النص المفهرس

صفحات 281-300

ج - ١٠
يطوف القارن طوافين ويسعى سعيين
٢٨١
أصلناه فى المقدمة فلتراجع، وأبو نصر السلمى ذكره ابن خلفون فى الثقات، كما فى
"تعجيل المنفعة" (٥٢٣). وذكر أبو عمر فى "التمهيد" حديث أبى نصر عن على، ثم
قال: وروى الأعمش هذا الحديث عن إبراهيم، ومالك بن الحارث، عن عبد الرحمن بن
أذينة، قال: سألت عليا فذكره، وهذا إسناد جيد. "الجوهر النقى" (٣٤٢:١). قلت:
وقد أخرج الطحاوى سند الأعمش فى "معانى الآثار" له وهو سند جيد (١: ٤٠٦).
بحجة وعمرة)) كما مضى فى فضيلة القران فليراجع، فصارت كل علة أعل بها الحافظ هذا الأثر
هباء منثورا، كأنها لم تكن شيئا مذكورا.
قال الحافظ فى "الفتح": وقد روى آل بيت على عنه مثل الجماعة، قال جعفر بن محمد
الصادق عن أبيه أنه كان يحفظ عن على: للقارن طواف واحد، خلاف ما يقول أهل العراق أهـ
(٢٩٦:٣). وهذه أيضا علة لا تقوم على رجليها كما ترى فإنه قد اعترف بأن أهل العراق يرون
عن على طوافين وسعيين، وأهل العراق جماعة لا تحصى، وعندهم ظهر علم على وقضاياه أزيد مما
ظهر عند أهل الحجاز كما لا يخفى، فكيف يرد قولهم بقوله وحده؟ ولم لا يقال: إن عليا رضى
الله عنه رجع بعد دخوله العراق عن ما كان يقوله فى الحجاز؟ ألا ترى أن مجاهدا رضى الله عنه
أعلم الناس بحديث أهل الحجاز، كان يفتى أولا بطواف واحد للقارن لعدم معرفته يقول على، فلما
بلغه عن أهل العراق قوله بطوافين وسعيين أخذ به، ورأى صحة روايتهم عنه؛ لكونه مكث فيهم
دهرا من آخر عمره. فهم أعرف الناس بفتاواه وأقواله؟
وأيضا فإن الحسن بن على من آل بيت على، وهو أجل من محمد الباقر، وقد أمر القارن
بطوافين وسعيين مثل ما رواه أهل العراق عن على، فاندحض ما قاله الحافظ: وقد روى آل بيت
على عنه مثل الجماعة. والعجب منه كيف يرد على أهل العراق أحاديثهم، ويتكلم على أسانيدها
واحدا بعد واحد، ويذكر رواية جعفر بن محمد بهذه بلا سند لا يسمى من أخرجها، ولا الكتاب
الذى نقلها منه؟ وهل هذا إلا تحامل؟ فهل يصح لمحدث رد الأحاديث المسندة برواية لا سند لها؟
ولعمرى ما رأيت الحافظ بعيدا عن جادة الإنصاف مثل ما رأيته فى هذا المقام، ولقد صدق القائل:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدى المساويا
وقد أخرج البيهقى أثر محمد أبى جعفر هذا فى "سننه" وقال: روى الشافعى فى القديم عن
رجل أظنه إبراهيم بن محمد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن على بن أبى طالب، قال فى

٠ ٢٨٢
يطوف القارن طوافين ويسعى سعيين
إعلاء السنن
٢٨٦٣- ثنا هشيم، عن منصور بن زاذان، عن الحكم، عن زياد بن مالك: أن
عليا وابن مسعود رضى الله عنهما قالا: القارن يطوف طوافين. أخرجه ابن أبى
شيبة، وسعيد بن منصور، ورجال هذا السند ثقات، وزياد بن مالك ذكره ابن
حبان فى الثقات. "الجوهر النقى" (٣٤٢:١). قلت: والحديث ذكره الزيلعى فى
"نصب الراية" (٥٢٥:١). والحافظ فى الدراية (٢٠٤). فزادا: ويسعى سعيين اهـ. وفى
"معانى الآثار" (٤٠٦:١): بطريق سعيد بن منصور بسنده قالا: القارن يطوف
طوافین، ویسعی سعیین.
٢٨٦٤- عن حماد بن سلمة، عن حماد بن أبى سليمان، عن إبراهيم النخعى: أن
الصبى بن معبد قرن بين الحج والعمرة فطاف لهما طوافين، وسعى سعيين، ولم يحل
القارن: يطوف طوافين، ويسعى سعيا. (فقوله: يطوف طوافين. خلاف ما نقله الحافظ عنه للقارن
طواف واحد). قال الشافعى: وهذا على معنى قولنا: يطوف حين يقدم بالبيت وبالصفا والمروة، ثم
يطوف بالبيت للزيارة، وقال بعض الناس: عليه طوافان وسعيان، واحتج فيه برواية ضعيفة عن
على، وجعفر يروى عن على قولنا. قلت: ورواية جعفر أيضا ضعيفة؛ فإن الرجل الذى روى ذلك
عن جعفر مجهول، وإن كان كما ظنه البيهقى فأمر إبراهيم فى السقوط أشد من الجهالة، ورواية
محمد عن على منقطعة، كذا قال البيهقى فى مواضع. ولو سلم تأويل الشافعى رحمه الله لم يكن
فيه خصوصية بالقارن، فإن المفرد أيضا يفعل كذلك، ويطوف هذين الطوافين. ولو سلم رواية
جعفر من العلتين المذكورتين، وكان قوله: ويسعى سعيا، محفوظا فهو مصدر مؤكد يحتمل القلة
والكثرة، فيحمل على السعيين المفسرين فى بقية الروايات اهـ "الجوهر النقى" (٣٤٢:١).
قوله: "حدثنا هشيم" إلخ: قلت: زياد بن مالك هذا قد ذكره ابن أبى حاتم ولم يجرحه،
وذكره ابن حبان فى الثقات، كذا فى "لسان الميزان" (٤٩٦:٢). وقال البخارى: لا يعرف له
سماع عن عبد الله (بن مسعود) ولا سماع الحكم منه اهـ. وهذا أى اشتراط التصريح بالسماع مما
تفرد به البخارى رحمه الله، وعند الجمهور عنعنة الممكن اللقاء محمولة على السماع دائما، كما
ذكرنا فى المقدمة، فلتراجع.
قوله: "عن حماد" إلخ، قلت: هذا الأثر ذكره صاحب "الهداية" بلفظ: إن صبى بن معبد
لما طاف طوافين وسعى سعيين قاله عمر رضى الله عنه: هديت لسنة نبيك اهـ. فرد عليه الزيلعى فى

ج - ١٠
يطوف القارن طوافين ويسعى سعيين
٢٨٣
بينهما وأهدى. وأخرجه بذلك عمر بن الخطاب فقال: هديت لسنة نبيك علّ. رواه
ابن حزم فى "المحلى". "الجوهر النقى" (١-٣٤٣). والإسناد المذكور حسن كما لا
يخفى، والمحدث لا يسقط من أول الإسناد إلا من لا حاجة إلى ذكره، ولم يعله
ابن التركمانى إلا بما فيه من إرسال النخعى، فإنه لم يدرك عمر ولا الصبى، ثم أجاب
بما حاصله أن مراسيل النخعى عندهما صحاح اهـ. والحديث أخرجه أبو حنيفة
الإمام فى "مسنده" (١٢١، ١٢٢): عن حماد بن أبى سليمان هكذا وأطول منه.
"فتح القدير" (٤١٥:٢).
٢٨٦٥- ثنا أبو محمد بن صاعد، ثنا محمد بن يحيى الأزدى، ثنا عبد الله بن
داود، عن شعبة، عن حميد بن هلال، عن مطرف، عن عمران بن حصين: أن النبى علّه
طاف طوافين، وسعى سعيين. أخرجه الدارقطنى فى "سننه"، ثم قال: إن محمد بن
"نصب الراية" والحافظ فى "الدراية"، وقالا: هذا الحديث لم يقع هكذا، وإنما فى "السنن"، وابن
حبان، ومسانيد أحمد، وإسحاق، والطيالسى، وابن أبى شيبة عن أبى وائل، عن الصبى بن معبد،
قال: أهللت بهما معا، فقال عمر: هديت لسنة نبيك عّ لّ اهـ. وقد رواه ابن حزم فى "المحلى" عن
إبراهيم النخعى عن الصبى، كما ذكره صاحب "الهداية" بذكر طوافين وسعيين؛ وبهذا يظهر سعة
نظره فى الأحاديث، وبعد شأوه فى العلم، فرحم الله طائفة هندية لا حياء لها، حيث يطعنون فى
مثل هذا الإمام، ويرمونه بقلة العلم بالحديث لمسامحات قد صدرت منه فى بعض المواضع، فهل
يعتقدون أن المحدث لا يخطئ قط، ويصير معصوما من الخطأ والزلل؟ ولو أنصفوا لنكسوا رؤسهم
إذا رأوا البخارى ومسلما لم يسلما منه، حيث أدرجا فى "صحيحيهما" من الأسانيد والمتون ما
يبعد القول بصحته على أصول المحدثين، أو لم يعلموا أن لكل سيف نبوة، ولكل جواد كبوة؟
قوله: "حدثنا أبو محمد بن صاعدّ إلخ: قلت: وقد ثبت بما ذكرنا فى تحقيق الحديث أنه
حسن الإسناد. قوله: "حدثنا حفص بن عياث" إلخ، قلتك دلالته على الباب ظاهرة. قال الحافظ
فى "الفتح": ولم أر فى الباب أصح من حديثى ابن عمر وعائشة، وحديث ابن عمر أعله الطحاوى
بأن الدراوردى أخطأ فيه، وأن الصواب أنه موقوف، وتمسك فى تخطئته بما رواه أيوب، والليث،
وموسى بن عقبة، وغير واحد عن نافع نحو سياق ما فى الباب من أن ذلك وقع لابن عمر، وأنه
قال: إن النبى معَِّ فعل ذلك، لا أنه روى هذا اللفظ (أى لفظ: قال: من جمع بين الحج والعمرة
٠

٢٨٤
يطوف القارن طوافين ويسعى سعيين
إعلاء السنن
يحيى حدث بهذا من حفظه، فوهم فى متنه، والصواب بهذا الإسناد أنه عليه السلام
قرن الحج والعمرة، ولیس فیه ذکر الطواف والسعى، وقد حدث به محمد بن یحیی
على الصواب مرارا، يقال: إنه رجع عن ذكر الطواف والسعى، قال ابن التركمانى:
قوله: "حدث به من حفظه فوهم" لم ينسبه إلى أحد ممن يعتمد عليه، وكذا قوله:
ويقال: إنه رجع عنه. والظاهر أن المراد أنه سكت عنه، وإذا ذكر هذه الزيادة مرة
وسكت عنها مرة لعذر لا تترك الزيادة، ولو كان فى الحديث علة أخرى غير هذا
لذكره الدار قطنى ظاهرا اهـ. "الجوهر النقى" (٣٤٣:١). وقال ابن الهمام: ومحمد بن
يحيى هذا قال الدار قطنى: ثقة، وذكره ابن حبان فى كتاب الثقات، والحاصل أنه ثقة،
ثبت عنه أنه ذكر زيادة على غيره، والزيادة من الثقة مقبولة اهـ. فتح القدير (٤١٦:٢).
٢٨٦٦- ثنا حفص بن غياث، عن حجاج، عن الحكم، عن عمرو، عن الحسن
ابن على رضى الله عنهما، قال: إذا قرنت بين الحج والعمرة فطف طوافين، واسع
سعيين. أخرجه ابن أبى شيبة فى "مصنفه". "نصب الراية" (٥٢٥:١). وفيه الحجاج
ابن أرطاة متكلم فيه، وهو حسن الحديث كما مر غير مرة، والباقون ثقات معروفون،
والأثر ذكره الحافظ فى "الدراية" وسكت عنه (٢٠٤).
كفاه لهما طواف واحد وسعى واحد) عن النبى عّ لّه اهـ. قال الحافظ: وهو تعليل مردود،
فالدراوردى صدوق، وليس ما رواه مخالفا لما رواه غيره، فلا مانع من أن يكون الحديث عند
نافع على الوجهين اهـ (٣٢١:٣).
قال العلامة العينى فى "العمدة": المردود ما قاله وذهب إليه من غیر تحقیق النظر فيه، فهل
يحل رد ما لا يرد لأجل ما قصر فيه فهمه، وكثر تعنته ومصادمته للحق الأبلج؟ أ فلا وقف هذا
على ما قاله الترمذى بعد أن ذكر الحديث المذكور: وقد رواه غير واحد عن عبيد الله ولم يرفعوه،
وهو أصح. وقال أبو عمر فى "الاستذكار": لم يرفعه عن عبيد الله غير الدراوردى، وكل من رواه
عنه غيره أوقفه على ابن عمر، وكذا رواه مالك عن نافع موقوفا. وقال أبو زرعة الدراوردى سىء
الحفظ، ذكره عنه الذهبى فى "الكاشف" وقال النسائى: ليس بالقوى، وحديثه عن عبيد الله منكر.
وقال ابن سعد: كان كثير الحديث بغلط اهـ (٦٤٩:٤). قال العينى: وأحاديث عائشة فى هذا
الباب مضطربة جدا، لا يتم بها الاستدلال لأحد من الخصوم، وقد قالت فى رواية: أهللنا بعمرة،

٢٨٥
يطوف القارن طوافين ويسعى سعيين
ج - ١٠
وفى أخرى: فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج. قالت: ولم أهل إلا بحج، وفى أخرى:
لا نريد إلا الحج، وفى أخرى: لبّينا بحج، وفى أخرى: مهلين بحج، وفى رواية: وكنت ممن تمتع
ولم يسق الهدى حتى قال مالك: ليس العمل أى فى هذا الباب على حديث عروة عن عائشة قديما
وحديثا اهـ (٤: ٦٥٠).
فإن قيل: سلمنا أن رفعه بهذا اللفظ غير صحيح، ولکنه مرفوع حکما؛ فإن ابن عمر رضى
الله عنهما قرن بين الحج والعمرة، وطاف لهما طوافا واحدا، قال: إنه مّ ◌ُلّ فعل ذلك. وهذا خلاف
ما يقوله الحنفية. قلنا: حديثه الفعلى يخالف أهل المذاهب كلهم، فقد ورد عنه فى رواية عند
الشيخين واللفظ لمسلم: ثم انطلق يسهل بهما جميعا حتى قدم مكة، فطاف بالبيت وبالصفا والمروة،
ولم یزد على ذلك. ولم ینحر، ولم يحلق، ولم يقصر، ولم يحلل من شىء حرم منه، حتی کان یوم
النحر فنحر، وحلق، ورأى أن قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول، فقال ابن عمر: كذلك
فعل رسول الله عَّ طلاء اهـ (٣٨٥:٣). فإنه يدل على إجزاء طواف القدوم عن طواف الإفاضة، ولم
يقل به أحد من العلماء غير مالك، وهو أيضا يقيده بمن ترك طواف الإفاضة جاهلا أو نسيه، وكان
قد طاف للقدوم، ووصله بالسعى بين الصفا والمروة، وعليه الهدى، قاله ابن عبد البر كما فى "فتح
البارى" (٣٢٢:٣). وأما من تعمد تركه فلا يجزئ عنه طواف القدوم اتفاقا. وحديث ابن عمر
هذا يدل على إجزاءه عن طواف الإفاضة مطلقا، وتأويل الطواف الأول بطواف الإفاضة بعيد: فإنه
آخر طواف للحج، وحمله على السعى خلاف الظاهر. وإن سلمنا قلنا أن نؤوله بأنه أدخل طواف
القدوم فى طواف العمرة، وهو أول طوافه بالبيت، ولم يذكر الراوى طواف الإفاضة وسعيها
بظهوره، فافهم، قلت: فهذا شأن الحديثين اللذين ولم ير الحافظ أصح منهما فى الباب:
ثم احتج بما قاله عبد الرزاق عن سفيان الثورى، عن سلمة بن كهيل، قال: حلف طاوس
ما طاف أحد من أصحاب رسول الله عّ لّ لحجه وعمرته إلا طوافا واحدا وهذا إسناد صحيح،
وفيه بيان ضعف ما روى عن على وابن مسعود من ذلك اهـ. قال العينى: وليت شعرى ما وجه
هذا البيان؟ وعجبى كيف يلهج هذا القائل بهذا القول الذى لا يجدبه شيئا؟ (أى لأنه ليس عن
النبى معَّ، ولا عن واحد من الصحابة، وإنما هو قول تابعى لم يلق إلا نفرا يسيرا من الصحابة،
فالتمسك به ليس إلا كما يتثبت الغريق بالحشيش). ونقل هذا اليمين عن طاوس كاد أن يكون

٢٨٦
يطوف القارن طوافين ويسعى سعيين
إعلاء السنن
محالا، لعدم القدرة على الإحاطة بعلم أطوفة الصحابة أجمعين، والكلام أيضا فى الرواة دون
عبد الرزاق اهـ (٤: ٦٥٠).
قلت: ودليل عدم القدرة على الإحاطة بعلم أطوفة الصحابة جميعا ما مر فى أول الباب: أن
مجاهدا كان يفتى بطواف واحد لمن قرن، فلما حدثه منصور بحديث على رجع عن قوله، وجعل
يفتى بطوافين وسعيين، وليس طاوس بأجل من مجاهد، فيجوز عدم إحاطته بعلم أطوفة الصحابة،
كما يجوز عدم إحاطة مجاهد به، فافهم. وقد أطلنا الكلام فى هذا المقام لكونه من المضائق
ومواطن البسط، وفيما حررناه مع كونه فى غاية الإيجاز ما يغنى اللبيب، إن شاء الله تعالى.
وقد تكلم العلامة ابن القيم فى "زاد المعاد" على روايات أهل العراق عن على وابن مسعود،
وقال: منه ما هو منقطع، ومنه ما رجاله مجهولون أو مجروحون اهـ (١٩٨:١). وكأنه لم يطلع إلا
على طرق أخرجها الدارقطنى، وفيها الحسن بن عمارة، وحفص بن أبى داود، ومحمد بن عبد
الرحمن بن أبى ليلى، وعيسى بن عبد الله، وأبو بردة، وعبد العزيز بن أبان، كما يدل عليه كلامه
فى هذه الطرق فحسب، ولم يطلع على طرق صحيحة أو حسنة ذكرناها فى المتن، فإنها كلها
سالمة عن هؤلاء وعن الانقطاع وغيره، فرجالها كلهم ثقات أو موثقون، وأسانيد ضعاف مرفوعا
وموقوفا، ومدار ذلك على الحسن بن عمارة، وحفص بن أبى داود، وعيسى بن عبد الله، وحماد
ابن عبد الرحمن، وكلهم ضعيف لا يحتج بشىء مما رووه. قلت: قد روى ذلك بأسانيد جيدة
ليس فيها أحد من هؤلاء، فذكر بمثل ما أودعناه فى المتن من الروايات (٣٤٢:١ و٣٤٣). فلعل ابن
القيم تبع البيهقى، ولم يفتش الطرق كلها بنفسه، واعتمد عليه فيما قاله، فافهم.
هذا، ولله الحمد على متواتر فضله على هذا الغريق فى الآثام، حيث وفقنى لتحقيق الحق فى
هذا المقام، بأتم المسؤول أن يرزقنى حسن الختام، ببركة الاشتغال بحديث نبيه خير الأنام، عليه وآله
وأصحابه أفضل صلاة وأزكى سلام.
تتمة :
اعلم أن أكبر شىء احتج به البيهقى وغيره على أن القارن يطوف طوافا واحدا، ما ورد فى
بعض الروايات عن عائشة رضى الله عنها عند مسلم: أنه مرّ قال لها يوم النفر: ((يسعك طوافك
لحجك وعمرتك)). وفى رواية: ((يجزئ عنك ظوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك))

ج - ١٠
يطوف القارن طوافین ویسعی سعيين
٢٨٧
(٣٥٤:٣ مع شرحه "إكمال المعلم") وادعوا أنها كانت قارنة، ودون إثباته خرط القتاد، وإنما هو
مجرد احتمال بينه بعض الشارحين لحديثها لأجل الجمع بين مختلف الحديث.
قال العلامة الأبى فى "شرح مسلم" له: وأما إحرامها فى نفسها فاختلفت الروايات عنها فى
ذلك، ففى هذا الحديث من طريق عروة: أهللنا بعمرة. وفى رواية القاسم عنها: لبّينا بالحج. وفى
روايته الأخرى: لا نعرف إلا الحج. وهذا كله صريح أنها أهلت بالحج. وفى رواية الأسود: ملبين
لا نذكر حجا ولا عمرة. واختلف العلماء فى الكلام على حديث عائشة، فقال مالك: ليس العمل
على حديثها قديما ولا حديثا. وقال إسماعيل القاضى: إنها كانت مهلة بالحج؛ لأنها رواية الأكثر
من عمرة، والقاسم، والأسود، وغلطوا رواية عروة. قالوا: وأيضا رواية عمرة والقاسم ساقت عمل
عائشة فى الحج من أوله إلى آخره، ولهذا قال القاسم من رواية عمرة: ونبأتك بالحديث على وجهه.
ويمكن الجمع بين الروايات بأن تكون أخبرت أولا بالحج، كما نص فى رواية أولئك، وكما صح
من فعله عرّه وفعل أكثر أصحابه، ثم أحرمت بالعمرة حين أمر أصحابه بفسخ الحج فى
العمرة، فأخبر عروة عن آخر أمرها وعمرتها التى جرى لها فيها الحكم وحيضتها قبل تحللها، ولم
يذكر أول أمرها. وقد يعارض هذا بإخبارها عن فعل أصحابه واختلافهم فى الإحرام، وأنها
إنما أحرمت هى بالعمرة. والحاصل أنها أحرمت بحج ثم فسخته فى عمرة حين أمرهم
بالفسخ، فلما حاضت وتعذر عليها إتمام العمرة أمرها بالإحرام بالحج، فصارت مردفة للحج
على العمرة وقارنة اهـ (٣٤٤:٣).
قلت: ولكن لا يصح القول بكونها قارنة؛ لما فى روايات عديدة عند مسلم من قوله معد له
لها: (انقضى رأسك وامتشطى، وأهلى بالحج ودعى العمرة)). وفى رواية: فأمرنى رسول الله مد خله
أن أنقض رأسى وأمتشط، وأهل بالحج، وأترك العمرة. وفيه أيضا: وأمرنى أن أعتمر من التنعيم
مكان عمرتى التى أدركنى الحج ولم أحلل منها. وفى رواية: فقال: ((دعى عمرتك، وانقضى
رأسك وامتشطى، وأهلى بالحج))، قالت: ففعلت، فلما كانت ليلة الحصبة - وقد قضى الله حجنا۔۔
أرسل معى عبد الرحمن بن أبى بكر، وخرج بى إلى التنعيم، فأهللت بعمرة، فقضى الله حجنا
وعمرتنا ولم يكن فى ذلك هدى ولا صدقة ولا صوم. وفى رواية قلت: يا رسول الله! يرجع
الناس بحجة وعمرة، وأرجع بحجة؟ إلى أن قالت: فأهللت منها أى من التنعيم بعمرة جزاء بعمرة

٢٨٨
يطوف القارن طوافین ویسعی سعیین
إعلاء السنن
الناس التى اعتمروا. وفى رواية: فدخل على رسول الله عَُّله وأنا أبكى، فقال: ((ما يبكيك))؟ قلت:
سمعت كلامك مع أصحابك، فسمعت بالعمرة، قال: ((ومالك))؟ قلت: لا أصلى، قال: ((فلا
يضرك، فكونى فى حجك، فعسى الله أن يرزقكيها)). وفى رواية عنها: قالت: قلت: يا رسول الله!
يصدر الناس بنسكين، وأصدر بنسك واحد؟ قال: ((انتظرى فإذا طهرت فاخرجى إلى التنعيم
فأهلى منه)). وفى رواية: قلت: يا رسول الله! يرجع الناس بعمرة وحجة، وأرجع أنا بحجة؟
قال: ((وما كنت طفت ليالى قدمنا مكة))، قالت: قلت: لا، قال: ((فاذهبى مع أخيك إلى التنعيم
فأهلی بعمرة) اهـ.
أخرج الروايات كلها الإمام مسلم فى "صحيحه" فى باب وجوه الإحرام، وشار كه فى
أكثرها البخارى كما ستعرف، فقوله معّه لها: ((انقضى رأسك وامتشطى، ودعى العمرة))، وأمره
إياها بأن تترك العمرة صريح فى أنها تركت العمرة، وحجت مفردة، ولا يصح التمسك بما وقع فى
بعض روايات مسلم: ((وأمسكى عن العمرة)) على أن معنى قوله: ((ارفضى عمرتك)) اتركى التحلل
منها، وأدخلى عليها الحج فتصير قارنة، كما ذكره الحافظ فى "الفتح" (٢٧٢:٣)؛ فإن الرفض
والترك صريح فى معناه، والإمساك يستعمل مرة فى معنى الترك، وأخرى فى معنى التوقف، فلا
يجوز حمل الصريح على المجمل، بل اللازم تفسير المجمل بالمفسر، لا سيما وقوله: ((انقضى رأسك
وامتشطى)) يؤيد أنه أراد ترك العمرة رأسا، لا ترك التحلل منها. وأيضا قولها: فلما كانت ليلة
الحصبة وقد قضى الله حجنا أرسل معى عبد الرحمن، فخرج بى إلى التنعيم، فأهللت بعمرة،
فقضى الله حجنا وعمرتنا. وكذا قولها: ولم يكن فى ذلك هدى ولا صدقة ولا صيام. صريح فى
أنها كانت رافصة لعمرتها مفردة بالحج لا قارنة، وكذا قوله: يرجع الناس بحجة وعمرة وأرجع أنا
بحجة؟ صريح فى أنها لم تكن قارنة، والتأويّل فى كل ذلك مما لا يخلو من التعسف والتكلف،
وإنما هو صرف الكلام عن ظاهره لتمشية المذهب لا غير.
قال صاحب "الجوهر النقى": ويدفع تأويل البيهقى بالإمساك عن أفعال العمرة قوله:
(انقضى رأسك وامتشطى))؛ إذا المحرم ليس له أن يفعل ذلك، وقد قال البيهقى فيما بعد باب المرأة
تختصب قبل إحرامها وتمتشط: قد مضى قول النبى مُ ◌ّه: ((انقضى رأسك وامتشطى، وأهلى
بالحج)) انتهى. وقول عائشة رضى الله عنها: ترجع صواحبى بحج وعمرة، وأرجع أنا بحجة؟

ج - ١٠
يطوف القارن طوافين ويسعى سعيين
٢٨٩
صريح فى رفض العمرة؛ إذ لو أدخلت الحج على العمرة لكانت هى وغيرها فى ذلك سواء، (بل
أفضل منهن؛ لكونها وافقت النبى مرّه فى القران) ولما احتاجت إلى عمرة أخرى بعد العمرة
والحج الذين فعلتهما، وقوله عَ لّم عن عمرتها الأخيرة: ((هذه مكان عمرتك))، (رواه البيهقى)
صريح فى أنها خرجت من عمرتها الأولى ورفضتها؛ إذ لا تكون الثانية مكان الأولى إلا والأولى
مفقودة. وفى بعض الروايات: ((هذه قضاء من عمرتك))، وسيأتى فى باب العمرة قبل الحج ما يقوى
هذا. وقال القدورى فى "التجريد": قال الشافعى: لا يعرف فى الشرع رفض العمرة بالحيض. قلنا:
ما رفضتها بالحيض، ولكن تعذرت أفعالها، وكانت ترفضها بالوقوف فأمرها بتعجيل الرفض اهـ (٣٢٦:١).
قال الحافظ: واستبعد هذا التأويل أى تأويل الرفض بترك التحلل من العمرة لقولها فى رواية
عطاء: وأرجع أنا بحجة ليس معها عمرة. أخرجه أحمد، وهذا يقوى قول الكوفيين: إن عائشة
تركت العمرة وحجت مفردة. وتمسكو فى ذلك بقولها فى الرواية المتقدمة: ((دعى عمرتك))، وفى
رواية: ((ارفضى عمرتك))، ونحو ذلك، واستدلوا به على أن للمرأة إذا أهلت بالعمرة متمتعة
فحاضت قبل أن تطوف أن تترك العمرة، وتهل بالحج مفردا، كما فعلت عائشة، لكن فى رواية
عطاء عنها ضعف اهـ (٢٧٢:٣). قلت: ولكنه قد انجبر بما فى روايات مسلم من الألفاظ الدالة
على أنها تركت العمرة وأهلت بالحج مفردة.
قال الحافظ: والرافع للإشكال فى ذلك ما رواه جابر: أن عائشة أهلت بعمرة، حتى إذا
كانت بسرف حاضت، فقال لها النبى مرّةٍ: ((أهلى بالحج))، حتى إذا طهرت طافت بالكعبة
وسعت، فقال: ((قد حللت من حجك وعمرتك))، قالت: يا رسول الله! إنى أجد فى نفسى إنى
لم أطف بالبيت حتى حججت، قال: فأعمرها من التنعيم. ولمسلم من طريق طاوس عنها: فقال لها
النبى عَّ ◌ُّه: ((طوافك يسعك لحجك وعمرتك))، فهذا صريح فى أنها كانت قارنة؛ لقوله: ((قد
حللت من حجك وعمرتك))، وإنما أعمرها من التنعيم تطيبيا لقلبها؛ لكونها لم تطف بالبيت
لما دخلت معتمرة، وقد وقع فى رواية لمسلم (من طريق جابر): وكان النبى معَّ ◌ُّه رجلا سهلا إذا
هويت الشىء تابعها عليها اهـ (٢٧٣:٣).
قلت: وقد عارض هذا الصريح ما هو أصرح منه فى أنه مرِّ أمرها برفض العمرة وتركها
كما تقدم، وفى رواية للبخارى عنها فقال: ((دعى عمرتك، وانقضى رأسك وامتشطى، وأهلى

٢٩٠
يطوف القارن طوافين ويسعى سعيين
إعلاء السنن
بالحج))، ففعلت، فلما كانت ليلة الحصبة أرسل معى عبد الرحمن إلى التنعيم فأردفها، فأهلت بعمرة
مكان عمرتها، فقضى الله حجها وعمرتها، ولم يكن فى شىء من ذلك هدى ولا صدقة ولا صوم
فقوله: "بعمرة مكان عمرتها" صريح فى أن اعتمارها من التنعيم كان قضاء لعمرتها المرفوضة، ولم
تكن قرنة حتما. وإلا لوجب عليها الهدى، لقوله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر
من الهدى﴾. وأجمعت الأمة على وجوب الهدى على القارن، وقد صرحت بأنه لم یکن فى شىء
من ذلك هدى، ولذا قال عياض: لم تكن عائشة قارنة ولا متمتعة، وإنما أحرمت بالحج، ثم نوت
فسخه إلى عمرة، فمنعها من ذلك حيضها، فرجعت إلى الحج فأكملته، ثم أحرمت عمرة مبتدأة،
فلم يجب عليها هدى،، كما ذكره الحافظ فى "الفتح" (٣: ٣٩٥).
وهذا هو الحق، وبه تجتمع الروايات كلها، وغير ذلك لا يستقيم إلا بتجشم تأويلات بعيدة
لا تخلو عن التكلف والتعسف. وقوله: " وإنما أعمرها من التنعيم تطييبا لقلبها" مجرد احتمال، قد
ظنه جابر رضي الله تعالى عنه، والروايات عن عائشة تدفع هذا الاحتمال، فقد أخرج مسلم عنها:
فدخل على رسول الله عَ ليه وأنا أبكى، فقال: ((ما يبكيك))؟ قلت: سمعت كلامك مع أصحابك،
فمنعت العمرة، قال: ((ومالك؟)) قلت: لا أصلى، قال: ((فلا يضرك، فكونى فى حجك، فعسى الله
أن يرزقكيها)). وهذا صريح فى كونها منعت العمرة، وكانت بعد رفضها العمرة مفردة بالحج،
وإلا لم يكن لقول رسول الله مَّ ◌ُلّه: ((فكونى فى حجك، فعسى الله أن يرزقكیها)) معنى.
وأما قوله عّ لها: ((قد حللت من حجك وعمرتك))، فإن رسول الله عّ لّه كان قد قال
ذلك لها وهو يظن أنها قد طافت حين قدمت مكة، فلما أخبرت بأنها لم تطف بالبيت إذ ذاك،
وأنها منعت العمرة أرسلها إلى التنعيم لتعتمر مكان عمرتها المرفوضة، يدل على ذلك ما أخرجه
الشيخان عنها: فلما كانت ليلة الحصبة قلت: يا رسول الله! يرجع الناس بعمرة وحجة، وأرجع أنا
بحجة؟ قال: ((وما طفت (وعند مسلم: أو ما طفت كما تقدم) ليالى قدمنا مكة؟)) قلت: لا، قال:
((فاذهبى إلى التنعيم فأهلى بعمرة)) الحديث. "فتح البارى" (٢٧٣:٣) وفيه رد لما ظنه جابر رضى
الله عنه أن رسول الله عَّه إنما أرسلها إلى التنعيم متابعة لهواها، بل إنما أرسلها حين أخبرته بأنها لم
تطف لیالی قدموا مكة.
وأما قوله: ((يسعك طوافك لحجك وعمرتك))، فقد تفرد به عبد الله بن طاوس عن أبيه،

٢٩١
يطوف القارن طوافين ويسعى سعيين
ج - ١٠
ولفظ مجاهد عن عائشة: ((ويجزئ عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك)). وسماع
مجاهد عن عائشة مختلف فيه، فأنكره يحيى بن معين، ويحيى بن سعيد القطان، وشعبة وقال أبو
حاتم: مجاهد عن عائشة مرسل، وذكر عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه قال: كان شعبة ينكره
(أى سماعه عن عائشة) كذا فى "نصب الراية" (٥١٦:١). فلا يصلح معارضا للأحاديث التى
اتفق الشيخان على إخراجها الدالة على كونها متمتعة قد رفضت عمرتها رضى الله عنها.
وإن سلم فنقول مثل ما قال العلامة ابن التركمانى فى "الجوهر النقى" ونصه: ثم ذكر
البيهقى حديث جابر مستدلا على أنها كانت قارنة، وأنه عليه السلام اكتفى لها عن الحج والعمرة
بطواف واحد. قلت: قد أقمنا الدليل فيما مضى فى باب إدخال الحج على العمرة، وفى باب.
العمرة قبل الحج - على أنها كانت (بعد رفض العمرة) مفردة، وأنه عليه السلام أمرها برفض
العمرة، وقولها: وأرجع بحجة واحدة. دليل واضح على ذلك، فعلى هذا معنى قوله عليه السلام:
((يكفيك لحجك وعمرتك)) أى عمرتك المرفوضة، لأنه لا طواف لها. ويحتمل أن يريد ثواب هذا
الطواف كثواب الحج والعمرة؛ لأنها قصدت النسكين، وإنما تركت الواحد بغير اختيارها اهـ.
قال: وذكر البيهقى حديث عائشة: وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافا
واحدا. قلنا: هذا لا يصح أصلا، فإن رسول الله عَّ أول شىء بدأ به حين قدم مكة طاف بالبيت،
ثم طاف للإفاضة، وكذا الذين جمعوا الحج والعمرة معه، فلا يشك أحد فضلا عن الأئمة فى هذين
الطوافين، ولا بد من التأويل فى قولها: طافوا طوافا واحدا، فقالت الشافعية ومن وافقهم: طاف
للفرض طوافا واحدا. ونحن نقول: طاف للحل من الإحرامين طوافا واحدا، والطواف الأول كان
للعمرة، يدل على ذلك حديث حفصة أم المؤمنين أنها قالت: يا رسول الله! ما شأن الناس قد حلوا
من عمرتهم ولم تحل أنت من عمرتك؟ الحديث. ففيه دلالة صريحة على أنه مرٍّ حين قدم طاف
طوافا لعمرته، وقد أقرها مَِّ على قولها ولم ينكره.
قال البيهقى: إنما أرادت بقولها: "طافوا طوافا واحدا" السعى بين الصفا والمروة، قال: وذلك
بين فى رواية جابر أنه لم يطف النبى معَّه ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا. قلت: لا
حاجة إلى تأويل الطواف بالسعى، بل المراد الطواف على ظاهره، وهو الطواف بالبيت، ويحمل
على أنه طافوا طوافا واحدا وسعوا سعيا واحدا عملا باللفظين اهـ بمعناه (١: ٣٤١).

٢٩٢
يطوف القارن طوافين ويسعى سعيين
إعلاء السنن
أى وهذا لا يفيدكم؛ فإنكم قائلون بتثنية الطواف للقارن وإن لم تقولوا بتثنية السعى له
وأيضا فإن رواية جابر تقض بالسعى الواحد لجميع أصحابه ◌ّ لغيره، مع أن أكثرهم كانوا متمتعين،
والمتمتع لا بد له من سعبين اتفاقا، وإذا كان الأمر كذلك فلا حجة لكم فى شىء من حديثى عائشة
وجابر رضى الله عنهما. ونحن نقول: إن إهلال عائشة وجابر رضى الله عنهما لم يكن كإهلال
النبی مێ؛ فإنهما لم يكونا قارنین، والحجة فى ذلك إنما هو حديث من کان إهلاله کإهلال النبى
مرّ ◌ُّه، وهو على بن أبى طالب رضى الله عنه ومن كان مثله، فهؤلاء أدرى بأحكام القران من
غيرهم، لكونهم قارنين، وقد أمر القارن بطوافين وسعبين، وحدث أن رسول الله عَّ فعل ذلك
كما تقدم، وقد تقرر فى "الأصول" أن المثبت مقدم على النافى، فيحمل قول من قال: "لم يطف
إلا طوافا واحدا" على عدم رؤيته الطواف الثانى، ومن روى: أنه مِّ طاف لهما طوافين وسعى
سعيين. فإنه رأى ما لم يره الآخرون، وأثبت ما نفاه غيره، فيؤخذ بقوله، ولا يعتمد على قول
النافين، والله تعالى أعلم.
ثم اعلم أن حديث عائشة هذا أخرجه الشيخان عنهما بلفظ: خرجنا مع رسول الله مَّه
عام حجة الوداع، فأهللنا بعمرة، ثم قال رسول الله عَّه ((من كان معه هدى فليهل بالحج مع
العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا))، إلى أن قالت: فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت
وبالصفا والمروة ثم حلوا؛ ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم، وأما الذين جمعوا
الحج والعمرة فإنما طافوا طوافا واحدا. "مسلم" (٣٨٦:١) والبخارى مع "الفتح" (٢٩٥:٣).
وهذا أكبر شىء احتج به الجمهور على طواف القارن أنه يطوف لحجه وعمرته طوافا واحدا لا
طوافين، ولا حجة لهم فيه: لأن أحمد حمله على أن المتمتع بعد رجوعه من منى يطوف ويسعى
لحجه. ويطوف طوافا آخر للزيارة قال الموفق فى "المغنى": وكذلك الحكم فى القارن والمفرد إذا لم
يكونا أتيا مكة قبل يوم النحر، ولا طافا للقدوم، فإنهما يبدءان بطواف القدوم قبل طواف الزيارة،
نص عليه أحمد. فحمل قول عائشة على أن طوافهم لحجهم هو طواف القدوم؛ لأنه قد ثبت أن
طواف القدوم مشروع، فلم يكن طواف الزيارة مسقطا له. "زاد المعاد" (٢٣٩:١).
قلنا: فكيف يكون مسقطا لطواف العمرة وهو آكد من طواف القدوم شرعا، وقد أثبتته
عائشة رضى الله عنها نصا؟ وحمله ابن القيم فى "زاد المعاد"، وسبقه إليه البيهقى على أن الطواف

٢٩٣
يطوف القارن طوافين ويسعى سعيين
ج - ١٠
الذى أخبرت به عائشة، وفرقت به بين المتمتع والقارن، هو الطواف بين الصفا والمروة، لا الطواف
بالبيت، فأخبرت عن القارنين أنهم اكتفوا بطواف واحد بينهما، لم يضيفوا إليه طوافا آخر يوم
النحر، وأخبرت عن المتمتعين أنهم طافوا بينهما طوافا آخر بعد الرجوع من منى للحج، وذلك
الأول كان للعمرة. (قلت: وهذا صرف الكلام عن ظاهره؛ فإن عائشة رضى الله عنها أرادت
بالطواف كلا الطوافين حين ذكرت المتمتع غير سائق الهدى، فقالت: إن الذين أهلوا بالعمرة طافوا
بالبيت وبالصفا والمروة. فلا بد من أن يكون المراد بالطواف كلا الطوافين كذلك حين ذكرت
الذين جمعوا الحج والعمرة، والمعنى وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا بالبيت وبالصفا
والمروة طوافا واحدا، هذا هو الظاهر، ولا يصرف الكلام عن ظاهره إلا بدليل، ولو حملناه على
أحد الطوافين فحمله على الطواف بالبيت أولى من حمله على السعى؛ لكونه المتبادر من لفظ
الطواف عرفا وشرعا، كما لا يخفى).
قال ابن القيم: لكن يشكل عليه حديث جابر الذى رواه مسلم فى "صحيحه": لم يطف
النبى معَّه وأصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا طوافه الأول. وهذا يوافق قول من قال:
يكفى المتمتع سعى واحد، وعلى هذا فيقال: عائشة اثبتت، وجابر نفى، والمثبت مقدم على النافى.
(قلت: فما لك لا تقول بمثل ذلك فى طواف القارن: إن علیا، وابن مسعود، وعمران بن حصین،
والحسن بن على رضى الله عنهم، قد أثبتوا له طوافين وسعيين، وغيرهم نفى، والمثبت مقدم على
النافى؟) قال: أو يعلل حديث عائشة بأن تلك الزيادة فيه مدرجة من هشام اهـ وقال قبل ذلك
بأسطر: فقالت طائفة: هذه الزيادة من كلام عروة أو ابنه هشام أدرجت فى الحديث اهـ
(٣٤٠:١). وقال أبو داود: رواه إبراهيم بن سعد ومعمر عن ابن شهاب نحوه، لم يذكروا طواف
الذين أهلوا بالعمرة، وطواف الذين جمعوا الحج والعمرة اهـ (٣: ١٠٠ مع "البذل"). وفيه إشارة
إلى كون الزيادة مدرجة أو شاذة، وهكذا دأب المحدثين وأهل الظاهر، إذا أشكل عليهم الجمع بين
مختلف الحدیث يأخذون بعضه، ويردون بعضه، ولا يبالون.
وبالجملة فلا حجة للجمهور فی حدیث عائشة والحال هذا؛ فإن حديثها مؤول بالإجماع،
فإنه مرِّ طاف حين قدم مكة، كما فى حديث جابر الطويل وغيره، ثم طاف بعد رجوعه من منى
يوم النحر، كما روته عائشة وجابر وغيرهما، فلا شك فى أنه معَّ لّ طاف طوافين لا طوافا واحدا.

٢٩٤
يطوف القارن طوافين ويسعى سعيين
إعلاء السنن
فقال الجمهور فى معنى حديثها: إنه طاف للعمرة والحج طوافا واحدا وكان قارنا، والطواف الأول
كان للقدوم. ونحن نقول: معنى حديثها إن الذين تمتعوا بالعمرة من غير سوق الهدى حلوا من
إحرامى العمرة والحج بطوافين، فإنهم طافوا بالبيت وبالصفا والمروة أو لا وحلوا منها، ثم طافوا
طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى، فحلوا به من حجهم، وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فلم يحلوا
من إحراميهم بطوافين، بل حلو منهما جميعا بطواف واحد.
وإذا تأملت فى سياق الحديث تبين لك أن قولها: وأما الذين جمعوا الحج والتعمرة فإنما طافوا
طوافا واحدا. راجع إلى قوله عَّ: ((ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا))، ومعناه أنه لا يحل منهما
إلا بطواف واحد بعد رجوعه من منى، بخلاف المتمتع غير سائق الهدى فإنه يحل من العمرة
بطواف، ومن الحج بطواف آخر، وهو ظاهر، ولا يرد على هذا التأويل ما يرد على تأويل أحمد
والبيهقى وابن القيم وغيرهم من الجمهور، وإذا جاء الاحتمال بطل على أنه يكفى للقارن والمتمتع
سائق الهدى طواف واحد لحجه وعمرته جميعا، فقد عرفت أن عائشة لم ترد وحدة الطواف
مطلقا، بل وحدة الطواف للحل من الإحرامين.
قال الشيخ أطال الله بقاءه: فيكون محصل كلامها بيان المقابلة بين الذين لم يجمعوا بين
العمرة والحج، بل أهلوا بالعمرة أولا، ثم حلوا منها قبل الإهلال بالحج، وهم المتمتعون بدون سوق
الهدى، وبين الذين جمعوا بينهما، بأن لم يحلوا منهما قبل الحج، وهم المتمتعون مع سوق
الهدى والقارنون، فى أن الأولين طافوا للحل طوافين: أحدهما للحل من العمرة قبل الحج، والآخر
للحل من الحج، والآخرين طافوا للحل من كليهما طوافا واحدا، فالمراد بالطواف ليس مطلق
الطواف بل الطواف للحل، ولعل هذا المعنى له غاية القرب من أجزاء الكلام والارتباط بينهما،
والله تعالى أعلم اهـ.
وإن سلمنا فنقول: إن الذين رووا للقارن طوافا واحدا وسعيا واحدا لعلهم لم يصلوا إلى
النبى معَّ إلا وقد فرغ من طوافه وسعيه للقدوم، فظنوا طوافه للعمرة أول طواف طافه بعد قدومه
مكة، أو انفصلوا عنه حين فرغ من طوافه للقدوم، ولم يعلموا بطوافه للعمرة؛ لكونه طافه ليلا مثلا،
وأما الذين رووا للقارن طوافين وسعيين فلا يظن بهم أنهم رووا ذلك بمحض القياس أو التوهم؛ إذ
لو حملنا رواية الإثبات على ذلك لكان كذبا، ولقد تقرر فى الأصول أن المثبت مقدم على النافى،

٢٩٥
ج - ١٠
باب اختصاص المتعة والقران بمن كان خارج المواقيت
ووجوب الهدى على المتمتع والقارن
٢٨٦٧- عن ابن عباس رضى الله عنهما: أنه سئل متعة الحج؟ فقال: أهل
المهاجرون والأنصار وأزواج النبى عّ لّ فى حجة الوداع، فأهللنا، إلى أن قال بعد ذكر
التمتع: فإذا فرغنا من المناسك جئنا، فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة، فقد تم حجنا، وعلينا
الهدى، كما قال تعالى: ﴿فما استيسر من الهدى فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام فى الحج
وزيادة الثقة مقبولة، فلا بد من الاعتماد على رواية من روى طوافين وسعيين.
واحتج الجمهور أيضا بما رواه ابن عباس رضى الله عنهما عند البخارى قال: قدم النبى معَّ له
مكة، فطاف وسعى بين الصفا والمروة، ولم يقرب الكعبة بعد طوافه بها حتى رجع من عرفة. "فتح
البارى (٣٨٩:٣). ولا حجة فيه؛ فإنه لم يبين العدد، ولم يقل طاف وسعى مرة ثم لم يقرب
الكعبة، وإن سلمنا فهو ناف، وعلى، وابن مسعود، وعمران بن حصين وحسن بن على رضى الله
عنهم مثبتون لطوافين وسعيين والمثبت مقدم على النافى.
ثم ذكر البيهقى حديث: ((دخلت العمرة فى الحج)) ثم قال: قيل: معناه دخلت فى أفعال
الحج، فاتحدا فى العمل. قال ابن التر كمانى: هذا الحديث يحتمل معانى: أحدها: دخلت فى وقت
الحج وشهوره نقضا لما كانت قريش عليه من ترك العمرة فى أشهر الحج، ذكره البيهقى فيما مضى
فى باب العمرة فى أشهر الحج. والثانى: وجوب العمرة كالحج، ولهذا ذكره البيهقى فى باب
وجوب العمرة مستدلا به على ذلك، وقد ذكرنا فى ذلك الباب معنى ثالثا عن أبى بكر الرازى،
ومعنى رابعا عن الخطابى اهـ (٣٤٣:١) أى وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال.
باب اختصاص المتعة والقران بمن كان خارج المواقيت
ووجوب الهدى على المتمتع والقارن
قوله: "عن ابن عباس" إلخ، قال الحافظ فى "الفتح": قوله: فإن الله أنزله، أى الجمع بين
الحج والعمرة. قوله: وسنة نبيه أى شرعه حيث أمر أصحابه به، قوله: غير أهل مكة، بنصب غير،
ويجوز كسره، وذلك إشارة إلى التمتع، وهذا مبنى على مذهبه بأن أهل مكة لا متعة لهم، وهو
قول الحنفية، وعند غيرهم أن الإشارة إلى حكم التمتع، وهو الفدية، فلا يجب على أهل مكة

٢٩٦
اختصاص المتعة والقران بمن كان خارج المواقيت
إعلاء السنن
وسبعة إذا رجعتم﴾ إلى أمصاركم، الشاة تجزئ، فجمعوا نسكين فى عام بين الحج
والعمرة، فإن الله تعالى أنزله فى كتابه، وسنه نبيه عليه، وأباحه للناس غير أهل مكة، قال
الله: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام﴾، وأشهر الحج التى ذكره الله
تعالى: شوال، وذو القعدة، وذوالحجة، فمن تمتع فى هذه الأشهر فعليه دم أو صوم.
الحديث أخرجه البخارى. "فتح البارى"، (٣- ٢٨٠).
٢٨٦٨- حدثنا ابن بشار، ثنا عبد الرحمن، ثنا عبد الله بن المبارك، عن عبد
الرحمن بن يزيد بن جابر، عن مكحول: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضرى المسجد
الحرام﴾ قال: من كان دون المواقيت حدثنا المثنى، ثنا سويد، أخبرنا ابن المبارك بإسناده
مثله، إلا أنه قال: ما كان دون المواقيت إلى مكة. أخرجه الإمام ابن جرير الطبرى فى
تفسیره (١٩٤:٢). وسنده حسن صحيح.
بالتمتع دم إذا أحرموا من الحل بالعمرة، وأجاب الكرمانى بجواب ليس طائلا اهـ (٢٨١:٣).
وقال العينى: قوله: ذلك أى التمتع، وقال الكرمانى: هذا دليل للحنفية فى أن لفظ "ذلك"
للتمتع لا لحكمه. ثم أجاب بقوله: قول الصحابى ليس بحجة عند الشافعى، إذا المجتهد لا يجوز له
تقليد المجتهد، قلت: هذا جواب واه مع إساءة الأدب، ليس شعرى ما وجه هذا القول الذى يأباه
العقل؟ فإن مثل ابن عباس كيف لا يحتج بقوله، وأى مجتهد بعد الصحابة يلحق ابن عباس أو
يقرب منه حتى لا يقلده؟ فإن هذا عسف عظيم اهـ من "عمدة القارى" (٥٧٠:٤).
وقال أيضا: قد اختلفت العلماء فى حاضرى المسجد الحرام من هم؟ فذهب طاوس،
ومجاهد، إلى أنهم أهل الحرم، وبه قال داود. وقالت طائفة: أهل مكة بعينها، روى هذا عن نافع،
وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج، وهو قول مالك. وذهب أبو حنيفة إلى أنهم أهل المواقيت فمن
دونهم إلى مكة، وهو قول عطاء، ومكحول، وهو قول الشافعى بالعراق. قال الشافعى أيضا،
وأحمد: من كان من الحرم على مسافة لا يقصر فيها الصلاة فهو من حاضرى المسجد الحرام.
وعند الشافعى، وأحمد، ومالك، وداود: أن المكى لا يكره له التمتع ولا القران، وإن تمتع لم يلزمه
دم. وقال أبو حنيفة: يكره له التمتع والقران، فإن تمتع أو قرن فعليه دم جبرا، وهما فى حق الأفقى
مستحبان، ويلزمه الدم شكرا اهـ (٥٦٩:٤).
وقال الإمام أبو بكر الجصاص فى "أحكام القرآن" له: اختلف الناس فى ذلك، أى فى

ج - ١٠
اختصاص المتعة والقران بمن كان خارج المواقيت
٢٩٧
٢٨٦٩- حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن رجل،
عن عطاء، قال: من كان أهله دون المواقيت فهو كأهل مكة لا يتمتع. أخرجه ابن جرير
أيضا فى تفسيره، وفیه رجل لم يسم، وقد ذكرناه اعتضادا.
حاضرى المسجد الحرام على أربعة أوجه: فقال عطاء، ومكحول: من دون المواقيت إلى مكة، وهو
قول أصحابنا، إلا أن أصحابنا يقولون: أهل المواقيت بمنزلة من دونها. وقال ابن عباس، ومجاهد:
هم أهل الحرم، وقال الحسن، وطاوس، ونافع، وعبد الرحمن الأعرج: هم أهل مكة، وهو قول
مالك. وقال مالك: هم من كان أهله دون ليلتين وهو حينئد أقرب المواقيت، وما كان وراءهم
فعليهم المتعة. قال أبو بكر: لما كان أهل المواقيت فمن دونها إلى مكة لهم أن يدخلوها بغير إحرام،
وجب أن يكونوا بمنزلة أهل مكة، ألا ترى أن من خرج من مكة فما لم يجاوز الميقات فله
الرجوع ودخوله بغير إحرام، وكان تصرفهم فى الميقات فما دونه بمنزلة تصرفهم فى مكة؟ فوجب
أن يكونو بمزلة أهل مكة فى حكم المتعة، ويدل على أن الحرم وما قرب منه من حاضرى المسجد
الحرام قوله تعالى: ﴿إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام﴾، وليس أهل مكة منهم؛ لأنهم كانوا قد
أسلموا حين فتحت، وإنما نزلت الآية بعد الفتح فى حجة أبى بكر، وهم بنو مدلج، وبنو الدئل،
وكانت منازلهم خارج مكة فى الحرم وما قرب منه.
فإن قيل: كيف يكون أهل ذى الحليفة من حاضرى المسجد الحرام، وبينهم وبينها مسيرة
عشر ليال؟ قيل له: فهم فى حكمهم فى باب جواز دخولهم مكة بغير إحرام، وفى باب أنهم متى
أرادوا الإحرام أحرموا من منازلهم، كما أن أهل مكة إذا أرادوا الإحرام أحرموا من منازلهم اهـ
(٢٨٩:١). والحاصل أن بعض أهل المواقيت وإن لم يكن من حاضرى المسجد الحرام لغة وعرفا،
ولكنهم كلهم من حاضريه شرعا، وهو المراد ظاهرا، والله أعلم.
وقال الإمام الطبرى: يعنى جل ثناءه بقوله: "ذلك" أى التمتع بالعمرة إلى الحج لمن لم يكن
أهله حاضرى المسجد الحرام، ثم أيده بقول الربيع: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد
الحرام﴾: يعنى المتعة أنها لأهل الآفاق، ولا تصلح لأهل مكة، وأخرج نحوه عن السدی، قال: ثم
اختلف أهل التأويل فيمن عنى بقوله: ﴿لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام﴾ بعد إجماع
جميعهم على أن أهل الحرم معينون به، وأنه لا متعة لهم، فقال بعضهم: عنى بذلك أهل الحرم
خاصة دون غيرهم، وقال بعضهم: عنى بذلك أهل الحرم ومن كان منزله دون المواقيت إلى مكة.

٢٩٨
اختصاص المتعة والقران بمن كان خارج المواقيت
إعلاء السنن
٢٨٧٠- أخبرنا أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، فى رجل من أهل مكة اعتمر
فی أشهر الحج، ثم حج من عامه ذلك قال: ليس عليه هدی لمتعته. أخرجه محمد فى
"الآثار" (٥٢). وقال: وبه نأخذ، وهو قول أبى حنيفة، وذلك لقول الله تعالى: ﴿ذلك
لمن لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام﴾ اهـ.
وقال بعضهم: بل عنى بذلك أهل الحرم ومن قرب منزلة منه، كعرفة، ومردعرنة، وضجنان،
والرجيع، ونخلتان. وحكى عن بعضهم: أنهم أهل مكة ومن كانوا منها على اليوم واليومين. ثم
قال: أولى الأقوال فى ذلك بالصحة عندنا قول من قال: إن حاضرى المسجد الحرام من هو حوله
من بينه وبينه من المسافة ما لا تقصر إليه الصلوات؛ لأن حاضرى الشىء هو الشاهد له بنفسه فى
كلام العرب، ولا يستحق أن يسمى غائبا إلا من كان مسافرا شاخصا عن وطنه أهـ (٢: ١٥٠).
قلت: سلمنا أن المسافر بعد شاخصا عن وطنه فى كلام العرب إذا كان بينه وبين وطنه
مسافة السفر، ولكنها أى مسافة السفر غير محدودة لغة؛ فإن المسافر يشمل فى كلام العرب كل
من قصد مسافة، قريبة كانت أو بعيدة، على نصف يوم أو يوم أو يومين فصاعدا، وتخصيص
السفر بمسافة تقصر فيها الصلاة فتحديد شرعى كما لا يخفى، فلا يصح القول بأن حاضرى
الشىء فى كلام العرب من لم يكن بينه وبينه مسافة تقصر الصلاة؛ لما فيه من بناء اللغة على
الشرع، وفساده ظاهر.
وإذا رجع الأمر إلى التحديد الشرعى فالأولى أن يؤخذ بتحديد له مزية اختصاص بالحج
والعمرة، ولا يخفى أن المواقيت التى وقتها الشارع للإحرام، وحظر عن مجاوزتها بدونه كذلك؛
فإنه لم يوقتها للإحرام إلا لمزيد اختصاص ليست بغيرها من البقاع بالحرم، ودل توقيته لها على أن
الواصل إليها قد صار ملتحقا بالحرم، ولزمه من لوازم الأدب والاحترام ما لم يكن يلزمه قبل
الوصول إليها، فصح أن يقال لمن كان دون هذه المواقيت: إنه حاضرى المسجد الحرام، ولمن كان
فوقها: إنه غائب عنه شرعا.
وأما المسافة التى تقصر إليها الصلوات فليس لها اختصاص بالإحرام ولا بالحرام، ولا مزيد
علاقة بالحج والعمرة، فيكون التعليق عليها وتأويل حاضرى المسجد الحرام بها من جنس التعليق
بالأجنبی، فافهم.
قوله: "أخبرنا أبو حنيفة" إلخ: قلت: قد أجمع أهل العلم على أن دم المتعة لا يجب على

٢٩٩
ج - ١٠
باب إذا لم يجد القارن أو المتمتع الهدى فعليه صيام ثلاثة أيام
فى الحج آخرها عرفة فإن فاتته فعليه الهدى ولا يصوم أيام التشريق
٢٨٧١ - عن سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه، قال: أمرنى النبى معَّه أن أنادى
أيام منى: إنها أيام أكل وشراب، ولا صوم فيها، يعنى أيام التشريق. رواه أحمد،
والبزار. وقال فى "مجمع الزوائد": رجالهما رجال الصحيح. "نيل الأوطار"
حاضرى المسجد الحرام، قاله فى "المغني" (٥٠٢:٣). وهل عليه دم جبر مع صحة تمتعه وقرانه؟
فيه اختلاف المشايخ، ذكره المحقق فى "الفتح" بأبسط بيان (٤٢٨:٢).
باب إذا لم يجد القارن أو المتمتع الهدى فعليه صيام ثلاثة أيام
فى الحج آخرها عرفة فإن فاتته فعليه الهدى ولا يصوم أيام التشريق
قوله: "عن سعد بن أبى وقاص" إلخ، قلت: قد أخرج الطحاوى حديث النهى عن صيام
أيام التشريق بأسانيد كثيرة عن ستة عشر نفسا من الصحابة، وهذا هو الإمام الجهبذ صاحب اليد
الطولى فى هذا الفن، ثم قال: فلما ثبت بهذه الآثار عن رسول الله عَّ ◌ُله النهى عن صيام أيام
التشريق - وكان نهيه عن ذلك بمنى والحاج مقيمون بها، وفيهم المتمتعون والقارنون، ولم يستثن
منهم متمتعا ولا قارنا- دخل المتمتعون والقارنون فى ذلك أيضا، فثبت بما ذكرنا أن أيام التشريق
ليس لأحد صومها فى متعة، ولا قران، ولا إحصار، ولا غير ذلك من الكفارات، ولا من
التطوع، وهذا قول أبى حنيفة وأبى يوسف ومحمد (٤٣١:١).
قال الحافظ فى "الفتح": وهل تلتحق أيام التشريق بيوم النحر فى ترك الصيام كما تلتحق
به فى النحر وغيره من أعمال الحج، أو يجوز صيامها مطلقا، أو للمتمتع خاصة، أو له ولمن هو فى
معناه؟ وفى كل ذلك اختلاف للعلماء، والراجح عند البخارى جوازها للمتمتع؛ فإنه ذکر فی الباب
حديثى عائشة وابن عمر فى جواز ذلك، ولم يورد غيره، وقد روى ابن المنذر وغيره عن الزبير بن
العوام وأبى طلحة من الصحابة الجواز مطلقا، وعن على وعبد الله ابن عمرو بن العاص المنع مطلقا،
وهو المشهور عن الشافعى. (قلت: وهو مذهب أبى حنيفة كما تقدم عن الطحاوى)، وعن ابن
عمر وعائشة وعبيد بن عمير فى آخرين منعه إلا للمتمع الذى لا يجد الهدى، وهو قول مالك
والشافعى فى القديم. وعن الأوزاعى وغيره: يصومها أيضا المحصر والقارن اهـ (٤: ٢١٠).
قلت: وحجة الذين جوزوا للمتمتع صيام أيام التشريق ما رواه البخارى بطريق الزهرى، عن

٣٠٠
حكم من لا يجد الهدى من القارن أو المتمتع
إعلاء السنن
(٤-١٤٤). ولفظ الطحاوى: إنها أيام أكل وشرب وبعال. (١-٤٢٨). ولفظ ابن
ماجه وابن حبان عن ابن عباس: والبعال وقاع النساء. "نيل" (١٤٤:٤).
عروة، عن عائشة، وعن سالم، عن ابن عمر رضى الله عنهم، قال: لم يرخص فى أيام التشريق أن
يضمن إلا لمن لم يجد الهدى. وفى طريق له عن ابن عمر قال: الصيام لمن تمتع بالعمرة إلى الحج إلى
يوم عرفة، فإن لم يجد هديا ولم يصم صام أيام منى. وعن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة مثله،
وتابعه إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب اهـ. قال الحافظ: وصله الشافعى: أخبرنى إبراهيم بن سعد،
عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، فى المتمتع إذا لم يجد هديا ولم يصم قبل عرفة: فليصم أيام
منى. وعن سالم عن أبيه مثله. ووصله الطحاوى من وجه آخر عن ابن شهاب بالإسنادين بلفظ:
إنهما كانا يرخصان للمتمتع، فذكر مثله، لكن قال: أيام التشريق. وهذا يرجح كونه موقوفا لنسبة
الترخيص إليهما، فإنه يقوى أحد الاحتمالين فى رواية عبد الله بن عيسى، حيث قال: لم يرخص،
وأبهم الفاعل، فاحتمل أن يكون مرادهما من له الشرع. فيكون مرفوعا، أو من له مقام الفتوى فى
الجملة، فيحتمل الوقوف، وقد صرح يحيى بن سلام بنسبة ذلك إلى النبى معَ ◌ّ (عند الدار قطنى
والطحاوى) وإبراهيم بن سعد بنسبة ذلك إلى ابن عمر وعائشة، ويحيى ضعيف، وإبراهيم من
الحفاظ، فكانت روايته أرجح، ويقويه رواية مالك، وهو من رواية مالك، وهو من حفاظ أصحاب
الزهرى، فإنه مجزوم عنه بكونه موقوفا، والله أعلم. واستدل بهذا الحديث على أن أيام التشريق
ثلاثة غير يوم عيد الأضحى؛ لأن يوم العيد لا يصام بالاتفاق اهـ ملخصا (٤: ٢١٢).
قال الحافظ: وقد اختلف علماء الحديث فى قول الصحابى: أمرنا بكذا، ونهينا عن كذا،
ويلتحق به: رخص لنا فى كذا، وعزم علينا أن لا نفعل كذا. كل فى الحكم سواء، فمن يقول: إن
له حكم الرفع فغاية ما فى رواية يحيى بن سلام أنه روى بالمعنى، لكن قال الطحاوى: إن قول ابن
عمر وعائشة: "لم يرخص" أخذاه من عموم قوله تعالى: ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام فى
الحج)؛ لأن قوله: "فى الحج" يعم ما قبل يوم النحر وما بعده، فيدخل أيام التشريق، فعلى هذا
فليس بمرفوع، بل هو بطريق الاستنباط منهما عما فهماه من عموم الآية، وقد ثبت نهيه عدّ له عن
صوم أيام التشريق، وهو عام فى حق المتمتع وغيره، وعلى هذا فقد تعارض عموم الآية المشعر
بالإذن وعموم الحديث المشعر بالنهى، وفى تخصيص عموم المتواتر بعموم الأحاد نظر لو كان
الحديث مرفوعا، فكيف وفى كونه مرفوعا نظر؟ فعلى هذا يترجح القول بالجواز، وإلى هذا جنح
.