاء السنن أبواب الجنايات باب أن الحناء طيب وكذلك العصفر ٢٩٠١ - عن خولة بنت حكيم، عن أم سلمة، قالت: قال رسول الله عَّ له: ((لا تطيبى وأنت محرمة، ولا تمسى الحناء؛ فإنه طيب)). أخرجه الطبرانى فى" معجمه" والبيهقى فى "كتاب المعرفة" فى الحج، قال: إسناده ضعيف؛ فإن ابن لهيعة لا يحتج به. باب أن الحناء طيب وكذلك العصفر قوله: "عن خولة" إلخ، قلت: دلالته على كون الحناء من الطيب ظاهرة، والحديث ذكره هكذا فى "نصب الراية"، وفى "الدراية" وفى "التلخيص الحبير" (٢٢٧:١) بلفظ: ((لا تطيبى وأنت محرمة). وفى "الجوهر النقى": قال أبو عمر (ابن عبد البر): ذكر ابن بكير، عن ابن لهيعة، عن بكير بن الأشج، عن خولة بنت حكيم، عن أمها: أن النبى معَ لّه قال لأم سلمة: ((لا تطيبى وأنت محد، ولا تمسى الحناء فإنه طيب)) اهـ (٣٣٨:١). فالظاهر أنه وقع التصحيف فى لفظ "الجوهر النقى" من الناسخين، وإن سلمنا صحته فلا يضرنا أيضا؛ فإن موضع الاستشهاد منه قوله عدّ ◌ُّه: ((ولا تمسى الحناء فإنه طيب))، فافهم. واحتجت الشافعية ومن وافقهم على أن الجناء ليس بطيب بحديث ابن عباس، قال: كن أزواج النبى عّ لّه يختضين بالحناء وهن محرمات، ويلبسن المعصفر وهن محرمات. أخرجه الطبرانى فى "الكبير" بطريق يعقوب بن عطاء، عن عمرو بن دينار، عنه. ويعقوب مختلف فيه، قاله الحافظ فى "التلخيص الحبير" (٢٢٧:١). قلت: قال الحافظ فى "التقريب" (٢٤٢): يعقوب ابن عطاء بن أبى رباح المكى ضعيف من الخامسة اهـ. ومن ضعفه أكثر ممن وثقه، كما هو ظاهر من كلامه فى تهذيب التهذيب (٣٩٣:١١)، ومثله لا يحتج به عند المحدثين كما ذكرناه فى المقدمة. وأيضا فحديث يعقوب هذا مما قد تفرد الطبرانى، أو واحد من شيوخه بإسناده، فقد ذكره البيهقى فى "المعرفة" بغير إسناد، ثم قال: أخرجه ابن المنذر ولما ذكره النووى فى "شرح المذهب" قال: غريب، وقد ذكره ابن المنذر فى "الإشراف" بغير إسناد، يعنى أنه لم يقف على إسناده، وذكره أبو الفتح القشيرى فى "الإمام"، ولم يعزه أيضا كما قاله الحافظ فى "التلخيص"، ج - ١٠ الجنايات أثناء الحج والعمرة ٣٣٠ "زيلعى" (١-٥٣١). قلت: وقد مر غير مرة أنه حسن الحديث، وثقه غير واحد، وتكلم فيه آخرون، وقال الحافظ فى "الدراية" (٢٠٧): أخرجه البيهقى. وأعله بابن لهيعة، لكن أخرجه النسائى من وجه آخر أسلم منه اهـ. فارتفعت العلة. فلا يصح الاحتجاج به ما لم ينظر سنده مفصلا. وإن سلمنا فالمراد اختضابهن بالحناء قبل الإحرام، فيحرمن وأثر الخضاب فى أيديهن، وكن يلبس المعصفر الغسيل فى الإحرام دون الجديد؛ بدليل ما فى "المحلى" لابن حزم: روينا عن عمر المنع من المعصفر جملةٍ،. وللمحرم خاصة عن عائشة رضى الله عنها. كذا فى "الجوهر النقي" (٣٣٧:١). ولا بأس بالتطيب قبل الإحرام وإن بقى أثره بعده، ولا بأس للمحرم بلبس الثوب المطيب بعد الغسل عندنا؛ بدليل حديث رجل أتى النبى معدّ لّ. وعليه جبة وهو متضمخ بالخلوق، فقال: أغسل الطيب الذى بك، وانزع عنك الجبة، واصنع فى عمرتك ما تصنع فى حجتك))، الحديث متفق عليه. ومن حديث يعلى بن أمية وله ألفاظ. كذا فى "التلخيص الحبير" (٢٢٣:١). واستوعب الحافظ ألفاظه فى "الفتح" (٣١٣:٣). تنبيه: استدل بحديث يعلى بن أمية هذا على أن من أصابه طيب فى إحرامه ناسياً أو جاهلا، ثم علم فبادر إلى إزالته، فلا كفارة عليه. (قاله الشافتى) وقال مالك: إن طال ذلك عليه لزمته. وعن أبى حنيفة، وأحمد فى رواية: يجب مطلقا. قاله الحافظ فى "الفتح" (٣١٣:٣). قلت: لا حجة فيه لنفى الكفارة عمن تطيب فى الإحرام ناسيا أو جاهلا، وقصة الرجل كانت قبل نهى المحرم عن التطيب فى الإحرام؛ لما فى الحديث أنه لما قال للنبى عرّ: كيف ترى فى رجل أحرم بعمرة وهو متضمخ بطيب؟ فسكت النبى معَ ظه، وجاءه الوحى ثم سرى عنه، فقال ((أين الذى سأل عن العمرة)) الحديث، وكانت بالجعرانة كما ثبت فى هذا الحديث، وكانت فى سنة ثمان بلا خلاف، قاله الحافظ فى"الفتح" أيضا (٣١٣:٣). وبهذا ظهر الجواب عن استدلال مالك ومحمد بن الحسن به على المنع من استدامة الطيب بعد الإحرام؛ للأمر بعسل أثره من الثوب والبدن. فإن هذا كان فى سنة ثمان، وقد ثبت عن عائشة أنها طيبت رسول الله عَ لّم بيديها عند إحرامه، وكان ذلك فى حجة الوداع سنة عشر بلاخلاف وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من الأمر، والله تعالى أعلم. واستدل به على أن المحرم إذا صار عليه مخيط نزعه، ولا يلزمه تمزيقه ولا شقه، خلافا ٣٣١ الجنايات أثناء الحج والعمرة إعلاء السنن ٢٩٠٢- عن أم سلمة، عن النبى عَّله، قال: ((المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب)). الحديث، رواه أبو داود بسند صحيح. الجوهر النقى (٣٣٧:١). النخعى والشعبى، حيث قالا: لا ينزعه من قبل رأسه، لئلا يصير مغطيا لرأسه. أخرجه ابن أبى شيبة عنهما، وعن على نحوه، وكذا عن الحسن وأبى قلابة، ولكن النبى عّ لّه لم يأمره إلا بالنزع، ولما حدث عطاء: أن رجلا أحرم وعليه جبة. فأمره النبى مرِّ أن ينزعها. قال قتادة لعطاء: إنما كنا نرى أن نشقها، فقال عطاء: إن الله لا يحب الفساد. كذا فى "فتح البارى" (٣١٥:٣). قلت: ويقول عطاء نأخذ، ينزع جبته وقميصه ويغسل عنه الطيب. قاله محمد فى "الموطأ" (٢٠٥). وقال البيهقى (فى "المعرفة"): روينا عن عائشة: أنها سئلت عن خضاب الحناء. فقالت: كان خليلى لا يحب ريحه. قال: ومعلوم أنه كان يجب الطيب فيشبه أن يكون الحناء غير داخل فى جملة الطيب، ذكره الحافظ فى "التلخيص" (٢٢٧:١). ولا يخفى ما فيه، أما أولا فلأن الحناء عند ابتداء الخضاب به يكون بخلاف ما هو بعد قبض اليدين عليه ساعة أو ساعتين فصاعدا، فمشاهد تغير رائحته بعد قبض اليدين عليه مدة؛ لاختماره بحرارتهما. فلا يلزم من كونه غير طيب عنه ما يسلت عن اليدين أن لا يكون طبيا عند ما يختصب به ابتداء فافهم. على أن رواية عائشة هذه بطريق كريمة بنت همام عنها، قال ابن التركمانى: لم أقف على حالها (٣٣٨:١). ويعكر عليها ما روى أحمد فى "مسنده" من حديث أنس: كان رسول الله عَ لّه تعجبه الفاغية، قال الإصمعى: هو نور الحناء. كذا نقله الهروى فى "الغريب". "التلخيص الحبير (٢٢٠:١) وقد عد أبو حنيفة الدينورى وغيره من أهل اللغة الحناء من أنواع الطيب. "الجوهر النقى" (٣٣٨:١) ومنه يتخذ عطر العروس فى بلادنا، هو أطيب العطورات(١) التى تعطر بها العروس أول ليلتها عند الزفاف. والله تعالى أعلم. قوله: "عن أم سلمة إلخ. قد تقدم فى أبواب نسك المرأة أَ الفوائد المتعلقة بها وجه دلالة الحديث على كون العصفر طيبا، وأنه مرِّ لم ينه المحدة عن المعصفر لأجل الزينة كما زعمه الشافعية؛ لأن العصب فوقه فى الزينة، ولم ينهها عنه، كما فى "الصحيحين"، فثبت أنه إنما نهاها (١) لا يقال: إن العطر يتخذ من بعض ما ليس بطيب؛ لأنه لا يكون أطيب العطورات بخلاف عطر الحناء فإنه من أطيبها ريحا وأذفرها رائحة، فافهم. ج - ١٠ ٣٣٢ باب فدية من حلق رأسه فى الإحرام بعذر ٢٩٠٣- عن كعب بن عجرة، قال: وقف على رسول الله عَّ له بالحديبية ورأسى يتهافت قملا، فقال: ((يؤذيك هوامك؟)) قلت: نعم، قال: ((فاحلق رأسك أو احلق)) قال: فى نزلت هذه الآية: ﴿فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه﴾ إلى آخرها، فقال النبى عَ بُّ: ((صم ثلاثة أيام، أو تصدق بفرق بين ستة، أو نسك مما تيسر)). رواه البخارى. وفى لفظ له: ((أو أطعم ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع)). وفى رواية عنه لكونه من الطيب، والله تعالى أعلم. باب فدية من حلق رأسه فى الإحرام بعذر قوله: "عن كعب بن عجرة" إلخ، قلت: فيه دلالة على أن من حلق رأسه فى الإحرام بعذر فهو مخير بين الصيام، والصدقة، والنسك، وهو إجماع العلماء فى المعذور. وقال مالك، والشافعى، وأحمد: لا فرق فى الحلق بين المعذور وغيره، والعامد والمخطى وعن أحمد: أنه إذا حلق من غير عذر فعليه دم من غير تخيير، واختاره ابن عقيل (من الحنابلة)، وهو مذهب أبى حنيفة رحمه الله (الإمام الأعظم) لأن الله تعالى خير بشرط العذر، فإذا عدم العذر زال التخيير، كذا فى "المغنى" لابن قدامة (٣٣٠:٣). قال: ولنا أن الحكم ثبت فى غير المعذور بطريق التنبيه تبعا له. (قلت: لا بد له من دليل، وإلا فهو قياس بمعرض النص)، ولأن كل كفارة ثبت التخيير فيها مع العذر ثبت مع عدمه كجزاء الصيد اهـ. قلت: قد ورد النص فيه بالإطلاق: ((فمن قتله منكم متعمداً فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم أو هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما الآية، والمتعمد أعم من المعذور وغيره، بل هو ظاهر فى غير المعذور، ولما كان هو مخيرا بين الثلاثة فالمعذور أولى، وفى حلق الرأس مقيد بالمرض والأذى. فلا يجوز قياس المقيد على المطلق، فافهم. قال فى "الغنية" فى باب الصيد: ثم إذا ظهرت قيمته بتقويم عدلين، فإن بلغت هديا فللمحرم القاتل أو الدال أن يجعلها هديا أو طعاما أو صياما، وإن لم تبلغ ثمن هدى فله أن يجعلها طعاما أو صياما اهـ. (١٥٣). قال ابن قدامة: أو إطعام ستة مساكين، لكل مسكين مد بر، أو نصف صاع تمر، أو شعير، واحتج بما فى لفظ لمسلم وأبى داود: ((وإن شئت فتصدق بثلاثة آصع من تمر ٣٣٣ فدية من حلق رأسه فى الإحرام بعذر إعلاء السنن عند أحمد: ((والفرق ثلاثة آصع)). ولمسلم من طريق أبى قلابة عن ابن أبى ليلى: ((أو أطعم ثلاثة آصع من تمر على ستة مساكين)). ولأحمد عن بهز عن شعبة: ((نصف صاع طعام)). ولبشر بن عمر عن شعبة: ((نصف صاع حنطة)). قال الحافظ: المحفوظ عن شعبة أنه قال فى الحديث: ((نصف صاع من طعام)). والاختلاف عليه فى كونه تمرا أو حنطة لعله من تصرف الرواة. "فتح البارى" (١٣:٤ و١٥). بين ستة مساكين)). وبهذا قال مجاهد والنخعى ومالك والشافعى وأصحاب الرأى. ويروى عن الثورى وأصحاب الرأى قالوا: يجزئ من البر نصف صاع ومن التمر والشعير صاع صاع واتباع السنة الصحيحة أولى اهـ (٣٣١:٣). قلت: وقد عرفت من قول الحافظ أن المحفوظ عن شعبة فى الحديث: ((نصف صاع من طعام). وهو إذا أطلق يراد به الحنطة، وكذا وقع فى رواية أخرى عن شعبة، والاختلاف فى كونه تمرا أو حنطة لعله من تصرف الرواة، فالسنة الصحيحة: ((نصف صاع من طعام)). وهى المحفوظة. قال فى "الهداية": وإن تطيب، أو لبس مخيطا، أو حلق من عذر، فهو مخير إن شاء ذبح شاة، وإن شاء تصدق على ستة مساكين بثلاثة أصوع من الطعام، وإن شاء صام ثلاثة أيام؛ لقوله تعالى: ﴿ففدية من صيام﴾ الآية، وكلمة "أو" للتخيير، وقد فسرها رسول الله مرّ ة بما ذكرناه، والآية نزلت فى المعذور. ثم الصوم يجزيه فى أى موضع شاء؛ لأنه عبادة فى كل مكان، وكذلك الصدقة عندنا لما بينا. وأما النسك فيختص بالحرم بالاتفاق؛ (لأن النسك هدى، وقال تعالى: هدیا بالغ الكعبة) ولأن الإراقة لم تعرف قرية إلا فى زمان أو مكان، وهذا الدم لا يختص بزمان، فتعين اختصاصه بالمكان ١هـ (٤٥٢:٢ مع "الفتح"). وقال الحافظ فى "فتح البارى": واستنبط منه أى من حديث كعب بن عجرة بعض المالكية إيجاب الفدية على من تعمد حلق رأسه بغير عذر، فإن إيجابها على المعذور من التنبيه بالأدنى على الأعلى، لكن لا يلزم من ذلك التسوية بين المعذور وغيره، ومن ثم قال الشافعى والجمهور: لا بتخيير العامد، بل يلزمه الدم، وخالف فى ذلك أكثر المالكية، واحتج القرطبى بقوله فى حديث كعب: ((أو اذبح نسكا)). قال: فهذا يدل على أنه ليس بهدى، فيجوز أن يذبحها حيث شاء. قلت: لا دلالة فيه؛ إذ لا يلزم من تسميتها نسكا أو نسيكة أن لا تسمى هديا أو لا تعطى حكم الهدى، وقد وقع تسميتها هديا فى الباب الأخير، حيث قال: ((وتهدى شاة)). وفى رواية مسلم: «واهد ج - ١٠ فدية من حلق رأسه فى الإحرام بعذر ٣٣٤ ٢٩٠٤- عن الشعبى، عن ابن أبى ليلى، عن كعب بن عجرة: أن النبى عّ لّه قال له: ((إن شئت فانسك نسيكة، وإن شئت فصم ثلاثة أيام، وإن شئت فأطعم)). الحديث رواه أبو داود، وفى رواية مالك فى "الموطأ" عن عبد الكريم بإسناده فى آخر الحديث: ((أى ذلك فعلت أجزأك)). ذكره الحافظ فى "الفتح" (١٠:٤). وهو صحيح أو حسن على أصله. هديا)». وفى رواية للطبرى: ((هل لك هدى))؟ فظهر أن ذلك من تصرف الرواة، يؤيده قوله فى . رواية مسلم: ((أو اذبح شاة)). واستدل به على أن الفدية لا يتعين لها مكان، وبه قال أكثر التابعين. وقال الحسن: تتعين مكة. وقال مجاهد: النسك بمكة ومنى، والإطعام بمكة، والصيام حيث شاء وقريب منه قول الشافعى وأبى حنيفة: الدم والإطعام لأهل الحرم، والصيام حيث شاء؛ إذ لا منفعة فيه لأهل الحرم، وألحق بعض أصحاب أبى حنيفة وأبو بكر بن الجهم من المالكية الإطعام بالصيام اهـ (١٦:٤ و١٧). فائدة: قال الحافظ فى "الفتح": ونقل ابن عبد البر عن أحمد بن صالح المصرى أن حديث كعب ابن عجرة فى الفدية سنة معمول بها، لم يروها من الصحابة غيره، ولا رواها عنه إلا ابن أبی لیلی وابن معقل، قال: وهى سنة أخذها أهل المدينة عن أهل الكوفة قال الزهرى: سألت عنها علماءنا كلهم حتى سعيد بن المسيب، فلم يبينوا كم عدد المساكين، ثم نظر الحافظ فيه بأنه قد جاءت هذه السنة من رواية جماعة من الصحابة غيره، ورواه عن كعب غير المذكورين، ثم قال: فيقيد إطلاق أحمد بن صالح المصرى بالصحة، فإن بقية الطرق التى ذكرتها لا تخلوا عن مقال إلا طريق أبى وائل أهـ (١١:٤). قوله: "عن الشعبى" إلخ، دلالته على تخيير المعذور بين هذه الثلاثة وأن يفتدى بأيها شاء ظاهرة. قال الحافظ فى "الفتح": وقد قدمت أول الباب أن رواية عبد الكريم (عند مالك) صريحة فى التخيير، حيث قال: ((أى ذلك فعلت أجزاك)) وكذا رواية أبى داود التى فيها: ((إن شئت وإن شئت)) ووافقتها رواية عبد الوارث عن ابن نجيح، أخرجها مسدد فى "مسنده"، ومن طريقه الطيرانى، لكن رواية عبد الله ابن معقل الآتية تقتضى أن التخيير إنما هو بين الإطعام والصيام لمن لم يجد النسك، ولفظه قال: ((أ تجد شاة))؟ قال: لا قال: ((فإن شئت فصم)). ونحوه للطبرانى من طريق ٣٣٥ إعلاء السنن باب فساد الحج بالجماع قبل الوقوف بعرفة وعليه القضاء وما تيسر من الهدى وأدناه شاة ٢٩٠٥- عن يزيد بن نعيم: أن رجلا من جذام جامع امرأته وهما محرمان، فسألا النبى عٍَّ، فقال: ((اقضيا نسككما، واهديا هديا)). رواه أبو داود فى مراسيله. ورجاله ثقات مع إرساله، ورواه ابن وهب فى "موطأه" من طريق سعيد بن المسيب مرسلا اهـ. "التلخيص الحبير" (١-٢٢٧). وأعله ابن القطان بجهالة يزيد، وذكرنا جوابه فى عطاء عن كعب، ووافقهم أبو الزبير عن مجاهد عند الطبرانى، وزاد بعد قوله: ما أجد هديا: قال: ((فأطعم))، قال: ما أجد، قال: ((صم). ولهذا قال أبو عوانة فى "صحيحه": فيه دليل على أن من وجد نسكا لا يصوم، يعنى ولا يطعم، لكن لا أعرف من قال بذلك من العلماء إلا ما رواه الطبرى وغيره عن سعيد بن جبير، قال: النسك شاة، فإن لم يجد قومت الشاة دراهم، والدارهم طعاما، فتصدق به، أو صام لكل نصف صاع يوما. أخرجه من طريق الأعمش عنه، قال: فذكرته لإبراهيم، فقال: سمعت علقمة مثله. وحينئذ يحتاج إلى الجمع بين الروايتين، وقد جمع بينهما بأوجه: منها: ما قال ابن عبد البر: إن فيه الإشارة إلى ترجيح الترتيب لا لإيجابه. ومنها: ما قال النووى: ليس المراد أن الصيام أو الإطعام لا يجزئ إلا لفاقد الهدى، بل المراد أنه استخبره هل معه هدى أو لا، فإن كان واجده أعلمه أنه مخير بينه وبين الصيام والإطعام، وإن لم يجده أعلمه أنه مخير بينهما اهـ (١٣:٤). ومنها: أن السؤال عن الهدى كان قبل نزول الآية، فلما نزلت بالتخيير خيره بين الثلاثة. والله تعالى أعلم. باب فساد الحج بالجماع قبل الوقوف بعرفة وعليه القضاء وما تیسر من الهدی وأدناه شاة قوله: عن "يزيد بن نعيم" إلخ، قال الزيلعى: قال ابن القطان فى كتابه: هذا حديث لا يصح؛ فإن زيد بن نعيم مجهول، ويزيد بن نعيم بن هزال ثقة، وقد شك أبو توبة، ولا يعلم عمن هو منہما اهـ. قلنا: قد رواه البيهقی وقال: إنه منقطع (أی مرسل) وهو یزید بن نعيم بلا شك اهـ وليس فى سند أبى داود انقطاع؛ فإنه رواه عن أبى توبة بن الربيع بن نافع عن معاوية بن سلام عن يحيى بن أبى كثير، قال: أخبرنى يزيد بن نعيم أو زيد بن نعيم (شك أبو توبة). وهذا سند متصل كله ثقات بتقدير بزيد، ولا شك فيه فى طريق البيهقى، فيحصل اتصاله وإرساله، وهو حجة عندنا ج - ١٠ فساد الحج بالجماع قبل الوقوف بعرفة ٣٣٦ الحاشية. ورواه ابن وهب: أخبرنى ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، عن عبد الرحمن ابن حرملة، عن ابن المسيب: أن رجلا من جذام جامع امرأته وهما محرمان. فسأل الرجل النبى عِّه الحديث. قال ابن القطان: وهذا أيضا ضعيف بابن لهيعة. "زيلعى" (٥٣٢:١). قلت: قد مر غير مرة أنه حسن الحديث. وعند أكثر أهل العلم، قاله المحقق فى "الفتح" (٤٥٥:٢). وقال الحافظ فى "التهذيب": زيد بن نعيم أو يزيد روى حديثه يحيى بن أبى كثير عنه: أن رجلا من جذام جامع امرأته وهما محرمان الحديث. هكذا شك أبو توبة فى اسمه، وقد روى يحيى بن أبى كثير عن يزيد بن نعيم بن هزال غير هذا الحديث بلا شك اهـ (٣: ٤٢٦). أى وهذا الحديث أيضا عند البيهقى كما مر. قال فى "الهداية": وإن جامع فى أحد السبيلين قبل الوقوف بعرفة فسد حجه، (أنزل أو لم ينزل) وعليه شاة، ويمضى فى الحج كما يمضى من لم يفسده، وعليه القضاء، والأصل فيه ما روى: أن رسول الله عَ ليه سئل -فذكر ما ذكرناه فى المتن- قال: وهكذا نقل عن جماعة من الصحابة رضى الله تعالى عنهم، وقال الشافعى رحمه الله: تجب بدنة، اعتبارا بما لو جامع بعد الوقوف، والحجة عليه إطلاق ما رويناه اهـ (٢: ٤٥٥ مع الفتح). وقال ابن قدامة فى "المغنى": أما فساد الحج بالجماع فى الفرج فليس فيه اختلاف. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الحج لا يفسد بإتيان شىء فى الإحرام إلا الجماع، والأصل فيه ما روى عن ابن عمر - فذكر ما رويناه فى المتن عن الدار قطنى وغيره- وكذلك قال ابن عباس وعبد الله بن عمر، ولم نعلم لهم فى عصرهم مخالفا، روى حديثهم الأثرم فى "سننه". وفى حديث ابن عباس: ويتفرقان من حيث يحرمان حتى يقضيا حجهما. قال ابن المنذر: قول ابن عباس أعلى شىء روى فيمن وطئ فى حجه، وروى ذلك عن عمر رضى الله عنه، وبه قال ابن المسيب، وعطاء، والنخعى، والثورى، والشافعى، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأى، ولا فرق بين ما قبل الوقوف زبعده. وقال أبو حنيفة: إن جامع قبل الوقوف فسد حجه، وإن جامع بعده لم يفسد؛ لقول النبى معَ ◌ّهِ: ((الحج عرفة)). ولأنه معنى يأمن به الفوات فأمن به الفساد كالتحلل. ولنا أن قول الصحابة الذين روينا قولهم مطلق، (قلت: كلا، فسنذكر عن ابن عباس القول بعدم الفساد بالوطئ بعد الوقوف)، ولأنه صادف إحراما تاما فأفسده كما قبل الوقوف. (قلت: لا نسلمه؛ فإن الوقوف يجعل الإحرام بمعرض التحلل، ولذا قال طائفة بقطع التلبية بالوقوف بعرفة كما تقدم)، وقوله عليه ٣٣٧ فساد الحج بالجماع قبل الوقوف بعرفة إعلاء السنن ٢٩٠٦- عن عبيد الله بن عمر، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، قال: أتى رجل عبد الله بن عمرو، فسأله عن محرم وقع بامرأته، فأشار له إلى عبد الله بن عمر، فلم يعرفه الرجل، قال: فذهبت معه، فسأله عن محرم وقع بامرأته، قال: بطل حجه. قال: السلام: ((الحج عرفة)) يعنى معظمه، (قلت: ولا يفوت الشىء بإتيان معظمه)، أو أنه ركن متأكد فيه، (قلت: يستوى فى ذلك الأركان كلها. وقوله عليه السلام: ((الحج عرفة)) يفيد أنه كل الحج، وفوق سائر أركانه، وهو ركن لا يتم الحج إلا به إجماعا، وقد قال ◌َ له: ((من وقف بعرفة فقد تم حجه))، فلا يصح القول بفساده وقد تم بالنص). قال: وإذا ثبت هذا فإنه يجب على المجامع بدنة، روى ذلك عن ابن عباس، وعطاء، وطاوس، ومجاهد. ومالك، والشافعى، وأبى ثور. وقال الثورى، وإسحاق: عليه بدنة، فإن لم يجد فشاة. وقال أصحاب الرأى: إن جامع قبل الوقوف فسد حجه، وعليه شاة، وإن كان بعده فعليه بدنة وحجه صحيح؛ لأنه قبل الوقوف معنى يوجب القضاء، فلم يجب به بدنة كالفوات. ولنا أنه جماع صادف إحراما تاما، فوجبت به كبعد الوقوف، (قلنا: وجوب القضاء يعنى عن وجوب الفدية، وإنما قلنا به للنص)، ولأنه قول من سمينا من الصحابة، (قلت: ما روينا عن النبى معَ له مرسلا عند أبى داود فى مراسيله مطلق فى الهدى، وأدناه شاة، وكذا رويناه عن عبد الله بن عمرو، وابن عباس، وابن عمر، وعن عمر، وأبى هريرة، وعلى رضى الله عنهم، كلهم قالوا: عليه الهدى، ولم يقولوا بدنة، اللهم ما روى ابن أبى شيبة: حدثنا حفص، عن أشعث، عن الحكم، عن على رضى الله عنه، قال: على كل واحد منها بدنة، فإذا حجا من قابل تفرقا من المكان الذى أصابهما، "زيلعى" (٥٣٢:١)، فهو مع ما فيه من الانقطاع بين الحكم وبينه محمول على الندب كقوله فى التفرق وسيأتى؛ كيلا تتضاد الأقوال عنه وتجتمع الآثار). قال: وحكى أبو ثور عن أبى حنيفة أن اللواط والوطأ فى الدبر لا يفسد الحج؛ لأنه لا يثبت به الإحصان، فلم يفسد الحج كالوطأ دون الفرج، (قلت: هذا بخلاف ظاهر الرواية عنه فى هذا الباب، فقد عرفت فى كلام "الهداية" أن القدورى سوى بين السبيلين ههنا عند الإمام أيضا، وإن فرق هو بينهما فى باب الحدود للأمر بدرءها بالشبهات) اهـ (٣١٥:٣ و٣١٦). قوله: "عن عبيد الله بن عمر" إلخ، قلت: دلالته على معنى الباب ظاهرة. وقوله: " وأهدى فيه دليل على وجوب مطلق الهدى، وأدناه شاة كما مر. ج - ١٠ فساد الحج بالجماع قبل الوقوف بعرفة ٣٣٨ فيقعد؟ قال: لا، بل يخرج مع الناس، فیصنع ما يصنعون، فإذا أدر كه قابل حج وأهدى، فرجعنا إلى عبد الله بن عمرو، فأرسلنا إلى ابن عباس، قال شعيب: فذهبت معه إلى ابن عباس، فقال له مثل ذلك، فقال الرجل لعبد الله بن عمرو: ما تقول أنت؟ فقال مثل ما قالا: رواه الدار القطنى، وعنه الحاكم، وعنه البيهقى فى "المعرفة"، وقال: إسناده صحيح، وفيه دلالة على صحة سماع شعيب من جده عبد الله بن عمرو، ومن ابن عباس انتهى. (أى ومن ابن عمر أيضا) وقال الشيخ فى "الإمام": رجاله كلهم ثقات مشهورون اهـ. "زيلعى" (١-٥٣٢) "دراية" (٢٠٧). ٢٩٠٧ - مالك أنه بلغه: أن عمر، وعلیا، وأبا هريرة، سئلوا عن رجل أصاب أهله وهو محرم بالحج، فقالوا: ينفذان بوجوههما حتى يقضيا حجهما، ثم عليهما الحج من قوله: مالك أنه بلغه إلخ، فيه دلالة على عدم وجوب التفرق فى قضاء الحج الذى أفسداه بالجماع؛ فإن عمر وأبا هريرة لم يذكراه فى جواب السائل، وإنما ذكره على وحده، ولو كان واجبا لذكره كلهم. وأما ما رواه البيهقى بطريق عطاء عن عمر مثل قول على، فلعله وافقه بعد ذلك، واستحسن قوله على طريق الاستحباب دون الإيجاب، ولم نقف فى رواية عن أبى هريرة، وابن عمر، وعبد الله بن عمرو، القول بالافتراق، وإنما أفتوا بوجوب القضاء والهدى فحسب، ولأن الافتراق ليس بنسك فى الأداء. فكذا فى القضاء، فلم يكن أمر من روى عنه من الصحابة الأمر بالافتراق أمر إيجاب، بل أمر ندب مخافة الوقوع؛ لعدم صبر أحدهما عن الآخر لما ظهر فى الإحرام الأول، فكان كالشاب فى حق القبلة فى الصوم، ونحن نقول باستحباب الافتراق لذلك اهـ، من "فتح القدير" ملخصا (٢: ٤٥٦). والدليل على أنه ليس بنسك اختلاف روايات الافتراق فى تعيين محله، فروى مالك فى "الموطأ" عن على: فإذا أهلا بالحج من قابل تفرقا. وفيه الافتراق عند الإحرام، وكذا هو فى طريق عطاء عن عمر عند البيهقى. "زيلعى" (٥٣٢:١). وأخرج ابن أبى شيبة عنه، وعن عمر، وابن عباس: تفرقا من المكان الذى أصابها فيه. كل ذلك مذكور فى المتن. وفى طريق ابن لهيعة المشار إليها فى المتن رواها ابن وهب: فإذا كنتما بالمكان الذى أصبتما فيه ما أصبتما فأحرما وتفرقا، ولا يرى واحد منكما صاحبه. "زيلعى" (٥٣٢:١) وفيه أنه أمرهما بإنشاء الإحرام من المكان الذى أصابها فيه ثم يتفرقان، ولم يقل به أحد من العلماء، وفى كل ذلك دليل على ما قلنا: إن الأمر جز غير فار غير 22 B D ٣٣٩ إعلاء السنن قابل والهدى. قال على: فإذا أهلا بالحج من عام قابل تفرقا حتى يقضيا حجهما. رواه فى "الموطأ"، وأخرجه البيهقى من طريق عطاء عن عمر، قال فيه: ويتفرقان حتى يتما حجهما. وأخرجه ابن أبى شيبة من طريق عطاء عن مجاهد، قال: كان فى عهد عمر فذكره، وفيه: وتفرقا من المكان الذى أصابها فيه. ومن طريق الحكم عن على نحوه، ومن طريق ابن عباس نحوه. "دراية" (٢٠٧). باب من جامع بعد الوقوف بعرفة قبل الحلق فعليه بدنة وقد تم حجه ٢٩٠٨- أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزبير المكى، عن عطاء بن أبى رباح، عن ابن بالافتراق ليس على وجه الإيجاب، بل على طريق الندب، ولذا اختلف محله باختلاف أحوال الرجال، فأمر بعضهم بالافتراق عند الإحرام، وبعضهم إذا وصلا المكان الذى أصابها فيه، وبعضهم بإنشاء الإحرام من هذا المكان والافتراق فيما بعده. فإن قلت: قد روى عن عمر، وعلى، وابن عباس، رضى الله عنهم، أنهم قالوا: يفترقان. وقولهم حجة عند کم، قلت: إنما یکون حجة إذا انقرض العصر ولم يوجد الخلاف، وقد روى عن الحسن وعطاء مثل قولنا، وهما قد أدركا عصر الصحابة، (وأفتیا فیه) فیکون خلافا معتبرا، فلا ينعقد الإجماع. قاله العينى فى "البناية" (١٥٣٢:١). قلت: وهذا على التنزل، وإلا فقد عرفت ما فى الروايات من الاختلاف فى تعيين المحل الموجب حملها على الندب دون الإيجاب. هذا، وقد ذهب زفر رحمه الله من أئمتنا إلى وجوب الافتراق فى القضاء إذا أحرما، وهو قول مالك وأحمد، كما قاله ابن المنذر، وعند الشافعى إذا انتهيا إلى المكان الذى أصابها فيه. وفى "المحيط" "والمبسوط" "والأسبيجابى": يستحب الافتراق (عندنا أيضا) عند خوف المعاودة. قال: ولو كان واجبا لوجب به دم (أى بتركه) كسائر واجبات الحج. وقال النووى: يستحب، وفى القديم: يجب، هكذا ذكره العينى فى "البناية". وفيه ما يدل على أن قول الشافعى الجديد موافق لقول الحنفية فى الباب، والله تعالى أعلم بالصواب. باب من جامع بعد الوقوف بعرفة قبل الحلق فعليه بدنة وقد تم حجه قوله: "أخبرنا مالك إلى آخر الباب"، وإنما ذكرت لأثر ابن عباس هذا طرقا عديدة لدفع ما عسى أن يتوهم من بعض ألفاظه أنه محمول على المواقعة قبل الوقوف، أو على وجوب البدنة مع ٣٤٠ ج - ١٠ من جامع بعد الوقوف بعرفة قبل الحلق عباس: أنه سئل عن رجل وقع على امرأته قبل أن يفيض، فأمره أن ينحر بدنة. رواه محمد فى "الموطأ" (٢٣٣)، وهو فى "موطأ مالك" بهذا السند، ولفظه: وهو بمنى قبل أن يفيض. "دراية" (٢٠٨). ٢٩٠٩- حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عبد العزيز بن رفيع، عن عطاء، قال: سئل ابن عباس عن رجل قضى المناسك كلها، غير أنه لم يزر البيت حتى وقع على امرأته؟، قال: عليه بدنة. أخرجه ابن أبى شيبة فى "مصنفه" "زيلعى" (٥٣٣:١). ورجاله رجال الصحيح. فساد الحج، فاندفع الاحتمال الأول بلفظ ابن شيبة فى "مصنفه" بطريق أبى بكر بن عياش، والثانى بلفظ محمد فى "الآثار" بطريق أبى حنيفة الإمام الأعظم، وثبت أن الوطأ بعد الوقوف لا يفسد الحج، وإنما يوجب بدنة. قال محمد فى "موطأه": وبهذا أى بقول ابن عباس نأخذ، قال رسول الله له: ((من وقف بعرفة فقد أدرك حجه))، فمن جامع بعد ما يقف بعرفة لم يفسد حج، ولكن عليه بدنة لجماعه، وحجه تام، وإذا جامع قبل أن يطوف طواف الزيارة لا يفسد حجه، وهو قول أبى حنيفة والعامة من فقهائنا اهـ. قال فى "التعليق الممجد": سواء جامع قبل الرمى أو بعده لم يفسد حجه، وعليه بدنة لأثر ابن عباس، خلافا للشافعى فيما إذا جامع قبل رمى يوم النحر، فإنه عنده وعند مالك وأحمد مفسد، هذا إذا جامع قبل الحلق، فإن جامع بعد الحلق فعليه شاة؛ لبقاء إحرامه فى حق النساء دون لبس المخيط، فخففت الجناية اهـ. (٢٣٣). فإن قيل: إن لفظ ابن أبى شيبة بطريق أبى بكر بن عياش يفيد وجوب البدنة بعد الحلق . أيضا؛ لأنه قال: سئل ابن عباس عن رجل قضى المناسك كلها غير أنه لم يزر البيت حتى وقع على امرأته إلخ، فقوله: عير أنه لم يزر البيت، يدل على أنه كان قد حلق أو قصر؛ لكونه من المناسك وكان قد قضى المناسك كلها. قلنا: كون الحلق أو التقصير عن المناسك مختلف فيه كما قد مر، فليس دخول الحلق والتقصير فيما كان قد قضاها من المناسك متيقنا، وحكم الإحرام قد خف بالتحلل الأول وهو الحلق، فينبغى أن يكون موجب الجناية عليه دون موجب الجناية على الإحرام التام، هذا هو مقتضى القياس، فحملنا قول ابن عباس المذكور على المواقعة قبل الإفاضة وقبل الحلق بهذا الدليل، وقلنا بوجوب الشاة على من واقع بعد الحلق. وأما إذا جامع قبل الوقوف بعرفة، فهو وإن كان جناية على إحرام تام موجبة للبدنة،